Showing posts with label مقالات. Show all posts
Showing posts with label مقالات. Show all posts

Saturday, September 1, 2018

صلاح.. "ابننا" الذي كبر وتخلّى عن فن اللامبالاة

"إن تلك اللحظات من اللاهتمام هي اللحظات التي تحدد مسار حياتنا أكثر من غيرها" هذه واحدة من العبارات التي مر عليها اللاعب المصري محمد صلاح أثناء قراءته كتاب "فن اللامبالاة" الذي تسبب اللاعب في رفع مبيعاته حين نشر صورته عبر حسابه بتويتر. ولا يدعو هذا الكتاب إلى الكسل كما قد يظن البعض من عنوانه الخادع، لكنه يوجه القارئ إلى عدم بذل طاقة في أمور مستنزفة وغير مجدية، وربما هذا ما كان يحتاجه صلاح حين تفجرت أزمته الأحدث مع اتحاد الكرة المصري.

ما نعرفه عن محمد صلاح يؤكد أنه مر بمحاولات استنزافه منذ كان ناشئًا، إما بسبب نقص الإمكانيات، أو التضييق من المدرب، أو غير ذلك. لكن النجاح - حسبما يرى مارك مانسون مؤلف فن اللامبالاة وغيره من مؤلفي كتب "مساعدة الذات"- يتلخص في تجاوز كل هذا والتركيز على هدف واضح، حتى وإن كان يتطلب بعض المواجهات في أمور تستحق.

صورة من الفيديو الذي بثه صلاح على فيسبوك للرد على تسريب خطابات محاميه لاتحاد الكرة محمد صلاح يرد على اتحاد الكرة المصري

في الفيديو المقسم إلى 3 أجزاء الذي تحدث فيه صلاح لمتابعيه على السوشيال ميديا، وخصصه للرد على اتحاد الكرة المصري، بدا اللاعب أكثر حسما. كانت عبارات الاستهجان تؤكد أن هناك قواعد جديدة للتعامل، وأنه لن يكون ورقة في مهب الريح أمام إدارة متخبطة، إذ كتب قبلها على تويتر "ليس من الطبيعي أن يتم تجاهل رسائلي ورسائل المحامي الخاص بي ... لا أدري لماذا كل هذا؟" وانتقد في الفيديو تسريب مخاطبات محاميه حول الأزمة إلى الإعلام معتبرا أن هذا أمر غير قانوني.


كان محمد صلاح يؤكد دوما في مقابلاته على أنه "فلاح" مصري، لن يتوه أمام إبهار الحياة الغربية، لكنه الآن يحاول التأكيد على رسالة أخرى؛ أنه لن يتم استغلاله لمجرد أنه "ابننا" على حد وصف الكثيرين. ويبدو أنها اللحظة الأنسب للاعب العالمي أن يصنع صورة جديدة لنفسه، يبدو فيها مخضرمًا. أو كما قال عن نفسه في حفل الإعلان عن أفضل لاعب بأوروبا "أنا أصنع شيئا لم يسبق إليه مصري، أفخر بأن 100 مليون مصري يروني مثلا أعلى".

الآن بعد سنوات من العيش وسط المحترفين، ومعرفة ردود أفعالهم وتصرفاتهم في المواقف المختلفة، أصبح لدى صلاح القدرة على أن يدخل في مواجهة قوية مع اتحاد الكرة في بلده، وأن يقول لهم نصا "احنا في 2018"


متابعة الناجحين

في فترة احترافه بنادي تشيلسي الإنجليزي قبل أكثر من 4 سنوات، قال صلاح في مقابلة مع برنامج "لقاء الأسبوع" إنه يحقق استفادة كبرى من خبرات اللاعبين المحترفين حوله؛ "أنا بقعد أبص على اللعيبة، بشوف ده بيتصرف ازاي في موقف معين، ده رد فعله إزاي في موقف معين، لازم استفاد من خبرات الناس دي.. بقى لهم 20 سنة بيلعبوا كورة".

كانت حقبة تشيلسي فترة ضاغطة في حياة صلاح، حين كان مدربه مورينيو لا يتيح له فرصًا جيدة للعب، وكان على اللاعب انتزاع النجاح كما وعد أهله وأصدقاءه، حتى إن اضطر إلى التنقل بين الأندية. والآن بعد سنوات من العيش وسط المحترفين، ومعرفة ردود أفعالهم وتصرفاتهم في المواقف المختلفة، أصبح لدى صلاح القدرة على أن يدخل في مواجهة قوية مع اتحاد الكرة في بلده، وأن يقول لهم نصا "احنا في 2018" . لقد أصبح لديه خبرات متراكمة من الانتقالات بين الأندية والاحتكاك بلاعبين حوله رآهم كيف يدافعون عن حقوقهم.

إن قصة الأزمة القانونية التي تسبب فيها اتحاد الكرة المصرية بوضع صورة صلاح على طائرة المنتخب دون إذن الشركة الراعية، أو انعدام الانضباط في تنظيم معسكر المنتخب، أو توريطه في مساندة سياسية على غير رغبته، كلها أمور عايشها صلاح، ورأى في المقابل أجواء احترافية في الأماكن التي لعب تحت اسمها، ما جعله يصرخ في الفيديو الأخير عن أن ما يطلبه للمنتخب هو ما يحدث في العالم كله.

من حساب صلاح على فيسبوك صلاح زويل

العالمي

هذه المواجهة التي وقعت بين مصري ذي شهرة عالمية وأطراف في الدولة، ليست الحالة الأولى، ومن الواضح أن محمد صلاح كان يضع نفسه في فترة مبكرة في هذه المكانة، يسعى إلى أن يكون ذلك المصري صاحب الإنجاز العالمي، فليس من المصادفة أن ينشر على حسابه في فيسبوك قبل 4 سنوات، عبارة منسوبة للعالم المصري الحاصل على نوبل أحمد زويل تقول"الغرب ليسوا عباقرة ونحن أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح ونحن نحارب الناجح حتى يفشل". وقد قال اللاعب في لقاءاته الأخيرة أنه كان يسعى لهذه المكانة من البداية، "مش هبقى مجرد واحد راح أوروبا ورجع" كما قال للإعلامي عمرو أديب في مقابلة جرت في وقت مبكر من هذا العام.

لكن بعض هؤلاء المصريين "العالميين" واجهوا أزمات مع الداخل، إما بسبب فجوة في التفكير، أو بسبب تعرضهم للاستغلال في أحيان أخرى. ولعل قصة الممثل المصري العالمي عمر الشريف كانت أكثرهم حدة، إذ أفصح قبل وفاته أنه طُلِب منه أن يكون عميلا أمنيا في الخارج، لكنه تهرَّب.

ربما ظلت محاولات استخدام شهرة محمد صلاح طوال السنوات الماضية في حدود المسموح، وفي شكل أقرب للتبرع من "النجم المحبوب"، مثل استخدامه في حملة ضد المخدرات، أو في تبرعه لصندوق تحيا مصر. لكن تطور ذلك إلى محاولة الضغط على اللاعب لتمرير خرق لتعاقده القانوني مع واحدة من شركات الاتصالات الكبرى، لصالح الشركة الراعية للمنتخب. ما دفع صلاح لأول مواجهة علنية مع اتحاد الكرة كي يعيد الأمور إلى نصابها الاحترافي.

من حساب صلاح على تويتر، نشرها خلال أزمة طائرة المنتخب صلاح

ذكاء إلكتروني

حين أثيرت أزمة صلاح مع اتحاد الكرة للمرة الأولى، نشر اللاعب صورته وهو يقبض على عنقه في إشارة إلى ضيقه واختناقه مما يجري، وبعدها بيومين كتب "طريقة التعامل فيها إهانة كبيرة جدا..." . وتسبب إفصاحه عن أزمته مع اتحاد الكرة المصري في صعود هاشتاج #ادعم_محمد_صلاح عالميًا، حتى أنه كتب بعد أن تلقى وعودا بحل الأزمة قائلا "أنا بس صعبان عليا الهاشتاج". وكأنها إشارة إلى أن صلاح يدرك جيدا أن بإمكانه صنع معركة إلكترونية دون اشتباكات حادة.

تويتر صلاح

بعد قصة هذا الهاشتاج بأسابيع، نشر اللاعب صورا له من المالديف جذبت تعليقات الكثيرين، ليعقبها بعد ذلك بأيام تغريدة يمازح فيها أحد زملائه في المنتخب قال فيها "وفجأة الشعب قرر يصيف والصور كلها تنزل من على البحر. لا وبالمايوه "، وكأنه يختبر قدرته على صنع تريند جديد، متباهيا بنجاحه في قيادة متابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي.

إن محمد صلاح يعلم أن هناك متابعون، ويؤكد على أنه قدوة ومحل اهتمام من الملايين، لذا كان من الطبيعي أن يحتد على اتحاد الكرة في رسالة بالفيديو يذكرهم "احنا في 2018"، فأدوات كلا الطرفين مختلفة.

"ابننا" الذي كبر

في لقاء تلفزيوني أجراه فرانك لامبارد أسطورة تشيلسي مع محمد صلاح قبل عدة أشهر، لاحظ زميله السابق اختلافا في شخصية صلاح عن الوقت الذي تزاملا فيه قبل 4 سنوات، فقال له "أنا واثق من أنك نضجت كلاعب.. وكرجل أيضا". هذا التطور يكشفه أكثر ما ذكره مؤخرا "مورينيو" مدربهما السابق في تشيلسي، حين اتهمه البعض بأنه تسبب في رحيل صلاح عن النادي، فقال إن اللاعب المصري لم يكن مستعدا بدنيا، ولم يكن مستعدا ذهنيا أو اجتماعيا أوثقافيا [للعب في تشيلسي]، بل وصفه بأنه "كان ضائعا". وهذا ما دفع لامبارد إلى التأكيد على هذا التطور، بعد سنوات قضاها صلاح في ملاحظة من حوله، والتعلم من تجارب جديدة.

يتسلل النضج إلى حياة صلاح، بينما ما زلنا ندعوه "ابننا". دون أن ندرك أن الأبناء يكبرون مع الوقت، وربما هذا ما أراد أن يقوله اللاعب العالمي في أزمته الأخيرة مع اتحاد الكرة المصري.

Sunday, May 8, 2016

الصحفيون والداخلية: مَن يقصف جبهة اﻵخر؟

تحركتُ يوم الأربعاء الماضي من أمام مبنى نقابة الصحفيين في وسط القاهرة، تاركًا خلفي طاقة إيجابية ملأت محيط النقابة، رغم الحصار المحكم لآلاف الصحفيين من رجال الأمن و”المواطنين الشرفاء”. انتهت الجمعية العمومية الطارئة للصحفيين وسط الهتافات والابتسامات والرضا، لكن بمجرد عبوري الجهة الأخرى من الطريق، استوقفني أحد المارة ليسأل عن وقوع اشتباكات بين الصحفيين والأمن، وحين أجبته بالنفي، استطرد: “ما هو ده إعلام (…) يعني هما عايزين إيه يعني؟”

تنتزعك مثل تلك المواقف البائسة من نشوة التفاؤل دون مقدمات، حين تفاجأ بأن ما تعتقد أنه معلوم بالضرورة، لا يعلمه كثيرون. وبعد توالي الأيام على صدور قرارات الجمعية العمومية الأخيرة، اتضح أن داخل الصحفيين أنفسهم، من لا يتبنى هذه القرارات بأكملها، بل إن النقابة نفسها تراجعت عن حماسها الذي ظهر في بياناتها النارية الأولى.


هذا المقال ليس عن هؤلاء الذين يفسدون لحظاتنا السعيدة، ويقطعون نشوتنا ويجهضون النجاحات الصغيرة التي نحققها، ولا عن المواطن التائه بين مبررات الأمن لاقتحام مقر نقابة الصحفيين للقبض على صحفيين مطلوب ضبطهما، وغضب الصحفيين لانتهاك “كرامتهم”.

فالسؤال الصادر بسلامة نية أحيانًا: “هي إيه القصة بالظبط؟”، لا بد أن يدرك الصحفيون أهميته، أن يحددوا إجابات شافية له، تجذب الرأي العام لقضيتهم التي تتجاوز واقعة اقتحام النقابة.

كان هذا سؤالًا ساذجًا، ويتلوه آخر بديهي: “لماذا احتشد آلاف الصحفيين هكذا داخل نقابتهم؟” حين يبحث القارئ العادي عن الإجابة، قد يُفاجأ بعبارات بليغة، من نوعية: “احتشد الصحفيون رفضًا للممارسات الأمنية الغاشمة”، أو “اجتمع الصحفيون دفاعًا عن كرامة المهنة”، أو”عقد الصحفيون جمعية عمومية حفاظًا على قدسية قلعة الحريات”، وكلها إجابات مُرضية جدًا وتعبر عن جزء كبير من الحقيقة. لكن، ونحن الآن في العصر الذي يردد فيه “إعلاميون” قصصًا عن مؤامرات الجيل الرابع والخامس من الحروب، ويتحدثون عن مؤامرات “الإعلام الفاسد”، هل تجدي هذه الجمل البليغة نفعًا وسط الأجواء التحريضية والضبابية؟

لا يمكن إرجاع الأزمة الأخيرة بين نقابة الصحفيين ووزارة الداخلية فقط لواقعة الاقتحام الأمني لمقر النقابة، وما تبع ذلك من مطالبات صحفية بإقالة وزير الداخلية، فقد سبقت ذلك بأسبوع مسيرة إلى مكتب النائب العام لتقديم بلاغ في وزير الداخلية ضد انتهاكات تعرض لها صحفيون أثناء أداء عملهم في ذكرى تحرير سيناء.

وقبلها بأسابيع أعلن نقيب الصحفيين إلغاء قرار أمر ضبط وإحضار صادر ضد خالد البلشي رئيس لجنة الحريات بالنقابة، الذي كان يواجه عدة اتهامات.

