Showing posts with label حقوقيات. Show all posts
Showing posts with label حقوقيات. Show all posts

Wednesday, March 4, 2015

حكاية سيدات يجبرهن «الرزق» على «السعى فى الليل وآخره»

- أقدم بائعة حمص على الكورنيش: السمعة الطيبة هى أكبر حماية للمرأة.. ومنة الله «الجامعية» تحلم بمشروع «نصبة الشاى»
- «المركزى للتعبئة والإحصاء»: 17.8% من إجمالى الأسر المصرية يترأسها نساء
- صاحبة مشروع «النصبة»: البعض مازال فى ذهنه صورة السيدة البسيطة التى تعمل فى الشارع.. لكنى جامعية وأقدم المشروع بشكل راقٍ
- مهندسة طوارئ فى «الكهرباء»: 40% من المهمات التى أنجزها تكون بعد الساعة الواحدة صباحا
- باحثة فى مؤسسة المرأة الجديدة: قضايا التمييز فى الأجور تكشف واقع المرأة

كتب- عبدالرحمن مصطفى
تقف «أم علاء» بمحاذاة كورنيش النيل أمام منطقة رملة بولاق القاهرية، تبيع الشاى وحمص الشام، وتستمر هكذا لساعات متأخرة بعد منتصف الليل، على أمل مجىء المزيد من الزبائن، وفى ذلك اليوم لم يحدث ما تتمناه، إذ أحيانا ما يقل عدد الزبائن تدريجيا بسبب قسوة برد الشتاء، والاضطرابات الأمنية التى تتصاعد فى لحظات غير متوقعة.
تقول عن نفسها: «أنا أقدم بائعة شاى وحمص الشام على كورنيش الساحل، كنت أعمل مع والدى قبل أكثر من 40 سنة، ما زلت فى نفس المهنة، وأعمل من العصر حتى مطلع الفجر، فليس لى دخل آخر سوى ما أحصل عليه من عربة الحمص ونصبة الشاى».
تتحدث أم علاء ــ التى تفضل مناداتها بهذا الاسم ــ عن ظروف أسرية أجبرتها على أن تنفق على أبنائها الخمسة بعد وفاة الزوج، وفى ساعات الليل المتأخرة يعاونها أبناءها فى العمل، أكبرهم علاء، وهو أبكم يصعب التواصل معه سوى بالإشارات، وهو ما دفعه إلى التنحى جانبا عن الحديث والانشغال بالوقوف أمام عربة حمص الشام.
يبدأ التحضير ليوم عمل جديد مع نهاية اليوم الذى يسبقه، إذ تبدأ أم علاء فى شراء وتجهيز مستلزمات الشاى وحمص الشام مع شروق الشمس، بعد أن تكون انتهت من بيع ما لديها، ثم تبدأ فترة النوم والراحة حتى الاستيقاظ ظهرا، ثم يبدأ العمل فى اليوم الجديد من العصر حتى مطلع الفجر، وتتحدد ساعات العمل حسب إقبال الزبائن، ويبقى الأمل فى زبون ميسور الحال، يقدم بقشيشا مناسبا.
تحصل أم علاء على 300 جنيه من معاش زوجها، بينما يبقى دخلها من بيع الشاى وحمص الشام متباينا حسب حالة الشارع، وذلك لا يزعجها كثيرا، تقول: «حصلت فى فترات سابقة على مكاسب كبيرة، وعرفت فترات خسارة، ومنذ وقت مبكرة نجحت فى صنع سمعة تحمينى من مشاكل الشارع، لكن أكثر ما يزعجنى الآن هو مستقبل أبنائى».
يتحرك ابنها أحمد مختار ذى الاثنين والعشرين عاما تاركا «نصبة» الشاى، ليشارك فى الحديث: «أنا أبحث عن عمل آخر.. سائق تاكسى أو سائق توك توك، وأطلب لمن يجد لى وظيفة أخرى أن يدلنى عليها، فى النهاية أنا وإخوتى سنحتاج إلى توفير شقة للزواج».
هذه الأسرة الصغيرة، لا تخشى برد الشتاء أو العمل الليلى، بقدر ما تخشى الحفاظ على صورتها وسمعتها فى هذه المنطقة، وهى السمعة التى أسستها «أم علاء» على مدى عشرات السنوات، تنقلت فيها بين عدة أماكن فى كورنيش الساحل ورملة بولاق.
«أم علاء» هى نموذج لشريحة من النساء تمثل 17.8% من إجمالى الأسر المصرية، وهى نسبة الأسر التى يترأسها نساء، حسب أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء، وفى هذه الحالة تصبح المرأة هى المسئولة عن توفير احتياجات أسرتها بشكل كامل، وهو ما ظلت تفعله بائعة الشاى المخضرمة طوال السنوات الماضية، حتى مع وجود زوجها الراحل.

نهاية النصبة
هذه التجربة التى تقدمها بائعة الشاى وحمص الشام، هى خلاصة عشرات السنوات من الاحتراف حتى استقرت الأمور نسبيا فى النهاية، وهو ما لا يحدث دائما مع من يخوضون تجربة العمل الليلى فى الشارع، خاصة فى حالة إذا ما كانت تلك التجربة مع فتاة شابة لا تتجاوز الرابعة والعشرين سنة من عمرها، هذا ما حدث مع منة الله الحسينى، التى أثارت جدلا أخيرا، حول مشروع «النصبة».

كانت تدير مشروعها فى منطقة وسط البلد القاهرية، حيث دشنت «نصبة» تقليدية لتقديم المشروبات بأسعار متوسطة، ثم فاجأها قرار بإزالة مشروعها تماما من الساحة القريبة لمقر وزارة الأوقاف، بعد مضايقات من موظفى البلدية وبلطجية المنطقة.
بعد أن تركت مشروعها مؤقتا، تتذكر الآن كيف كانت مضطرة أن تدافع عن فكرتها البسيطة، وهى أنه يمكن لفتاة متعلمة أن تدير مشروعا خاصا فى الشارع، تقول: «نعم.. كان هناك جزء من المعاناة التى تعرضت لها بسبب التنميط، فالبعض مازال فى ذهنه صورة السيدة البسيطة التى تعمل فى الشارع، لكنى جامعية أدرس فى كلية الحقوق، وأقدم المشروع بشكل راقٍ، وحتى وقت متأخر.. لذا كنت فى حالة دفاع دائمة عن النفس، لأنى خارج توقعات الشارع».
انتهى مشروع «النصبة» قبل أسابيع، لكنها مازالت تحلم بإعادة إحيائه من جديد، وانتهت الفكرة بسبب رفض أجهزة الحى استمرار المشروع، وتعرض منة للمضايقات المتكررة والاتهامات القاسية، لكنها مازالت تطمح فى أن تصبح فكرة «النصبة» وسيلة لكسر بطالة الكثير من الشباب، ضاربة المثل بعربات «السجق» الشهيرة فى شوارع نيويورك، التى تحصل على ترخيص، وتنتشر هناك دون تهديدات لأصحابها.
«كان الفيصل فى إفشال المشروع، هو الابتزاز الذى أتعرض له من بعض الموظفين كى أدفع لهم رشوة»، على حد قول الفتاة الجامعية التى خسرت حلمها.
أما الأزمة الأخرى التى واجهت منة الله الحسينى صاحبة مشروع «النصبة»، فكانت فى عدم وجود إجراء قانونى لتنفيذ فكرة مشروعها، فالتراخيص تصدر عادة لبناء أكشاك ثابتة، وهو ما لا يصدر للعربات المتجولة التى تقدم طعاما فى الشارع.
«كنت أواجه يوميا بنظرات تحرش واستفزاز، إلى جانب ما أوجهه من مشاكل العمل العادية مع تأخر الوقت ليلا، لكن استمرار المشروع لأسابيع طويلة، كان يعطينى أملا». هكذا تصف منة الحسينى ما كانت تواجهه، وهو ما كان يجعلها فى حالة تحفز دائمة، انتهت بهدنة مؤقتة بعد توقف المشروع.

العمل اختيار
ليست كل التجارب النسائية فى العمل الليلى ذات طابع واحد، فأحيانا ما يكون اختيار العمل فى ساعات متأخرة من الليل، هو اختيار المرأة لأسباب مهنية بحتة، على سبيل المثال فإن المهندسة الشابة نهى عبدالفتاح، ذات التاسعة والعشرين عاما، التحقت بالعمل فى وزارة الكهرباء فى العام 2008، وبعد قضاء سنتين فى العمل المكتبى التقليدى، جاءتها فرصة للعمل فى صيانة محولات الكهرباء داخل نطاق القاهرة وبعض المناطق المجاورة، وتصف ذلك: «جذبتنى الفكرة من صديقة تعمل هى الأخرى فى قسم العمل الميدانى للطوارئ، وهو ما دفعنى إلى التجربة التى ستزيدنى خبرة وتميزا»، أما ما شجعها على ذلك فهو أن والدها هو الآخر كان يعمل بالطريقة نفسها.

