Showing posts with label لم ينشر. Show all posts
Showing posts with label لم ينشر. Show all posts

Monday, May 13, 2013

تدشين أول نقابة للإتيكيت والبروتوكول في مصر



كتب – عبد الرحمن مصطفى
  استضافت قاعة المؤتمرات بالمجلس الأعلى للثقافة، أول أمس الأحد، احتفالية لإشهار " نقابة البروتوكول و الاتيكيت و المراسم والعلاقات العامة والتدريب"، بحضور الأستاذ الدكتور أحمد عيسى وزير الآثار، و عدد من مؤسسي النقابة. وتسعى النقابة الناشئة إلى نشر ثقافة الأخلاق الحميدة التي تنادي بها الشرائع السماوية، حسبما يوضح الدكتور رفعت عارف الضبع- أول نقيب لهذا الكيان الوليد قائلا: "بالتأكيد هناك من يتساءل عن فائدة ودور نقابة للبروتوكول، و أريد أن أوجز أهمية ذلك في أن البعض يظن أن الاتيكيت أمر مقصور على طبقة أو شريحة من المجتمع، لكن الفكرة أوسع بكثير من ذلك، فهو عبادة سماوية وسلوكيات لها جذورها في الأديان، و من حظى بها نال ثوابها، ومن أساء التعامل معها خسر ثوابها".
ساهم الدكتور رفعت الضبع على مدار أكثر من 25 سنة في التدريب على القواعد البروتوكولية والاتيكيت داخل عدة هيئات ومؤسسات مصرية مختلفة.
عقدت الاحتفالية تحت رعاية وزراء التأمينات والشئون الاجتماعية، والبحث العلمي، و وزير التنمية المحلية، و رئيس المجلس القومي للمرأة، و وزير الثقافة، وقد تعذر حضورهم جميعا،  بينما حضر الدكتور أحمد عيسى وزير الآثار الذي علق على فكرة تدشين نقابة للأتيكيت والبروتوكول قائلا: "تحفظ كتابات المعابد والمقابر المصرية القديمة موروثا يهتم بالجانب الأخلاقي، وامتد هذا الوازع الأخلاقي في الفترتين المسيحية والاسلامية فيما بعد، وأرى أن الترجمة العربية السليمة لكلمتي الإتيكيت والبروتوكول هي مكارم الأخلاق التي جاء الرسول الكريم لإتمامها".
يضم مجلس إدارة النقابة الحديثة أكاديميون من مجالات مختلفة، و يسعى أعضاؤها إلى تكوين مرصد مجتمعي للإتيكيت والبروتوكول لرصد الجوانب الإيجابية في المجتمع وإعلاء شأن وتكريم القائمين بها . وتشير دراسات إلى أن 75% من أوقات الانسان يقضيها في ممارسات البروتوكول و الاتيكيت حسبما يشير الدكتور رفعت الضبع في حديثه.  أما اللواء محمد سلمان – عضو النقابة- فيوضح أن قواعد الإتيكيت والبروتوكول هي جزء هام من الحياة العسكرية التي عاشها، إذ يظل الضابط ملتزما بقواعد "كتاب التقاليد العسكرية" الذي ينظم كافة صغيرة وكبيرة في التعاملات الداخلية ، ويختم قائلا: "لذلك تقل الضغائن داخل المجتمع العسكري، لأن هناك قواعد تنظم السلوك والاجراءات، وأرجو أن تنتقل تلك الروح إلى الحياة المدنية التي تخلى فيها البعض عن بعض القيم والتقاليد، وازدادت فيها مساحات الحساسية والتعنت".