كل تلك الضغوط وغيرها من معاناة أصحاب هذه المهنة، قد لا تمثل تهديدًا مباشرًا لبقية المواطنين، بل قد يرى بعضهم هذا الصراع على طريقة مباريات كرة القدم.. من أحرز الهدف الأول؟ وقد يُختصر المشهد في صراع بين الصحفيين والداخلية حول من يقصف جبهة الآخر، دون الالتفات إلى ركام الأزمات والمشاكل التي يواجهها الصحفيون يوميًا في عملهم، وبعضها يتعلق بوزارة الداخلية تحديدًا، وهو ما تجلى أخيرًا في قصة اقتحام النقابة.

دارت برأسي أفكار كثيرة مع بعض الزملاء، حول هذا الحماس الاحتفالي الذي جمع الصحفيين يوم الجمعية العمومية، وما إذا كانت قرارات الجمعية العمومية صدرت تحت تأثير هذا الحماس الزائد، دون التفكير في جدية الالتزام بقرارات نقابة الصحفيين.
***
حققت الجمعية العمومية الأخيرة مكسبًا كبيرًا في حشد آلاف الصحفيين حول مهنتهم، ونقلت روحًا جديدة إلى واجهات الصحف الورقية، كاستخدام صورة “نيجاتيف” لوزير الداخلية، بهدف إثارة تساؤلات القراء، واستخدام شعار جانبي موحد “لا لحظر النشر، لا لتقييد الصحافة”، وهي أفكار قريبة من ممارساتنا اليومية على شبكات التواصل الاجتماعي في استخدام الهاشتاج والبانر وغيرها من الأفكار. ربح الصحفيون محاولتهم الضغط على مجلس النواب كي يفيق من ركوده، وجذبه إلى قضية متعلقة بالحريات، كما حاولت النقابة قطع أي محاولة لتسديد اتهامات إليها بالاستقواء بالخارج ورفضها “أي تدخل أجنبي رسمي في شأن الصحافة المصرية” أو “استغلال أي جماعة أو تيار سياسي بتوظيف الأزمة الراهنة لصالحه”.

تلك بعض المكاسب الذي حققها الصحفيون عبر تلك الأزمة، لكن مع الوقت، لم تكن المكاسب في نفس وزن ما أعتقد أنه خسائر أو تراجع متصاعد في قضية الصحفيين.

في البداية ظهرت الأزمة للرأي العام وكأن القضية مجرد جدل حول مسألة الاقتحام الأمني لمقر نقابة الصحفيين، وهكذا بدا الأمر في صدر البيان الصادر عن نقابة الصحفيين يوم الأربعاء الماضي، وفي كثير من التعليقات الصحفية. بعدها بدأ انسحاب قيادات صحفية، أيًا كانت انتماءاتهم، من حالة الإجماع والحماس الزائد في الجمعية العمومية التاريخية الأسبوع الماضي، وبدأ التراجع يزداد متمثلًا في عدم تنفيذ بعض الصحف ما اتُفق عليه من تصعيد، كتلوين الصفحة الأولى باللون الأسود، وانتهى الأمر في بيان أخير صادر عن مجلس نقابة الصحفيين بعد توضيحات متتالية أن الصحفيين لم يطالبوا باعتذار الرئيس، وهذا نفسه موقف مؤسف، لأن النقابة كانت قد طلبت بالفعل في بيان واضح: “تقديم رئاسة الجمهورية اعتذارًا يحفظ كرامة الصحفيين ومهنتهم ونقابتهم”.

هذا التسلسل في الأحداث، كان يصاحبه دائمًا سؤال من الرأي العام “ما القصة؟”


هناك من هم أكثر مني احترافًا في الشأن النقابي وفي قضايا الحريات، فـ”مَن أنا لأقول لكم ما أقول لكم”، لكن إذا عدنا إلى أزمة مشابهة جرت قبل أشهر بين الأطباء ووزارة الداخلية، سنجد أن الأمور كانت مختلفة بعض الشيء.

أعتقد أن إجابة سؤال “ما القصة؟” كانت أكثر وضوحًا في أزمة الأطباء منها في أزمة الصحفيين الحالية. ففي رأيي الشخصي أن نقابة الأطباء نجحت وقتها في تصدير قضية أبعد من قصة اعتداء الشرطة على أطباء أثناء تأدية عملهم، إذ استغل الأطباء الفرصة وطرحوا على الرأي العام أزماتهم اليومية في العمل، وضغطوا من أجل لفت الأنظار إلى معاناتهم، وأشاروا إلى أن التقصير الأمني جزء من أزمات يواجهونها في عملهم.
***
يواجه الصحفيون تضييقات ورقابة أصبحت تصيب كثيرين بالارتباك، خشية الاضطرار إلى سحب أعداد الجريدة من الأسواق كما حدث مع عدد من الإصدارات، أو مواجهة اتهامات بالعمالة، وما إلى ذلك من مظاهر التضييق.

وفقًا لأرقام التقرير السنوي لمجلس نقابة الصحفيين في مارس 2016، فإن “هناك نحو 29 زميلًا رهن الاحتجاز في قضايا متنوعة، من بينهما قضايا تتعلق بمهنتهم، سواء على ذمة المحاكمة أو محكومين بأحكام غير نهائية، أو باتة أو من دون توجيه أي اتهامات إليهم، وبين هؤلاء من تجاوز احتجازه الحد الأقصى للحبس الاحتياطي”.

هناك مشاهد يومية بائسة في عالم الصحافة، يكاد يتضاءل أمامها مشهد اقتحام النقابة، ولابد أن تتصدر هذه الأزمات المشهد بصورة أكبر في المرحلة المقبلة، بمعنى أن يدرك القراء جيدًا ماذا يخسر المجتمع إذا خسرت الصحافة جراء ضغوط أجهزة الدولة على الإعلام.

أقول هذا خشية أن تتحول الأزمة الحالية إلى حرب حول مَن يقصف جبهة مَن، الداخلية أم نقابة الصحفيين، أو أن ينتهي الأمر إلى ترضية “عرفية” بين الطرفين.

لذا فإن التركيز على الضرر الواقع على المهنة وما يسببه ذلك من ضرر على المجتمع، قد ينقل القضية إلى مساحة أخرى، يبدو فيها مشهد الاقتحام الأمني مجرد حادث في واقع بائس يهدد ويربك العاملين في مجال نقل المعلومات إلى المجتمع.

***
حين يسألني أحدهم:” ما قصة النقابة والداخلية؟” هل أخبره أن الأزمة أني صحفي وعلي راسي ريشة، كما فعل أغلبنا غاضبًا لكرامته على صفحات التواصل الاجتماعي؟ هل أخبره أن قصة النقابة والداخلية تتلخص في أن الأمن تخطى الحواجز واخترق “قدسية النقابة”؟

نحن جميعًا أدرى بأن هناك فواجع أكبر تحدث في هذا البلد. ولعلنا في حاجة إلى مزيد من الشرح والتفسير لقرائنا بخصوص ما يحدث للمهنة وما تواجهه من أخطار، وكيف سيؤثر ذلك على المنتج المقدَّم إلى هؤلاء القراء في المستقبل، وماذا سيخسر القراء إذا خسروا الصحافة.

Wednesday, September 26, 2012

القاهرة.. مدينة مستباحة

من الصعب على مواطن أن يلقى تحية الصباح على من يمر بهم، وهو يشعر أن هناك من يستبيح حقه. حين يطوف كالبهلوان فى شوارع المدينة تفاديا الصدام مع الباعة الجائلين الذى استقروا فى مساحات حيوية من الشارع، أو حين يرى فى طريقه شجارا تؤدب فيه مجموعة من المواطنين مواطنا آخر تسبب لهم فى مشكلة، وبعد تلك الرحلة اليومية قد يعود إلى منزله فيجد جار سوء انتهك حقه فى الخصوصية أو السكن أو الأمان بمخالفة فى البناء.
كلها أسباب وجيهة لفقدان ابتسامة الصباح، أما الأهم من ذلك فهو أن البطل فى كل تلك المواقف وغيرها هو الجسد، مدى حريته فى الحركة، أو ما يتعرض له من انتهاك، وهو ما يمثل انعكاسا لحالة مؤسسات الدولة ومدى فاعليتها بشكل عام. كتاب «المراقبة والمعاقبة» للمفكر الفرنسى ميشيل فوكو يطرح فرضية تقول إن العقوبات البدنية مثل التعذيب أو الحرق كانت ابنة العصور الوسطى، وأن العصر الحديث قد صنع شكلا جديدا للعقوبات يعتمد على التحكم فى جسد المذنب، إما من خلال السجن أو الأشغال العامة. وطوال السنوات الماضية كانت بعض مؤسسات الدولة تخرج عن هذا الإطار، إذ تكررت الاتهامات لمؤسسة مثل وزارة الداخلية أنها مازالت تمارس الطريقة القديمة نفسها فى التعامل مع المواطنين بالتعذيب والانتهاك الجسدى، لماذا؟ لا إجابة عن السؤال سوى أن هناك مؤسسات فى الدولة لم تدرك بعد أنها مؤسسة حديثة، وليست إقطاعيا أو سيدا على قرية يجلد من يخالفه.
ومؤخرا تكررت حوادث فى أعقاب الضعف الأمنى الذى ساد فى أثناء الفترة الانتقالية الماضية بعد الثورة، كأن نجد عقوبات بدنية متعسفة ضد بلطجية، يخرج فيها أهالى القرية ليمارسوا الحرق والتعذيب والتمثيل بجثث هؤلاء البلطجية، وكأن لسان حال هؤلاء الأهالى يقول: إن كان الأمن قد لجأ فى فترة سابقة إلى العقوبة البدنية داخل مقراته، فنحن قادرون على المهمة نفسها، وفى العلن. وهنا يشرح ميشيل فوكو من خلال الكتاب السابق أسباب ممارسة انتهاك الجسد فى التعذيب، مختصرا ذلك فى عبارة واحدة: «التعذيب لا يعيد العدالة إلى نصابها، بل يقوى السلطة». وهنا يصبح الخيار إما مؤسسة حديثة وعقوبات عادلة على الجميع، أو عقوبات بدنية قديمة على رأسها التعذيب والحرق، ووقتها لن تستطيع المؤسسات الأمنية أن تنافس قدرات الأهالى فى تطبيق العقوبات البدنية.
هذا المواطن البائس الذى يفتقد ابتسامة الصباح، أحيانا ما يضطر إلى المرور بإشغالات على الطريق تنتهك حقه فى السير بحــُرية، وفى هذه الجزئية تحديدا تتضح أكثر العلاقة بين المساحة المتاحة لأجساد المواطنين داخل المدينة، ومدى اتساعها أو تقلصها، بحالة مؤسسات الدولة ورؤيتها للمواطنين وحقوقهم فى الحركة والعمل.
فى فترة ما قبل الثورة كانت حملات رجال (البلدية) خلف الباعة الجائلين أشبه بإجراءات «رمزية» تفرض هيبة مؤسسات الدولة، حين يفر الباعة ببدنهم لساعات قليلة ثم يعودون كما كانوا قبلها تماما، أما (الحكومة) فتحمل غنائمها وأسلاب تلك المعركة الوهمية... والواقع الآن بعد ضعف الأداء الحكومى، أثناء الفترة الانتقالية الماضية، كان قرارا واضحا أعلنه الباعة عمليا، بعد أن غزوا مساحات واسعة من الشوارع فى مصر، رافعين شعار: نريد استباحة دائمة للشارع، وليست استباحة مؤقتة. هذا هو الصراع الدائر الآن، ولا تختلف الأوضاع كثيرا فى حالة البناء المخالف الذى يقدره مسئولون حكوميون بمئات الآلاف من المخالفات. قبل الثورة كان ذلك الحضور الرمزى لأجهزة الدولة يخفى حالة من التراخى والفساد الإدارى أوجدت مدنا كاملة قامت على المخالفة للقانون واستباحة أراضى الدولة والأراضى الخاصة. وهنا يتجلى نفس المنطق مرة أخرى من وجهة نظر المخالفين الذين لم يعودوا يطيقون ذلك الحضور الرمزى لمؤسسات الدولة، فيتكرر الموقف، باحثين عن استباحة دائمة وتقنين للأوضاع بدلا من التعامل القديم مع جهاز إدارى هش، والبذل من أجل موظف مرتش يصمت بالمال أو متخاذل لا يتحرك من مكتبه.
تلك الحالة من السعى لفرض قواعد الاستباحة، لم تعد تتجلى فقط فى الخروج على فكرة المؤسسة واستخدام أساليب قديمة مثل: التعذيب والعنف الجسدى، أو البيع والشراء فى الشارع والتضييق على حركة المواطنين فى الطريق العام، بل هو نمط تفكير امتد لأن يستبيح فى مرة أجساد الفتيات، وفى مرة مبنى حكومى وفى مرة ثالثة سفارة دولة أجنبية.

Sunday, September 13, 2009

مدرسة التلاوة المصرية في عصر الهبوط

لا وقت للتجويد
الذوق يتجه للخليجى السريع ومدرسة التلاوة المصرية تتراجع

أمام جامع النور بالعباسية تلاوة قرآنية تنطلق من جهاز كاسيت قديم لا يتوقف عن تكرار تلاوة للقارئ السعودى عبدالرحمن السديس، يتلوها من مقام موسيقى واحد لا يتغير، وحوله مجموعة من شرائط القرآن والأدعية من نفس النمط، عدا مجموعة قليلة من شرائط التجويد ذات الإيقاع الأبطأ والتنوع فى المقامات الموسيقية لشيوخ مثل محمد الطبلاوى وأحمد نعينع وغيرهما.

