Showing posts with label إصلاح. Show all posts
Showing posts with label إصلاح. Show all posts

Monday, December 13, 2021

ما نفعله بالتاريخ وما يفعله بنا... معارك ضد الماضي




عبدالرحمن مصطفى

قبل سنوات بعيدة، أبدى أستاذي المخضرم في قسم التاريخ بكلية الآداب استياءه من مكالمات الصحافيين التي تطلب منه تقديم قصص تاريخية مسلية للقراء، حتى إن كانت ضمن تعليق على حدث له جذور تاريخية. واليوم، أتذكره كثيراً حين أقرأ مقالاً أو منشوراً على صلة بالتاريخ.

تعود قصتي مع أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القاهرة إلى عصور ما قبل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وقبل الاهتمام المتزايد بما يطلبه "التريند" من موضوعات وعناوين، وقبل تحول الوسم (الهاشتاغ) إلى جزء أصيل من ترويج كتاباتنا. ورغم ذلك، فإن بعض زملائه من الأكاديميين كانوا – وما زالوا- يتعاملون مع التاريخ بمنطق البحث عن عنوان مثير، حتى إن أسفر ذلك عن تسطيح حقب وشخصيات بأكملها.


كتاب مغرضون

هل الاستخفاف بالشخصيات والحقب التاريخية هو الذي حوّل صورة جمال عبد الناصر أثناء تحية الجماهير إلى شعار طريف (Meme) يعبر عن الفشل والنهاية المخزية؟ أفترض هنا أن صاحب هذه الدعابة الثقيلة لم يأت بها من فراغ، بل هو جزء من سياق يحول التاريخ إلى أحداث وشخصيات نفخر بها وأخرى تشعرنا بالخزي، دون اعتبار لإمكانية أن تكون الأحداث والشخصيات مركّبة وتحمل تناقضات ومفارقات.

في الحقيقة، إن البحث عن الإثارة في عنوان يضرب شخصية أو مرحلة في مقتل ليس جديداً، وسابق على ظهور الإنترنت، كأن يدعي كاتب بأن ثورة 1952 أمريكية الصنع (انظر كتاب ثورة يوليو الأمريكية: علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية) وذلك على عكس مسار الأحداث وسياقها الإقليمي والدولي، وهو السيناريو ذاته الذي قد يحدث مستقبلاً مع ثورة 25 يناير، والذي بدأ الترويج له مبكراً.

إن اختيار وثائق وشهادات بعينها، وقطعها عن سياق مرحلة بأكملها، يشكل مادة جذابة، تشبه فكرة الهاشتاغ التحريضي الذي يبرز كل حين على جانب موقع مثل تويتر.

لعل شخصية الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر التي نجحت في صنع أعداء ودراويش على حد سواء، مجرد حلقة في سلسلة شخصيات وحقب تاريخية ما زالت أسيرة لتناول يعتمد على الاستقطاب، تقسيم القراء إلى فريقين متنافسين وإشعال لحظة حماس، سرعان ما تمر ويبقى أثرها الضار، تاركة وراءها بعض التعصب وضيق الأفق.

ربما يجد جمال عبد الناصر فريقاً يدافع عنه رداً على أي اتهامات ضده، إضافة إلى وجود خطاب من السلطة يتعامل معه بشيء من التوقير، لكن الوضع يختلف مع شخصية أخرى، مثل الزعيم السياسي المصري سعد زغلول، الذي تتعامل معه بعض الموضوعات الصحفية بعقلية طالب ثانوي يسعى للثأر من شخصية أجبر على دراسة دورها في التاريخ الحديث.

ويكفي ضغط بعض الأزرار على لوحة الكتابة لنرى أنه يكاد لا يخلو موقع صحفي من مقال يكرّر ما قيل عن سعد زغلول بأنه مقامر وسكِّير ومنافق. ربما كان ما فتح المجال لذا التناول، هو نشر المؤرخين مذكرات سعد زغلول الشخصية، التي ضمت اعترافات ومحاولات للتطهر دوّنها على الورق، فاقتبسها كثيرون لتدمير صورة السياسي الراحل، وكانت تلك الفقرات المقتبسة كافية لهم عن التعمق في سيرته، بما تحمله من تناقضات وتوفيق أو سقوط.

هذا المقال ليس عن السؤال المثالي: كيف نصل إلى الحياد ونحن نتعامل مع أحداث التاريخ وشخصياته؟ بل هو عن الكتابات والتعليقات التي تسعى لإعادة تقديم التاريخ بشكل مثير، صادم، جاذب، مستقطب، وكأنها جاءت بنتائج جديدة. فهل من طريق يدفعنا إلى التعامل مع التاريخ بشكل أكثر تقديراً؟

هذا السعي وراء إثارة الجدل بشيطنة شخصيات وفترات تاريخية، لا يقع فيه كتاب هواة أو رواد مواقع التواصل الاجتماعي نتيجة قلة الخبرة، لكن بعض الكتاب المخضرمين والعاملين في مجال الكتابة التاريخية. على سبيل المثال، يعطينا الأديب والباحث المصري يوسف زيدان درساً في كيفية استغلال التاريخ والإعلام في صنع حالة من الجدل المفتعل: قبل سنوات، خرج زيدان بتصريح صادم خلال لقاء تلفزيوني قال فيه إن "صلاح الدين الأيوبي واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني". ثم أعقب ذلك بجملة اعتراضية أثناء حديثه على الهواء مع الإعلامي عمرو أديب قائلاً: "عملت لك مانشيت... عشان بكرة تستخدمه الجرائد".

هذا النموذج الجريء والمتجرِّئ في اختصار أحداث التاريخ وشخصياته في عبارات حادة، يشجّع آخرين على كتابة مقالات ومنشورات وتغريدات عبر الإنترنت، تفتقد التوازن في التعامل مع التاريخ وتكرّس حالة من الاندفاع والتهور، كتلك التي يتبناها مشجعو كرة القدم في المدرجات.

لن ينتهي الأمر عند هذا الحد، إذ يخبرنا التاريخ نفسه بأن مثل تلك الروح قد تنتج تطرّفاً وكراهية، مثلما يستعين أئمة السنة والشيعة بأحداث وشخصيات تاريخية، يختزلونها في صور بغيضة، لتحريض أتباع كل طائفة وتغذية روح الثأر.

وهكذا يعود التاريخ كمن يقول "احرقوا أنفسكم بتجرّئكم"، ليرد إلينا الإهانة تعبيراً عن ازدرائه من محاولات استخدامه في إثارة الجدل وجذب الانتباه، بلا توازن أو عقلانية. فتعود كرة النار الطائشة لتحرق الجميع بالتعصب وضيق الأفق.


صحفي في مهمة اغتيال

إن كتابة موضوع أو مقال عن شخصية أو قضية تاريخية هي قرار يتخذه صحفي أو كاتب أو مدوِّن (كاتب محتوى)، وحين يسعى هؤلاء وراء خلق صراع تختفي وراءه الصورة الكاملة للحدث أو الشخصية التاريخية، فتلك هي مسؤوليتهم. فالصحفي هو من ينتخب عنواناً من مناقشات في ندوة أو في حلقة تلفزيونية. هو مسؤول عن ترويج الطعنات الموجهة لشخصية راحلة أو حقبة بأكملها.

فما الذي يدفع صحفي لكتابة مقال أو خبر يسهم في اغتيال سعد زغلول أو صلاح الدين الأيوبي أو غيرهما؟ ما الذي يدفعه لاختيار جزء من التاريخ يمس مشاعر دينية أو وطنية لدى القارئ، حتى إن كان ذلك لا يعبر عن حقيقة ما كان؟ ثم لماذا لا يبتعد الكاتب أو الصحافي مسافة تسمح له برؤية أوسع، تضع هذا المحتوى المثير في سياق أشمل للتأكيد على أن ما يكتبه ليس كل الحقيقة؛ بل جزء منها؟

ربما تكون الإجابة لدى الفنانة رانيا يوسف وزميلتها إلهام شاهين. كيف ذلك؟ إن ما أفترضه هنا أن كثرة الاعتياد على توجيه الطعنات للآخرين وممارسة الاغتيال المعنوي تجاه شخصيات حالية على قيد الحياة، ووضعهم في ركن ضيق لا يستطيعون منه فراراً أو حتى الدفاع عن أنفسهم، هو ما قد يجعلنا نفهم ذلك السلوك المتنطع في التعامل مع التاريخ وشخصياته وأزمانه.

فالصحفي الذي نجح في اغتيال أحدهم معنوياً وهو على قيد الحياة وبكامل نفوذه، من السهل عليه اغتيال شخصية من التاريخ والتمثيل بجثتها دون أدنى إحساس بتأنيب الضمير، في الوقت الذي لا يدرك فيه الكاتب أنه ترك خلفه تحريضاً وكراهية وتكريساً لضيق الأفق.

إن ممارسة التحريض اليومي على الإنترنت ضد شخصيات عامة أو أخرى عادية، يبرمج الأذهان على سهولة ممارسة العنف والإقصاء في التعامل مع الآخرين، فلا محاسبة أو إدانة.

وحين يتخلى الصحافي عن كل ما درسه من ضرورة احترام الضحايا وعدم التشهير بالشخصيات العامة لخياراتها الشخصية، ويتحول إلى المتنمر الأول في ساحة الإنترنت؛ فإن النتيجة هو ظهور "حفلات" تجذب الآلاف لترديد عبارات الطعن والسب بكل بساطة ضد شخصية مشهورة أو أخرى خلقها "التريند".


إسلاميون على خط المواجهة

هذا المشهد الذي يبدو فوضوياً في التعامل مع الماضي، أحياناً ما يتشكل أيضاً بفعل ظرف سياسي أو اجتماعي، ليضع أمامنا سبباً جديداً لحالة الاستقطاب والتطرف في التعامل مع التاريخ. على سبيل المثال، فقد جاء انسحاب وضعف التيار الإسلامي في بعض البلدان العربية ليترك أثراً في الترويج لشخصيات وحقب ماضية، بل ترك فراغات ومساحات يجب ملؤها.

من الأمثلة على ذلك، طريقة التعامل مع الدولة العثمانية، فبينما كان الكتاب والمدوّنون والإعلاميون ذوو الصلة بالتيار الإسلامي يمجدون تاريخها وينقبون في مآثر رجالها، صانعين مادة مثيرة لدى محبي الفتوحات والغزوات؛ فإن الوضع تغير مؤخراً مع غياب تأثير هذه الفئة من الإسلاميين وتهميشها، خصوصاً بعد استغلال تركيا للوجه العثماني في الشأن السياسي. وهكذا صعدت كتابات أخرى تتعامل مع الحقبة العثمانية كتاريخ من الدماء وسلسلة من الاغتيالات والعسكرة والجهل. ومرة أخرى يصبح التعامل المتطرف والاستسهال هو التاريخ البديل.


تنقيب عن الفخر

ومع تقهقر التيار الإسلامي، أصبح بالإمكان رصد ما يحدث في بلداننا العربية من محاولات استعادة "أمجاد قومية" تحتفي بالحضارات القديمة. إذ يمكننا ببساطة ملاحظة تغير المزاج العام في التعامل مع التاريخ المصري القديم، بعد الحفل المبهر لموكب نقل المومياوات الملكية في مصر وما صاحبه من هوس على الإنترنت بأغنية تقدم ألحاناً وكلمات مصرية قديمة.

ثم تكرر ذلك مع افتتاح طريق الكباش في مدينة الأقصر الأثرية، وكأن هذا الاهتمام المتصاعد بالتاريخ القديم جاء بديلاً عن حالة "الفخر" التي سادت في السابق بالتاريخ الحربي الإسلامي، وهي الحالة التي كان يتغذّى عليها تيار الإسلام السياسي.

ولما خفت صوت الإسلاميين في عدة بقاع عربية، تراجع معها من كانوا يشعلون نشوة المستمعين بكتابات وخطب عن "الأندلس... الفردوس المفقود"، والدولة العثمانية التي هددت قلب أوروبا.

الأمر ليس مقتصراً على مصر في رحلة البحث عن تاريخ بديل للفخر، بل يمكن ملاحظة الاهتمام السعودي الجديد بتاريخ ما قبل الإسلام والاحتفاء بآثاره، بعد انسحاب تهديدات المتطرفين التي كانت تحط من شأن فترة ما قبل الإسلام، وفي السودان لا تخفى تلك النزعة التي تمجّد الماضي القديم، كاستخدام لفظ "كنداكة" في وصف صورة المتظاهرة السودانية الشهيرة أثناء ثورة ديسمبر، حين بدأ معها انحسار الإسلاميين.

هذه الروح لم تعد تخشى منغصات الوجود الإسلامي، فهي تبحث عن تاريخ بديل للفخر، لتسقط أحياناً في أزمة المغالاة في تمجيد حقب وشخصيات تاريخية سابقة، والسعي لإلغاء أخرى.

لكن التاريخ نفسه يقدم إلينا نماذج كارثية لهذه الممارسة، إذا ما انفلتت فيها روح الغل والتعصب، لتنتج أفكاراً قامت على خلطة "مثيرة" من الحقائق والأساطير، مثل ظهور الفاشية في إيطاليا كامتداد لمجد غابر، والنازية التي تمجد عرقاً أسطورياً، وهو ما جذب إليهما آلاف المتحمسين.


خاتمة

ربما يشعل التريند وسماً، فيرفعه عالياً في قائمة الأكثر رواجاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد يتحقق النجاح عبر مزيد من القراءات والزيارات. لكن حين يتصل الأمر بكتابة التاريخ، فإن الإتيان بجديد لا يدعو بالضرورة إلى إلغاء القديم، فكلما تصاعدت نبرة التطرف في التعامل مع التاريخ بين الاحتفاء والازدراء، جاءت النتائج بمزيد من الانغلاق والتعصب.