Monday, July 18, 2011

حالة الصورة بعد الثورة

عدسات احترافية وأخرى للهواة

كتب - عبدالرحمن مصطفى
"رغم أن الكاميرات أصبحت في أيدي جميع شعوب الأرض، إلا أن الصورة الاحترافية ستظل هي الوثيقة المعتمدة لما فيها من نزاهة وحياد" . هذه العبارة التي سمعها عمرو نبيل، رئيس شعبة المصورين بنقابة الصحفيين أثناء حضوره إحدى حفلات الجوائز العالمية، ما زال يرددها حتى اليوم، رغم التأثير الذي أحدثته الثورة على عالم التصوير في مصر وإفساحها المجال لشرائح جديدة. يعلق على ذلك قائلا: "أصبحت الأحداث أكثر ازدحاما بكاميرات الهواة والمحترفين على السواء، وهي أجواء لم نكن نعيشها قبل سنوات.. لقد أصبح هناك من يزاحم المصورين المحترفين بالفعل". هذه الملاحظة التي يسجلها المصور عمرو نبيل عن اتساع مجال التصوير بشكل متزايد يرجعها إلى سببين هما: "اتساع استخدام الكاميرات الرقمية وكاميرات الهواتف المحمولة، واهتمام النشطاء بتوثيق الأحداث وهذين السببين يعودان إلى عدة سنوات قبل الثورة". ومع بدء أحداث ثورة يناير اتسعت أهمية التصوير بهدف التوثيق، ولم يعد الأمر يقتصر على نشطاء أو مصورين محترفين، إذ كان أغلب من وثقوا الحدث بكاميراتهم هم من المشاركين من كل الفئات. وهو ما توضحه الناشطة نازلي حسين بعد معايشتها لتجربة (نقطة تجميع الفيديوهات والصور) التي بدأت أثناء اعتصام التحرير، و تقول: "لدينا الآن أرشيفا من الصور والفيديوهات قدمه متطوعون غير محترفين أرادوا نقل صورهم وفيديوهاتهم إلى الانترنت، ولعل أهمية هذا الأرشيف أنه دليل قد نحتاجه في القضايا المتتالية التي أثيرت منذ بدء الثورة". وحسبما تذكر نازلي فإن أجواء الاطمئنان التي عاشها المعتصمون لبعضهم البعض واستمرت حتى اليوم دفعت الكثيرين إلى تقديم ما لديهم من مواد دون اهتمام بذكر أسمائهم، أو على حد وصفها: "منذ ذلك الوقت تأكد دور الصحافة الشعبية بشكل كبير، ولم يعد الاهتمام فقط منصبا على المحترفين في مجالي التصوير الفوتوغرافي أو الفيديو". هذه الأحداث المتلاحقة في السنوات الأخيرة واتساع استخدام الكاميرات الرقمية دفع إلى تزايد عدد ورش التصوير و ظهور شريحة تجمع بين روح الهواية والاستقلال بعيدا عن المؤسسات التقليدية، يعلق عمرو نبيل على ذلك قائلا: "أثناء زيارتي إلى ليبيا وقت تفجر الموقف هناك لاحظت هذا النموذج لشاب تحول إلى مصدر صور للوكالات الأجنبية رغم أنه ليس محترفا أو تابعا لمؤسسة". هذا النموذج ليس حالة يمكن تعميمها في نظر عمرو نبيل، إلا أنه في نظر آخرين مؤشر على فرص جديدة لشباب كانوا هواة أو مستقلين، إذ أن هناك نماذج أخرى في مصر توضح تأثير الثورة بشكل مباشر. أحدهم هو بشير وجيه الذي تعود صلته بالتصوير لسنوات مضت، و كان للثورة تأثير خاص على حياته المهنية، ويوضح ذلك قائلا: "ما أحدثته الثورة في الحقيقة هو أنها كانت فرصة لعرض ما نصوره في توقيت كانت الأعين كلها مسلطة على مصر، وعلينا ألا ننسى أن الحس الفني للصورة يجعلها أكثر استخداما". يعيش الآن بشير خارج القاهرة حيث يعمل على مشروع لحساب إحدى القنوات التلفزيونية العالمية، إذ يطوف المحافظات المصرية تاركا مهنته الأصلية كمهندس في إحدى الشركات الكبرى في مجال الاتصالات. وجزء من هذا القرار كانت أحداث الثورة سببا فيه.. يوضح ذلك بقوله: "ما صورته من مادة فيلمية أثناء الثورة بحسي الفني كان أحد أسباب العروض التي تلقيتها فيما بعد". أما قبل ذلك بسنوات فقد كان المجال الاحترافي خانقا في بعض الأحيان وله قواعد تجارية في أحيان أخرى، وهو ما دفعه إلى العمل بشكل مستقل وصُـنع أفلام حضر بها مهرجانات. ويوضح تفاصيل تلك النقلة التي اتخذها بعد الثورة قائلا: "على سبيل المثال فإنني أثناء السنوات الماضية حاولت الدراسة الأكاديمية و تعذر الأمر عدة مرات، في الوقت الذي نجحت فيه في صنع أفلام مستقلة، وأثناء الثورة عرضت صوري بشكل تقليدي على الفيسبوك والتويتر و اكتشفت أن هناك من يهتم بالفعل، وتلقيت عروض شراء، واليوم أنا أعمل لحساب مؤسسات إعلامية عالمية".

