Friday, May 25, 2012

في العباسية .. الاسلاميون يمتنعون

كتب – عبدالرحمن مصطفى
" اختيارات المرشحين اتأثرت باللي حصل في اعتصام العباسية.. وبالذات في المناطق اللي وقع فيها ضحايا أو سكانها دخلوا في اشتباكات مع المعتصمين ". يتحدث سمير سيد أحد سكان شارع بني فهيم مؤكدا أن نسبة من شباب المناطق الذين تأذوا وقت أحداث العباسية يرفضون إعطاء أصواتهم لأي مرشح يحمل خلفية إسلامية، بسبب الصدامات التي وقعت بينهم وبين الاسلاميين أثناء أحداث أمام وزارة الدفاع. "سأعطي صوتي لأحمد شفيق أو حمدين صباحي"، يقول عبارته ثم يتجه إلى طاولة تحمل لافتة : "اعرف لجنتك"، و هناك جلس يحي زكريا من سكان الحي جوار مجموعة من الشباب أمام جهاز كمبيوتر لمساعدة الأهالي في التعريف بلجانهم الانتخابية. في تلك الأثناء تقع مشادة طفيفة بين الشباب المتطوعين و سمير سيد الذي احتج على تقديم أجندات دعائية لمحمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين لرئاسة الجمهورية، يوضح يحي زكريا أحد المتطوعين : "هذه ليست دعاية، ولا نجبر أحد على اختيار مرشح بعينه". يمر بعض الشباب بدراجة بخارية ويلقون هتافات مسيئة للمرشح محمد مرسي وانصاره من الاسلاميين. في داخل الشوارع التي شهدت اشتباكات أثناء أحداث العباسية مثل : بني فهيم، وغرب القشلاق، والوايلية، اختفت بوسترات محمد مرسي، و أبو الفتوح لحساب مرشحين آخرين على رأسهم حمدين صباحي وأحمد شفيق، و على واجهة إحدى المتاجر في شارع عبادة الأنصاري قرب ميدان العباسية يرفع أحدهم بوسترات للمرشح أحمد شفيق، لم يخف عم ناصر صاحب المتجر تأثير تلك الأحداث على اختيارات بعض سكان المنطقة قائلا: "ارتبطت صورة الاسلاميين لدى الناس هنا بالفوضى وغياب الأمان، وهو ما جعلني أصر على اختيار شفيق، رغم أنني كنت قد اخترته قبل شهور". يشير بإصبعه المطلي بالحبر الفوسفوري قائلا: "مش عايزين حد يتحكم فينا". يعود سمير سيد الذي ما زال يفاضل بين أحمد شفيق و حمدين صباحي ليتحدث عن جانب آخر موضحا: "لدينا نية أن نجتمع يوم الجمعة القادمة بعد انتهاء الانتخابات مباشرة وسنخرج كمجموعة من أهالي وأصدقاء الضحايا والمعتقلين .. و لدينا استعداد للتصعيد حتى نحصل على حقوقنا". هذه الصورة ليست نهائية، إذ يتدخل ياسر طه – حاصل على ليسانس الآداب- في الحديث محاولا اقناع صديقه سمير سيد بأن يختار حمدين صباحي بدلا من أحمد شفيق من أجل التغيير، وتجمع الاثنان صداقة بمصطفى اسماعيل أحد قتلى العباسية، ويقول: "أنا عن نفسي سأنتخب محمد مرسي، لكن لا يمكن إغفال أن هناك عداء من بعض سكان هذه الناحية من العباسية تجاه المرشحين الاسلاميين، فتلك الصدامات التي وقعت بين الأهالي والسلفيين، حملت معها الدماء والحزن، و أثارت ضغائن، حتى أنك من الصعب أن تجد شعارا للمرشح محمد مرسي في هذه الشوارع".

Thursday, May 17, 2012

رحلة في عقل أنصار أبو اسماعيل

من هم أتباع (الشيخ الرئيس؟)
داعمو الحملة تجاوز عددهم 100 ألف.. واللا مركزية كلمة السر
«فى أثناء زيارتى الأخيرة للقاهرة، التقيت بعض أبناء معسكر أبوإسماعيل، وهناك وجدت من لم يمارس السياسة من قبل، ومن يرى المستقبل بعينى الشيخ، وكلهم مستمرون فى مشروعهم حتى النهاية»، هذا التعليق لخليل العنانى المتخصص فى شئون الحركات الإسلامية فى جامعة «دورهام» البريطانية يصف فيه ظاهرة أبوإسماعيل ومؤيديه ــ على حد تعبيره ــ داعيا إلى ضرورة دراسة وتفكيك هذه الظاهرة ومحاولة فهمها لإدراك تطورات حالة المجتمع المصرى بعد الثورة. هذه الملاحظات التى وردت فى مقال للعنانى نشر فى جريدة الأهرام ويكلى لم تشغل فقط المتخصصين، بل شغلت الرأى العام بعد تصريحات الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل نفسه عن علاقته بمؤيديه وأنه لا يملك عليهم أى سلطة. «هناك مبادرات شعبية، اتخذت شكل الحركات أو المجموعات تتبنى أفكار الشيخ حازم، لكنها فى النهاية تختلف تماما عن الكيان الأساسى القديم وهو الحملة المركزية لترشيح حازم صلاح رئيسا لمصر، إذ إنه هو الكيان الوحيد الذى يرأسه الشيخ بنفسه، وهذا لا ينفى أن هذه الحملة قد تعاونت مع بعض المجموعات الأخرى». الحديث هنا لمعاذ المصرى أحد قيادات الحملة التى ما زالت محافظة على ملامحها رغم استبعاد حازم صلاح أبوإسماعيل نهائيا من سباق الرئاسة، وكان معاذ المصرى مسئول الحملة لطلاب الجامعات. أحد بيانات الصادرة عن الشيخ حازم صلاح شخصيا أوضحت الموقف حين أعلن قبل أسابيع أنه لم توجد فى الحملة وظيفة مدير الحملة ولا مدير الحملة المركزية ولا مسئول الحملة ولا المتحدث الإعلامى ولا المنسق الإعلامى، وهى التعبيرات التى كان يتداولها الإعلام لبعض مؤيدى الشيخ، وهو ما طرح تساؤلات عن شخصيات ومجموعات ارتبطت باسم الشيخ حازم واعتبرها الإعلام ممثلة له، مثل الشيخ جمال صابر منسق حركة «لازم حازم»، ومديرى حركة «حازمون» وغيرهم.
قبل عام تقريبا فى مايو 2011 أعلن الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل نيته الترشح للرئاسة، لكن حملته المركزية لم تظهر بشكل حقيقى إلا فى يونيو من العام نفسه، حين بدأت فى طلب متطوعين للعمل داخلها، وبدأت صفحة الحملة على الفيسبوك فى التواصل مع غيرها من الصفحات الداعمة لأبوإسماعيل، حتى جاوز اليوم عدد أعضاء هذه الصفحة 550 ألف شخص، أما ما يقدره العاملون فى الحملة حاليا من متطوعين وداعمين على الأرض فأكثر من 100 ألف شخص فى أنحاء مصر، وبعض أعضاء تلك الحملة لهم كيانات خاصة بهم مثل «حركة طلاب الشريعة» التى ينتمى أغلبها إلى شباب الحملة المركزية السابقة، حتى أن بعض بوسترات أبوإسماعيل الشهيرة كانت تحمل شعارهم. وبعد عدم تمكن حازم صلاح من المنافسة على الرئاسة، أصبح كيان مثل «طلاب الشريعة» مؤخرا أكثر وضوحا فى الميدان، حين يشارك أعضاؤه فى الاعتصامات والمسيرات، لصالح الشيخ أو لأسباب أخرى، واليوم ينتظر من كانوا متطوعين فى مشروع الحملة للرئاسية، والمؤيدين لحازم صلاح من الحركات الأخرى أن يعلن مشروعه القادم حتى يستعيدوا نشاطهم من جديد.
كان نوفمبر 2011 تاريخا مهما فى حياة أنصار الشيخ حازم صلاح خاصة بعد جمعة الشريعة فى 18 نوفمبر، فما زال بعض المتابعين يتذكرون مشهد الشيخ الملتحى وهو يردد البيعة لحازم صلاح أبوإسماعيل قائلا: «لك السمع والطاعة، فى المنشط والمكره، ما أطعت الله فينا»، وحوله المئات يرفعون أذرعهم فى الهواء مرددين خلفه نص البيعة. فى ذلك الوقت لم يعرف الكثيرون أن هناك مجموعات قد نشأت متأثرة بأفكار حازم صلاح أبوإسماعيل، كما انضمت كيانات فى نفس ذلك الشهر تحت لواء «الشيخ الرئيس»، وفقا لمقال خليل العنانى الباحث فى الشئون الإسلامية بجامعة دورهام البريطانية، وإحدى أكبر هذه الحركات كانت «حازمون» وهى ذات اتجاه آخر، إذ إن «حازمون» ليست حملة دعائية، بل حركة تتبنى أفكار حازم صلاح سواء كان رئيسا أم لم يصبح، فارتباطهم الأول والأخير مع أفكاره وشعاراته.

حلم تصدير الثورة
يعرض المقداد جمال ــ عضو المكتب التنفيذى لحركة حازمون ــــ الاتجاه الذى اختاره أفراد الحركة قائلا: «هى حركة إسلامية ثورية شبابية، لها فروع فى المحافظات المختلفة، وقد ساندنا الحملة المركزية للرئاسة، لكن مهمتنا ليست الدعاية بقدر ما هى نشر أفكار الشيخ التى اقتنعنا بها، والدفاع عنها، ولدينا الاستعداد أن ننقد حازم صلاح نفسه لو وجدناه قد ابتعد عن هذه الأفكار». تلك الأفكار التى أحبها العديد من الشباب الملتزم هى نقلة فى حياة الشاب السلفى المصرى، بين الصورة التقليدية للعالم الفقيه وطالب العلم الشرعى، وبين صورة جديدة قدمها حازم صلاح أبوإسماعيل، إذ أنه هنا يقوم بدور رجل السياسة ذى الخلفية الشرعية، وله برنامج وتصور، ويجيد التحدث إلى العامة بلغة بسيطة، وهو نموذج جديد على هذه الفئة من الشباب. وتتبنى «حازمون» بشكل واضح هذا النهج، إلى جانب تبنيها المواقف الثورية تماشيا مع نهج الشيخ أبوإسماعيل، لكن هذه النبرة الثورية تدفع شخصا مثل المقداد جمال أن يقول: «لأننا ثوريون فنحن نرفض أن يؤسس الشيخ حزبا ويتحول مصيره إلى حزب النور الفاشل، وإذا ما اتخذ هذه الخطوة فسنقف ضد هذا القرار، فنحن لدينا أمل أن نكون حركة ثورية قادرة على تصدير الثورة.. وبالطبع هذا لن يحدث إلا بنجاح ثورة يناير نفسها».
حركة «حازمون» التى ظهرت فى نوفمبر الماضى، تلاها أسماء حركات أخرى من أشهرها «لازم حازم» التى قادها الشيخ جمال صابر فى إبريل الماضى على خلفية ما أثير فى ذلك الوقت عن جنسية والدة أبوإسماعيل، وتصدى لهذه لقيادة حملة لازم حازم الشيخ جمال صابر ومن معه من العناصر الفاعلة فى الحملة المركزية، لكن هناك من يراها حملة هشة ولا ترقى إلى مستوى الحركة الشعبية.
على هذا المنوال ينقسم مؤيدو الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل إلى القسم الرئيسى الممثل فى الكيان المتبقى من (الحملة المركزية لترشيح حازم صلاح رئيسا لمصر) وقسم آخر على نمط «حازمون» لحركات شبابية مؤمنة بالفكر الإسلامى الثورى، ومجموعات أخرى كانت متواجدة قبل إعلان حازم صلاح ترشحه الرئاسة، ثم انضمت لتأييده بعدها، إحدى هذه المجموعات على سبيل المثال هو «التيار الإسلامى العام» الذى ضم 11 كيانا أعلنوا تأييدهم للشيخ أبوإسماعيل، بعضها كيانات صغيرة، وأخرى ذات حضور أكبر مثل «الجبهة السلفية». يقول حسام أبوالبخارى ـ المتحدث الرسمى باسم التيار الإسلامى العام: «هذه الكيانات المكونة للتيار، أعلنت دعمها لحازم صلاح أبوإسماعيل وستشارك فى مشروعه القادم، ولا أخفى أن أحداث العباسية الأخيرة قد أحدثت خلافات بيننا، بعد الجدل المثار حول أهمية الاعتصام». كل هذه الكيانات لا تأتمر بأمر الشيخ، وهو ما حاول الشيخ توضيحه فى لقائه مع الإعلامى يسرى فودة حول أحداث العباسية حين ذكر: «المعتصمون هناك مستقلون، وليس لى عليهم من سلطان».
المقداد جمال كان ممثلا لحازمون فى «التيار الاسلامى العام»، لكنه يراه الآن كيانا نخبويا يضم مجموعات ليس لأغلبها تمثيلا قويا على الأرض، قائلا: «نحن من يتحرك منذ أحداث محمد محمود، ونحن من تلقفنا الأفكار الثورية ونعمل على نشرها والعمل بها، لذا نحن مختلفون».

خريطة متشابكة
تبدو الصورة معقدة لمن يحاول فك رموز مؤيدى الشيخ حازم أو من أطلق عليهم الإعلام «ولاد أبوإسماعيل» هناك أمور متشابكة كأن تجد على سبيل المثال فى موقع «المرصد الإسلامى لمقاومة التنصير» على الانترنت الذى يديره المهندس خالد حربى مقالا للمقداد جمال زميله فى «حازمون» أو أن تجد حوارا مع الدكتور حسام أبوالبخارى فى الموقع بصفته متحدثا عن «ائتلاف دعم المسلمين الجدد»، أو أن تجد مئات الصفحات على الفيسبوك تدعم الشيخ حازم صلاح، وبينهم من يدير أكثر من صفحة فى الوقت ذاته، وكل هذا يصنع زخما لدى الشريحة المهتمة بدخول هذه المواقع، وتداخلا بينهم. بعيدا عن ذلك فهناك كيانات أخرى تماما أيدت الشيخ، ليس لها صلة مباشرة بالدعوة منها على سبيل المثال «رابطة المحامين الاسلاميين».
أما الشريحة الأخيرة من المؤيدين فتضم أفرادا مستقلين أعلنوا دعمهم للشيخ حازم، حتى إن كان ذلك على عكس توجهات كيانات ينتمون لها، والمثال على ذلك استقالة الشيخ حسن أبوالأشبال من الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح قبل أسابيع احتجاجا على تباطؤها فى إعلان تأييدها لأبى إسماعيل، وكذلك أيد عدد من أعضاء حزب النور السلفى الشيخ حازم فى الفترة الماضية، رغم التوترات فى علاقة حزب النور بالشيخ حازم. وجميع هذه المجموعات تنتظر الآن المشروع القادم لأبوإسماعيل، حتى إن لم يكن الرئيس.

