Showing posts with label المرأة. Show all posts
Showing posts with label المرأة. Show all posts

Sunday, May 24, 2015

أنشطة للهروب من التوتر والقلق

بين ركوب الدراجات وجلسات التأمل وتمارين الزومبا.. أنشطة تضم مشاركين يهربون من صخب الحياة واستنزافها إلى مجموعات تتبنى الترفيه والمرح والسعى إلى التغيير، بعضهم تبدلت حياته بعد ممارسة هذه الأنشطة، وآخرون اكتفوا بالمشاركة والحصول على هدنة، ترتاح فيها عقولهم من التوتر والقلق.
..
«جمعة الدراجات» الأسبوعية.. هواية وترفيه ومرح
فى تمام الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الجمعة، فى شارع قريب من ميدان الساعة فى حى مدينة نصر، تتراص الدراجات فى انتظار اكتمال عدد المشاركين فى جولة بين مدينة نصر وباب الفتوح فى منطقة الجمالية، يلتقط بعض الواقفين دراجات لتجربتها فى الوقت الذى ينشغل فيه مؤسسو فريق (يلا عجلة) بتنظيم ترتيبات الفعالية.
«نتطلع إلى تحقيق نجاح فى نشر ثقافة ركوب الدراجات، وأن ننجح كفريق فى جذب رعاة لنشاطنا، وأن نتوسّع بشكل أكبر ويزداد عدد المشاركين، فما زلنا فى بداياتنا الأولى». يتحدث محمود مصطفى المهندس الشاب بإحدى شركات البترول عن تجربته التى خاضها مع زميليه معتز هشام ومحمد صلاح، حين أسسوا فريق (يلا عجلة) الذى بدأ نشاطه مع بداية شهرمايو. فى ذلك اليوم كان الاختيار أن تكون مدينة نصر هى نقطة انطلاقهم بسبب سعة شوارعها، وإمكانية الانتقال إلى العديد من الأماكن الأخرى المجاورة ذات الشوارع الفسيحة.
هناك أسلوبان للمشاركة فى فاعليات الفريق، الأول أن يأتى المشارك بدراجته الشخصية، أما الثانى فأن يؤجر المشارك دراجة فى مقابل 25 جنيها.
«القيمة منخفضة نسبيا عن فرق أخرى، ولا نحصل إلا على ما يغطى نفقات الرحلة الواحدة، مع هامش ربح بسيط يغطى ثمن دراجات الفريق على المدى البعيد». مازال الحديث لمحمود مصطفى الذى بدا مشغولا مع زملائه فى توضيح بعض النقاط للمشاركين، أهمها أن الرحلة ليست سباقا، وأن على كل فرد أن يظل ملتزما بالتحرك خلف زميله دون الانحراف إلى منتصف الشارع.
فى يوم الجمعة من كل أسبوع تنشط عدة مجموعات لقيادة الدراجات صباحا، حيث تنتشر فى مناطق مثل التجمع الخامس، ومصر الجديدة، والزمالك، والمعادى، وغيرها. ففى صباح اليوم نفسه الذى خاض فيه فريق (يلا عجلة) فعاليته، كان أعضاء فريق (فوربايك) قد اجتمعوا من الساعة السابعة صباحا فى حى الزمالك للانطلاق فى جولتهم بين شوارع الحى الهادئ صباحا. وكانت البدايات الأولى لظهور مجموعات ركوب الدراجات مع العام 2008 بين القاهرة والاسكندرية، كان أبرزها مجموعة (سايكل إيجيبت) ومجموعات أخرى ظهرت فى منطقة مصر الجديدة بالقاهرة، حتى توالى ظهور المجموعات المشابهة فى السنوات الأربع الأخيرة. ومع توالى ظهور تلك المجموعات كان محمد سليمان أحد من تابعوا تطورها على مدى تلك السنوات، واختار أن يؤسس فريق (فور بايك) فى العام 2012 للمهتمين بعالم الدراجات، حيث لم يقتصر نشاط الفريق على منطقة محددة، بل انتقل بين المحافظات وخارج القاهرة.
«ما رأيته خلال سنوات قضيتها فى هذا المجال، أن هناك من يتعاملون مع الأمر على أنه وسيلة ترفيه يحتاجها بصورة أسبوعية، وآخرون يعتبرونه نشاطا ينطلقون من خلاله فى شوارع القاهرة بحرية وأمان، هذا بعيدا عن كون قيادة الدراجات وسيلة انتقال نموذجية». هكذا تحدث مؤسس فريق (فور بايك) عن شخصيات شاركت معه على مدى سنوات، خاضوا فيها حب الانطلاق بين أماكن متنوعة، مستكملا حديثه قائلا: «يشارك معنا شخصيات ذات مناصب ومسؤوليات عالية، لكنهم وجدوا فى قيادة الدراجات فرصة للانطلاق والهروب من الضغوط اليومية».
بالعودة إلى ميدان الساعة فى مدينة نصر وفريق (يلا عجلة)، فإن المشاركين قد بدأوا فى الاستعداد للانطلاق بدءا من الساعة الثامنة صباحا. ياسر حلمى وإسراء أحمد طالبة الفنون الجميلة، كانا ضمن المشاركين مع أصدقائهما، وبينما يتذكر ياسر بعض المواقف التى تعرض فيها لسخرية من المارة، وهو ما حدث بشكل سريع أمام بوابة الفتوح فى ذلك اليوم، حين تلقوا عبارات مازحة من المارة، إلا أن زميلته إسراء تتذكر مواقف إيجابية مثل دعم المارة لها كفتاة تنطلق بدراجاتها فى فعاليات سابقة. وفى فعاليات أخرى يعود بعض المشاركين إلى منازلهم ليدونوا انطباعاتهم على صفحة الفريق فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، ويقدموا عبارات من نوعية «لازم أشكركم بجد إنتم شقلبتم يومى كله.. عمر ما كان هيكون كده الا بيكوا. أنا فخووور بيكوووا جدا جدا» هذا ما ذكره أحدهم فى إحدى الفعاليات الأخيرة.
بدأت رحلة فريق (يلا عجلة) فى شارع صلاح سالم، بمشاركة فريق آخر هو (كايرو سبورت)، وهو فريق لا يتخصص فقط فى ركوب الدراجات، بل يهدف إلى تشجيع الرياضات والترفيه بشكل عام، ينظم مباريات فى البولنيج والمشى والتنس وغيرها، وفى ذلك اليوم كانت هناك شراكة بين المجموعتين فى الانطلاق سويا إلى القاهرة الفاطمية، حيث لم يقتصرالأمر على مجرد التحرك بالدراجات، بل أعقبه جولة فى شارع المعز وإفطار جماعى.
تسعى فرق قيادة الدراجات إلى تقديم خدمات أفضل وتحقيق سمعة جيدة لدى المشاركين، ليجنى أكثرها نشاطا فرصة كسب رعاة لفعالياته والحصول على دعم من جهات مهتمة بهذا النشاط.
«ندعم قيادة الدراجات لما يمكنها أن تقدم من حلول لمشاكل التلوث البيئى وتجاوز مشكلة الزحام، لذا نتواصل مع فرق قيادة الدراجات المختلفة، وندعم رسم خطوط أرضية تحدد مسارات الدراجات فى طرق مدينتى شبين الكوم والفيوم». تتحدث ندى طنطاوى الاستشارى الإعلامى لمشروع استدامة النقل فى مصر، الذى ينفذه جهاز شئون البيئة بتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائى ومرفق البيئة العالمية. وترى المستشارة الإعلامية أن على الدولة أن تقدم خدمات تدعم هذا التوجه، بتحديد طرق ومسارات تساعد فى انتشار الفكرة، طامحة أن تتاح الفرصة للمتطوعين بأن يتحركوا لطلاء مسارات فى الطرق للدراجات، وتقول: «انتشار الفرق التى تشجع على قيادة الدراجات هى بداية قبول قيادة الدراجات فى الشارع». ويخصص «مشروع استدامة النقل فى مصر» أماكن قرب الجامعات ومحطات النقل لتخزين الدراجات، على أمل تسهيل الضغوط التى تواجه قائد الدراجة فى الشارع المصرى، على حد قول ندى طنطاوى. أما الهدف الأبعد ذو الطابع الدولى، فهو تخفيض الانبعاثات ودرجة التلوث باللجوء إلى وسائل نقل آلية كالدراجات.
..
«ينشغل عقلنا بتفاصيل الحياة اليومية وأعبائها، لذا نسعى هنا إلى تنشيط العقل الباطن، وأن نعط استراحة لعقلنا من الاستهلاك اليومى». يتحدث مصطفى جاد مؤسس مبادرة سلام الدولية ومدرب التأمل، وهو يجلس فى صالة جانبية من مكتبة البلد فى منطقة وسط البلد القاهرية، حيث يبدأ فى تجهيز المكان لجلسة التأمل الأسبوعية التى تحمل عنوان «التخيل الذهنى على الطريقة الصوفية». يوقد الشموع ويشعل أعواد البخور، وفى خلفية حديثه موسيقى معـَدة خصيصا لجلسات التأمل، ألّفها موسيقيون متخصصون بهدف التحكم فى مزاج الحاضرين بنغمات الموسيقى. يستكمل مصطفى جاد حديثه قائلا: «هناك أنواع عديدة من التأمل، واخترنا التأمل التجاوزى فى هذه الجلسة، حيث نتجاوز التفكير الظاهر بتفكير آخر باطنى، ونفتح مساحات للتخيل والاسترخاء من أجل راحة العقل».
تدرب مصطفى جاد على يد متخصصين عرب وأجانب فى مجال التأمل، مضيفا لمساته على جلسات التأمل التى ينظمها مع الالتزام بالقواعد العامة المتفق عليها فى هذا النوع من الجلسات. وأسس مصطفى جاد فى العام 2013 مبادرة سلام التى تعمل فى العديد من المجالات الفنية، منها الفن الروحانى كالتأمل واليوجا، كما يتم توجيه الحاضرين فى بعض الجلسات إلى الرسم أو العزف أثناء الجلسة.
تبدأ الجلسة وسط رائحة البخور حين يدخل أعضاء الجلسة الذين التقوا لأول مرة إلى الصالة، ويطلب المدرب أن يجلس كل شخص بعيدا عن أصدقائه أو أقربائه حتى يشعر بحرية أكبر فى أثناء الجزء الخاص بالتخيل دون تأثير خارجى، يجلس الجميع فى دائرة تحيط بها رائحة البخور من كل جانب، ويشرح المدرب الأقسام الثلاثة للجلسة، ثم يبدأ الجزء الأول بمجرد إطفاء الأنوار والإبقاء على ضوء الشموع، مع نور بسيط يتسلل أسفل ستارة سوداء فى واجهة الصالة.
من بين نحو 20 فردا جمعتهم الرغبة فى التأمل والسكون فى مكتبة البلد، كان أحمد عز الذى يعمل فى إحدى شركات البترول قد حضر جلسة سابقة، ثم أعاد التجربة مرة أخرى قائلا: «أنا أفكر فى عدة أشياء فى الوقت نفسه، سواء مشاكل شخصية أو مهنية، وأجرى عدة لقاءات فى اليوم الواحد، لذا أبحث عن تجربة أصفى بها ذهنى وأقلل من التوتر». يخوض أحمد عز تلك التجربة، طامحا أن يستمر فى ممارسة التأمل، حتى إن كان ذلك بشكل فردى فى منزله أو فى مكان مفتوح، خاصة أن المدرب قد وعد فى الجلسة بإعطاء إرشادات تساعد الحاضرين فى ممارسة التأمل بشكل حر.
فى الجزء الأول من الجلسة، يؤهل المدرب الحاضرين بطلب الجلوس فى جلسة مريحة، حيث يحركون أصابعهم بشكل دائرى وهم مغمضو الأعين، يستمعون إلى الموسيقى ويميلون رءوسهم فى حركات دائرية لمدة ربع ساعة. بعدها يطمئن المدرب على الجميع، ثم يبدأ الجزء الثانى مع مقطوعة موسيقية ذات طابع صوفى، مطالبا إياهم بإطلاق خيالهم لصنع تصورات عن الموسيقى وإبداع مشاهد أثناء تأملهم الصامت. بعد انتهاء الموسيقى يسأل المدرب عن المشاهد التى تخيلوها، ثم ينتقل الجميع إلى الجزء الثالث مع إنشاد دينى للشيخ نصر الدين طوبار، وفى جلسات أخرى تقوم هذه الجلسة على إبداع الحاضرين فى الرسم أو العزف الموسيقى، والهدف من هذا الجزء هو التأمل الحر والتخلى عن الأفكار التى ينشغل بها العقل الواعى.
كانت ممارسة التأمل أحد الموضوعات التى اهتمت بها الدراسات الطبية فى عدد من الجامعات العالمية، منها ما نشرته مجلة الجمعية الأمريكية لأطباء القلب، إذ توصلت دراسة تعود إلى العام 2012 إلى أن ممارسة التأمل تقلل من احتمالات الوفاة بالسكتة القلبية بنسبة 48% مقارنة بالذين لا يمارسون التأمل. بينما قالت دراسة حديثة صادرة عن جامعة بليموث البريطانية أن ممارسة التأمل يمكنها أن تكون بديلا عن العقاقير الكيميائية المضادة للاكتئاب.
«زيادة القدرة على التركيز هى الهدف الرئيسى من جلسة التأمل، وما نقدمه هنا هو مستوى للمبتدئين، فهناك مستويات أعلى فى جلسات التأمل تقام فى أماكن مفتوحة، كالتى أقمناها فى حديقة الأزهر أخيرا». يوضح المدرب مصطفى جاد أن الهدف الرئيسى من هذا النشاط أن يبتعد المشارك عن ضغوط الحياة والقلق والتوتر.
تنتهى الجلسة بعد أقل من ساعة، بسؤال من المدرب إلى الحاضرين عن تأثير التجربة عليهم، بينما يتوجه الجميع بعد الإجابة إلى الخارج، حيث يواجهون حياتهم بذهن أهدأ.
حين بدأت يمنى محمد الفتاة العشرينية ممارسة تمارين «الزومبا» قبل سنتين، كانت تمر بحالة من السخط بسبب ضغوط الحياة والضيق من دراستها لطب الأسنان، ورغم ممارستها الرياضة فى سنوات سابقة، فإنها اختارت قبل سنتين أن تحضر دروس الزومبا، على أمل أن يعدل ذلك من مزاجها.
«أستطيع القول بأن حياتى قد تغيرت بعد الانتظام فى هذه التمارين، فهى تستهلك الطاقة السلبية التى نتحرك معها على مدى اليوم، وأصبح اليوم الذى أبتعد فيه عن التمرين يوما ناقصا». تتحدث يمنى محمد عن تجربتها التى أثرت فى مجرى حياتها إلى حد كبير.
«الزومبا» برنامج لرفع مستوى اللياقة البدنية، تأسس على يد مدرب كولومبى اسمه بيتو بيريز فى التسعينيات، قائم على مزج الرقص اللاتينى مع حركات الأيروبكس الرياضية، وانتشرت الزومبا بين أكثر من 180 دولة، ويمارسها 15 مليون شخص، وذلك حسب موقع zumba.com، الذى يقدم معلومات عن هذا النشاط، ويسجل المدربين المعتمدين حول العالم.
كما تشير نتائج دراسات منشورة إلى تأثير الزومبا على تنظيم ضربات القلب ومقاومة الاكتئاب وحرق السعرات الحرارية.
أما الطبيبة الشابة يمنى محمد فقد اتخذت قرارا بعد سنة قضتها مع تمارين الزومبا، وحولت إحساسها بالنشاط إلى طاقة دفعتها إلى أن تصبح مدربة معتمدة فى هذا المجال، وأصبح ذلك عملاً إضافياً لا يبعدها عن تخصصها الأصلى فى طب الأسنان.
فى داخل صالات التدريب تبرز ظاهرة تمثيل الفتيات بنسبة أكبر عن الشباب، وهو ما تعلق عليه سالى سلامة المدربة المعتمدة قائلة: «ازدياد اقبال الفتيات عن الرجال هى ظاهرة عالمية، كذلك فإن طبيعة المجتمع تفصل أحيانا بين الرجال والنساء أثناء ممارسة هذه التمرينات». وتوضح المدربة التى تصدرت بعض الفعاليات أخيرا أنها وجدت حين بدأت التدريب فى العام 2007 أن ممارسة هذه التمارين مقتصرة على ثلاثة مراكز رياضية، بينما تلاحظ الآن أن عدد المتقدمين للحصول على تدريب معتمد فى هذا المجال يزيد على 200 متقدم كل شهرين.
خرجت ممارسة تمارين الزومبا أخيرا إلى مساحات أخرى فى الأماكن المفتوحة ضمن فعاليات عامة، مثل استغلالها فى حملة ضد التحرش قبل عام، ورعاية المؤسسة المصرية لمكافحة سرطان الثدى لفعالية أخيرا استغلت الأجواء المرحة للزومبا فى التعبير عن دعم مرضى السرطان. وحسبما تشرح سالى سلامة فإن ممارسة هذا النشاط يزيد من وعى الفرد بجسده، وإحساسه بالقدرة على التحكم، ما يزيد الثقة بالنفس.
وفى الوقت الذى يتكلف فيه الفرد ما يوازى 300 دولار كى يصبح مدربا معتمدا لتمارين الزومبا، فإن العاملين فى هذا المجال ينفون أن يكون هذا النشاط مقتصرا على فئة ميسورى الحال، إذ تقول سالى سلامة إن إحدى الفعاليات لم تكلف الفرد أكثر من 50 جنيها، وأن تلك التمارين قد أصبحت جزءا أساسيا فى العديد من الصالات الرياضية، كما أن هناك مدربين معتمدين خارج القاهرة.
أما الطبيبة الشابة يمنى محمد التى احترفت التدريب على الزومبا قبل سنة، فترى أن أجواء النشاط والمرح والحرية المرتبطة بهذه التمارين، لابد أن يصاحبها مدرب ذو مزاج منفتح، لا تفارقه الابتسامة طول الوقت، لديه اهتمام بالمتدربين، حتى إن اقتصر هدف بعضهم على التخسيس.