وعلى الرغم من أن سعر بيع الشريط الواحد من هذه الفئة الأخيرة لا يتجاوز الجنيهات الثلاثة ونصف الجنيه إلا أن الإقبال الأكبر يظل على شرائط الترتيل خصوصا من مقرئى الخليج. وهى الحالة التى لم يجد لها سيد صاحب الفرشة تفسيرا سوى فى عبارة حاسمة «لا يشترى شرائط المصحف المجود إلا السميعة». ويكاد يكون الحال أوضح بجوار مساجد أخرى ذات طابع سلفى، ليكشف هذا التنافس عن صراع بين طريقتين فى التلاوة: الأولى هى تلاوة التجويد التى يفضلها «السميعة» وتلاوة الترتيل الشبيهة بتلاوة القرآن فى أثناء الصلاة.

ازدادت سخونة هذه المعركة الهادئة مع بزوغ نجم الشيخين عبدالرحمن السديس وسعود الشريم فى الحرم المكى، والشيخ على الحذيفى فى المسجد النبوى، حين اندفعت شرائطهم بقوة فى عقد التسعينيات إلى السوق المصرى فى الوقت الذى انكمشت فيه جلسات «سميعة» القرآن فى مجالسهم الطبيعية فى مصر، حيث الليالى الدينية والمناسبات الخاصة. وبدأ الترتيل الشبيه بتلاوة القرآن فى أثناء الصلاة يأخذ مساحة أكبر فى كاسيتات محبى القرآن، وظهرت إصدارات خاصة للرقية الشرعية تركز على تكرار آيات بعينها، كما ظهرت استخدامات جديدة لتلاوة القرآن فى حفلات افتتاح المحال حيث يبدأ «الدى جيه» ذو السماعات الصاخبة بالقرآن وأسماء الله الحسنى ثم ينتقل إلى الأغانى الراقصة. كل تلك العوامل صبت فى مصلحة التلاوة ذات الإيقاع السريع وصنعت رواجا لشرائط قراء الخليج إلى جانب القراء المصريين الذين ركزوا على إصدار المصحف المرتل.

أما التنافس بين شرائط المصحف المرتل التى تم تسجيل أغلبها فى أثناء صلاة التراويح فى رمضان وتلاوة المصحف المجود الأبطأ إيقاعا، فهو فى واقع الأمر ليس تنافسا جديدا، فمنذ القرون الأولى للإسلام، هناك صراع بين من يدعو إلى قراءة رصينة جافة ضد التطريب بالقرآن خوفا من أن يقع تحريف أو مد زائد على ضوء حديث نبوى وضع غناء القرآن ضمن علامات الساعة. وعلى الجانب الآخر هناك فريق يدافع عن نفسه مستندا إلى الحديث النبوى «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، وتأتى لحظة التوفيق بينهما فى رأى يفضل التغنى بالقرآن فى حلاوة الصوت مع الالتزام بأحكام التلاوة.

ومنذ قرون طويلة تعرض القراء المصريون للنقد لنفس السبب وكان أشهر من سدد كلمات النقد الإمام القرطبى فى تفسيره الشهير «الجامع لأحكام القرآن» حين انتقد بعض القراء المصريين فى عصره الذين مالوا إلى اللحن على حساب النطق السليم ووصفهم قائلا: الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز؛ ضل سعيهم وخاب وهو ما يوضح أن مجالس المستمعين فى رحاب موسيقى التلاوة كانت مستهدفة من الغيورين أمثال القرطبى الذى هاجر من الأندلس إلى مصر وتوفى بأسيوط فى القرن الثالث عشر الميلادى. وبعد القرطبى بقرون لاتزال جلسات التلاوة المصرية عرضة للهجوم على الرغم من احترافية المقرئين المصريين على مستوى العالم. ففى فتوى صدرت عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فى السعودية وُصفت بعض الحركات التى يمارسها الشيوخ من وضع اليدين على الآذان والتمايل عند القراءة بأنها من البدع وهى الحركات التى تكون مرتبطة بجلسات تجويد القرآن بين القراء المصريين. فقد ارتبط بعضها مثل وضع اليد على الأذن فى أثناء التلاوة بعادات قديمة لدى المصرين سجلتها الآثار المصرية القديمة لمغنين مصريين قبل آلاف السنين. وفى العام 2002 توجه أحدهم بسؤال إلى مركز الفتوى لموقع إسلام ويب السعودى «ما حكم التغنى بالقرآن.. وإتباعه بكلمة (الله) كما هو الشأن فى بعض أشرطة عبدالباسط عبدالصمد». وجاء الرد من لجنة الفتوى منكرا لذكر كلمة «الله» الدالة على الاستحسان فى أثناء الاستماع إلى التلاوة وقالت الفتوى:«أما بالنسبة لقول الناس بعد المقرئ (الله) فإنه ليس من هدى السلف، بل فيه عدم تعظيم للقرآن».

تلك الصورة بين تيارين يتعاملان بشكل متعارض مع تلاوة القرآن لا تنفى علاقات واضحة بين المقرئين فى الخليج، فمازالت جملة منسوبة إلى الملك السعودى الراحل خالد بن عبدالعزيز تتردد كل فترة حاملة معها الثناء على المقرئين المصريين نقلها عنه الشيخ القارئ محمد الطبلاوى تقول: «القرآن الكريم نزل فى الجزيرة‏،‏ وطبع فى إسطنبول‏،‏ وقرئ فى مصر»‏. وتحمل سير بعض القراء فى الخليج إشارات إلى أن بعض مشاهيرهم قد أجيزوا فى القراءة على يد شيوخ مصريين منهم الشيخ على الحذيفى إمام الحرم النبوى السابق، وكذلك القارئ الكويتى مشارى راشد العفاسى الذى سجل فى مناسبات عديدة حبه للمدرسة المصرية فى التلاوة. ورغم اعتماده فى تلاوته ومحطته الفضائية على التنوع فى المقامات الموسيقية أثناء الترتيل فإنه تجنب طريقة التجويد التى أصبحت أكثر ارتباطا بالمقرئين المصريين.
--
الشيخ أبو العينين شعيشع.. نقيب المقرئين وآخر رموز عصر التلاوة
قرأت القرآن فى قصر فخرى عبد النور .. ومجالس التلاوة أفرزت عشرات المواهب

مجلس الذكر والنغم
هكذا استفادت المدرسة المصرية فى التلاوة من المقامات الموسيقية

Wednesday, January 31, 2007

على هامش معرض الكتاب

كل عام.. يتكرر الحديث عن سلبيات تنظيم معرض القاهرة الدولي للكتاب، للناشرين شكواهم، وللرواد كذلك.. أشهر السلبيات دائما ما تكون عن اختلاط نداءات الباعة الجائلين بالأناشيد الإسلامية المذاعة على مكبرات الصوت الصاخبة، أو عن ركن سور الأزبكية الأشبه بسوق عكاظ الجاهلية، كذلك لابد من أن يتحذلق بعضهم كل عام ويتحدث عن رواج مبيعات كتب الفقه، جنبا إلى جنب كتب الشعوذة والأبراج.. كلها أحاديث مكررة عن سلبيات معرض القاهرة للكتاب. قد يكون للمعرض إيجابياته... أسعار ارخص إلى حد ما، وندوات متنوعة طوال اليوم، ومئات الناشرين، ومازال أمامنا بعض الوقت حتى الرابع من فبراير القادم لتقييم دورة هذا العام.. لكن خلال هذا الأسبوع كانت هناك ملاحظتين خارج الأجواء التقليدية للمعرض.. الأولى عن اعتقالات جرت من داخل معرض الكتاب لعاملين بدور نشر ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، والأخرى عن موقع معرض القاهرة الدولي على شبكة الانترنت. الأولى تعطي ملمحا عن حالة التحفز المتواجدة لدى الدولة تجاه جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة)، وكيف أن أجهزة الأمن لم تفوت مناسبة معرض القاهرة الدولي للكتاب دون أن تسجل نقطة في رصيدها خلال هذه المناسبة، وتأتي الاعتقالات في نطاق إجراءات ضد أنشطة أفراد الجماعة بوجه عام.. وربما ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها أحدهم داخل معرض الكتاب، حيث استغل بعض النشطاء السياسيين في دورات سابقة فرصة ازدحام المعرض برواده لإقامة احتجاجات وتوزيع منشورات ضد الرئيس ونجله، وجرى اعتقال ثلاث نشطاء في العام 2005، غير انه من المؤكد أن اعتقال ناشرين من أعضاء جماعة الإخوان هذا العام له حساباته الأمنية، غير أن المفارقة أن يتم ذلك داخل أجواء معرض الكتاب التي تحفل كل عام بالتواجد الديني الملحوظ، في مبيعات الكتب أو في سياسات دور النشر.. هل لتلك المفارقة من مغزى؟!، هل المد الديني أبعد من مسالة تنظيم جماعة إسلامية يرى البعض أنها تشكل خطرا على البلاد؟؟
مبيعات الكتيبات الدينية سواء داخل المعارض الجامعية، أو أمام المساجد، أو حتى في وسائل المواصلات العامة، ربما ليست بالأمر الصادم، غير أن ابتعاد ثقافة المواطن عن معارف أخرى، وتكاسل دور النشر والكتاب عن تقديم الكليات والنظريات والأفكار الحديثة في أعمال مبسطة لتعويض تردي حالة التعليم.. كل هذا يخلق مناخا يرتع فيه الدراويش، وفي رأيي أنهم أخطر على أي دولة.

عندما تطوف بين دور النشر في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. تفاجأ بأن بعض العلوم الإنسانية قد أضفى المؤلف عليها طابعا دينيا غير مبرر، وهذا ما نلمسه في علوم الإدارة والإنسانيات على وجه الخصوص، وتحديدا قد يلاحظ دارس التاريخ ذلك الانتشار الواسع للكتابات غير المتخصصة التي تتناول التاريخ الإسلامي، منذ البعثة النبوية حتى سقوط الأندلس، على طريقة تقديم التاريخ على أنه إما معجزات أو تاريخ أبطال، ناهيك عن طريقة التناول القريبة من خطب الجمعة وحلقات الدروس البعيدة عن منهج البحث التاريخي، وهو الأمر الملحوظ أيضا في تناول الحقبة المسيحية، في دور النشر المسيحية، والمشكلة ليست في وجود هذه المطبوعات بقدر ما المشكلة في سيادتها. وسط تلك الأجواء.. لن تنحصر المشكلة في أفراد جماعة الإخوان المسلمين فقط، بقدر ما تنحصر في مناخ عام.. يرى الماضي – والحاضر في الماضي - بصورة دينية سواء على الجانب المسيحي أو الإسلامي، وقد تنسحب تلك الرؤية على فروع أخرى نلاحظها في معرض الكتاب، سواء في مجال برمجيات الكمبيوتر، أو في فروع علم الإدارة وتنمية الذات وغيرها.

تبقى ملاحظة أخرى أجدها لا تبتعد كثيرا عن تلك الأجواء، بقدر ما تعطي ملمحا وتفسيرا لما يحدث، فحتى كتابة تلك السطور ومنذ عدة أيام، فوجئ زوار موقع معرض القاهرة الدولي للكتاب على الانترنت (http://www.cibf.org) بهذه الرسالة المقبضة أمامهم على شاشة الكمبيوتر" هذا الموقع موقوف للتأخير في سداد المستحقات المالية.. برجاء سداد كامل المستحقات ليعود إلي العمل..." !! هل في ذلك دلالة أخرى؟؟ هل أفلست الخزانات.. وغـًُـلـِّقت الأبواب في وجه المسئولين لدفع قيمة تأجير هذه المساحة على الانترنت؟ نحن الآن في الموسم الأكثر رواجا للكتاب في مصر، وكان من الأفضل أن يتابع الصحفيين والشباب من مرتادي الانترنت أنشطة المعرض من خلال موقع محترم كما هو الحال في أي مكان بالعالم.. كان بالإمكان يكون لهذا الموقع دور هام عن طريق إحصائيات يقدمها، أو في عروض يقدمها للكتب طوال العام، ليكون أقرب إلى موقع تثقيفي.. فتكفي زيارة إلى مواقع معارض الكتاب العالمية التي تحول بعضها إلى بوابة الكترونية (Web portal)، متجاوزين فكرة المواقع التقليدية، لنشعر بشيء من الحسرة.
ربما نحن نسير في طريق يبتعد عن إصلاح الأمور، كل يعمل حسب وجهة نظره، و"يا صابت يا خابت"، وربما يكون هناك شيء من الأمل في أولئك الذين ما زالوا مستمسكين بالقواعد السليمة لأداء واجبهم تجاه أنفسهم وتجاه مجتمعهم.. حتى وان كانوا بعيدين عن أن يذكروا داخل المقالات أو أن تحفل بهم وسائل الإعلام، لكن ربما عليهم أن يقتربوا أكثر من تسيير أمور هذا المجتمع، كي يتغير شيء ما.
ـــــــــــــــــــــــــــــ

Wednesday, October 18, 2006

الحقبة الناصرساداتية

الفجوة الواسعة بين سياسات الراحلين جمال عبدالناصر وأنور السادات، كانت سببا في تقديم مصطلحي الناصرية والساداتية على أنهما مصطلحين متضادين، إلا هذا لم يمنع أن هناك فترة مقتطعة من مدتي حكم كل منهما عبرت عن مرحلة انتقالية مابين السياسات الناصرية والسياسات الساداتية، وهي الفترة الواقعة بين هزيمة يونيو 1967 حتى نصر أكتوبر 1973، حيث كانت أشبه بمرحلة انتقالية بين عهد الثورة العربية وعهد السلام مع العدو.