أحمد بروست: التغيير من البرادعى إلى الشيخ حازم
يتحدث أحمد إبراهيم الشهير بـ(بروست) بجدية عن اختياره دعم الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل طوال العام الماضى، ولا ينجح بروست فى السيطرة على عينيه الزائغتين قلقا من مفاجآت جديدة، إذ تلقى تهديدات بسبب عمله الحركى فى المسيرات والاعتصامات أثناء أحداث العباسية وبعدها، «الناس افتكرت إنى اتحبست بعد فض اعتصام العباسية، بس الموضوع اتحل بسرعة وخرجت».
يجلس على بعد أقل من 200 متر من مقر وزارة الدفاع بمدينة نصر، وفى هذه المرة لم يأت معتصما مثلما كان الحال فى اعتصام وزارة الدفاع بكوبرى القبة الأخير، إذ إنه ببساطة أحد سكان هذا المربع فى مدينة نصر، ويقول: «قبل الثورة أتذكر أنى كنت رقم 38 ألفا وكسور من الذين أعطوا توكيلات للبرادعى لتعديل الدستور فى 2010، كما شاركت فى الجمعية الوطنية للتغيير، لكن موقف البرادعى بعد الثورة وأداؤه الانسحابى دفعنى إلى الاهتمام بتجربة أبوإسماعيل الذى أبدى مواقف ثورية». ما يجمع البرادعى وحازم صلاح من وجهة نظره هو «حلم التغيير».
يعمل أحمد بروست الذى جاوز الثانية والثلاثين فى مجال تكنولوجيا المعلومات، واقترب من الشيخ حازم فى يوليو الماضى بعد بدء اعتصام 9 يوليو. «صديقى أحمد سمير ذو ميول سلفية وعضو فى ائتلاف دعم المسلمين الجدد، وقد اندهش لهذه النقلة فى ذلك الوقت، وقررنا أن نعمل سويا». حسبما يصف فإن تلك المرحلة كانت بداية تأسيس صفحة «كان فين أبوإسماعيل قبل الثورة؟»، ويوضح بروست: «كان لدى نفور من أن يسطو على الثورة من يتاجر بالدين». لكن ــ على حد قوله ــ فإن وجود برنامج انتخابى وخطة زمنية وتوافر مواد فيلمية للشيخ حازم صلاح تعود إلى التسعينيات، جعلته يراه بشكل مختلف، وبدأ فى دعمه بإخلاص حتى إن كان هو وأصدقاؤه ليسوا أفرادا فى الحملة الرسمية. ويعلق: «التقيت الشيخ حازم مرتين أو ثلاثة.. فى إحداها عرضت عليه مبادرات تتبنى دعمه، فقال: اعمل بالطريقة التى تجدها نافعة.. اقتناعى به دفعنى إلى طبع بوستراته على نفقتى الخاصة».
يتعامل بروست مع تلك المرحلة من العام الماضى على أنها مرحلة تاريخية، إذ تطورت صفحة «كان فين أبوإسماعيل قبل الثورة؟» إلى حركة «حازم لكل المصريين»، التى تعتمد على الطابع الشبابى فى استخدام الفيديوهات، والتوعية فى الشارع على نمط الحركات السياسية. أما المرحلة الأخيرة التى انتقل إليها بروست فكانت المساهمة فى تأسيس «حركة ثوار بلا تيار» وهى إحدى أهم الحركات التى قادت المسيرة إلى وزارة الدفاع ليلا وتدشين الاعتصام حتى تم فضه بعدها. اتهمت هذه المبادرة بأنها بتحريك من أنصار الشيخ حازم، لكن بروست يشرح: «كان الجميع ينظر إلى أنصار أبوإسماعيل المعتصمين فى التحرير على أنهم انتهازيون ولا يبحثون إلا عن مصلحة شيخهم، فى حين أن هناك قضايا اعتصموا لأجلها، وفجرتها قصة أبوإسماعيل والانتخابات الرئاسية، وكان قرار عودة أحمد شفيق إلى سباق الرئاسة مزعجا للجميع». لذا ساهم فى إبريل الماضى فى تأسيس «ثوار بلا تيار» من شباب يؤيد الشيخ حازم، وشباب من ألتراس أهلاوى، ومجموعة من شباب الإخوان، وشباب 6 ابريل (الجبهة الديمقراطية). كلهم كانوا فى الاعتصام إلى جوار كيانات أخرى من مؤيدى أبوإسماعيل، يصف بروست بحماس اعتصام العباسية بأنه كان «رسالة بأنه لم تعد هناك خطوط حمراء، وأن الحركة الاحتجاجية مستمرة».
فى صفحة «ثوار بلا تيار» على شبكة فيسبوك الاجتماعية شعار يقول: «أنا مصرى بحب بلدى. وغير تابع لأى حزب ولا جماعة. أنا لا إخوانى ولا علمانى ولا اشتراكى ولا سلفى. ولا ليبرالى ولا تابع لأى تيار سياسى أى حزب ولا جماعة وليس لى أى تيار سياسى. أنا بلا تيار وقررت أنى أشارك فى مستقبل بلدى». وهكذا يصف بروست نفسه أيضا. تلك الملامح الجادة والبنية الرياضية تقدم شخصا ذا مزاج عسكرى، وهو ما يعلق عليه بابتسامة تكاد تكون الوحيدة التى أبداها خلال الجلسة: «والدى كان ضابطا فى القوات الجوية، زى مبارك وشفيق، بس فيه فرق كبير». ينتقد فى حديثه سلوكيات الشباب السلفى المحافظ الذى يطوف حول شيخ واحد، ولا يرغب فى أن يرى أبوإسماعيل مستقبليا فى مثل هذا الموقف، موضحا أن اعتصام العباسية كان على مسئولية الثوار، لأنهم لا يأخذون أوامر من الشيخ.
بعد حوالى عام مع الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل، يجد الطريق يأخذه ناحية مزيد من الثورة، متبنيا بعض أفكار من الشيخ حازم، دون أن يقتصر عليها.
سنحيا كرامًا من بورسعيد
على أغلب بوسترات الشيخ حازم صلاح التى غزت الشوارع قبل عدة أشهر عبارة شهيرة تقول: «سنحيا كراما»، هذه العبارة اجتذبت محمد لهيطة فى مدينة بورسعيد كى يحولها إلى حركة شعبية قائمة على أفكار الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل، يقول عن ذلك: «ليس ضروريا أن ألتقى الرجل وجها لوجه أو أن أكون من المقربين منه فى القاهرة حتى أقوم بهذه المبادرة، أنا أبحث عن المشروع وليس الشخصية، وقد كنت أعمل مع زملائى فى حملته للرئاسة، وفى بالنا أننا سنكمل كحركة شعبية، وعندما لم يتمكن الشيخ من الترشح للرئاسة، بقينا مستمرين كما نوينا فى البداية».
لا يستطيع لهيطة أن يحدد رقما لعدد أعضاء مجموعته، فانتشارهم غير قائم على كيان مؤسسى، الصفحة على الانترنت تضم 1000 شخص، ومجلس إدارة الحركة يضم 15 فردا هو أحدهم، ولا يخجلون من طلب معونة إحدى المجموعات الإسلامية الأخرى فى أى نشاط يقومون به.
يعمل محمد لهيطة فى مجال ضبط الجودة داخل مؤسسات ومصانع المدينة، كما ضمت الحركة أبناء محافظات أخرى مجاورة، ومهمتهم نقل رسالة الشيخ حازم ورؤيته الشرعية لممارسة السياسة، من خلال مسيرات، أو أن ينموا مجتمعاتهم عبر ورش تدريبية.
رغم تأييدهم لحق الشيخ حازم فى الترشح للرئاسة، واعتبارهم ما تعرض له محاولة للإقصاء إلا أنهم لم يجدوا فى اعتصام العباسية وسيلة جيدة لتحقيق الأهداف المرجوة منه، وبعيدا عن العاصمة تسير الأمور حسب قواعد أخرى، خاصة فى محافظة بورسعيد التى تعرضت لضغوط من الجماهير فى الفترة الماضية بعد أحداث مباراة الأهلى والمصرى الدامية، إذ يعتمد العمل على التعاون على مجموعات أخرى مثل: شباب حزب النور، وشباب الإخوان المسلمين، و6 إبريل «الجبهة الديمقراطية» الذى يملك لهيطة أقرباء فى داخلها، ومن هذا الاختلاط، استعارت «سنحيا كراما» فكرة رسم الجرافيتى على الجدران للتعبير عن مواقفها. يقول محمد لهيطة عن ذلك: «فى النهاية نحن لا نخضع كحركة لفكرة السمع والطاعة، ونؤمن باجتهادات وآراء شخص مثل حازم صلاح الذى كنا نطمح أن يكون رئيسا، لكن الأفكار ستبقى، وهذا دورنا».
رجل السياسة الشرعية
قضى الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل فترة من حياته فى العمل العام إلى جانب نشاطه فى الدعوة الإسلامية، وشارك منذ الثمانينيات فى تناول قضايا اتخذت الطابع الحقوقى مثل مقاومة لائحة اتحاد طلاب الجامعات ومصادرات جريدة الأحرار. وعلى الموقع الرسمى لحازم صلاح، يسجل محبوه اهتمامه بالعمل السياسى بدءا من مساندة والده فى حملات ترشحه لانتخابات مجلس الشعب، إلى أن خاض التجربة بنفسه فى برلمان 2005 التى خسر فيها أمام الوزيرة آمال عثمان.
بعض المراقبين يقارنون بين النبرة الجماهيرية التى يستخدمها أبوإسماعيل، والنبرة الناصرية، إذ خرجت من تصريحاته «كليشيهات» وشعارات مثل: «سنحيا كراما، وأدركوا اللحظة الفارقة». وهذا أداء جديد على شيوخ السلفية الأكثر ارتباطا بالعلم الشرعى والدعوة، وهنا لا نتعجب حين نجد أنصار أبوإسماعيل يستخدمون لقب «الأستاذ» أحيانا بدلا من «الشيخ». هذه الفكرة يعبر عنها الدكتور طارق عبدالحليم ـ أحد شيوخ المهجر ـ فى مقال بعنوان: «فى السياسة الشرعية.. مثال الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل»، فهو لا يراه رجل الفقه التقليدى ـ أو النموذج الشهير لدى الجماعة السلفية للفقيه وطالب العلم الشرعى ـ بل يراه «رجل السياسة، المسلم صاحب العلم»، الذى يتعرض لجمهور آخر، وغايته تختلف عن غاية الفقيه، لأنه يتحدث إلى «العامة» ولديه خطاب جماهيرى قريب من قضايا الحركات الثورية التقليدية، بل وأعطى شرعية للعمل الحركى فى المسيرات والاعتصامات، مع التأكيد على ضرورة تطبيق الشريعة.

Sunday, May 13, 2012

قصور لها منافع أخرى

يحمل تاريخ مدرسة النقراشى الإعدادية «بنين» بحى حدائق القبة قصة عن نجيب باشا شكور الذى تبرع بقصره لتأسيس المدرسة فى العام 1947، أما اليوم فلن يجد طلاب المدرسة أثرا لهذا القصر بعد هدمه وإقامة مبنى ضخم قبل سنوات. ليست تلك هى الحالة الوحيدة، إذ تحولت بعض القصور إلى مبان فى مدارس مثل مدرسة أسماء فهمى بالجيزة التى استغلت أحد قصور العائلة المالكة، وكذلك قصر الأمير سعيد حليم الذى تحول فى فترة سابقة إلى المدرسة الناصرية. أما حول مدرسة النقراشى الاعدادية فما زالت هناك بقايا فيللات ومبان ذات طراز معمارى متميز، وفى داخل إحداها يروى إبراهيم ظريف أحد قدامى سكان المنطقة قصة قصر منصور نجيب شكور فى عبارة مختصرة: «حاول الورثة استرداد القصر من وزارة التربية والتعليم، ولم يفلحوا، وتم هدمه بعدها لتوسعة المدرسة». لم يتبق من سيرة نجيب باشا شكور أحد مؤسسى حى حدائق القبة فى بداية القرن الماضى سوى اسم شارع فى هذه المنطقة، بينما يظل عدد من الفيللات والقصور الأخرى فى حيازة أصحابها دون قدرتهم على هدمها، إذ يحظر قانون 144 لسنة 2006 «الترخيص بالهدم أو الإضافة للمبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز أو المرتبطة بالتاريخ القومى أو بشخصية تاريخية»، ولا يعيق هذا القانون تأجير أو بيع المبنى.
أما الدكتورة سهير حواس، رئيسة الإدارة المركزية للدراسات والبحوث والسياسات بالجهاز القومى للتنسيق الحضارى، فترى أنه لا توجد أزمة فى إعادة استخدام القصور التاريخية أو المبانى ذات الطراز المعمارى المتميز، بل تحبذ ذلك قائلة: «يجب أن يتم استغلال تلك المبانى بطريقة علمية، إذ إن ذلك موجود فى الغرب حيث نجد مبانى أثرية تستغل كفنادق سياحية، المهم هنا هو التعامل الجيد مع المبنى، وقد كان لدينا نموذج جيد فى القصور الملكية التى تحولت إلى قصور رئاسية فى العهد السابق، وكذلك فى القصور التى استخدمت كسفارات، فهذه النماذج نجحت فى إحياء تلك المبانى، لأن المسألة ليست فقط فى الصيانة، لكن فى أمر آخر هو أن استغلال المبنى هو جزء من الحفاظ عليه وذلك من الناحية الهندسية». أحد الشروط التى تؤكد عليها الدكتورة سهير حواس فى استغلال القصور والمبانى ذات الطراز المتميز هو ألا يبتعد الاستخدام عن خلفية المبنى التاريخية فحتى إن كان هناك قصر داخل محيط مدرسة، فيمكن استخدامه فى تعريف الطلبة بجمال العمارة وتعويدهم عليها. وتضرب مثلا آخر بمتحف أمير الشعراء أحمد شوقى الذى تم استغلال منزله «كرمة ابن هانئ» مع الحفاظ على تفاصيله القديمة، واستغلاله فى إقامة أنشطة ثقافية ملائمة لماضى أمير الشعراء، وهناك نماذج أخرى استغلت فيها القصور بناء على قرار جمهورى، وهو ما حدث عند إنشاء مكتبة مصر العامة «مبارك سابقا»، إذ تم استغلال قصر الطحاوى على النيل فى الجيزة بعد صدور قرار جمهورى فى ديسمبر 1992. بعض تلك القصور دخلت إلى تبعية المجلس الأعلى للآثار بعد أن بدأت بالفعل نشاطها مثل قصر الأميرة سميحة ابنة السلطان حسين كامل (حاكم مصر من 1914 إلى 1917)، إذ كانت الأميرة سميحة مهتمة بالفن والثقافة، وتجيد الرسم والنحت، وظلت بقصرها حتى وفاتها فى الثمانينيات. وذكر المهندس محمد مصطفى صالح استشارى المشروع فى مجلة عالم البناء (العدد 132 ـ يونيو 1992) أن تاريخ المبنى يعود إلى العام 1900، واختارت الأميرة بنفسها زخارف ذلك القصر الذى تحول إلى مكتبة القاهرة الكبرى فى العام 1992، وتم تسجيله كأثر فى العام 2001.
فى قائمة سجلات جهاز التنسيق الحضارى العديد من المبانى ذات الطابع المعمارى المتميز بعضها مهجور وآخر مأهول بالسكان، وهناك مبان تم استغلالها فى أغراض تجارية كأن تقوم بعض البنوك بتأجيرها وتحويلها إلى فروع لها. وحسب قانون التنسيق الحضارى لسنة 2008 «فإن من مهام جهاز التنسيق الحضارى إعداد أسس وضوابط الحفاظ على المناطق والمبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز، كما يجوز للجهاز اقتراح نزع ملكية بعض العقارات من أجل المنفعة العامة». ورغم تلك الصلاحيات فإن الواقع يسير بشكل آخر تماما، إذ تظل سلطة إصدار تراخيص الهدم والبناء بيد مهندسى المحليات، وليس لدى جهاز التنسيق الحضارى أى سلطة لمنع الهدم أو محاسبة المخالفين فعليا. ويرى الدكتور محمود عباس أحمد ـ رئيس الإدارة المركزية لآثار العصر الحديث بالمجلس الأعلى للآثار ـ أنه لا بد من إنشاء هيئة لإدارة القصور الملكية على وجه الخصوص، وكذلك بعض القصور والمبانى ذات الطراز المعمارى المتميز، ويكمل شارحا: «مثل هذه الهيئة ستنزع القيود التى قد تمنعنا من التصرف فى هذه المبانى واستغلالها». بعض القصور التاريخية ما زالت تحت تصرف وزارات من أشهرها قصر الزعفران التاريخى الذى ما زال يعمل كمبنى لإدارة جامعة عين شمس، ويوضح الدكتور محمود عباس: «البعض يعتقد أن تسجيل القصور والمبانى ضمن الآثار لابد أن يكون بعد مائة سنة على تأسيسه، لكن الأمر له أبعاد أخرى لها صلة بتاريخ المبنى وشخصيته، إضافة إلى جماليات زخارفه وقيمته المعمارية، وعلينا فى البداية أن نبدأ بالقصور الملكية».