Wednesday, March 4, 2015

حكاية سيدات يجبرهن «الرزق» على «السعى فى الليل وآخره»

- أقدم بائعة حمص على الكورنيش: السمعة الطيبة هى أكبر حماية للمرأة.. ومنة الله «الجامعية» تحلم بمشروع «نصبة الشاى»
- «المركزى للتعبئة والإحصاء»: 17.8% من إجمالى الأسر المصرية يترأسها نساء
- صاحبة مشروع «النصبة»: البعض مازال فى ذهنه صورة السيدة البسيطة التى تعمل فى الشارع.. لكنى جامعية وأقدم المشروع بشكل راقٍ
- مهندسة طوارئ فى «الكهرباء»: 40% من المهمات التى أنجزها تكون بعد الساعة الواحدة صباحا
- باحثة فى مؤسسة المرأة الجديدة: قضايا التمييز فى الأجور تكشف واقع المرأة

كتب- عبدالرحمن مصطفى
تقف «أم علاء» بمحاذاة كورنيش النيل أمام منطقة رملة بولاق القاهرية، تبيع الشاى وحمص الشام، وتستمر هكذا لساعات متأخرة بعد منتصف الليل، على أمل مجىء المزيد من الزبائن، وفى ذلك اليوم لم يحدث ما تتمناه، إذ أحيانا ما يقل عدد الزبائن تدريجيا بسبب قسوة برد الشتاء، والاضطرابات الأمنية التى تتصاعد فى لحظات غير متوقعة.
تقول عن نفسها: «أنا أقدم بائعة شاى وحمص الشام على كورنيش الساحل، كنت أعمل مع والدى قبل أكثر من 40 سنة، ما زلت فى نفس المهنة، وأعمل من العصر حتى مطلع الفجر، فليس لى دخل آخر سوى ما أحصل عليه من عربة الحمص ونصبة الشاى».
تتحدث أم علاء ــ التى تفضل مناداتها بهذا الاسم ــ عن ظروف أسرية أجبرتها على أن تنفق على أبنائها الخمسة بعد وفاة الزوج، وفى ساعات الليل المتأخرة يعاونها أبناءها فى العمل، أكبرهم علاء، وهو أبكم يصعب التواصل معه سوى بالإشارات، وهو ما دفعه إلى التنحى جانبا عن الحديث والانشغال بالوقوف أمام عربة حمص الشام.
يبدأ التحضير ليوم عمل جديد مع نهاية اليوم الذى يسبقه، إذ تبدأ أم علاء فى شراء وتجهيز مستلزمات الشاى وحمص الشام مع شروق الشمس، بعد أن تكون انتهت من بيع ما لديها، ثم تبدأ فترة النوم والراحة حتى الاستيقاظ ظهرا، ثم يبدأ العمل فى اليوم الجديد من العصر حتى مطلع الفجر، وتتحدد ساعات العمل حسب إقبال الزبائن، ويبقى الأمل فى زبون ميسور الحال، يقدم بقشيشا مناسبا.
تحصل أم علاء على 300 جنيه من معاش زوجها، بينما يبقى دخلها من بيع الشاى وحمص الشام متباينا حسب حالة الشارع، وذلك لا يزعجها كثيرا، تقول: «حصلت فى فترات سابقة على مكاسب كبيرة، وعرفت فترات خسارة، ومنذ وقت مبكرة نجحت فى صنع سمعة تحمينى من مشاكل الشارع، لكن أكثر ما يزعجنى الآن هو مستقبل أبنائى».
يتحرك ابنها أحمد مختار ذى الاثنين والعشرين عاما تاركا «نصبة» الشاى، ليشارك فى الحديث: «أنا أبحث عن عمل آخر.. سائق تاكسى أو سائق توك توك، وأطلب لمن يجد لى وظيفة أخرى أن يدلنى عليها، فى النهاية أنا وإخوتى سنحتاج إلى توفير شقة للزواج».
هذه الأسرة الصغيرة، لا تخشى برد الشتاء أو العمل الليلى، بقدر ما تخشى الحفاظ على صورتها وسمعتها فى هذه المنطقة، وهى السمعة التى أسستها «أم علاء» على مدى عشرات السنوات، تنقلت فيها بين عدة أماكن فى كورنيش الساحل ورملة بولاق.
«أم علاء» هى نموذج لشريحة من النساء تمثل 17.8% من إجمالى الأسر المصرية، وهى نسبة الأسر التى يترأسها نساء، حسب أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء، وفى هذه الحالة تصبح المرأة هى المسئولة عن توفير احتياجات أسرتها بشكل كامل، وهو ما ظلت تفعله بائعة الشاى المخضرمة طوال السنوات الماضية، حتى مع وجود زوجها الراحل.

نهاية النصبة
هذه التجربة التى تقدمها بائعة الشاى وحمص الشام، هى خلاصة عشرات السنوات من الاحتراف حتى استقرت الأمور نسبيا فى النهاية، وهو ما لا يحدث دائما مع من يخوضون تجربة العمل الليلى فى الشارع، خاصة فى حالة إذا ما كانت تلك التجربة مع فتاة شابة لا تتجاوز الرابعة والعشرين سنة من عمرها، هذا ما حدث مع منة الله الحسينى، التى أثارت جدلا أخيرا، حول مشروع «النصبة».

كانت تدير مشروعها فى منطقة وسط البلد القاهرية، حيث دشنت «نصبة» تقليدية لتقديم المشروبات بأسعار متوسطة، ثم فاجأها قرار بإزالة مشروعها تماما من الساحة القريبة لمقر وزارة الأوقاف، بعد مضايقات من موظفى البلدية وبلطجية المنطقة.
بعد أن تركت مشروعها مؤقتا، تتذكر الآن كيف كانت مضطرة أن تدافع عن فكرتها البسيطة، وهى أنه يمكن لفتاة متعلمة أن تدير مشروعا خاصا فى الشارع، تقول: «نعم.. كان هناك جزء من المعاناة التى تعرضت لها بسبب التنميط، فالبعض مازال فى ذهنه صورة السيدة البسيطة التى تعمل فى الشارع، لكنى جامعية أدرس فى كلية الحقوق، وأقدم المشروع بشكل راقٍ، وحتى وقت متأخر.. لذا كنت فى حالة دفاع دائمة عن النفس، لأنى خارج توقعات الشارع».
انتهى مشروع «النصبة» قبل أسابيع، لكنها مازالت تحلم بإعادة إحيائه من جديد، وانتهت الفكرة بسبب رفض أجهزة الحى استمرار المشروع، وتعرض منة للمضايقات المتكررة والاتهامات القاسية، لكنها مازالت تطمح فى أن تصبح فكرة «النصبة» وسيلة لكسر بطالة الكثير من الشباب، ضاربة المثل بعربات «السجق» الشهيرة فى شوارع نيويورك، التى تحصل على ترخيص، وتنتشر هناك دون تهديدات لأصحابها.
«كان الفيصل فى إفشال المشروع، هو الابتزاز الذى أتعرض له من بعض الموظفين كى أدفع لهم رشوة»، على حد قول الفتاة الجامعية التى خسرت حلمها.
أما الأزمة الأخرى التى واجهت منة الله الحسينى صاحبة مشروع «النصبة»، فكانت فى عدم وجود إجراء قانونى لتنفيذ فكرة مشروعها، فالتراخيص تصدر عادة لبناء أكشاك ثابتة، وهو ما لا يصدر للعربات المتجولة التى تقدم طعاما فى الشارع.
«كنت أواجه يوميا بنظرات تحرش واستفزاز، إلى جانب ما أوجهه من مشاكل العمل العادية مع تأخر الوقت ليلا، لكن استمرار المشروع لأسابيع طويلة، كان يعطينى أملا». هكذا تصف منة الحسينى ما كانت تواجهه، وهو ما كان يجعلها فى حالة تحفز دائمة، انتهت بهدنة مؤقتة بعد توقف المشروع.