يقوم نظام عمل المهندسة الشابة، على أن تنتظر فى كل ليلة أن يأتيها أمر بالذهاب إلى أحد المواقع التابعة للوزارة، فهى ليست مضطرة إلى الحضور التقليدى وقضاء ساعات عمل فى نفس المكتب، بل تنتقل من مكان لآخر.
«نحو 40% من المهمات التى أنجزها تكون بعد الساعة الواحدة صباحا، لسبب فنى بحت، فهذا هو الوقت الذى تقل فيه الأعباء الكهربائية»، على حد قولها.
ليست كل المهام سهلة، وفى أغلب انتقالاتها من موقع لآخر، تقابل بأسئلة العاملين فى تلك المحطات التى تقوم على صيانتها، حين يندهشون من مجىء مهندسة فى ساعة متأخرة من الليل، يرافقها 4 من الفنيين والمهندسين، وتنتقل بصحبة المعدات وسيارة العمل، بين مجتمعات وبيئات مختلفة.
«وقت حظر التجول فى العام 2013 تم احتجازنا قرب كمين عسكرى، بسبب أحداث عنف وقعت جواره، وأصيب أهلى بالذعر، بعد أن قضينا ساعات دون حركة، وانقطع الشحن عن هواتفنا المحمولة. كانت تجربة سيئة»، هذا ما تتحدث نهى عبدالفتاح عن إحدى المهام التى قامت بها.
وتبدو نهى راضية عما تحققه من خبرة وتميز، لما تلمسه من سمعة طيبة لمن يحترفون العمل الميدانى فى داخل الوزارة، وحسب المادة 89 من القانون رقم 12 لسنة 2003، فإنه «يصدر الوزير المختص قرارا بتحديد الأحوال والأعمال والمناسبات، التى لا يجوز فيها تشغيل النساء فى الفترة ما بين الساعة السابعة مساء والسابعة صباحا». ورغم هذه الصيغة إلا أن قانون العمل فى الوقت نفسه لا يحظر عمل النساء فى هذه الأوقات بشكل قاطع. لذا فإن بعض الآراء المدافعة عن حق المرأة فى العمل قد اقترحت تعديلات على قانون العمل، ومنها ما قدمته مؤسسة المرأة الجديدة، عن تعديل مواد مثل المادة رقم 91 الخاصة «بتحديد الأعمال الضارة صحيا أو أخلاقيا وكذلك الأعمال الشاقة وغيرها من الأعمال التى لا يجوز تشغيل النساء فيها». وهو ما اعتبره البعض نوعا من تمييز غير المستحب ضد المرأة.
ترى مى صالح الباحثة فى مؤسسة المرأة الجديدة، أن الهدف من الاعتراض على مثل هذه المواد، يأتى سعيا لإغلاق باب التمييز بين المرأة والرجل، فقد ترغب امرأة فى العمل على مسئوليتها فى أى مجال، لذا فإن المؤسسة تقترح فتح المجال، بأن تكون هناك موافقة كتابية على الأعمال التى قد تمثل خطورة.
وتضيف قائلة: «الأصل هو الإباحة وليس التقييد فى العمل، وعلينا ألا نفتح المجال لفكرة أن هناك ما يناسب المرأة ومالا يناسبها، حتى لا يصبح ذلك بابا للتضييق، خاصة حين نعلم أن هناك قضايا أخرى متعلقة بعمل المرأة، مثل التمييز فى الأجور».
وسط تلك الصعوبات التى تواجهها شريحة من النساء فى العمل الليلى، لكن الصورة العامة لعمل المرأة توضح صعوبات أخرى خاصة بأجور المرأة فى مقابل أجور الرجل، إذ يبلغ متوسط دخل الفرد الأسبوعى للعاملين الذكور فى كل من القطاع العام والأعمال العام والقطاع الخاص هو 769 جنيها، بينما يبلغ متوسط الأجر الأسبوعى للعاملات الإناث 714 جنيها، وذلك حسب أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فى تقريره السنوى لإحصاءات التوظيف والأجور وساعات العمل.
وتكشف تجربة التواصل مع عدد من النساء اللاتى يضطررن إلى العمل فى أوقات متأخرة من الليل، قد كشفت عن أمور تجمعهن، رغم اختلاف ثقافتهن، من أهمها أنهن لا يبدين فخرا بالعمل لأوقات متأخرة من الليل، بل رفض عدد منهن الحديث عن تلك التجربة بسبب ما يرد فى أذهان البعض من ارتباط بين العمل ليلا للمرأة والصورة النمطية عن سوء السلوك.
PDF

Sunday, August 25, 2013

حقوق الإنسان.. مهنة.. وتهمة.. و واجب

  • حملات تهكم وتخوين ضد الحقوقيين والنشطاء
فى أسابيع قليلة تحولت «أسماء محمد» -تم تغيير الاسم بناء على رغبة المصدر- من العمل على قضايا مجتمعية تخص الصحة والسكن والبيئة إلى الاشتباك الكامل مع الأحداث، ضمن فريق من زملائها داخل المؤسسة الحقوقية التى تعمل بها، وذلك بعد تصاعد حدة الاشتباكات بين مؤيدى الرئيس السابق محمد مرسى وقوات الأمن منذ شهر يوليو الماضى.
«تقوم وظيفتى على التنسيق بين العمل الميدانى والباحثين بالمؤسسة من أجل خدمة قضايا بعينها، لكننا انتقلنا سريعا إلى قضية المصابين والجرحى نتيجة الاشتباكات المتتالية، فمن الصعب تماما العمل على قضايا السكن أو الصحة فى الوقت الذى يخشى المواطن العادى على حياته وسلامته الجسدية». قد يتطلب الأمر منها التوجه إلى أماكن الاشتباكات لجمع الشهادات، وهو ما فعلته عقب أحداث الحرس الجمهورى التى أسفرت عن مقتل عشرات المواطنين، وكان الهدف من وجودها هو مساندة المحامين بالمؤسسة فى عملهم، ومساندة أهالى الضحايا.
وفى أثناء الفترة المشحونة بالاستقطاب بين من يرفضون استخدام العنف ضد المعتصمين فى ميدانى رابعة العدوية والنهضة ومن يرى ضرورة الضرب بقبضة حديدية، كانت هناك شريحة من الحقوقيين يرفضون اللجوء إلى العنف، ما عرضهم لانتقادات عنيفة والتشكيك فى وطنيتهم. وكانت تلك الانتقادات الحادة بارزة فى عالم الإنترنت، ثم انتقلت سريعا إلى الإعلام التقليدى.
وهنا بدأت كلمتا «حقوقيين» و«نشطاء»، تتحول سريعا إلى «حكوكيين» و«نوشتاء»، وذلك على سبيل السخرية من موقف تلك الشريحة من الحقوقيين التى أدانت سقوط مئات القتلى فى الأسابيع الماضية، كما اتهمت تلك الشريحة بالجبن والخيانة والانسحاب من الحرب على الإرهاب.. وبمتابعة هذا العالم قد يعتاد زائر الإنترنت على مشهد الشاعر الشاب الذى يبدأ يومه على موقع تويتر بسب أحد النشطاء الحقوقيين بشكل مباشر، أو أن تجد آخر قد طرح قائمة تدين أسماء بعينها من العاملين فى مجال حقوق الانسان، خاصة من أعلنوا آراءهم الشخصية على صفحاتهم من خلال شبكة فيس بوك الاجتماعية وعلى موقع تويتر.
ولم يعد يخفى بعض الحقوقيين ضيقهم من هذه الانتقادات الحادة، مثلما وصف حسام بهجت مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قائلا فى حسابه على تويتر: «توثيق العنف الطائفى بيجيب شتيمة الإسلاميين، وتوثيق قتل الإسلاميين بيجيب شتيمة التانيين. ولو وثقت وأدنت الجريمتين برضو هتتشتم عشان محايد». ضمن من تعرضوا لهذا العنف اللفظى الدكتورة عايدة سيف الدولة، أحد مؤسسى مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسى لضحايا العنف، ورغم ذلك تعلق قائلة: «أعمل منذ أكثر من 20 سنة على الأهداف نفسها ولم يطرأ جديد فى أسلوب عملنا كى نتلقى الشتائم وتهم الخيانة، إذ نعمل على رصد الانتهاكات التى يتعرض لها المواطنون على يد السلطات، ومساعدة أهالى الضحايا فى الوصول إلى ذويهم وغيرها من مهام إعادة التأهيل، لكننا لم نمر بمثل هذه الأزمة من قبل».
من بين الاتهامات المتداولة ضد الفرد الحقوقى أنه يتدخل فى الشأن السياسى، وأن ما تقدمه المراكز من بيانات وشهادات قد تستخدم ضد مصلحة البلاد، كما تشرح عايدة سيف الدولة: «التسييس يأتى من جانب المتحيزين، وفى تفسيراتهم الخاصة، لأننا فى مركز النديم على سبيل المثال لم نقدم بيانات فى أى وقت إلى حكومات خارجية، بل أحيانا ما نقدمها إلى الحكومة المصرية بهدف الإصلاح، ولعل موقف كثير من الحقوقيين فى المطالبة بمحاكمة عادلة للرئيس السابق مبارك، والمطالبة بمساءلة المشير طنطاوى والرئيس السابق مرسى عما ارتكب فى عهدهم من انتهاكات يوضح أن الهدف هو حقوق الضحايا أيا كانوا وهو نفس الموقف من السلطة الحالية». تتوقف سيف الدولة قليلا ثم تستطرد: «هناك مراسلون أجانب كانوا شهودا على الكثير من الأحداث التى أسفرت عن قتلى، فكيف يخشى البعض من الحقوقيين فى زمن تنتقل فيه المعلومات فى نفس اللحظة؟».

مشاكل شخصية
مثل تلك الضغوط أحيانا ما يصاحبها تجارب أشد قسوة حين يفاجئ الحقوقى المستقل أو التابع لإحدى المؤسسات بأنه قد فقد أحد المقربين إليه وسط الاشتباكات. تكرر المشهد نفسه، فى الأسابيع الماضية، على صفحات بعض النشطاء والحقوقيين، حين يفاجئ أصدقاءه بمقتل أحد أقربائه داخل الاشتباكات.. بعضهم يعلن ذلك، وآخرون يخفون، ومن ضمن ذلك الفريق الأخير كانت «أسماء» التى لم تنزل إلى موقع الاشتباكات فى أحداث المنصة للقيام بمهمتها المعتادة لجمع شهادات وغير ذلك، بل اتجهت إلى هناك وقتها للبحث عن أحد أقربائها الذى تعرض لطلق نارى أثناء قيامه بإسعاف المصابين فى أثناء الأحداث، وتوفى هناك.
تلك الضغوط كثيرا ما تنعكس على الحياة الشخصية، اكتئاب، عصبية، إحباط، حسبما تصف أسماء ذلك: «تتدخل الأسرة أحيانا وتطالبنى بترك هذا المجال، لكنها قناعاتى الشخصية التى تجعلنى أكمل، بل بدأت تتسع لدى مساحة القلق من أن تكون المرحلة الراهنة بداية لقتل مساحات المقاومة والمبادرة بشكل عام». كانت أسماء، خريجة الهندسة، مشاركة على مدى الفترة الماضية بعد الثورة فى مبادرات تطوعية كاملة لخدمة وتنمية المناطق العشوائية، واليوم تخشى أن الهجمة الحالية على العمل الحقوقى، قد تتجاوز الأمر ويبدأ المجتمع فى الوقوف ضد المبادرات الفردية والجماعية وتخوينها.