وربما يغدو طموحاً جامحاً منا أن نطالب بالتعامل المحايد مع التاريخ والنظرة الشاملة للعصر والشخصية، بينما يمارَس الاغتيال المعنوي علناً لشخصيات عامة دون محاسبة. لا حل سوى الترفع عن أن تكون جندياً في معركة خاسرة مع الماضي.

Wednesday, November 27, 2013

المناظرة .. أضمن وسائل قبول الآخر

طلاب بعيدا عن العنف و التعصب

كتب – عبد الرحمن مصطفى
في العام 2010 قرأت هبة هنداوي إعلانا عن مسابقة فريدة من نوعها تضم فرقا جامعية من دول مختلفة، بهدف المناظرة .. جذبتها الفكرة، وسافرت إلى الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا التي نظمت المسابقة، و تصف ذلك قائلة : "شاركت وقتها على نفقتي الشخصية، و مثلت مصر هناك ، لكن الاستفادة كانت في التدريبات التي تلقيتها في فن المناظرة، وحين عدت إلى مصر فكرت في إنشاء ناد للمناظرات في جامعة حلوان ، حيث كنت أدرس ، لكن لم تسمح لي الجامعة وقتها بإقامة هذا النادي، وبعدها اشتعلت ثورة 25 يناير". تدير هبة هنداوي الآن نادي " مناظرات مصر" الذي يعمل كمبادرة تحتوي 10 أندية تتوزع على عدد من الجامعات المصرية ، و كلها تعمل لهدف واحد ، التدريب وممارسة المناظرة بين الطلاب .
إحدى المفارقات المرتبطة بنشأة أندية المناظرة، أن التجربة الأولى في تدشين ناد للمناظرة باللغة العربية كانت في ماليزيا، حيث تأسس رسميا نادي الخطابة والمناظرة في الجامعة العالمية الاسلامية هناك في العام 2004، ثم انتقل هذا الاهتمام نفسه إلى قطر التي تبنت تأسيس "مركز مناظرات قطر" في العام 2007 ، أما في مصر فقد بدأ الاهتمام متأخرا حسبما تكمل هبة هنداوي : "منذ العام 2011 وحتى نهاية 2012 ، كنا في محاولات لتأسيس مبادرة نادي مناظرات مصر، و نجحنا في التنسيق بين عدة جامعات، و أصبح لدينا 10 أندية طلابية في جامعات مختلفة، كما حصلنا على دعم فني من مركز جون جيرهارت للأعمال الخيرية والمشاركة المدنية بالجامعة الأمريكية، الذي ساعدنا في إقامة أول مسابقة ومعسكر تدريبي للمناظرات في مصر".
في المسابقة الأخيرة التي أجريت في الجامعة الأمريكية قبل أسابيع، كانت الفكرة أكثر وضوحا، حين تنافست 10 فرق جامعية ، انتهت بالمناظرة النهائية بين جامعتي أسيوط والاسكندرية حول إن كان إلغاء مجانية التعليم العالي ضرورة لضمان جودته. حاول كل فريق إرباك منافسه ودفعه إلى الخوض في السياسة، أو العصبية في الحوار ، وهي أمور تخالف قواعد العمل. وتقوم المناظرة على أن يصعد المنصة شاب من أحد الفريقين شارحا وجهة نظره في زمن محدد، ويتلقى بعدها تعقيبا من الفريق المنافس لدحض وجهة نظره. في مثل هذه المناظرات ، قد يتبنى عضو الفريق وجهة نظر مخالفة لقناعاته الشخصية، وهنا تتلخص مهمته في أن يخوض التجربة بالأدوات التي تدرب عليها من قبل.
"يتدرب الطالب على عدة مهارات ، منها الخطابة ، و العمل الجماعي ، و لغة الجسد، وهو ما تدربت عليه مع فريق مناظرات مصر ، ثم حاولت نقله إلى العديد من الطلاب الذين يتبنون مبادرات جادة في جامعة بنها ، و من هؤلاء الطلاب أسسنا أول نادي للمناظرات في الجامعة " . كان ذلك في العام الدراسي الماضي، حسبما يروى عبد الرحمن أحمد مؤسس نادي المناظرات في جامعة بنها، وطالب كلية الحقوق بنفس الجامعة. هناك يجتمع الطلاب بشكل دوري للتناظر حول قضية يختارونها، أما الهدف فهو "تأسيس طالب لديه القدرة على الانصات لوجهة النظر الأخرى، وعرض وجهة نظره بشكل متحضر"، على حد قول عبد الرحمن أحمد.
يمكن للكثيرين أن يكرروا تجربة أندية المناظرات، إذ تتوافر - مادة أغلبها باللغة الانجليزية- على الانترنت تفيد من يريد خوض التجربة، وهو ما قام به مجموعة من الشباب في العام 2010 بمدينة الاسكندرية، لكن تجربتهم لم تصل إلى نفس انتشار نادي "مناظرات مصر" ، بينما يستخدم كل نادي طلابي من الأندية العشرة التابعة لمبادرة "مناظرات مصر" نفس المنهج والهيكل التنظيمي، الذي يمنع المناظرات السياسية، تاركين هذه المهمة لمؤسسات أخرى سياسية وحقوقية خاضت تجربة المناظرات بعناوين مختلفة.
قبل 30 يونيو الماضي بأيام دعا نادي طلاب بنها إلى مناظرة تحت هذا العنوان : "الدعوة إلى رحيل الرئيس المنتخب بعد عام فيها افتئات على إرادة الشعب المصري وظلم للنظام الجديد" . "كانت المرة الأولى و الأخيرة التي نضع فيها عنوانا سياسيا بهذا الشكل، فالقواعد تحتم علينا البعد عن المناظرات السياسية"، هذا ما ذكره عبد الرحمن أحمد- مؤسس نادي مناظرات جامعة بنها. وكذلك شرحت هبة هنداوي، مدير مبادرة "مناظرات مصر" التي قالت : "البعض لا يعلم عن المناظرات سوى تلك المناظرة التي جرت بين عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح قبيل انتخابات الرئاسة، لكن الحقيقة أن المناظرة هي عملية تدريب دائم واكتساب مهارات قد تفيد هؤلاء الطلبة في المستقبل، و ليست نشاط سياسي". هذا ما وضحه أيضا محمد السيد عبد- المجيد طالب الفرقة الثالثة بكلية التجارة بجامعة بنها ، وعضو نادي المناظرات هناك- إذ كان مسؤولا عن مبادرة طلابية في الجامعة، ولخص تجربته مع نادي المناظرة في الجامعة قائلا: "أصبحت أكثر استعدادا للاستماع والانصات ، كما اكتسبت مهارة مواجهة الجمهور ، مهما كان الضغط النفسي الذي أواجهه، وكلها مهارات ستفيدني فيما بعد داخل أي نشاط جامعي".
طرح بعض هؤلاء الطلاب أفكارا عن إمكانية الاستفادة من مناظراتهم الداخلية في عرض وجهات نظر مختلفة أمام بقية الطلاب، وأمام إدارة الجامعات، بهدف تغيير الأجواء المشحونة التي تسيطر على الجامعات الآن، لكن يظل الهدف الأساسي للجميع، هو ذلك الشعار الذي اتفقوا عليه منذ البداية ، وهو "اسمع ، تــُـسمَع".