من أهم ملامح تلك الفترة:

1- تغير موقف مصر من قوى (الرجعية) العربية

كان تاريخ الخامس من يونيو 1967 نقطة تحول في سياسات جمال عبدالناصر، فبعد أن كان الهدف الرئيسي في علاقاته العربية هو القضاء على النظم الرجعية – وهي القوى العربية المؤيدة للغرب الاستعماري حسب تعبير الثورة المصرية وقتها – تحول هذا الهدف إلى تعبئة الموارد العربية من أجل استعادة الأراضي التي احتلت عام 1967، ويقول الرئيس الراحل أنور السادات في كتابه "البحث عن الذات" كشاهد على الأحداث أن جمال عبدالناصر " قد أخذ درسا حين رأي أن الذي وقف إلى جانبه بعد الهزيمة سنة 1967 كانوا من ظل طوال حياته يصفهم بالرجعية مثل السعودية والكويت والملك السنوسي ملك ليبيا.فهم الذين دعموه بالمال بعد الهزيمة..".
إذن فنحن هنا بصدد تحول في تعامل جمال عبدالناصر مع النظم العربية، فقبل عام 1967 كان التعامل مع النظم العربية تعاملا انتقائيا، ثم تبدل الحال، وبدأ التعاون يجد سبله مع جميع الأطراف العربية دون تمييز، وذلك من أجل دعم المعركة، فلم يكن هناك مجال لتبديد الطاقات العربية في صراعات من أي نوع، وتلك السياسة هي التي سار عليها خليفته السادات حتى تحقق النصر في معركة العبور عام 1973، وهو ما مهد له فيما بعد أن يرسخ سياسات ساداتية مستقلة في النصف الثاني من فترة حكمه.

2- الدخول في مشروعات وحدوية دعما للمعركة

كان من ملامح تلك المرحلة أن دخل الرئيس جمال عبدالناصر في اتفاقات وحدوية مع الثورات والأنظمة العربية الشابة، وذلك رغم ما وقع سابقا من إخفاق في مشروع الوحدة العربية الشهير مع سوريا (1958 – 1961)، إلا أن توقيع مصر لاتفاقات وحدوية جديدة كان لهدف آخر.. فقد أصبح جمال عبدالناصر مضطرا لتوقيع تلك الاتفاقات بغرض الحصول على دعم للمعركة المقبلة، وتهيئة للجبهة العربية بشكل عام. على سبيل المثال وتحديدا على صعيد العلاقات الوحدوية مع الثورة الليبية كان من المتوقع أن يكون في ليبيا أسراب من طائرات الميراج الفرنسية جاهزة للاستخدام بحلول عام 1973، وهي الصفقة التي تمت تحت أعين الحكومة المصرية في ختام عهد جمال عبدالناصر، وبالفعل شاركت بعض هذه الطائرات في حرب اكتوبر على عهد الرئيس السادات 1973، وهو ما يفسر لنا استمرار الرئيس السادات بعد وفاة جمال عبدالناصر عام 1970 في نفس المشروع الوحدوي رغم عدم التوافق مع الجانب الليبي الذي بدأ في التأفف من عدم وجود وحدة شاملة بين البلدين، وهو ما مثل بداية للتدهور في العلاقات، وانتهى بإعلان الرئيس القذافي اعتراضه على حرب أكتوبر أثناء دوران المعارك.
إذن فقد كان لتلك الاتفاقات الوحدوية أهدافا استراتيجة وعسكرية لدعم المعركة، كذلك كان الأمر مع الاتفاقات الوحدوية مع السودان، أو سوريا حيث كان لها أهدافا عسكرية تسبق الأهداف السياسية التي أعلنها عبدالناصر في البداية عن "تجديد دماء الثورة العربية"، أو التي كان يقدمها السادات على أنها دعم للعمل الوحدوي العربي، فهي في حقيقة الأمر كانت خدمة للمعركة.

3- قبول التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية

ملمح جديد في سياسة الرئيس جمال عبدالناصر ظهر عقب هزيمة يونيو 1967، وتحديدا في ختام حرب الاستنزاف. وهو قبوله فكرة التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك عند تعامله مع مبادرة روجرز وزير الخارجية الأمريكي وما أعقب ذلك من وقف لإطلاق النار على الجبهة الشرقية، وهو الملمح الذي امتد في فترة حكم الرئيس الراحل السادات عندما تعاون مع دول عربية ذات صلات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، إضافة إلى اتجاهه إلى عدم الاعتماد الكامل على الاتحاد السوفيتي، وطرد الخبراء السوفيت من مراكزهم الحساسة في البلاد، بعد أن تيقن أنهم لن يقدموا له الدعم المطلوب في المعركة، هذا إلى جانب اعترافه بدور الولايات المتحدة الهام في الشرق الأوسط.
لقد كانت المعركة والحرب الفاصلة هي المحرك الرئيسي لسياسات كل من الرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات في تلك المرحلة. ومع انتهاء حرب أكتوبر 1973، ووقف إطلاق النار، وبدء مفاوضات سيناء العسكرية، والتقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية، ثم توقيع اتفاقيات السلام، تبدأ مرحلة تعبر بحق عن سياسات ساداتية جديدة اختلفت عن السياسات القديمة، وهو ما أسفر عن انقلاب العديد من الحكومات العربية على الرئيس السادات تدريجيا كلما اتضحت سياساته الجديدة، فنتج عن ذلك صدامات مع أصدقاء المرحلة (الناصرساداتية) كليبيا وسوريا والعراق والدول التي تحولت إلى "جبهة الصمود والتصدي"، والتي نجحت في إخراج "مصر الساداتية" من جامعة الدول العربية.

لذا فإن الفترة من عام 1967 – 1973 هي بحق فترة انتقالية بين العهد الناصري قبل هزيمة يونيو 1967، والعهد الساداتي عقب نصر أكتوبر 1973، ففي تلك الحقبة تخلى جمال عبدالناصر عن سياساته ضد الإمارات والممالك والحكومات العربية التي كان يصفها بالرجعية، وتخلى عن فكرة عدم التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفي تلك الحقبة أيضا حاول السادات صنع توازن في العلاقات بين الدول العربية التي كانت توصف بالرجعية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ونظم عسكرية وثورية عربية، وذلك كاستمرار في سياسة التعاون مع جميع الأطراف العربية خدمة للمعركة المقبلة ضد إسرائيل، ولم يعلن السادات عن ميله نحو الولايات المتحدة أو ولا عن قبوله فكرة التفاوض الجدي إلا متأخرا، واستمر فيما تركه له جمال عبدالناصر من ميراث، حتى أظهر سياساته (الساداتية) الخالصة في النصف الثاني من مدة حكمه بعد أن تحقق نصر أكتوبر1973.

إن نهاية عهد جمال عبدالناصر، وبداية عهد أنور السادات، مابين الهزيمة والنصر، هي مرحلة وسط بين المرحلة الناصرية والمرحلة الساداتية، والتي يصح أن نسميها (الحقبة الناصرساداتية)ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيلاف، 2، 3، 4

Wednesday, August 9, 2006

من يفتح باب الجهاد..؟!

منذ أيام صرح المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين بمصر لوكالة الأنباء الفرنسية انه على استعداد أن يرسل عشرة آلاف شاب “مقاتل”، للقتال بجوار حزب الله اللبناني، وكرر السيد المرشد العام نفس الدعوة في أحد المؤتمرات الحاشدة بنقابة المحامين المصرية، وأكد أن الجهاد ليس عبثا أو لهوا وأنه يحتاج إلى تكنولوجيا متطورة وأن الإخوان مستعدون لذلك..!! فهل في دعوته تلك رسالة خفية بأن الإخوان لديهم التكنولوجيا المتطورة لتسليح شبابهم..؟ وإذا كان الجهاد ليس عبثا أو لهوا كما يرى السيد المرشد العام..فهل لديه بعض الأجوبة على الأسئلة المشروعة حول دعوته العبثية..؟ أول هذه الأسئلة على يد من سيتم تدريب هؤلاء الشباب..؟ ثم أين ستكون مواقع التدريب..؟ وما هو موقف الجيش المصري من هؤلاء الشباب..؟ كما أنه أليس غريبا أن تسمح دولة لديها جيش كامل كمصر بإعداد ميليشيات مسلحة للحرب..؟ ثم ما هو مستقبل شباب تدرب على السلاح خارج النطاق العسكري الحكومي.. في دولة بها بطالة وفساد واحتقان داخلي..؟؟ ، ألا تستحق تلك الأسئلة الإجابة عليها وهي متعلقة بمستقبل مصر ومصيرها ..؟
كان المرشد العام قد طالب الحكومات أن تسمح بهذه الإعدادات العسكرية الشعبية أو على الأقل أن «تغض الطرف» عنها، ومن العجيب أن تأتي مثل تلك العبارة المبهمة في قضية مصيرية، مع ما تحمله من تحييد كامل للحكومات واستغلال لموقفها العاجز الحالي بدلا من تحريكها سياسيا من داخل النظام عن طريق مقترحات عملية، وتظل الخطورة الحقيقية هنا كامنة في طرح فكرة تسليح شرائح مدنية من المجتمع في مجتمعات لا تتصف بالعدالة، مما يجعلنا نتوقع ما قد تسفر عنه مثل تلك المقترحات مستقبلا، وما تحمله من نوايا لإسقاط الشرعية عن الحكومات عمليا، بحيث يحل من يحارب ويحمي محل من اكتفى “بغض الطرف” وجلس هو الجيش النظامي يتابع الموقف. ومن المؤسف أن نجد من يؤيد تلك الاقتراحات أو يزايد عليها بين ممثلي القوى المصرية الأخرى. القوى التي تحاول أن تتجاوز دورها المقتصر على جلسات توبيخ الحكام العرب ومحاولات التحفيز ضدهم إلى خطوات أكثر جاذبية، فعلى ما يبدو أن دعاوى تسليح قطاع من الشباب من أجل الجهاد قد لاقت استجابة لدى البعض، كأحد ممثلي التيار الناصري الأستاذ سامح عاشور نقيب المحامين المصريين الذي طالب بفتح باب الجهاد ضد العدو الصهيوني. لاعبا على نفس النغمة المرتجلة التي بدأها المرشد العام للإخوان، أما بين الأوساط الشبابية فليس من المستغرب أن تجد أحد شباب التيار الإسلامي من طلبة المرحلة الجامعية يطالب في إحدى التظاهرات الأخيرة أن تتحول الجامعات إلى أماكن تدريب للمقاومة، وحدث أيضا أن قام بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين – منذ أيام قلائل – بتوزيع منشورات للحض على الجهاد مثلما حدث في محافظة أسيوط الأمر الذي تسبب بعدها في حالة تحفز لدى الأمن وصدام مع المتظاهرين في أحد المساجد ثم اعتقال الكثيرين منهم هناك. حاول المرشد العام مؤخرا تعديل الموقف بعد الانتقادات تعرض لها من قبل بعض الخبثاء – على حد قوله- الذين حرفوا كلامه، وأكد في حديثه لقناة العربية الفضائية أنه لو تم فتح باب الجهاد فالرقم سيتجاوز العشرة آلاف إلى المائة ألف متطوع، لكنه أكد أن ذلك لن يتم إلا تحت أعين الحكومات، مثلما كانت المقاومة في الأربعينات والخمسينات قبل الثورة المصرية، ورغم محاولات المرشد العام تعديل الموقف إلا أنه لم يتناول أثر دعوته لفتح باب الجهاد. على الصعيد السياسي الدولي أو الإقليمي، أو حتى على الصعيد الداخلي عقب إنشاء طبقة مارست فنون القتال ولها ولاءها لجماعة ذات طابع سياسي كجماعة الإخوان المسلمين.
لقد بدأ حزب الله حربه وحده، وهو يقاتل الآن وحده والأضواء كلها مسلطة عليه، وعلى ما يبدو أن هناك من يريد مشاركته الأضواء تحت دعوى فتح باب الجهاد. إن سعي البعض إلى الجهاد وحده وعلى مسئوليته الخاصة، دليل على أننا لسنا على قلب رجل واحد، وأن قلوبنا شتى… لنتعرف أننا امة تحتاج إلى إعادة بناء .
ــــــــــــــــــــــــــ

Thursday, July 27, 2006

مواقف على هامش الأزمة اللبنانية

يقاتل حزب الله وحده ويتلقى لبنان كله الضربات الإسرائيلية، هكذا هو المشهد الحالي لما يحدث في الأراضي اللبنانية، ولعل المأزق الحقيقي أن الأمور قد سارت منذ البداية على عكس المنطق الطبيعي في خوض الحروب، بأن تتوحد الجهود الشعبية والحكومية وراء جيش موحد يواجه العدوان تحت قيادة واحدة تنسق مع من حولها من حلفاء ودول المجاورة، و هذا ما لم يحدث في العمليات العسكرية الدائرة في لبنان الآن. وامتدادا لتلك الأجواء، ظهرت على هامش الحرب مواقف أخرى خارج لبنان، عبرت هي الأخرى عن مأزق عربي يعيشه أبناء الأمة الواحدة، في نزاعاتهم فيما بينهم.