العمل اختيار
ليست كل التجارب النسائية فى العمل الليلى ذات طابع واحد، فأحيانا ما يكون اختيار العمل فى ساعات متأخرة من الليل، هو اختيار المرأة لأسباب مهنية بحتة، على سبيل المثال فإن المهندسة الشابة نهى عبدالفتاح، ذات التاسعة والعشرين عاما، التحقت بالعمل فى وزارة الكهرباء فى العام 2008، وبعد قضاء سنتين فى العمل المكتبى التقليدى، جاءتها فرصة للعمل فى صيانة محولات الكهرباء داخل نطاق القاهرة وبعض المناطق المجاورة، وتصف ذلك: «جذبتنى الفكرة من صديقة تعمل هى الأخرى فى قسم العمل الميدانى للطوارئ، وهو ما دفعنى إلى التجربة التى ستزيدنى خبرة وتميزا»، أما ما شجعها على ذلك فهو أن والدها هو الآخر كان يعمل بالطريقة نفسها.

يقوم نظام عمل المهندسة الشابة، على أن تنتظر فى كل ليلة أن يأتيها أمر بالذهاب إلى أحد المواقع التابعة للوزارة، فهى ليست مضطرة إلى الحضور التقليدى وقضاء ساعات عمل فى نفس المكتب، بل تنتقل من مكان لآخر.
«نحو 40% من المهمات التى أنجزها تكون بعد الساعة الواحدة صباحا، لسبب فنى بحت، فهذا هو الوقت الذى تقل فيه الأعباء الكهربائية»، على حد قولها.
ليست كل المهام سهلة، وفى أغلب انتقالاتها من موقع لآخر، تقابل بأسئلة العاملين فى تلك المحطات التى تقوم على صيانتها، حين يندهشون من مجىء مهندسة فى ساعة متأخرة من الليل، يرافقها 4 من الفنيين والمهندسين، وتنتقل بصحبة المعدات وسيارة العمل، بين مجتمعات وبيئات مختلفة.
«وقت حظر التجول فى العام 2013 تم احتجازنا قرب كمين عسكرى، بسبب أحداث عنف وقعت جواره، وأصيب أهلى بالذعر، بعد أن قضينا ساعات دون حركة، وانقطع الشحن عن هواتفنا المحمولة. كانت تجربة سيئة»، هذا ما تتحدث نهى عبدالفتاح عن إحدى المهام التى قامت بها.
وتبدو نهى راضية عما تحققه من خبرة وتميز، لما تلمسه من سمعة طيبة لمن يحترفون العمل الميدانى فى داخل الوزارة، وحسب المادة 89 من القانون رقم 12 لسنة 2003، فإنه «يصدر الوزير المختص قرارا بتحديد الأحوال والأعمال والمناسبات، التى لا يجوز فيها تشغيل النساء فى الفترة ما بين الساعة السابعة مساء والسابعة صباحا». ورغم هذه الصيغة إلا أن قانون العمل فى الوقت نفسه لا يحظر عمل النساء فى هذه الأوقات بشكل قاطع. لذا فإن بعض الآراء المدافعة عن حق المرأة فى العمل قد اقترحت تعديلات على قانون العمل، ومنها ما قدمته مؤسسة المرأة الجديدة، عن تعديل مواد مثل المادة رقم 91 الخاصة «بتحديد الأعمال الضارة صحيا أو أخلاقيا وكذلك الأعمال الشاقة وغيرها من الأعمال التى لا يجوز تشغيل النساء فيها». وهو ما اعتبره البعض نوعا من تمييز غير المستحب ضد المرأة.
ترى مى صالح الباحثة فى مؤسسة المرأة الجديدة، أن الهدف من الاعتراض على مثل هذه المواد، يأتى سعيا لإغلاق باب التمييز بين المرأة والرجل، فقد ترغب امرأة فى العمل على مسئوليتها فى أى مجال، لذا فإن المؤسسة تقترح فتح المجال، بأن تكون هناك موافقة كتابية على الأعمال التى قد تمثل خطورة.
وتضيف قائلة: «الأصل هو الإباحة وليس التقييد فى العمل، وعلينا ألا نفتح المجال لفكرة أن هناك ما يناسب المرأة ومالا يناسبها، حتى لا يصبح ذلك بابا للتضييق، خاصة حين نعلم أن هناك قضايا أخرى متعلقة بعمل المرأة، مثل التمييز فى الأجور».
وسط تلك الصعوبات التى تواجهها شريحة من النساء فى العمل الليلى، لكن الصورة العامة لعمل المرأة توضح صعوبات أخرى خاصة بأجور المرأة فى مقابل أجور الرجل، إذ يبلغ متوسط دخل الفرد الأسبوعى للعاملين الذكور فى كل من القطاع العام والأعمال العام والقطاع الخاص هو 769 جنيها، بينما يبلغ متوسط الأجر الأسبوعى للعاملات الإناث 714 جنيها، وذلك حسب أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فى تقريره السنوى لإحصاءات التوظيف والأجور وساعات العمل.
وتكشف تجربة التواصل مع عدد من النساء اللاتى يضطررن إلى العمل فى أوقات متأخرة من الليل، قد كشفت عن أمور تجمعهن، رغم اختلاف ثقافتهن، من أهمها أنهن لا يبدين فخرا بالعمل لأوقات متأخرة من الليل، بل رفض عدد منهن الحديث عن تلك التجربة بسبب ما يرد فى أذهان البعض من ارتباط بين العمل ليلا للمرأة والصورة النمطية عن سوء السلوك.
PDF

Thursday, July 31, 2014

الطبقة الوسطى.. حصار بين السياسة والاقتصاد

هبة الليثى: أصحاب الدخل الثابت هم الأكثر تضررا من غلاء الأسعار
تختلف مساحة الطبقة الوسطى لكنها تمثل الأغلبية بين الفقراء والأثرياء

عبدالرحمن مصطفى
قبل أسابيع قليلة من توليه رئاسة الجمهورية، صرح عبدالفتاح السيسى فى لقاء ضمن حملته الانتخابية بأن «الطبقة الوسطى قد تآكلت، حتى أصبح الناس يمارسون الفساد بصورة عادية». لم تكن تلك العبارة سوى بداية جدل يزداد يوما بعد يوم حول مستقبل الطبقة الوسطى، بعد قرارات تخفيض الدعم على الوقود والطاقة. وبينما ينظر الفقير إلى من ينتمون إلى الطبقة الوسطى على أنهم ميسورو الحال، فإن بعض أبناء الطبقة الوسطى يستشعرون القلق من صعوبة المعيشة مقارنة بطموحاتهم، ما يضفى حالة من الضبابية على ملامح هذه الطبقة العتيدة.هناك مشكلة قديمة فى تعريف الطبقة الوسطى، إذ وضع العلماء محددات اختلفت من فريق لآخر، فهناك من اهتم بدراسة دورها فى عملية الانتاج، وهناك من اهتم بدراسة الدخل ومستوى التعليم والحرفية المهنية، لكن تظل الطبقة الوسطى فى النهاية هى الطبقة الوسيطة بين الكادحين والميسورين». الحديث هنا لعمرو عادلى الباحث الاقتصادى فى مركز كارنيجى للسلام العالمى، الذى يوضح أن ملامح الطبقة الوسطى المصرية قد تشكلت فى فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ويضيف قائلا: «فى تلك الحقبة تكونت صورة الطبقة الوسطى بسبب التوسع فى عملية التعليم، واندماج الكثيرين فى الجهاز الإدارى للدولة وفى القطاع العام، أما ظهور القلق على مستقبل هذه الطبقة، فقد بدأ مع فترة التحول إلى النظام الرأسمالى فى عهد السادات، حين لم يعد الموظف الحكومى فقط هو من يعبر عن الطبقة الوسطى».
لم يعد سرا أن فترة الستينيات كانت أكثر الفترات أمانا للطبقة الوسطى المصرية، وهو ما سجلته كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولى فى مايو الماضى، حين ذكرت أن نصيب الطبقة الوسطى المصرية من ثروة المجتمع فى الستينيات، كان أكثر مما هو عليه حاليا. حتى جاءت نهاية السبعينيات فأحدثت هزة عظيمة فى صورة الطبقة الوسطى التقليدية، ويضرب عمرو عادلى الباحث الاقتصادى مثلا على هذه النقطة تحديدا، بما جسدته رواية الحب فوق هضبة الهرم، للكاتب نجيب محفوظ، حين عرضت أزمة شاب ينتمى إلى الطبقة الوسطى، يعمل موظفا حكوميا، ولا يجد وسيلة للزواج بمن يحب، بينما تضطر عائلته تزويج ابنتها من «سباك» لديه القدرة على توفير المسكن والحياة الكريمة.
حسب الأرقام التى أوردها الكاتب جلال أمين فى كتابه «ماذا حدث للمصريين»، فإن الطبقة الوسطى قد تمددت ست مرات فى الفترة من 1952 – 1991، وتبعا لحساباته ــ التى أوردها فى الكتاب نفسه ــ فإن هذه الطبقة كانت تمثل حوالى 19% من المجتمع فى العام 1955، بينما وصلت النسبة إلى 45% فى العام 1991. وتختلف أساليب تقدير نسبة الطبقة الوسطى من المجتمع، وهو ما أوجد تقديرات مختلفة لنسبتها الحالية، إذ تتأرجح تلك التقديرات بين 60% و 84% من المجتمع المصرى، بسبب اختلاف طرق وأساليب تقدير الطبقة الوسطى فى مصر.
تقلبات الزمن
طرح باحثون تصورا لأربعة تقسيمات طبقية فى العام الماضى، ضمن دراسة تحت عنوان: نهج جديد لقياس الطبقة الوسطى، صدرت عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربى آسيا التابعة للأمم المتحدة «الإسكوا»، معتمدين فيها على قياس حجم الإنفاق والاستهلاك لكل طبقة من تلك الطبقات الأربع، وكانت التقسيمات كالآتى: الطبقة الثرية، والطبقة الوسطى، ثم الطبقة الدنيا المعرضة للخطر، وتأتى الطبقة الفقيرة فى قاع هذا التصنيف. وأظهر العرض البيانى أن ذروة نمو الطبقة الوسطى كانت فى الفترة من سنة 2000 إلى 2005 ، حين بلغت نسبتها 51.8% من المجتمع المصرى، ثم انكمشت بعد ذلك حتى وصلت إلى 44% فى العام 2011. فى حين بلغت نسبة الطبقة الثالثة (المعرضة للخطر) 23.7% من السكان فى العام 2011، وفى ذيل هذا التصنيف، حازت الطبقة الفقيرة على نسبة 25.2% من السكان.
«مع الاجراءات الاقتصادية الأخيرة فى تخفيض دعم الدولة عن الوقود، ومع ازدياد الأسعار، هناك توقع بأن تنتقل كتلة من الطبقة الثالثة المهددة اقتصاديا إلى الطبقة الفقيرة، ومن المتوقع أن يزداد التهديد بشكل خاص لأصحاب الدخل الثابت، الذين لا يملكون فرصا أخرى لتنمية دخلهم». هذا ما تذكره هبة الليثى أستاذة الإحصاء بجامعة القاهرة، وأحد المشاركين فى الدراسة السابقة.
وترى هبة الليثى أن وضع الطبقة الثالثة «المهددة اقتصاديا»، يجعلها أقرب إلى الطبقة الوسطى عن الطبقة الفقيرة، إذ يحدد الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، قيمة خط الفقر القومى بقيمة 327 جنيهًا للفرد فى الشهر، كما حدد احتياج الأسرة المكونة من 5 أفراد لسد احتياجاتها الأساسية بمبلغ 1620 جنيها شهريا، أما ما هو أدنى من ذلك فيندرج ضمن الطبقة الفقيرة.
فى أوقات التهديد الاقتصادى يتحايل أبناء الطبقة الوسطى على الأزمات، مستخدمين فى ذلك عدة أساليب. منها تقليل الأنشطة المكلفة مثل الرحلات والترفيه، وتقليل الاستهلاك فى الغذاء والملبس والمسكن، والبحث عن عمل إضافى، إلى جانب استغلال ما لديهم من اصول ثابتة لجلب الأموال، مثل تأجير العقارات. هذا ما رصده مهدى القصاص أستاذ علم الاجتماع فى جامعة المنصورة فى دراسة سابقة عن الطبقة الوسطى المصرية، ويعلق على تلك النقطة قائلا: «هناك أمور خفية لا تذكر فى الأوراق البحثية أو فى الإحصاء، منها أنه قد يكون هناك اثنان فى مهنة واحدة مثل التدريس، ونجد أحدهم فى المستوى الأدنى من الطبقة الوسطى، والآخر فى مستوى أعلى بسبب ما يربحه بشكل غير رسمى من الدروس الخصوصية.. لذا فإن ملامح الطبقة الوسطى فى مصر معقدة ومتشابكة». هذا ما يذكره مهدى القصاص أستاذ الاجتماع.
وبمقارنة الطبقة الوسطى مع الطبقة الفقيرة، تتضح بعض نقاط القوة لدى أبناء الطبقة الوسطى، توفر لهم القدرة على مواجهة التقلبات الاقتصادية، منها ميزة التعليم، إذ لا تتجاوز نسبة الفقر بين الجامعيين سوى 8%، بينما تبلغ نسبة الفقر بين الأميين 37%، وكذلك نجد أن 60% من أبناء الطبقة الفقيرة يعملون خارج المنشآت الخاصة أو الحكومية، ما يمثل تهديدا دائما فى أرزاقهم، بينما تقل النسبة إلى 36% فى الطبقتين الوسطى والغنية. وذلك حسب بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء.
وبينما تمتد الطبقة الوسطى لتشمل ملايين العاملين فى الحكومة والمهن الحرة والقطاع الخاص، إلا أن اهتمام الحكومات غالبا ما ينصب على فئة العاملين فى الحكومة، فهم الكتلة القديمة للطبقة الوسطى التى أسستها الدولة، وهى الفئة التى حاولت الدولة طمأنتها بنواياها فى تطبيق الحدين الأدنى والأقصى للأجور، ويعلق عمرو عادلى الباحث الاقتصادى فى مركز كارنيجى للسلام العالمى قائلا: «من أسوأ ما نراه فى بلد يعانى اقتصاديا مثل مصر، هو سلوك الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، التى استنزفت الدعم الحكومى، فى الوقت الذى يغيب فيه صوت الفقراء عن المشهد».
 **
طبقة الأفندية.. مصلحتك أولا