بحر من الصور
حسبما يؤكد بشير فإن أحداث الثورة المتتالية ساهمت في إيصال البعض إلى العمل المؤسسي، لكن كان الشرط دوما هو المهارة الحقيقية والحس الفني، لكن بعيدا عما يذكره فإن نفس تلك المؤسسات اتجهت أيضا إلى فيديوهات المتطوعين التي يلقون بها على مواقع مثل يوتيوب لتحميل الفيديو، أو من يرفعون صوره بكاميراتهم على الفيسبوك، دون أن يبحثون عن الاحتراف، إذ كانت الأشهر الماضية موسما لجمع الفيديوهات بغرض إعادة إنتاجها تجاريا فيما بعد .. وحسب أرقام أعلنها مؤخرا موقع يوتيوب الأشهر عالميا لرفع الفيديو فإن أن المصريين قاموا بتحميل 2.1 مليون فيديو على موقع ''يوتيوب''من مصر منذ بداية العام 2011، وأن 14% من هذه الفيديوهات في قسم " الأخبار والسياسة"، وهو معدل مرتفع مقارنة ببقية الدول ذات الأوضاع السياسية الشبيهة . وحسب تلك الأرقام فإن حالة الصورة في ازدهار، وهو ما دفع ببعض المؤسسات العالمية إلى وضع أفكار جديدة مثل تدشين مواقع الكترونية تهدف إلى تسويق الصور والفيديوهات وأحد هذه المواقع الجديدة يستهدف مصر والشرق الأوسط بشكل خاص. وكذلك فإن بعض شركات الإنتاج المحلية قد نشطت في الفترة الماضية من أجل جمع مواد فيلمية عن أحداث الثورة على أمل إعادة إنتاجها بشكل تجاري. هذه الملاحظة سجلتها الناشطة نازلي حسين إحدى المتطوعات في (نقطة تجميع الفيديوهات والصور) أثناء بداية أحداث الثورة، وتعلق قائلة: "نعم .. لاحظت أن بعض فيديوهات المتطوعين التي وصلت إلينا في تلك الفترة المبكرة قد أعيد استخدامها كثيرا على الشاشات، وبعضها استخدم بشكل تجاري، لأن أغلب تلك المادة كان الهدف إتاحتها على الانترنت بشكل مجاني". إلا أن فكرة التطوع بتقديم مواد عن الثورة ليس بهذه البساطة لدى المصورين المحترفين، إذ تعرض منهم لمشاكل حين اختاروا التنازل عن حسهم الاحترافي جزئيا وطرح أعمالهم للجمهور مباشرة. وهو ما حدث قبل أشهر في معرض "سجل يا زمن" حين فوجي المصورون بأعمالهم التي تباع على سيديهات دون إذن كتابي منهم. وبسبب خلفيتهم الاحترافية اتجه بعضهم إلى اتخاذ إجراءات قانونية، وأثير نفس الجدل مع برنامج ناس بوك للإعلامية هالة سرحان حين وجه لها أحد المخرجين اتهاما بأن طاقم إعداد البرنامج استخدم فيلما صوره في الميدان واعتبروه من تصوير فريق البرنامج. وهذه الحوادث المتتالية تظهر ملمحا جديدا لعالم الصورة بعد الثورة، حول تلك العلاقة الشائكة بين عالم الصورة الاحترافية التقليدية لحساب المؤسسات، وبين الكاميرات الحرة والعمل التطوعي الأكثر نشاطا بعد الثورة.