Wednesday, May 9, 2012

La diva, version numérique أحمد الصاوي .. موسيقى مصرية بأصابع الكترونية



Musique . L’expérience de penser les chansons de la diva Oum Kolsoum en numérique tentait Ahmad Al-Sawi depuis longtemps. Il a usé de tous les moyens pour en faire une œuvre très moderne et très égyptienne dans l’âme.
Ahmad Al-Sawi ne cache pas l’admiration qu’il voue à la musique égyptienne, indépendamment de la large palette de la musique arabe. « Par exemple, le mode sika en Egypte diffère totalement de celui en usage en Iraq », indique-t-il, en fredonnant les deux airs. Ahmad Al-Sawi joue une musique égyptienne contemporaine en utilisant les différentes technologies de pointe, qui se présentent comme étant l’élément incontournable de ses œuvres. Son dernier concert, donné ces derniers temps sous l’intitulé Oum Kolsoum en numérique, Oum Kolsoum à l’infini, s’inscrit dans le cadre d’un projet de musique électronique parrainé par Prohélvetia, l’institut culturel suisse au Caire. Nahla Matar, professeure à la faculté de pédagogie musicale et coordinatrice du projet, explique : « Le spectacle ne repose pas seulement sur le mélange de plusieurs musiques en incorporant celle d’Oum Kolsoum. Il s’agit plutôt d’une interprétation numérique de la musique de la diva ». Les responsables de ce projet ont posé une question restée sans réponse : Comment Oum Kolsoum aurait-elle pu utiliser la technologie moderne ? Car le concert donné à l’issue du projet était uniquement représentatif des expériences de chacun des participants.
Ahmad Al-Sawi a choisi le café intello Al-Nadwa al-saqafiya (le colloque culturel) au centre-ville pour se produire. Il a commencé son discours sur la musique numérique en disant : « Aujourd’hui, les programmes informatiques exécutent les sons de tous les instruments musicaux. Voire, vous avez pleinement la possibilité de créer par vous-mêmes le son musical que vous recherchez. De là émane l’importance de l’étude de la musique et de la science des sons. Il est également important dans ce contexte d’avoir une bonne connaissance du monde de l’industrie de la musique instrumentale qui diffère de celui du marché des chansons pop ou traditionnelles ».

Ahmad Al-Sawi a effectué des études à l’Institut de la musique arabe puis a décroché une bourse pour étudier la musique digitale en Suisse. « A l’Institut, on s’entraînait sur certaines pièces musicales d’Oum Kolsoum. Il y a des aspects dans son œuvre que je connais parfaitement bien. Les solos par exemple se basent toujours sur une composition bien étudiée et non sur l’improvisation. Il s’agit là d’un aspect auquel j’ai voulu m’attaquer », précise-t-il.

Un groupe d’artistes a tenté d’intégrer le monde de la diva. Al-Sawi, ayant grandi dans le quartier d’Al-Gamaliya sur les airs des chants religieux du cheikh Mohamad Omrane, a d’abord introduit la voix d’Ibrahim Al-Faran, l’un des plus anciens chanteurs de louanges. Ensuite, il nous a fait découvrir la voix du cheikh Walid Chahine, improvisant une célèbre phrase musicale d’Oum Kolsoum, Bérédak ya khaléqi (avec votre grâce, Seigneur). L’aspect électronique s’est révélé dans le jeu du violon électronique, de l’orgue et des rythmes préparés au préalable. Cependant, l’esprit de l’œuvre est allé bien au-delà pour embrasser une musique proche du jazz. Ceci s’est manifesté clairement dans le jeu de l’accordéoniste alexandrin Waël Al-Sayed, qui passait des phrases musicales des chansons d’Oum Kolsoum, aux variations du jazz et aux solos orientaux. Au même titre, ceci est apparu dans le passage des rythmes occidentaux électroniques et ceux du zikr (évocation de Dieu). Dans la dernière partie du concert, Al-Sawi a interprété sur l’orgue une phrase musicale de l’introduction de la célèbre chanson d’Oum Kolsoum Enta Omri (ô toi ma vie), accompagnée d’improvisations de jazz. De quoi mener à une sorte de discorde entre l’arrière-plan musical et Oum Kolsoum. L’artiste a refusé de considérer cette discorde comme un « étouffement » d’Oum Kolsoum, la décrivant comme un prolongement ou un aboutissement, mêlant le classique au contemporain.

Entouré par les artistes du mouvement artistique libre, Ahmad Al-Sawi ne cache pas sa déception due au renoncement de certains artistes à leurs ambitions faute de financement et d’espace. Il précise : « La troupe West Al-Balad est la seule à avoir réussi à se faire une place sur le marché musical tout en préservant sa personnalité ». Depuis le début de l’année, Al-Sawi a sillonné plusieurs pays pour présenter sa musique alors qu’il n’a donné que très peu de spectacles en Egypte. Mais pourquoi cette musique ne réalise-t-elle pas d’essor commercial ? Il répond : « Personne ne gère vraiment le marché musical. Raison pour laquelle j’ai eu recours à la composition vocale de plus de 200 documentaires ». L’isolement auquel il a été condamné s’est répercuté sur sa vie privée. Les amis refusent parfois de tenir les répétitions dans leurs appartements pour éviter de déranger les voisins. De même, il a été obligé de faire des études de droit pour faire plaisir à son père.

La composition des pièces musicales peut paraître facile avec les nouvelles technologies, cependant, pour les adeptes du mouvement artistique indépendant, cela devient synonyme d’isolement artistique. « La musique numérique ne représente pas la totalité de mes œuvres. Je suis passé par plusieurs expériences avec mes collègues de la troupe Al-Mousséliya ». Al-Sawi ne se limite pas à la musique numérique, mais va plus loin pour revenir toujours au thème de la musique égyptienne. Pour lui, c’est une quête de soi.


Abdel-Rahman Moustapha

أحمد الصاوي .. موسيقى مصرية بأصابع الكترونية

كتب - عبدالرحمن مصطفى
لا يخفي أحمد الصاوي فخره بالموسيقى المصرية تحديدا من بين أنواع الموسيقى العربية المتنوعة. "على سبيل المثال .. مقام السيكا في مصر يختلف عنه في العراق" . يضرب هذا المثال مستعينا بصوته في شرح فكرته عمليا. يقدم الصاوي خريج المعهد العالي للموسيقى العربية " الكونسير فتوار " موسيقى يرى انها "مصرية معاصرة " لكنه يغامر بمزجها بإمكانيات برامج الكمبيوتر المتخصصة كجزء أصيل من أعماله، و في عرض "أم كلثوم ديجيتال - أم كلثوم لا تنتهي" المقدم بدعم من بروهلفستيا "المؤسسة الثقافية السويسرية بالقاهرة يقدم الصاوي تنويعة استغل فيها تلك الأدوات. فيما ترى الدكتورة نهلة مطر الأستاذ المساعد بقسم النظريات والتأليف فى كلية التربية الموسيقية، ومنسقة العرض أن العمل من الناحية الموسيقية لم يعتمد على مزج عدة أنواع من الموسيقى وإدماج أم كلثوم داخلها، بل اعتمد على فرضية تقوم على امكانية " تناول موسيقى أم كلثوم من زاوية الفكر الرقمي ".
واجمالا طرح القائمون على المشروع سؤالا هو : "كيف كانت أم كلثوم ستتعامل مع التكنولوجيا الحديثة في موسيقاها ؟"، لكن العرض لم يقدم إجابة حقيقية، وانما قدم رؤى الفنانين المشاركين فيه.
الصاوي في لقاء جمعه وعدد من الفنانين المستقلين بمقهى " الندوة الثقافية " بوسط القاهرة، تحدث عن الموسيقى الرقمية كمدخل لشرح مشروعه قائلا: "أصبحت برامج الكمبيوتر تقدم أصوات كافة الآلات الموسيقية، بل يمكنك صنع الصوت الذي تريده بنفسك، وهنا تظهر أهمية دراسة الموسيقى، وكذلك المعرفة بعلم الأصوات، وأهمية الإلمام بصناعة الموسيقى الخالصة، المختلفة عن الأغاني والمقطوعات التقليدية".
قبل سنوات تخرج الصاوي في معهد الموسيقى العربية، وحصل على منحة درس فيها الموسيقى الرقمية بسويسرا، زادت من تعلقه بالموسيقى الشرقية أو كما يضرب المثال بأم كلثوم قائلا "بالنسبة لسيدة الغناء العربي كانت بعض مقطوعاتها مساحات للتدريب في معهد الموسيقى، وهناك ملامح أعرفها جيدا في أعمالها مثل أن يكون العزف المنفرد للآلات ملحنا، وليس ارتجالا، وهذا ما أردت الاشتباك معه".
أثناء العرض واصل بقية المشاركين المضي في المغامرة الى حدها الاقصى ، فالصاوي الذي نشأ في حي الجمالية على إنشاد الشيخ محمد عمران، استعان في بداية العرض بصوت ابراهيم الفران أقدم المنشدين الذين وصل صوتهم الينا مسجلا .، منتقلا بعدها إلى صوت الشيخ وليد شاهين بجملة من العمل الشهير لأم كلثوم "برضاك يا خالقي" مع ارتجالات على هذه الجملة اللحنية استغلت حضور صوت شاهين في هذا المقام ، مع تضفير الكتروني استخدم آلات مثل الكمان الكهربائي، والأورج، والإيقاعات المجهزة سلفا. إلا أن روح العمل لم تعتمد على ذلك فقط، بل على تيمات وارتجالات قريبة من موسيقى الجاز، وهو ما اتضح لدى عازف الأكورديون السكندري وائل السيد أثناء انتقالاته بين جمل من أغاني أم كلثوم، بدت أقرب الى تنويعات من موسيقى الجاز، تتعانق مع التقاسيم الشرقية.،و ظهر ذلك في الانتقالات الناعمة بين الايقاع الغربي الالكتروني وإيقاعات الذكر. في المرحلة الأخيرة من العرض ظهرت جملة من مقدمة أغنية إنت عمري بتنويعات أكثر صراحة في ذهابها الى تيمات موسيقى الجاز حيث لعب الصاوي على الأورج بتميز لافت أعطى انطباعا بأن هناك اشتباكا بين خلفية العازفين الموسيقية و أم كلثوم، وهو ما رفض الفنان وصفه بقمع أم كلثوم، معتبرا إياه نوعا من التواصل بين ما هو كلاسيكي وما هو معاصر.
في حديثه لم يخف الصاوي ضيقه من أن بعضهم يتنازل عن طموحاته بسبب نقص الامكانات المالية، ونقص المنابر الثقافية التي تعرض أعمالهم، " في اشارة الى فناني جيله المتحلقين حوله في المقهى . يشير الصاوي الى أنه في هذه المعادلة لم ينجح سوى فرقة وسط البلد التي حققت تواجدا في سوق الموسيقى دون أن تخسر شخصيتها".
طوال هذا العام طاف الصاوي عدة بلدان بموسيقاه، وهو ما لم يتحقق في مصر سوى في عروض لا تعد على أصباع اليد الواحدة، لماذا لا تحقق تلك الموسيقى رواجا تجاريا؟ يجيب : "ليس هناك من يدير بالفعل سوق الموسيقى، لذا لجأت إلى التصميم الصوتي لأكثر من 200 فيلم تسجيلي". غربة مثل هذه التجربة انسحبت إلى الحياة الشخصية، في مواقف يقف فيها الناس أحيانا ضد إعداد البروفات في شقق الأصدقاء منعا للازعاج، وتبدو الغربة في اضطراره إلى دراسة الحقوق إرضاء لوالده بعد دراسة الموسيقى.
قد تبدو القدرة على إنتاج مقطوعات موسيقية أمرا بسيطا مع وجود التكنولوجيا الحالية، إلا أن ذلك في مفهوم عديد من أبناء الحركة الفنية المستقلة مساويا للعزلة والانقطاع عن تجارب زملائهم. كان ضمن ذلك ما شهده العرض من مادة فيلمية كانت ملحقة بالعرض الموسيقى، لفنان المالتيميديا السويسري جان لوك مارشينا . ورغم أن الفيديو قد صنع تشتيتا بسبب عدم التكامل بين تفاصيل الفيديو والموسيقى، وهو ما أرجعه الفنان السويسري إلى انفصاله عن تجربة الاعداد الموسيقى أثناء تجهيز العرض، إلا أن المشاركين رأوا في التجربة فرصة لاختبار مهارات جديدة. "الموسيقى الديجتال ليست أساس أعمالي، هناك تجارب سابقة خضتها مع زملاء في فرقة الموصلية". لا يتوقف الحديث مع الصاوي عند حد الموسيقى الديجيتال، بل يتجه دائما إلى استخدام تعبير "الموسيقى المصرية" واصفا تعامله مع كافة ألوانها، برحلة البحث عن الذات.

Thursday, May 3, 2012

من لم يعرف الجذام لا يعرف كاريتاس !