متطوعون من أجل المفقودين
استكمالا لمبادرات شبيهة كانت قد ظهرت فى العامين الماضيين بعد أحداث ثورة 25 يناير، والهدف: تتبع المفقودين فى الأحداث والاشتباكات المتتالية. ربط البعض توقيت ظهور الموقع بأن يكون مؤسسوه على صلة باعتصام رابعة العدوية، إلا أن مصطفى ــ أحد مؤسسى الموقع- ينكر ذلك بقوله: «نحن خمسة شباب قمنا بتأسيس الموقع والصفحة على فيس بوك، وليس لنا أى انتماء سياسى، ومن يراجع قائمة المسجلين من المفقودين أو المصابين فى الموقع سيلاحظ أيضا أنهم لا ينتمون إلى تيار بعينه، هم مصريون فى النهاية، ولا يهمنا أن نعرف إلى أى طرف ينتمون».
يضم الموقع الإلكترونى قائمة لأكثر من 500 مواطن، ويتواجد فى أغلب فترات اليوم من 100 إلى 200 زائر بسبب الحالة الراهنة وازدياد الاشتباكات وفرض حظر التجول. وفى أسفل الصفحة الرئيسة بالموقع يخلى المؤسسون مسئوليتهم بعبارة: «الموقع عمل تطوعى مبنى على المشاركة من المستخدمين ونحن غير مسئولين عن المعلومات التى بداخله»، إذ ليس لديهم من وسيلة للتأكد من البيانات سوى مراجعة التقارير والبيانات الحقوقية، وكذلك بما يقدمه مستخدمو الموقع من بيانات الاتصال.
«فى الحقيقة لا نسجل الحالات التى يصل فيها أحد الأهالى إلى قتيل أو مفقود عن طريق الموقع، بل أضفنا خاصية حذف المفقودين، على سبيل تحديث البيانات»، هذا ما يوضحه مصطفى ــ أحد مؤسسى الموقع ــ خاصة أن البعض لم يختفِ فى أثناء اشتباكات، بل فى مواقف أخرى مثل «العودة من كورس للغة الإنجليزية»، «أو زيارة أحد الأصدقاء»، لذا تطمح هذه المجموعة الشابة التى يدرس أعضاؤها الحاسب الآلى بكلية الهندسة أن يستمر الموقع فى نشاطه حتى بعد هدوء الأحداث.
تزيد فى هذه التجربة مساحة العمل العفوى والتطوعى، وهناك نوع آخر من المبادرات أكثر عفوية، إذ يقوم على الجهد الفردى بشكل كامل، هذا ما يوضحه محمد منصور (29 سنة) الذى تطوع قبل عامين بجمع قوائم للمفقودين فى أحداث ثورة 25 يناير وما بعدها من اشتباكات. ثم كرر الأمر نفسه مؤخرا معتمدا على مصادر متنوعة مثل صفحات فيس بوك والبيانات التى توفرها المراكز الحقوقية على الإنترنت، دون تواصل مباشر معها. وفى ذات الوقت لم يكن على صلة باعتصام رابعة العدوية أو النهضة، بل كان على حد تعبيره له موقف معادى من وجود جماعة الإخوان فى السلطة، «لكن هذا لا يمنع من المساعدة فى هذه الأزمة التى أصابت مصر».
فى عام 2011 أصدر مجلس الوزراء تقريرا وصل فيه عدد المفقودين حتى مارس 2011 إلى 1200 شخص. وفى ظل ضعف الأداء الحكومى فى متابعة هذا الملف ظهرت أشهر مبادرة من نوعها عام 2012 تحت اسم «هنلاقيهم»، على يد مجموعة من المتطوعين. وبعد شهور من العمل توصلت المبادرة إلى أن أغلب المفقودين الذين مازالوا على قيد الحياة كانوا محتجزين بشكل قسرى فى سجون الدولة.
«بعد الأحداث الأخيرة عملنا من جديد على القضية نفسها، نجمع البيانات من المنظمات والمستشفيات والمشرحة، ونتلقى على أرقام الهواتف المعلنة أو عبر الإنترنت بلاغات ونطابق البيانات مع بعضها حتى نصل إلى الحالة المفقودة». تشرح شيماء ياسين ــ أحد مؤسسى المبادرة ــ إنهم أحيانا ما يتعرضون لمواقف تزيد من ضيقهم، مثلما حدث مؤخرا حين توصلوا إلى أحد المواطنين الذين تم الإبلاغ عنهم، وبعد التواصل مع أهله وإبلاغهم أنه محتجز لدى الأمن، تعرض للقتل فى حادث مصرع 38 من أنصار الرئيس السابق داخل سيارة ترحيلات.
«مش كل مفقود توفى»، حسبما تؤكد شيماء، لذا فهم يلاحقون الأمل الذى لا ينفذ لدى الأهالى فى الوصول إلى المفقودين. ومؤخرا حاول أفراد المجموعة إشراك متطوعين جدد معهم بسبب كثافة الأحداث والاشتباكات، لكن تظل الأوضاع الأمنية أكثر تضييقا عليهم، خاصة بعد فرض حظر التجول.
PDF  

Thursday, October 27, 2011

التهمة: تمويل أجنبي


حين لا تجد دعما سوى الخارج

كتب – عبد الرحمن مصطفى
في داخل قاعات الورش التدريبية يقدم باسم سمير محاضرات في مجالات مختلفة مثل تأمين المعلومات على الانترنت وكتابة المشروعات وإدارة الحملات الالكترونية، وهو ما كان قد تدرب عليه في مؤسسات حقوقية و من خلال منح تدريبية داخل وخارج مصر على مدار السنوات الماضية، أما الآن فهو المدير التنفيذي للمعهد المصري الديمقراطي إحدى مؤسسات المجتمع المدني التي تداول اسمها مؤخرا أثناء الأزمة المثارة حول التمويل الأجنبي للمجتمع المدني. يقول باسم سمير: "حين يقوم نشاطك الرئيسي على إقامة الورش التدريبية وإنتاج فيديوهات داعمة للديمقراطية وحقوق الإنسان، فهناك مشكلة رئيسية في أن أحدا لن يدعم مثل تلك الأفكار والمبادرات، خاصة أن أغلب رجال الأعمال ذوي الصلة بالسياسة كانوا مرتبطين بالحزب الوطني والنظام السابق، إذن كيف نمول مثل هذا النشاط بعيدا عن المؤسسات الداعمة الغربية؟"
ينتمي باسم سمير، الذي درس العلاقات الدولية في جامعة حلوان قبل سنوات، إلى شريحة من الشباب انخرطت في مجالي السياسة وحقوق الإنسان، واقتطع العمل في المجالين السياسي والحقوقي جزء من حياتهم، وحسب تعبيره "فإنك في وقت من الأوقات تبحث عن مشروع يتفق مع تجربتك ومهاراتك". و يضرب المثل بإسراء عبد الفتاح- المدير الإعلامي لنفس المؤسسة التي يعمل بها- وهي الفتاة التي ذاع صيتها في العام 2008 بسبب إدارتها صفحة إضراب 6 إبريل، وتحولت حياتها المهنية بسبب تأثير هذا الموقف، بل ووجدت ما يحقق طموحها في مشاركة زملائها العمل بهذه المؤسسة اعتمادا على تمويلات تأتي نتيجة سمعتهم في العمل العام، يضيف باسم سمير معلقا : "عائلتي كانت تقف في كثير من الأوقات ضد استمراري في هذا الطريق، زاعمين أن العمل الحقوقي مجرد تهريج، لكن أنا مقتنع جدا بجدواه وبقدرتنا على التغيير".
مع التقاء أبناء هذه الشريحة الشابة من نشطاء وحقوقيين في ورش تدريبية وفعاليات ازدادت فرص تحويل أفكارهم إلى مشروعات ومؤسسات تدريب، وتبنوا في ذلك طرقا متشابهة حتى أثيرت مؤخرا قضية التمويل الأجنبي للمجتمع المدني. وقد اضطر باسم وزملاؤه قبل عدة أشهر إلى التقدم ببلاغ ضد تصريحات اللواء حسن الرويني- عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة- حول تلقيهم تمويلا من الخارج بهدف إثارة الاضطرابات والفوضى في البلاد، وذلك في فترة قريبة من اهتمام السلطات المصرية بدخول أموال أمريكية إلى مؤسسات مصرية بشكل غير شرعي.
يرى الدكتور أيمن عبد الوهاب- مدير برنامج المجتمع المدني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- أن تنامي الحركة الحقوقية ومنظماتها بدء من المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في عام 1985، هو الذي ساهم في ظهور كوادر جديدة من جيل الشباب الحالي، ويعلق قائلا: "هناك شريحة من الشباب جاءت من خلفيات سياسية في حركات احتجاجية وأحزاب ومنظمات حقوقية، لكنهم ظهروا في توقيت مازال فيه المجتمع المدني المصري يعاني من سوء التنظيم، وكان أحد مظاهره هو قضية التمويل الأجنبي لبعض المؤسسات بما له وما عليه".
ويلجأ عدد من العاملين في مجال حقوق الإنسان إلى تأسيس شركة غير هادفة للربح على أن يكون تمويلها من مؤسسات غربية تقدم دعما في قضايا محددة، والهدف من تأسيس (شركة) بعيدا عن تأسيس جمعية أهلية خاضعة للقانون رقم 84 لسنة 2002 الخاص بالجمعيات والمؤسسات الأهلية، هو الابتعاد عن تعقيدات هذا القانون الذي يضخم من سلطة وزارة التضامن الاجتماعي، وبما يضعه من قيود على التمويل الخارجي للمشروعات وما يعطيه من سلطة للدولة للتدخل في أسلوب هذه الجمعيات وتنظيمها. وهو ما دفع الشباب الناشط إلى إدارة مؤسساته بعيدا عن هذا القانون رغم أن هذا لم يبعده كثيرا عن تدخلات جهاز أمن الدولة السابق.
كل تلك الإجراءات لم تمنع الطعن في من يتلقوا تمويلا أجنبيا لمؤسساتهم، إذ تكفي زيارة لبعض الصفحات التي خصصت لهذه القضية على الانترنت كي تظهر اتهامات نمطية تربط بين تلقي مؤسسات حقوق الإنسان للتمويلات الخارجية و التخريب في الداخل. و أصل هذه الصورة لدى البعض هو نتيجة ما يقوم به بعض النشطاء في مؤسساتهم من تقديم مشروعات هشة هدفها جمع أموال التمويل والتعامل مع نشاطهم كأي نشاط تجاري.
ويصف باسم سمير شركات التدريب التي تعمل في المجال الحقوقي بأنها لا تختلف كثيرا عن أي شركة تجارية أخرى، ولا يجد حرجا في أن يصف هذا النشاط بأنه مجال عمل أو Career، لكن بعض الممارسات السيئة استفزت نشطاء آخرين، وتكفي زيارة لهذا العنوان : "التمويل والفرافير في المجتمع المدني المصري"، على مدونة الناشط والمدون وائل عباس حتى نكتشف بعض ملامح الوجه الآخر إذ يقول: " عملية الإفساد بالتمويل عملية عفوية تحدث بحسن نية دون إدراك من المنظمات المانحة وأغلبها أجنبية، لكنها تخلق نشطاء غير حقيقيين كل همهم هو التمويل. وتلك النوعية من النشطاء جل همهم هو كتابة تقارير وهمية عن نجاح وهمي لمشروعات وهمية وتقديمها لجهات أجنبية حصلوا على تمويل منها من أجل تلك المشاريع بينما المحصلة : (صفر تغيير) .. وهنا يحدث الوصم لكل النشطاء، خيارهم وأشرارهم بأنهم دخلوا المجال من أجل المال".
وقد كتب وائل عباس هذه الملاحظات في العام 2010 قبل بدء أحداث الثورة، إلا أن الأزمة التي أثيرت مؤخرا بعد الثورة كانت لها أبعادا أعنف، طالت جزء من العلاقات المصرية الأمريكية.

