Showing posts with label نوستالجيا. Show all posts
Showing posts with label نوستالجيا. Show all posts

Saturday, March 14, 2015

المسرح المصرى ينتظر دقات البداية

فى الوقت الذى أبدت الدولة اهتمامها باستعادة النشاط فى دور العرض المسرحية، برز تيار شبابى يدعو لاستغلال المسارح المهجورة لصالح الفنانين الشباب، ورغم ذلك تستمر «أزمة المسرح» فى مواجهة عالم تشتعل فيه الأحداث يوميا، ومزاج جديد يجذب المشاهد ناحية شاشات السينما والفضائيات، ومساحات أخرى من التفاعل صنعها الانترنت، ليظهر عبء جديد على المسرحيين المصريين، فى كيفية تحقيق الجاذبية والابهار، حتى يعود النشاط المسرحى إلى قوته.. كصناعة وفن يؤثران فى المجتمع.
محرر الشروق يشتبك مع حارس سينما قصر النيل :)
فى منتصف شارع عماد الدين داخل منطقة وسط القاهرة، سور يحيط بأرض فضاء، عليه لافتة تحذر من التعدى على قطعة الأرض التى تخص البيت الفنى للمسرح، حيث تقع أطلال مسرح مصر، وعلى مدار سنوات سابقة تكررت الوعود بإعادة بناء المسرح من جديد، وهو ما لم يتم حتى الآن.
«كان المسرح يعمل حتى التسعينيات ثم انهار، وتحول إلى أرض فضاء». يتحدث باختصار حارس المسرح المتهدم، بينما يستكمل الحديث سامى سالم، صاحب المحل المجاور، الذى يحفظ تاريخ عدد من المسارح القديمة فى شارع عماد الدين.
وفى خارج تلك المنطقة من القاهرة يكثر عدد المسارح التاريخية، التى يصعب حصر تبعيتها فى جهة واحدة، إذ تنقسم بين مسارح تابعة للدولة وأخرى خاصة، وبين مسرح مهجور بسبب الإهمال، وآخر معطل بسبب غياب العروض والجمهور، يبدو المشهد فى تلك المنطقة بائسا مع انسحاب العروض المسرحية من شارع عماد الدين ومنطقة وسط البلد.
«تم الاتفاق مع القوات المسلحة على امدادنا بالمخططات الهندسية اللازمة لإعادة بناء مسرح مصر فى شارع عماد الدين، كما سيتم تخصيص جزء من ميزانية البيت الفنى للعام القادم من أجل هذا المشروع». هذا ما يوضحه فتوح أحمد رئيس البيت الفنى للمسرح الذى يخضع له مسرح مصر.
حسب حديث رئيس البيت الفنى للمسرح لـ«الشروق» فإنه يدير 13 مسرحا، كما أن لديه برامج مزدحمة بالعروض الفنية التى تحتاج إلى مزيد من المسارح، ويقول «ليس لدينا مسارح مهجورة أو معطلة». لكنه عاد واستثنى مشروع إعادة بناء مسرح مصر الذى ينتظر الدعم.
فى الجهة المقابلة لأطلال «مسرح مصر» يقع مبنى مهجور لسينما القاهرة، إذ ترجع ملكية المبنى لورثة أحمد الحاروفى، الذى كان قد خصص جزءا من هذا المبنى لعرض مقتنيات المطرب الراحل عبدالحليم حافظ، نظرا لعلاقتهما الوطيدة، وهو ما انتهى قبل سنوات، ولم يتبق من المبنى سوى كافتيريا مهجورة ومحل لبيع السجائر.
«المكان لن يتم إعادة إحيائه كمسرح أو سينما.. لقد توقف النشاط مع وفاة أحمد الحاروفى الذى كان متفرغا لإدارة هذا النشاط الفنى». هذا ما يؤكده خالد صالح، أحد ورثة الحاروفى.
وتتكرر القصة مع مسارح أخرى هجرها ملاكها أو تعطل إنتاجها مقارنة بما كانت تنتجه فى السابق، فعلى سبيل المثال لا ينتج المسرح الخاص حاليا سوى ثلاث مسرحيات هى «تياترو مصر» على مسرح جامعة مصر، و«دنيا حبيبتى» على مسرح الفن، و«بابا جاب موز» على مسرح الريحانى. ولا تعمل هذه المسرحيات على مدار الأسبوع.
وفى تلك الأثناء فإن هناك نماذج أخرى من المسارح الخاصة، تحولت عن تقديم العروض المسرحية الكلاسيكية إلى أنشطة أخرى بديلة، إذ إن بعضها تديره شركات تهدف إلى الربح، مثل شركة أفلام محمد فوزى التى امتلكت حق إدارة دار سينما ومسرح قصر النيل منذ عام 1988، وهو المسرح الذى شهد العديد من مسرحيات ذات الانتاج الخاص، بينما كان آخر العروض المسرحية التى أقيمت عليه، هو عرض «براكسا» فى العام 2011، وتم استغلاله فيما بعد فى حفلات غنائية.
«حُسن البضاعة ولا حُسن السوق». يستعير عماد عبدالمنعم مدير دار سينما ومسرح قصر النيل هذا المثل الشعبى فى وصف التطور الأخير لحالة المسارح الخاصة، فغياب أبطال العروض المسرحية الذين نشطوا منذ السبعينيات، قد أثر بشكل مباشر على حالة تلك المسارح.
وكما يوضح مدير دار سينما ومسرح قصر النيل فإن هناك طريقين للتعاقد عند إتاحة استغلال المسرح، وهو إما أن تحصل إدارة المسرح على مبلغ كامل مقابل العرض، أو أن تحصل على نسبة من الإيراد، ويعلق على تجربة إتاحة المسرح للحفلات الغنائية فى السنوات الأخيرة: «كانت التذاكر ذات أسعار معقولة، فى متوسط 40 جنيها ثمنا للتذكرة، وهو ما لم يكن مربحا على المدى البعيد». وعلى نفس هذا المسرح أقامت المطربة الراحلة أم كلثوم أهم حفلاتها الغنائية، وكذلك كان المطرب عبدالحليم حافظ، والفنان فريد الأطرش. بينما تطمح إدارة مسرح قصر النيل أن تعد برنامجا شهريا بحفلات غنائية، يعيد ارتباط الجمهور بالمسرح ذى الطابع التاريخى. أما فى مسرح راديو المجاور فقد اختارت شركة الإسماعيلية التى تدير عددا من المبانى التاريخية فى منطقة وسط البلد، أن تقوم على تأجيره لبرامج تليفزيونية، كما كان الحال مع برنامج «البرنامج» للإعلامى باسم يوسف، قبل توقفه.
ومع قلة العروض المسرحية الخاصة، وانسحاب نجومها منذ سنوات إلى العمل التليفزيونى والسينمائى، أصبح للمسرح المدعوم من الدولة أكثر أهمية، لما تقدمه الدولة من دعم، لكن حقيقة أرقام ميزانية وزارة الثقافة التى تدير مسارح البيت الفنى للمسرح، وهيئة قصور الثقافة، دار الأوبرا، تبرز مشكلة أخرى فى حقيقة دعم الدولة للحركة المسرحية، إذ كانت وزارة الثقافة قد أعلنت عن أن ميزانيتها للعام الماضى تمثل نسبة 0.23% من إجمالى الموازنة العامة للدولة بما يقارب واحد ونصف مليار جنيه، وأن 52.43% منها ينفق على أجور وتعويضات على العاملين فى الوزارة حسب تصريحات الوزير السابق صابر عرب.
«هناك أزمة أعمق من مسألة دعم المسرح، وهى عن التحدى الذى يتعرض له المسرح منذ سنوات، فعلى سبيل المثال، قمنا بإعداد استطلاع للرأى بين جمهور المسرح، وكشف عن أزمات فى التسويق والامكانيات المحدودة، وضعف المستوى الفنى، وغياب الإبهار». الحديث هنا لهانى أبوالحسن مدير عام المركزالقومى للمسرح.
وخلف مكتبه فى مقر المركز فى حى الزمالك بالقاهرة، يوضح هانى أبوالحسن أن المسرح يعانى عالميا من أزمة انسحاب الجمهور، حيث اتجه الكثيرون إلى إبهار السينما والتليفزيون، وإلى حالة التفاعلية التى يتيحها الانترنت، ما يجب أن ينتبه إليه الفنان المسرحى.
«كانت الفترة الماضية منذ السبعينيات تعمل على تغذية الحس المحافظ فى المجتمع، ما أنتج مزاجا غير مقبل على الحياة المسرحية، وهو ما يبرز فى قلة أعداد دارسى المسرح، وفى جانب آخر فإن انخفاض ميزانية العروض، ينعكس على كم الإبهار البصرى الممكن فى هذه العروض». يستكمل هانى أبوالحسن حديثه مستعيرا بعض النماذج التى تخلصت من عبء الإنفاق على الموظفين فى تجربتى مسرح الهناجر ومركز الإبداع الفنى، بينما تواجه أماكن أخرى كما كبيرا من العمليات الروتينية، والزيادة المفرطة فى أعداد الموظفين.