جوار مسجد القرية اجتمع أفراد من أهالى العزبة مع فتحى عبدالمعبود، الذى أصبح أبا فى التاسعة والثلاثين من عمره ويعمل كيميائيا فى أبى زعبل، ودار الحديث حول علاقتهم بمركز «كاريتاس» ومستقبله فى المنطقة. تحدث يوسف، وهو أحد الشباب المتحمسين الذى نشأ فى المنطقة لأب مصاب بالمرض، عن الخطوة الأخيرة فى علاقة هذه المجموعة بكاريتاس، وقال: «قدمنا بلاغا إلى النيابة وأغلقنا المركز الاجتماعى بالسلاسل حتى لا نتهم بإتلاف المكان أو السطو عليه، وذلك لأننا نرى أن الجمعية قد ابتعدت عن أنشطتها الأصلية». تعمل جمعية «كاريتاس» فى مصر منذ عام 1968 بمجالات متعددة إحداها هو مساعدة مرضى الجذام، وأسست المركز الاجتماعى الصحى فى العام 1980، فى منطقة أبوزعبل (18 كم من القاهرة) حيث يضم المركز: حضانة لأبناء المرضى وفصول تقوية ومشغلا وفصول محو الأمية وناديا للشباب ومستوصفا. وأثناء تلك الفترة كان شعار الجمعية هو عدم التمييز بين المستفيدين من خدماتها على أساس اللون أو الجنس أو الدين ــ حسب مجدى جرس، مدير عام مساعد فى جمعية «كاريتاس»، الذى ذكر أن ما حدث للمركز الاجتماعى والصحى من بعض أبناء العزبة لا يمثل الجميع، إذ إن هناك مستفيدين من خدمات المركز، ويعلق قائلا: «بعد الثورة وازدياد النبرة الاحتجاجية فى المجتمع، بدأت المناوشات والتهديدات من بعض الأفراد، وأشاعوا معلومات غير صحيحة عن المكان».
تعود بداية القصة إلى الأسابيع القليلة قبل الثورة فى عام 2010 حين بدأ بعض من رواد نادى الشباب بكاريتاس فى الاحتجاج على إنشاء مبنى جديد داخل المركز، وكان ذلك على خلفية توقف بعض خدمات المركز مثل الورشة ومحو الأمية نتيجة عدم الإقبال والمشاكل الإدارية، وتناقل البعض وقتها أن هناك نية لجعل هذا المبنى الجديد دارا لإقامة الراهبات العاملات فى خدمة مرضى الجذام، وانتشرت ترجيحات نقلها أحد المواقع الالكترونية أن ذلك تمهيدا لإنشاء دير فى المنطقة، وهو ما نفته الإدارة تماما ووصفته بالتحريض ضد أنشطتها. وعلى مدار عام ونصف دارت مساجلات بين تلك المجموعة من الأهالى وإدارة كاريتاس، يعلق مجدى جرس، مدير عام مساعد الجمعية: «تفهمنا هذه النقطة مبكرا ووجدنا أن فكرة إقامة سكن داخل المركز الاجتماعى غير مناسب، ودائما ما نحاول النظر إلى الأمور بإيجابية بحثا عن الاستمرارية دون الالتفات إلى ما يحدث من معوقات».
يقوم حاليا أحد مرضى الجذام المتعافين على حراسة المكان، وما زالت تحتفظ ملامح الرجل بآثار المرض، ويذكر قائلا: «أعمل على حراسة المكان ورى الحديقة، حتى نجد حلا للموقف». هذا الواقع الحالى يختلف تماما عن ماضى تلك المنطقة، حين أسست الحكومة المصرية فى عام 1932 مصحة للجذام فى مكان معزول، وكانت القوانين تسمح بضبط المريض وتسليمه للمصحة تحت هاجس انتشار العدوى، ويؤكد مجدى جرجس أن أحد أهم منجزات «كاريتاس» هى رفع الوصم عن هذا المرض، وتوفير العلاجات اللازمة مع وزارة الصحة ودعم المجتمع الذى تكون فى «قرية قدامى المرضى». هذا المجتمع يتجاوز تعداده اليوم نحو 5000 نسمة، حسب تقديرات العاملين هناك. المنزل الحالى الذى يقيم فيه فتحى عبدالمعبود كان على أيام والده طينيا بسيطا لكنه أصبح اليوم مكونا من طابقين، وفى حجرة المعيشة اجتمع عدد من زملاء الشيخ فتحى. كان اثنان من أصل ثمانية فقط هم من المتعافين، أما البقية فهم من أبناء الجيل الثانى الذين ولدوا أو جاءوا صغارا مع أسرهم، وأغلبهم يدير أعمالا خاصة أو يعمل فى المصانع المجاورة. أحدهم هو يوسف الشاب «الملتزم» ذو النبرة الحماسية: «عن نفسى لم أستفد شيئا من المجتمع القديم فى المنطقة، فأنا لست مريضا كى أذهب إلى المستشفى، وأستطيع الاعتماد على نفسى الآن».
فى فترة المراهقة كان يوسف وفتحى يشاركان فى بعض معسكرات «كاريتاس» لأبناء المجذومين، لكنهما ابتعدا عن أنشطة الجمعية «بعد التزامهما النهج الدينى»، ويرون أن خلفية كاريتاس لا تلائم نزعتهما الإسلامية، وهى الأزمة التى لا يواجهها كثير من السكان الذين يودعون أطفالهم فى دار الحضانة بالجمعية دون قلق.
«هذه الرغبة فى الاستغناء عن أنشطة كاريتاس ليست لدى جميع سكان القرية الذين ما زالوا يحصلون على خدمات منها»، العبارة لخالد أمين المتعافى من الجذام، الذى يصف الموقف الحالى قائلا: «مبدئيا فالموضوع ليس له علاقة بإقامة الراهبات أو تواجدهن، فأنا قد نلت علاجا بأيديهن، ولهن كل التقدير فى هذا المجتمع الصغير، لكن هناك أسباب أخرى، أهمها خصوصية المكان، فأحيانا لا تحصل على دعم حكومى حين يقال لنا: لديكم كاريتاس هى من يقدم لكم الدعم، أو حين نفكر فى إنشاء مركز شباب بديل لنا، يقال لديكم نادى الشباب فى مركز كاريتاس الاجتماعى، أرى أننا أصبحنا مجتمعا جديدا، يختلف عن السابق».
وفد خالد أمين إلى مستشفى الجذام قبل 12 سنة، لكنه اختار الزواج والإقامة فى العزبة، وحسب أحد الأهالى فإن هناك «صلات نسب عديدة بين السكان منذ سنوات، أوجدت مجتمعا جديدا متآلفا مع تاريخه».
قبل عام تقريبا طالبت هذه المجموعة الإشراف على أنشطة المركز الاجتماعى لكاريتاس، ويعلق مجدى جرس على ذلك قائلا: «نحن نعمل وفق لوائح مؤسسية، ونخضع لإشراف عدة جهات حكومية، وكل إجراء يتم بترخيص، وفى النهاية نحن مؤسسة لا يمكن أن يأتى فرد ليطلب المشاركة فى إدارتها بهذا الشكل الإجبارى، خاصة أن هذا المشروع جزء من أعمال أخرى خدمية تقوم بها الجمعية فى محافظات مختلفة».
قبل شهر حدث تصعيد بين هذه المجموعة الباحثة عن الاستقلالية وإدارة المركز، وجرى إغلاق المركز وتقديم بلاغ إلى الشرطة تحت دعوى أن المركز لا يمارس جميع مهامه وأن هناك نية لتغيير نشاطه، ويعيش الجيل الثانى من أهالى قرية مرضى الجذام فى أعمار الثلاثينيات والأربعينيات، ويسعون إلى فرض واقع جديد وإزاحة ماضى الجذام عن القرية، وهو ما دفعهم إلى الاصطدام بكاريتاس، معتبرين دور الجمعية فى تنمية المكان قد انتهى، ويسعون إلى إيجاد أدوار جديدة لهم.
هنا لا يخفى مجدى جرس مرارة فى حديثه قائلا: «صنعنا تحولا فى هذه المنطقة، وكنا وما زلنا حريصين على تقديم خدماتنا لمرضى الجذام، وذلك من خلال اتفاقيات مع الجهات المختصة، وأرجو من الجيل الجديد الذى لم يعش تجربة مرض الجذام ألا يمنعنا من مهمتنا».

Tuesday, May 1, 2012

الترامادول.. مـزاج الليل وآخره !!



عبدالرحمن مصطفى
فى الساعة الواحدة صباحا ينخرط أحمد شوقى فى عمله داخل مقهى الإنترنت حيث يعمل منذ ثمانى سنوات، يبدأ العمل فى التاسعة مساء حتى التاسعة صباحا من اليوم التالى، فى تلك الأثناء يحرص على طقس يومى، يتناول قرصا من «الترامادول» من عينة 200 ملجم، أو من أى دواء قريب له يحمل نفس التأثير، مثل: تامول أو تيدول، وتبدأ رحلته اليومية. أسباب التعاطى يلخصها فى جملة واحدة: «هذا المحل أشبه بمدينة ملاهى، ولابد من شىء يجعلنى أتحمل كل هذا الضغط، وهو ما وجدته فى الترامادول قبل أربع سنوات». أحمد شوقى ــ وهو اسم مستعار حماية لخصوصيته ــ ليس وحده من يتعاطى الترامادول، فأحيانا ما يشاركه بعض زبائنه من الشباب، خاصة فى حالة وجود «الحشيش»، ولديهم نظرية حول ذلك تتلخص فى أن «الحشيش يدفع إلى الجبن، والترامادول يدفع إلى التهور، لذا فالاثنان معا يصنعان خلطة سحرية». بعد سنوات من الإدمان يعلم أحمد يدا أن نمط حياته هو سبب إدمانه، قائلا: «أنا طالب فى أحد المعاهد العليا منذ 9 سنوات، وفى الأغلب لن أتعافى من المخدرات بشكل عام إلا حين أترك هذا العمل وأبدأ حياة جديدة طبيعية، وسط أجواء أفضل». يختفى بعدها داخل مقهى الإنترنت بسبب وصول صاحب العمل، منتظرا عدة ساعات أخرى حتى يرحل صاحب العمل وينال حريته فى الحديث.
اخترق الترامادول فى السنوات الماضية عدة قطاعات، بدءا من الشباب المتعاطى لأسباب السهر، أو لإيجاد مزاج جديد مع نوع آخر من المخدرات، أو لاستخدامات جنسية حتى أصبح البعض يقدمه رشوة مصحوبة بالفياجرا!
وبعيدا عن مقهى الإنترنت حيث يعمل أحمد شوقى فى أطراف حى شعبى عريق، أوضح أحد سائقى التاكسى سبب استخدامه للترامادول، وهو تخفيف آلام الظهر التى أصابته من طول مدة قيادة السيارة، رغم إقراره بأنه يحصل عليه بصورة غير شرعية، ويشير إلى قدمه موضحا: «حين حاولت التوقف عن استخدامه، أصابتنى حالة هرش عنيفة فى قدمى، مثل أى مدمن»، لكن هذه الأعراض التى يتحدث عنها السائق، لها تفسير آخر عند الدكتور طارق نصار بحكم عمله لسنوات فى مجال علاج الإدمان، إذ يوضح أن: «البعض قد يصاب بالحساسية من تعاطى الترامادول، لكن الأخطر من ذلك هو أن يُصاب أحدهم بحالات تشنج أو بؤر صرعية فى الدماغ». هناك شرائح من أبناء المهن الليلة مثل رجال الأمن، ومصورى الأفراح، والسائقين، وغيرهم يستخدمون الترامادول بحثا عن النشاط والقدرة على السهر، والسبب فى ذلك أن القلق والتوتر هما اثنان من الأعراض الجانبية لهذا العقار الطبى، وهو ما يعطى إحساسا زائفا بالنشاط، كذلك فهو فى الأصل دواء مسكن للآلام لذا لا يشعر متعاطوه بما يبذله من جهد أو ألم، حتى إن البعض قد لا يشعرون بآلام أسنانهم أو مفاصلهم ويتأخرون فى علاجها. أما الشريحة التى اشتهرت باستخدامه فهم البلطجية ومعتادو الشجار، إذ تكفى خمس حبات لتجعل صاحبها فى حالة من التبلد والبلاهة، على حد وصف الدكتور طارق نصار. أما أحد أهم أسباب رواج الترامادول والتامول والتيدول فهو الثمن الرخيص، إذ يُباع الشريط من عشرين إلى ثلاثين جنيها، لكنها قد تزيد إلى خمسين، حسب صلة المتعاطى مع موزع المخدرات.
انظر حولك!
حول مقهى الإنترنت عالم صغير ينغمس فيه أحمد شوقى بكل حواسه، إذ يدير علاقات زبائنه، وينظم أوقات لعب الـ«بلاى ستيشن» ويشاركهم فى شرب الحشيش وتعاطى الترامادول: «أنا أعيش هنا أكثر مما أعيش مع أهلى، بمعنى أنى أستيقظ وأغسل وجهى هنا، وأجامل الناس فيجاملوننى، وهكذا أحصل أحيانا على ما أحتاج». هذه الصورة الوردية لا تجيب عن سؤال: من أين يحصل على هذا العقار المحرم الذى لا يتم صرفه من الصيدليات إلا بإجراءات معقدة؟ أحيانا ما يواجه أزمات، فالقواعد دائما تقول إن الغريب عن المربع السكنى يحصل على المخدرات بسعر أعلى، وهنا يواجه أحمد مشكلة جغرافية، إذ إنه ليس محسوبا على مربع سكنى بعينه، ما يدفعه إلى الاعتماد على أصدقائه وزبائنه كى يشتروا له معهم من أى موزع «ديلر» بسعر معقول، ويعلق على ذلك: «حتى لو خدعونى فى السعر، سأكون أنا الرابح، إذ سيتضاعف السعر إذا اشتريت بنفسى، كما أنى أريد أن أبتعد عن المخاطر».
عالمه ليس مقصورا على السايبر وزبائنه فقط، بل يمتد إلى المقهى البلدى الملاصق لمحل الإنترنت، إذ يشاركه بعض العاملين فى المقهى التعاطى، وحجتهم تتلخص فى منطق واضح: «طوال اليوم نقف على أرجلنا، وعلينا أن نركز فى عدد رصات الشيشة، ونراقب الزبائن، ولا يوجد حل سوى الترامادول». لكن هذه الحجج لا تفسر موقف زملاء لهم فى المقهى نفسه لا يتعاطون أى نوع من المخدرات.
وقرب الفجر يكون أداء هؤلاء العاملين «الِمترمِلين» قد وصل إلى أقصى درجات التوتر، حتى إن تسبب ذلك فى تصرفات غير مفهومة أو غير لائقة أو جمل استفزازية لزبائنهم المخلصين.. وأحد هؤلاء العاملين يمد أحمد شوقى بالترامادول، أما الحديث مع بعض زبائن المقهى فينعدم فيه الاحساس بالإدانة، لكن على جانب آخر تظهر قصص أخرى تنفى الصورة السعيدة التى قد يتصورها البعض عن مستخدم الترامادول، بدءا من السخرية من رجل سبعينى يستخدم الترامادول لأسباب جنسية، انتهاء بقصص بعض الباعة الذين اختفوا من الشارع بسبب افراطهم فى التعاطى، وانتهوا إلى اعتزال العالم وهم فى منتصف الثلاثينيات.
بعد آذان الفجر يخرج بعض الزبائن الشباب من مقهى الإنترنت إلى الصلاة، ويأتى آخرون ليبدأوا مباراة للبلاى ستيشن، ويقف أحمد شوقى أمام مقهى الإنترنت وقد بدت عليه أثار العصبية من الترامادول، ويطلق بعض العبارات تحمل تعميمات منها: «الشعب كله بيضرب ترامادول، لو مش عشان السهر، يبقى عشان الجنس». يدرك اللحظة الفارقة فى حياته، ويحددها بنهاية دراسته وانتقاله إلى عمل آخر وحياة جديدة، ويروى وهو الآن فى سن السادسة والعشرين أنه قبل عمله فى هذا السايبر كان شابا خجولا، لا يعرف الكثير عن الدنيا، ويقول: «هنا تعلمت كل شىء، المخدرات، وأنواع الموسيقى، والسياسة، وأصبحت أكثر قدرة على المواجهة». كل ما يطمح إليه هو أن يكون هذا العام النهائى لدراسته، أما الدكتور طارق نصار ــ المتخصص فى علاج الإدمان ــ فيقول: «جميع المراجع أجمعت على أن جماعة الأقران والأصدقاء غالبا ما تكون السبب فى تعاطى المخدرات، فابحث عمن حولك، حتى تفهم عاداتك اليومية».



فى موقع Tradekey للتبادل التجارى على الإنترنت، إعلان لإحدى الشركات المصرية تبدى فيه رغبتها فى شراء 200 كيلو جرام من المادة الخام للترامادول، ووضع المعلن رقم هاتفه.. فى الاتصال الأول، أنكر صاحب الرقم معرفته بالإعلان تماما أو معرفته باسم الشركة، لكنه عاد فى اتصال آخر ليوضح أن اسم الشركة الموجود على الموقع التجارى ربما تكون اسم الصيدلية التى كان يعمل بها سابقا، أما الصيدلية نفسها فقد نفت أى صلة بهذا الإعلان. وبالعودة إلى الموقع مرة أخرى تظهر إعلانات أخرى لشركات خارج القاهرة تطلب صفقات ترامادول خام، وأفراد آخرون تركوا أرقام هواتفهم مع عبارات بالإنجليزية من نوعية: «نحن نبيع الترامادول». أما صاحب الإعلان الأول الذى رفض ذكر اسمه، فقد قال إن هذه الإعلانات ربما تكون على سبيل التجربة ومعرفة أسعار السوق، نافيا أى صلة له بتجارة الترامادول. على أرض الواقع فإن استيراد الترامادول وإعادة تصنيعه فى مصر أشبه بمهمة مستحيلة، إذ إن صناعة دواء ترامادول تديره شركات كبرى مسجلة لدى وزارة الصحة، لكن ذلك لا يمنع حالات ضبطت فيها الشرطة تجارا استخدموا ترامادول خام وصنعوه فى عبوات مغشوشة لبيعها وسط المدمنين.
وتؤكد بيانات وزارة الداخلية أن أغلب كميات الترامادول المضبوطة قد دخلت مصر مهربة عبر الحدود، ويتم ترويجها عبر تجار وليس الصيدليات. وقبل أسابيع قليلة صرح وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم أن قد تم ضبط 200 مليون قرص ترامادول فى أسبوعين فقط، فى حين أن معدل التهريب لم يتجاوز الـ 100 مليون قرص فى إحدى السنوات السابقة.
«قبل حوالى 5 سنوات كان الترامادول موضوعا على الأرفف كأى دواء عادى، حتى أسىء استخدامه، وبعد قرار إدراجه فى جدول المخدرات لم أعد أتعامل معه نظرا لتعقيد إجراءات الحصول عليه، والأمر لم يعد يستحق العناء». العبارة للدكتور حسام موريس واصفا قلق بعض الصيدليات فى التعامل مع الأدوية التى تصنف فى جدول المخدرات ولها إجراءات معقدة للحصول عليها، رغم أنها أدوية طبية لها زبائنها من المرضى.
تبدأ قصة المواجهة الحقيقية مع الترامادول فى عام 2009 مع قرار وزير الصحة بإدراجه فى الجداول الخاصة بتنظيم تداول الأدوية المؤثرة على الحالة النفسية، وهو ما دفع بعض الصيادلة وقتها إلى القلق من تداوله، فى حين كان البعض الآخر يحصل عليه من السوق السوداء، وهنا يظهر دور إدارة التفتيش الصيدلى فى وزارة الصحة لمراجعة ملفات الصيدليات، خاصة بعض القرار الأخير لوزير الصحة فى فبراير الماضى بنقل الترامادول إلى الجدول الأول الملحق بقانون المخدرات، وأن يتم صرفه بروشتات خاصة بأدوية «المخدرات» وعلى الصيدلى الاحتفاظ بما يثبت صرفه الكمية التى حصل عليها عبر الوزارة. عدا ذلك فقد يتعرض الصيدلى مثل أى تاجر يروج الترامادول إلى عقوبة جنائية.
يرى الدكتور عبدالغفار صالحين ــ رئيس لجنة الصحة بمجلس الشورى ــ أن هذه الإجراءات على الصيدليات ليست هى الفيصل فى الحد من انتشار الترامادول، معلقا: «يكفى أن نرى أن ما تم ضبطه عبر الحدود أثناء عمليات التهريب فى العام الماضى، فقد دخل إلى البلاد ما يوازى ما تم صنعه فى مصر على مدى 20 عاما مضت، وفى الحقيقة أن هذا التضييق على طرحه فى الصيدليات يعيق وصوله إلى المرضى، فى حين أن الأزمة فى جهة أخرى تماما، حيث التهريب عبر الحدود».