ــ فتوى ابن جبرين

خرج الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين في السعودية بفتوى تحرم التعاون مع حزب الله (الرافضي) أو دعمه ولو حتى بالدعاء، ويطالب الشيخ أهل السنة بالتبرؤ من كل من يفكر في الانضمام للواء تلك الجماعة أو التعاون معها، وكان رد الفعل أن خرجت بعض الأصوات تهجو الشيخ (الوهابي)، وتتهمه بالخيانة. غير أنه قد فات من انتقدوه.. أن فتواه تلك لم تكن نشازا عن سياق فتاواه السابقة، عندما أفتى بحرمة مناداة الشيعة بالأخ أو الأخت، وبعدم جواز أكل ذبائحهم، أو عندما اعتبر أن كثيرا من أهل الصوفية هم أهل شرك وضلال، إلى جانب فتواه الشهيرة بتحريم التعامل مع غير المسلمين أو توظيفهم، وفتوى مقاطعة صحيفة الوطن السعودية بحجة نشرها صور نساء كاشفات يطلبن حضور مباريات الكرة (!)، إذا فتلك الفتوى الأخيرة منطقية ولا تحمل معها أي مفاجأة. غير أن موعدها وسط كل تلك الأخبار السيئة هو ما دفع البعض إلى الإحساس بخيبة الأمل والصدمة. لكن ما الذي يمكن أن يحرك شيخا "كابن جبرين" ومن على نهجه في هذا الاتجاه..؟ عوامل كثيرة أهمها فكرة التوحد مع تجربة قديمة عاشها أحد شيوخ القرن الثامن عشر وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما كان أتباعه يجولون لتنقية عقول أهل الجزيرة العربية مما علق بها من مظاهر إيمانية فاسدة، حيث يروي الشيخ ابن جبرين عن تجربة شخصية مر بها عندما أمره الملك سعود –رحمه الله- بالخروج في رحلة دامت لأربعة أشهر إلى أهل البدو والصحاري قرب الحدود الشمالية للمملكة، واعتبرها رحلة ناجحة حيث قام فيها هو ومرافقوه بهداية الكثيرين إلى صحيح الدين بعد أن كانت كل معلوماتهم عن الإسلام ضحلة وضئيلة. إذا فلعل ما يدفع شخص كالشيخ ابن جبرين في هذا الاتجاه هو الوسوسة من أن تتبدل عقائد العرب بعقائد فاسدة، وربما يكون ما دفعه إلى ذلك أيضا هو اعتباره أن طريق لإصلاح الوحيد هو طريق التوحد وتقليد نهج "الموحدين" أتباع الشيخ محمد ابن عبد الوهاب. قد يكون ما حركه أيضا هو ما يحرك غيره من الشيوخ، عندما تأتيهم أسئلة المريدين تبحث عن إجابات بعينها تثير حماستهم، وتعلي من شأنهم، فإذا ما قدَّم لهم أحد الشيوخ الإجابات المنتظرة كان شيخهم وتاج رؤوسهم، وإن اعترض صار عدوهم. وهنا كان واجب الشيخ المتصدر للفتوى ألا يقع في هذا الفخ، وأن يقرأ طموحات مريديه من صيغة أسئلتهم، بدلا من أن يعطيهم مبررا لكراهية واحتقار الآخرين. من واجبه أن يكون أكثر جرأة في مواجهة طموحات الجماهير، التي تبحث عن تحويل المذهب إلى قبيلة بديلة، تغني لها أناشيد الفخر والحماسة، وتهجو وتلعن بقية المذاهب.
كانت أهم أصداء هذه الفتوى أن قامت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بنشرها على صفحاتها، لتعطي مزيدا من التحريض ضد صاحب الفتوى وأهل مدرسته الفقهية.. لتؤكد لنا تلك القصة أن كل ما كان يتم بيننا من فرقة ونزاع وحض على كراهية في أوقات السلم، قد امتد ليمارس أيضا وقت الحرب.

ـــ شيخ الأزهر.. السيناريو المكرر

شيخ آخر كان في مأزق.. فمشكلته الأبدية أن أقواله ومواقفه لا ترضي الجماهير أبدا ولا تثير حماستهم، مصيبته الكبرى أن بعض التيارات ترغب في منصبه الغالي كي تتحكم في البلاد. هو شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي. فمنذ مدة والاتهامات توجه له وتتهمه بأنه رجل الحكومة، وأنه لا إرادة له.. فالجميع كان ينتظر أن يكون أعلى صوتا وأكثر حدة وقت الأزمات ليتخذوه شيخا ورمزا، ويتزامن هذا مع دعوة متجددة لأن يكون منصب شيخ الأزهر بالانتخاب، وبالطبع فهناك تيارات تطمح في هذه الفرصة ليتكرر ما حدث في النقابات المصرية التي سيطرت عليها الصراعات السياسية، فبعض التيارات الدينية – والسياسية - تطمح أن تجد لها ممثلا في منصب شيخ الأزهر، كبديل عن بقاء المنصب ممثلا لإرادة الحكومة المصرية. وطوال الفترة الماضية كان البعض يتصيد المواقف والأخطاء لشيخ الأزهر، ضمن مخطط الحرب على الحكومة، وكثيرا ما تم تأويل تصريحاته إلى معان أخرى، مثلما حدث وقت أزمة الرسوم الدنمركية المسيئة، عندما اتهمه البعض بأنه قد ذكر لأحد الوفود الغربية أنه لا يصح الإساءة إلى محمد - صل الله عليه وسلم – لأنه الآن رجل ميت (!) فثارت عليه الأقلام، واضطر الرجل إلى أن يقود مظاهرة احتجاج ضد الرسوم المسيئة لتحسين صورته، ورغم أن تصريحه الأصلي لم يحمل تلك المعاني الساذجة، إلا أن البعض قام بتأويل تصريحاته وصدقها كثيرون، فوقع الرجل ضحية كونه موظف حكومي كبير. اليوم.. وامتدادا لهذا المأزق الداخلي، تم اتهام شيخ الجامع الأزهر من قبل أحد المواقع الصحفية المعروفة بميلها إلى جماعة الإخوان المسلمين، ضمن سيناريو الحرب على شيخ الأزهر الدائر منذ مدة.. بأنه قد وصف السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني بأنه رجل مريض بجنون العظمة ومتقمص لشخصية صلاح الدين الأيوبي، وذكر محرر الخبر أن مصدر المعلومة من داخل الأزهر الشريف، وإمعانا في إضفاء روح الدقة على الخبر، قام المحرر بتأويل إحدى فقرات خطاب لشيخ الأزهر الداعمة للرئيس مبارك وفسرها على أنها هجاء لحزب الله.
حتى الآن لم يؤكد أي مصدر آخر هذا الخبر، ولم يقم شيخ الأزهر بنفيه... غير أنه من غير المستبعد أن يكون هذا الخبر قد تم تفصيله استغلالا للحدث واستمرارا في مسلسل تخوين شيخ الأزهر واتهامه بالاتهامات الحادة في وطنيته، ليتأكد بهذا أننا نستمر وقت أزماتنا الكبرى على نفس ما تعودنا عليه وقت الهدوء والسلم من مشاحنات وبغضاء وحسابات سياسية أو مذهبية.

ـــ النهايات المنطقية

لعل تلك الحادثتين وغيرهما من الحوادث الهامشية التي صاحبت الاعتداءات الأخيرة على لبنان، قد أكدت أن ما تعودنا عليه طوال السنوات الماضية لم ولن يتغير وقت الحرب أو الأزمة، بل ستظل صراعاتنا كما هي تحركها الأطراف المختلفة وفقا لمصالحها الخاصة.. إذا فان كنا لا نريد هزائم قادمة، فلنحاول تدريب أنفسنا على منع روح البغضاء والكراهية وقت السلم قبل أن تمزقنا الفرقة وقت الحروب والأزمات.
ــــــــــــــــــ

Friday, March 24, 2006

إنصافا لعمرو خالد

إذا ما وقع صدام بين طرفين.. فأيهما أفضل، الانغلاق على الذات والبحث عن الانتقام من الطرف الآخر، أم مصارحته والتحاور معه حول المشكلات القائمة بين الطرفين..؟؟ إن خيار البعد عن الحوار قد يفضي إلى قطيعة قد تدوم لسنين طويلة يترسخ خلالها الشعور بالكراهية حين تستمر أسباب الغضب كما هي دون علاج أو مناقشة.. ويتجه البعض في مثل تلك المواقف إلى البحث عن الانتقام من الطرف الآخر بأي وسيلة كانت، ويعتبر هذا الانتقام نصرا أوشيئا من التفوق، علما بأن القوة دائما ما كانت تتجلى في قوة المنطق و استخدام الحجة عند الإقناع.. فهكذا كانت عظمة الأنبياء والقادة والزعماء حين تكمن قوتهم في قدرتهم على إدارة المواقف الصعبة ومواجهة الآخرين، لابصب اللعنات ومحاولات الثأر.
قد يرى بعض المسلمين أن الإساءة الدنماركية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم – التي قام بها أفراد قليلون- هي متعمدة ومقصودة ومَرْضِـي عنها من الشعوب الغربية.. ولعل أصحاب وجهة النظر تلك يُسقطون من حساباتهم عامل اختلاف الثقافات وتضارب الرؤى بين الجانبين الإسلامي والغربي بشأن تقدير الأديان والأنبياء، وقد بدت السعادة واضحة على بعض الأوساط الإسلامية بسبب حالة الغضب التي عمَّت أرجاء البلدان الإسلامية كالتظاهرات وحملات المقاطعة، حتى وصف البعض حالة الغضب تلك بتعبير "الصحوة"، مما جعل مبادرة الداعية عمرو خالد ومن معه من علماء المسلمين في اختراق أرض الآخر وعرض ما بداخل نفوس المسلمين من غضب وصدمة أمام الطرف الآخر سببا في اتهامه بالانتهازية، ومخالفة المجموع، وفي السخط عليه، حتى وصف البعض مبادرته بالفشل..!
ودعونا ننظر الآن ماذا فعل عمرو خالد... لقد أخذ بأيدي مجموعة من الشباب إلى الغرب كي يُعَـبروا عما بداخلهم من غضب ويواجهوا (الآخر) بحقيقة مشاعرهم تجاهه في رمزية تعبر عن دعوة شباب الأمة إلى الاتجاه إلى فكر جديد يمارس الفعل، ولا يكتفي برد الفعل... وذلك في الوقت الذي نجد فيه بعض الشخصيات في المجتمع الإسلامي تصر على "استثمار حالة الغضب الإسلامي" وتأجيجها، طارحين تعبيرات "الصحوة" و"الوحدة الإسلامية" في وصف حالة الجماهير الغاضبة، حتى وإن صاحب هذا الغضب بعض التهور... وكأن مثل تلك الممارسات قد حلت الأزمة أو أعطت ضمانات لعدم تكرار الإساءة مرة أخرى، إن مثل تلك الوضعية الأخيرة التي تعتمد على تحفيز غضب الجماهير من المؤكد أنها ستصنع شبابا ليس لديه القدرة على التحاور أو التعبير عن آلامه ومشاكله للآخرين.. وستصنع شبابا أكبر أمانيه أن ينتظر إشارة الاحتشاد بأمر آخرين رافعا صوته لمن يزيده حماسا، فيترك مهمة الحوار إلى الاحتفاليات الثقافية الحكومية الشكلية. وإنصافا للداعية الشاب عمرو خالد ومن سانده في مثل تلك المبادرة الأخيرة، فقد طرح الرجل فكرة إمكانية النقاش على طاولة واحدة بين أطراف – غير رسمية- بغرض التعرف على خلفيات كل طرف، والتحسب لأثر الاختلافات بين الطرفين على المستقبل، مع ترك الأمور الإجرائية للحكومات والجهات الرسمية، وهذا الاتجاه جاء كبديل عما يمارسه البعض من تلاعب بحالة الجماهير المزاجية، وتحفيز غضبهم وتصوير مظاهر غضبهم على أنها مظاهر نصر وقوة.

إن فكرة الحوار هي فكرة جديرة بالاحترام و تستحق التطبيق على الصعيد الداخلي في داخل المجتمعات الإسلامية، حيث بؤر الفتن والتجمعات المنغلقة التي لاتقبل التنوع في داخل الأمة الواحدة، سواء بين أبناء الدين الواحد (الإسلام) أو بين المسلمين وغير المسلمين. ولعلنا نتساءل الآن.. ماذا لو كان رسام الكاريكاتيرات المسيئة للنبي الكريم من العرب غير المسلمين.. كيف كانت ستدار الأمور..؟!وماذا لو وقعت حالات إثارة للفتنة بين السنة والشيعة.. هل سيكون "استثمار حالة الغضب والحفاظ على ثباته" مفيد للطرفين..؟! وهل سنظل على نهج حشد الجماهير الغاضبة في مواكب استعراضية، والسعي لتركيع الآخر، بدلا من مصارحته بخطئه، وتقديم مطالبنا أمامه..؟؟

إن فكرة السيطرة على الجماهير وتوجيه غضبها في أمور شكلية دون مواجهة أسباب الغضب هي إحدى مشاكل مجتمعاتنا التي تنقل غضبها دوما إلى أمور أخرى دون مواجهة أصل المشكلة، مما يزيد من مشكلات مجتمعاتنا، ويسهم في تأخرها.
ـــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, February 14, 2006

رحلة في عقل رسام كاريكاتير أوروبي

جلس رسام الكاريكاتير الأوروبي يعد رسما حول الإسلام، كان أول ما تذكره هو وجه أسامة بن لادن، وملثمون يستعدون لنحر أحد الرهائن الغربيين، وآخرون يرفعون أسلحتهم في وجه الكاميرات داخل الأراضي الفلسطينية.. حاول أن يتذكر أشهر الحكام العرب ومواقفهم الشهيرة، تذكر صدام حسين ومحاكمته، تذكر تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الأكثر عداءا للغرب.. كانت هنالك وجوه لشخصيات عربية أخرى، لكنه لم يتذكر إلا هؤلاء.. فهم الأشهر، أو هكذا أرادت لهم وسائل الإعلام . بحث الأوروبي حوله عن مسلمين أوروبيين جمعوا في قلوبهم بين حب الإسلام والانتماء إلى الحضارة الغربية بكل آدابها وفنونها، لم يجد كثيرا، فقد كانت الأغلبية من أصول غير أوروبية، يرتدي بعضهم أزياء غريبة عن أزياء وطنه، لا يندمجون بجدية في المجتمعات الأوروبية، ولاءهم الأساسي لأوطانهم الأصلية، بعضهم لا يجيد لغة البلاد التي يعيش فيها... لذا لم يكن هناك نماذج إسلامية شهيرة يتحدث عنها. حاول الرسام أن يفعل كبعض مدعي الثقافة ويؤصل ما علمه عن المسلمين، فبحث داخل كتابات الأوروبيين عن الإسلام وحاول أن يربط بين ما يراه اليوم وما جرى قديما.. قرأ في إحدى الموسوعات أن من أنشأ الديانة الإسلامية كان رجلا يدعي محمدا، نجح في توحيد القبائل العربية التي تزعمت العالم من بعده وفرضت لغتها في بقاع عديدة من العالم.. يعبدون إلها اسمه "الله" ..(!) كذلك قرأ عن تعدد للزوجات وتسلط الرجال على النساء... الخ، أعجبته تلك المادة فمنها يستطيع أن يصنع رسوما مثيرة للجدل .
رسم كاريكاتيراته وتهكم فيها على محمد مؤسس الديانة الذي لم يكن ليعترف بنبوته مثلما لا يعترف بوجود المسيح، كان محمد - عليه الصلاة والسلام - في نظره هو السبب وراء ما يفعله المسلمون اليوم.