Monday, January 10, 2011

تاريخ الجنون.. من البيمارستان إلى المستشفى العام



كتب – عبد الرحمن مصطفى
قد تبدو مواقع مستشفيات الصحة النفسية والعقلية الحالية على الخريطة كجزء من حياة المدينة وليست معزولة مثلما كانت لحظة تأسيسها، لكن في حقيقة الأمر فإن هذه المواقع كانت خارج المجال السكني في لحظة تأسيسها. أحد أشهر هذه النماذج هو مستشفى العباسية للأمراض العقلية والنفسية، ولم يكن ذلك مصادفة بقدر ما هو تطور لصورة المريض العقلي والنفسي عبر التاريخ، وتحول بين احتواء المريض العقلي في العصور الإسلامية ثم عزله في العصر الحديث في أطراف المدينة.
ترى الدكتورة هدى السعدي- الأستاذ المساعد في قسم الحضارات العربية والإسلامية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة- أن الأعراف والتقاليد الأوروبية في النظرة إلى الجنون قد تغلغلت إلى مصر في نهايات القرن 19 ، وذلك في ضوء ظهور الطب النفسي الجديد وتحديث الدولة المصرية في ذلك الوقت، هذه التقاليد الأوروبية انعكست على الواقع المصري حتى اليوم، ومن أبرز هذه الانعكاسات هو اختيار موقع المستشفى. وفي بحثها المنشور تحت عنوان "تغير مفهوم الجنون وتأثيره على المرأة والمجتمع في مصر في نهاية القرن التاسع عشر"، ذكرت الدكتورة هدى السعدي أن النظرة السائدة عن المجانين قبل العصر الحديث غالبا ما اتسمت بالتسامح والقبول، ومع سيادة قواعد الدولة الحديثة في مصر وظهور الاحتلال البريطاني تغيرت تلك النظرة فأصبحت أكثر صرامة وبدأ استبعاد هذه الفئة من المجتمع. يتضح هذا التحول عند عقد مقارنة مع العصور الإسلامية حين كان البيمارستان (المستشفى) يتعامل مع "المجاذيب" ببساطة كجزء من نشاطه الطبي، وكانت تلك البيمارستانات متواجدة وسط الحياة في المدينة دون قلق، فمنذ إنشاء أول بيمارستان في عهد ابن طولون وهناك قسم مخصص لرعاية المجاذيب. بل حتى في عهد محمد علي الذي اعتبره البعض باني مصر الحديثة ومفتونا بلتجربة الغربية ظل التعامل على نفس الدرجة من الاحتواء للمجانين، وبرز ذلك حين أسس بيمارستان لعلاج المجانين في قلب القاهرة في ميدان الأزبكية، إذ تم تحويل مخزن على ميناء بولاق إلى مستشفى لعلاج المجانين، لكن تلك النظرة تغيرت فيما بعد.