Thursday, May 2, 2013

أحلام في عصر النهضة

**
حلم «1» صعيدي جيكس: تحويل الصعيد إلى وادي السليكون
يضطر محمود أحمد (25 سنة) إلى المجىء من قنا إلى القاهرة أو الاسكندرية لمتابعة أحدث معارض التكنولوجيا والبرمجيات، إذ لا تغامر الشركات بإقامة معارضها فى الصعيد، ما كان يزيد من إحساسه هو وزملائه بالتهميش. «ما زلنا أسرى صورة نمطية عن الصعيد تظلم الكثيرين من المهتمين بالتكنولوجيا والبرمجيات». يعلق محمود الذى لم يستسلم لهذا الاحساس، ولم يفكر فى الانتقال إلى العاصمة هربا من الواقع المفروض عليه. كانت بداية الحل بعد بأسابيع من الثورة، حين دشن مع أخيه وصديقه مبادرة تحت اسم (صعيدى جيكس S3Geeks)، هدفها الأساسى إنشاء مجتمع للرياديين والمطورين والمبرمجين والمصممين لتبادل الافكار والخبرات، تمهيدا لإقامة مشروعاتهم الخاصة فيما بعد، وبدأوا أول فاعلية فى صيف 2011. لكن حلم «صعيدى جيكس» كان أكبر من ذلك، إذ يتلخص فى تهيئة الصعيد لحلم المستقبل حسبما يصف محمود: «الحلم الذى نريد تحقيقه هو أن يتحول الصعيد إلى مكان مثيل بوادى السليكون فى الولايات المتحدة الأمريكية». (وادى السليكون هو منطقة فى ولاية كاليفورنيا بها عدد هائل من شركات التقنية ومطورى البرامج، وهى من أهم المناطق الاقتصادية فى هذا المجال).
وأيا كانت وسائل «صعيدى جيكس» فى تحقيق طموحاتهم، يظل هدفهم الأساسى هو تكوين هذا المجتمع المنشود، واستهداف من لديهم شغف المعرفة بمجال التكنولوجيا والبرمجيات، بما فى ذلك الذين لا يملكون سوى المهارات الأساسية من المعرفة بالكمبيوتر، لذا لم يبتعدوا كثيرا عن العنوان الذى اختاروه منذ البداية، فكلمة Geek الانجليزية تشير إلى المهووسين بالمعرفة والتكنولوجيا والكمبيوتر.
فى مايو الحالى يحتفل شباب صعيدى جيكس بمرور عامين على وجودهم، طافوا فيها محافظات الصعيد، وخاصة عبر مبادرتهم: قطار صعيدى جيكس، من أجل كسب أعضاء جدد وإقامة الورش التدريبية والندوات. يصف محمود الوضع الحالى قائلا: «فريقنا مكون من 13 بنتا وولدا، ولدينا 30 سفيرا فى محافظات الصعيد». عمرو عربى (21 سنة) طالب السنة النهائية فى كلية الحقوق بجامعة أسيوط من مركز المنشأة فى سوهاج، هو أحد أولئك السفراء، قرأ إعلانا سنة 2011 فى كليته عن تلك المبادرة، واستمر معهم حتى أصبح الآن سفيرا لصعيدى جيكس فى محافظة سوهاج، وهو يشرح قائلا: «حين أقامت المبادرة فكرة قطار الصعيد، وجدتهم يعتمدون على أنفسهم بالكامل، وهو ما تغير مؤخرا مع وجود داعمين لنا، فاخترت مساندتهم فى محافظتى، ولم أكتف بذلك بل انطلقت معهم فى رحلة عبرنا فيها مئات الكيلومترات بين محافظات الصعيد المختلفة، وحتى حين يقام نشاط منفرد مثل الذى أقيم فى قنا مؤخرا، أتوجه فورا للمشاركة». هذا ما حدث معه حين أقيمت فعالية «قعدة صعيدى» فى محافظة قنا على مدار ثلاثة أيام متتالية، فقد اختار المبيت هناك كى يرحم نفسه من عناء المواصلات أو قطع الطرق.
والعبارة التى تتردد على ألسنتهم جميعا أننا نتحمل عناء هذه المبادرة من الصفر من أجل الصعيد، «الجنوب به خيرات، ولا أمل فى النهوض به إلا بأيدينا نحن»، حسب قولهم.
الحلم الأقرب الآن لمجموعة صعيدى جيكس هو تدشين مؤسسة لها مقر ثابت فى قنا مسقط رأس المؤسسين، لتكون نواة مشروع يغطى الصعيد بأكمله.. وعلى مدار عامين استهدفت صعيدى جيكس طلاب مدارس وشباب لا علاقة لهم بالكمبيوتر سوى الألعاب والدردشة، كما ضمت جلساتهم شباب آخرين على درجة جيدة من المعرفة بالكمبيوتر، ولكل منهم تعامل خاص، كذلك فإن طريقة إدارة الجلسات كثيرا ما تراعى ذلك بأن يسأل المنظمون عن مستوى الحضور، وما يرغبون فى التعرف عليه فى البداية، لكن تلك المبادرة ما زالت تواجه بعض المتاعب. «لم نجد دعما من أحد سوى بعض الشركات المتحمسة ومؤسسات المجتمع المدنى، أما كافة الأماكن الحكومية فاعتذرت عن التعامل معنا حين طلبنا توفير أماكن للورش التدريبية، بسبب أننا لسنا جمعية أهلية، عدا حالات قليلة مثل محافظة المنيا التى وفرت لنا قاعة نقيم فيها نشاطنا».
ورغم ضآلة العدد وضعف الامكانيات، إلا أن محمود أحمد أحد مؤسسى صعيدى جيكس يتحدث بثقة عن خطة 2014 قائلا: «إذا وفقنا فى تأسيس مقر وأخذنا التصريحات اللازمة فى خلال الشهور القادمة، سيكون العام القادم، بداية لتبنى برامج تستهدف حل مشاكل المجتمع الصعيدى، ولن نقتصر على أمور البرمجة والتقنية، وأرى أننا حققنا جزءا بسيطا من ذلك، فالتكنولوجيا نفسها تساهم فى تغيير سلوكيات المجتمع، يكفى مثلا أن مجموعتنا تضم فتيات فاعلات ضمن هذه المبادرة، وهذا أمر غير معتاد فى الصعيد».
فى أثناء حديثه يتلو محمود معلومات لا تسقط من ذهنه أبدا، محاولا إثبات وجهة نظره فى أن الصعيد أحق بالتنمية من العاصمة التى تضخمت بما فيها، من تلك المعلومات أن 40% من سكان مصر متمركزين فى الصعيد، وأن نسبة التعليم الجامعى قد ارتفعت بعد ازدياد عدد الجامعات هناك فى السنوات الأخيرة، ويختم قائلا: «إحنا مش شايفين أى نهضة، الكلمة دى أصبحت سيئة السمعة، كل اللى عايزينه فرصة للشباب يصنعوا نهضتهم بنفسهم».
**
حلم «2» مشروع بناء إنسان: تثقيف 10% من الشعب
هذه ليست ورشة دينية. هذه ورشة عملية تماما.. نبحث فيها عن النجاح فى الحياة من خلال إعادة الصلة بيننا وبين القرآن». هذا التنويه مكتوب على دعوة فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، لورشة تدريبية تحت عنوان: مهارات النجاح فى عالم متغير. وهى فعالية فى مشروع أكبر ترعاه اللجنة الثقافية فى نقابة الأطباء اتخذ عنوانا ملفتا: مشروع بناء الإنسان. لكن هذا المشروع نفسه مهدد بالتعطل وهو ما نقله الأستاذ الدكتور خالد عمارة، مقرر اللجنة الثقافية والاجتماعية بنقابة الأطباء، حين كتب إلى أعضاء صفحة المشروع على فيسبوك قائلا: «تحدثت مع أمين عام النقابة، د.جمال عبدالسلام، واتفقنا على أن القاعات التى نفتحها كل يوم جمعة، والموظفين الذين يأخذون بدلات عن حضورهم لهذه النشاطات، هى تكلفة على النقابة يجب إيقافها طالما ليس لها المردود المتوقع ولا الحضور الكافى». وتم الاتفاق على إيقاف الندوات العامة التى تستضيف شخصيات عامة على أن تستمر ورش العمل التى ينظمها المشروع لفتره شهرين.
هذا التطور الأخير بعد أربعة أشهر من البدء فى المشروع، لم يمنع الدكتور خالد عمارة من أن يتحدث بنبرة متفائلة. فى داخل عيادته لجراحة العظام، يتحدث عن التغيير الذى أصابه بعد الثورة مثل كثيرين اختاروا أن يكونوا من المبادرين، وأن يجرب أفكارا جديدة، ولم تمنعه قلة الحضور إلى فعاليات مشروع «إنسان» من طرح حلمه كما هو قائلا: «هدفى تكوين مجتمع صغير لديه ثقافة عالية ومتنوعة، وباستطاعته أن ينقل ما لديه من معرفة إلى آخرين.. حلمى هو أن نصل بعد سنوات بعيدة إلى 10% من الشعب المصرى، وأن تكون دار الحكمة -حيث مقر نقابة الأطباء ــ هى البداية». مشروع «بناء الإنسان» يلخص طموح مجموعة من المتطوعين بعضهم من خارج مجال الطب، لكنهم على قناعة أن صورة الطبيب هى صورة الحكيم القديم الذى لا ينغلق على تخصصه فقط، ومن هنا كان لقاؤهم فى دار الحكمة، واختاروا فى سبيل ذلك إدارة مجموعة من الورش التدريبية والندوات بهدف تكوين شريحة مرتبطة بدار الحكمة فى نقابة الأطباء. ويستعيد الدكتور خالد عمارة ذكرى تأسيس دار الحكمة وموقف على باشا ابراهيم، أول نقيب لأطباء مصر، إذ كان يرى فى هذا المكان أكبر من مجرد نقابة. غير أن مشكلة أخرى كانت تلاحق مثل هذه الأحلام، على رأسها أن سمعة نقابة الأطباء مرتبطة بحضور جماعة الإخوان المسلمين داخل النقابة لسنوات، وهذه السمعة تسببت فى إعاقة استضافة بعض الشخصيات داخل ندوات المشروع. تعلق على ذلك الدكتورة منار عادل من المشرفين على المشروع قائلة: «البعض كان يظن أنه مشروع تابع لنشاط جماعة الإخوان المسلمين داخل النقابة، واحتجنا إلى بعض الوقت حتى تتضح الصورة».
رغم ذلك، إلا أن نظرة على البرامج الشهرية منذ أن بدأت فى يناير الماضى، قد تكشف عن هذا الالتباس، لأن محتوى بعض الورش قريب من فعاليات المجموعات الاسلامية التى تركز على الجوانب التربوية، كما أن بعض الورش قد استعار فيها المحاضرون نماذج من الحضارة الإسلامية والنصوص القرآنية.
«أنا أرفض أن يتم تنميطى وتصنيفى تحت عنوان: إسلامى، نحن نحارب التنميط، وضد هذه الطريقة فى التفكير». أعطت الخلفية الثقافية للقائمين على المشروع وبعض المدربين ذلك الانطباع، فبعضهم دارس للعلوم الشرعية، ومهتم بالحضارة الاسلامية. ويعلق الدكتور خالد عمارة قائلا: «أقيمت محاضرات عن الحضارة الصينية، وجلسات سماع للموسيقى الكلاسيكية». يصمت قليلا ثم يستكمل حديثه: «ربما نكون قد تحركنا فى محيطنا فى بداية المشروع، وبعضنا يحمل اهتمامات بالشأن الاسلامى». أحد أسباب تدشين مشروع بناء إنسان أنه امتداد لمشروع آخر كان يستهدف الأطباء هو «مشروع إعداد طبيب حكيم»، وذلك بعد أن لاحظ الدكتور عمارة أن هناك أخطاء يقع فيها الأطباء لها صلة بالجوانب السلوكية والأخلاقية، كما لاحظ انخراط الأطباء فى مجال تخصصهم دون إدراك لأى من مجالات الثقافة المتعددة، أما مشروع «بناء إنسان» فهو لمن هم خارج النقابة بشكل عام.
مازال المتطوعون فى مشروع «بناء إنسان» يطمحون فى تحقيق حلمهم بأن تتحول دار الحكمة إلى إسم على مسمى، حتى إن اضطروا إلى إقامة بعض الفعاليات خارج قاعات النقابة. يختم الدكتور خالد عمارة معلقا: «النشاط لا يتبع أى تيار بعينه، والتحدى والاختبار الحقيقى فى مشاركة الآخرين والاقتراحات، على أن يكون ذلك فى مجالى الثقافة والعلم».
**
حلم «3» رحاب الدليل: نشر الطاقة الإيجابية بالصورة
أحلم أن أرى صور البسطاء والمهمشين فى لوحات دعائية بارزة، تدعم وجودهم وتحترم دورهم فى المجتمع».تتحدث مدربة التصوير رحاب الدليل (24 سنة) عن حلمها البعيد فى أن تنجح الصورة فى الانتصار لمجموعات مهمشة، وأن تنشر طاقة إيجابية بين المصريين.
فى مركز درب 1718 للفنون المعاصرة بمنطقة مصر القديمة تعمل داخل ورششة تدريبية أقامتها تحت عنوان (ورشة التصوير الفوتوجرافى الهادف)، يبدو العنوان غريبا حتى لمحترفى التصوير، لكن رحاب تشرح ذلك بقولها: «كثير من الحملات التى تدافع عن قضايا بعينها تستخدم الصورة، لكن ما وجدته فى تجارب عديدة أنه أحيانا ما تخفق الصورة فى التعبير عن القضية». داخل الورشة، توجه ملاحظتها للمتدربين وتذكرهم بنقاط أساسية قد يغفلها البعض، مثل الهدف من المشروع، القضية المطلوب دعمها، وكيف سنوصل الرسالة المطلوبة. لكن هذا التدريب ليس إلا وسيلة تستخدمها رحاب لتوصيل فكرة أخرى تحاول العمل عليها، وهى نشر الطاقة الإيجابية من خلال الصورة، وتوضح ذلك بمثال من خلال مشروع تصوير أنجزته بدعم من منظمة UNWOMWN، إذ تقول: «كانت الفكرة حول العنف ضد المرأة، اخترت العنوان: نحن جميعا فراشات، وحاولت العمل على الفكرة دون أن أورط نفسى فى نشر طاقة سلبية أو إصابة المشاهدين بالكآبة والغم.. أعتقد أن مصر الآن فى حاجة إلى بث الأمل فى النفوس، وأرجو أن يكون للصورة دور فى هذا الأمر». عملت رحاب الدليل فى مجالات التصوير التجارى لفترة ،لكنها تعمل الآن على مشروع شخصى بعنوان (أنا موجود).
ينقسم هذا المشروع إلى قسمين، الأول هو (كلمة حلوة) ويعتمد على استخدام صور لمواطنين يحملون لافتة صغيرة مكتوب فيها عبارة متفائلة أو نكتة أو نصيحة تلائم وظيفتهم، أما القسم الثانى من المشروع فهو (أنت مهم) وهدفه الانتصار لأصحاب المهن المتواضعة والمهمشين، وتصويرهم على أمل أن تتبنى إحدى المؤسسات فكرتها. يتم تزيين الشوارع التى يعمل بها هؤلاء بصورهم على لوحات دعائية كبيرة، وتبرز أهميتهم سواء كانت المهنة، صاحب كشك، عسكرى مرور، أو غيرها من المهن. «عشان نحقق الهدف ده، يبقى الموضوع أكبر من مجرد صورة، لازم الصورة تحقق الهدف بشكل فنى، وده اللى باحاول أنقله للمتدربين فى الورشة»، هكذا تشرح هدفها موضحة أن أحد شروط الورشة أن يشاركوا فى مشروعها (أنت مهم) على أمل تحقيق حلمها فى المستقبل.
«أؤمن بالحديث الشريف القائل: أنا عند ظن عبدى بى، لذا سأظل مرابطة على فكرة توصيل الرسائل عبر صور تبث الطاقة الإيجابية والتفاؤل فى عيون المشاهدين، حتى لو اختلف معى كثير من المصورين، فلو اخترت تصوير مجموعة من أطفال الشوارع لا أعتقد أن الرسالة الأهم إبراز قبح ملابسهم، فأنا أركز على الهدف، وعلى الأمل.. يكفينا ما حولنا من سواد».
فى داخل الورشة يعرض المتدربون صورهم واحدا تلو الآخر، وتسجل رحاب ملاحظتها الفنية، وتعمل على إعادتهم طول الوقت إلى الهدف والرسالة. أما الحلم الأكبر فهو نشر هذه الفكرة عبر مدرسة للتصوير تسعى رحاب لإنهاء إجراءاتها فى أقرب وقت.

Sunday, December 2, 2012

قبل أيام الصدام .. تختلف الانتماءات ، والطريق واحد

كتب – عبد الرحمن مصطفى
اشتراكي ، علماني ، إخواني ، برادعاوي ، كلهم شباب جمعهم ميدان التحرير يوما ما ، يتحركون في محيط الأحداث الأخيرة دون أن يكونوا على صلات مباشرة ببعضهم البعض . يحمل كل منهم أفكاره ، وصورة عن الآخرين . و لا يرغب أحد منهم في أن تقع لحظة الانفجار مع تصاعد الأحداث يوميا .
جلسوا يتحدثون دون أن يمثلوا تياراتهم التي ينتمون إليها ، بقدر ما يروون تجاربهم ، ويعرضون ما قد يفرقهم ، وما قد يجمعهم ، و وسط حديثهم ، تتشابه الجمل والعبارات ، وتتشابك في مواضع أخرى . وليس أمامهم سوى سؤال واحد ..  ماذا بعد ؟ 
  • إخواني
- أحمد أبو الحظ
- 26 سنة
- مهندس حاسبات