تكاد تنحصر صورة الطبقة الوسطى قبل ثورة 23 يوليو فى صورة الأفندى الذى يناضل ضد الاحتلال البريطانى، وهى الصورة التى كررتها العديد من الأعمال الأدبية والدرامية.. لكن الواقع لما يكن بهذه المثالية، فكثيرا ما كان يفكر أبناء الطبقة الوسطى فى مصلحتهم أولا على حساب من هم أدنى فى السلم الاجتماعى. وفى دراسة تحت عنوان «الطبقة الوسطى المصرية بين الوعى الطبقى والوعى الاجتماعى» ذكر المؤرخ الراحل رءوف عباس أن أبناء الطبقة الوسطى لم يحرصوا بجدية على النهوض بالطبقات الدنيا والفقراء فى المجتمع، بل اهتموا بضمان استقرار مصالحهم.
لذا فإن صورة الأفندى المناضل بالبدلة والطربوش، لم تكن معبرة عن الموقف العام للطبقة الوسطى كلها، وهو ما يتشابه حاليا مع ما رآه البعض فى ثورة 25 يناير واعتبارها ثورة الطبقة الوسطى، إذ يرى آخرون أنها لم تعبر سوى عن شريحة منها، وأن الطبقة الوسطى على مدار التاريخ كانت أعقد من أن يكون لها موقف سياسى واحد.
«حين نتحدث عن الطبقة الوسطى، فنحن لا نتحدث عن طبقة لها موقف سياسى موحد، فطوال الوقت كانت هناك فئات موالية للسلطة، وأخرى معارضة تعيش حالة من التهميش، كذلك فإن الطبقة الوسطى لا تتبنى ثقافة واحدة، بحكم الاختلافات الموجودة داخلها». هكذا يصف عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ الحديث فى جامعة حلوان، تطور الطبقة الوسطى منذ نشأتها الأولى. ويعتبر أن نشأتها الحقيقية قد تزامنت مع فترة حكم محمد على، حين تلقى أبناؤها الأوائل تعليما مهنيا متخصصا، وخاض بعضهم تجربة الدراسة فى الخارج، ثم احتوتهم الدولة فى إداراتها، فى حين ساءت أحوال هذه الطبقة فى فترة الاحتلال البريطانى، حين فرضت سلطات الاحتلال رسوما على التعليم.
أما إذا ما بحثنا عن جذور أقدم للطبقة الوسطى المصرية، فتصف نيللى حنا أستاذ الدراسات العثمانية فى الجامعة الأمريكية، أحوال هذه الطبقة فى كتابها «ثقافة الطبقة الوسطى فى مصر العثمانية»، حيث تعرض نقاطا مهمة ميزت تلك الطبقة قبل أكثر من ثلاثة قرون، مازال بعضها ممتدا حتى الآن، وأولى هذه المزايا هى تقدير العلم، بل وحرص بعض العائلات على اقتناء الكتب، أما فى مواقفها السياسية، فإن بعض أبناء هذه الطبقة قد شاركوا «العامة» أحيانا فى احتجاجاتهم على الولاة، لكن كل ذلك ظل فى نطاق ضيق بحكم صغر هذه الطبقة، مقارنة بالعصور التالية.
ويعود الدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ الحديث فى جامعة حلوان، ليوضح أن ثقافة الطبقة الوسطى السياسية قبل 100 عام، ما زالت لها تأثيرها حتى اليوم، فهى مزيج من تأثر بالحضارة الغربية والأفكار الليبرالية، وحضور للفكر الدينى، إلى جانب الارتباط بالعادات والتقاليد والنزعة المحافظة، وأخيرا فى وجود تيار اشتراكى لدى بعض الفئات.
وتلقت الطبقة الوسطى اتهامات بأنها تخلت عن الاصطفاف حول مشروع قومى بعد سياسة الانفتاح الاقتصادى فى نهاية عهد السادات، وأنها سعت إلى التركيز على مصالح أفرادها، دون إبراز ولاء أو تضحيات وطنية، وهو ما يجعل أبناء الطبقة الوسطى فى مرمى النيران طول الوقت، بين من يعلى من دورها الوطنى، وآخرون يرونها قد تخلت عن هذا الدور إلى الأبد.

«مستورة الحمدلله» شعار من هبطوا إلى الحد الأدنى

الأزمات المالية تتطلب مهارات جديدة فى مواجهة الحياة

تبدلت حياة أمل يوسف، الأرملة الخمسينية، حين ألقت بها الظروف الاقتصادية من حياة مستقرة فى سكن راق إلى ظروف أسوأ، جعلتها ضمن الشريحة الأدنى من الطبقة الوسطى، فبعد أن ساهمت فى تعليم ابنتها الوحيدة فى مدرسة خاصة، وعاشت حياة اجتماعية أكثر ثراء، أصبح دخلها الحالى مقتصرا على 1200 جنيه شهريا، هو قيمة معاش زوجها المتوفى، أما السبب الرئيسى الذى أطاح بها إلى مستوى المعيشة الأقل، فهو فقدانها نصيبها الشرعى من ميراث الزوج نتيجة خلافات عائلية.
«أدعو الله أحيانا ألا يتعرض أحد لتجربتى فى الانتقال من حياة متيسرة إلى حياة أفقر، فأنا الآن أبحث عن الصبر فى سيرة الرسول الكريم، الذى كان يمر بفترات لا يُطهى فيها الطعام فى منزله لأسابيع ويكتفى بالتمر والماء». هكذا تلخص أمل قصتها وهى تحاول أن تتعايش مع نمط حياة جديد، يعتمد على دخل محدود، لكنها تحاول طول الوقت أن تبتعد عن نمط حياة البسطاء ما جعلها على غير دراية بإمكانية الحصول على ما توفره الدولة من دعم قد يساندها فى معيشتها، لذا فقد حاولت الاعتماد على نفسها بشكل كامل. على سبيل المثال فهى لم تلتفت إلى أهمية إصدار بطاقة تموينية تساعدها فى الحصول على سلع مدعمة، رغم استحقاقها ذلك، وتنفق أمل على حد قولها 900 جنيه شهريا على السكن والمعيشة، حيث تسكن فى مساكن التعاونيات فى مدينة السادس من أكتوبر، ولا يتبقى لها من فرص زيادة الدخل سوى بعض الأعمال الخاصة التى كانت توفر لها حوالى 500 جنيه إضافية، وهو ما فقدته مؤخرا.
«ما حدث معى أنه قد استغل بعض أقارب زوجى فترة مرضه، وأجبروه على توقيع تنازل عن ممتلكاته، ولم يعد لى سوى معاشه، وحتى الآن ما زلت مصدومة من أنه لا توجد وسيلة فى القانون تحمى الأرملة فى مثل هذه المواقف، حين تجد نفسها محرومة من حقها الشرعى فى الميراث». تستكمل أمل يوسف حديثها، موضحة المعاناة التى يمر بها من يعيش ضمن الشريحة العليا فى الطبقة الوسطى، وتجبره الظروف على النزول إلى الشريحة السفلى من نفس الطبقة، لذا بدأت أزمتها حين رفضت فكرة السكن فى منطقة عشوائية، كى لا تضغط على ابنتها نفسيا التى تدرس فى المرحلة الجامعية»، أصبحت أفكر عدة مرات قبل الذهاب إلى الطبيب، بسبب ما قد يتطلبه الأمر من مصاريف وأدوية، وأنا لم أعتد على طلب المساعدة من أحد». رغم هذه التطورات فى حياتها، فهى لا تعتبر نفسها من أبناء الطبقة الفقيرة.
وتوضح مؤشرات «بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك» الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، أن قيمة خط الفقر القومى هو 327 جنيهًا للفرد فى الشهر، أى أن أسرة صغير مكونة من أرملة وابنتها مثل أسرة أمل يوسف، لا تندرج ضمن الأسر الفقيرة، بل يمكن تصنيفها بأنها فى الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة، وبسبب حيرتها فى كيفية التعايش مع هذا الوضع المادى الطارئ، بدت زاهدة فى الحصول على ما توفره الدولة من الدعم.
«مصاريف الكلية التى التحقت بها ابنتى تتكلف 3000 جنيه سنويا، واستطعت توفيرها العام الماضى، لكنى لا أستطيع التفكير فى أن أجعلها تخوض تجربة إجراء بحث اجتماعى على أسرتها من أجل تخفيض المصاريف أو الاعفاء منها، الحياة مستورة الحمدلله». وهنا تتحدث وكأنها ما زالت فى مستواها الاجتماعى السابق، وهو ما يزيد من إحساسها بأزمة ميسورى الحال، حين يمرون بأزمات مالية عنيفة.
حاولت أمل أن تدشن مشروعاتها الخاصة، واندمجت فى عالم الانترنت قليلا من أجل تسويق منتجاتها، وكانت أولى تجاربها مع تجهيز الخضار للنساء العاملات كى يتم تجميده وإعادة استخدامه فى أى وقت، وكانت تبيع الكيس الواحد أقل من سعر كيس الخضار المجمد من انتاج المصانع بحوالى 9 جنيهات، لكن تحريك الأسعار وقلة خبرتها فى إدارة مثل هذه المشروعات، جعلها تخفق فى التجربة، حيث لم تستطع أن تضع سعرا ثابتا لمنتجاتها مع تحرك الأسعار، أو إيجاد الزبائن، فى الوقت الذى يقدم فيه بعض النساء الريفيات نفس الخدمة، ويبيعونها فى الشارع.
بعدها انتقلت إلى تجربة أخرى فى صنع ملابس المطبخ، لكنها لم تنجح فى تسويقها، بسبب اعتماد المحلات على الصناعات الصينية، وتشبع السوق بها.
«حاولت حشد مجموعات على الانترنت من أجل إقامة مشروعات تجارية تفيد أمثالى، لكن المشكلة هى ضعف العزيمة، على عكس ما وجدته من نجاح فى مشروعات السوريين التجارية فى مدينة 6 أكتوبر التى أعيش فيها حاليا». وفى حديثها تطرح أفكارا عن ضرورة أن يكون هناك سكن حكومى لشرائح من المجتمع، مثل الأرامل، وأن يكون هناك اهتمام حكومى بتعليم أمثالها كيفية كسب الأموال، دون الاعتماد على دعم عينى.
تستعيد أمل ذكريات سنوات قضتها فى حياة أفضل من حياتها الحالية، وليس أمامها سوى حلم وحيد، يوفر لها الانتقال إلى درجة أعلى فى الطبقة الوسطى، بأن تقيم مشروع حضانة للأطفال، يلائم ثقافتها، ويوفر لها دخلا أكبر.
**
أثرياء الطبقة الوسطى