في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" (ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي - بيروت، 2006) لاحظ  المفكر الفرنسي -ميشيل فوكو- أنه مع بدايات العصر الحديث في أوروبا أثناء القرن 17 بدأ التعامل مع المجانين بطريقة مختلفة، إذ يقول عن ذلك القرن : "إنه اللحظة التي نظر فيها إلى الجنون باعتباره أفقا اجتماعيا للفقر وعدم القدرة على العمل، واستحالة الاندماج مع الغير، إنه اللحظة التي أصبح فيها الجنون جزءا من مشاكل المدينة". منذ تلك المرحلة ومع ازدياد وعي أوروبا بقيمة العقل والعلم، تم تكريس العزل لهذه الفئة المهمشة. وانتقلت تلك النظرة إلى مصر تدريجيا فرغم أن إنشاء مستشفى المجانين في حي الأزبكية في عهد محمد علي قد جاء بتوصيات من "كلوت بك" الطبيب الفرنسي الذي عهد إليه محمد علي بتنظيم الإدارة الصحية للجيش المصري إلا أنها ظلت وسط العاصمة، لكن العام 1883 كان نقطة فاصلة في هذه النظرة إلى "المجنون" إذ تأسست مستشفى الصحة النفسية بالعباسية ودخلت تحت رعاية الاحتلال الانجليزي لتعبر عن النظرة الغربية للجنون، فاختيرت في موقع بعيد عن العاصمة في صحراء الريدانية التي تحولت فيما بعد إلى حي العباسية، نسبة إلى حاكم مصر عباس حلمي الأولى (1848 - 1854). بل أقيمت محل سراي كان يملكها عباس حلمي في منطقة ذات هواء جاف يناسب حالته الصحية، وعلى نفس المنوال أقيمت مستشفى الخانكة في منطقة صحراوية يقطنها العربان على أطراف المدينة. وحسبما تذكر الدكتورة هدى السعدي فقد دخلت الأعراف الطبية الغربية على الخطاب الوطني في التعامل مع هذه الفئة. وتكفي نظرة إلى خريطة تواجد مستشفيات الصحة النفسية والعقلية وقت تأسيسها كي تكشف عن استمرار قواعد العصر الحديث في إقصاء هذه المستشفيات بعيدا عن المجتمع. ورغم تطور المدينة وتحول مواقع هذه المستشفيات مثل مستشفى العباسية أو الخانكة إلى جزء من المدينة، إلا أن العناوين الصحافية مؤخرا كشفت عن وصم تتعرض له هذه المستشفيات، وتعامل المجتمع معها كأمر واقع غير محبب. بدء من ضم مستشفى العباسية إلى قائمة المباني الأثرية مؤخرا بعد جدل أثير حول نقلها إلى مدينة بدر بعيدا عن القاهرة، أو في موقف آخر كشف فيه أهالي الخانكة عن رغبتهم في تغيير اسم منطقتهم بسبب ارتباطها باسم مستشفى "الخانكة" الذي يجلب عليهم إيذاء نفسيا. ووسط هذا الزحام يظل أغلب نزلاء هذه المستشفيات الموصومة على غير وعي بنظرة المجتمع إليهم على عكس حالهم في العصور الإسلامية، حين كان المجتمع لا يجد غضاضة في احتواء "المجانين" وسطهم دون حرج.