بي إم دبليو حديثة
هذه الشريحة من المدربين والنشطاء تسبب إزعاجا لمواقفها السياسية المعارضة وسعيها لدور رقابي على العملية السياسية، لكن أنشطة أخرى تدريبية ليس لها صلة بالسياسة، مثل ورش التدريب على صناعة السينما أو في المجال الثقافي لا تواجه بالعنف نفسه، أما هذا الموقف المضاد تجاه فكرة التمويل فقد امتد إلى الشباب الناشط في المظاهرات أو على الانترنت بشكل عام، من أشهر تلك النماذج الناشطة أسماء محفوظ، التي تواجه الاتهامات على الانترنت بشكل دائم، وأحد هذه الاتهامات حول تمويل حركة 6 ابريل التي كانت عضوة سابقة بها، وتقول عن ذلك: "أنا اتهمت بأني أملك سيارة بي إم دبليو حديثة ولدي شقة فاخرة في مصر الجديدة، وكلها إشاعات بلا دليل، وأصبحت مادة متداولة في المقالات وعلى الانترنت، ولم أعد ألتفت إلى تلك الأمور".
على الجانب الآخر فإن نمط حياة أسماء لا يختلف كثيرا عن نشطاء شباب وحقوقيين انتزع العمل العام أوقات كبيرة من حياتهم، أو حسب تعبيرها : "حين تجد نفسك مشغولا بالشارع ومندمجا في أحداثه لمدة 24 ساعة، كل ذلك قد يؤثر على عملك، وتفكر في صنع مشروع يحقق طموحك في العمل العام، وأنا في النهاية مثل أبناء جيلي الذي تفتحت أمامه الحياة ومازال يحاول اكتشاف نفسه، ويحاول تحديد في أي مجال يعمل".
عملت أسماء في شركة للاتصالات وخاضت تجارب في مجال الإعلام، لكنها لم تبدأ بعد في تكرار تجربة زملائها في أن يكون لها مشروع حقوقي أو تنموي تمارس من خلاله ما اعتاده في السنوات الماضية أثناء عملها في الشارع، لكن تجربتها مع اتهامات العمالة والتمويل جعلتها تمتنع عن تأسيس هذا المشروع رغم تلقيها عروض خارجية أثناء أسفارها إلى الخارج كمحاضرة أو داخل ورش تدريبية لقادة الرأي، وتقول: "من يوجه هذه الاتهامات لا يعرف أثرها النفسي على أسرنا، ولا أخفي أن لدي رؤية لمؤسسة حقوقية وتنموية تستهدف الشباب، لكن لا أرغب في تمويلها عن طريق مؤسسات غربية، وذلك ليس رفضا لفكرة التمويل الغربي لأنها حق مشروع، ولكن لأني أريد أن أبتعد عن القلاقل". تأمل أسماء أن تحصل على جائزة "سخاروف" الدولية المرشحة لها كي تبدأ مشروعها بقيمة الجائزة، عدا ذلك فإن هناك من النشطاء والمدونين والحقوقيين من يحصلون في أنشطتهم المعتادة على مقابل مالي سواء عند تدريبهم في مؤسسات أو عند إلقاء محاضرة، وهو ما تعلق عليه أسماء محفوظ: "هذا المقابل من حق المحاضر أو المدرب، ولا أعتقد أنه هدفا حقيقيا لدى كثيرين". تصمت قليلا ثم تضيف قائلة: "رغم كل هذه الاتهامات بأننا نحصل مقابل تواجدنا في العمل العام، لكن يكفي إحساسي الشخصي حين عرضت عليّ إحدى القنوات الفضائية أن أعمل معهم بمرتب خيالي لفتاة في سني، ورفضت لأن من يديرونها مجموعة من الفلول.. أعترف أن من يتصدى للعمل العام في سن الشباب يتعرض لمأزق أن يوازن بين حياته المهنية والعمل العام، لذا علينا ألا ندين من وجد الحل في مشروع شخصي مدعوم خارجيا يوفر له ما يحب".
ما يتعرض له أبناء شريحة النشطاء والحقوقيون من تشنيع في بعض الحالات يستوقف الدكتور أيمن عبد الوهاب- الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- إذ يقول: "هناك مشكلة حقيقية، إذ علينا أن نعمل وفي الوقت نفسه أن نحترم القوانين على عكس ما يفعل بعض العاملين في مجال المجتمع المدني.. وأرى الحل هنا في توسيع الثقافة الحقوقية لدى الشعب، وألا تقتصر على الجانب السياسي فقط، بل تمتد إلى جوانب أخرى مثل البيئة والاقتصاد والتنمية، وهي أمور ستلمس رجل الشارع فيشعر بقيمة العمل الحقوقي، وتزيد مساحة التطوع في هذه المجالات بعيدا عن الاعتماد على التمويل الخارجي فقط، وألا يقتصر التطوع على العمل الخيري، وأعتقد أن غياب فكرة التطوع في العمل السياسي هو ما يجعل كثيرين يفترضون أن المشاركة السياسية وراءها أموال مدفوعة". ويضيف الدكتور أيمن عبد الوهاب أن تغيير الثقافة سيجلب تبرعات وأموال داخلية حين نشعر بأهمية الإنفاق على الديمقراطية والمواطنة.
قبل سنوات لم يكن باسم سمير أو أسماء محفوظ و غيرهما من الشباب الناشط في مجال السياسة وحقوق الإنسان يعتقدون أن ما كانوا يدربون عليه ويعيشون فيه ليل نهار سيتحول إلى ثورة ويغير ملامح الحياة السياسية في مصر، لكن المفارقة الأخرى فإن هذه الشريحة أيضا لم تتوقع أن يكون باب التمويل الأجنبي الذي اعتمد بعضهم عليه في عمله هو نفسه الذي يجلب عليهم التشنيع والوصم.




"المؤسسات الداعمة ابنة ثقافة المواطنة"



3 أسئلة ليسري مصطفى منسق الصندوق العربي لحقوق الإنسان، و الكاتب والباحث في مجال حقوق الإنسان، حول التمويل الخارجي لمؤسسات المجتمع المدني

- هل أسهمت المؤسسات الغربية الداعمة مع توافر فرص التدريب بالخارج في توسيع شريحة الشباب والنشطاء العاملين في مجالي حقوق الإنسان والتوعية السياسية؟

الشريحة التي نقصدها هنا من نشطاء وشباب يعملون في التدريب على حقوق الإنسان والتوعية واستخدام الانترنت في الضغط السياسي هي جزء من ظاهرة عالمية تبنت فكرة العولمة ووجود احتياج حقيقي لما لدى هذه الشريحة من معلومات ومهارات. وفي الوقت نفسه هذه الشريحة وخاصة من الشباب وجدوا فرص تحقيق مشروعاتهم لدى المؤسسات الداعمة، وهذه الظاهرة موجودة عالميا وليست قاصرة على مصروحدها، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يستحوذ القطاع الأهلي على حوالي 10% من قوة العمل هناك.

- لماذا يعتمد تمويل المشروعات المستقلة في مجالات حقوق الإنسان والتدريب السياسي على المؤسسات الداعمة الغربية مع غياب التمويل الداخلي ؟

حين ندرس تكوين المؤسسات الداعمة في الغرب نجد أنها ابنة ثقافة المواطنة، إذ لا يخشى رجل أعمال على سبيل المثال من ضغوط جهاز مثل "أمن الدولة" عليه إذا ما أراد تمويل مشروع حقوقي أو نشاط أن يقدم توعية سياسية، فنجد العائلات الثرية تقدم ما يشبه "الوقف" لتمويل قضايا بعينها ومنحا دراسية، لكن حين ننظر إلى دور رجال الأعمال لدينا خلال السنوات الماضية نجده كان مسخرا لخدمة السلطة الفاسدة.. ولم تكشف مرحلة ما بعد الثورة عن وجود داعمين محليين لمثل هذا النوع من الأنشطة، أما عن التمويل القادم من الدول العربية فليس كله على القدر نفسه من النزاهة، وله أغراض سياسية واضحة. ونضيف إلى ذلك أن أغلب الدعم المالي في بلادنا يتجه إلى العمل الخيري، ورغم أن لنا موروثا عظيما في فكرة "الوقف"، إلا أن الواقع لا يقدم لنا من يوقف مبلغا في خدمة فكرة المواطنة أو حقوق الإنسان أو التدريب على أساليب الضغط السياسي، لذا تتجه الأعين نحو المؤسسات الغربية سواء كانت ذات صلة بالحكومات أو لا .

- إلى أي مدى تفرض الجهات الغربية الداعمة أجندتها على المؤسسات والأفراد العاملين في مجالي السياسة وحقوق الإنسان وهل يمكنها أن تهدد السلام الاجتماعي الداخلي؟

علينا أن نعلم أن ما يدير مثل هذه العلاقة بين المؤسسات الداعمة ودول العالم الثالث هو مفهوم "التعاون الدولي" الذي برز منذ الستينات. وكان الدعم المادي يصل إلى الحكومات ومشروعاتها دون أن يثير قلاقل، وهو مستمر إلى الآن، كأن تحصل مصر على 1،3 مليار دولار كمعونة عسكرية، لكن مع اتساع نشاط المجتمع المدني وبروز شريحة النشطاء في المجتمع كشريحة قيادية، بدأت الحكومات في الإحساس بالتضرر من هذا النوع الجديد من الدعم، علما بأن ذلك يتم في أغلب الأحوال عبر مؤسسات الدولة، رغم التضييق الذي تمارسه وزارة التضامن الاجتماعي في هذا المجال. أما ما يحدث من حساسية تجاه بعض التمويلات تحديدا مثل التمويلات الأمريكية، فسببه تركيز التمويل الأمريكي على قضايا متعلقة بالتحول الديمقراطي وحقوق المرأة والطفل، على عكس دول أخرى لا يثار حولها الجدل نفسه بسبب اهتمامها بقضايا أخرى مثل البيئة. ما نطمح إليه الآن أن نجد أجواء تحتوي شريحة الحقوقيين والنشطاء إلى الداخل عبر قوانين تسهل عملهم، وأن نكرس ثقافة حقوقية تشجع على دعم هذا النشاط من داخل مصر وتفهم احتياجهم إلى التمويل الخارجي.


