Showing posts with label الدوحة. Show all posts
Showing posts with label الدوحة. Show all posts

Thursday, January 31, 2013

الأرزاق على الله

عبدالرحمن مصطفى
 تتشابه صناديق ماسحي الأحذية على أرصفة شوارع القاهرة، نفس الشكل التقليدي، ونفس أدوات العمل من طلاء وورنيش للتلميع، تخفي الصناديق داخلها العديد من أسرار أصحابها. في أعلى كل صندوق مسند صغير يستقبل أقدام الزبائن، ليبقى الحذاء منتصباً في وجه ماسح الأحذية مقابل جنيه إلى جنيهين، حسب كرم الزبون.
قبل أكثر من تسعين عاماً قام فنان الشعب سيد درويش بتلحين كلمات ساخرة في أغنية «البويجية» عن الخواجة اليوناني الذي اضطرته الأيام إلى مسح الأحذية في فترة ما بعد ثورة 1919 نتيجة سوء الأحوال الاقتصادية، وتقول الكلمات: «مخسوبكو انداس، صَبَّحْ محتاس، مسختوا بابوتسي ياناس، مفيس فلوس، بقيتو منخوس، فقرتو خلاص».. نفس تلك الحالة الاقتصادية المتردية الآن بعد الثورة المصرية رمت بعم أحمد خلف صندوق الورنيش جوار محطة القطار الرئيسية في ميدان رمسيس، يرفض الحديث عن الأسباب الشخصية التي حولته إلى ماسح للأحذية. يتحدث بنبرة متعلمة قائلاً : «كل منا هنا خلف صندوقه، ولا تحدث خلافات إلا في أضيق الحدود.. وإن حدثت فما الغريب في ذلك!؟ حتى بين الأطباء وأرقى المهن تحدث المشاكل..». يبتسم مخفياً قصته خلف صندوق تلميع الأحذية، وفي خلفيته شارع «كلوت بك» حيث يجلس الحاج محمد إمام الذي يعرفه أغلب ماسحي الأحذية في هذه الناحية. «تبدأ أسعار الصناديق من 20 جنيهاً وتنتهى بـ 60 جنيهاً.. الموضوع غير مكلف». في المخزن المجاور للحاج محمد عدد من الصناديق الخشبية، وعلى كل واحد منهم سعره، أما أغلاها فهو المطلي بطبقة لامعة تعطي مظهراً بهياً لحامله. «أنا مجرد وسيط بين صانعي الصناديق والزبائن، يمدني بها ماسح أحذية قديم يعمل الآن في وظيفة حكومية، لكن ذلك لم يمنعه من أن يقضي وقتاً إضافياً في صناعة هذه الصناديق، كي يزيد من دخله». يصف الحاج محمد زبائنه بأن أغلبهم ينتمي إلى محافظات الصعيد، جاؤوا طامحين إلى الاستقرار في القاهرة، على أن تكون البداية بصندوق الورنيش.
 في داخل الصندوق أماكن لزجاجات الطلاء التي لا يزيد سعر الواحدة منها على جنيه واحد، وعلب ورنيش لا يتجاوز سعرها الأربعة جنيهات، ويقتصر دور الحاج محمد هنا على بيع الصناديق لزبائن بسطاء كوكيل عن الصانع الأصلي، دون أن يكون شريكاً حقيقياً في الصفقة البسيطة، وهي مهمة تختلف عن محلات أخرى تبيع صناديق الورنيش على هامش تجارتها في بيع مستلزمات الأحذية.
 يفصل شارع باب البحر بين مخزن الحاج محمد وتلك المتاجر في ميدان باب الشعرية. وفي عمارة زوزو الشهيرة هناك تتجاور محلات بيع مستلزمات الأحذية والمنتجات الجلدية.. يجلس عرفة عبادة أمام المحل، ساندا ذراعه على كومة من الأكياس، تعلوها صناديق ورنيش خشبية، وينقل جلسته إلى المقهى المقابل ثم يبدأ في الحديث: «قبل حوالي 20 سنة، كانت محلات تصليح الأحذية تبيع صناديق الورنيش، لكن مع مرور الوقت، زهدوا في بيعها وتركوا المهمة لنجارين يأتون على فترات متباعدة، أما أنا فأشتري منهم حسب الحاجة».
 في المناطق القريبة من قلب القاهرة مثل العتبة و«وسط البلد» انتشرت في الماضي محلات متخصصة في تصليح وتلميع الأحذية، في تلك المحلات المندثرة كان المشهد مطابقاً للاستعراض الغنائي الشهير الذي أداه الفنان الأميركي فريد إستير في فيلم «عربة الفرقة الموسيقية – إنتاج 1953»، حيث كرسي عال في أسفله موضع قدمين، يسهلان مهمة ماسح الأحذية في عمله، لكن تلك المشاهد اختفت من شوارع القاهرة، وبقيت الصناديق المتجولة مع ماسحي الأحذية.