لم يعلم الرسام أنه ظلم نبي الإسلام عندما لم يتحر الدقة في رحلة بحثه واستسلم لمرويات تصلح كحكايات أسطورية عن الإسلام، وبعد نشر رسومه الساخرة... عبّر المسلمون عن غضبهم وتعاون معهم مسلمون أوروبيون، تفاجأ الرسام بحرق سفارات بلاده وبلاد أخرى نشرت رسومه الكاريكاتيرية، أذاع التلفاز أن أحد الفقهاء المسلمين قد أحل دمه.. الحرب الاقتصادية تبدأ، ورئيس وزراء بلاده لا يريد الاعتذار.. يعتذر الرسام ولا فائدة(!) يبحث في مكتبته الخاصة عن حروب قديمة بين المسلمين وبلاده، وجد حديثا قديما عن الصليبيات، اعتبر الحاضر امتدادا للماضي، ولم تتغير نظرته للإسلام، وزاد الحذر في بلاده من مسلمي الداخل وأصبحت هنالك مرارة تجاه كل مسلم. قد يكون هذا هو ما دار فعلا في عقول بعض الأوروبيين، رسامو كاريكاتير كانوا أو عمال في مصانع، أو حتى فلاحون في مزرعة، ولم يستطع المسلمون تغيير تلك الأفكار، بل تركوها تترسخ أكثر في الأذهان بعد أن غاب الحوار العاقل تماما عن الأحداث.. ويحاول بعض المسلمين الآن المحافظة على حالة الغضب الدائرة على أمل أن يعمل الآخرون لهم ولمعتقداتهم ألف حساب في المستقبل، وإلا فالبديل هو الغضب..!

كان الرسول عليه الصلاة والسلام في رده على حماقات الآخرين يسعى دوما إلى توصيل فكرة وهدم أخرى، وكانت قضيته في رسالته وليست في مسائل ثأرية.. البعض منا قد تعامل مع قضية الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام بأسلوب خاو من الفكر، لا يحمل رسالة بقدر ما يحمل عداء وإغلاقا للأبواب.. البعض قد بحث عن أقصى العقوبات ولم يفكر في الهدف منها، واتضح هذا الأمر بعد اعتذار أهل الإساءة عن إساءتهم، فلم يتغير شيء.. لأن هدفنا كان الانتقام بالدرجة الأولى ولم يكن سعيا وراء جدل محمود للتأثير في الآخر فكريا وحضاريا. القضية أساسا كانت قضية ثقافية، وتحولت إلى قضية سياسية اقتصادية، مما ضيّع وسط صخب الهتافات حقائق كان من الواجب توصيلها إلى أهل الإساءة... والآن نتمنى أن تعود إلينا قضيتنا الرئيسية كي نوضح من خلالها الحقائق ونعرض ملامحنا الثقافية والحضارية للآخرين بوسائل مبتكرة كي لا يسيئوا إلينا مرة أخرى ، فالجهل بالشيء هو مقدمة لرفضه، ربما تلك هي لحظة التواصل مع الآخر وطرق أبوابه لتعريفه بأمور لم يعلمها عن دين قد ظلم كثيرا على يديه، بالإمكان إعداد مادة إعلامية تقدم ومضات عن الإسلام وعن الشرق بأسلوب (غربي) محترف، بالإمكان أن يجاهد المسلمون الأوروبيون للاندماج داخل مجتمعاتهم الغربية كي يتم قبولهم في تلك المجتمعات، بالإمكان أن يفيق أهل المشرق من غفوتهم وإنطوائيتهم و يصلحوا من أنفسهم كي يجدوا ما يقدمونه للآخرين.
ليكن هدفنا هو ذلك الرسام، الذي لم يجد ما يقدمه عنا، لنحاول صنع شيء يحترمه الآخرين فينا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Sunday, February 12, 2006

بين الحزب السياسي والتنظيم الإسلامي

من ضمن تعريفات الحزب السياسي تعريف يراه مجرد تنظيم يقدم مرشحين للانتخابات، أو هو جماعة تتقدم إلى الانتخابات التشريعية، وقد اعترض الكثيرون من علماء السياسة على هذا التعريف الذي يجعل من الدخول إلى الانتخابات معيارا لنيل الصفة الحزبية، فحسب هذا التعريف فإن الهيئات الدينية أو المؤسسة العسكرية مؤهلة لاتخاذ الصفة الحزبية إذا ما دخلت الانتخابات.. وهو أمر غير مقبول في النظم الديمقراطية . لعلنا الآن نعيش عهد الانتصار لهذا التعريف، بعدما أثبتت لنا نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخرا في وطننا العربي في مصر والعراق والأراضي الفلسطينية أن بدائل أخرى غير الأحزاب السياسية قد تقدمت إلى الانتخابات واكتسحت الأحزاب التقليدية المطابقة للمواصفات الأكاديمية .

في مصر - مع استثناء النتائج الانتخابية للحزب الحاكم - نجد أن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قد حققت تواجدا في المجلس التشريعي المصري يفوق خمسة أضعاف حجم التواجد الحزبي لبقية الأحزاب المصرية كافة، علما بأن جماعة الإخوان المسلمين جماعة دينية وليست حزبا سياسيا تقليديا.. أما في العراق فقد كانت بعض القوائم الانتخابية تحمل ملمحا طائفيا ومذهبيا فجـا نال الحظوة على حساب الفكر الحزبي التقليدي، ومؤخرا كان التقدم في الأراضي الفلسطينية لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" على حساب "فتح" مصنع القيادات الفلسطينية . وبعيدا عن الأسباب الداخلية التي دفعت إلى ظهور مثل تلك النتائج، وما قد يقال عن أن بعض تلك النتائج - كما في مصر والأراضي الفلسطينية - قد جاءت نكاية في السلطة الحاكمة، فما نلاحظه هنا هو ذلك الخطاب السياسي ذو الطابع الديني الدعوي الذي حقق مكاسب سياسية كبيرة، وتلك الظاهرة تستحق البحث في جذورها كمحاولة لطرح البديل. ولعل مفهوم الحزب السياسي حديث نسبيا على الفكر السياسي، فقد أرجعه البعض إلى منتصف القرن التاسع عشر، غير أنه كان قد استمد جذوره من ميراث حضاري أوروبي إنساني قديم... أما الظاهرة الحزبية في وطننا العربي فأزمتها أنها لم تستمد جذورها من ميراث عربي أو إسلامي، بل انتقلت الفكرة من الغرب إلى عالمنا العربي ضمن حزمة من القوانين والتشريعات نعمل بها حتى اليوم، ذلك في الوقت الذي نجد فيه الجماعة أو الحركة أو التنظيم الإسلامي لديه من ميراثنا الحضاري ما يستطيع أن يخاطب به الجماهير التي أصبح بعضها يطرب لسماع العبارات التراثية والألفاظ الدينية داخل الخطاب السياسي. وكما نرى فإن انتقال التجربة الحزبية إلى ديارنا كان أشبه بانتقال ثمرة نبتت في أرض أوروبية إلى بطون آكليها في المشرق دون تعب أو اجتهاد منهم.. مما جعل التنظيمات الإسلامية هنا أوفر حظا بصفتها وريثة لفكرة الفرقة أو الجماعة التي ظهرت في الحضارة الإسلامية والتي كانت تحمل في طياتها أبعادا اجتماعية وثقافية لم تخف عن أي مؤرخ... وهنا يظهر سؤال هام حول مستقبل الحزبية في بلادنا.. هل هي إلى زوال..؟؟ بعض دولنا العربية بالفعل لا تعترف بالحزبية، والبعض الآخر يناهضها.. فهل نحن في حاجة إلى بديل ..؟؟ العديد من الثورات قامت في وطننا العربي وأقصت الحزبية من الوجود، وبعض النظم العربية قد أعادت الحزبية مرة أخرى لأسباب سياسية.. وهنا نلاحظ أن الإقصاء الأول كان لعدم وجود قناعة بدور الأحزاب السياسية، بل إن بعض الثورات وعلى رأسها الثورة المصرية كان من ضمن أسباب قيامها هو فشل النظام الحزبي، والآن يتشابه الموقف.. ولكن البديل ليس ثورة بقدر ما هو ظهور كيانات ذات ملامح تراثية تتمثل في التنظيمات الإسلامية التي أوجدت لها صلة بالماضي، وتزعم قدرتها على إعادة النهضة الإسلامية إلى الحياة مرة أخرى .

إذن ما الحل ..؟؟
لعل المشترك في الظاهرة السياسية الإسلامية التي برزت خلال سلسلة الانتخابات العربية الأخيرة هو وجود خطاب مشترك يجمع بينها جميعا، وإن اختلفت طريقة تناولها للقضايا الداخلية، إذا فلعل الحل يكمن لدى المنظمات والمؤسسات التي تجمع الكيانات العربية الرسمية، كجامعة الدول العربية على سبيل المثال، فهي مؤهلة أن ترعى فكرة مشروع عربي يهدف إلى وضع تصور لنظام سياسي عربي يراعي التجربة الحضارية المشتركة بين الشعوب العربية، ويراعي الفروقات الثقافية والجغرافية بين الدول والأقاليم العربية المختلفة، ليكون هناك نظام عام يراعي خصوصية كل قطر . لقد عملت الحضارة الغربية واجتهدت لقرون طويلة منذ عهد الإغريق وحتى الآن لوضع نظم سياسية للحكم، فنتجت أفكار عديدة، منها النظام الديمقراطي والذي كان رغم عمومية أفكاره وإنسانيتها قد أتاح الفرصة لكل قطر غربي أن يضع لمساته على هذا النظام، فجاءت الديمقراطية الفرنسية مختلفة عن البريطانية وعن الأمريكية.. لذا فنحن في انتظار من يتبنى الدعوة لهذا المشروع الفكري الذي يؤسس لمرحلة حضارية جديدة تطمح في استقرار سياسي لبلادنا .
فربما يكون قد آن الأوان أن يكون لنا تجربتنا الخاصة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

Wednesday, February 1, 2006

الطفل المعجزة

جرت العادة أن يعقب صلاة الجمعة درس يلقيه شيخ الجامع.. غير أن ما أُعلن في ذلك اليوم كان فريداً من نوعه، فقد كان من سيلقي الدرس هذه المرة طفل صغير لم يتجاوز الستة أعوام (!) وبالفعل.. وقف الطفل بجلبابه الأبيض والغترة الحمراء على كرسي كبير بالمسجد وأخذ يخطب في الناس وينذر ويتوعد على عادة كبار الشيوخ.. فاجتمع الناس من حوله يتبسَّمون وينادون على غيرهم من أجل رؤية هذا العرض الطريف، وأخذت كاميرات الهواتف المحمولة تسجل خطبة هذا الطفل الصغير..!
جرى هذا الأمر منذ عدة أسابيع في جامع عمرو بن العاص أول مسجد جامع في مصر وأفريقيا، وأكثر المساجد الكبرى في مصر بعدا عن السلبيات التي قد نراها في بعض المساجد الشهيرة الأخرى... واليوم نجد الخطبة نفسها لهذا الطفل الصغير لا ينقص منها حرف أو يزيد تباع بالأسواق على هيئة أشرطة كاسيت كمحاضرة لأصغر داعية في العالم كان قد ألقاها في مسجد العزيز بالله بالقاهرة.
ولعل فكرة أن يقوم أحد الأطفال بإلقاء خطب الوعظ على رؤوس المسلمين ليست بالأمر الجديد، ففي عام 1999 علا نجم أحد أطفال تنزانيا المعروف بالشيخ شريف عندما قدمته الصحف وقتها على أنه داعية متجول لم يتجاوز الرابعة من عمره، ووصلت شهرته أن التقى ببعض رؤساء أفريقيا كالعقيد معمر القذافي، والرئيس التشادي، ورئيس بنين وغيرهم.. وأذيع وقتها عن هذا الطفل أنه قد بدأ التحدث باللغة العربية وتلاوة القرآن وهو ما زال طفلاً رضيعاً في الشهر الرابع من عمره (!) وأنه قد ولد لأسرة مسيحية دخلت الإسلام على يديه. واتضح في النهاية من خلال حوار صحفي أن هذا الطفل (الشيخ شريف).. ما هو إلا مدّعي كان عمّه يحفظه الخطب كي يتلوها على مسامع الناس، وأنه لا يحفظ حتى آية الكرسي، وقد انفض الناس من حوله في بلاده بعد أن اكتشفوا حقيقته وحقيقة عمره الذي لم يكن ليقل بأي حال عن ثمان سنوات.
وفي إيران... وبين الأوساط الشيعية بزغ نجم الطفل محمد حسين الطباطبائي منذ أواسط التسعينات، وأطلق عليه البعض وقتها "المعجزة القرآنية" لكونه حفظ القرآن في سن صغيرة، رغم أن هذا أمر عادي في أغلب أقطارنا الإسلامية... وكالعادة تعددت أسفاره ليقـدَّم إلى العالم على أنه أعجوبة تستحق التقدير، خصوصا.. بعد أن حصل هذا الطفل - على حد قول بعض المصادر- على الماجستير من جامعة تبريز ثم الدكتوراه من جامعة لندنية، وإن كنا لا ندري على أي أساس كان ذلك التكريم، أما عما كان يقدمه هذا الطفل من "عروض"... فهي أشبه بالعروض التلفزيونية التي تتكون من فقرات يجيب فيها عن أسئلة الحضور بنصوص القرآن ويحدد لهم أرقام الآيات المقصودة، وكأنه أشبه بجهاز كمبيوتر يستدعي المعلومات... وكان يسانده في تلك اللقاءات مدير العرض ووالده الذي أصبح الآن مديرا لجامعة القرآن الكريم في الجمهورية الإسلامية.
ورغم ما أشيع حول ذلك الفتى - الذي قد يجاوز عمره الآن الخامسة عشرة - من إشاعات عن أنه قد تعرض لضغوطات من النظام الحاكم في إيران بعد زعم البعض أنه قد رأي في المنام أن الإمام المهدي يدعوه أن يبتعد عن الحكومة الإيرانية.. إلا أنه يظل الأمر كله مجرد تسليط أضواء على طفل له بعض المهارات التي لا ترقى إلى أن تكون معجزة.
أطفالنا ثروة حقيقية تستحق التكريم، لكن..أن تنتظر الأمة الوعظ من أطفالها فهذا أمر يثير الشفقة ويدعونا إلى إعادة ترتيب أوراقنا مرة أخرى... فكل تلك الحالات التي قد يطرب لها الشيوخ والشباب من المسلمين لم تقدم لنا إلا أطفالا حُـفـّاظا، والله وحده أعلم إذا ما كانوا يدركون ما تحمله تلك النصوص الطاهرة من معان أم لا.. إن مشهد "الداعية الطفل" الذي يعظ بما قد لا يعيه لهو رمز لحالتنا العقلية التي جعلتنا نرى في طفل لديه القدرة على الحفظ أنه داعية يجب أن تــُطرح له الشرائط بالأسواق كما حدث مؤخرا مع الطفل المصري محمد سعيد.
قد يكون حفظ النصوص الدينية أمراً واجباً ومحبباً إلى النفس، لكن هذا للاستئناس بها وتدبر معانيها.. غير أن البعض – على ما يبدو – قد رأى في الحفظ والتلقين المبتغى والمراد تماشيا مع فلسفة مؤسساتنا التعليمية، وذلك بدلا من التفكير في وضع نهج حديث نطور فيه من أنفسنا ومناهج تدريسنا فندرب أطفالنا على الفهم والاستنتاج والبحث.
قد يكون حـُفـّـاظ الكتب كثيرون، أما العلماء.. فهم قلة.
http://www.scribd.com/doc/19938057
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Monday, January 9, 2006