وبين ما تبديه الدولة من اهتمام بعودة الحياة المسرحية كما هو واضح من تصريحات كبار المسئولين الحكوميين، إلا أن الواقع يحمل معه مشاكل أخرى، عن تغير المزاج العام، وكم الانفاق المتاح على الحياة المسرحية.
مسرح روابط

كشف حساب المسرح المصري فى 3 سنوات

تشير أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء إلى تغيرات سنوية فى عدد المسارح العاملة فى المجال الفنى على مدار العام، وكذلك عن عدد جمهور المسرح فى مصر.
- يشير آخر إحصاء حسب النشرة السنوية الثقافية الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة والاحصاء، إلى أن عدد المسارح النشطة فى العام 2013 قد بلغ 40 مسرحا، فى مقابل 31 مسرحا لعام 2012 بنسبة زيادة قدرها 29%، فيما تشير أرقام العام 2011 إلى وجود40 مسرحا مقـابل 37 خلال عام 2010. وهو ما يكشف عن هبوط النشاط المسرحى فى عام تولى جماعة الاخوان المسلمين للحكم.
- ورغم ازدياد عدد المسارح فى العام 2013 وإقامة 1998 عرضا شاهدها 340 ألف مشاهد، إلا أن ذلك لم يجنى سوى 4.8 مليون جنيه، بينما بلغ عـــدد المترددين على المســارح 453 ألف مشاهد عــام 2012 بلغت جملة إيراداتها 8,3 مليون جنيه.