أصل العائلة
ظهر الترامادول فى مصر منتصف التسعينيات، لكنه أثار الجدل فى السنوات الأخيرة بعد إساءة استخدامه، ويتم صنع المادة الخام للعقار معمليا وكيميائيا، أما أسماء الشهرة للعقار وسط المتعاطين، فمنها «باور Power» لمن يعتبرونه منشطا أو «فراولاية» فى إشارة إلى لون قرص 200 ملجم، أو «تيمو» حسبما يفضل البعض تسميته. وطوال السنوات الماضية كانت الشركات المصرية مسيطرة على عملية الإنتاج، كما كان المنفذ الوحيد للتوزيع على الصيدليات عبر الشركة المصرية لتجارة الأدوية بمعرفة وزارة الصحة، وتتعدد أسماء المنتجات التى تحتوى المادة الفعالة نفسها: ترامادول هيدرو كلوريد. ومن هذه الأسماء التجارية للأدوية: ترامادول، تامول، تيدول، تراماك، الترادول وكنترمال وترامنديل.. وغيرها. لكن التهريب من الصين تحديدا فتح مجالا لنزول أقراص ذات تركيز عالٍ 200 ملجم حتى تساعد على الادمان، فى حين لم تكن تلك التركيزات متوافرة بهذا الشكل من قبل، أما الشكل الأسوأ فهو العبوات المعبأة فى مصانع غير مرخصة (تحت بير السلم) وكلها غير مطابقة للمواصفات، ووجود أقراص ذات تركيز عالٍ بكثافة يزيد من الأزمة، إذ إن نصائح الأطباء هى ألا يتجاوز الاستخدام الـ 400 ملجم فى اليوم، وهذا فى حالات السرطانات والآلام الشديدة فى العظام.
مشاكل فى الخارج
على مدى الأشهر الماضية تكررت نداءات وزارة الخارجية المصرية، بالتنبيه على المسافرين المصريين إلى السعودية وقطر والإمارات، بعدم حمل أنواع محظورة من العقاقير فى هذه البلدان، وعلى رأسها الترامادول، إذ قد يواجه حامل الترامادول فى دولة مثل السعودية عقوبة الإعدام، وهو ما عرض عشرات المصريين إلى الحبس فى السعودية لهذا السبب.
مزاج الثوار
فى إحدى الحلقات التليفزيونية وأثناء متابعة أحداث محمد محمود، هتف توفيق عكاشة وسط ضيوف برنامجه: «العيال دى بتضرب ترامادول، مستحيل يجيبوا الجرأة دى إلا بالترامادول»، واصفا بذلك إقدام المتظاهرين على النيران التى كانت مشتعلة أمامهم آنذاك. تلك الصورة التى تربط بين إقدام المتظاهرين وتعاطيهم الترامادول تستدعى ثقافة الشجار والبلطجة التى يستخدم فيها المشاغب أقراص الترامادول حتى يكمل شجاره بجرأة ودون إحساس بالألم وأن يستطيع مواصلة الشجار لساعات. وبعد أن وصل هذا الوصف إلى البرلمان بواسطة النائب السلفى الذى اتهم المتظاهرين بتعاطى الترامادول، فى إشارة تربطهم بثقافة البلطجة، عادت الكرة إلى ملعب المتظاهرين مرة أخرى، إذ كتب أحدهم ساخرا قبل مليونية (20 أبريل الماضى) بأيام على شبكة الإنترنت: «مش الإخوان فى البرلمان ده اللى قال التحرير فيه بلطجية بياخدوا 200 جنيه وبيضربوا ترامادول؟ إحنا بطلنا مخدرات ينزلوا هما بقى..!».

Tuesday, April 10, 2012

الحركة الطلابية 2012 صورة مصغرة لمصر



عبد الرحمن مصطفى
على أحد أعمدة الإنارة فى جامعة القاهرة لافتة تقول: «عايزين لائحة جديدة، يكتبها الطلبة ويستفتوا عليها». وفوقها مباشرة إعلان عن رحلة طلابية إلى عروس البحر المتوسط، الإسكندرية، هذه المفارقة تعكس حالة الجامعة الآن، حيث اعتصم قرب هذه اللافتات طلاب منتمون إلى حركات سياسية ومستقلون أمام بوابة الجامعة الرئيسية، فى حين انشغل بقية طلبة الجامعة بقضاياهم الشخصية.
«لدينا استعداد أن نعتصم هنا حتى نهاية العام.. وبالمناسبة لقد تأسست حركتنا فى اعتصام مشابه العام الماضى»، الحديث هنا لمحمد طارق عضو حركة «تحرير» التى تضم عشرات الطلاب، بعضهم اشتراكيون واسلاميون، لكنه يؤكد على أنها حركة مستقلة تماما. وفى تلك المساحة أمام قبة جامعة القاهرة حيث يتحدث محمد طارق الطالب بكلية الآداب، أقيم اعتصام يضم عشرات الشباب لأهداف طلابية بحتة، على رأسها تغيير اللائحة الجامعية المعروفة بلائحة أمن الدولة. ويستكمل حديثه قائلا: «نمر على الطلبة فى مسيرات توعية، ونقيم معارض للتعريف بأهمية تغيير هذه اللائحة الخانقة، وكل طموحنا أن ينضم إلينا طلاب مستقلون، مثلما توحدنا معا وقت الثورة وبعدها». وحين يمر بهم بقية الطلاب فى هذا الموقع الاستراتيجى تدور أسئلة عن سبب تواجدهم، وعن وجود خيام لحركات مثل 6 إبريل وكفاية وغيرهم، وهو أحد أهم مشاهد الاعتصام الذى بدأ قبل قرابة ثلاثة أسابيع مضت، أحد الطلبة المارين يلخص وجهة نظره فى تعليق عابر دون أن يشارك: «الطلبة اللى بدأوا الاعتصام أغلبهم مسيسين»، يلقى عبارته ويتلاشى فى زحام الجامعة.
وسط حلقة نقاشية مجاورة انشغل الشباب بالحديث عن الإجراءات التى تتخذها الجامعة، انسحب عمر ساهر ــ طالب الفرقة الأولى بكلية الآداب ــ تاركا زملاءه بقصد التوضيح: «نواجه ضغوطا يومية هنا، خصوصا مع بدء الاعتصام، إذ نلتقى طلبة من جامعات أخرى فى حرم جامعة القاهرة، وأحيانا ما نتعرض للتضييق بهذا السبب، أما الأهم فهو رحلة إقناع بقية الطلاب بقضايا طلابية تخصهم، والإعلام للأسف لا يتواصل أو يبدى اهتماما سوى فى الأحداث الكبرى أو الاشتباكات، وهكذا تضيع الفكرة الأساسية فى إتاحة مناخ حر داخل الجامعة».
عمر ساهر نموذج آخر من أبناء المجموعات المستقلة، إذ ينتمى إلى حركة «مقاومة» الطلابية التى أسسها فى البداية (بدأت 2007 بحلوان وانتشرت تدريجيا) شباب ذوى ميول يسارية، متصلون بحركة «شباب من أجل العدالة والحرية»، ولأنه اختبر السياسة حين وجد نفسه عضوا فى حركة «أطفال من أجل التغيير» ومتابعا لنشاط والده الناشط والصحفى ساهر جاد، أعادته أحداث الثورة منذ العام الماضى إلى العمل الحركى مستغلا وجوده داخل الجامعة. يمر عبدالرحمن موافى، طالب الهندسة الذى تعرض للاعتقال فى ميدان التحرير فى فبراير الماضى، وحتى الآن ما زالت صورته متواجدة على بعض جدران الجامعة منذ حملة الإفراج عنه التى تبناها زملاؤه. فى هذه الناحية من الجامعة مشهدا يعبر عن ملامح الحركة الطلابية فى 2012، إذ أصبح لعدد منهم قصة إصابة أو اختطاف أو اعتقال تداولها زملاؤه على الإنترنت وداخل الجامعة، ويعود عمر ساهر للتوضيح: «لاحظ أننا نجتمع هنا بالذات فى جامعة القاهرة ليس فقط لأنها الجامعة الأم أو للحرية النسبية فيها، لكن أيضا لوجود مقر المجلس الأعلى للجامعات».
فى هذا العالم الصغير الذى يتجاور فيه الاشتراكى مع الليبرالى مع الإسلامى مع المستقل، يمكن ملاحظة وجود طلبة من جامعات أخرى، مثل طلبة جامعة عين شمس الذين أخفقوا فى تنفيذ اعتصام لهم أمام قصر الزعفران فى جامعتهم، بعد أن تعرضوا للبلطجة ولم توفر لهم جامعتهم الحماية المناسبة. من بين هؤلاء كان أحمد إسماعيل، طالب السنة النهائية فى كلية الطب بجامعة عين شمس، الذى اختار أن يبدأ حديثه بملاحظة التقطها فى الأشهر الماضية: «حين كنا ننظم مسيرات فى فاعليات ذكرى الثورة أو ذكرى التنحى الأخيرة، كان الطلبة يشاركون بكم كبير، لكن حين بدأنا نحشد من أجل تعديل اللائحة الطلابية، فوجئنا بأن الطلاب ذوى الخلفية السياسية هم الأكثر حماسا.. ورغم ذلك فلا أستطيع أن أنفى دور الطلبة المستقلين فى الاعتصام الأخير، لكن الأهم أن هناك صفة جديدة أصبحت تجمعنا، هى الصفة الثورية والرغبة فى التغيير الجذرى». أحمد إسماعيل كان أحد المسئولين عن الملف الطلابى فى حملة دعم البرادعى، وبعد انسحاب البرادعى من سباق الترشح الرئاسى، تحول نشاطه إلى حركة مستقلة مع زملائه تحت اسم «حركة حقنا»، والأهم من هذا أنه هنا فى الاعتصام ضمن كيان أكبر يضم عدد من حركات جامعة عين شمس اختاروا اسم « ثوار». فى هذا الزحام تفتقد العين تواجد أبناء التيار الإسلامى الذين كان لهم حضورا قويا فى فترة ما قبل الثورة، حين كانوا يواجهون طلبة اتحاد الطلبة الموالين للسلطة آنذاك، أما اليوم فالقواعد مختلفة تماما، إذ خالف طلبة الإخوان بقية القوى السياسية فى قبول قرار الوزير إقامة الانتخابات الطلابية لهذا العام، وفقا للائحة القديمة المعيبة، ورفعا للحرج أصدر طلبة الإخوان المسلمين بجامعة القاهرة بيانا أكدوا فيه أنهم لم يسعوا إلى التعجيل بهذا القرار أو الضغط من أجله فى مجلس الشعب وأن من قام بهذا مجموعات أخرى غيرهم خارج الجامعة. «على فكرة إحنا وجودنا هنا بسبب الإخوان»، العبارة هنا لأحمد منصور المتحدث الإعلامى باسم اللجان الثورية فى جامعة القاهرة، وهى أقوى تمثيل للطلبة المستقلين فى الجامعة، إذ يبدأ حديثه واصفا نفسه: «أنا مش مسيس، بس السياسة مش عيب أو تهمة..!!». يقصد بذلك حسبما يشرح أن بعض الشباب قد اكتسبوا خبرة فى العمل الحركى بسبب مشاركاتهم فى المسيرات والمظاهرات المختلفة، بل وابتكار مبادرات سياسية حرة بعيدا عن التنظيمات، كذلك فهناك من ثاروا على الأكاديميين من أعضاء الحزب الوطنى، ويضرب مثالا بنفسه، إذ إن عمله لسنوات سابقة فى جمعية رسالة الخيرية أكسبه خبرة فى التسويق والدعاية وإدارة الحملات، وبهذه الطريقة كان تأسيس اللجان الثورية بجامعة القاهرة فى فبراير الماضى، دون أن يخفى أن هناك بعض الشباب المنتمين لحركات سياسية كانوا ضمن المبادرين.. فى أثناء حديثه يبدو القلق والإرهاق بسبب السهر للدراسة والتخطيط للخطوات المقبلة بعد الاعتصام، والتواصل مع مجلس الشعب للضغط من أجل تطبيق لائحة جديدة يستفتى عليها الطلبة. هنا فى جامعة القاهرة حيث عالم الحركة الطلابية، أصبحت هذه البقعة مزارا من طلبة الجامعات الأخرى، وطلاب التعليم المفتوح، وتعكس عالما صغيرا من واقع مصر الحالى، حيث الجدل حول اللائحة الطلابية الشبيهة بالدستور، ويعلق أحمد منصور ساخرا: «حتى موقف طلبة الإخوان هنا فى جامعة القاهرة من بقية زملائهم فى الجامعات الأخرى، يذكرنى بموقف النائب محمد البلتاجى حين يظهر بعد كل جدل، معلقا على تصرفات جماعة الإخوان المسلمين بهدف تصحيح الصورة». يتوقف قليلا ليكمل حديثه بجدية: «حتى إن لم ينجح الاعتصام فى تحقيق مطالبنا، تكفى هذه الروح التى جمعتنا، وتفيدنا فى أى عمل قادم، على الأقل نحن نحاول أن نكون نموذجا لآخرين حتى إن وقعنا فى بعض الأخطاء».