مازال «عرفة عبادة» يتذكر في جلسته قرب ميدان باب الشعرية، ذلك الشاب العشريني الذي اشترى منه صندوقاً للعمل والهروب من البطالة، يصف ذلك قائلاً: «كان مملوءاً بالخجل والتردد، لم يعرف إلى أين يذهب بعدَّته الجديدة، فأشرت عليه أن يتجه إلى محطات مترو الأنفاق، لكنه عاد بعد ساعتين فقط، كي يعيد الصندوق، ويسترد أمواله».
 كثيرون من ماسحي الأحذية المنتشرين في المسافة بين باب الشعرية حتى منطقة «وسط البلد» القاهرية يدركون هدفهم بالضبط، فهم إما متخفين وراء مهنة تجلب لهم الستر، أو يرون في صندوق الورنيش مجرد عتبة سلم إلى مهنة أخرى، وهو ما سَجَّله عدد من ماسحي الأحذية الوافدين من خارج القاهرة.
في إحدى المجموعات التي انتشرت قرب ميدان رمسيس ذكروا ملمحاً عن حياتهم، إذ تجمعهم غرفة واحدة في حي «الدويقة» ذي الطابع العشوائي تكلفهم 50 جنيهاً في الشهر، بينما قد يتراوح أجر ماسح الأحذية بين 30 وأربعين جنيهاً في اليوم الواحد، وفي أيام أخرى قد لا يحقق ماسح الأحذية خمسة جنيهات على حد قولهم.
 في منطقة «وسط البلد» حيث العديد من المقاهي الشهيرة بالقاهرة، كانت علاقة «همام أحمد» المنتمي إلى محافظة سوهاج واضحة بصندوق الورنيش، بدأ الشاب الذي لم يتجاوز الثامنة عشر سنة قبل أسابيع الطواف في المنطقة من ميدان الإسعاف حتى ميدان باب اللوق، لا يدعمه أحد، وجاءه خاله بالصندوق، على أمل أن يكرر تجربته، إذ يعمل خاله الآن بائعاً متجولاً يبيع الفواكه في حي العمرانية، بعد سنوات من مسح الأحذية. لا يصدق «همام» أن ماسحاً للأحذية نجح في الوصول إلى رئاسة الجمهورية في إحدى الدول النامية كالبرازيل مثل لولا داسيلفا الذي انتخب دورتين متتاليتين، يكتفي بجملة مقتضبة: «الكلام ده ماينفعش عندنا». ولم يكن دا سيلفا الوحيد الذي جلس أمام صندوق خشبي لتلميع الأحذية حتى أصبح من مشاهير العالم، آخرون فعلوا ذلك قبله مثل المغني الأميركي الراحل جيمس براون، والزعيم الأميركي الأسود مالكولم إكس.
 هنا في عالم «وسط البلد» أخرج الكاتب علاء الأسواني نموذجاً لشخصية درامية هي «الحاج عزام» ماسح الأحذية الذي تطورت حياته مع تجارة المخدرات إلى أن وصل إلى البرلمان، واستخدم الأسواني تلك الشخصية في رواية «عمارة يعقوبيان» التي تدور أحداثها في وسط البلد. وفي محيط تلك المنطقة على بعد أمتار من المقهى الذي كان يدير فيه الأسواني صالونه قبل سنوات، يمر أحمد شعيب السبعيني حاملاً صندوق تلميع الأحذية، بعيداً عن عالم الرواية وعن التحولات المفاجئة للبسطاء التي لا تحدث إلا نادراً. اختار الصندوق صديقاً يؤنسه في عامه الثالث والسبعين، يقضي وقته في العمل وقتل الفراغ.
 «كل ما علي هو أن أعمل، وربما يهديني الله برزق من حيث لا أحتسب!». يكمل حديثه مستعرضاً موقفان تعرَّض لهما حين جلس يلمِّع حذاء أحد الزبائن، وتلقى أجرته العادية، وفوقها ورقة بمئتي جنيه، ليتحول صندوق الورنيش إلى فرصة لرزق غير متوقع. هذا التطور الأخير لحياة أحمد شعيب أحد قدامى ماسحي الأحذية في منطقة «وسط البلد» يشبه التطور الأخير للحالة الاقتصادية في مصر، إذ بدأ العمل في مجال تصنيع الأحذية قبل ستين عاماً هنا في السوق القديم في باب اللوق، كما عمل في مصانع مجاورة كانت تصدر إنتاجها إلى الاتحاد السوفيتي في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وقبل 15 سنة فقط صنع صندوقه بنفسه، وظل ملاصقاً له كبديل عن الجلوس بالمنزل دون عمل. «أسمع على المقاهي أحاديث في السياسة، وتذكر أمامي أسماء : خيرت الشاطر، وحمدين صباحي، وغيرهما، فلا أشاركهم في الكلام». ينهي حديثه أمام مقهى الحرية في ميدان باب اللوق منطلقاً بصندوقه على أمل أن تهديه الأيام مبلغاً مجزياً يعوضه عن أيام أخرى يطوف فيها، ولا يجد زبائنه.