الدعاية المضادة



في مدونته "Dakhakhny's Blog " كتب الناشط الشاب محمد الدخاخني عن موقف تعرض له أثناء فعاليات مؤتمر يناقش الممارسة السياسية للشباب، حين دار حديث بينه وبين أحد نشطاء حركة 6 إبريل الذي قال له: ” أنا رحت هناك (يقصد أمريكا) واتدربت على العصيان المدني، وكنت عارف إن اللي بيدربوني هما نفسهم اللي كانوا بيدربوا ظباط أمن الدولة إزاي يخترقونا”. وكتب الدخاخني عن هذا الموقف مع ناشط 6 إبريل الذي أسس منظمة حقوقية غير هادفة للربح، تحت عنوان كبير هو "هؤلاء يأخذون التمويل !". مثل هذه المواقف، التي يتداولها بعض النشطاء الشباب فيما بينهم، أحيانا ما تتخذ ملمحا أكثر حدة خاصة من المعارضين لفكرة التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني. أحدهم تساءل في مدونة مغمورة تحت اسم "الثائر الحق – معا ضد التمويل الأجنبي" عن سر لقاء نشطاء- تلقوا تدريبا في مؤسسة فريدوم هاوس الأمريكية بوزيرة الخارجية هيلاري كينتون- واضعا صورا لهم على مدونته، ثم كتب تعريفا بمؤسسة فريدوم هاوس واصفا المدونين الذين تلقوا تدريبا بأنهم "جنود الصهيونية". وفي مساحات أخرى على الانترنت يتداول آخرون مواد فيلمية ومكتوبة تتهم بعض المؤسسات الأمريكية الداعمة والتي تدرب الشباب النشطاء بأنها موالية لجهاز المخابرات الأمريكية و وزارة الخارجية الأمريكية، وعلى أرض الواقع فإن بعض تلك المؤسسات الداعمة بالفعل لا تخفي تنفيذها أجندة السياسة الخارجية الأمريكية. وهو ما يدفع البعض إلى تحليلات مثل التي دونها مدير صفحة "المثقفون العرب يرفضون التمويل الأجنبي" من نوعية : عندما سعت المخابرات المركزية لتفكيك يوغوسلافيا السابقة إلى عدة دول ضمن خطتها لإضعاف الكتلة السوفييتية، استخدمت خطة عمل محددة لتمويل بعض هيئات المجتمع المدني هناك، ضمن خطة أُطلق عليها «نشر القيم الأمريكية في دولة صربية ديمقراطية»، .. هذا النموذج تسعى أمريكا لتحقيقه الآن في مصر".
ويربط البعض في مواد منشورة على الانترنت تدريب أعضاء في حركة 6 إبريل على أيدي أفراد في حركة "أوتبور" الصربية بدعاية من نوع آخر، إذ أن حركة "أوتبور" الصربية المثيرة للجدل قد ساهمت في تحريك الجماهير ضد الدكتاتور سلوبودان ميلوسوفيتش حتى إسقاطه، وتم توجيه اتهامات لتلك الحركة الصربية بأنها تحقق أهداف المخابرات الأمريكية، وأنها تسعى لنشر الاحتجاجات الشعبية ضد الحكام حتى تتاح الفرصة للتدخلات الأمريكية. ومثل هذه الدعاية المضادة استخدمت في تصريحات مسئولين مصريين ضد حركة 6 إبريل مؤخرا.
كل تلك الاتهامات كانت في خلفية التحقيقات التي تجريها السلطات المصرية الآن حول التمويل الأجنبي للمجتمع المدني، بعد أن أعلنت السفارة الأمريكية في يوليو الماضي عن منح لمنظمات المجتمع المدني في مصر وتونس وباقي دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، و ذلك بموجب برنامج مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط لدعم أهداف السياسة الخارجية الأمريكية. لكن الاشتعال الحقيقي للموقف كان بعد إعلان السفيرة الأمريكية الجديدة في القاهرة خلال شهر يونيو الماضي عن تخصيص الولايات المتحدة أكثر من 40 مليون دولار لدعم الديمقراطية في مصر منذ اندلاع ثورة 25 يناير، وأن 600 منظمة مصرية تقدمت بطلبات للحصول على منح مالية أمريكية لدعم المجتمع المدني.
وحسب دراسة لمعهد الشرق الأوسط الأمريكي فإن أكثر من ألف مصري تقدموا للحصول على مبالغ من مكتب المعونة الأمريكية في القاهرة، وأغلبهم من منظمات المجتمع المدني المستقلة، وذلك في مخالفة لاتفاق تم عام 1978 بين مصر والولايات المتحدة يشترط أن تتم التمويلات عبر القنوات الحكومية المصرية. ورغم ما أذيع عن تلقي مجموعة "أنا آسف يا ريس" الداعمة للرئيس السابق مبارك أموالا من دولة عربية، ونفي المجموعة هذا الاتهام، إلا أن أغلب الجدل المثار مؤخرا هو المتعلق بالتمويل الأمريكي. وقد اتخذت تلك الأزمة أبعادا دولية مثل إصدار منظمة "هيومان رايتس ووتش" بيانا تحض فيه على ضرورة وقف التحقيقات مع منظمات المجتمع المدني حول تمويلها بهذا الشكل، لأن وقف تمويل هذه المنظمات يؤدى إلى حرمانها من العمل، نظراً لضعف التمويل الحكومي.
وفي جانب آخر أرسلت 36 من منظمات المجتمع المدني المصرية رسائل إلى مسئولين في منظمات دولية تشكو الإجراءات المتخذة ضدها . وبعيدا عن التمويل التي تتلقاه المؤسسات باسمها من جهات التمويل، فإن هناك نوعا من التمويل أكثر جدلا حول تلقي أفرادا من ذوي التأثير – من قادة الرأي- تمويلا بصفتهم الشخصية وليس بصفتهم المؤسسية، وهو ما يجعل الصراع الدائر الآن محتدا بين رغبة حكومية في أن يتم التمويل تحت قبضة الحكومة وتبعا لقانون الجمعيات الأهلية، وبين رغبة أخرى لدى بعض منظمات المجتمع المدني في العمل بعيدا عن القيود والتعسف الحكومي.

Tuesday, October 11, 2011

المعاقون يطمحون إلى عهد جديد.. لا شىء يخصنا بدوننا


عبدالرحمن مصطفى
«فكرة وجود جبهة تحقق مطالب المعاقين كانت بمثابة حلم.. نسعى الآن إلى تحقيقه»، يتحدث محمد الحسينى المنسق العام للجبهة الوطنية لمتحدى الإعاقة ومصابى الثورة عن نشأتها وآخر ما توصلوا إليه بعد أن أنهوا اجتماعا سريعا فى مقرهم واختاروا استكمال الحديث فى مقهى قريب بمنطقة وسط المدينة.
أغلب الحاضرين كانت لهم تجارب سابقة فى وقفات احتجاجية ومبادرات من أجل حقوق المعاقين حتى قبل تكوين الجبهة، ونشأت العلاقة بينهم إما بسبب لقاءاتهم فى تلك الأحداث أو عبر الإنترنت، فى بداية الحديث أوضح يوسف مسعد مؤسس قناة «صوتنا» الإلكترونية للمعاقين والممثل الإعلامى للجبهة، وزميلته جهاد إبراهيم المدرس المساعد بقسم علم الاجتماع فى كلية الآداب جامعة عين شمس، سبب أن يكون اللقاء فى المقهى، إذ إن كليهما يجلس على كرسى متحرك ولم يرغبا فى المرور بمعاناة صعود سلالم العمارة. ثم يعود محمد الحسينى إلى حديثه قائلا: «تجمعنا قناعة أن العمل عبر الانترنت تجربة زائفة وتكريس لحالة العجز حين يظل الأشخاص يتحاورون دون تعاون مشترك على أرض الواقع». يلقى الحسينى الخيط إلى زملائه مذكرا إياهم بقصة خاضوها سويا مع صفحة على الانترنت لكيان يدعم قضية المعاقين عدد أعضائه على الانترنت يتجاوز الألفى عضو، لكن لا ينشط فيه حقيقة سوى ثلاثة أفراد فقط. كان أعضاء الجبهة والمتضامنون معهم يعملون فى الأسابيع الماضية على وضع مسودة المجلس الأعلى للمعاقين على خلفية لقاء رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف فى أغسطس الماضى. هل اختلف الحال بعد ثورة 25 يناير؟ فى تلك الجلسة عقد أعضاء الجبهة مقارنة بين نشاط المعاقين لنيل حقوقهم فى العام 2010 حين نزل المعاقون إلى الشارع فى موجات احتجاجية، وبين ما حدث من أنشطة بعد الثورة. يشرح سامى أحمد ــ مسئول ملف الجمعيات فى الجبهة ــ والذى شهد الموجة الأولى قبل الثورة فى العام 2010 قائلا: «فى العام الماضى أعد المجلس القومى للأمومة والطفولة مشروع الأشخاص ذوى الإعاقة الذى لم يكن لنا صوت حقيقى فى صكه، ولولا الثورة لكان هذا القانون أمام الدورة البرلمانية التى ألغيت». ما أحدثته الثورة أنها أعطت فرصة أكبر لهم. إذ إن فكرة إنشاء «مجلس قومى لحقوق الأشخاص ذوى الإعاقة» كانت فكرة مطروحة ووافقت عليها حكومة أحمد نظيف العام الماضى، أما اليوم فالمعاقون هم من يتصدى إلى صنع مسودة إنشاء هذا المجلس بأنفسهم». فى أثناء الحديث تنقل جهاد إبراهيم الحديث إلى زميلها رامز عباس المصاب بالصمم تاركة له مهمة قراءة حركة الشفاه. فيستجيب رامز طالبا التعليق متحدثا بلغة عربية سليمة قائلا: «فى احتجاجات العام الماضى كانت الحكومة تتعامل بمنطق شتت العدو تحقق الانتصار، هكذا كان يتم التعامل معنا بإلهاء البعض بوعود بشقق سكنية وآخرين بأكشاك، وللأسف هناك من انساق وراء هذا وانسحب من العمل على دعم حقوق المعاقين بشكل عام بسبب قلة الوعى». ما حدث فى العام الماضى تجربة يخشى الجميع أن تتكرر خاصة بعد أن تركت رئاسة الوزراء الفرصة بأيدى المعاقين لتحقيق مطالبهم عبر مسودة لإنشاء مجلس قومى للمعاقين. وهو اختبار عليهم استغلاله جيدا والنضال من أجل تحقيقه حسب عبارة محمد الحسينى.