في الطريق إلى أحد المقاهي المجاورة للبورصة المصرية ، يمر أحمد أبو الحظ على عدد من الأصدقاء ، وينتقل بهم الحديث من الحياة الشخصية إلى السياسة ، وتبدأ محاولات التهكم على المواقف الحكومية و على تأييد شباب الجماعة لهذه السياسات، يتقبل أحمد مثل هذه المواقف بصبر و ثقة ، محاولا الحفاظ على علاقاته المستمرة مع شباب من خارج جماعة الإخوان التي ينتمي إليها .
مثل هذه المناوشات الخفيفة بين المعارف و الأصدقاء تكون أعنف في العالم الافتراضي على الانترنت، حيث ازداد كم الصفحات على شبكة اجتماعية مثل فيسبوك تستهدف فقط التهكم على جماعة الإخوان المسلمين ومواقفها وفي هذه الأجواء التحريضية ، قد تخسر أحد أصدقاءك في نقاش. بدأت تلك الموجة في الصعود منذ أحداث محمد محمود الأولى في نوفمبر 2011 ، لاحظ بعدها أحمد - عضو جماعة الإخوان المسلمين- ازدياد حدة النقاش، وكان ذلك في خلفية تمسك التيارات الاسلامية بالترشح لانتخابات مجلس الشعب، رغم الاشتباكات العنيفة بين الأمن والمتظاهرين آنذاك .
يتحدث أحمد نافيا الصورة المرسومة لشباب الإخوان عن أنهم مجرد تابعين لقادتهم، ويقول: "الفكرة هي أن هناك اختلاف بين شريحة من شباب الإخوان و آخرين في أنني على سبيل المثال أرى الثورة وسيلة وليست هدفا ، كذلك فإن شباب الجماعة منذ شهور يعملون لصالح حرب التطهير على الفساد ، في مجهودات قد لا يراها الكثيرون .. مثل مراقبة تهريب الوقود في بعض المحطات ، وتكوين لجان تعمل على كشف الفساد داخل مؤسسات من منتمين إلى جماعة الإخوان وآخرين .. كل هذا يضيع الفرصة أن نرد على اتهام شباب الإخوان بأنهم قطيع".
يرى أحمد كغيره من الشباب الأكثر اختلاطا بالتيارات الأخرى داخل الجماعة أن الاتهام الموجه إليهم بالتبعية وعدم القدرة على المعارضة، هو نتيجة عدم فهم الكثيرين لنظام الحياة الذي ينشأ عليه الفرد الإخواني .. عند أحمد الأمر أكثر وضوحا حين يشبه شكل العلاقات بالمؤسسة ، ويحدد ذلك قائلا : "قد تكون داخل كيان عملاق له رؤية عظيمة ، لكن علينا أن نتأكد أن الوعي بهذه الرؤية يختلف من موظف لآخر، وكذلك الحال داخل الجماعة". أما ما يزيد من حالة الحدة أحيانا في النقاشات والسجالات بين شاب إخواني و شاب آخر، هو هذه الصورة المسبقة عن الإخوان، كما أن الشاب الإخواني في الأغلب لن يحمل انتقاداته واعتراضاته على قادته و المسؤولين عنه داخل الجماعة ، ويبدأ في الحديث عنها على الفيسبوك ، أو على المقاهي أو الندوات .. لذا فمساحة الأخذ والرد تقل إلى حد كبير مع الآخرين.
يعلق أحمد أبو الحظ قائلا : "فكرة السمع والطاعة التي تتردد كثيرا عن الشاب الإخواني ، يتحدث عنها الآخرون كوصم على الإخوان ، لكنهم لم يفكروا في أن العمل أقرب للشكل المؤسسي ، وهناك نشأة تربى عليها الشاب الإخواني ، تجعله متفهما لفكر قياداته ، وقادرا على الاعتراض بشكل لائق".
أحد المشاكل التي يتناقلها بعض شباب الإخوان في هذه الفترة هي نفس المشكلة التي ظهرت في أعقاب الثورة مباشرة، وأحرجت بعض شباب الإخوان أمام شباب الثورة ، وهي غياب الكوادر الشبابية عن المشهد الاعلامي، وسيادة لغة وخطاب قادة الجماعة من جيل شباب الستينات والسبعينات.
ما يحدث مع شاب إخواني في جلسة مع تيارات أخرى غير إسلامية هو أن يجد نفسه يحمل أوزار إسلاميين آخرين أساؤوا لبعض قضايا العمل الاسلامي، وهنا يتوجه إتهام آخر للشاب الإخواني و هو المراوغة. يرى أحمد بشكل شخصي أن قضية مثل تطبيق الشريعة في حاجة إلى جلسات ونقاشات للتعرف على مخاوف الآخرين. و يرى أيضا أننا نفتقد فقها مصريا حديثا يرفع عنا ما نحن فيه من اختلاف واستعارة نماذج أخرى. ويردد بعض شباب الإخوان المسلمين أن الشاب الإخواني -بحكم وجود الإخوان المسلمين في السلطة الآن - أصبح يحمل أوزار السلفيين والجهادين وتصريحاتهم ومواقفهم المختلفة .
هذا ما حدث مع أحمد أبو الحظ حين قيل له بشكل مباشر من أحد زملائه: "أنا أتعامل مع المسيحي ، هو أقرب لي من أن أتعامل مع إخواني ".
في تلك اللحظات العصيبة لا يرى حلا سوى في العمل المشترك، و يقول موضحا : "الحل في مشروعات ومبادرات تجمع كل الأطياف، وتقوم على المصارحة والمصالحة .. وأن يتذكر الجميع أن الإخواني في النهاية مصري مثلهم".
  • علماني
-         هيرماس فوزي
-         29 سنة
-         مهندس تكنولوجيا معلومات
لا يخفي إعجابه بصراحة الشيخ وجدي غنيم حين يهاجم الليبراليين والمسيحيين بشكل صدامي ، و يقول: "الشيخ وجدي غنيم واضح و أستطيع أن أتفهمه، لكن هناك من يتحدثون عن تطبيق الشريعة وأنها لن تقف ضد الحريات ، وحين أدخل معهم في نقاشات أرى صورة ضبابية". يجلس في مقهي بوسط البلد على بعد مسافة غير بعيدة عن شارع محمد محمود و ميدان التحرير حيث تعرض لإصابات سابقة أثناء المظاهرات المتجددة . يوضح : "الدولة التي أنتظرها بعد الثورة هي دولة مدنية ، لا تقحم الدين و تفرضه على الناس ، و لا تجعل الدين في مرمى النيران".
في محاولة لفهم الآخر ، لم يبتعد عن المسيرات و المظاهرات المتتالية ، حتى التي نادت بتطبيق الشريعة للتعرف على الطرف البعيد عن أفكاره، و لم يجد تفسيرات لكثير من أسئلته ، حول وضعية المسيحي في تصور المجتمع بعد تطبيق الشريعة ، خاصة بعد تبادل البعض آراء عن عدم قبول شهادة غير المسلم في القضاء . كل ذلك كان يدفع نحو محاولات متجددة للفهم : "في اعتصام وزارة الدفاع في إبريل الماضي ، قابلت سلفيين و حدثتهم عن الدولة من وجهة نظرهم ، وقيل لي أنهم يقبلون القوانين ، لكن التي لا تخالف الشريعة ، وحين سألت عن أمثلة، لم أجد إجابة .. ".
وصل هيرماس وغيره من الذين يتبنون فكرة علمانية الدولة إلى قناعة بأن يكون التشريع خاضعا لاحتياجات المجتمع ومطالبه ، و ألا يكون الدين وسيلة لتمرير قوانين لصالح فئات معينة ، أو على حساب آخرين ، و يوضح: "الأمر لا يتعلق فقط بالاسلام ، بل بقضية مثل الزواج والطلاق عبر الكنيسة للمسيحيين ، هناك من يرون أنه حق من حقوق الدولة و عليها أن تقوم وحدها بهذه المهمة دون شريك باسم الدين".
بعد الثورة، غاب لفظ "علمانية" لحساب تعبيرات جديدة مثل مدنية ، وليبرالية ، ومع سخونة الصراعات بين التيارات الدينية وغيرها عاد وصف "علماني" إلى الأضواء مرة أخرى، بما يحمله من وصم ، خاصة داخل التجمعات المغلقة على الانترنت. يقول  هيرماس عن ذلك : "ليس كل العلمانيين شيئا واحدا، و ليس كل الاسلاميين شيئا واحدا ، لكن هناك من الطرفين من انحط في الطعن على الآخر، فتجد العلماني الذي يرى في الاسلاميين من يريدون تزويج الفتيات في سن التاسعة ، و إسلامي يرى في العلمانيين رمزا للانحلال والعهر وأنهم معادون للأديان .. هذا ليس حقيقيا". و وسط الأحداث المتتالية والاشتباكات مع الأمن التي كان شاهدا عليها،  يغيب الجدل حول القضايا التي قامت من اجلها تلك الاشتباكات  .
كأي شاب يعتنق تلك الأفكار يؤمن هرماس بأن "لكل مقام مقال" ، فلا يفصح عن الكثير من أفكاره لكل من حوله، فتلك الأفكار سرعان ما تضع الشخص "العلماني" في تصنيف آخر كشخص معادي للاسلام .
  • برادعاوي
-         محمود علي
-         25 سنة
-         كيميائي بوزارة الصحة
يحمل محمود حقيبته مبرزا شعار حزب الدستور ، وقبلها كانت صورة الدكتور محمد البرادعي متصدرة الحقيبة إلى جوار شعار الحزب ، وطوال تلك الفترة كان يقابل بأسئلة في طريقه إلى العمل، حول صورة البرادعي ، وعن شعار الحزب ، "أحيانا ما كنت أتلقى هذا السؤال : هو البرادعي لسه في مصر ولا مسافر؟ ، وذلك بغرض التهكم". كانت فرصة له للاشتباك مع الواقع ، و فتح أبواب التواصل مع الآخرين، بل واجتذاب أعضاء جدد للحزب ، إذ يعمل محمود منسقا للعمل الجماهيري في مناطق العباسية و الظاهر وباب الشعرية بحزب الدستور، ومن هنا نضجت قناعته حول كيف يرى الآخرين، وخاصة غير المسيسين، وكذلك كيف يرونه. يقول محمود عن ذلك : "حين تنزل لعمل سلسلة بشرية ضد قرار غلق المحلات قبل الثانية صباحا، ستجد من يساندونك، لكن حين تهبط عليهم بمظاهرة أو وقفة احتجاجية ضد اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور، فقد يشتبكوا معك بعنف". هذه القناعة لم تأت من فراغ، فطوال الفترة الماضية بعد الثورة، واجه محمود اتهامات واضحة وعبارات من نوعية "انت 6 إبريل !!"، "انتو عايزين تسقطوا الدولة !". وحين كان داعما للبرادعي في فترة ما قبل الثورة وبعدها كان ذلك بمثابة اتهام آخر . وحسبما يشرح الآن فإن تلك الصورة بدأت في التغير بعد أن بدأ العمل الحزبي، إذ كانت فكرة الحركة السياسية أو الثورية غير مفهومة لكثيرين، رغم أنها كانت إحدى نقاط القوى في أحزاب تأسست بعد الثورة .
مؤخرا، ومع تصاعد الموقف بعد ذكرى أحداث محمد محمود، عاد الاشتباك إلى ساحات الانترنت بين شباب التيار الديني وشباب التيار المدني. بدأ كل واحد يرسم صورة للآخر، ويروجها عبر صفحات الانترنت ، وأصبحت توجه اتهامات مباشرة إلى أنصار البرادعي وحمدين بالتفاهة ، والبعد عن قضايا الأمة... هنا لا ينقذ شاب "برادعاوي" مثل محمود سوى سيرته الشخصية، وثقة الآخرين به. ومثلما يتعرض "البرادعوية" للوصم، على الجانب الآخر تسدد الاتهامات إلى أبناء جماعة الإخوان بأنهم تابعين لقياداتهم ، و يرى محمود أن لكل شيء جذوره ، يعلق على ما يخص جماعة الاخوان المسلمين تحديدا : "التعامل مع أفراد جماعة الإخوان في عمل مشترك ، بدأ تدريجيا في إعطاء صورة سلبية ضخمها البعض ، فقد تعرضت أنا وأصدقائي لموقف محرج حين اعتمدنا على زملاء ينتمون إلى الإخوان المسلمين في تنظيم مسيرة بحي العباسية ضد نزول توفيق عكاشة هناك، وقبل الموعد بيوم واحد ، اعتذر الشباب الإخوان .. ونحن نعرف أن ذلك كان بسبب رفض القيادات .. هذه المواقف هي التي تدفع إلى رسم صورة سيئة".
حسب حديثه فإن كل تلك الصور التي نأخذها عن الآخرين ، ستنهار حين نتعامل سويا بفردية: "طوال فترة بعد الثورة كان الناس يتعاملون معي أنا وزملائي في العمل الجماهيري بثقة فينا، لو تعاملنا بشكل أكثر تحررا من تبعيتنا لشخص أو جماعة ، ستقترب المسافات بيننا بشكل أكبر". 
 
  • اشتراكي ثوري
-         حازم شريف
-21 سنة
- طالب بالجامعة الألمانية

 "الاشتراكية انتهت ..جربناها أيام عبد الناصر وفشلت ، وسقط الاتحاد السوفيتي.. الشيوعية كفر وإلحاد ولا تصلح أفكارها لمجتمعنا"، هذه الاتهامات اعتاد حازم شريف أن يتلقاها و أن يتعامل معها جيدا في خطوات يحددها كالآتي: "أبدأ بالحوار و أوضح في حديثي أن الاشتراكية لا تتدخل في العقائد الدينية ، وأن الاشتراكي الثوري هو شخص له موقف واضح في دعم الطبقة العاملة، لأنه مؤمن بأن هذه الطبقة هي من تحرك التغيير في المجتمع". تلك الصورة المرسومة عن الاشتراكيين والشيوعيين تستند أحيانا إلى وجود زعماء في العالم من أبناء هذا الفكر السياسي كانوا ملحدين أو لا دينيين ، لكن ما يحاول حازم عمله في مثل هذه المواجهات أن يوضح أن الاشتراكية هي موقف سياسي مبني على أفكار ، و ليست موقف من الدين بشكل مباشر. و يقول : "أنا في بلد يحترم الدين ويعطيه دورا هاما في الحياة العامة، فكيف أدخل معركة خاسرة ، و أعزل نفسي عن مجتمعي ؟ ".
وسط ميدان التحرير، في جوار شوارع وسط البلد التي تجمعه ببعض الرفاق، يتشابه حديثه مع حديث الشباب المنخرطين في العمل السياسي ، ولا يختلف عنهم سوى حين يستخدم بعض المصطلحات"العلمية" في السياسة. وأثناء حديثه قرب مجمع التحرير، يراجع ما مر به من خبرات مع شباب التيارات الأخرى .. كيف يراهم ، و كيف يروه ؟
عند التعامل مع أبناء التيار الاسلامي، سواء في العمل الطلابي أو في أنشطة سياسية أخرى ، تزداد مساحة التوتر قليلا ، بسبب اختلاف القناعات ، لكن ذلك لا يمنع أن يتعاون الفريقان في نشاط مشترك مثل فعالية في أحداث غزة الأخيرة ، لكن يظل لكل منهما مشروعه و صورة للدولة التي يرغب بها. وبعد وصول الإخوان المسلمين إلى مراكز قيادية في السلطة، انتقل التوتر إلى الشريحة الطلابية، هذا ما حدث في ندوة القيادي الإخواني الدكتور محمد البلتاجي، في جامعة حلوان قبل أسابيع، حين انتهت بحدة متبادلة بين الطرفين، و صدامات أخرى وقعت في مناسبات أخرى متفرقة. اختار حازم طريق الاشتراكية الثورية بعد قراءات اطلع عليها قبل سنوات ، و لا يخفي انتقاده لكثير من أبناء التيار الاسلامي، عن عدم قدرتهم على نقد أدبياتهم ، و هو ما يثير نقاشا وجدلا أحيانا مع زملائه الاسلاميين الذين يوفرون له مساحة النقاش. "أنا حين أطلع على نقد متجدد للأفكار الاشتراكية ، أجد أن الزمان لم يتوقف عند كارل ماركس ، وهو ما لا أراه بشكل واضح لدي شريحة كبيرة من الاسلاميين ، في نقدهم لأدبياتهم".
هناك وجهة نظر أخرى يعرضها حازم تجمع الأحزاب الاسلامية والليبرالية في صورة واحدة، هذا ما يوضحه قائلا : "الأحزاب الليبرالية أكثر اهتماما بالطبقة الوسطى التقليدية - البرجوازية-ويبرز فيها دور رجال الأعمال وسطوتهم على السياسة ، هنا لا يوجد فرق بين حزب يجمع الاسلاميين ، وحزب ليبرالي ، هؤلاء جميعا ، يقفون في ناحية أخرى من القضية التي نناضل من أجلها ، وهي قضايا الطبقة العاملة ، وصنع حراك ، ثم وعي ، وبعدها الثورة، يعملون بطابع المؤسسات التجارية".
لا تمثل الاشتباكات التي تحدث الآن بين القوى السياسية المدنية والاسلامية ضغطا كبيرا على شاب مثل حازم، بل إن الصراع الذي دار خلال الأسابيع الماضية حول المادة الثانية من الدستور ، يصفه قائلا : "أرى شبابا كثرا ينخرطون في السياسة ، و ظهرت مجموعات هدفها فقط مواجهة الإخوان ، و يبدأون في العمل السياسي دون أفكار سياسية أو توجهات يتبناها ، ما أعتقده هنا أنه يجب أن يكون هناك فكر ومنطق ومنهج، يصنعها توجها دائما في العمل السياسي ، و ألا أستمد وجودي من مواقف طارئة".
ومن أجل أن يصل الفكر الاشتراكي إلى الآخرين ، أصبحت هناك قواعد على شاب مثل حازم أن يبديها ويعتنقها في أثناء العمل السياسي ، وعلى رأسها ألا يصطدم بقناعات المجتمع الراسخة ، وأن يدرك أن لكل مجتمع ظروفه الخاصة التي تنتج حلولا ووسائل مختلفة .