بعد تحريك أسعار بعض السلع وارتفاع سعر الوقود، كتب أحمد فراج الشاب الثلاثينى بعض المصروفات التى تنفقها أسرة من الطبقة الوسطى التى ينتمى إليها، ونشر هذه التقديرات على حسابه الخاص فى شبكة فيسبوك. وفى دقائق تبادل المئات ما كتبه الشاب الذى يعمل فى أحد البنوك المصرية، وتوالت ردود الأفعال المعادية تجاهه، واعتبروا ما كتبه نوعا من الاستفزاز لهم، وأن أمثاله لا يندرجون تحت بند الطبقة الوسطى.
كان ضمن ما كتبه، أن أبناء طبقته ينفقون على تعليم أبنائهم من 15 ألفا إلى 50 ألف جنيه سنويا كمصاريف دراسية، وغالبا ما يمتلك كل من الوالدين سيارة شخصية، وتتكلف مصاريف الطعام فى المنزل حوالى 2000 جنيه شهريا. وقد صدمت هذه الأرقام العديد من مستخدمى الفيسبوك، خاصة حين ذكر الشاب بعض المصاريف الجانبية، مثل السفر سنويا للتصييف فى الساحل الشمالى مقابل 4000 جنيه، أو شراء حذاء رياضى ثمنه من 400 إلى 700 جنيه.
وكتب فى ختام ما ذكره قائلا: «كل الحاجات دى، والمصاريف دى، وييجى واحد يقولك زيادة البنزين هتقضى على الطبقة المتوسطة !!».
لم يكن يدرك أن كلماته سيتناقلها الآلاف والعديد من صفحات الفيسبوك وتويتر، حتى نال نصيبه من التعليقات التهكمية، واضطر إلى حذف ما كتبه، وكتابة توضيح أشد قسوة قائلا إن ما ذكره لم يبتعد عن الواقع الذى يعيشه، هو وأصدقاؤه من الطبقة الوسطى، ثم كتب بعدها واصفا أسلوب معيشة الأثرياء، الذين لن يصل أبدا لمستواهم.

Saturday, May 11, 2013

مطلوب ضبط وإحضار عبر الفيس بوك

 استخدام الصورة للكشف عن الجناة 

عبدالرحمن مصطفى:
إلى كل المرضى والمشككين.. تأملوا لتعرفوا من البلطجى ومن أتباعه»، التعليق السابق من صفحة «إمسك إخوان» على شبكة فيس بوك الاجتماعية. كتب مدير الصفحة هذا التعليق أسفل صورة لشاب يحمل أداة حديدية ويحيط رأسه بشعار جماعة الإخوان المسلمين، أثناء اشتباكات جمعة تطهير القضاء فى ابريل الماضى. وعلى الجانب الآخر، داخل صفحة محسوبة على التيار الإسلامى، رفع مدير الصفحة صورة ناشط يسارى وهو يضرب أحد أفراد جماعة الإخوان المسلمين أثناء أحداث المقطم فى مارس الماضى، داعيا لضبطه وإحضاره. وكلا الطرفين يتعامل مع نشره الصور على أنه طلب ضبط وإحضار لأصحاب الصور على أمل تحويلهم للمساءلة الجنائية، وأن على الجهات المسئولة أن تتحرك.
قبل سنوات وتحديدا فى العام 2008 كانت هناك مبادرة هى الأولى من نوعها فى اعتمادها على نشر صور الأفراد من داخل الاشتباكات والفاعليات المختلفة، واقتصرت فى ذلك الوقت على نشر صور أفراد الشرطة وضباط أمن الدولة مع نشر بياناتهم المتاحة، وسميت المبادرة وقتها «موسوعة الجلادين».
«فى تلك الفترة قبل الثورة بسنوات كنا نحاول فقط كسر حاجز الخوف تجاه جهاز الشرطة، فقد نشرت صور ضباط مشتبه فى ارتكابهم جرائم تعذيب، وضباط وأمناء آخرين وجدوا فى المظاهرات والفاعليات، فقمنا بتوثيق وجودهم لتسهيل التعرف عليهم إذا ما تعدوا القانون، ووقتها كان الأمر أشبه بمغامرة فى مواجهة الشرطة.. لكن الأمر الآن فى 2013 أصبح مختلفا تماما عما كنا نفعله فى 2008». هذا ما توضحه نهى عاطف، الباحثة بالإعلام الاجتماعى بجامعة برمنجهام سيتى البريطانية، التى شاركت فى تأسيس فكرة موسوعة الجلادين قبل سنوات.
أما فى العامين الأخيرين فقد حركت لقطات الفيديو والصور عددا من قضايا الرأى العام، وعلى رأسها قضية «قناص العيون» الملازم أول محمود الشناوى بعد تداول فيديو له وهو يصوب فوهة الخرطوش نحو المتظاهرين فى أحداث محمد محمود عام 2011، إذ تناقل مستخدمو الانترنت ذلك الفيديو، كما تداول آخرون رقم هاتفه وبياناته الشخصية. لكن السؤال الآن الذى يدور فى رأس كثيرين من ناشرى صور مخترقى القانون على الانترنت هو لماذا لا يتم القبض على المخالفين رغم تداول صورهم على شبكات التواصل الاجتماعية بكثافة؟
يعلق المحامى الحقوقى جمال عيد، مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان، على ذلك قائلا: «هذا التساؤل الذى يطرحه بعض الشباب على الانترنت هو تساؤل مشروع، خاصة أنه يتكرر بعد كل أحداث عنف واشتباكات، والحل يتلخص فى أمرين، إما أن يقدم أحدهم بلاغا مستندا إلى الصور والفيديوهات التى يعتقد أنها تدين أحد الأشخاص، أو أن يكون الأمر بيد النيابة العامة التى يمكنها فتح التحقيق فى قضية ما، ويمكن فى تلك الحالة استخدام الصور والفيديوهات كقرينة ضد المشتبه بهم، لكن الواقع أن النيابة العامة لا تتحرك فى بعض الحالات وتتباطأ فى حالات أخرى».

صهيب مجرد طالب ماجستير
يصعب الاعتماد بشكل كامل على المعلومات المصاحبة لصور المتهمين بالتخريب والاعتداء، إذ تنشر بعض الصفحات الالكترونية معلومات مضللة عن صور من داخل الاشتباكات بهدف الإثارة فقط، بعيدا عن الغرض الأصلى من النشر.. هذا ما حدث مع صهيب محمد إمام ــ العضو الشاب فى جماعة الاخوان المسلمين ــ بعد تداول صورة اعتدائه على ناشطين وصحفيين أمام مقر جماعة الإخوان المسلمين فى مارس الماضى، وقدمته بعض الصفحات على الانترنت على أنه مرة فرد من حركة حماس، وصفحات أخرى قدمته على أنه الحارس الشخصى لنائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، المهندس خيرت الشاطر، تلك المعلومات تم نفيها بواسطة الوسيلة نفسها، بتدشين صفحات على الفيس بوك يديرها نشطاء إسلاميون أكدوا فيها هوية صهيب وأنه مجرد طالب ماجستير فى مجال إدارة الأعمال قد أعماه الغضب فى ذلك اليوم.. انتهت القصة بأن صدر فى حق صهيب قرار ضبط وإحضار، ولم يتم القبض عليه سوى بعد أسابيع من ذلك القرار، لكن تبقى المعلومات الملفقة عنه متاحة على الانترنت إلى اليوم.
تعود نهى عاطف ــ الباحثة فى الاعلام الاجتماعى ــ لتعلق على تلك النقطة تحديدا بقولها: «الحقيقة أنه قد تعددت منصات الاعلام الاجتماعى، ومبادرات المستخدمين، على عكس الوضع قبل سنوات، حين كانت المدونات الالكترونية ذات عدد أقل، وهناك وضوح لنشطائها، لكن مع انتشار استخدام الاعلام الاجتماعى بهدف نشر معلومات عن المخالفين للقانون يجب أن يأخذ المستخدمون حذرهم من المعلومات المصاحبة للصور، وأن يقوموا بدور إيجابى فى نشر المعلومات الحقيقية»، فقد بلغ عدد مستخدمى الانترنت فى مصر نحو 32 مليون مستخدم منهم 13 مليون مشترك فى شبكة فيس بوك الاجتماعية.

«شفت تحرش»
 بعيدا عن هذا النوع من الصور، فلا يقتصر نشر صور المخالفين للقانون على المشاركين فى أحداث عنف أو اشتباكات، إذ تعتمد مبادرة مثل «شفت تحرش» على نشر صور متحرشين على صفحة المبادرة فى شبكة فيس بوك الاجتماعية، ولا يكتفى القائمون على المبادرة بذلك فقط حسبما توضح عزة كامل ــ الكاتبة ومنسقة حملة «شفت تحرش» ــ، إذ تقول: «الأمر لا يتقصر على نشر صور التقطها الضحايا أو المتطوعين، بل فى متابعة مثل تلك التحرشات مع فريق من المحامين لاتخاذ الاجراءات القانونية ضد المتحرشين». كيف يمكن التأكد من حقيقة الصور المنشورة إن كانت فعلا لمتحرشين أم لا؟ تشرح ذلك عزة كامل موضحة أن هناك تحريات تجرى على كل صورة من خلال فريق المبادرة، وأن مصداقية المبادرة تقوم على نشر معلومات حقيقية. وفى كل الحالات تظل القاعدة نفسها هى الفيصل، سواء فى مبادرة «شفت تحرش» أو فى صفحات أخرى تنشر صور مخترقى القانون أثناء الاشتباكات، وتقول القاعدة إنه إما أن يقدم أحد المواطنين بلاغا إلى الجهات المختصة مستخدما الصور والفيديوهات كقرينة اتهام أو أن تتحرك النيابة العامة لمنع الجدل المتجدد عبر الانترنت، والذى تنتقل أصداؤه إلى الشارع فيما بعد.

عزيزى المستخدم..رجاء التأكد قبل النشر

عبدالرحمن مصطفى:

ليست كل محاولات استخدام الصورة لدعم قضية أو للكشف عن جناة تحمل فى مضمونها نوايا بريئة طوال الوقت، فهناك عدد من صفحات شبكة فيس بوك الاجتماعية يستخدم معلومات مضللة لأهداف دعائية أو سعيا وراء الإثارة. أحد الأمثلة التى تكرر وجودها فى الأسابيع الماضية كانت صورة لشاب إيرانى يلوح بيده مبتسما بكل ثقة وحول رقبته حبل المشنقة قبل لحظات من إعدامه، المفارقة أن تلك الصورة استخدمت فى صفحات إسلامية وصاحبها تعليق يقول: «لله درك يا حفيد أبوبكر وعمر بن الخطاب»، مع الادعاء بأن صاحبها هو حسين خضرى الشهيد السنى الكردى الذى تم اعدامه من النظام الشيعى الإيرانى لنشاطه السنى، وذلك على حد وصف الصفحة. وفى ذات الوقت استخدمت الصورة نفسها دون تغيير فى صفحات مسيحية مع تعليق «أنا فخور لأنى مسيحى» مع تعريف آخر بصاحب الصورة على أنه شخص اعتنق المسيحية ورفض العودة للإسلام فقتلة النظام الايرانى، أما التقديم الثالث فكان من نشطاء يساريين قدموه على أنه شهيد الحرية ضد نظام القمع فى إيران.. أما حقيقة الصورة فكانت أبسط من ذلك بكثير، فهى لشاب أدين بقتل قاض واعترف بارتكاب جرائم سابقة، وتم اعدامه علنا بهذه التهمة.
تم نشر حقيقة الصورة التى ذاع صيتها أخيرا فى صفحات عديدة منها صفحة (هجص (hoax على فيس بوك التى تخصصت فى كشف زيف العديد من الصور من نفس النوعية، ويصف القائمون على الصفحة هدفهم قائلين: «صفحتنا تتابع أى كذب منتشر بين الناس، وتحاول أن تكشفه لهم، سواء فى الدين أو العلوم أو التاريخ أو الثقافة أو السياسة».
ورغم تلك المحاولات إلا أن مثل تلك الصور المضللة لا يتوقف انتشارها فى الشبكات الاجتماعية، ومازال هناك من يستخدم صورا خارج سياقها الأصلى لخدمة هدفه السياسى أو الدينى. على سبيل المثال، يتكرر المشهد نفسه فى صفحة «حركة قادمون الاسلامية» على الفيس بوك، حيث ترفع الصفحة صورا لآسيويين مقتولين أو لرهبان بوذيين يحرقون جثثا ميتة، وتزعم أنها صورا من حملة إبادة المسلمين فى بورما، ووسط هذا الركام من الصور يتلقون تعليقات توضيحية من نوعية: يا جماعة هذه الصورة من زلزال التبت وليست من بورما رجاء التأكد قبل النشر. لكن تستمر التعليقات الغاضبة، ويستمر نشر الصور دون الالتفات لأى تصحيح. وتخدم حالة الشحن التى تقوم بها الصفحة لأعضائها الذين جاوزوا 25 ألف عضو فى إعدادهم نفسيا قبل أى فاعلية فى الشارع مثل الفاعلية التى أقامتها الحركة أمام سفارة بورما فى ابريل الماضى.
يمكن للمستخدم العادى للانترنت أن يتأكد بسهولة من أصل الصور التى تمر من أمامه على شبكات التواصل الاجتماعى مثل فيس بوك، ومن أبسط تلك الوسائل ما قدمه محرك بحث الصور فى موقع جوجل، فكل ما على المستخدم أن ينسخ رابط الصورة التى يشك فى محتواها أو فى طريقة استخدامها، ويضغط زر البحث فى محرك بحث الصور حتى تظهر له نسخا أخرى من الصورة نفسها فى عدة مواقع، ومن هنا يمكنه معرفة أصل الصورة التى أمامه.
إلى جانب ذلك فإن هاجس التأكد من المعلومات المتداولة على الانترنت قد أصاب الصحفيين التقليديين، ما دفع موقعا مثل شبكة الصحفيين الدوليين إلى نقل مقال عن كيفية التأكد من المعلومات المتداولة على موقع تويتر للتدوين القصير، فالكثير من الأخبار ينقلها مستخدمو تويتر عن أحداث، وأحيانا ما يتلقاها الآخرون بعفوية خاصة فى أوقات الاشتباكات والأحداث الساخنة، ويقدم الموقع عدة إجراءات للتأكد من صحة الخبر المتداول من أهمها: التأكد من حساب صاحب المعلومة على تويتر، والبحث فى محتوى مساهماته فى الفترة الأخيرة للتأكد من مصداقيته، والبحث عن اسمه فى محركات البحث مثل جوجل وجمع أى معلومات عنه أو عن نشاطه على الانترنت بشكل عام، وتأتى الخطوة الأخيرة فى التواصل معه بشكل مباشر للتأكد من مصداقيته، إلى جانب ذلك فهناك أساليب تقنية تفيد المتخصصين فى الاعلام الاجتماعى يمكن استخدامها للتأكد من مصداقية المعلومات المتداولة على الانترنت.