Thursday, December 2, 2010

الخان والوكالة..فنادق العصور الوسطى


كتب – عبدالرحمن مصطفى
لم يبد صاحب محل بيع الموازين في شارع خان جعفر بحي الحسين اهتماما كبيرا بالحديث عن أصل التسمية، يحيط به عدد من الشوارع والآثار التي تحمل اسم "خان" و "وكالة"، اكتفى بعبارة مقتضبة: "خلاص مفيش حاجة متبقية غير الاسم بس، مفيش خان دلوقت هنا". لم يبتعد كثيرا عن الواقع عدا أنه ما زالت هناك أثار للخانات والوكالات متواجدة حوله في حي الجمالية والدرب الأحمر حتى اليوم. قبل مئات السنوات كانت أجواء العمل مختلفة تماما في هذا المكان، إذ كان الخان والوكالة هما عصب الحياة الاقتصادية في القاهرة. "الخان ليس فندقا تقليديا حسب المفهوم الحديث، بل مقر تجاري لاستلام الصفقات التجارية وتسويقها، في الأسفل أماكن للدواب وفناء مكشوف تتراص حوله المتاجر، وتباع السلع وسط هذا الصحن، أما في الأعلى فهناك المخازن ومساكن للتجار المغتربين". يوضح الدكتور حسين رمضان الأستاذ في كلية الآثار بجامعة القاهرة كيف كانت ملامح الصورة الأولى لفكرة الفندق التي اعتمدت بشكل أساسي على النشاط التجاري. سواء كان الاسم "خان"، أو "وكالة" أو "قيسارية". كما عرفت كلمة الفندق في العهد المملوكي حسبما ذكرها المؤرخ المقريزي في كتاب المواعظ والاعتبار (طبعة مكتبة مدبولي، 1997) الذي أرخ فيه للعديد من الخانات والوكالات والفنادق. كان أهمها خان الخليلي الذي تعود تسميته إلى الأمير المملوكي "جهاركس الخليلي". وحسبما تذكر الدكتورة نيللي حنا أستاذة التاريخ العثماني بالجامعة الأمريكية في كتاب "تجار القاهرة في العصر العثماني، مكتبة الأسرة، 2007" فإن إنشاء الوكالات والخانات هو أمر تصدى له العديد من كبار التجار كنوع من "الاستثمار في البنية الأساسية التي تدعم النشاط التجاري في المدينة"، وتعرضت في كتابها لنموذج إسماعيل أبو طاقية شاهبندر التجار في العصر العثماني، أما ما تبقى من سيرته فهو الشارع الذي يحمل اسمه حتى اليوم جوار سوق الصاغة.. "شارع خان أبو طاقية". إذ يقع على مسافة غير بعيدة من شارع خان جعفر السابق، أما في الداخل فيبدو شارع خان أبو طاقية أقرب إلى حارة ضيقة لا تعبر عن أجواء الماضي بسبب ازدحام المحلات اليوم بكثير من السلع المتعددة، بدء من الملابس انتهاء بالمشغولات الذهبية، يوضح الدكتور حسين رمضان هذا التغير قائلا : "لا يمكن مضاهاة الشوارع التي استضافت هذه الخانات بالواقع الآن، إذ كانت المواصلات تعتمد على الدواب، أما اليوم فكي نعرف العرض الأصلي لتلك الشوارع فعلينا البحث عن أثر مقابل يدلنا على عرض تلك الشوارع، وهو ما لا يتوافر في كل الحالات". منذ ذلك العصر حتى العصر الحديث تطورت فكرة الفندق، خاصة مع ظهور عصر محمد علي وسياسة الاحتكار وانشاء المصانع التي أثرت على فكرة ارتباط الورش بالوكالة والسوق بشكل مباشر، إلى جانب تغير وسائل المواصلات وشكل الحركة التجارية في مصر. تلك التغييرات اتخذت شكلا آخر رصده الكاتب الراحل نجيب محفوظ في كتاب (نجيب محفوظ صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته، مركز الأهرام للنشر، 1989) حين تحدث عن "خان جعفر" الذي عرف فيه السينما أثناء ارتياده سينما "الكلوب المصري" التي كانت ملحقة بفندق شهير آنذاك تأسس في بداية القرن الماضي، وهو ما يبرز اختلاف وظيفة الفنادق فيما بعد عن وظيفة الخان القديم الذي لم يعد يبحث أحد عن ذكراه. ورغم زوال بقايا تلك الحقب التاريخية إلا أن تسمية الخان ظلت ضيفة على مجال آخر هو الأدب، إذ ألف نجيب محفوظ نفسه رواية تحت اسم "خان الخليلي"، وحتى اليوم ما زال خان مسرور محفورا في حكايات ألف ليلة وليلة رغم هدمه قبل مئات السنين. وهو الذي وصفه المقريزي بفندق مسرور. ويرى الدكتور حسين رمضان أن سيرة الفنادق القديمة لم تزل تماما، ما زالت أسماء أصحابها تزين أسماء الشوارع والأحياء، وكذلك الحال مع الوكالات التجارية التي تحول بعضها إلى مراكز ثقافية مثل وكالة الغوري في حي الدرب الأحمر.

Thursday, October 29, 2009

أسرى في فيلاتهم ..