Thursday, November 1, 2012

الخواتم تخفي أسرارها

 
عبدالرحمن مصطفى-مصر
في سوق الصاغة بحي الجمالية العتيق، يجلس صاحب المتجر مبرزاً أصابعه التي تحيط بها عدة خواتم فضية، تبدو أصابعه جزءاً من واجهة العرض؛ فهناك نسخ أخرى من خواتمه الشخصية في الواجهة الزجاجية للمتجر ضمن عشرات الخواتم المتنوعة، يشرح سر اختياره تلك التصميمات قائلاً: «يأتيني أحد التجار بتشكيلة من النماذج المتنوعة، وأختار أكثرها رواجاً لدى الزبائن». ليس لديه الكثير من المعلومات عن نقوش الخواتم أو غيرها من الحلي الفضية التي يعج بها متجره، يراها جميعاً «اجتهادات من مصممي الحلي».

تقع ورش صناعة الحلي داخل حارة الصالحية المجاورة على بعد أمتار من هذا المتجر، وفي أعلى الطابق الثاني من إحدى البنايات يجلس محمد خليل الصائغ المخضرم في حي الجمالية محاطاً بكثير من الحلي، بدأ حديثه موضحاً منهجه في العمل: «مهمتي إعطاء الوجه المصري للحلي الفضية، أي أنني آخذ شكل القالب المتعارف عليه عالمياً، ثم أضفي عليه نقوشاً مصرية خاصة». على أي أساس يختار نقوشه ؟ يحتاج الأمر إلى كثير من المحاولات لتشجيعه على الإفصاح بما لديه من أسرار الخواتم المنثورة أمامه. «يمكننا اعتبار الخاتم ملكاً على الحلي المختلفة، فهو الأبرز دائماً في الأيدي، ويحمل عدة وظائف قديمة، منها التبرك، وصيانة الصحة باستخدام أحجار معينة في فص الخاتم، ووظائف سحرية أخرى، لكن كل ذلك انحصر الآن في مهمة تكاد تكون الوحيدة، وهي طقس الزواج». تشرح ﺍﻟﺩﻜﺘﻭﺭﺓ ﺴﻌﺎﺩ ﻋﺜﻤﺎﻥ، ﺃﺴﺘﺎﺫ علم الاجتماع ﺒﻜﻠﻴﺔ ﺍﻟﺒﻨـﺎﺕ، جامعة ﻋﻴﻥ ﺸﻤﺱ، موقع الخاتم في ثقافة استخدام الحلي في مصر. ورغم هذا الرأي إلا أن الكتابات البحثية المهتمة بالحلي تتناول سيرة الخواتم في مساحات لا تقدمه كملك على الحلي مثلما هو متوقع، بل إن كثيراً من التجار لا يحملون معلومات كافية عن «موتيفات الخواتم» وصلتها بالموروث الثقافي المصري، وحسب أحاديثهم فإن إقبال الشباب على الإكسسوارات يرتبط بشكل عام بنجوم الغناء، بدءاً من سبحة تطوق عنق عمرو دياب، أو أخرى تحيط بمعصم محمد منير، أما الخواتم فإن قواعد السوق تجعل أكثرها بساطة هي أكثرها رواجاً، أما الفتيات فالأمر مختلف، إذ كانت المرأة قديماً تتزين ببعض الإكسسوارات لأهداف مختلفة مثل تعليق حجاب فضي (تميمة سحرية) على رأسها طلباً للشفاء، أما فتيات اليوم فتتجه بعضهن لشراء خواتم ذات استخدامات أخرى، حين يتحول فص الخاتم إلى وسيلة لطمأنة النفس والروح، وأحياناً ما ترتبط اختياراتهن بـأبراجهن الفلكية، أياً كان الحجر المستخدم مثل: العقيق، الياقوت، الزمرد، الفيروز..إلخ.