 

Thursday, May 17, 2012

رحلة في عقل أنصار أبو اسماعيل

من هم أتباع (الشيخ الرئيس؟)
داعمو الحملة تجاوز عددهم 100 ألف.. واللا مركزية كلمة السر
«فى أثناء زيارتى الأخيرة للقاهرة، التقيت بعض أبناء معسكر أبوإسماعيل، وهناك وجدت من لم يمارس السياسة من قبل، ومن يرى المستقبل بعينى الشيخ، وكلهم مستمرون فى مشروعهم حتى النهاية»، هذا التعليق لخليل العنانى المتخصص فى شئون الحركات الإسلامية فى جامعة «دورهام» البريطانية يصف فيه ظاهرة أبوإسماعيل ومؤيديه ــ على حد تعبيره ــ داعيا إلى ضرورة دراسة وتفكيك هذه الظاهرة ومحاولة فهمها لإدراك تطورات حالة المجتمع المصرى بعد الثورة. هذه الملاحظات التى وردت فى مقال للعنانى نشر فى جريدة الأهرام ويكلى لم تشغل فقط المتخصصين، بل شغلت الرأى العام بعد تصريحات الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل نفسه عن علاقته بمؤيديه وأنه لا يملك عليهم أى سلطة. «هناك مبادرات شعبية، اتخذت شكل الحركات أو المجموعات تتبنى أفكار الشيخ حازم، لكنها فى النهاية تختلف تماما عن الكيان الأساسى القديم وهو الحملة المركزية لترشيح حازم صلاح رئيسا لمصر، إذ إنه هو الكيان الوحيد الذى يرأسه الشيخ بنفسه، وهذا لا ينفى أن هذه الحملة قد تعاونت مع بعض المجموعات الأخرى». الحديث هنا لمعاذ المصرى أحد قيادات الحملة التى ما زالت محافظة على ملامحها رغم استبعاد حازم صلاح أبوإسماعيل نهائيا من سباق الرئاسة، وكان معاذ المصرى مسئول الحملة لطلاب الجامعات. أحد بيانات الصادرة عن الشيخ حازم صلاح شخصيا أوضحت الموقف حين أعلن قبل أسابيع أنه لم توجد فى الحملة وظيفة مدير الحملة ولا مدير الحملة المركزية ولا مسئول الحملة ولا المتحدث الإعلامى ولا المنسق الإعلامى، وهى التعبيرات التى كان يتداولها الإعلام لبعض مؤيدى الشيخ، وهو ما طرح تساؤلات عن شخصيات ومجموعات ارتبطت باسم الشيخ حازم واعتبرها الإعلام ممثلة له، مثل الشيخ جمال صابر منسق حركة «لازم حازم»، ومديرى حركة «حازمون» وغيرهم.
قبل عام تقريبا فى مايو 2011 أعلن الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل نيته الترشح للرئاسة، لكن حملته المركزية لم تظهر بشكل حقيقى إلا فى يونيو من العام نفسه، حين بدأت فى طلب متطوعين للعمل داخلها، وبدأت صفحة الحملة على الفيسبوك فى التواصل مع غيرها من الصفحات الداعمة لأبوإسماعيل، حتى جاوز اليوم عدد أعضاء هذه الصفحة 550 ألف شخص، أما ما يقدره العاملون فى الحملة حاليا من متطوعين وداعمين على الأرض فأكثر من 100 ألف شخص فى أنحاء مصر، وبعض أعضاء تلك الحملة لهم كيانات خاصة بهم مثل «حركة طلاب الشريعة» التى ينتمى أغلبها إلى شباب الحملة المركزية السابقة، حتى أن بعض بوسترات أبوإسماعيل الشهيرة كانت تحمل شعارهم. وبعد عدم تمكن حازم صلاح من المنافسة على الرئاسة، أصبح كيان مثل «طلاب الشريعة» مؤخرا أكثر وضوحا فى الميدان، حين يشارك أعضاؤه فى الاعتصامات والمسيرات، لصالح الشيخ أو لأسباب أخرى، واليوم ينتظر من كانوا متطوعين فى مشروع الحملة للرئاسية، والمؤيدين لحازم صلاح من الحركات الأخرى أن يعلن مشروعه القادم حتى يستعيدوا نشاطهم من جديد.
كان نوفمبر 2011 تاريخا مهما فى حياة أنصار الشيخ حازم صلاح خاصة بعد جمعة الشريعة فى 18 نوفمبر، فما زال بعض المتابعين يتذكرون مشهد الشيخ الملتحى وهو يردد البيعة لحازم صلاح أبوإسماعيل قائلا: «لك السمع والطاعة، فى المنشط والمكره، ما أطعت الله فينا»، وحوله المئات يرفعون أذرعهم فى الهواء مرددين خلفه نص البيعة. فى ذلك الوقت لم يعرف الكثيرون أن هناك مجموعات قد نشأت متأثرة بأفكار حازم صلاح أبوإسماعيل، كما انضمت كيانات فى نفس ذلك الشهر تحت لواء «الشيخ الرئيس»، وفقا لمقال خليل العنانى الباحث فى الشئون الإسلامية بجامعة دورهام البريطانية، وإحدى أكبر هذه الحركات كانت «حازمون» وهى ذات اتجاه آخر، إذ إن «حازمون» ليست حملة دعائية، بل حركة تتبنى أفكار حازم صلاح سواء كان رئيسا أم لم يصبح، فارتباطهم الأول والأخير مع أفكاره وشعاراته.

حلم تصدير الثورة
يعرض المقداد جمال ــ عضو المكتب التنفيذى لحركة حازمون ــــ الاتجاه الذى اختاره أفراد الحركة قائلا: «هى حركة إسلامية ثورية شبابية، لها فروع فى المحافظات المختلفة، وقد ساندنا الحملة المركزية للرئاسة، لكن مهمتنا ليست الدعاية بقدر ما هى نشر أفكار الشيخ التى اقتنعنا بها، والدفاع عنها، ولدينا الاستعداد أن ننقد حازم صلاح نفسه لو وجدناه قد ابتعد عن هذه الأفكار». تلك الأفكار التى أحبها العديد من الشباب الملتزم هى نقلة فى حياة الشاب السلفى المصرى، بين الصورة التقليدية للعالم الفقيه وطالب العلم الشرعى، وبين صورة جديدة قدمها حازم صلاح أبوإسماعيل، إذ أنه هنا يقوم بدور رجل السياسة ذى الخلفية الشرعية، وله برنامج وتصور، ويجيد التحدث إلى العامة بلغة بسيطة، وهو نموذج جديد على هذه الفئة من الشباب. وتتبنى «حازمون» بشكل واضح هذا النهج، إلى جانب تبنيها المواقف الثورية تماشيا مع نهج الشيخ أبوإسماعيل، لكن هذه النبرة الثورية تدفع شخصا مثل المقداد جمال أن يقول: «لأننا ثوريون فنحن نرفض أن يؤسس الشيخ حزبا ويتحول مصيره إلى حزب النور الفاشل، وإذا ما اتخذ هذه الخطوة فسنقف ضد هذا القرار، فنحن لدينا أمل أن نكون حركة ثورية قادرة على تصدير الثورة.. وبالطبع هذا لن يحدث إلا بنجاح ثورة يناير نفسها».
حركة «حازمون» التى ظهرت فى نوفمبر الماضى، تلاها أسماء حركات أخرى من أشهرها «لازم حازم» التى قادها الشيخ جمال صابر فى إبريل الماضى على خلفية ما أثير فى ذلك الوقت عن جنسية والدة أبوإسماعيل، وتصدى لهذه لقيادة حملة لازم حازم الشيخ جمال صابر ومن معه من العناصر الفاعلة فى الحملة المركزية، لكن هناك من يراها حملة هشة ولا ترقى إلى مستوى الحركة الشعبية.
على هذا المنوال ينقسم مؤيدو الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل إلى القسم الرئيسى الممثل فى الكيان المتبقى من (الحملة المركزية لترشيح حازم صلاح رئيسا لمصر) وقسم آخر على نمط «حازمون» لحركات شبابية مؤمنة بالفكر الإسلامى الثورى، ومجموعات أخرى كانت متواجدة قبل إعلان حازم صلاح ترشحه الرئاسة، ثم انضمت لتأييده بعدها، إحدى هذه المجموعات على سبيل المثال هو «التيار الإسلامى العام» الذى ضم 11 كيانا أعلنوا تأييدهم للشيخ أبوإسماعيل، بعضها كيانات صغيرة، وأخرى ذات حضور أكبر مثل «الجبهة السلفية». يقول حسام أبوالبخارى ـ المتحدث الرسمى باسم التيار الإسلامى العام: «هذه الكيانات المكونة للتيار، أعلنت دعمها لحازم صلاح أبوإسماعيل وستشارك فى مشروعه القادم، ولا أخفى أن أحداث العباسية الأخيرة قد أحدثت خلافات بيننا، بعد الجدل المثار حول أهمية الاعتصام». كل هذه الكيانات لا تأتمر بأمر الشيخ، وهو ما حاول الشيخ توضيحه فى لقائه مع الإعلامى يسرى فودة حول أحداث العباسية حين ذكر: «المعتصمون هناك مستقلون، وليس لى عليهم من سلطان».
المقداد جمال كان ممثلا لحازمون فى «التيار الاسلامى العام»، لكنه يراه الآن كيانا نخبويا يضم مجموعات ليس لأغلبها تمثيلا قويا على الأرض، قائلا: «نحن من يتحرك منذ أحداث محمد محمود، ونحن من تلقفنا الأفكار الثورية ونعمل على نشرها والعمل بها، لذا نحن مختلفون».

خريطة متشابكة
تبدو الصورة معقدة لمن يحاول فك رموز مؤيدى الشيخ حازم أو من أطلق عليهم الإعلام «ولاد أبوإسماعيل» هناك أمور متشابكة كأن تجد على سبيل المثال فى موقع «المرصد الإسلامى لمقاومة التنصير» على الانترنت الذى يديره المهندس خالد حربى مقالا للمقداد جمال زميله فى «حازمون» أو أن تجد حوارا مع الدكتور حسام أبوالبخارى فى الموقع بصفته متحدثا عن «ائتلاف دعم المسلمين الجدد»، أو أن تجد مئات الصفحات على الفيسبوك تدعم الشيخ حازم صلاح، وبينهم من يدير أكثر من صفحة فى الوقت ذاته، وكل هذا يصنع زخما لدى الشريحة المهتمة بدخول هذه المواقع، وتداخلا بينهم. بعيدا عن ذلك فهناك كيانات أخرى تماما أيدت الشيخ، ليس لها صلة مباشرة بالدعوة منها على سبيل المثال «رابطة المحامين الاسلاميين».
أما الشريحة الأخيرة من المؤيدين فتضم أفرادا مستقلين أعلنوا دعمهم للشيخ حازم، حتى إن كان ذلك على عكس توجهات كيانات ينتمون لها، والمثال على ذلك استقالة الشيخ حسن أبوالأشبال من الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح قبل أسابيع احتجاجا على تباطؤها فى إعلان تأييدها لأبى إسماعيل، وكذلك أيد عدد من أعضاء حزب النور السلفى الشيخ حازم فى الفترة الماضية، رغم التوترات فى علاقة حزب النور بالشيخ حازم. وجميع هذه المجموعات تنتظر الآن المشروع القادم لأبوإسماعيل، حتى إن لم يكن الرئيس.