Sunday, April 21, 2013

من السوريات إلى النوبيين .. إعلانات خاصة وراءها حكايات

تنميط و تسويق
قد تخفي الاعلانات آلام شرائح عديدة من المجتمع ، سواء كانوا جزءاً أصيلا من نسيج الشعب أو حتى وافدين عليه بشكل مؤقت، إذ تستخدم الاعلانات عناوين تستدعي صورا نمطية لدى المتلقي، من نوعية مطلوب نوبي للتوظيف ، أو مطلوب فتاة محجبة ، أو مطلوب سكرتيرة حسناء، وغير ذلك. هنا يلعب المعلن لعبة مضمونة حين يخاطب صورة نمطية عن فئة من المجتمع، فيضمن جذب هذه الفئة إلى إعلانه ، وفي المرحلة التالية يراهن على أن يظل من جذبه الاعلان أسيرا لتلك الصورة النمطية إلى الأبد، فالحسناء عليها أن تظل حسناء مادام ذلك شرط الوظيفة، والمحجبة قد تفقد وظيفتها إذا ما خلعت الحجاب.
على أرض الواقع لا يحمل المعلن وحده ذنب تنميط الآخرين، بل قد ترسم بعض الفئات في المجتمع صورة نمطية عن نفسها تبرز قيم الصبر والقوة والأمانة ، ما يضمن لها مكانا في سوق العمل، وعلى الأجيال المتتالية أن تحافظ على تلك الصورة النمطية حتى يحتفظ القادمون بنفس السمعة المكتسبة. و في حالات أسوأ قد لا يكتفي المجتمع بالتنميط ، بل أحيانا ما يقوم بوصم فئات من المجتمع لنفس الأهداف التنافسية، فالشاب الخجول قد يكون هدفا لإعلان يكرس حالة الوصم تجاهه ويزيد من السخرية منه ، على أن يكون طوق النجاة لهذا الشاب في منتج يرفع عنه الوصم ، ويجعله رجلا كاملا . لذا ليس من المستهجن أن يكون أحد أشهر العناوين الملفتة في إعلانات الحائط بشوارع المدينة : مطلوب شباب بدون خبرة ، ففي هذه الحالة يأتي الشاب إلى وظيفة تتعامل معه كموصوم ، فيصبح في وضع لا يسمح له بمزيد من المطالب .
**
عبدالرحمن مصطفى
يجلس عبدالستار بازرباشى اللاجئ السورى الذى وفد إلى مصر قبل ثلاثة أشهر فقط إلى جوار عزت قاسم ــ مصرى الجنسية ــ صاحب المتجر المجاور فى مساكن عثمان، على أطراف مدينة 6 أكتوبر، يروى كل منهما عن المعاناة التى يتعرض لها الساكن فى هذه المنطقة قرب طريق الواحات، مع غياب الخدمات وانقطاع وسائل المواصلات، فمساكن عثمان ما هى إلا بلوكات سكنية شعبية كانت قد وفرتها الحكومة لبعض المصريين الذين فقدوا منازلهم. يوقف عبدالستار بازرباشى حديثه ثم يسأل: «ماذا تريد أن تعرف تحديدا؟ بالتأكيد جئت تسأل عن زواج السوريات من المصريين هنا!». اختار «بازرباشى» اللجوء إلى مصر قادما من دمشق، وترك عمله الأصلى كمدرس للغة العربية، هربا من طلقات الرصاص التى أصابت زوجته قبل انتقالهما إلى مصر. «اخترنا هذا البلد لأن موقفه واضح من القضية السورية، على عكس دول خليجية تدعم الجيش السورى الحر بالمال فقط، لكنها لا تستقبل لاجئا واحدا من سوريا». هذه الكلمات اللبقة تخفى مرارة ما يواجهه مع أسرته حين يستوقفهم أحد المارة ليسأله: هل تعرف فتاة سورية تقبل الزواج؟
هذا الموقف يتعرض له سوريون آخرون منذ شهور فى هذه المنطقة، بعد تعمد وسائل الإعلام وبعض الحقوقيين التلميح إلى أن هناك سوقا رائجة للزواج من اللاجئات السوريات فى مصر، وقد صنع الإلحاح على هذه الصورة كرة ثلج اتسع قطرها بمرور الوقت، دفعت مواقع الإنترنت إلى الاهتمام بصورة إعلان مغمور يصب فى نفس الفكرة، يقول الاعلان: «لدينا أخوات ملتزمات، ومحجبات، ومنتقبات، وسوريات». مثل هذا الإعلان أثار جدلا حول استغلال أوضاع اللاجئين السوريين فى مصر، وهو ما اضطر محمد عفيفى صاحب الإعلان إلى إغلاق هواتفه لعدة أسابيع، ورفض جميع الاستفسارات الهاتفية حول وجود سوريات لديه. وفى النهاية يعلق قائلا: «لم أكن أعلم أن الإعلان قد وصل إلى الإنترنت، فنحن وسطاء زواج للمحجبات والمنتقبات المصريات بالأساس»، وذكر صاحب الإعلان أن بعض الشباب البائس كان يسمع من شيوخ المساجد عن أسر سورية فى حالة مزرية تطلب الدعم المادى، فما كان من البعض إلا أن فكر فى استغلال الموقف، والسعى إلى الارتباط بفتاة منكسرة ذات مطالب قليلة.. هل نجح فى تزويج فتيات سوريات لمصريين؟ على حد عبارته: «لا لم أفعل ذلك».
فى ظل هذا الهوس تحولت منطقة مثل مساكن عثمان فى مدينة 6 أكتوبر إلى محط أنظار كثيرين، هنا يعود الحديث مرة أخرى إلى عبدالستار بازرباشى فى مساكن عثمان، وينضم إليه الشاب السورى أحمد عبدالواحد الذى علق بعصبية قائلا: «الإعلام صوّر منطقة مساكن عثمان على أنها منطقة مستباحة لراغبى الزواج من السوريات، هذه أوهام، ليس الأمر بتلك البساطة، أنا شاب سورى أعزب، ولم أفكر فى الزواج بهذه الطريقة من ابنة بلدى». يتوقف قليلا ثم يضيف بلهجة مصرية: «إحنا فـ إيه ولا فـ إيه؟!». هذه النبرة لم تمنعه من أن يشير إلى محاولات ما زالت تجرى لاصطياد الفتيات السوريات، ويروى قائلا: «فى المسجد المجاور خرجت بعض النساء بعد صلاة العشاء، وسألننى نفس السؤال المكرر: هل أمامك فتاة سورية يمكننا أن نوفر لها زوجا؟». هذا الموقف يؤكد استمرار وجود من أسماهم بالسماسرة، يظهرون على فترات متباعدة، على عكس آخرين يوجهون هذه الأسئلة بشكل عفوى دون هدف تجارى.
يعلق أحد النشطاء السوريين المقيمين فى مصر ــ تحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية ــ بقوله: «أعتقد أن الصخب المفتعل حول استغلال السوريات فى مصر هو نتيجة تصفية حسابات بين تيارات سياسية وتيارات دينية منخرطة فى العمل الخيرى بمصر، البعض مثلا روّج على الإنترنت قبل أشهر أن الشيخ خالد عبدالله دعا إلى زواج السترة بالسوريات، وهو ما نفاه الرجل تماما، أما الضحية الوحيدة فكانت سمعة النساء السوريات، بعد تصويرهن كسلعة تباع وتشترى، على عكس الواقع.. نحن نحافظ على كرامتنا فى مصر مثلما حافظنا عليها فى سوريا».
يختم الناشط السورى تعليقه بإضافة سيناريو آخر عن أن هناك من المحسوبين على نظام بشار الأسد من يتعمد تضخيم فكرة استغلال السوريات وتزويجهن تحت الإكراه، وهدفهم إرهاب السوريين فى الداخل حتى لا يفكروا فى اللجوء إلى دول مجاورة.
..
الشيخ شعراوى يغلق الهاتف
بعيدا عن هذه السيناريوهات، فإن الأمر يبدو أكثر عفوية فى عدد من المساجد التى ساهم بعض شيوخها فى التوسط بين عائلات سورية وشباب مصرى فى نطاق محدود، هذا ما جرى فى أحد مساجد حى إمبابة الشعبى، حين تقدم شاب وطلب الارتباط بفتاة سورية، وبحكم علاقة شيخ المسجد ببعض أسر اللاجئين فى مصر، فقد توسط لدى أسرة سورية، على أن يقدم الشاب تبرعا ماليا للمسجد، غير أن الزيجة لم تتم، بسبب توقعات العائلة السورية بأن يكفل العريس المصرى هذه الأسرة طوال فترة إقامتهم فى مصر، ورغم هذا الموقف إلا أن أحدا لا يرى شيئا مستهجنا فى تصرف شيخ المسجد، إذ إن الزواج عن طريق المساجد أمر مألوف لدى كثير من الشرائح الملتزمة التى تنتظم فى حضور الشعائر والأنشطة الاجتماعية.
«طوال الأشهر الماضية كانت تأتينى مكالمات من نوعية: هل فيه سوريات للزواج؟ فأغلق سماعة الهاتف فورا». العبارة للشيخ عادل شعراوى رئيس مجلس إدارة مسجد الخلفاء الراشدين بمدينة 6 أكتوبر التابع للجمعية الشرعية. هو نفسه قد اتهمه البعض بأنه متزوج من سوريات بحكم تحكمه فى التبرعات، ما جعله يشعر أنه بصدد حرب شرسة على الجمعية الشرعية فى رعاية اللاجئين بمدينة 6 أكتوبر، ويعترف بأن هناك أخطاء قد حدثت، مثل التعاون مع شخصيات سورية تبين فيما بعد أنها غير أمينة فى تعاملاتها، لكن هذه الأخطاء صنعت مادة إعلامية استخدمت ضد الجمعية الشرعية فى 6 أكتوبر.
وبحسب أرقام الشيخ عادل شعراوى فإن منطقة مساكن عثمان وحدها تضم 300 أسرة سورية تم تسكينها عن طريق مسجد الخلفاء الراشدين فى شقق سكنية يتكلف إيجارها 200 جنيه مصرى، ويعلق قائلا: «كنا سنغلق باب التبرعات للسوريين بسبب المشكلات المتتالية، سواء حين تعاملنا مع أشخاص غير مسئولين داخل الجالية، أو بسبب التشنيع الإعلامى، لكن هنا أريد أن أوضح أننا لسنا وسطاء زواج، ولسنا مسئولين عن أى صفقة تزويج خارج المسجد بين الأسر التى تفد علينا يوميا طلبا للمساعدات، أثناء جلوسهم أمام المسجد».
كان عدد من مساجد الجمعية الشرعية قد رفع لافتة تنفى إمكانية التوسط لدى أى أسرة سورية فى أمور الزواج، وكذلك سبقهم مسجد الحصرى فى نوفمبر الماضى حين أصدر بيانا ينفى مسئوليته هو الآخر عن تزويج السوريات، وذلك بعد أن استغل البعض أماكن تجمع السوريين أمام المساجد لغرض الوصول إلى فتيات سوريات فى ظروف اقتصادية سيئة، ورغم ذلك استمر الجدل فى الإعلام والأوساط الحقوقية حتى أيام قليلة مضت.
..
غجر مدينة نصر
ومع كل تلك الضغوط، يحاول أبناء الجالية الدفاع عن أنفسهم بمحاولات مثل ما قام به البعض من تقديم بلاغ إلى السلطات المصرية عن مجموعات ادعت أنها من اللاجئين السوريين، يعيش أفرادها فى خيام بمنطقة مدينة نصر، وينتمون إلى «الغجر»، بعد أن قاموا بالاحتيال على أهل الخير وباعوا التبرعات العينية بمساعدة مصريين. أما آخر الضربات التى مثلت ضغطا نفسيا شديدا على اللاجئين السوريين فقد كانت فى المذكرة التى تقدم بها الاتحاد العالمى للمرأة المصرية بهولندا إلى الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية، من أجل وقف زواج السوريات اللاجئات بمصر من الشباب المصرى مقابل 500 جنيه للزوجة، وقالت المذكرة إن هناك نحو 12 ألف حالة زواج خلال العام الماضى تمت بهذه الطريقة، ولم يكشف الاتحاد عن مصادر هذه الأرقام حتى الآن، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أرسل المجلس القومى للمرأة مؤخرا، خطابين إلى وزيرى الداخلية والعدل، مطالبا إياهما بالعمل على وقف ظاهرة زواج المصريين من اللاجئات السوريات، وعدم استغلال ظروفهن المعيشية السيئة، مشيرا إلى المذكرة السابقة وما تحمله من أرقام. ويوضح محمد عبدالسلام، المتحدث الإعلامى للمجلس القومى للمرأة، أن موقف المجلس القومى للمرأة كان فقط فى الإشارة إلى الأرقام المذكورة فى مذكرة الاتحاد العالمى للمرأة المصرية بهولندا، وليس تبنى هذه الأرقام كنتائج نهائية، ويضيف قائلا: «كنا قد أتحنا الخط الساخن بمكتب شكاوى المرأة فى المجلس، لتلقى شكاوى اللاجئات السوريات فى حالة إجبارهن على الزواج، وطوال عدة أسابيع مضت لم نتلق شكوى واحدة.. مثل تلك الزيجات فى الأغلب يتم باتفاق، ورضا بين الطرفين». وعلى الرغم من نفى العديد من السوريين أن يكون زواج السوريات من مصريين ظاهرة حقيقية، فإن الدليل الحقيقى على غياب مصداقية هذه الأرقام يبقى فى تفاصيل الأرقام نفسها. إذ تسجل المفوضية العليا لشئون اللاجئين لديها 50 ألف سورى، نصفهم من الإناث، وثلث هؤلاء الإناث فقط هن فى سن الزواج، أى نحو 8 آلاف سورية لسن كلهن عازبات، وعلى الرغم من أن تقديرات الحكومة المصرية لأعداد السوريين فى مصر ترفع الرقم إلى 100 ألف نسمة، فإن رقم 12 ألف حالة زواج سوريات من مصريين حسب تلك المذكرة، لا يوائم نسبة السوريين فى مصر، لذا تثير هذه الأرقام حفيظة الكثيرين، خاصة مع إعلان وزارة العدل مؤخرا عن أن تعداد حالات زواج المصريين من السوريات بشكل رسمى لم يتعد 170 حالة، منذ بداية عام 2012 وحتى 31 مارس 2013. ووسط كل ذلك يخفت صوت اللاجئ السورى، أمام مبالغات إعلامية وحقوقية، تزيد من الأعباء النفسية التى يواجهها، وتزيد من اغترابه فى داخل المجتمع المصرى.
**
 