سودانيون.. إسلاميون.. أقباط

لم يبد الكثيرون في مصر اهتماما عندما تزايدت أعداد اللاجئين السودانيين تدريجيا منذ أشهر قرب مقر المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في القاهرة, فقد كان الكل مشغولا بمتابعة الانتخابات البرلمانية وما حملته معها من مفاجآت, ورغم أن تجمهر اللاجئين وقتها على تلك الشاكلة كان مخالفا لقوانين الطوارئ التي تسير عليها البلاد والتي استند إليها الأمن في الكثير من إجراءاته ضد بعض التظاهرات, إلا أنه من الواضح أن الأمن لم يرد أن يثير مزيدا من الجدل حول ممارساته, خصوصا بعد النقد الذي قد تعرض له حول ممارساته أثناء الانتخابات البرلمانية المصرية .
موقف الأمن من الانتخابات البرلمانية الأخيرة أوجد له بعض العداءات مع أبناء المجتمع المدني وهيئاته وقوى المعارضة ممن انفعلوا مرة أخرى بعد عملية إجلاء اللاجئين السودانيين بتلك الطريقة السيئة, فمازالت الدعاوى تتصاعد من أجل معاقبة المسؤولين عن مقتل خمسة وعشرين لاجئا سودانيا وما أعقب ذلك من انتقادات دولية, غير أننا بعد كل هذا يتبقى لدينا تجربة سودانية مريرة أعطت بعض الدلالات على حالة المجتمع المصري وما هو مؤهل له في الفترة القادمة.
فقد برز في تجربة اللاجئين السودانيين ثلاثة ملامح واضحة, أولها وجود تاريخ مشترك وتجارب متشابهة بين هؤلاء اللاجئين مما قوى اتحادهم طوال فترة الاعتصام التي زادت عن ثلاثة الاشهر, أما ثاني تلك الملامح فهو وجود معاناة تجمع بينهم بسبب ما لاقوه في مصر من مشقة أثناء فترة إقامتهم أو حتى قبل مجيئهم إليها, أما الملمح الأخير فهو إحساسهم بالاغتراب نتيجة نظرتهم إلى مصر منذ البداية على أنها مجرد محطة يعبرون منها إلى دار الهجرة والمستقر في العالم الغربي, أما عن الخطر الذي قد يواجه المجتمع المصري في الفترة القادمة فهو عن ذلك التشابه بين ملامح تجربة أولئك اللاجئين مع ملامح تجارب أخرى لبعض العناصر الداخلية في المجتمع المصري, ونقصد هنا التيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين, إلى جانب بعض العناصر المسيحية القبطية المتطرفة.
فإذا كنا قد تحدثنا عن ملمح التاريخ المشترك بين اللاجئين السودانيين في مصر.. فإن جماعة كجماعة الإخوان المسلمين نجد بين أعضائها تلك القناعة نفسها بوجود تاريخ مشترك بينهم, وهو الأمر الذي ترسَّخ عبر سنوات طوال فدفع بعض أفرادها أن يحفظوا سير مناضليهم وأفكار رموزهم عن ظهر قلب, أما على الجانب المسيحي فنجد بعض الكتابات التي تتحدث عن نضالات (الشعب القبطي) وكأنها تؤرخ خارج سياق التاريخ الإسلامي والحديث لمصر, فبعضها يصف الأقباط وكأنهم جماعة منفصلة بذاتها لها تاريخها المشترك والمتفرد, أما عن الملمح الثاني وهو عنصر المعاناة الذي لمسناه في التجربة السودانية, فنجده متوافرا في خطاب التيار الإسلامي وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين التي قد تعرضت للكثير من المشكلات أو الاضطهادات من قبل أجهزة الأمن طوال حقبة طويلة من الزمان.. و أيضا لدى بعض النشطاء الأقباط من يحاول أيضا إضفاء ملمح المعاناة على الجماعة القبطية بأسرها فيتحدث عن اضطهاد للمسيحيين وإجبار على الدخول في الإسلام.. !
أما الملمح الأخير فهو ملمح الاغتراب, فمثلما تناولنا أسبابه في التجربة السودانية السابقة فإننا نجده ملموسا أيضا في بعض أدبيات التيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين وخصوصا عند استخدام البعض للنصوص الدينية التي تتحدث عن غربة الإسلام وأزمة المتدينين القابضين على دينهم كما يقبض على الجمر, إلى جانب ما تحمله تلك الأدبيات من إدانة للمجتمع والدولة, أما داخل الجماعة القبطية فهنالك بعض العوامل التي قد تدفع للشعور بالاغتراب سواء كان ذلك بسبب فوضى الدعاية الإسلامية, بسبب بعض التصرفات السياسية والمجتمعية الخاطئة, أو حتى بسبب انتشار فكرة الهجرة إلى خارج مصر وصعود دور الكنيسة في الوسط المسيحي .
تلك ثلاثة ملامح وجدناها مشتركة بين تجربة اللاجئين السودانيين وتجربتي التيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين و تجربة بعض العناصر القبطية المتطرفة في مصر, وربما تكون التجربة السودانية هي الأعمق والأعنف.. وهو ما يدفعنا هنا إلى التساؤل عما سيكون عليه حال أصحاب التجربتين الإسلامية والمسيحية إذا ما اشتدت عليهم الظروف.. هل سيلجأ بعضهم أيضا إلى اتخاذ نفس تصرف اللاجئين السودانيين ..؟ وهل ستكون النهاية واحدة..؟
أظن أنه على الحكومة المصرية الجديدة ألا ترث سياسات من قبلها, وأن تعيد حساباتها من جديد فتتخذ المبادأة في حل المشكلات المجتمعية بدلا من أن تحولها إلى ملفات أمنية... فليس لكل مشكلات المجتمع حلول لدى السلطات الأمنية
ــــــــــــــــــ

Monday, November 28, 2005

مصر في خطر

كانت كلمة "بلطجي" في العامية المصرية تُطلق في الأصل على تلك الفئة التي احترفت استخدام القوة إما لحسابها، أو لحساب غيرها من أجل ابتزاز المواطنين أو التعدي على حقوقهم، وسرعان ما أضحت البلطجة سلوكا وأسلوب حياة يعتنقه البعض.. نراه أحيانا على نطاق ضيق في نماذج بسيطة كصاحب تجارة استحوذ على رصيف المارة لحساب تجارته، أو حتى على نطاق واسع كصاحب نفوذ حقق ثروته بفرض سلطانه على الآخرين لنهب أموال الشعب، وبين هذين النطاقين مساحات واسعة من الممارسات البلطجية العنيفة في الشارع أو المدرسة أو العمل..إلخ. وكان من الطبيعي أن تتأثر العملية السياسية في مصر بتلك الممارسات المجتمعية، فجاءت انتخابات برلمان 2005 خير دليل على ظهور أهل البلطجة وعلو نجمهم بعد أن سُـلِّطت عليهم أضواء وكاميرات الفضائيات وراقبتهم عيون الشعب المصري بقلق بعد أن رأوا تدخلاتهم للتأثير على العملية الانتخابية لصالح أسيادهم، وهو ما اعترف به عدد ليس بالقليل من القضاة المشرفين على سير العملية الانتخابية في مصر... ولعل الخطورة هنا لا تكمن فقط في ضعف نزاهة العملية الانتخابية نتيجة التدخلات بقدر ما تكمن الخطورة في هذا المد الغوغائي وعلو شأنه أمام أعين المجتمع المصري، فبعد أن كان هؤلاء الغوغاء يمارسون تسلطهم على الشعب المصري من خلال أعمالهم البسيطة أو المتوارية التي تعتمد على النصب والاحتيال أضحوا الآن إحدى القوى المشاركة في العملية الانتخابية !

لقد تعرض العديد من المراقبين للعملية الانتخابية إلى الحديث عن موقف الأمن الذي كان سلبيا في العديد من المواقف التي صعد فيها المد الغوغائي العنيف، وهنا تعلّل رجال الأمن كما وضح من تصريحات بعض قياداتهم بعدم رغبتهم أن يكونوا نقطة ضعف إضافية في مسيرة الانتخابات فيلجأوا للاعتقالات أو القمع العنيف لتلك الممارسات الغوغائية التي صاحبت الانتخابات، غير أن حجم الاعتقالات في جماعة كجماعة الإخوان المسلمين مقارنة بحجم الاعتقالات بين من مارسوا البلطجة من أطراف أخرى يوضح أن القلق الرسمي كان من جماعة الإخوان المسلمين، وذلك برغم ما دِّون في تقارير صادرة عن أن بعض مراقبي الانتخابات مورست ضدهم بلطجة من أنصار بعض المرشحين المستقلين أو حتى من بين بعض أتباع مرشحي الحزب الوطني.. بل إن بعض التقارير الصحفية تحدثت عن دور أمني في عرقلة مسيرة الانتخابات ومنع الناخبين من الوصول إلى لجانهم. وأثناء تلك الأحداث كانت الكثير من الأحزاب السياسية قابعة في مقارها محاصرة بالعديد من القيود السياسية والمجتمعية التي تعوق أنشطتها أو التعاون معها، على عكس ما جرى في انتخابات رئاسة الجمهورية لعام 2005 و ما حدث فيها من علو شأن رؤساء الأحزاب كمرشحين رئاسيين، فاليوم خطفت جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانونا الأضواء، وأضحت أكثر شراسة إعلامية في الدعاية لنفسها، وفي كل تلك الأجواء ظهرت قوة جديدة أضحت أكثر نجومية، تعمل لحساب الجميع، وهي قوة البلطجة.. فَعَـلا شأن رعاع الشارع المصري حتى أنهم لم يخفوا أسلحتهم البيضاء من أمام الكاميرات، بل حاولوا إرهاب الجماهير وكأنهم يعلنوا عن وجود قوة جديدة لها تأثيرها على العملية الانتخابية ومسيرة السياسة في البلاد.عندما يثار الحديث عن الانتخابات البرلمانية في مصر نجد أن أغلب الحوار ينصب على جماعة الإخوان المسلمين ومرشحيها وما حققوه من مفاجآت، مثلما كان الحديث من قبل - وقت انتخابات الرئاسة المصرية 2005- ينصب على المرشح الرئاسي أيمن نور الذي نال المرتبة الثانية بعد الرئيس مبارك في حيازة أصوات الناخبين. ولعل جماعة الإخوان المسملين الآن هي نجم الموسم، غير أن خطرها الذي يحذر منه الكثيرون لن يكون أبدا في قوة خطر هؤلاء الرعاع من (البلطجية) الذين أصبحوا إحدى القوى السياسية المؤثرة على العملية الانتخابية، إن الخطر الحقيقي يكمن عند هؤلاء من عديمي الضمير ممن يبحثون عن منفعة وقتية من وراء هذا الموسم الانتخابي، فاليوم يلعبون لصالح غيرهم، غير أننا لا نعلم إذا ما كانوا سيلعبون لعبتهم غدا لحسابهم الخاص أم لا..!
نرجو من الحكومة المصرية ألا تدع مجالا لأهل العنف والبلطجة كي يَـنفُذوا منه للمشاركة في إدارة إحدى العمليات السياسية المهمة بالدولة بأسلوبهم الغوغائي البغيض، فمراهنة الدولة على قدرتها على التحكم في الرعاع و على أنشطتهم الفوضوية غير مأمونة العواقب، فكثير من الحركات الخارجة بدأت من أمثال هؤلاء ممن ظن حكامهم أن أمرهم بأيديهم، كما أن سقوط عشرات المصريين جرحي إلى جانب قتل بضع أشخاص لهو أمر غير مأمون العواقب ويزيد من الفجوة بين المواطن وبين المشاركة في الأحداث السياسية. إن مصر في حاجة إلى قمع سلوكيات البلطجة تماما من البلاد حتى ترتقي إلى الأفضل، فعليها أن ترسخ فكر جديد يدير حركة مؤسسات المجتمع.. فالحذر الحذر من السماح للغوغاء وأهل العنف بإدارة العمل السياسي في مصر والتحكم فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, November 8, 2005