جماعة ضغط
تكونت الجبهة الوطنية لمتحدى الإعاقة ومصابى الثورة نتيجة اتحاد مجموعة من الأفراد كان لهم نشاط سابق والبعض الآخر لم يكن له هذا النشاط، وتضم عشرات المتعاونين معها داخل وخارج القاهرة، لكن يدرك أعضاء الجبهة أنهم فى النهاية شريحة ضيقة من المعاقين فحسب وصف أسامة طايع الذى حضر الاجتماع مبكرا: «هناك شرائح مختلفة من المعاقين، هناك من لا يشعرون بمعاناة الشارع ويعيشون فى ترف، وهناك الناشطون ومن لديهم وعى بقضيتهم، وهناك شريحة كبيرة معزولة مع المرض والجهل والفقر، ولا يصل إليها أحد». لا يخفى أسامة فى حديثه مرارة عند الحديث عن حقوق غير المبصرين وهى الشريحة التى ينتمى إليها، وأن كل الظروف فى الشارع وفى التعليم تدفع إلى العزلة، إلا من أراد المقاومة.
وأحد الدلائل على ذلك فى رأى كثير من المهتمين بالقضية هو عدم الاهتمام بعمل حصر دقيق لأعداد المعاقين، وهو ما يجعل هناك تضاربًا فى أعداد المعاقين المصريين ما بين 7 ملايين إلى 10 ملايين. وترجع قلة عدد المبادرين من المعاقين فى مصر فى رأى محمد الحسينى المنسق العام للجبهة إلى دور الإعلام الذى «كرس صورة المعاق فى متسول أو شخص مثير للشفقة، وهو ما ينعكس على أداء المجتمع تجاه المعاق، بل وعلى صورة المعاق تجاه نفسه». هذه الجملة الأخيرة هى التى جعلت كثيرًا من المعاقين لا يدركون أبسط حقوقهم، وآخرون اختاروا حل مشاكلهم بأنفسهم والابتعاد عن دهاليز المؤسسات الحكومية مثل وزارة التضامن الاجتماعى التى ظل اسمها يثير غضب الحاضرين من أعضاء الجبهة بسبب ما يتعرض له المعاقون فى التعامل معها من تعطيل فى الحصول على حقوقهم. وهو أمر لا يقتصر فقط على وزارة التضامن، إذ يلزم القانون على سبيل المثال أصحاب الأعمال الذين يزيد عدد العاملين لديهم على 50 عاملا فأكثر بتشغيل نسبة 5% من ذوى الإعاقة وكذلك نفس النسبة فى الجهاز الإدارى فى الدولة. وهى أمور لا تطبق فى كثير من الأماكن، بل وتطبق بشكل مهين فى أماكن عمل تهمش المعاق داخلها حسب كثير من القصص التى رواها أعضاء الجبهة.
مثل هذا التضييق دفع شابا مثل سامى أحمد عضو الجبهة أن يعلن لزملائه فى جلسته عن نيته الترشح فى الانتخابات البرلمانية المقبلة على قائمة أحد أحزاب التى تأسست بعد الثورة، يعلق زميله يوسف مسعد على ذلك قائلا: «فكرت أنا وزميلى رامز فى تدشين حزب، لكن وجدنا هناك معوقات كبيرة، وكان الهدف ألا يكون حزبا للمعاقين لكن كان طموحنا أن نرى معاقين فى هيئة تأسيسية لحزب سياسى، وأن تظهر قيادات من هذه الفئة.. لذا خطوة زميلنا سامى مهمة جدا».
على أجندة الرئاسة
هذه الروح الجديدة دفعت عددا من مرشحى الرئاسة إلى طرح قضية المعاقين على أجندتهم وهو ما اتضح فى حفل الإفطار الرمضانى الذى نظمه المعاقون وحضره الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، والسيد عمرو موسى، ومندوب عن مكتب الدكتور أيمن نور، وكلهم من مرشحى الرئاسة، هذا إلى جانب تعاون مكتب الدكتور محمد البرادعى مع معاقين والتنسيق معهم بخصوص قضيتهم. يعلق محمد الحسينى المنسق العام للجبهة على ذلك قائلا: «نحن من دفعنا السياسيين إلى التعاون معنا، لأننا إذا ما كان نشاطنا خامدا لم يكن أحد ليلتفت إلينا أبدا». إحدى وسائل تنشيط القضية هو صنع منابر إعلامية خاصة مثل قناة «صوتنا» الالكترونية للمعاقين التى ينشط فيها يوسف مسعد ورامز عباس، وتجربة مواقع خدمية مثل: شبكة معلومات ذوى الاحتياجات الخاصة، التى تضم فى داخلها شكاوى دار الحديث عن إحداها فى أثناء الجلسة عن الشيخ أحمد الإمام بوزارة الأوقاف الذى تخرج فى كلية اللغات والترجمة فى قسم الدراسات الإسلامية، وهو ما يؤهله إلى العمل كإمام فى البلاد الناطقة بغير اللغة العربية، لكن جاء رفض الأوقاف بناء على أنه كفيف. هذه المشكلة نقلت حديث أعضاء الجبهة إلى مساحة أخرى شخصية لديهم، إذ فرض على أغلبهم دخول القسم الأدبى فى المرحلة الثانوية، وهو ما يمارسه بعض المعلمين والنظار فى المدارس حتى اليوم فى توجيه الطلبة المعاقين وإرهابهم من دخول القسم العلمى. وحتى محمد الحسينى الذى التحق بالقسم العلمى فى الثانوية العامة، أقنعه كل من حوله بدخول كلية الآداب، واضطر إلى دراسة نظم المعلومات فيما بعد على نفقته فى معهد خاص والحصول على بكالوريوس. وحسب قواعد القبول التى أعلنتها وزارة التعليم العالى فإنه يتم قبول المكفوفين بكليات الآداب ودار العلوم والحقوق والإعلام والألسن والبنات، وقبول المعاقين حركيا بسائر الكليات التى لا تتعارض طبيعة الدراسة فيها مع إعاقتهم، لكن موقع جامعة عين شمس يحصر قبول المعاقين على كليات (الآداب ــ الحقوق ــ التجارة)، بناء على قرار المجلس الأعلى للجامعات الذى يصدر كل عام بشرط الحصول على الثانوية العامة هذا العام بمجموع درجات 50%.
وتكشف قصة التحاق جهاد إبراهيم المدرس المساعد فى كلية البنات بالجامعة عن أن الأمر نسبى إذ تم رفض قبولها فى كلية التربية بدعوى أن الدراسة بها جانب عملى وميدانى، والمفارقة أنها التحقت بقسم الاجتماع فى كلية البنات وأنجزت رسالة الماجستير فى موضوع تطلب منها جهدًا ميدانيًا شاقًا إلى جانب عملها الأكاديمى. وتعلق قائلة: «كل ما أطمح إليه ألا يتكرر ما يحدث معنا مع الأجيال القادمة، وأن يكون المعاق جزءا طبيعيا من المجتمع سواء كانت لديه إعاقة حركية أو حسية». هذه العبارة أعادت إلى أذهان الحاضرين طه حسين وزير المعارف فى مصر الملكية، ودفعت إلى استدعاء سيرة وزير داخلية بريطانيا السابق ديفيد بلانكيت الذى كان كفيفا ويدير وزارة بهذه الأهمية.
يشرح محمد الحسينى ــ منسق الجبهة ــ التكتيك القادم الذى ينوون تنفيذه فى المرحلة المقبلة عبر تكوين جمعيات داخل القاهرة وخارجها تستوعب من لديهم الرغبة فى العمل من أجل القضية، وأن تحصل الجبهة من ائتلاف هذه الجمعيات على شرعية أمام كل من يريد تعطيل عملهم، ويضيف قائلا: «فى النهاية الجبهة هى جماعة ضغط من أجل هذه القضية». يكرر هو وزميله رامز عباس وسامى أحمد جملة «لا شىء يخصنا بدوننا» التى كانت شعار الحركة العالمية للمعاقين. إذ يرون أنه لن يحقق انجازا حقيقيا للمعاقين إلا شخص منهم خاض معاركهم اليومية، وهذا هو التحدى الذى يعيشونه، وما أن تنتهى الجلسة بعبارات ضاحكة من رامز عباس الذى نجح أحيانا وأخفق أحيانا فى قراءة شفاه الحضور، وانشغل تارة بتصوير الجلسة.
ينطلق الجميع فى طريقه ليواجهوا طرقا غير معدة للكراسى المتحركة، وشوارع لا تحترم حركة الكفيف، ومجتمع لا يهتم بتعلم لغة الإشارة، على أمل أن يكون التغيير بأيديهم وكسب شرائح جديدة من المعاقين ترغب فعلا فى العمل من أجل قضيتها.
pdf

Monday, March 15, 2010

صابر عرب: المحجوب لا يمثل نصف في المائة لأغراض الأمن القومي



حارس الوثائق المصرية ينفي حجبها عن الباحثين
صابر عرب: المحجوب لا يمثل نصف في المائة لأغراض الأمن القومي

تحوي دار الوثائق القومية ملايين الوثائق التاريخية التي تفيد الباحثين في مجالات البحث المختلفة وهو ما حدد قواعد للتعامل مع هذه المؤسسة العريقة، إلا أن هذا لم يمنع شكوى بعض الباحثين من أن دار الوثائق تحولت إلى دار احتجاز للوثائق نظرا لصعوبة إجراءات التعامل. الأستاذ الدكتور محمد صابر عرب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية يرد على هذه التساؤلات.
حوار : عبدالرحمن مصطفى

ـ هناك مشكلة يتعرض لها بعض الطلبة في مرحلة ما قبل التسجيل رسالة الماجستير وأثناء الدراسة الجامعية، حين يجد الطالب نفسه على غير دراية بمحتويات الدار أو شكل الوثيقة، بل يمنع من دخول قاعة الوثائق تماما؟
الوثائق والمخطوطات المودعة في دار الوثائق مقصورة على من هم فوق المرحلة الجامعية، سواء من الباحثين الأكاديميين أو من العاملين في الصحافة و العاملين في مجال البحث الحر، وهذا لأسباب كثيرة أهمها الحرص على الوثيقة من التداول المتكرر الذي قد يعرضها للتلف. أما بالنسبة للطلبة الذين لم يسجلوا موضوعا للبحث فيتاح لهم الاطلاع على الوثائق التي سيحتاجوها بمجرد تحديد موضوع البحث. وتصدر في 15 يوما وهي مدة بسيطة مقارنة بالفترة التي يقضيها الباحث في فترة إنهاء بحثه.

ـ أليس من حق الطالب العادي التعرف على دار الوثائق ومحتوياتها؟
نحن نفترض أن الباحث الملائم للتعامل مع الوثائق الأصلية هو طالب الدراسات العاليا، كذلك فليس مطلوبا من الطلبة في المرحلة الجامعية الرجوع إلى الوثائق الأصلية.. فأقصى ما يطلب منهم هو الاطلاع على الدوريات والوثائق المنشورة في كتب. الهدف هو تنظيم التعامل مع الوثائق، لأننا إذا ما فتحنا قاعة الاطلاع على الوثائق التاريخية مثلما نفتح قاعة الاطلاع على الكتب، قد لا نضمن ما سيحدث للوثيقة القديمة.