يجلس محمد عاصى عضو حركة الاشتراكيين الثوريين مع رفاقه فى مدخل قبة جامعة القاهرة، يرتدى الشال الفلسطينى، ويحرص على الدقة فى حديثه عن أزمة هذا العام فى الجامعة، قائلا: «كل ما نفعله الآن هو الضغط بالاعتصام وتوصيل توقيعات الطلاب إلى الجهات الحكومية من أجل تغيير اللائحة الطلابية بشكل كامل حتى يتاح مناخ حر فى الجامعة..» بعض زملائه الاشتراكيين الموجودين حوله أعضاء فى حركات طلابية مستقلة، أما طموحه الشخصى هو: «ألا يقتصر اهتمام زملائه بالقضايا الطلابية حكرا على المنتمين إلى حركات سياسية خارج الجامعة». قبل حديثه بدقائق كان فى حوار مع زميل بنفس الدفعة بكلية الطب، ينتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، ودار جدل بينهما حول ضرورة مقاطعة الانتخابات القادمة التى ستتم حسب لائحة معيبة، بينما خالفه زميله الإخوانى متبنيا ضرورة دخول الانتخابات والضغط من داخل الاتحاد لتغيير اللائحة. يجلس إلى جواره زميله حسام عضو الاشتراكيين الثوريين، لكنه يرفض الحديث حسب القواعد المعمول بها داخليا فى الحركة، محيلا الحديث إلى محمد عاصى مرة أخرى: «فى العام الماضى كنا نتعرض أحيانا للتشنيع من الطلبة العابرين، وذلك بعد الثورة مباشرة، واتهامات بأننا مدعومون من حركاتنا خارج الجامعة، لكن الوضع الآن اختلف بعد ظهور مجموعات مستقلة تماما، كما أن بزوغ دور الطلبة المسيسين مثل الاشتراكيين الثوريين أو أبناء حركة مثل 6 إبريل فى الحركة الطلابية طمأن الكثيرين، أضف إلى هذا أننا أقمنا من قبل معرضا للتعريف بالاشتراكية الثورية فى مؤتمر داخل الجامعة، وهذا ما لم يكن ليحدث من قبل.. لدينا الآن حالة من التعايش مع الطالب المسيس».
أثناء حديثه يمر به زملاء ويدخلون فى حوارات جانبية أو يلقون القفشات، وما زال لدى الجميع قلق من رد فعل السلطة تجاههم فى الفترة المقبلة. يضيف محمد عاصى معلقا: «تلقينا عروضا واقتراحات بأن ندخل انتخابات جامعة القاهرة حين تبدأ، وأن نقتنص عدة مقاعد، ثم ننسحب كى نحدث فراغا ونحرج الإدارة». ما يميز محمد عاصى عن بعض الطلاب الآخرين هو انشغاله فى حركة الاشتراكيين الثوريين خارج الجامعة أيضا ضمن فاعليات سياسية، حتى إن كانت بعيدة عن العمل الطلابى التقليدى. يشير بيده إلى شباب يلعبون الكرة أمام قبة الجامعة، وبعضهم من ممثلى حركتى 6 إبريل (جبهة أحمد ماهر)، و(الجبهة الديمقراطية). فى إحدى خيام الاعتصام، يجلس سيد محمد بعيدا عن زملائه، ويدخل مباشرة إلى فكرته: «نحن مكشوفون هنا للجميع، لا مجال لتنفيذ أجندات لحركاتنا أو ما إلى ذلك، فأنا من طلاب 6 إبريل فى جامعة القاهرة، وكل ما أفعله هو أن أنسق مع الحركة فى الخارج للاستفادة من خبرتهم، لكننا نحن أهل القرار».
قبل الثورة لم يكن سيد محمد مشغولا بالسياسة أو القضايا الطلابية، إذ كان طالبا فى جامعة حلوان قبل انتقاله منذ ثلاث سنوات إلى جامعة القاهرة، اليوم يجلس مع مسئول الملف الطلابى فى الحركة كتفا بكتف، رغم أنهما كانا زملاء فى جامعة حلوان ولم يفكرا فى دخول العمل العام إلا بعد الثورة. أحد أهم أدوار الطلبة المنتمين إلى حركات وتنظيمات خارج الجامعة أنهم أحيانا ما يقومون بمهام تنسيقية بين أعضاء تنظيماتهم فى جامعات أخرى، إلى جانب انشغالهم بالتنسيق مع المجموعات المستقلة داخل جامعتهم، يقول: «الوضع هنا فى جامعة القاهرة أفضل بكثير عن جامعة حلوان على سبيل المثال، حين اتجه إلى هناك لوضع الملصقات أفاجأ أحيانا بمن يزيلون ملصقا وضعته دون خشية». كلا من محمد عاصى من حركة الاشتراكيين الثوريين، وسيد محمد من 6 إبريل (الجبهة الديموقراطية)، يطمحان أن ينمو عملهما فى المجال السياسى بعد انتهاء دراستهما، أما اليوم، فكل انشغالهما بردود الأفعال على مطالب الحركة الطلابية فى هذا العام 2012.



تعرف اللائحة الطلابية التى تسير عليها الجامعات المصرية بأنها لائحة سنة 79، وأجريت عليها تعديلات آخرها فى العام 2007، وكتبت تلك اللائحة فى أعقاب زيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى إسرائيل، وتحمل بعض بنودها نصوصا تعمل على التضييق على الطلبة، ومن ذلك إلغاء اللجنة السياسية التى تقيم الندوات والأنشطة المختصة بتوعية الطلاب سياسيا، وتفرض الحصول على موافقة العميد قبل القيام بأى نشاط طلابى، وأن يكون لعميد الكلية سلطة ريادة اتحاد الطلبة، وكذلك تعيين أعضائه فى حالة عدم اكتمال النصاب القانونى وغياب مشاركة الطلاب فى الانتخابات وهو ما كان يتكرر أثناء السنوات السابقة. فى فبراير الماضى من العام 2012 أرسل وزير التعليم العالى تعميما إلى جميع الجامعات المصرية بلائحة جديدة، وتفادت هذه اللائحة مساوئ لائحة سنة 79 إذ عادت فيها اللجنة السياسية والثقافية، كما نزعت سلطة عميد الكلية فى تعيين اتحاد الطلاب فى حالة عدم الحصول على النصاب القانونى أثناء الانتخابات، وهو ما كان يحدث فى السنوات السابقة أثناء استغلال عدم اهتمام الطلاب بالانتخابات، وينتج عن ذلك اتحادات موالية للسلطة حسب تقارير حقوقية.

لائحة 2012 ظهرت بعد الحراك الذى شهدته الجامعة من مسيرات فى ذكرى الثورة الأولى وذكرى التنحى فى بداية هذا العام، وضمت بعض البنود التى اعترضت عليها شريحة من الطلاب، إذ إنها تقصر العمل الطلابى داخل الاتحادات فقط، وتجاهلت حقوق طلبة الانتساب والتعليم المفتوح فى الاتحاد. وأقيمت دعوى قضائية لإبطال العمل بها فى انتخابات هذا العام حتى يتم استكمال شكلها النهائى. وبعد تأجيل وزير التعليم اعتماد اللائحة والانتخابات، جاءت خطوة مفاجئة من فصيل طلابى (الإخوان المسلمين) قبيل الجدل الدائر حول اللجنة التأسيسية للدستور وهل ستكون هناك فرصة لمشاركة اتحادات الطلاب فيها أم لا. وهو ما دفع طلبة الإخوان إلى تبنى مسيرة للتعجيل بانتخابات اتحاد الطلبة فى هذا العام الدراسى، وتبنت لجنة التعليم بمجلس الشعب ونواب برلمانيون من جماعة الإخوان هذه الخطوة واتخذ الوزير قراره فى إجراء الانتخابات حسب لائحة 79 سيئة السمعة، وهو ما رفضته أغلبية الحركة الطلابية وأعلنوا مقاطعتها، وتم توقيع بروتوكول بين طلاب ينتمون إلى الإخوان المسلمين وإدارة الجامعة، يعطى مزايا تسهل الترشح لانتخابات اتحاد الطلبة، لكن هذه الميزة فقط فى جامعة القاهرة، وهو لم تقبله بقية أطراف الاعتصام، متمسكين بلائحة جديدة، وقرروا معارضة الانتخابات على أمل إبطالها فيما بعد، وهناك انتقادات أن الاتحاد القادم لن يعمل فعليا سوى أسبوع فى نهاية هذا العام الدراسى، وهو ما يجعل إجراء الانتخابات أمرا غير مجدٍ، فى حين ترى إدارة الجامعة أن هذا الموقف لم يختلف كثيرا عن توقيت انتخابات العام الماضى.
PDF

Sunday, April 8, 2012

اعتصام الألتراس.. يا عزيزى كلنا شهداء وكلهم أوغاد

جيرة باردة بين الأهلاوية والأمن المركزى.. ومواطن: الشباب هنا محترم ومنظم.. وأى مشكلة بتتحل فورًا

عبد الرحمن مصطفى
رغم الغناء والصخب فى اعتصام ألتراس أهلاوى، فإن ذلك لا يبدو مرضيا لمحمد طلعت المنهمك فى تقديم الطعام والعصائر لزبائنه، يعلق قائلا: «تقريبا فقدت زبائنى التقليديين من الموظفين، إذ ليسوا مضطرين إلى عبور بوابات الاعتصام والتعرض للتفتيش، أصبحت أعمل لأوقات إضافية وأركز على زبائن الاعتصام».
هذا المزيج بين البهجة التى تصدر من أغانى الاعتصام والقلق من الخطوة المقبلة هما سمة الحياة هنا فى شارع الفلكى جوار مجلس الشعب. الرقص على أغانى الألتراس يجاور وقار أهالى شهداء استاد بورسعيد وهم يتحدثون مع زوار الاعتصام، ولم تمنع هذه الأجواء بعض الشباب من أن يظهروا ضيقهم من قلة الكثافة العددية عن السابق، بسبب امتحانات الطلبة. وتتضارب الأقاويل منذ أيام حول إنهاء الاعتصام، بعد تحقيق جزء من مطالبهم الخاصة بنقل محاكمة المتهمين فى أحداث بورسعيد إلى القاهرة (وتظل هناك مطالب أخرى عامة، منها القصاص للشهداء وتطهير الداخلية من القيادات الفاسدة وعودة الجيش إلى ثكناته).
أمام عدد من اللافتات والخيام الصغيرة يعمل محمد طلعت ــ مدير مطعم ومحل عصائر (أبوحمدى) ــ مع ستة عمال آخرين متذكرين أحداثا سابقة مروا بها، يقول طلعت: «لم تتغير طريقة عملى ولا نوعية زبائنى حين وقعت أحداث محمد محمود أو مجلس الوزراء، الأمر الآن مختلف، أنا أعمل فى قلب اعتصام مغلق، لكن الحقيقة أن الشباب هنا محترم ومنظم، وإذا ما وقعت استفزازات من أحدهم، يظهر من يحلها فورا». حين تدب مشكلة داخل الاعتصام يظهر بسرعة أحد قادة ألتراس أهلاوى للتعامل سريعا.
يشير أحد الشباب المعتصمين بيده قائلا: «هناك قواعد للاعتصام ملصقة على الجدار!!»، ويضيف تفاصيل أخرى غير مكتوبة منها على سبيل المثال عدم استخدام الشماريخ داخل الاعتصام، وهو ما كاد يفسد إحدى حفلات الفنان رامى عصام بعد إشعال عدة شماريخ نارية أثناء الحفل. أما شروط الاعتصام الملصقة على الجدار، فتضم بنودا أخرى هى: «الحرص على النظافة العامة، عدم تداول الألفاظ الخارجة، وعدم إزعاج الجيران»، أما البند الذى أثار ضيق بعض الناشطات من رواد الاعتصام فكان: «عدم تواجد الفتيات بعد الساعة العاشرة مساء، وعدم تدخينهن نهائيا». هذه الصيغة استفزت بعضهن ليتهمن شباب الاعتصام بالعنصرية ضد المرأة مثلما كتبت الناشطة مها الأسود على مدونتها، وهو ما دفع ناشطات أخريات لدخول الاعتصام فى مجموعة قبل أيام والتحاور حول دور الفتاة فى اعتصامات سابقة.
وفى ناحية أخرى من الاعتصام، ناحية البوابات، نشأ تناقض جديد فى علاقات الجيرة بين شباب ألتراس هناك وعساكر الأمن المركزى، ففى الوقت الذى ينشد فيه الشباب ضد وزارة الداخلية ورجالها، نجد حالة من السلام تجمع الطرفين. أما خارج الاعتصام فأبدى أحد أفراد الأمن ضيقه من الصخب الزائد للألتراس، يحمل جهاز اللاسلكى بيد، ويشير بيده الأخرى إلى عبارة مكتوبة على الحائط أمامه: «خافى منا يا حكومة». ويذكر أنه حذر الشباب من الكتابة على الجدران خارج الاعتصام، ويقول: «رغم عدم وجود اشتباكات حقيقية من جانب الشباب هنا، إلا أن هذه العبارات تمثل استفزازا للمارة». يتوقف عن حديثه ثم يكمل مبتسما: «الحقيقة أن المجندين لا يفقهون أغلب المكتوب». حاول رجل الأمن ذو الزى المدنى أن يبدو محايدا، حين ذكر أن حريقا قد نشب فى مبنى مجاور، وأنه كان باستطاعته اتهام شباب الألتراس بالباطل بأنهم السبب وراء الحريق، لكن ضميره لن يسمح له بهذا التصرف، مستدلا بذلك على أن الأمن لا يعادى الألتراس.. وينهى حديثه وفى خلفيته كلمة A.C.A.B وهى اختصار لجملة بالإنجليزية تعنى «كل رجال الأمن أوغاد»، وهى إحدى شعارات الألتراس الشهيرة.
ورغم الحماس داخل الاعتصام إلا بعض الشباب لا يخفون حالة الإحباط من ضعف الاستجابة لقضيتهم.
على مقربة، أقيمت خيام لقوى أخرى مثل 6 أبريل، وثوار المعادى، حيث جلس المهندس حسن مبديا قلقه من أن يشتعل الموقف لأى سبب، وأن يتم توريط الألتراس من جديد، أما زميله الأصغر سنا جمال ــ عضو ألتراس أهلاوى ــ فأرجع قلة الكثافة العددية لانشغال الطلبة وضيق الزوار من صعوبة الوصول إلى المكان بسبب ما سماها «المتاهة»، ويقصد بها الحواجز الأسمنتية بين الشوارع فى هذه المنطقة، كذلك فقد دعا الجمعة الماضية مجموعة من المعتصمين إلى عدم التواصل مع الإعلام أو الكاميرات. وقرب منتصف الليل، يبدأ الاعتصام فى الهدوء، إذ يتجه الطلبة للمذاكرة، وآخرون يطوفون للتنظيف، وهو التوقيت نفسه الذى يكون فيه محمد طلعت ــ مدير أهم مطعم فى الاعتصام ــ قد أغلق أبوابه، منتظرا يوما جديدا، قد يستمر فيه الاعتصام أو لا يستمر.
PDF