آخر الفتن السكندرية

من بين العديد من الأراضي التي زحف عليها الاسكندر الأكبر، كانت بقعة وحيدة على أرض مصر هي التي اختارها كي تكون مدينته الخالدة، فكانت الإسكندرية.. وهيئ الله لتلك المدينة أن تولد كعاصمة لدولة البطالمة.. ورثة الاسكندر، وأن تأخذ من الامتيازات ما يوفر لها استقلالها الإداري والقضائي الذي انعكس فيما بعد على شخصية المجتمع السكندري نفسه، فأصبح لديه شعورا خاصا بالتميز على بقية المدن المصرية، وزاد من هذا الإحساس ذلك التنوع الثقافي والسكاني الذي شهدته تلك المدينة التجارية التي تحولت في وقت قصير إلى واحدة من أهم مدن العالم القديم. كانت طبيعة المواطن السكندري.. منفتح، متقبل لثقافات الآخرين، يجمع ما بين أخلاقيات البحار والتاجر سويا فكان متعاونا مع الغرباء حريصا على مصالح الآخرين، غير أن بعض الفترات قد تبدل فيها الحال، فوجدنا صراعات بين الأديان أو الثقافات نتيجة تدخلات من الحكام أو كنتيجة لتأثيرات دولية، أو حتى بسبب جماعات المصالح المستفيدة من مثل تلك الأجواء.

كان من أسباب الفتن السكندرية تدخلات الحكام ضد أو مع إحدى فئات المجتمع، وهو ما عبَّر - وقتها - عن ضعف سياسات الدولة وعدم قدرتها على الإدارة السليمة، وهو ما حدث في النصف الثاني من عهد حكم البطالمة عندما وجدنا - على سبيل المثال - محاولات من ملوك البطالمة لإكراه اليهود على اعتناق ديانة البطالمة، في الوقت الذي جاء فيه هذا الأمر بعد هجرات يهودية إلى الإسكندرية، فما كان من إغريق المدينة إلا وأن بدأوا هم أيضا في حملاتهم الدعائية ضد اليهود وضد معتقداتهم، وتراشق الفريقان بالخطب والرسائل... ونجد نفس السياسات (الحكومية) الخاطئة تتكرر من قِبَـل بعض الحكام المسلمين عندما شهدت العصور الإسلامية في مصر تأرجحا في التعامل مع غير المسلمين ما بين التضييق عليهم أو محاباتهم بصورة فجة، فأحيانا ما كنا نجد مسئولا في الدولة من غير المسلمين وقد اشترك في مخالفات في حق المواطنين، فتكون الفرصة الوحيدة للمواطنين كي ينالوا منه ومن أبناء ديانته عندما تتغير سياسة الحكومة ضد غير المسلمين و تبدأ في التضييق عليهم، و قد شهدت الإسكندرية فتنة من هذا النوع وقت حكم المماليك في عهد الناصر محمد بن قلاوون وخلفائه، عندما اضطربت المدينة وأُحرقت دور العبادة وجرت العديد من الصدامات، فكان هذا التضييق على غير المسلمين من قِبَـل الحكومة فرصة وإشارة لفئات الشعب المقهور كي ينال من عزيز قد ذل، وموظف للدولة – من أهل الذمة- يعيش فترة ضعف وانتكاسة لغضب الحكومة عليه..!

وكان من ضمن أسباب الفتن السكندرية تدخلات خارجية وتبدل في السياسات الدولية... فعلى سبيل المثال، عندما أعلن الإمبراطور جوليان المرتد (361-363 مـ) كفره بالمسيحية، وتشجيعه للفلسفة والممارسات الوثنية، كانت بداية الصراع الديني في المدينة، وعندما أعلن الإمبراطور ثيودوسيوس الأول (379- 395 مـ) المسيحية دينا رسميا للإمبراطورية كانت تلك فرصة لرجال المسيحية أن يهدموا معبد السرابيوم معقل الفكر الوثني والفلسفي، في محاولة منهم لإحكام سيطرة المسيحية - وحدها - على المدينة

وما الأسباب الخارجية إلا غطاء لأسباب داخلية.. كظهور إحدى القوى الداخلية التي تستغل الدين في السيطرة على الجماهير وتكوين كيان خاص بها... فعلى سبيل المثال قد تم التنكيل ببعض الفلاسفة ممن لم يدينوا بالمسيحية في مدينة الإسكندرية على يد رجال الدين المسيحي من أجل قهر الوجود الفكري غير المسيحي بالمدينة، ولعل أشهر تلك الحوادث ما جرى للفيلسوفة "هيباشيا" عام 415 مـ التي تم الاعتداء عليها والتمثيل بها تحت أعين بعض رجال الكنيسة تنكيلا بالفلسفة وأهلها، وإرهابا لهم كي يتركوا المدينة، وتقوية للكنيسة ورجالها في المجتمع السكندري والمصري، وتعبيرا عن أن هناك من ينافس الحكومات الداخلية (= الولاة الرومان) في المجتمع.

قد تكون هناك أسباب خارجية تقوي البعض في الداخل وتدفع به كي يجرب الثورة، كتلك الحادثة التي جرت عام 608 هـ عندما فكّر مجموعة من الحمقى قدروا بثلاثة آلاف من التجار الفرنج استغلال المد الصليبي نحو المشرق كي يستولوا على الإسكندرية، وفشلوا فشلا ذريعا.. وهناك العديد من الحوادث التي انصاعت فيها بعض القوى الداخلية لقوى خارجية.. غير أن الفتن الحقيقية هي تلك التي تتكون داخليا بين سكان المدينة الواحدة، دون قوات خارجية تساندها.

مؤخرا... وقعت آخر الفتن السكندرية عندما تجمهر المسلمون حول إحدى كنائس المدينة، وسادت هناك أجواء من التعصب أفضت إلى إصابات وخسائر مادية، وانتشرت روح البغضاء بين أبناء الطائفتين على إثر انتشار تسجيل لإحدى المسرحيات اعتبرها الكثيرون مسيئة للإسلام، والتي تم تصويرها داخل تلك الكنيسة، فعادت أجواء الفتن السكندرية إلى الظهور مرة أخرى. وهنا.. نجد أن أغلب أسباب الفتن السكندرية مازالت تتكرر، فالأجواء الدولية لها تأثيرها في جعل بعض المسلمين في حالة تحفز تجاه كل حديث عن الإسلام، ولكن.. تظل الأسباب الداخلية هي الأقوى دائما في إحداث الفتن.. فعلى ما يبدو أن هناك أيضا من يسعى لفرض نفوذه باسم الدين من داخل الكنيسة ومن بين المسلمين.. فيستغل الناس ويستخدمهم في مثل تلك الأحداث، مثلما كان الأمر قديما، أما عن تدخلات أو سياسات حكومية داخلية نستطيع أن نقدمها كسبب وراء هذا الحدث، فلا نستطيع أن نجد أثرا حكوميا واضحا وراء تلك الفتنة السكندرية الأخيرة، غير أننا نلاحظ أن هناك اعتقاد لدى بعض المسلمين أن الحكومة تعرقل سير أي قضية يكون أحد طرفيها من المسيحيين خصوصا في المسائل ذات الطابع الديني أو السياسي، ويكون ذلك لصالح الجانب المسيحي درءا للمشاكل.. ونحن لا نعلم أصل هذا الاعتقاد... غير أن كل تلك الأمور تجعلنا نرى أن أسباب الفتن السكندرية طوال تلك القرون كانت متقاربة، فعلى المصريين - على الصعيدين الشعبي والحكومي - الانتباه لمثل تلك الأسباب.
نتمنى للمجتمع السكندري أن يعود إلى نشأته الأولى حرا طليقا، قادرا على استيعاب الكل.. بكل ما فيه من اختلافات، فكل ما نخشاه أن تكون الهجرات الداخلية إلى الإسكندرية قد أفقدتها روحها الأصيلة، وطمست شخصيتها، فأصبحت اليوم في حاجة إلى بعث من جديد، لكن.. تبقى تلك المهمة الآن هي مهمة السكندريين وحدهم فقط.
ــــــــــــــــ

Thursday, October 27, 2005

أوكار التعصب الالكترونية

انحصرت أخطار الانترنت لدى البعض في أبعاد أخلاقية تتعلق بتصفح المواقع الإباحية أو تكوين علاقات غير مشروعة عبر الانترنت.. غير أن خطورة الانترنت قد جاوزت تلك الأمور بمراحل فأصبحت متهمة بأنها أحد أسباب تنمية روح الكراهية والتعصب بين مرتادي الانترنت . قد يُصدم البعض ويصاب بالكآبة عندما يَتجول بين مواقع الانترنت المختلفة فيجد بعض المواقع التي تسمح بالتفاعل بين روادها كالمنتديات الالكترونية وغرف الدردشة وغيرها.. قد توافرت فيها مساحات لا بأس بها لممارسة العنف اللفظي والتعصب والكراهية، مما قد ينتج عنه أحيانا حروبا قبلية (الكترونية) يحاول فيها أحد الأطراف تعطيل أحد المواقع المعادية أو على الأقل إفساد الأجواء بها، وقد يكون سبب تلك المعارك عرقي شعوبي أو حتى بسبب التعصب الرياضي، غير أن أعنف المعارك مازالت تلك المتعلقة بأسباب دينية أو مذهبية، فقد أصبح من اليسير على بعض أهل تلك الساحات الالكترونية من المتعصبين أن يكفـِّر مذهبا بأكمله يضم ملايين المسلمين، أو أن يعلن جهارا عن احتقاره أهل أحدي الديانات الأخرى ناعتا إياها بأبشع الألفاظ.. فالأمر عندما يتعلق بالدين نجد العنف قد تم تبريره تحت أي دعوى مثالية كالدفاع عن دين الله أو الجهاد الالكتروني..الخ، ويزيد نشاط العنف اللفظي داخل تلك الساحات كلما ظهر حدث يؤجج مشاعر الحقد والكراهية. وللأسف.. فاليوم لم يعد الأمر منحصر في داخل تلك الساحات الإلكترونية فقط، بل أخذ رواد تلك الساحات في نقل المادة التي تحض على الكراهية والتعصب من داخل مجتمع الانترنت الافتراضي إلى المجتمع الواقعي، سواء كانت فتاوى غريبة، أو أخبار ملفقة.. فينتقل كل هذا من المجتمع الافتراضي إلى المجتمع الواقعي، و تتحول المعارك الالكترونية إلى معارك حقيقية تسفر عن خسائر بشرية من لحم ودم، وليست خسائر في جهاز كمبيوتر أو موقع الكتروني .
لعلنا قد لا نشعر بهذا الدور الخفي لساحات التعصب الالكترونية وما تقوم به من تأجيج نار الحقد في النفوس.. خصوصا بين الشباب الذي يمثل أكثر زبائن الإنترنت التي حوَّلها البعض - للأسف - من أداة للتواصل مع الآخر إلى أحد عوامل رفض الآخر وكراهيته بما انتشر فيها من مواد تحض على الكراهية والتعصب... فولـَّد ذلك تحفزا لدى أبناء الوطن الواحد ممن اختلفوا عرقيا أو مذهبيا ضد بعضهم البعض، فأصبح كل طرف ينتظر موعد الفتنة القادمة كي يشفي غليله من الآخر.

على ما يبدو أن الحل هنا ليس بحجب تلك الأوكار على طريقة بعض الأجهزة الأمنية في بعض الدول العربية عندما تحجب المواقع الإلكترونية المخالفة لسياساتها، فمثل تلك المشاكل لا تحل بأسلوب الضبطيات الأمنية بقدر ما يكون الحل الأمثل لدى وسائل الإعلام.. التي عليها أن تسلط مزيدا من الأضواء على تلك الساحات التي تعج بالتعصب، لا بغرض رصد ظاهرة غريبة أو طريفة، بل لمواجهة مرتادي تلك الساحات بأخطائهم بعد أن أصبحت بعض تلك الساحات مكانا لنشر بيانات الجماعات التفجيرية وغيرها.. إن الحل الحقيقي يكون بتوعية المجتمع بأخطار ما تقوم به تلك الساحات الالكترونية من تعبئة للنفوس بالكراهية .
ومن هنا.. نقدم دعوة لكل من يتعامل مع الانترنت ألا يسهم في تقوية تلك الساحات الالكترونية الكريهة بمشاركاته.. وألا ينساق وراء حملات الكراهية غير المنظمة التي تنتشر عبر الانترنت، فليس هناك من عذر يبرر ممارسة التعصب أو الكراهية تجاه الآخرين، إلى جانب هذا... فقد يكون هناك من ينشر روح التعصب بين شباب العرب عن عمد لأهدافه الخاصة التي قد يستند في تحقيقها يوما ما إلى تواجد تلك الروح البغيضة في مجتمعاتنا.
في النهاية.. ورغم كل هذا مازلنا على أمل أن تكون الإنترنت إحدى وسائل تنمية مجتمعاتنا وليست إحدى وسائل تخريبها.
ـــــــــــــــــــــــــــ