أحمد بروست: التغيير من البرادعى إلى الشيخ حازم
يتحدث أحمد إبراهيم الشهير بـ(بروست) بجدية عن اختياره دعم الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل طوال العام الماضى، ولا ينجح بروست فى السيطرة على عينيه الزائغتين قلقا من مفاجآت جديدة، إذ تلقى تهديدات بسبب عمله الحركى فى المسيرات والاعتصامات أثناء أحداث العباسية وبعدها، «الناس افتكرت إنى اتحبست بعد فض اعتصام العباسية، بس الموضوع اتحل بسرعة وخرجت».
يجلس على بعد أقل من 200 متر من مقر وزارة الدفاع بمدينة نصر، وفى هذه المرة لم يأت معتصما مثلما كان الحال فى اعتصام وزارة الدفاع بكوبرى القبة الأخير، إذ إنه ببساطة أحد سكان هذا المربع فى مدينة نصر، ويقول: «قبل الثورة أتذكر أنى كنت رقم 38 ألفا وكسور من الذين أعطوا توكيلات للبرادعى لتعديل الدستور فى 2010، كما شاركت فى الجمعية الوطنية للتغيير، لكن موقف البرادعى بعد الثورة وأداؤه الانسحابى دفعنى إلى الاهتمام بتجربة أبوإسماعيل الذى أبدى مواقف ثورية». ما يجمع البرادعى وحازم صلاح من وجهة نظره هو «حلم التغيير».
يعمل أحمد بروست الذى جاوز الثانية والثلاثين فى مجال تكنولوجيا المعلومات، واقترب من الشيخ حازم فى يوليو الماضى بعد بدء اعتصام 9 يوليو. «صديقى أحمد سمير ذو ميول سلفية وعضو فى ائتلاف دعم المسلمين الجدد، وقد اندهش لهذه النقلة فى ذلك الوقت، وقررنا أن نعمل سويا». حسبما يصف فإن تلك المرحلة كانت بداية تأسيس صفحة «كان فين أبوإسماعيل قبل الثورة؟»، ويوضح بروست: «كان لدى نفور من أن يسطو على الثورة من يتاجر بالدين». لكن ــ على حد قوله ــ فإن وجود برنامج انتخابى وخطة زمنية وتوافر مواد فيلمية للشيخ حازم صلاح تعود إلى التسعينيات، جعلته يراه بشكل مختلف، وبدأ فى دعمه بإخلاص حتى إن كان هو وأصدقاؤه ليسوا أفرادا فى الحملة الرسمية. ويعلق: «التقيت الشيخ حازم مرتين أو ثلاثة.. فى إحداها عرضت عليه مبادرات تتبنى دعمه، فقال: اعمل بالطريقة التى تجدها نافعة.. اقتناعى به دفعنى إلى طبع بوستراته على نفقتى الخاصة».
يتعامل بروست مع تلك المرحلة من العام الماضى على أنها مرحلة تاريخية، إذ تطورت صفحة «كان فين أبوإسماعيل قبل الثورة؟» إلى حركة «حازم لكل المصريين»، التى تعتمد على الطابع الشبابى فى استخدام الفيديوهات، والتوعية فى الشارع على نمط الحركات السياسية. أما المرحلة الأخيرة التى انتقل إليها بروست فكانت المساهمة فى تأسيس «حركة ثوار بلا تيار» وهى إحدى أهم الحركات التى قادت المسيرة إلى وزارة الدفاع ليلا وتدشين الاعتصام حتى تم فضه بعدها. اتهمت هذه المبادرة بأنها بتحريك من أنصار الشيخ حازم، لكن بروست يشرح: «كان الجميع ينظر إلى أنصار أبوإسماعيل المعتصمين فى التحرير على أنهم انتهازيون ولا يبحثون إلا عن مصلحة شيخهم، فى حين أن هناك قضايا اعتصموا لأجلها، وفجرتها قصة أبوإسماعيل والانتخابات الرئاسية، وكان قرار عودة أحمد شفيق إلى سباق الرئاسة مزعجا للجميع». لذا ساهم فى إبريل الماضى فى تأسيس «ثوار بلا تيار» من شباب يؤيد الشيخ حازم، وشباب من ألتراس أهلاوى، ومجموعة من شباب الإخوان، وشباب 6 ابريل (الجبهة الديمقراطية). كلهم كانوا فى الاعتصام إلى جوار كيانات أخرى من مؤيدى أبوإسماعيل، يصف بروست بحماس اعتصام العباسية بأنه كان «رسالة بأنه لم تعد هناك خطوط حمراء، وأن الحركة الاحتجاجية مستمرة».
فى صفحة «ثوار بلا تيار» على شبكة فيسبوك الاجتماعية شعار يقول: «أنا مصرى بحب بلدى. وغير تابع لأى حزب ولا جماعة. أنا لا إخوانى ولا علمانى ولا اشتراكى ولا سلفى. ولا ليبرالى ولا تابع لأى تيار سياسى أى حزب ولا جماعة وليس لى أى تيار سياسى. أنا بلا تيار وقررت أنى أشارك فى مستقبل بلدى». وهكذا يصف بروست نفسه أيضا. تلك الملامح الجادة والبنية الرياضية تقدم شخصا ذا مزاج عسكرى، وهو ما يعلق عليه بابتسامة تكاد تكون الوحيدة التى أبداها خلال الجلسة: «والدى كان ضابطا فى القوات الجوية، زى مبارك وشفيق، بس فيه فرق كبير». ينتقد فى حديثه سلوكيات الشباب السلفى المحافظ الذى يطوف حول شيخ واحد، ولا يرغب فى أن يرى أبوإسماعيل مستقبليا فى مثل هذا الموقف، موضحا أن اعتصام العباسية كان على مسئولية الثوار، لأنهم لا يأخذون أوامر من الشيخ.
بعد حوالى عام مع الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل، يجد الطريق يأخذه ناحية مزيد من الثورة، متبنيا بعض أفكار من الشيخ حازم، دون أن يقتصر عليها.
سنحيا كرامًا من بورسعيد
على أغلب بوسترات الشيخ حازم صلاح التى غزت الشوارع قبل عدة أشهر عبارة شهيرة تقول: «سنحيا كراما»، هذه العبارة اجتذبت محمد لهيطة فى مدينة بورسعيد كى يحولها إلى حركة شعبية قائمة على أفكار الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل، يقول عن ذلك: «ليس ضروريا أن ألتقى الرجل وجها لوجه أو أن أكون من المقربين منه فى القاهرة حتى أقوم بهذه المبادرة، أنا أبحث عن المشروع وليس الشخصية، وقد كنت أعمل مع زملائى فى حملته للرئاسة، وفى بالنا أننا سنكمل كحركة شعبية، وعندما لم يتمكن الشيخ من الترشح للرئاسة، بقينا مستمرين كما نوينا فى البداية».
لا يستطيع لهيطة أن يحدد رقما لعدد أعضاء مجموعته، فانتشارهم غير قائم على كيان مؤسسى، الصفحة على الانترنت تضم 1000 شخص، ومجلس إدارة الحركة يضم 15 فردا هو أحدهم، ولا يخجلون من طلب معونة إحدى المجموعات الإسلامية الأخرى فى أى نشاط يقومون به.
يعمل محمد لهيطة فى مجال ضبط الجودة داخل مؤسسات ومصانع المدينة، كما ضمت الحركة أبناء محافظات أخرى مجاورة، ومهمتهم نقل رسالة الشيخ حازم ورؤيته الشرعية لممارسة السياسة، من خلال مسيرات، أو أن ينموا مجتمعاتهم عبر ورش تدريبية.
رغم تأييدهم لحق الشيخ حازم فى الترشح للرئاسة، واعتبارهم ما تعرض له محاولة للإقصاء إلا أنهم لم يجدوا فى اعتصام العباسية وسيلة جيدة لتحقيق الأهداف المرجوة منه، وبعيدا عن العاصمة تسير الأمور حسب قواعد أخرى، خاصة فى محافظة بورسعيد التى تعرضت لضغوط من الجماهير فى الفترة الماضية بعد أحداث مباراة الأهلى والمصرى الدامية، إذ يعتمد العمل على التعاون على مجموعات أخرى مثل: شباب حزب النور، وشباب الإخوان المسلمين، و6 إبريل «الجبهة الديمقراطية» الذى يملك لهيطة أقرباء فى داخلها، ومن هذا الاختلاط، استعارت «سنحيا كراما» فكرة رسم الجرافيتى على الجدران للتعبير عن مواقفها. يقول محمد لهيطة عن ذلك: «فى النهاية نحن لا نخضع كحركة لفكرة السمع والطاعة، ونؤمن باجتهادات وآراء شخص مثل حازم صلاح الذى كنا نطمح أن يكون رئيسا، لكن الأفكار ستبقى، وهذا دورنا».
رجل السياسة الشرعية
قضى الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل فترة من حياته فى العمل العام إلى جانب نشاطه فى الدعوة الإسلامية، وشارك منذ الثمانينيات فى تناول قضايا اتخذت الطابع الحقوقى مثل مقاومة لائحة اتحاد طلاب الجامعات ومصادرات جريدة الأحرار. وعلى الموقع الرسمى لحازم صلاح، يسجل محبوه اهتمامه بالعمل السياسى بدءا من مساندة والده فى حملات ترشحه لانتخابات مجلس الشعب، إلى أن خاض التجربة بنفسه فى برلمان 2005 التى خسر فيها أمام الوزيرة آمال عثمان.
بعض المراقبين يقارنون بين النبرة الجماهيرية التى يستخدمها أبوإسماعيل، والنبرة الناصرية، إذ خرجت من تصريحاته «كليشيهات» وشعارات مثل: «سنحيا كراما، وأدركوا اللحظة الفارقة». وهذا أداء جديد على شيوخ السلفية الأكثر ارتباطا بالعلم الشرعى والدعوة، وهنا لا نتعجب حين نجد أنصار أبوإسماعيل يستخدمون لقب «الأستاذ» أحيانا بدلا من «الشيخ». هذه الفكرة يعبر عنها الدكتور طارق عبدالحليم ـ أحد شيوخ المهجر ـ فى مقال بعنوان: «فى السياسة الشرعية.. مثال الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل»، فهو لا يراه رجل الفقه التقليدى ـ أو النموذج الشهير لدى الجماعة السلفية للفقيه وطالب العلم الشرعى ـ بل يراه «رجل السياسة، المسلم صاحب العلم»، الذى يتعرض لجمهور آخر، وغايته تختلف عن غاية الفقيه، لأنه يتحدث إلى «العامة» ولديه خطاب جماهيرى قريب من قضايا الحركات الثورية التقليدية، بل وأعطى شرعية للعمل الحركى فى المسيرات والاعتصامات، مع التأكيد على ضرورة تطبيق الشريعة.