ـ بعض الأساتذة الأكاديميين كانت لهم مشاكل أعلنوها صراحة في الصحف والمحافل العلمية من التضييق عليهم في الحصول على الوثائق.. ومنهم الدكتور مجدي جرجس أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة؟
ضربت مثالا بمجدي جرجس، والحقيقة أن كل بحوثة اعتمد فيها وثائق محفوظة بدار الوثائق القومية، كذلك من المهم أن أشير هنا إلى أنه في كل أرشيف من أرشيفات دول العالم، هناك بعض الوثائق غير المتاحة، وذلك لدواعي الحفاظ على الأمن القومي للدولة، وهذا لا تحدده لنا أي جهة أمنية، ولكن بإدراكنا الانساني والثقافي والوطني من أن هناك بعض الوثائق قد يساء استخدامها ضد المصالح الوطنية القومية.

ـ ما المعايير التي تحدد لنا خطورة الوثيقة أو أنه قد يساء استخدامها؟
لا توجد قواعد مانعة للوثائق بشكل مباشر، لكن هناك قواعد تستند إلى الخبرة و الحس الثقافي لدينا، فنحن من يحدد في دار الوثائق أن الملف الفلاني قد يشكل خطورة في عرضه الآن، و أنه يجب حجبه لخمسين سنة أو أكثر، ولعلمك ان هناك ملفات يتم حجبها لمدة مئة سنة في بعض الدول، و مسؤولي المؤسسة هم من يحددون الملفات التي قد تهدد الأمن القومي، وكلنا أكاديميون وباحثون واعون. كما أن الوثائق كلها متاحة، والمحجوب منها لا يتعدى نسبة نصف في المئة ويمكن الاستعاضة عنه بمصادر بديلة.

ـ لماذا يتم حجب هذه الوثائق؟ هل لتخوفات طائفية مثلا..؟
تاريخنا ليس فيه ما نخجل منه، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات بين المسلمين والمسيحيين، فالوثائق تشير إلى أن كلا الطرفين كان متساويا أمام القانون في فترة تاريخنا الحديث، وكذلك تشير إلى علاقات اجتماعية جيدة.

ـ إذن.. فما هو المحجوب؟
ليس هناك تحديد معين، على سبيل المثال الوثائق المتصلة بقضايا الحدود نتحفظ على إظهارها، ولا بد من خبراء يحددوا ذلك، وكما ذكرت انها لا تتعدى النصف في المئة، وأغلبها موضوعات سياسية ومرتبطة بالأمن القومي أكثر من أن تكون موضوعات بحث تاريخي.

ـ هناك اتهام موجه إلى موظفي الدار بالتعسف في التعامل مع بعض المترددين قاعة الوثائق واعاقة وصولهم إلى الوثيقة؟
قد يكون لدينا بعض المشاكل المتعلقة بالوظيفة وأداء بعض العاملين على خدمة الاطلاع على الوثائق، لكننا الآن في مرحلة تطوير العاملين وانا بنفسي أقول بتسهيل المهمة على المترددين والتواصل معهم لحل أي مشكلة قد تحدث، فالإساءة لأي باحث أعتبرها إساءة لشخصي.

ـ في داخل سيمنارات التاريخ العلمية تحديدا شكا بعض الأساتذة الأكاديميين من أن باحثي دار الوثائق القومية لهم الأفضلية في الوصول إلى الوثائق والاطلاع عليها عن بقية الباحثين؟
كل باحث لديه تصريح يحق له الاطلاع، وليس من حق الباحث الاطلاع على الوثائق البعيدة عن موضوع بحثه، لأنه ليس بباحث من يريد الاطلاع على الوثائق دون خطة بحثية محددة.

ـ لكن أحيانا يكون الباحث بصدد التحضير لمؤتمر أو مهمة بحثية محدودة المدة، وعلى فترات متكررة، أيجب عليه إصدار تصاريح في كل مرة؟
أود أن أقول في هذا الصدد أن هناك من الأساتذة من تنقطع صلتهم بالتعامل مع الوثائق والدار بأكملها بمجرد وصولهم إلى درجة الدكتوراه، وحتى في بحوث ترقيتهم لا يستخدمون الوثائق الأصلية ويعتمدون على الدوريات، ورغم هذا يذكر بعضهم دعاية سيئة عن الدار رغم ابتعاده عنها.. في مرة سمعت تعليقا في أحد المناسبات العلمية ينتقد الدار رغم أني أعلم جيدا أنه لم يزر دار الوثائق منذ أكثر من عشر سنوات، بعض هذه المشاكل تكون مفتعلة.

ـ مشروع رقمنة الوثائق واتاحة نماذج منها على الانترنت، هل الهدف منه إتاحة الوثائق للباحثين عبر وسيط آخر؟
الحقيقة أنه لا توجد دولة في العالم تتيح أرشيفها بشكل كامل على الانترنت، وليس الهدف من هذا المشروع هو إتاحة الوثائق ولكن، التعريف بمحتوى الدار وما داخل ملفاتها من وثائق، مع نماذج معروضة لمجرد التعريف، وفي شهر إبريل سيكون المشروع قد انتهى بالفعل.

ـ هناك مشكلة تتعرض لها دار الوثائق نفسها تؤثر بشكل مباشر على إتاحة المعرفة للباحثين، وهي عن عدم إمداد الدار بالوثائق من الجهات المختلفة.. ما سبب ذلك؟
دار الوثائق هي وريثة دار الوثائق العمومية، والأوقاف، والعدل ووزارة الحربية التي تحولت فيما بعد إلى وزارة الدفاع، ومن هذه الجهات وغيرها تكون الأرشيف الأول، وحين تأسست دار الوثائق القومية عام 54 خضعت لقانون الوثائق لسنة 54 وهو غير ملزم لأي جهة بتقديم وثائقها إلى دار الوثائق، وقد أنهينا مشروع قانون جديد نأمل أن يتم تمريره بخصوص الوثائق بحيث يتم إلزام الجهات بإرسال وثائقها إلى الدار بدلا من ان تكون خاضعة لمزاجية الموظفين، خاصة مع النظرة السلبية لفكرة الأرشيف الموجودة في ثقافتنا.

ـ على أي أساس يتم إختيار الوثائق التي يتم توريدها للدار؟
هذه الوثائق قد لا تمثل أكثر من 8% من القوائم التي ترسلها الوزارات والمؤسسات للتخلص منها، ويحدد خبراؤنا ما يمكن أن تحتفظ به هذه الجهات لأغراضها الإدارية و تحديد ما تحتاجه الدار، وهناك لجنة موجودة بالفعل تتعامل مع وزارات العدل والخارجية وباقي الوزارات التي تمدنا بالوثائق.. لكن هناك مشاكل أغفلها الكثيرون.

ـ مثل ماذا؟
دار المحفوظات بالقلعة هي الوارث الحقيقي للدفترخانة، وتحوي وثائق تستخدم في أغراض معرفة الأطيان، وأسماء العائلات، لكن بعض هذه الوثائق وقد تقدر بنسبة 10% من المهم أن تنتقل إلى الدار كي تفيد الباحثين في الجوانب السياسية والتاريخية المختلفة.



ـ ألا ترى أن غياب وثائق مثل وثائق الحروب قد أضعف قدرة الباحثين في إعادة كتابة التاريخ في مصر وهو التيار الذي بدأ في عديد من الدول؟
التاريخ لا يكتب مرة واحدة، بل يكتب عدة مرات وفقا لكفاءة الباحث والمصادر المتاحة. من المؤكد أنه من الصعب أن تكتب عن حرب مثل حرب 56 في ظل غياب الوثائق المصرية مما يجعل الكتابات أقرب للانطباعية، وكذلك يتم الاعتماد على الوثائق الأجنبية، وأنا أدعو إلى الإفراج عن هذه الوثائق وأنها خدمة قومية وليست خدمة للبحث فقط .

Monday, March 1, 2010

الدكتور أحمد زايد : الحرية البحثية خاضعة للصدفة والأهواء الشخصية




عميد أداب القاهرة السابق ينفى تدخل الدولة في الجامعة
الدكتور أحمد زايد : الحرية البحثية خاضعة للصدفة والأهواء الشخصية


من خلال خبرته الأكاديمية داخل كلية الأداب بجامعة القاهرة وتوليه منصب العمادة في فترة سابقة يبدو الدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع قريبا من معوقات الحرية البحثية في الجامعة، أرجع تلك المعوقات إلى الرقابة الذاتية التي يمارسها الأكاديميون على أنفسهم إلى جانب تمسك المجتمع داخل وخارج الجامعة بتقاليد تعيق التطور، نافيا أن يكون الانتماء للحزب الوطني الحاكم أفضلية، أو أن تكون هناك تدخلات مباشرة من الدولة في الأداء الأكاديمي. وطرح حلولا أخرى للهروب من القيود الفكرية على الطلاب والأكاديميين.
حوار: عبدالرحمن مصطفى

• هناك سقف يضعه بعض الأكاديميين أمام أفكار الرسائل الجامعية في مرحلة ما قبل التسجيل، ما أسباب هذا النوع من الرقابة؟
- المفترض في الجامعة أن تعمل ضمن خطة بحثية، بحيث يتم التعامل مع الموضوعات في إطار هذه الخطة، وأن يتاح لكل أستاذ قبول الموضوعات المتفقة مع اتجاهاته البحثية وتراكم معرفته إلى جانب مع تفرضه حاجات المجتمع، وهذا ما يجب أن يعلمه الباحث قبل اختيار مشكلة بحثه ومناقشتها مع اساتذته، لكن المشكلة أن بعض الأساتذة ليس لديهم هذه الأجندة البحثية، مما يعطي للصورة أبعاد أخرى.

• ألا توجد بعض المحاذير التي يراعيها الأستاذ عند التعامل مع أفكار الباحثين الشباب؟
- ليس هناك مثل هذه المحاذير إلا في بعض الحالات الصارخة في موضوعات متعلقة بالجنس والدين على سبيل المثال.

• هل ما زالت التابوهات الشهيرة (الدين، الجنس، السياسة) هي ما يحكم الحركة البحثية في مصر..؟
- نعم .. ما زالت هذه التابوهات الشهيرة مؤثرة على الحركة البحثية، لكن على الجانب الآخر يجب أن نذكر أن الباحثين أنفسهم لا يقدمون على التعامل مع الموضوعات الحساسة بشكل جاد، على سبيل المثال: سجل أحد الباحثين معي موضوعا عن "العنف الجنسي"، لكنه للأسف لم يكمل بحثه، ومثل هذا المثال يطرح فكرة أن الجامعة لا تمارس قيودا في هذه المناطق الحساسة من الموضوعات البحثية.

• لكن احيانا ما يكون هناك قيودا على تناول الموضوعات السياسية، وهو ما يدفع المؤسسة الأكاديمية إلى إعادة صياغة البحوث؟!
- لنتحدث بمثال واضح عن هذه الحالة، حين قمت بإعداد رسالتي للماجستير، تناولت موضوعات حرجة ومثيرة في هذا الوقت عن الحركة الطلابية في فرنسا عام 68 وتناولت فكر اليسار الجديد، وتأثير ذلك على الحركات الاجتماعية في الغرب، ولم أتعرض للتضييق عليّ في أي مرحلة من مراحل البحث، لكن.. لأذكر لك ما يحدث أحيانا لدينا في الجامعة، وهو أن يراجع أحد الأكاديميين عنوان البحث، وقد يصل الأمر إلى تصنيف الباحث بسبب اتجاهاته أو اختياراته، وهذا في النهاية يعود إلى الاستاذ وليست سياسة من الجامعة.