Thursday, March 29, 2012

في لحظات الحزن القبطي .. إن فقدت البابا فكن مينا دانيال

مينا دانيال.. بروفة قبطية على الحزن قبل رحيل البابا

عبد الرحمن مصطفى
تحافظ مارى شقيقة الشهيد مينا دانيال على الابتسامة الهادئة وارتداء الملابس السوداء منذ أن لقى أخوها مصرعه خلال أحداث ماسبيرو فى أكتوبر الماضى، أما أختها الصغرى شيرى (25 سنة) فتصف حالة الحزن القبطى على وفاة البابا شنودة قائلة: «نحن نرتدى السواد منذ وفاة مينا.. الأسرة فى حالة حداد ممتدة». تقول عبارتها بابتسامة دون إبداء مرارة أو ضيق. ويحمل الطريق إلى المنزل فى عزبة النخل عبارات على الأسوار وواجهات المتاجر مثل «مسلم ومسيحى إيد واحدة»، وبمجرد العبور من بوابة المنزل فى طريق لا يرتاده من المواصلات سوى التوك توك يظهر مشهد لا يختلف كثيرا عن بعض المنازل القبطية الأخرى، حيث تبرز صورة القديس كيرلس السادس، وصورة أخرى للمسيح عليه السلام، وفى الواجهة صورة عملاقة للناشط السياسى الراحل مينا دانيال.. لم تكن ذكراه هنا فقط، بل تكرر الحديث عنه مؤخرا مع حالة الحزن على وفاة البابا شنودة الثالث، خاصة بين بعض الشباب على الإنترنت الذين عبروا عن ذلك بعبارات من نوعية: «يمكننى أن أوجه العزاء لإخوانى المسيحيين ولكن الأولى أن أرثى أخى مينا دانيال». وتصريح آخر كالذى ذكره النائب زياد العليمى، عضو مجلس الشعب: «يصعب علينا أن نُعزى فى البابا شنودة وحق دم شهداء ماسبيرو لم يعد»..أما داخل المنزل الذى يضم عائلة صعيدية تمتد أصولها إلى محافظة أسيوط، فقد كانت المفارقات تظهر واحدة بعد الأخرى، إذ نشأ مينا دانيال (جيفارا المصرى حسبما يصفه البعض) فى بيت مسيحى ملتزم، تضحك شيرى أثناء تعليقها: «هناك بعض الملامح السلفية فى منزلنا، لم يكن من السهل مشاهدة قنوات الأغانى على سبيل المثال، وعلى فكرة لم تكن تلك البيئة متعارضة أبدا مع توجه مينا فى الانفتاح على الآخرين، أيا كانوا». المفارقة الأخرى عاشتها شيرى مؤخرا أثناء نضالها من أجل الدخول إلى الكاتدرائية لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على البابا شنودة الثالث، حين انزعج البعض من ثباتها النفسى أمام هذا المشهد: «تعجبت من الناس الذين كانوا يصبروننا بعد وفاة مينا، ويدعوننا إلى الثبات، قائلين إن مينا فى مكان أفضل، كنت أسأل نفسى لماذا لم أجد ثباتهم هذا الآن؟، إذ صدمت بمشاهد الانهيار النفسى فى الكنيسة».
قصة مينا دانيال وكيف تحول إلى أيقونة لدى بعض الشباب، تشبه قصص فتيان آخرين آمنوا بأن حل قضايا الأقباط هو جزء من حل قضية مصر بأكملها. فى صالة المنزل حيث تجلس مارى (41 سنة) محاطة بصور أخيها الذى تربى على يديها، تجد نفسها هى الأخرى أحد هؤلاء الذين كانوا يتأرجحون بين عالمين: عالم ترى فيه أخيها الأصغر الذى توفى العام الماضى فى سن العشرين، حيث يسعى الناس فى مسيرات وفاعليات من أجل التغيير، وعالم آخر يُفوض الكنيسة وكيلا للشعب أمام السلطة. مارى وأختها شيرى أصبحتا الآن أقرب لطريق أخيهما الراحل، حسبما تؤكدان، ففى السابق كانت الأسرة لا تبدى اهتماما بقدر ما تبدى قلقا من توجهات مينا، ولم تشارك مارى فى البداية سوى بدافع مشاركة أخيها فى عالمه، أما مشاركات العائلة فكانت ذات منظور قبطى، لكن ذلك تغير بعد الثورة، إذ توضح مارى شارحة: «أنا على سبيل المثال من جيل التسعينيات الذى شهد فى أسيوط إرهاب الجماعات الاسلامية وجها لوجه، لقد أخذتنا الثورة وشباب مثل مينا إلى مساحات أخرى، ولم نعد نقلق وسطهم من الآخر وعقائده». حتى اليوم ما زالت تأتيها عبارات من نوعية: «مش كفاية بقى مظاهرات وتحرير.. مش كفاية اللى حصل لمينا؟». لكنها وأختها شيرى اختارتا الطريق، أن تكون لهما قدم فى الكنيسة حيث الروح، وقدم فى الشارع حيث الحقوق.
بعد وفاته كانت تأتى الاخت الصغرى أسئلة حول هوية مينا دانيال الدينية، «هو كان شيوعى؟!» بهدف الاطمئنان على نقاء إيمانه، وتبتسم متذكرة كيف كان يتحدث عن تشى جيفارا حين سألته أيضا هى الأخرى: «هو جيفارا ده مش كافر وملحد، بتقرا عنه ليه؟!». لكن العائلة كانت تدرك حقيقة نجلها الذى كان شماسا فى سن المراهقة، ولم يترك الكنيسة المجاورة إلا حين طلب منه القسيس حلق شعره وذقنه، فاتجه إلى كنائس أخرى، وأثناء احتجاجات كنيسة القديسين قبل الثورة مباشرة، هتف مينا داخل الكاتدرائية وصفعه وقتها أحد القيادات الكنسية، دون أن يخرجه ذلك من عباءة المسيح. هذا المنزل الذى شهد زيارات من مرشحين رئاسيين وقنوات إعلامية، أقنع مارى بأن تكمل مسيرة أخيها، وتعمل مع أختها الصغرى شيرى كتفا بكتف فى حركة مينا دانيال ضمن مسيرات وفاعليات وأعمال توعية. وتكمل مارى قائلة: «وجدت الحل فى نموذج مينا دانيال، وشباب مثله لا يعرفون الطائفية، وأشعر فعلا بأنهم أبنائى». فى عيد الأم الماضى تلقت مارى ووالدتها مكالمات عديدة من أشخاص أرادوا فقط دعمها معنويا، وبين المشاركة فى أنشطة الحركة وحتى فى وجودها على الفيسبوك، أصبحت لديها رسالة لتوجهها: «أحيانا ما تحدثنى فتاة عبر الانترنت وتعرف نفسها بأنها فلانة من كنيسة كذا، أبلغها فورا ألا تعرفنى بديانتها، وأطلب منها أن تعرفنى فقط بنفسها». بدأ مينا دانيال هذا الطريق فى سن السابعة عشرة بالمشاركة فى الكثير من الحركات الداعمة للقضية القبطية وأخرى ذات توجه يسارى، توقف مارى بصرها لدقائق على صورة مينا المعلقة على الحائط أمامها، وتكمل: «هناك حالة متواصلة من الإعاقات بين خشية البعض أن نلقى نفس مصير مينا فى النهاية، وبين من يسددون لنا سهام النقد متخذين الدين وسيلة لتثبيط الهمم على طريقة: الزم الكنيسة وودع ما سواها».ورغم النبرة الثورية التى تتحدث بها مارى دانيال، فلا يبتعد الايمان عن قلب الأسرة المتدينة، إذ تقول أختها شيرى: «حتى الآن لم نحصل على حق أخينا، لكنى لن أنسى كلمات أبينا حين تلا علينا من الإنجيل ما يدعو إلى تنقية القلب من الضغائن». ذلك المنزل الذى تقيم فيه الأختان الآن هو جزء من بيت العائلة، لكنه أصبح أشبه بمتحف لمينا دانيال، أما ما ترياه الأختان من إرث حقيقى فهو ما أدركتا من أن نيل الحق بالصدق فى النضال، وأن هناك عالما أكبر من عالم الطائفة وعالم النخبة.


مايكل وطارق.. نسختان من روح واحدة

قبل أكثر من عام لم يتخيل طارق معوض ومايكل يوسف أن يكونا صديقين وشريكين فى حركة ثورية واحدة، وأن تجمعهما حركة مينا دانيال التى تأسست فى أعقاب مصرع صديقهما المشترك فى أحداث ماسبيرو. حتى الآن يتذكر متظاهرو محمد محمود، الشاب ذو الخلفية السلفية حامل راية مينا دانيال فى الصفوف المتقدمة، طارق الشهير بـ(الطيب)، الذى وقف وسط الدخان والخرطوش المتطاير، أما مايكل فقد تلقى رصاصة فى ساقه فى اليوم نفسه الذى قتل فيه مينا على بعد أمتار قليلة منه. يقول مايكل يوسف طالب الهندسة: «فى بداية أحداث الثورة كان بعض أفراد عائلتى فى الأقصر يعتقدون أننى أشارك فى شغب يقوده الاسلاميون، حسب دعاية التليفزيون المصرى آنذاك، كانت علينا ضغوط حقيقية، لكنها خفت اليوم، حتى لو قلل البعض من شأننا». نفس الجدية والثقة التى يتحدث بها مايكل الذى طاف بين الحركات السياسية طوال العام الماضى، هى نفسها الثقة التى يتحدث بها طارق الطيب، لكنه يكسر هذا المزاج الجاد مازحا: «مايكل أيضا سلفى، لكنه مسيحى». تضم حركة مينا دانيال عشرات الشباب من المسلمين والمسيحيين، أغلبهم كانوا على صداقة شخصية بمينا، بينما تضم الصفحة على شبكة فيسبوك الاجتماعية أكثر من 4 آلاف عضو، إلى جانب المسيرات والمظاهرات التى تشارك فيها الحركة، فهناك ملتقى مينا دانيال الثقافى الذى يهدف إلى التوعية، كما تضم الحركة أفرادا خارج العاصمة. أما مايكل وطارق فقد جمعهما خيط واحد، فكلاهما ذو خلفية متدينة، وإن كانا يحرصان على ألا يكون الإيمان هو الواجهة التى يقابلان بها العالم. يروى مايكل يوسف الذى انضم إلى حركة 6 إبريل أثناء العام الماضى بعض مشاهد رآها بعد وفاة البابا شنودة ورآها ضد قناعاته، إذ يقول: «هناك بين النخبة السياسية من يفتعل مشكلة بين الدين والتغيير، كأن تجد أحدهم يهاجم مواقف البابا بعد وفاته مباشرة، مثل تلك الأشياء هى التى تنفر ذوى التوجه المحافظ من السياسة وقضايا التغيير».
طارق الطيب الذى اختار صداقة مينا دانيال منذ الأيام الأولى للثورة بعد إعجابه بشجاعة الراحل، كان أقرب أصدقائه رغم دهشة بعض من حوله، ويوضح: «حتى الآن أجد من يمارس ضغوطا بأسئلة ساذجة، مثل: كيف كنت تصاحب من اختار الكفر؟ وهنا أتذكر الكثير من الأحاديث النبوية التى أراها تترفع عن ضيق الأفق بهذا الشكل». يتحدث طارق الطيب بنصوص إسلامية ونبرة قرآنية تبرز فيها اللغة العربية السليمة. وحين يطل كل من مايكل وطارق على الحياة، يكتشفان أنه ما زال هناك من يعيش فى عالم ضيق ولا يواجه مخاوفه من اختلاف الآخر. يتذكر طارق جيدا تفاصيل زيارته إلى عائلة مايكل فى الأقصر، وكيف كسر الصورة التقليدية للسلفيين، ويكمل شارحا: «دخلت الكنيسة وتحدثت فى كل شىء، وتقاربت المسافات حتى إن والد مايكل قد اتصل ليطمئن علىّ بعدها». يفخر مايكل بأن والده أدرك مبكرا أن ابنه على الطريق السليم مع الثورة، لكن ذلك لم يمنع ضيق الوالد وقلقه من استمرار الاحداث، وتحول موقف بعض أفراد عائلته بعد أحداث ماسبيرو حين وجدوا قضيتهم يناضل من أجلها شباب الثورة. لا يصف أبناء حركة مينا دانيال أنفسهم سوى بأنهم حركة ثورية، ولا يطمحون مستقبلا فى أى منصب، قضيتهم هى مواجهة الفقر والتهميش، مثلما كان صديقهم الراحل مينا دانيال، يكرر دائما : الفقراء أولا.
PDF

Thursday, March 15, 2012

الصفحات الثورية.. معركة مستمرة


ضغطة زر على الكمبيوتر قد تكون بداية حركة تغزو الشوارع
كتب - عبدالرحمن مصطفى


ثورة معهاش بطاقة: أفكار تحت 18سنة



«مفيش ضغوط جامدة حصلت علينا بسبب صفحتنا على الفيسبوك، إحنا أقصى حاجة بتتقال علينا هو اتهامنا بأننا موجهين أو بيتم استغلالنا»، هذا التحليل الأخير يخص آية محسن ــ العضو المؤسس فى صفحة «ثورة معهاش بطاقة» على شبكة فيسبوك الاجتماعية ــ ويأتى تعليقها على خلفية ردود أفعال البعض على الصفحة التى تضم شبابا من مؤيدى الثورة أقل من 18 سنة. هذه الصفحة كانت سببا فى تسليط الضوء على أعضائها، خاصة بعد الحلقة التى أظهرتهم مع الإعلامى يسرى فودة، وفى أسابيع قليلة بدأت بعض التفاصيل المربكة فى الظهور.. بداية من الأنباء التى ترددت عن تقديم بلاغ ضد الإعلامى يسرى فودة بسبب هذه الحلقة واتهامه باستغلال الأطفال فى أغراض سياسية، إلى جانب ما تلقته أية محسن (14 سنة) واثنان من زملائها من رسائل مزعجة وصلت حد التهديد المباشر، ما جعلهم يتركون إدارة الصفحة فترة قصيرة خوفا من اختراقها. تتحدث آية الآن دون قلق قائلة: «كل ما نهتم به حاليا هو استغلال الفرصة بعد أن عرفنا الناس ومستخدمو الانترنت، كى نقدم عملا مفيدا لأبناء جيلنا». تقوم فكرة صفحة «ثورة معهاش بطاقة» على أن يقدم كل من هم تحت 18 سنة مواهبهم عبر الانترنت، وذلك فى خدمة الثورة. وبدأ الأمر خلال إجازة منتصف العام الماضية على موقع تويتر، إذ استخدمت آية محسن وأصدقاؤها رمز TwitterUnderAge مستهدفين مستخدمى موقع التدوين القصير، ومن هنا تطورت الفكرة إلى تأسيس صفحة على الفيسبوك، بعد أن اكتشفوا أن بينهم أصحاب مواهب متعددة.
محمد نور طالب الصف الأول الثانوى، رغم أنه مقيم فى مدينة الإسكندرية إلا أنه شارك من البداية، ويعلق قائلا: «أنا أتعامل مع برنامج الفوتوشوب منذ أكثر من عام، وأقوم بعمل تصميمات من أجل الثورة منذ ستة أشهر، لذا أعجبتنى فكرة أن نجتمع سويا فى صفحة واحدة على الهدف نفسه». ظلت تلك المجموعة لأسابيع تتعامل الكترونيا ولم يروا بعضهم بعضا. وأهم نقاط الاختلاف فى هذه الصفحة أنها ليست صفحة ثورية تقليدية تسعى إلى حشد شريحة من الجماهير، بعض أعضائها من الشباب الصغير يرفعون صورهم أثناء تواجدهم فى مظاهرات، لكنهم لم ينظموا بعد مسيرات أو وقفات احتجاجية. البعض جرب هذا من قبل مثل آية، طالبة الصف الثالث الإعدادى التى تروى باعتزاز كيف شاركت مع أصدقائها فى مسيرة ورسموا جرافيتى على الجدران. أما محمد نور ــ الطالب السكندرى ــ فقد نشر تصميماته على مدونته الشخصية وعلى صفحته الخاصة على الفيسبوك، والتى تحمل شعارات ثورية من نوعية : «إنت طالب.. اتكلم، قول رأيك متخافش»، وتصميم آخر يقول: «بكرة نموت والثورة تعيش». وعلى المنوال نفسه تقوم فكرة الصفحة، بحيث تكون تجميعا لشتات شباب صغير، كما يوضح محمد نور: «البعض ينتقدنا ويقول لنا: أنتم أشخاص عاديون، والتميز فقط هو فى سنكم الصغير، لكن حين تكبرون ستنتهى قصتكم». مثل هذه العبارات لا تؤثر كثيرا فى عزيمتهم، إذ يفكر محمد نور من الآن فى خطته بعد سنتين حين يتم 18 سنة ويصبح مجبرا على ترك إدارة الصفحة لكوادر أصغر منه، أما الآن فيدير مع زميلين مجموعة المصممين، ويدير معهما مسابقة لاختيار فريق المصممين للصفحة، هذا وهناك فرق آخر مثل الكتابة والتدوين وإعداد الفيديوهات وفريق للرسامين.
قد تبدو الصفحة للوهلة الأولى قريبة من مواقع التنمية البشرية، إلا أن ذلك الانطباع يزول تماما بعد الاطلاع على المحتوى الثورى والعبارات الناضجة التى يكتبها المساهمون. لكن يظل كل ما تخشاه آية محسن ومحمد نور وزملاؤهما أن تفتر الهمة، ولا يطمئنهم سوى أن الأدوات نفسها التى جمعتهم على تويتر وفيسبوك هى نفسها التى قد تضمن لهم الاستمرار.