Thursday, March 29, 2012

في لحظات الحزن القبطي .. إن فقدت البابا فكن مينا دانيال

مينا دانيال.. بروفة قبطية على الحزن قبل رحيل البابا

عبد الرحمن مصطفى
تحافظ مارى شقيقة الشهيد مينا دانيال على الابتسامة الهادئة وارتداء الملابس السوداء منذ أن لقى أخوها مصرعه خلال أحداث ماسبيرو فى أكتوبر الماضى، أما أختها الصغرى شيرى (25 سنة) فتصف حالة الحزن القبطى على وفاة البابا شنودة قائلة: «نحن نرتدى السواد منذ وفاة مينا.. الأسرة فى حالة حداد ممتدة». تقول عبارتها بابتسامة دون إبداء مرارة أو ضيق. ويحمل الطريق إلى المنزل فى عزبة النخل عبارات على الأسوار وواجهات المتاجر مثل «مسلم ومسيحى إيد واحدة»، وبمجرد العبور من بوابة المنزل فى طريق لا يرتاده من المواصلات سوى التوك توك يظهر مشهد لا يختلف كثيرا عن بعض المنازل القبطية الأخرى، حيث تبرز صورة القديس كيرلس السادس، وصورة أخرى للمسيح عليه السلام، وفى الواجهة صورة عملاقة للناشط السياسى الراحل مينا دانيال.. لم تكن ذكراه هنا فقط، بل تكرر الحديث عنه مؤخرا مع حالة الحزن على وفاة البابا شنودة الثالث، خاصة بين بعض الشباب على الإنترنت الذين عبروا عن ذلك بعبارات من نوعية: «يمكننى أن أوجه العزاء لإخوانى المسيحيين ولكن الأولى أن أرثى أخى مينا دانيال». وتصريح آخر كالذى ذكره النائب زياد العليمى، عضو مجلس الشعب: «يصعب علينا أن نُعزى فى البابا شنودة وحق دم شهداء ماسبيرو لم يعد»..أما داخل المنزل الذى يضم عائلة صعيدية تمتد أصولها إلى محافظة أسيوط، فقد كانت المفارقات تظهر واحدة بعد الأخرى، إذ نشأ مينا دانيال (جيفارا المصرى حسبما يصفه البعض) فى بيت مسيحى ملتزم، تضحك شيرى أثناء تعليقها: «هناك بعض الملامح السلفية فى منزلنا، لم يكن من السهل مشاهدة قنوات الأغانى على سبيل المثال، وعلى فكرة لم تكن تلك البيئة متعارضة أبدا مع توجه مينا فى الانفتاح على الآخرين، أيا كانوا». المفارقة الأخرى عاشتها شيرى مؤخرا أثناء نضالها من أجل الدخول إلى الكاتدرائية لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على البابا شنودة الثالث، حين انزعج البعض من ثباتها النفسى أمام هذا المشهد: «تعجبت من الناس الذين كانوا يصبروننا بعد وفاة مينا، ويدعوننا إلى الثبات، قائلين إن مينا فى مكان أفضل، كنت أسأل نفسى لماذا لم أجد ثباتهم هذا الآن؟، إذ صدمت بمشاهد الانهيار النفسى فى الكنيسة».
قصة مينا دانيال وكيف تحول إلى أيقونة لدى بعض الشباب، تشبه قصص فتيان آخرين آمنوا بأن حل قضايا الأقباط هو جزء من حل قضية مصر بأكملها. فى صالة المنزل حيث تجلس مارى (41 سنة) محاطة بصور أخيها الذى تربى على يديها، تجد نفسها هى الأخرى أحد هؤلاء الذين كانوا يتأرجحون بين عالمين: عالم ترى فيه أخيها الأصغر الذى توفى العام الماضى فى سن العشرين، حيث يسعى الناس فى مسيرات وفاعليات من أجل التغيير، وعالم آخر يُفوض الكنيسة وكيلا للشعب أمام السلطة. مارى وأختها شيرى أصبحتا الآن أقرب لطريق أخيهما الراحل، حسبما تؤكدان، ففى السابق كانت الأسرة لا تبدى اهتماما بقدر ما تبدى قلقا من توجهات مينا، ولم تشارك مارى فى البداية سوى بدافع مشاركة أخيها فى عالمه، أما مشاركات العائلة فكانت ذات منظور قبطى، لكن ذلك تغير بعد الثورة، إذ توضح مارى شارحة: «أنا على سبيل المثال من جيل التسعينيات الذى شهد فى أسيوط إرهاب الجماعات الاسلامية وجها لوجه، لقد أخذتنا الثورة وشباب مثل مينا إلى مساحات أخرى، ولم نعد نقلق وسطهم من الآخر وعقائده». حتى اليوم ما زالت تأتيها عبارات من نوعية: «مش كفاية بقى مظاهرات وتحرير.. مش كفاية اللى حصل لمينا؟». لكنها وأختها شيرى اختارتا الطريق، أن تكون لهما قدم فى الكنيسة حيث الروح، وقدم فى الشارع حيث الحقوق.
بعد وفاته كانت تأتى الاخت الصغرى أسئلة حول هوية مينا دانيال الدينية، «هو كان شيوعى؟!» بهدف الاطمئنان على نقاء إيمانه، وتبتسم متذكرة كيف كان يتحدث عن تشى جيفارا حين سألته أيضا هى الأخرى: «هو جيفارا ده مش كافر وملحد، بتقرا عنه ليه؟!». لكن العائلة كانت تدرك حقيقة نجلها الذى كان شماسا فى سن المراهقة، ولم يترك الكنيسة المجاورة إلا حين طلب منه القسيس حلق شعره وذقنه، فاتجه إلى كنائس أخرى، وأثناء احتجاجات كنيسة القديسين قبل الثورة مباشرة، هتف مينا داخل الكاتدرائية وصفعه وقتها أحد القيادات الكنسية، دون أن يخرجه ذلك من عباءة المسيح. هذا المنزل الذى شهد زيارات من مرشحين رئاسيين وقنوات إعلامية، أقنع مارى بأن تكمل مسيرة أخيها، وتعمل مع أختها الصغرى شيرى كتفا بكتف فى حركة مينا دانيال ضمن مسيرات وفاعليات وأعمال توعية. وتكمل مارى قائلة: «وجدت الحل فى نموذج مينا دانيال، وشباب مثله لا يعرفون الطائفية، وأشعر فعلا بأنهم أبنائى». فى عيد الأم الماضى تلقت مارى ووالدتها مكالمات عديدة من أشخاص أرادوا فقط دعمها معنويا، وبين المشاركة فى أنشطة الحركة وحتى فى وجودها على الفيسبوك، أصبحت لديها رسالة لتوجهها: «أحيانا ما تحدثنى فتاة عبر الانترنت وتعرف نفسها بأنها فلانة من كنيسة كذا، أبلغها فورا ألا تعرفنى بديانتها، وأطلب منها أن تعرفنى فقط بنفسها». بدأ مينا دانيال هذا الطريق فى سن السابعة عشرة بالمشاركة فى الكثير من الحركات الداعمة للقضية القبطية وأخرى ذات توجه يسارى، توقف مارى بصرها لدقائق على صورة مينا المعلقة على الحائط أمامها، وتكمل: «هناك حالة متواصلة من الإعاقات بين خشية البعض أن نلقى نفس مصير مينا فى النهاية، وبين من يسددون لنا سهام النقد متخذين الدين وسيلة لتثبيط الهمم على طريقة: الزم الكنيسة وودع ما سواها».ورغم النبرة الثورية التى تتحدث بها مارى دانيال، فلا يبتعد الايمان عن قلب الأسرة المتدينة، إذ تقول أختها شيرى: «حتى الآن لم نحصل على حق أخينا، لكنى لن أنسى كلمات أبينا حين تلا علينا من الإنجيل ما يدعو إلى تنقية القلب من الضغائن». ذلك المنزل الذى تقيم فيه الأختان الآن هو جزء من بيت العائلة، لكنه أصبح أشبه بمتحف لمينا دانيال، أما ما ترياه الأختان من إرث حقيقى فهو ما أدركتا من أن نيل الحق بالصدق فى النضال، وأن هناك عالما أكبر من عالم الطائفة وعالم النخبة.


مايكل وطارق.. نسختان من روح واحدة

قبل أكثر من عام لم يتخيل طارق معوض ومايكل يوسف أن يكونا صديقين وشريكين فى حركة ثورية واحدة، وأن تجمعهما حركة مينا دانيال التى تأسست فى أعقاب مصرع صديقهما المشترك فى أحداث ماسبيرو. حتى الآن يتذكر متظاهرو محمد محمود، الشاب ذو الخلفية السلفية حامل راية مينا دانيال فى الصفوف المتقدمة، طارق الشهير بـ(الطيب)، الذى وقف وسط الدخان والخرطوش المتطاير، أما مايكل فقد تلقى رصاصة فى ساقه فى اليوم نفسه الذى قتل فيه مينا على بعد أمتار قليلة منه. يقول مايكل يوسف طالب الهندسة: «فى بداية أحداث الثورة كان بعض أفراد عائلتى فى الأقصر يعتقدون أننى أشارك فى شغب يقوده الاسلاميون، حسب دعاية التليفزيون المصرى آنذاك، كانت علينا ضغوط حقيقية، لكنها خفت اليوم، حتى لو قلل البعض من شأننا». نفس الجدية والثقة التى يتحدث بها مايكل الذى طاف بين الحركات السياسية طوال العام الماضى، هى نفسها الثقة التى يتحدث بها طارق الطيب، لكنه يكسر هذا المزاج الجاد مازحا: «مايكل أيضا سلفى، لكنه مسيحى». تضم حركة مينا دانيال عشرات الشباب من المسلمين والمسيحيين، أغلبهم كانوا على صداقة شخصية بمينا، بينما تضم الصفحة على شبكة فيسبوك الاجتماعية أكثر من 4 آلاف عضو، إلى جانب المسيرات والمظاهرات التى تشارك فيها الحركة، فهناك ملتقى مينا دانيال الثقافى الذى يهدف إلى التوعية، كما تضم الحركة أفرادا خارج العاصمة. أما مايكل وطارق فقد جمعهما خيط واحد، فكلاهما ذو خلفية متدينة، وإن كانا يحرصان على ألا يكون الإيمان هو الواجهة التى يقابلان بها العالم. يروى مايكل يوسف الذى انضم إلى حركة 6 إبريل أثناء العام الماضى بعض مشاهد رآها بعد وفاة البابا شنودة ورآها ضد قناعاته، إذ يقول: «هناك بين النخبة السياسية من يفتعل مشكلة بين الدين والتغيير، كأن تجد أحدهم يهاجم مواقف البابا بعد وفاته مباشرة، مثل تلك الأشياء هى التى تنفر ذوى التوجه المحافظ من السياسة وقضايا التغيير».
طارق الطيب الذى اختار صداقة مينا دانيال منذ الأيام الأولى للثورة بعد إعجابه بشجاعة الراحل، كان أقرب أصدقائه رغم دهشة بعض من حوله، ويوضح: «حتى الآن أجد من يمارس ضغوطا بأسئلة ساذجة، مثل: كيف كنت تصاحب من اختار الكفر؟ وهنا أتذكر الكثير من الأحاديث النبوية التى أراها تترفع عن ضيق الأفق بهذا الشكل». يتحدث طارق الطيب بنصوص إسلامية ونبرة قرآنية تبرز فيها اللغة العربية السليمة. وحين يطل كل من مايكل وطارق على الحياة، يكتشفان أنه ما زال هناك من يعيش فى عالم ضيق ولا يواجه مخاوفه من اختلاف الآخر. يتذكر طارق جيدا تفاصيل زيارته إلى عائلة مايكل فى الأقصر، وكيف كسر الصورة التقليدية للسلفيين، ويكمل شارحا: «دخلت الكنيسة وتحدثت فى كل شىء، وتقاربت المسافات حتى إن والد مايكل قد اتصل ليطمئن علىّ بعدها». يفخر مايكل بأن والده أدرك مبكرا أن ابنه على الطريق السليم مع الثورة، لكن ذلك لم يمنع ضيق الوالد وقلقه من استمرار الاحداث، وتحول موقف بعض أفراد عائلته بعد أحداث ماسبيرو حين وجدوا قضيتهم يناضل من أجلها شباب الثورة. لا يصف أبناء حركة مينا دانيال أنفسهم سوى بأنهم حركة ثورية، ولا يطمحون مستقبلا فى أى منصب، قضيتهم هى مواجهة الفقر والتهميش، مثلما كان صديقهم الراحل مينا دانيال، يكرر دائما : الفقراء أولا.
PDF

Friday, February 17, 2012

ماذا بعد رحيل المجلس العسكرى عن الحكم؟




شرعية الثورة فى مواجهة شرعية السلطة


فى يوليو الماضى كتب مصطفى النجار ــ أحد مؤسسى حزب العدل ــ على موقع تويتر للتدوين القصير: «أعتقد أن شرعية ثورة يوليو قد انتهت تماما ولا شرعية إلا لثورة يناير ..الشرعية المدنية لثورة مدنية»، وبعد أن أصبح النجار نائبا برلمانيا أعلن أمام النواب مؤخرا أن «شرعية المجلس العسكرى قد انتهت بعد كل هذه الدماء، ولابد من تسليم السلطة لحكومة إنقاذ وطنى يشكلها البرلمان، لأن البرلمان هو الجهة الوحيدة التى تملك الشرعية فى مصر». وبين هذين التصريحين كانت هناك شهور ازداد فيها الجدل حول من بيده شرعية ثورة 25 يناير، إذ نال المجلس الأعلى للقوات المسلحة تلك السلطة الشرعية بعد إعلان انحيازه للجماهير، ومع انتخاب «برلمان الثورة» دار الحديث عن البرلمان كشرعية وحيدة لهذه المرحلة، لكن ما أعقب ذلك من أحداث متتالية أعادت إلى الأذهان تعبير «شرعية الميدان وشرعية الجماهير» وذلك عبر المظاهرات والمسيرات والمليونيات.
يرى الدكتور سمير نعيم ــ أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس ــ أن كل الشواهد تشير أن كلا من المجلس العسكرى ومجلس الشعب الحاليين هما امتداد للنظام السابق الذى لم يتغير بعد. ويقول: «الصراع الحقيقى بين أقلية تستمد شرعيتها من الاستحواذ على السلطة التشريعية والتنفيذية والثروة، وبين بقية الشعب الذى لا يملك الآن سوى إرادته وإصراره على إعادة توزيع الثروة والسلطة». تلك العلاقة بين مفهوم الشرعية وعلاقته بالسلطة شغلت العديد من المفكرين وهى إحدى قضايا علم الاجتماع، ويعد عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر أحد أهم من تناولوا مفهوم الشرعية ورأى أن هناك ثلاث تصورات لشرعية السلطة، الأولى هى السلطة التقليدية القائمة على تقديس التقاليد، والثانية هى السلطة الملهمة لقائد يحمل تأثيرا على الجماهير وأخيرا هى السلطة العقلانية التى تعتمد على القانون والمؤسسات. ويرى بعض الباحثين العرب أن السلطة العقلانية المعتمدة على فعالية المؤسسات والقوانين لم تكن ذات فاعلية فى العالم العربى لغياب الديمقراطية الحقيقية.
وقبل سنوات على ثورة 25 يناير كانت فكرة شرعية السلطة محل نقاش من المفكرين والسياسيين، وأحد أهم من تصدوا لهذه الفكرة كان الكاتب المخضرم محمد حسنين هيكل الذى دعا فى عام 2005 إلى تبنى شرعية جديدة بعد أن فقدت شرعية ثورة 23 يوليو استمراريتها، وانتهت شرعية حرب أكتوبر والسلام وذكر وقتها أن مصر بحاجة إلى عقد اجتماعى جديد. يرى الدكتور عاصم الدسوقى ــ أستاذ التاريخ الحديث فى جامعة حلوان ــ أن أزمة الشرعية لم تكن أبدا فى «حكم العسكر»، بقدر ما تكمن المشكلة فى أن حكامنا المتتاليين كانت لديهم مساحات تصنع منهم حكاما مستبدين، ويوضح ذلك بقوله: «كان الملك قبل ثورة يوليو 52 مدنيا، لكن كانت بيده سلطات واسعة وفرها له الدستور تسمح له بإعاقة الحياة الديمقراطية، وكذلك كان جمال عبد الناصر والسادات ومبارك جميعهم من خلفية عسكرية لكن كانت لديهم جميعا سلطات واسعة، والمفارقة أن كلا منهم استخدمها فى اتجاه مختلف». لكن فى نهاية الشهر الماضى ظهرت سلطة البرلمان وبدأ اشتباك جديد بين الرغبات الثورية فى التغيير ومواقف النواب التى اعتبرها البعض موالية للمجلس العسكرى والحكومة غير المنتخبة، ويعلق الدكتور عاصم الدسوقى قائلا: «المشكلة فى سيطرة الكتلة الإسلامية على البرلمان، وهناك شواهد تاريخية منذ فترة حسن البنا على إصراره على العمل تحت لواء الدولة والنظام، وهو ما يفسر طوال العام الماضى خروج جماعة الإخوان المسلمين بالذات من المشاركة فى كثير من الفعاليات المطالبة بالتغيير واستمرار الثورة على مدار العام الماضي». يتوقف قليلا ثم يضيف: «لو أرسينا نظاما جديدا أرجح حل هذا البرلمان». هذه التفاصيل عن السلطتين التشريعية والتنفيذية لم تجب عن سؤال المرحلة: كيف ستنتقل شرعية ثورة 25 يناير من أصحابها فى الميادين والمسيرات إلى السلطات الحاكمة؟ فى دراسة تحت عنوان «الإطار التاريخى والسياسى لثورة 25 يناير بمصر» للدكتور طارق البشرى، يرى فيها أن ثورة 25 يناير هى امتداد لتجارب سابقة ظهرت فى حركات شباب ثورات 1919، 1952، وحركات أخرى لم ترتبط بثورات مثل حركات الشباب وانتفاضاتهم فى أعوام 1935، 1946، 1972. وذكر فى دراسته التى نشرت مبكرا بعد تنحى مبارك أنه: لا بد لهذا الحراك الشبابى الثائر أن يتبلور فى تشكيلات تنظيمية، تنشأ من هذا الزخم السياسى الحادث وتجمعهم حول الأهداف السياسية والاجتماعية التى قامت الثورة من أجلها. هذه هى الوصفة الوحيدة لنقل روح ميدان التحرير الأولى إلى سلطة شرعية لا تعتمد فقط على العمل الحركى والتظاهر. أما الدكتور سمير نعيم أستاذ علم الاجتماع فيستدعى نموذج النضال السلمى لغاندى فى الهند، ونيلسون مانديلا فى جنوب أفريقيا قائلا: «الثورة مستمرة حتى تحقق أهدافها، وسيستمر إبداع المصريين فى أفكار جديدة .. لقد انتهى زمن القائد أو الزعيم المُـلهم، تماما مثلما انتهت شرعية الحكم بقوة السلاح».