• ماذا عن بعض الموضوعات الحرجة التي أهملت دراستها مثل الجماعات الاسلامية، والمشاكل الطائفية، ويتم تغييرها بعد النقاش مع الأكاديميين قبل إعداد الرسائل الجامعية؟
- بعض الأساتذة في مثل هذه الموضوعات يقلقون من ردود أفعال المجتمع تجاههم، ويمارسون بدورهم رقابة ذاتية على أنفسهم تمنعهم من مناقشة بعض الموضوعات، هذه الموضوعات يجب أن تدرس في إطار نظري رصين، ولنقل بصراحة ان بعض الباحثين لا يهدفون من دراسة هذه الموضوعات تقديم بحث جاد بقدر ما يهدفون إلى إدخال السياسة إلى البحث في موضوعات صحافية لا بحثية. دعني أقول وأؤكد أنه لا توجد رقابة في الجامعة، بل نحن من يخلق هذه الرقابة على أنفسنا.


• لكن هناك ردود أفعال من الادارة الأكاديمية تمارس إرهابا فكريا على الباحثين أحيانا؟
- سأحدثك عن موقف حدث مؤخرا في جامعة حلوان حين أرسل عميد إحدى الكليات بحثا إلى الأزهر لمراجعته، وكان بحثا لأحد الاساتذة يتناول النصوص الاسلامية، ولما رفضه الأزهر أثير جدلا حول هذه الحادثة، في واقع الأمر أن مثل هذا عميد الكلية لم يمثل الجامعة، بل استهجنت الادارة هذا التصرف، لأن مثل هذه البحوث عليها أن تناقش داخل الجامعة في إطار بحثي محترم.

• وماذا عن التصاريح الأمنية التي يحتاجها الباحثون في بحوثهم الميدانية.. ألا تحدد مثل هذه الاجراءات شكل البحوث الاجتماعية في مصر.؟
- حسب القانون فإن دخول أي جهة أجنبية في اعداد البحوث الميدانية يستلزم موافقة من الدولة، وهذه الجهة بالمناسبة هي وزارة الخارجية، ولا أعلم إن كانت تراجع جهات أمنية أخرى أم لا، وهذا النظام موجود في أنحاء العالم، بالذات في العينات البحثية الكبيرة، وبشكل عام فإن الجهة الأساسية التي علينا استصدار موافقة منها هي الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء وذلك في كل البحوث ذات العينات الكبيرة، وانا مع اتخاذ هذه الاجراءات خاصة في حالة وجود جهة أجنبية مشاركة في البحوث لأننا لا نعرف إن كانت هذه المعلومات ستخدم أغراض استخباراتية أم لا.

• هل هذه الاجراءات ترسم ملامح البحوث الاجتماعية؟
- في رسائل الماجستير والدكتوراة الجامعية لا نأخذ تصريحات أو إذن، لأننا نتعامل مع عينات بسيطة من داخل الجامعة، وباستخدام مناهج كيفية.. أن طلاب الرسائل الجامعية ليس باستطاعتهم العمل على عينات كبيرة لافتقادهم للتكاليف اللازمة، أما موافقات الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء فلا تتعدى مدتها 15 يوما، كما أن هناك قانون يتم مناقشته الآن عن تداول حرية المعلومات وأتمنى أن يحقق طفرة في هذا المجال، لكن بشكل عام فالقانون لا يصنع الأجندة البحثية.

• إذا عدنا إلى بعض الموضوعات ذات الطابع السياسي مثل العنف داخل السجون وأقسام الشرطة، والعنف الطائفي.. نجدها غير مطروحة للبحث..!!؟
كل أساليب السلوك يجب ان تكون مطروحة للبحث، وهناك دراسات تمت في المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية عن السجون، وتناولت جانب العنف داخل السجون، في هذا المجال لا أذكر بحثا تم منعه سوى بحث شهير لدراسة "السلوك الجنسي"، وهو بحث عالمي، حين حاول أحد الباحثين تطبيقه قبل ثلاثين عاما تقريبا، وأثيرت ضجة ضده، والمفارقة أن المركز القومي وافق عليه إلا أن الصحافة هي التي وقفت ضد إجرائه.

• إذن ما الاطار العام لصورة الحرية الفكرية للباحثين في الجامعة..؟
- في هذا الاطار نحن لا نتحدث عن شكل منتظم لقضية حرية الفكرية في الجامعات بقدر ما أنها تخضع للصدفة، بالامكان أن يقدم باحث جريء على موضوع ولا تقف ضده أي عوائق، وقد يكون حظه عاثرا في توقيت مختلف، فيواجه بمعارضة أكاديمية ضد فكرته، لأسباب شخصية حتى إن كانت نوايا الباحث طيبة بالفعل.

• ألهذا الحد تمثل الأهواء الشخصية قيودا على فكر الباحث الأكاديمي؟
- بالتأكيد.. وهذا حدث معي شخصيا، في مرة كتبت عن أن الخطاب الديني يصنع "كهنوت" يقف حاجزا بين العبد وربه بما يخالف قواعد الاسلام الاصيلة، وجاءت الصحافة لتستخدم عناوين ساخنة ضد ما قلته، كذلك يحدث الأمر داخل الجامعة.

• هذا الحديث يقودنا إلى فكرة أخرى عن عدم قبول المنهجيات الحديثة في البحوث الاجتماعية والحفاظ على الموروث البحثي القديم ضد التجديد!!؟
- هذه نقطة مهمة.. أحيانا ما يحارب الباحث بسبب استخدامه مصطلحات حديثة فيواجه بمعارضة من غير المتابعين للمناهج الحديثة، على سبيل المثال اقترحت على أحد الطلاب العرب موضوع عن "الخطاب الخلدوني" في دراسة أعمال عبدالرحمن بن خلدون، وكان مصطلح "الخطاب" قبل 20 عاما حديثا نسبيا، واعترض رئيس القسم على الخطة البحثية وتم تعديلها تماما، بل أنني في رسالة الدكتوراه الخاصة بي كتبت في عنوانها "التحالف والصراع بين جماعات الصفوة في الريف المصري"، واقترح أكاديميو قسم الاجتماع استخدام تعبير "تفاعل" بدلا من "صراع" للابتعاد عن شبهة الانتماء الماركسي.
بل أحيانا ما يكون استخدام مصطلحات جديدة هو مادة للتهكم والتندر من التقليديين وهو ما يمثل قيدا على الباحث، فتكون الرقابة مزدوجة من المجتمع الأكاديمي ومن المجتمع خارج الجامعة.

• ألا تتفق مع أن هذا التوجه قد انعكس على حالة الجامعة، وتوفير مصادر معرفة حديثة داخل مكتبات كلية الأداب أو مكتبة الجامعة والاكتفاء بالمصادر القديمة؟
- هناك بدائل الآن، ممثلة في استخدام قواعد البيانات التي اشتركت بها الجامعة التي توفر بحوثا حديثة للباحثين، لكن المفارقة أن هناك حالة من الكسل لدى الباحثين و لا يستفيدون من مصدر كهذا متاح بين أيديهم.

• جانب آخر أرغب في تناوله بصفتك عميد كلية الأداب السابق.. ألا تجد انه من الغريب أنه ما زالت تجرى تحريات أمنية على المعيدين قبل تعيينهم في الجامعة؟
- لم يرفض أحد حتى الآن من المعيدين بسبب هذا الاجراء، ونحن نفخر بأن اختيار المعيدين مازال يتم وفقا لمعايير أكاديمية حسب درجاتهم وليس هناك أي تأثير في التعيينات بسبب مستواهم الاجتماعي أو الطبقى على عكس جهات أخرى، حتى الحالات التي كان يتم تعطيلها بسبب هذا الاجراء تدخلت فيها شخصيا، والأمر يعود في النهاية لشخصية عميد الكلية.

• ألا تمثل مثل هذه الاجراءات محاولات مبكرة لتدجين الأكاديميين؟
- ربما.. هي مجرد محاولات ، وقد تنجح مع البعض.

• انت عضو في الحزب الوطني الحاكم، هل تمثل عضوية الحزب أي أفضلية للأكاديمي؟
- الحزب لا يتدخل في الجامعة بأي شكل، والطريف أن بعض المتقدمين لمسابقات تعيين المعيدين بالجامعة يصدرون انتماءهم في اوراق الالتحاق، وهو ما يقابل بتهكم من اللجنة التي تستقبل طلباتهم. فكل شيء يخضع لقوانين الجامعة.

• بعيدا عن الجامعة.. كان لك تجربة في عمل حلقة قراءة مع مجموعة من الطلاب والباحثين لها قواعدها الخاصة، هل هذا هروب من قاعات الدرس التي تفرض قيودها على الأكاديمي والطالب سويا؟
- تجربة "منتدى القراءة" هي أحسن مشروع قمت به في حياتي، فاسلوب التعلم في مصر يقوم على التلقين، وفي قاعة الدرس يمارس الأكاديمي سلطته على الطلاب من خلال امتلاكه للمعرفة، وقد يصل استغلال هذه السلطة إلى استغلال الطلبة في أغراض خاصة، هذا المنتدى شعاره "العارفون يمتنعون"، ففي جلسات القراءة تتحقق المساواة بين الطالب والأستاذ والجميع يتساوى امام النصوص الكلاسيكية، وهو ما لم يتحمله بالمناسبة بعض الأكاديميين حين فقدوا سلطاتهم على الحضور، مثلما يمارسوها في الجامعة.

• هل تجد حال طالب اليوم أفضل في حريته البحثية عن حالك حين كنت طالبا في الجامعة؟
- المجتمع لم يختلف كثيرا في قيوده التي يفرضها على الباحثين وكذلك الجامعات لم تختلف، لكن ميزة هذا الجيل أنه يتوافر لديه مصادر معرفة متعددة، عبر الانترنت، والمكتبات الحالية، على عكس ما كنا قديما نشترى الكتب من بواسطة القادمين من الخارج، مشكلة طالب اليوم أن كلية الأداب حين أنشئت كان الهدف منها تخريج طالب موسوعي، ملم بكافة فروع المعرفة الانسانية الأخرى، في التاريخ والجغرافيا والفلسفة، وربما هذا أحد أهداف "منتدى القراءة"، فما نحتاجه اليوم هو جامعة جديدة، وانسان أكاديمي جديد، خارج قيود التقاليد البالية، والقيود الأخرى مثل الشللية وغير ذلك من معوقات الفكر داخل الجامعة.