في ورشة صناعة الحلي يعمل الصنّاع بدأب شديد على تصميمات جاهزة، وأحياناً ما تكون بناء على طلب الزبون، وهو ما يوضحه صائغ الفضة محمد خليل قائلاً: «يأتيني أحدهم طالباً خاتماً فضياً منقوشاً بعبارة خاتم النبي: محمد.. رسول.. الله. في هذه الحالات أنقشه خصيصاً له، رغم أن ذلك ليس منتجاً أقدمه كل يوم». ليس لدى كل صائغي المجوهرات ذلك الوعي بخلفيات النقوش والرسوم المتواجدة على الخواتم والحلي، إذ يحتفظ محمد خليل بحلي تعود إلى أكثر من قرن مضى، «تلك النقوش تلهمنا في إبداع أفكار مختلفة، وهنا يتسلل الموروث الثقافي رويداً رويداً إلى خواتم حديثة الصنع، وبالتأكيد فإن الوظائف السحرية القديمة قد تضاءل الوعي بها تماماً، وانحسرت، وحتى ما أحتفظ به من حلي ريفية أو قاهرية قديمة أستعير منها النقوش فقط، ورغم علمي بمغزى بعض تلك النقوش القديمة بحكم القراءة والاهتمام، فإن أغلب الزبائن لن يعرفوا ذلك». حدثت نقلة في أشكال الحلي وعلى رأسها الخاتم منذ سنوات طويلة، إذ كان التركيز وقتها على استعارة النقوش المصرية القديمة، ثم ظهر تأثير الفن الإسلامي بعدها، وكذلك الطابع المصري الشعبي مؤخراً، ويتم ذلك باجتهاد من بعض المصممين الكبار في عالم الذهب والفضة.

على مسافة غير بعيدة من حارة الصالحية، يقع الأرشيف القومي للمأثورات الشعبية، في بيت الخرزاتي المجاور لبيت السحيمي الشهير بالجمالية، وأمام جهاز للكمبيوتر تجلس الباحثة نورهان فوزي بادئة حديثها: «البحث عن الموروث الثقافي الذي يتناقله صناع الصاغة في ورش الجمالية المجاورة أشبه بالبحث عن إبرة في كوم قش، لم يعد هناك ذلك الوعي..». تفتح فيديو سجلته إحدى جامعات التراث لأحد المتصوفة وهو يتحدث عن سر خواتمه الكثيرة في يده، أحد تلك الخواتم يحمل نقشاً يقول: العاطي الوهاب، وآخر يحمل حجر الزمرد، ولديه آخر يحمل فصاً من العقيق، زاعماً أن تلك الفصوص تؤثر بالإيجاب على الحالة النفسية. ومنذ العهد المصري القديم كانت تلك الاستخدامات مطروحة إذ كان خاتم الجعران جالباً للحظ والفأل الحسن، ومن أشهر تلك الأنواع المرتبطة بطقوس خاصة، «خاتم الزار»، الذي ارتبط بعادة الزار، حيث يرتديه من يرغب في العلاج من المس أثناء الرقص العنيف على الموسيقى الصاخبة، مع خاتم آخر اسمه خاتم العبد، وثالث اسمه خاتم بجلاجل، وبعض الصناع في الريف المصري- حيث بقايا لطقوس الزار- لا يدركون تفاصيل الاستخدام، حسبما يوضح أحدهم في فيديو آخر داخل الأرشيف القومي للمأثورات الشعبية، وتعلق الباحثة سونيا ولي الدين «إن ما رصدته في عالم الحلي يشير إلى أن البيئات البكر ما زالت محتفظة بأفكارها عن الحلي»، توضح ذلك: «جلست في حلايب وشلاتين أتابع الصائغ هناك وهو يصنع خواتم عليها نقوش أقرب إلى تمائم لحفظ صاحبها، وكل قبيلة لها رموزها». في دراسة لها تحت عنوان: الحلي وأدوات الزينة عند نساء جنوب مصر، ترصد خواتم متعلقة بالزار، على رأسها خاتم مختوم من أعلى وفي رمزية، وكأنه مغلق على الجن الشرير. هذه الطقوس تنسحب اليوم أمام طابع جديد يغلف المجتمع المصري، تعلو فيه روح الأصولية الدينية، التي ترفض الشكل الطقوسي خارج الشعائر الإسلامية المعروفة، وهو ما يجعلها نماذج فنية خارج إطار التداول الشعبي. تعلق ﺍﻟﺩﻜﺘﻭﺭﺓ ﺴﻌﺎﺩ ﻋﺜﻤﺎﻥ، ﺃﺴﺘﺎﺫ علم الاجتماع موضحة: «لا شك أن ظروف المجتمع تفرض أحكامها على صناع الحلي بشكل عام، لكن الأمل باق في عودة الموروث الثقافي إلى الساحة، فهذا أمر معتاد في الدراسات الشعبية، حين تختفي طقوس لفترة ثم تعود في ظروف أخرى بعد إحيائها، والفيصل هنا هو درجة الوعي بالموروث الثقافي ومدى القدرة على إتاحته أمام الصناع».