مطلـــــــــوب نوبــــــــــــى للتوظيــــــــف
فى أحد شوارع حى الزمالك بالقاهرة، ترك أحدهم إعلانا على واجهات السيارات المركونة، كتب فيه: نتشرف بتوفير جميع أنواع العمالة النوبية من نوبة مصر، بالوظائف التالية: سائق، سفرجى، طباخ، حارس، مزارع، وفى أسفل الإعلان رقم هاتف للتواصل. وتلقى عدة مكالمات من بينها مكالمة لغرض مختلف تماما. «اتصل بى أحد الإخوة النوبيين، يعيب علىّ صيغة الإعلان، واعتبره مهينا للنوبيين..!». يشرح ضياء حسن ــ صاحب الإعلان ــ رد الفعل الذى تلقاه مؤخرا، ويستكمل قائلا: «فكرة الإعلان عفوية جدا، وكل هدفى هو أن أساعد من لا يجدون عملا من معارفى ومن أقاربى النوبيين، وأن أوصلهم إلى أرباب العمل». يعمل ضياء حسن (36سنة) سائقا محترفا منذ سنوات طويلة، وقضى 12 سنة سائقا خارج مصر فى دولة الإمارات، حيث عمل داخل قصر تملكه إحدى العائلات الشهيرة، وهناك توزع بعض أقاربه على عدة وظائف داخل القصر، فى حين كان هناك من أفراد عائلته أيضا من يعمل فى قطاعات أخرى فى الدولة بعيدا عن المهن المنزلية.
«فكرة الإعلان جاءتنى من العائلة التى أعمل سائقا معهم الآن، إذ رأوا أننى أسعى طوال الوقت لخدمة أقاربى ومعارفى، فاقترحوا أن أكتب إعلانا لتسهيل الحصول على فرص توظيف، واستجبت للفكرة لأنى ذقت من قبل مرارة فقدان وظيفتى والبحث عن عمل».
لا يرضى نشطاء نوبيون عن هذا النوع من الإعلانات المنشورة فى الصحف اليومية أو على الإنترنت، ومن أشهر عناوينها: «مطلوب سائق نوبى»، «مطلوب سفرجى نوبى».
فى أحد المواقع الساخرة كتب الناشط النوبى مازن علاء الدين مقالا يشرح سر العنوان الشهير: مطلوب سفرجى نوبى، وذكر أن بداية اقتراب شريحة من النوبيين إلى مثل تلك الوظائف المنزلية كان فى بدايات القرن الماضى بعد بناء خزان أسوان حين بدأت ما وصفه بالمأساة النوبية، إذ فقد أصحاب أراضى النخيل ممتلكاتهم، بعد أن كان النوبيون فى وضع أفضل من كثير من الفلاحين المصريين الذين وقعوا آنذاك تحت تسلط الباشوات الإقطاعيون. اضطرت شريحة بسيطة من أبناء النوبة إلى المجىء إلى القاهرة والإسكندرية بعد هذه الأزمة مع مؤهلاتهم الضعيفة، وضعف اللغة العربية، واضطروا إلى العمل فى مهن بعينها مثل الحراسة والطبخ والقيادة، وفى وقت لاحق استمر البعض فى هذه المهن لوجود سمعة طيبة للنوبيين. لكن الناشط النوبى لا يخفى مرارة فى كلماته حين يكتب قائلا: «مازال النوبى فى عيون المصريين الأسود البربرى السفرجى، ومازالت النكت علينا كما هى ببواختها، ومازالت قنوات التلفزيون الرسمى لا يوجد بها مذيع أسود ولا برنامج بلغتنا، ومازال كل هذا العبث، لا يجد رادعا قانونيا له».
هذه الإعلانات هى التى تثير شجن بعض النشطاء النوبيين.. وأحيانا ما تحمل هوية أوسع حين تتبدل كلمة نوبى بأسوانى، وهذا ما فعله طارق عيد (31 سنة) وإعلان نشره على الإنترنت طلبا لوظيفة سائق، استعرض فيه خبراته السابقة، مبرزا هويته كأسوانى فى واجهة الإعلان. «فى حقيقة الأمر أنا لست نوبيا، أنا أسوانى من إدفو، وإن كان أهلى وجيرانى نوبيين!». جاء طارق إلى القاهرة قبل سنوات، وعمل سائقا مع أحد قيادات وزارة الداخلية، حيث لا شىء يشغله سوى العمل، ويكاد لا يرى أهله فى إدفو سوى فى المناسبات فقط. ما يميزه عن كثير من أقرانه القاهريين، على حد قوله، هو الالتزام بالمواعيد، أو حسب عبارته «مفيش لف ولا دوران، ولا حجج زى معلش أصلى تعبان شوية، ولا راحت عليا نومة، ولا مراتى بتولد!»، هذه الانطباعات هى التى وصلته من زبائنه. وبالعودة إلى ضياء حسن الذى وزع إعلانه فى حى الزمالك، فإنه قد أفصح عن أن هناك مجتمعات مغلقة تعمل معا لدى أسر بعينها فى البلدان الخليجية التى تفضل العمالة النوبية لأمانتها وحفاظها على أسرار المنزل، لذا يحدث أن تتوزع مهام عائلة كاملة على أعمال المنزل بين سائق ومزارع وطباخ..الخ. وهناك من يريد المساعدة بنشر إعلانات فى المنتديات النوبية على الإنترنت أو فى داخل الجمعيات النوبية لدعم أعضائها من أبناء القرية الواحدة، أيا كانت تلك الوظائف.
قبل سنوات كانت قد أثيرت قضية أخرى تخص النوبيين، حين ظهرت إعلانات تطلب موظفين نوبيين للعمل فى مكاتب الصرافة، وظهرت انتقادات ضدها رأت فيها تمييزا لصالح شريحة من المواطنين، ورأت أن مثل تلك الإعلانات لا تحقق المساواة ولا العدل، واختفت بعدها تماما.. ويذكر مصطفى عبدالقادر ــ الباحث فى التراث والتاريخ النوبى ــ هذا المثال كحالة أخرى تربط التوظيف بالسمعة النوبية الشهيرة المرتبطة بالأمانة والالتزام، وقد خلقت هذه السمعة الطيبة فرص عمل فى مجال العمالة المنزلية فى دول الخليج.
على أرض الواقع فإن كثيرا من العاملين فى مجال السياحة بمحافظة أسوان قد خذلهم الموسم الماضى، حين فوجئوا فى أعياد الكريسماس بأن نسبة الإشغال فى الفنادق لم تتجاوز 20%، وانخفضت نسبة الحركة السياحية إلى 10% على مدى عام 2012 حسب تصريحات مسئولين حكوميين، وهذا على عكس سنوات سابقة قبل الثورة وصلت فيها نسبة الإشغال إلى 100% فى مناسبات مثل الكريسماس ورأس السنة، وهو ما دفع من كانوا يحترفون العمل فى قطاع السياحة إلى السفر والعمل فى دول الخليج، حسبما يصف طه حسين (28 سنة) الذى درس السياحة والفنادق فى أسوان، ثم نشر مؤخرا إعلانا على أحد مواقع التوظيف تحت عنوان: شاب مصرى من النوبة يطلب العمل كسفرجى أو عامل مشروبات أو عامل نظافة أو حارس عقار.
سافر أغلب أصدقائه إلى الخليج للعمل، أما هو فيبحث عن عمل شريف، على حد قوله، ولا خجل فى أن تتصدر هويته النوبية إعلان طلب الوظيفة، ويقول: «النوبى لا يحتاج إلى فيش وتشبيه، انتماؤه وحده يكفى». يتحدى طه أن يجد المتابع لصفحات الحوادث، جريمة سرقة أو قتل ارتكبها أحد العمال النوبيين، وعلى الرغم من ذلك فإنه لم ينس ذلك الجدل الذى لفت نظره فى أحد المنتديات النوبية أثناء رحلة بحثه عن وظيفة حول أن هذه الإعلانات تسىء للنوبيين، لكنه لا يبدى اهتماما ويحسم حديثه قائلا: «لا أهتم بهذه الانتقادات، فبعض أصحاب الأعمال يفضلون الصعايدة فى بعض مهن البناء، ولا أحد يتحدث عن ذلك.. أنا أعيش الواقع وأستغل ميزة لدىّ، وهى أنى نوبى».