النشطاء: مستمرون رغم التشويه


●إسراء عبدالفتاح نائب رئيس مجلس إدارة المعهد المصرى الديمقراطى



«ما من شك أن حملات التشويه على منظمات المجتمع المدنى قد أدت إلى التأثير على عملنا، وردود أفعال الناس وتجاوبهم مع نشاط مؤسسات التدريب الحقوقى، لكننا نقاوم هذا. المشكلة الحقيقية أننى وزملائى واجهنا اتهامات بالعمالة والتمويل الخارجى، وحين تم حفظ التحقيقات ضدنا مؤخرا لم يلتفت لنا أحد، لذا سأسعى إلى مقاضاة من اتهمنى دون دليل. رغم كل هذا فعلينا جميعا الاستمرار، حتى تقام دولة القانون، ويحاسب الجميع بمساواة دون تشهير حتى إن كان من النظام السابق، فيكفيه ما سيلاقيه بالقانون، أما الخطوة الأهم فهى تطهير المؤسسات التابعة للسلطة مثل الإعلام والداخلية حتى لا تستمر حملات التشويه التى يلقاها النشطاء، التى لا ينتج عنها سوى الإساءة لشباب يرغبون فى تغيير البلاد إلى الأفضل».



●محمود عفيفى المتحدث الإعلامى باسم حركة 6 أبريل



«رغم ما يتعرض له اسم 6 أبريل من تشويه من طرف الإعلام التابع للسلطة الحاكمة فإن الرهان فى المستقبل على أن الحقيقة ستتضح أمام الناس مع الوقت، حين تتكرر الاتهامات نفسها، ولا تظهر أدلة فى كل مرة، نحن الآن لن نهتم بالدفاع عن أنفسنا أو رد الشبهات، ربما يكون ذلك فى مرحلة أكثر استقرارا من الآن عبر حملات التوعية، أما بالنسبة للمستقبل، فلابد أن نوضح أننا لا نرفض التعاون مع أى من أجهزة الدولة، فالهدف هو المصلحة العليا، ولدينا من المبادرات الحالية مثل مبادرة حافظوا على جيش مصر ما يثبت النوايا الحسنة».



بداية تعارف جديدة على الجيش


من بين الهتافات التى كانت تعلو وسط المسيرات الاحتجاجية مؤخرا: «الجيش المصرى بتاعنا .. والمجلس مش تبعنا»، لكن تلك النوايا الطيبة الظاهرة فى الهتاف لم تواجه بعد سيادة المؤسسة العسكرية وغموضها الدائم وقلة المعلومات عنها.. فهل يستمر هذا الوضع كما كان، أم سيتم التعامل مع المؤسسة العسكرية كمؤسسة حكومية بعد رحيل المجلس العسكرى عن السلطة؟ تعلق الدكتورة زينب أبوالمجد ــ الأستاذ المساعد لتاريخ الشرق الأوسط فى الجامعة الأمريكية ــ قائلة: «هذه هى مهمتنا أن نكمل الثورة بحيث يتم تحقيق الشفافية والعدالة فى جميع مؤسسات الدولة». كانت زينب أبو المجد قد نشرت مقالاهما تحت عنوان: الجيش والاقتصاد فى مصر. وتم تداوله على الإنترنت منذ أسابيع، لكنها لم تقدم دراسة اقتصادية شاملة كما كانت تطمح، بل استندت إلى معلومات من قصاصات الصحف والربط بين معلومات متفرقة وذلك لغياب المعلومات الكافية عن «جهاز مشروعات الخدمة الوطنية» التابع للقوات المسلحة، وهو ما يمثل النشاط غير العسكرى للمؤسسة العسكرية. لم يكن هذا المقال خارج سياق الأحداث، إذ أثير جدل قبل عدة أشهر حول إمكانية الرقابة على ميزانية الجيش المصرى، وانتهى هذا الجدل مؤخرا إلى محاولات برلمانية للقيام بهذا الدور الرقابى. ووسط كل هذا الصخب كانت تصعد آراء عن ضرورة إبعاد المؤسسة العسكرية عن النقد أو الرقابة المباشرة من المدنيين منعا لانهيار الدولة، وهو ما يراه الخبير الاقتصادى عبدالخالق فاروق مجرد حجج واهية، ويعلق قائلا: «كان نظام مبارك نظاما فاسدا، ومن واجب المصريين أن يكونوا حريصين على جيش بلادهم وأن ينقلوه إلى نظام جديد أفضل». هذا الرأى لا يجد رواجا لدى من يرون أنه لا ينبغى إتاحة أى معلومات تفصيلية عن المؤسسة العسكرية، والمفارقة التى تلاحظها الدكتورة زينب أبو المجد أن ما يعتبره هؤلاء أمرا غاية فى السرية، هو فى الحقيقة معلومات عادية فى دول أخرى منها إسرائيل. وتعلق على ذلك بقولها: «أنا مثلا أعرف ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية كام.. هل ده أثر عليهم فى إسرائيل أو أضرهم فى حاجة..؟». تتوقف هنا وتحيل النقاش إلى عناوين كتب مهمة ناقشت بالأرقام البيزنس الخاص بالجيش التركى على سبيل المثال، وكتاب آخر موثق عن الجيش الباكستانى ونشاطه الاقتصادى، لكن هذه المعلومات لا تتوافر أغلبها فى مصر، رغم أن المعلومات الأهم والخاصة بتسليح بلدان الشرق الأوسط منشورة ومتداولة فى الولايات المتحدة الأمريكية حيث أهم مصدر للسلاح إلى المنطقة.
هذا الغموض حول المؤسسة العسكرية وغياب الكثير من المعلومات التى تتيحها دول أخرى فى العالم، قد يزيد من هيبة المؤسسة بسبب قلة المعلومات، وهى الهيبة التى تصاحب رجال المؤسسة العسكرية حين يديرون قطاعات أخرى مدنية، ويعلق على ذلك الخبير الاقتصادى عبد الخالق فاروق قائلا: «كانت المادة 15 من الدستور تنص على «أن للمحاربين القدماء والمصابين فى الحرب، أو بسببها، ولزوجات الشهداء وأبنائهم، الأولوية فى فرص العمل وفقا للقانون». وهذا المنطق كان ملائما لدستور عام 71 الذى تمت كتابته فى زمن الحرب، ويضيف عبد الخالق فاروق: «هيبة الجيش ستستمد من الشفافية فى التعامل وأن تكون المؤسسة العسكرية جزءا من الأجهزة الحكومية المختلفة». لكن كيف ستستمر العلاقة بين المجلس العسكرى وباقى القوى السياسية والثورية إذا ما رحل تاركا خلفه ثورة لم تكتمل؟ هل يؤثر ذلك على استمرارية قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى أماكنهم بعد تركهم للسلطة ؟ لم يذكر التاريخ المعاصر من حوادث تم التعامل فيها مع قيادات الجيش انصياعا لرغبات الجماهير سوى فى ثورة يوليو 52 حين عزل تنظيم الضباط الأحرار قيادات الجيش آنذاك لإنجاح الثورة، ومرة أخرى فى إعادة محاكمة قادة سلاح الطيران فى العام 68 بعد مظاهرات طلابية وعمالية احتجاجا على أحكام المحكمة الأولى فى أعقاب النكسة.
من الصعب توقع مسار التغيير القادم ووضع قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة كما ترى الدكتورة زينب أبو المجد، وحسب تعبيرها فإن هذه الثورة هى ثورة المفاجآت التى لا تنتهى، وتضيف: «ما نريد تحقيقه هو الشفافية، فأنا أشعر بالغيرة حين أجد فى إسرائيل أن الإعلام والحكومة تساءل وزير الدفاع بشفافية.. فنحن قد حققنا إنجازات فى هذه الثورة وعلينا استكمالها حتى النهاية».


أنصار العسكرى مع الرئيس القادم إلا من أيّد التحرير


يستخدم كلا من الدكتورة منال المصرى ــ المشرف العام على الحركة اللجنة الشعبية لحماية مصر ــ ومحمود عطية المتحدث الإعلامى باسم ائتلاف مصر فوق الجميع، تعبيرى الاستقرار ومساندة الشرعية فى شرح موقفيهما من تأييد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وذلك بعيدا عن عدم اتفاقهما فى عدد من النقاط الأخرى. محمود عطية هو فى الوقت نفسه مؤسس مبادرة المشير رئيسا لمصر. ورغم إعلان المجلس العسكرى أنه ليس له صلة بهذه الحملة أو بقية الائتلافات المؤيدة له فإن محمود عطية ما زال مستمرا فى دعمه للعسكرى حتى ولو عبر بيانات صحفية. لكن ماذا بعد رحيل المجلس العسكرى عن السلطة؟ يجيب عطية قائلا: «سنؤيد أى مرشح رئاسى ذىد خلفية عسكرية، وسنظل ننادى على البرلمان كى يقف ضد متظاهرى التحرير وسياستهم المعتمدة على الصوت العالى والصخب».
أما فى حالة وصول رئيس مدنى لا يحمل خلفية عسكرية إلى الحكم، فسينصاع السيد محمود عطية وزملاؤه فى الائتلاف لاختيار الشعب، لكنهم لن يتركوا «بتوع التحرير» كى يمارسوا أنشطتهم التى مارسوها طوال فترة المجلس العسكرى من مليونيات ومظاهرات، وسيظلون يناضلون ضدهم. لكن الأمر مختلف عند الدكتورة منال المصري- المشرف العام على الحركة اللجنة الشعبية لحماية مصر- فليس لدى أعضاء الحركة التى تكونت عبر الانترنت ثم نشطت على الأرض أى اهتمام بأن يحمل الرئيس القادم خلفية عسكرية، وتعلق قائلة: «أيدنا العسكرى لأنه الشرعية، ولسنا مثل أبناء مبارك الذين تركوا الواقع وعاشوا على ذكرى رئيس تنازل عن شرعيته، أنا اليوم مع البرلمان ذو الأغلبية الإسلامية رغم اختلافى معهم فكريا». لكن ماذا إن وصل إلى الحكم شخصية من شريحة البرادعى أو عمرو موسى أو عبدالمنعم أبوالفتوح أوحازم صلاح أبوإسماعيل؟ تقول الدكتورة منال: «حتى إن كان رئيسا من الميدان، سنحترم تلك الشرعية، لكن ما سيحدث أننا قد نفكر فى أن نتحول إلى حزب سياسى معارض لهذا الرئيس، وهذا نفكر فيه من الآن خصوصا أننا لا نعرف مستقبل الائتلافات والحركات ومدى استمراريتها». أما محمود عطية فيتبنى هو وزملاؤه اتجاها واحدا يجعلهم يرون فى المظاهرات أنها أقرب إلى أعمال صبيانية، ويقول: «قابلت بعض شباب الثورة، وبعضهم للأسف لا يوقر الكبير، ويكفى موقفهم من السيد المشير طنطاوى الذى قاد وزارة الدفاع لأكثر من 21 سنة، هذا الرجل ذو خبرة فى الإدارة، وعليهم أن يعلموا أن المؤسسة العسكرية هى مدرسة فى الإدارة». سواء مع بقاء المجلس العسكرى فى السلطة أو مع رحيله فيظل أداء الائتلافات المؤيدة له بمثابة رد فعل على الأداء الثورى وجميع مظاهره، فكلما ازدادت مقاومة القوى الثورية للسلطة وازدادت الرغبة فى تغيير النظام السياسى بقيت المجموعات المؤيدة للسلطة، مع قناعتهم بأن ميدان التحرير قد انتهت شرعيته.
PDF