لا بيع ولا شراء

كتب ـ عبد الرحمن مصطفى
في شرفته المطلة على تقاطع شارعي مصر والسودان والدويدار في منطقة حدائق القبة القاهرية يستمتع غزالي الصادق بمطالعة المارة من شرفته وتأمل التغييرات التي طرأت على الحي الذي عاش فيه لأكثر من 59 عاما، لا يفسد متعته سوى تذكر قيمة الفيلا التي يقيم بها الآن التي تجاوز الأربعة عشر مليون جنيه لا يستطيع الحصول على جنيه واحد منها رغم موافقة ورثة الفيلا على البيع.
يعمل غزالي الصادق مديرا عاما في تموين القاهرة ويقترب من سن المعاش، ورغم تواجده في فيلا عريقة في منطقة حدائق القبة إلا أنه يعيش مع عائلته في مستوى مادي متوسط.
يقول غزالي : "وجودي في هذه الفيلا ليس من قبيل الوفاء أو التمسك بمبنى قديم لكن الفيلا خضعت مثل غيرها مبكرا لأمر رئيس مجلس الوزراء ونائب الحاكم العسكري العام الذي كان يحظر هدم أو التصريح بهدم القصور والفيلات، والآن هي مصنفة على أنها ذات طابع معماري متميز مما أعاق عملية البيع ."
الأمر العسكري الذي أشار إليه غزالي كانت المحكمة الدستورية العليا قد قضت بعدم دستوريته، وهو ما أعطى الحق لأصحاب بعض الفيلات في إخراج تصريحات هدم وبيع لفيلاتهم . لكن أصحاب الفيلات القديمة الأخرى ما زالوا عاجزين عن استصدار مثل هذا القرار، ويتساءل غزالي عن شروط تقييم الفيلات وإدراجها على أنها ذات طابع أثري مميز قائلا: " يجب أن تراجع الفيلات الخاضعة لهذا التصنيف، فعلى أي أساس يتم التقييم؟".
يرجع تأسيس هذه الفيلا إلى العام 1926 على يد اللواء أحمد عبدالرحيم حجازي، لكن الزائر الآن قد يظن للوهلة الأولى أنها بيت تقليدي يتكون من طابقين. يسكنها الآن حفيدتا مؤسس الفيلا وتقيم الأسرتين كحراس على أملاكهم دون القدرة على الفكاك من أسر المكان.
في بداية القرن الماضي تأسست حدائق القبة جوار قصر القبة بعدد قليل من الفيلات، وظل الحي محافظا على طابعه في سكن النخبة حتى انتهت فكرة بناء الفيلات في الحي إلى الأبد ، وبدأت الفيلات تتساقط واحدة تلو الأخرى وأقيمت مكانها أبراج حديثة وهو ما زال يحدث حتى الآن.
بعض الفيلات القديمة الآن هجرها أصحابها وتحولت إلى بيوت أشباح مهجورة، بينما ظل بعض الورثة في فيلات أخرى.. وهناك أبدى كثير منهم الحرج في الحديث عن أسباب تمسكه بالبقاء في تلك الفيلات نظرا لأن بعضهم لديه مشكلات مع بقية الورثة والبعض الآخر يتحفظ على الحديث عن مستقبل الفيلا وطموحه في بيعها ومدى إمكانيته حصوله على تصريح هدم.
ما زالت بعض قصور وفيلات حدائق القبة تشير إلى حقبة قديمة حيث سكنها اللواء محمد نجيب والسياسي البارز إبراهيم شكري الذي تحول قصره إلى مؤسسة خيرية بعد وفاته العام الماضي، و في نفس الحي ما زال هناك قصر الفنان نجيب الريحاني الذي تحول إلى قصر ثقافة، وقصر السياسي أحمد ماهر الذي تحول إلى مدرسة. لكن السمة العامة المسيطرة اليوم هي أن الفيلات أصبحت على وشك الانقراض، وأصبحت غريبة على الطابع العام للحي.
يرى الدكتور عصام الدين محروس أستاذ الهندسة المعمارية في كلية الهندسة بجامعة أسيوط أن منع هدم الفيلات ذات الطابع المعماري المتميز جاء متأخرا بعد أن تغيرت معالم المنطقة تماما، وأصبحت مزيجا من غابات العمارات العملاقة والمساكن الشعبية. ورغم انه واحد الذين تملكوا منذ سنوات فيلا عريقة في منطقة حدائق القبة إلا أنه يقول: "يجب إعادة النظر في جدوى بقاء بعض الفيلات القديمة والمهجورة بواسطة لجنة من أساتذة العمارة والآثار وتحديد قيمتها المعمارية، وتعويض أصحابها في حالة تضررهم.. فليس ذنب المالك أنه امتلك منزلا جميلا ".
وحسب رؤيته المعمارية يرى الدكتور عصام أن منطقة حدائق القبة لا يمكن مقارنتها بمناطق مثل الكوربة في مصر الجديدة أو منطقة مثل جاردن سيتي التي يطغى عليها طابع واحد، مضيفا : "رغم إقامتي بين أسيوط والقاهرة إلا إنه يمكنني القول بأن منطقة حدائق القبة لم تعد مناسبة أبدا لفكرة الفيلا، فمن خلال ما لمسته في السنوات السابقة فقد أصبحت العمارات العملاقة كاشفة لتفاصيل الفيلات، و أوجدت المناطق الخلفية الشعبية تناقضا بحيث لم تعد الفيلا سكنا عمليا في هذا الحي الذي اعتمد في بدايته على سكن الفيلات".