Wednesday, February 6, 2013

حواء تقاوم الاستبعاد من الميدان

-         ازدياد العنف و ظهور أخلاقيات الاعتصامات الممتدة يهدد مشاركة المرأة
كتب – عبد الرحمن مصطفى
وسط ركن مظلم ناحية ميدان سيمون بوليفار قرب ميدان التحرير، تختلط صيحات الشباب، مع دخان الغاز المسيل للدموع، حيث كانت تقف الناشطة  شيماء حمدي، عضو المكتب السياسي لحركة شباب من أجل العدالة والحرية، تحاول التصوير عدة مرات بكاميرتها، والتواجد قرب زملائها هناك. "ساعات تلاقي شاب جاي بيقولي ، ابعدي .. انتي بنت !". تتلقى كثيرا هذه العبارة، وتستجيب أحيانا حرصا منها على عدم التوغل في مشهد مربك، لا تتضح فيه ملامح العدو من الصديق.
بعض الناشطات خاضوا معركة أعنف داخل ميدان التحرير كان الهدف منها استبعاد الفتيات من الميدان. "أؤمن بوجود أيدي للأمن في الدفع بمجموعات للتحرش بالفتيات، هذا ما كان يحدث في أيام مبارك، والنظام كما هو بنفس عقليته"، رغم ذلك ، تواصل الناشطة  شيماء حمدي تفاؤلها بمشاركة الفتيات قائلة : "لم توقف الاعتداءات كثير من الفتيات أن يشاركوا في الأحداث، ورغم قلة أعداد المشاركات في أوقات الاشتباك عن أوقات المسيرات السلمية، فهذا ليس دليلا على الانسحاب". في الأسابيع الأخيرة ازداد حضور مجموعات مثل الألتراس، واللجان الشعبية لحماية الميدان، والبلاك بلوك، وكلها مجموعات لا تضم فتيات في داخلها، وكأنه استبعاد غير مباشر للفتيات. "من الخطأ أن ندين مجموعات مثل البلاك بلوك أو الألتراس أو أن نربطها بالعنف ضد الفتيات لمجرد أن عضويتهم مقصورة على الشباب فقط، فعلى سبيل المثال بعض الفتيات كن يخرجن في مسيرات أغلبها من شباب الألتراس وكانت أكثرها أمانا". تعلق داليا عبد الحميد مسئولة برنامج النوع الاجتماعي وحقوق النساء بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ، رافضة الربط بين بروز مجموعات ذكورية في الميدان وبين وقوع اعتداءات جنسية على الفتيات، أو أن تكون تلك الحالة الذكورية طاردة للحضور النسائي.
تعيد داليا عبدالحميد تدهور وضع الفتيات في بعض الفعاليات إلى الدولة نفسها، حين انتهكت "السلطات أجساد الفتيات في كشوف العذرية، وتعريتهن في أثناء الاشتباكات" على حد قولها، بينما تشير دراسات وتقارير على مدار العامين الماضيين إلى تدهور تمثيل المرأة بصفة عامة في المجالس النيابية، وفي تمثيل قضاياها داخل الدستور.
"أصبحتُ عارية تماما وتدفعني الكتلة الملتفة حولي إلي الممر المجاور لمطعم هارديز .. أنا داخل هذه الدائرة المغلقة بإحكام، وكلما كنت أحاول أن أصرخ، أو أن أدافع عن نفسي واستنجد بمخلص كانوا يزيدون من عنفهم واغتصابهم". وقعت هذه الحادثة في جمعة "عيون الحرية" يوم 23 نوفمبر 2012 على أطراف ميدان التحرير، و احتفظت الفتاة الناجية من الاغتصاب بقصتها حتى تكررت الاعتداءات على فتيات أخريات في يوم جمعة 25 يناير 2013 . فقررت نشر شهادتها من خلال موقع مركز "نظرة"  للدراسات النسوية على الانترنت. بعض ناشطات مجموعة عمل "قوة ضد التحرش" لم يسلمن من الاعتداءات الجنسية، وتذكر سلمى شامل إحدى متطوعات المجموعة في توثيقها للحادث على صفحتها على الفيسبوك ، أنه كان هناك من المعتصمين من تظاهروا بالدفاع عنها لكنهم كانوا يتحرشون بها.
مؤخرا التفت العديد من النشطاء إلى حالة ميدان التحرير، بعد أن ظل مغلقا طوال شهور الاعتصام الأخير من نوفمبر حتى الآن، يعيش داخله مجموعة فريدة صمدت وسط تهديدات الأمن  واشتباكات دائمة مع الباعة الجائلين. هذا ما لفتت إليه صفحة "كلنا خالد سعيد" مؤخرا حين كتب أدمن الصفحة عن ميدان التحرير : " لازم منبقاش دافنين راسنا في الرمال وبنحاول انكار أي جرائم أو أخطاء بتحصل من بعض المجرمين اللي بيلاقوا مناخ جيد لتواجدهم بعد ما أغلب المعتصمين اصحاب القضية يسيبوا الميدان! ". تلك الأزمة نفسها ظهرت مع اعتصامات طويلة أقيمت خارج مصر، مثل اعتصام حركة "احتلوا وول ستريت" بالولايات المتحدة الأمريكية في العام 2011، حين اندس بين المعتصمين من قام باعتداءات جنسية على فتيات في الاعتصام، مستغلا تسامح المعتصمين مع المنضمين إليهم .
وسط حالة غياب التنظيم والاحتكاكات العنيفة المستمرة على مدار الأسابيع الماضية داخل الميدان، علت الأصوات الذكورية للتحكم في تلك المساحة. هذه النتيجة اكتشفها المتظاهرون مع ذكرى الثورة، حسبما يرى أكرم إسماعيل ،الناشط السياسي في حزب التحالف الشعبي، إذ يقول : "أصبح الميدان أكثر توحشا، مع وجود عصابات مسلحة به و وقوع حالات اغتصاب على أطرافه، وأصبحت عناك عناصر طاردة للفتيات من مكان الحدث".
يتحدث أكرم عن أزمة ميدان التحرير الذي غاب عنه أي تنظيم سياسي ، إذ كانت القوى السياسية تدعو إلى الاعتصام، ثم تنسحب بدون اعلان، ويتعرض من يصرون على البقاء إلى كل أشكال التحرش والقمع، وفي غياب سلطة الدولة و رحيل القوى السياسية يظهر مجتمع جديد في الميدان بدون "سلطة" ، أكثر جرأة، وأكثر احباطا وأكثر ميلا للعنف ، وأكثر كفرا بالمسار السياسي، و ينعكس ذلك على الحضور النسائي في المكان، الذي أصبح غير مألوف بعد شهور من اعتصام تحولت التعاملات داخله إلى سلوكيات غليظة، وهو ما يشجع على وقوع حوادث التحرش والاغتصاب، أو استخدام تلك الغلظة مع الفتيات، كما يسهل إقحام وتجنيد عناصر تابعة للأمن، يتم استغلالها فيما بعد. هذا ما يراه أكرم اسماعيل الناشط السياسي، الذي يضيف: " لا  يمكن في الحقيقة الآن تبين المجموعات المخترقة أو المأجورة من المجموعات الثورية العنيفة".
رغم ذلك لا يختفي الأمل الذي تسجله بعض الفتيات على صفحاتهن على الإنترنت، مثل سارة خورشيد الطالبة التي لم تتجاوز 19 سنة ، كتبت عن ضبطها متحرش في أثناء اشتباكات قصر النيل، ووجدت من ساندها في طرده من الموقع، وتسجل ذلك الموقف ناصحة غيرها قائلة: "لم أفكر قبل ضبط "الحيوان" المتحرش .. أنا مؤمنة أن الثورات ليست فقط ضد نظام ظالم، بل الثورة طريق لبداية جديدة، يجب أن تبدأ بتغيير كل شيء: النظام ، و أنفسنا ، ومن حولنا".
عولمة الكفاح !
بلاك بلوك.. أناركية.. ألتراس: مظهر واحد وواقع مختلف
كتب – عبد الرحمن مصطفى
ما زال أعضاء شبكة فيسبوك الاجتماعية يتبادلون صورة أول ظهور لمجموعات بلاك بلوك، قرب ميدان طلعت حرب في وسط المدينة، حين قرر أفراد منهم إقامة صلاة المغرب ، و لم يخلو الأمر من تندر مجموعات يسارية لديهم إطلاع أكثر على تكتيك بلاك بلوك حول العالم. وتكشف الأحداث المتتالية عن أن تكتيك البلاك بلوك أشبه بحلقة في سلسلة من أفكار انتقلت من الغرب إلى مصر ، نتيجة سهولة التواصل والحصول على معلومات عبر الإنترنت.
في صفحة "احتلوا وول ستريت Occupy Wall St" الأمريكية على شبكة فيسبوك، صورة لمتظاهر على وجهه قناع "فانديتا" الشهير أمام مدرسة الليسيه المنهوبة... اجتذبت الصورة أحد المعلقين الأمريكيين وكتب قائلا: "على الأقل أصبح لدى المصريين القدرة على الفعل وعدم الاكتفاء بالشكوى خلف شاشات الكمبيوتر مثل الأمريكيين". تلك المشاهد والصور يدركها الغربيون بشكل مختلف عن المصريين، على سبيل المثال: تعرضت السينما الأمريكية لبعض الأفكار المعادية للرأسمالية وانتهاكها لآدمية البشر، بل والثورة على السلطة، مثل فيلم V for Vendetta الذي يحرض على الوقوف ضد النظام والثورة عليه. لكن تلك النماذج أصبحت في مصر مجرد واجهة لعمل ثوري، بينما لم تحقق الغرض نفسه في الغرب.
أغلب الدول الأوربية و كذلك أمريكا تدين استخدام تكتيك البلاك بلوك، خاصة أن بعض المجموعات الأناركية (اللاسلطوية) تتبنى هذا النهج في التعبير عن مطالبها ، ومن ضمن ما تتبناه مفهوم "العمل الدعائي" الذي يستخدم أساليب عنيفة للوصول إلى أغراضهم، لذا ليست مفاجأة أن تكون بداية الدعاية لتكتيك البلاك بلوك في مصر على يد مجموعات تنتهج الأناركية، من ذلك مجموعة (المشاغبين) التي أعلنت قبل أشهر عن عمليات إحراق سيارات أمن مركزي وأهداف أخرى. هذا التكتيك حين تواجد في مظاهرات حركة "احتلوا وول ستريت" العالمية، وصفه أحد نشطائها البارزين بأنه "سرطان"، وأنه "منافي لسياسات الحركة بسبب اخفاء هوية النشطاء، واللجوء للعنف في بعض الحالات". و ترى حركة "احتلوا وول ستريت" في الربيع العربي مصدر إلهام لها رغم اختلاف أهدافها المعادية لاختلاط المال بالسلطة وسطوة الشركات العملاقة في الولايات المتحدة، عن أهداف الاحتجاج في مصر، ما جعلها تستقطب نشطاء مصريين وتونسيين لزيارة اعتصامهم.
هذا التوجه العالمي في استخدام تكتيكات البلاك بلوك في أوقات التظاهر، يتخذ مسارا آخر في مصر، على سبيل المثال : نشرت صفحة حركة "الكتلة السوداء المصرية 2 "على شبكة فيسبوك نتائج اجتماع حركات ثورية كانت معتصمة في ميدان التحرير قبل 25 يناير الماضي، وتوزع أفرادها داخل مجموعات، على اختلاف توجهاتهم. ومع انتشار الفكرة تكونت مجموعات أخرى اختلفت انتماءات أصحابها، إذ قد يجد المتابع لأحداث ميدان التحرير وأماكن الاشتباك في الأيام الماضية أنه قد تتجاور مجموعتين ترتدي الأقنعة السوداء ، و يظهر بين المجموعتين خلاف على موقف خاص بتأمين ميدان التحرير أو القبض على أحد المندسين داخل المظاهرات، ورغم المظهر الواحد والاتفاق على أن ظهور الأقنعة السوداء هو رد فعل على الميليشيات الاسلامية ، لكن يبرز الاختلاف بين مجموعات اختارت العمل على تأمين المظاهرات ومنع الاندساس داخلها، ومجموعات أخرى لديها استعداد للاشتباك العنيف. وتظهر انتماءات الأفراد في مواقف عفوية ، مثل استخدام آيات قرآنية في صفحات البعض، ومجموعات أخرى يظهر انتماء أفرادها إلى مجموعات الألتراس ، تستخدم شعار النادي فوق أقنعتهم.
هذه الحالة تعيد إلى الأذهان قصة دخول الألتراس إلى مصر في العام 2007، حين كانت فكرة بين مجموعة صغيرة، وجدت حالة خانقة في أوساط التشجيع الرياضي، وكان الإنترنت هي الأرض التي نمت فيها بذرة الألتراس ، ثم ظهرت الخصوصية المصرية قبيل ثورة 25 يناير 2011، حين قرر الشباب التواجد بأسلوبهم وسط المتظاهرين. ومن وقت إلى آخر تظهر دلائل وجود صلات بين الحركات المصرية و مثيلاتها حول العالم، ربما على سبيل التضامن أو رغبة في اظهار وجه التشابه بينها و الحس العالمي، فيقرر مثلا عدد من مجموعات الألتراس حول العالم التضامن والعزاء لألتراس أهلاوي بعد حادث استاد بورسعيد في العام الماضي .