مؤسس ثورة الغضب المصرية الثانية: سيخطئون.. وننتصر


يحتفظ هشام الشال ــ مدير صفحة ثورة الغضب المصرية الثانية على الفيسبوك ــ بابتسامة دائمة وروح مرحة لا تفارقانه طوال الوقت، رغم ما تبديه ملامحه من جدية. هذه الصفحة التى تضم آلاف الأعضاء، بينهم مجموعة صغيرة هى التى تواظب فعليا على المشاركة فى المسيرات والأعمال الاحتجاجية، ويصفهم الشال قائلا: «نحن مجموعة من المجانين، المؤمنون بالثورة حتى النهاية». ورغم الهدوء النسبى الذى ساد الأسابيع الماضية إلا أنه يبدو مشغولا ومتواصلا مع أبناء ثورة الغضب الآخرين، رافضا إرجاع هدوء الأحداث إلى الإحباط أو اليأس. كما يواظب مع زميلين يديران معه الصفحة على رشق العبارات الجريئة من نوعية: «من هنا ورايح، التصعيد ليس له سقف.. كل شىء متاح ومباح». يكرر هشام الشال تلك العبارة التى كتبها بفخر قائلا: «هذه العبارات تقلقهم جدا..». فى فترات سابقة كان هذا القلق يترجم إلى إنذارات وتشنيع مثلما حدث فى أكتوبر الماضى حين خرج أدمن الصفحة الرسمية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة عن تقاليده وتوعد هشام الشال بصفته واسمه، وذلك بسبب الإعداد والنزول فى مسيرات إلى وزارة الدفاع، ويروى هشام الشال ذلك الموقف دون اكتراث حقيقى.
فى العام الماضى وأثناء أحداث الثورة المصرية انتقلت حياة كثيرين من السكون إلى الصخب، وهذا ما حدث مع هشام الشال الذى لم يكن له أى نشاط سياسى سابق، وفى الميدان تكونت صداقات مع أفراد من معتصمى التحرير، وما زالت هذه المجموعة فى اجتماعات مستمرة حتى يومنا هذا، خاصة على مقاهى وسط البلد، وحسب تعبيره «نحن صناعة الثورة».
من صفحة على شبكة الفيسبوك كانت البداية حتى تحولت «ثورة الغضب الثانية» إلى حركة ثورية، وهو القرار الذى اتخذه هؤلاء النشطاء فى أعقاب أحداث محمد محمود الأولى فى نوفمبر الماضى، هذه التفاصيل يحفظها هشام الشال جيدا كأنها حدثت بالأمس، ويشرح قائلا: «فى السابع من مايو 2011 وتحديدا فى الساعة الثالثة عصرا دشنت صفحة ثورة الغضب المصرية الثانية، واستعرت الاسم من صفحة تونسية شبيهة كانت تحاول آنذاك إحياء الثورة التونسية من جديد».
فى تلك المرحلة عقب فض اعتصام 9 مارس 2011 وأحداث 8 إبريل 2011 اللتين أسفرتا عن إصابات وقتلى، أدرك البعض أن هناك مواجهة قادمة مع السلطة، لذا اختار «الشال» أن يبدأ مغامرته مع أصدقاء التحرير فى صفحة تدعو إلى مليونية واعتصام فى 27 مايو. وزاد الجدل بعد رفض الإخوان المسلمين لها وتسميتها «جمعة الوقيعة بين الجيش والشعب»، ونجحت المليونية رغم عدم نجاح الاعتصام، ويقول الشال عن البداية: «كنا فى تلك الفترة المبكرة نهتف ضد حكم العسكر، وأتذكر أن بقية الناس من حولنا كان يستهجنون ذلك، على عكس ما يحدث اليوم». قد يبدو مظهر هشام الشال أدمن صفحة «الغضب الثانية» للوهلة الأولى أكبر من سنه، خاصة مع اللحية التى يخطها الشيب إلا أنه لم يتجاوز الرابعة والثلاثين. تلك الصورة تتلاشى وقت الفاعليات حين يتواجد الجميع كتفا بكتف، ويصبح عضو الحركة الأربعينى زميلا مساويا للعشرينى، تلك الأجواء الموحية بعالم اليسار الثورى، لا تنتمى إلى اليمين أو اليسار، بقدر ما تنتمى إلى الحالة الثورية فقط على حد وصف هشام الشال الذى يضيف قائلا: «لا أستطيع أن أميز فى الحركة شابا يساريا أو آخر ليبراليا، ربما يظهر لدى البعض خلفية إسلامية، لكن الجميع يفكرون بالطريقة نفسها، وليس هناك خلافات أو اختلافات كبيرة».انتقال الصفحة من الفيسبوك لتصبح «حركة ثورية» لم يأت فجأة، إنما كان الانترنت وسيلة حشد طوال العام الماضى لفاعليات مختلفة، وكانت العلاقات المباشرة وجها لوجه هى الأساس فى العمل على الأرض، لذا اختارت المجموعة أن تتحول إلى حركة ثورية، خاصة بعد ازدياد عدد مريديها فى المحافظات ودخولها فى عمليات تنسيقية مع قوى وجبهات أخرى. قبل سنوات كان هشام الشال هو ذلك الشاب السلفى الدارس للعلوم الشرعية، وظل هكذا لمدة عشر سنوات، لكن الثورة طرحت أسئلة جديدة فى رأسه، ويصف ذلك معلقا بجدية: «بعد الثورة سألت نفسى: هل أنا إسلامى؟ وما معنى هذا الوصف؟ خاصة بعد أن وجدت فى أخلاقيات الميدان وروح الجماعة ما يقارب المبادئ المثالية التى عكفت عليها لسنوات». فى الفترة السابقة على الثورة لم يتعرض للتعسف الأمنى سوى مرة مع جهاز أمن الدولة المنحل، إذ تعرض لإجراء روتينى له صلة بإطالة اللحية وإزالتها. أما فى الأشهر الماضية فقد تعرض لفقدان عمله كمحاسب بسبب قراره الاعتصام أثناء أحداث محمد محمود، ورغم اعتقال أحد أعضاء الحركة قبل أسابيع ثم الإفراج عنه فى وقت لاحق، إلا أن ذلك لا يثير قلقه، ويعلق قائلا: «ذلك أقصى ما يمكن أن يحدث، لكن ما لا يدركه البعض أن فى أغلب الأحداث السابقة كان أبناء الحركة فى الصفوف الأولى دائما، فنحن مؤمنون بما نفعل، حتى إننا لا نخشى أن يندس بيننا أحد، لأنه سينكشف فى لحظة الحقيقة أثناء العمل». ماذا بعد؟؟ يجيب فورا بثقة: «الجميع يظن أن الثورة انتهت لكن الثوريين الحقيقيين يمهلون السلطة بعض الوقت، حتى يرى الناس حقيقة من يحكمهم، وفى اللحظة المناسبة سنعود، حين يتحرك معنا الناس».
هشام الشال ورفاقه لا يشغلهم حجمهم أو عددهم، إذ يخرجون فى مسيرات وهم بالعشرات لينضم إليهم آخرون، إنما يشغلهم التكتيك الذى سيتحركون به، فهم «ليسوا جماعة سياسية، بل حركة ثورية»، على حد وصفه. وهو ينتظر قليلا قبل أن يختم: «ربما فى المستقبل، يصبح لأمثالنا من الحركات الثورية حزبا يكون ذراعا سياسية لنا فى السلطة، لكن الأهم أن تبقى روح الثورة فى أقاليم مصر، لأن ذلك هو طريق التغيير».


العباسية مش تكية: هدفنا سمعة الحى وخدمة الثورة


فى العام 2010 التقت مجموعة من أبناء صفحة «العباسية كلها على الفيسبوك» لأول مرة فى أحد مقاهى الحى الشهيرة، ولم يدرك آنذاك كريم محمد (25 سنة) أحد مديرى الصفحة أن الثورة وتوابعها التى ستقع على مدار العام 2011 ستغير شكل علاقاته مع حى العباسية ومع الانترنت أيضا، وبدأ الأمر كما يشرحه قائلا: «القصة بدأت قبل عدة أشهر، حين ارتبطت سمعة حى العباسية بمؤيدى مبارك بسبب وقفاتهم عندنا، ولم يكن من السهل علينا أن نسمع عبارات من نوعية: آه إنت من العباسية؟ أيوه بتوع المجلس العسكرى». ما يرويه كريم دفعه مع زملائه قبل عدة أشهر إلى اتخاذ مواقف متتالية، كان آخرها تأسيس حركة تحت عنوان «العباسية مش تكية»، لكن قبلها كانت هناك خطوات متتالية. يقول كريم محمد: «كانت لتحركنا دوافع مرتبطة بالحى، إذ إن لدينا شهداء من أبناء العباسية، وهناك من تطوعوا فى المستشفى الميدانى أثناء الأحداث المتتالية.. هذه هى حقيقتنا»، ومن هنا كانت البداية حين لم يجد هؤلاء الشباب وسيلة فى أيديهم قبل أربعة أشهر سوى الصفحة التى يديرونها تحت اسم «العباسية كلها على الفيسبوك»، فأعلنوا عن مسيرة باسم العباسية مش تكية، وتضامنت معهم جبهات وقوى سياسية وأفراد.
يضيف كريم: «كانت النقطة الفاصلة فى ذلك الوقت حين وجدنا أحمد سبايدر فى ديسمبر الماضى يطوف الحى بمكبرات صوت لحشد الأهالى فى فاعلية معادية للثورة، كل هذا استفزنا، خاصة أن هناك من أهالى الحى من تصدوا له آنذاك». الأمر اليوم يختلف عن تلك الذكريات إذ أصبح لهؤلاء الشباب بعد هذه المبادرة دور فى التواصل مع العديد من الحركات الثورية والسياسية، خاصة أن مسيرتهم الأولى فى ديسمبر الماضى أحدثت نقلة فى أداء الصفحة ورفعت عدد الأعضاء إلى قرابة 18 ألف عضو. ولم تكن مسيرة «العباسية مش تكية» سوى بداية لتحويلها إلى حركة بعد ازدياد عدد المتفاعلين مع الفكرة من أبناء الحى. فى أثناء حديثه يبدى كريم محمد، الذى يعمل فى مجال إدارة الأعمال، حرجا دائما من أن ينفرد بالحديث عن الصفحة وقصة انخراط نشطائها فى العمل الحركى، وكان حريصا على أن يذكر أسماء زملائه «سمر ورامى ومحمود» وغيرهم... كذلك فعل أحمد أيوب (28 سنة) زميله فى الحركة الناشئة «العباسية مش تكية»، ولم تكن مفاجأة أن تكون زوجة أحمد هى سمر إحدى مؤسسات صفحة «العباسية كلها على الفيسبوك»، التى كانت الداعية الأولى لمسيرة «العباسية مش تكية». ويقول أحمد أيوب: «نحن مثل شباب كثيرين كنا نشارك فى الأحداث المختلفة منذ جمعة الغضب مرورا بكافة الفاعليات الاحتجاجية، لكن مع الوقت أصبحنا نتصل بمجموعات ثورية وسياسية، خاصة أثناء تنسيق مسيرات قريبة من العباسية، وهنا كان علينا أن يكون لنا كيان واضح المعالم، وليس مجرد صفحة على الانترنت، وذلك حتى تتضح أيضا معالمنا داخل العباسية وسط أهلنا». أحمد أيوب كان بطل فيديو انتشر على الانترنت من فبراير الماضى، يواجه فيه الشرطة العسكرية ويخاطبهم بنبرة ثورية توضح سبب وجود المتظاهرين فى هذا المكان بين ميدان العباسية ووزارة الدفاع، وذلك بعد أحداث استاد بورسعيد، وهو يعلق قائلا: «فى نهاية الكليب ستسمع صوت أحدهم وهو يتحدث معى، المفارقة العجيبة أن هذا الشخص كان أحد أنصار توفيق عكاشة فى العباسية، ومعارضا شديدا لنا، وبعد عدة مسيرات ثورية ناحية العباسية بدأ موقفه يتغير حين اقترب منا». لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل كان حضور بعض أعضاء الحركات السياسية إلى العباسية فى ضيافة «حركة العباسية مش تكية» سببا فى حوارات مع بعض أهالى الحى المتشددين فى عدائهم للمتظاهرين، وأسفر ذلك عن تغيير وجهة بعضهم بعد نقاشات مفتوحة.
صفحة «العباسية كلها على الفيسبوك» تضم اليوم آلاف الأعضاء بينهم مجموعة صغيرة تلتقى بشكل منتظم، وهناك يطرحون أفكار مبادرات أو تنسيقا مع حركات أخرى أو حتى أفكار عمل خدمى، وهو ما قام به بعض أعضاء الصفحة عقب الثورة، يشرح كريم محمد: «أحد الشباب بادر فى مرة بشراء فواكه وخضراوات من سوق العبور لبيعها بسعر رخيص لخدمة الحى، لكن المشروع توقف لعدم التفرغ». مثل هذا التواجد فى العباسية، جعل البعض من أبناء الحى يتذكر كريم ورفاقه، بسبب ملاحظتهم فى المسيرات التى يديرونها أحيانا بأنفسهم، لكن لهذا الأمر ضريبة أخرى فما زالت هناك فى الحى جماعة تستهدف أى عمل ثورى فى العباسية، وتتبع شخصيات معادية للثورة، كما يقول كريم: «نحن من الحى، وأهل مكة أدرى بشعابها، وقد أصبح الآن اللعب على المكشوف، وفى النهاية نحن أبناء العباسية، ونحن أحرص على مصلحة سكانه»، لم يختلف أحمد أيوب كثيرا عن ذلك الرأى، إذ ينقل عن زملائه فى العباسية رأيهم فى صفحتهم على الفيسبوك، قائلا: «طوال الفترة الماضية، اكتشفنا من الاختلاط بالآخرين على مدار أحداث الثورة بأن لدينا مواهب وأفكارا وإبداعا، وتعلمنا التواضع حين وجدنا من هم أفضل منا فى الميادين، لذا.. اخترنا الثورة ودعمها من خلال العباسية».



الاتحاد قوة.. أحيانًا


يبدأ أحمد الجناينى حديثه بحماس عن تجربة «اتحاد الصفحات الثورية»، وما إن ينخرط فى التفاصيل حتى يصاب بالمرارة، ويصف ذلك بقوله: «قامت فكرة الاتحاد مبكرا أثناء فترة التحضير لفاعليات 25 يناير الأخيرة، وذلك على أمل إحياء الثورة، لكنى أرى الاتحاد اليوم قد انتهى إلى صفحة على الانترنت وأحاديث طويلة بين المنسقين». داخل موقع الاتحاد خدمة إخبارية وبيانات أصدرها فى الفترة الماضية، عدا ذلك يبدو الأمر هادئا بعد آخر المسيرات الكبرى فى 11 فبراير (ذكرى التنحى). وعلى شبكة فيسبوك الاجتماعية هناك عدد من التجارب الشبيهة، لكن تظل مساحة التنسيق على أرض الواقع هى الأكثر تأثيرا. هيثم الشواف ــ منسق تحالف القوى الثورية ــ يرى الأمر بصورة أكثر إيجابية، ويشرح: «حين قمنا بتأسيس التحالف كانت هناك العديد من القوى المشاركة، ولا أخفى سرا حين أقول إن هناك بعض الكيانات المريبة التى مرت علينا، لكن القاعدة على أرض الواقع شبيهة بالتعامل على الفيسبوك، فحين نواجه على الصفحة بأعضاء مريبين يستهدفون الاساءة وإفساد عملنا، يتم استبعادهم وكذلك الأمر بالنسبة للتحالف على أرض الواقع».
قبل أى فاعلية ينسق الشواف مع القوى المنضمة للتحالف، وخاصة مع المجموعات خارج العاصمة، ويرى أن استجابة تلك المجموعات تعطى زخما قويا لأى حدث. أما أحمد الجناينى الذى تعرّض للإصابة عدة مرات على مدار أحداث العام الماضى، فيرى أن العمل الحركى مرهون بأرض الواقع، وبعد عام من الثورة انضم مؤخرا إلى حركة 6 إبريل، بعد اعجابه بأدائهم وإخلاصهم ــ على حد قوله. أما حين يعود الحديث إلى هيثم الشواف منسق تحالف القوى الثورية، يقول: «بعد تجربة عام على الثورة، تولّدت لدينا قناعة بضرورة تغيير تكتيكات العمل الثورى على الأرض، وهو ما سنفعله قريبا».