إحياء المسارح.. اتجاه معاكس بين الفنانين الشباب

مسرح مصر

اختار الفنان الشاب على قنديل التوقف تماما عن إدلاء تصريحات صحفية حول حملة «عايز مسرح» التى بدأها فى نوفمبر الماضى، وانتهت بوعد رئاسى عن إتاحة مسرح الفردوس للفنان الشاب ونشطاء حملته كى يبدأوا تجربتهم فى إحياء المسرح المهجور. وكانت الشروق قد حصلت فى وقت سابق على تصريحات من مؤسس حملة «عايز مسرح»، حول خطته المستقبلية فى حالة ما تحققت أمنيته فى الحصول على مسرح الفردوس، وذكر قائلا: «مبادرة عايز مسرح ليست ممثلة فى على قنديل فقط، هى مجرد خطوة لإثبات أن هذا الجيل من الشباب، لديه الكفاءة والخبرة فى الإدارة، والقدرة على تحقيق النجاح.. هى مجرد خطوة، سنسعى لتكرارها وإعداد كوادر لها». اشتهر على قنديل بأداء كوميديا الـ«ستاند أب»، بعد أن قضى سنوات سابقة فى تقديم العروض التمثيلية والتدريب فى مسارح ومراكز ثقافية مستقلة.
تعتمد حملة «عايز مسرح» على عدم تكليف الدولة نفقات إحياء مسرح الفردوس المستهدف، بل ستعتمد على أنشطة تدر ربحا، وستستخدم ذلك الربح فى عملية تطوير المكان، على أن يتم تقييم التجربة بعد فترة ثلاث سنوات، وهى الفترة التى يراهن فيها على قنديل وفريقه المكون من عشرات الشباب على تحقيق النجاح المنشود.
أما الدعوة التى طرحها على الانترنت فى شكل استمارة، فقد نالت أكثر من 3000 توقيع من متضامنين مع الحملة، كما تضامن معه فنانون شباب، يسعون خلف هذه المساحة التى ستستوعبهم فى المستقبل.
لن تكون هذه التجربة هى الأولى فى إحياء مسرح مهجور، ففى شارع «خليج الخور» المتفرع من شارع رمسيس فى وسط القاهرة، يقع مركز أوبرا ملك، الذى تم افتتاحه فى يونيو الماضى، وتتلخص قصته فى أنه كان مسرحا تديره الفنانة ملك حتى بداية الخمسينيات من القرن الماضى، ثم آلت ملكيته إلى الدولة بعد وفاتها فى العام 1983، ومن العام 2007 انتقلت إدارته إلى البيت الفنى للمسرح، وظل غير مستغل حتى العام 2013، حتى تحول إلى مركز فنى حكومى. «كان مجرد مخزن يضم بعض المعدات السينمائية، وله مديرين دون عمل حقيقى..». على حد قول أحمد السيد مدير مسرح أوبرا ملك.
فى الطابق العلوى من المسرح، يبدو أحمد السيد مشغولا بالتجهيز لفعاليات قادمة، وهو أحد الوجوه التى برزت فى اعتصام وزارة الثقافة قبيل ثورة 30 يونيو 2013.
«كان السؤال الذى يلاحقنى حين توليت إدارة المسرح فى أغسطس 2013، عن خبراتى السابقة فى إدارة المسارح، وكنت أجيب: وماذا فعل من قبلنا الذين تراكمت خبراتهم دون تحقيق نهضة مسرحية.؟ للأسف هناك كثيرون لا يعرفون كم الخبرات التى تكونت لدى جيلنا فى الفترة الماضية».مازال الحديث لأحمد السيد الذى يسترجع الفترة التى استغرقت قرابة العام فى تجهيز المسرح حتى لحظة افتتاحه، قائلا: «فى تلك الفترة لم انتظر استلام المسرح دون عمل، بل حاولت استخدام مسارح أخرى زميلة فى التحضير لورش فنية حتى يتم افتتاح مسرح ملك، لكنى كنت أقابل بفتور أو بعدم ترحيب فى بعض الحالات».
تلك المحاولات والتجارب اعتمدت بشكل مباشر على الحصول على مسرح خاضع للدولة، بينما كان هناك مسار آخر فى تجربة إحياء أماكن مهجورة وتحويلها إلى ملتقى فنى ومسرح يحتضن العروض الفنية، أحد أشهر هذه النماذج هو مسرح روابط الذى تم تأسيسه قبل 9 سنوات. بدأت القصة حسبما يرويها محمد عبدالخالق أحد مؤسسى روابط، وهو بدوره رئيس مجلس إدارة جمعية دراسات وتدريب الفرق المسرحية الحرة.
«البحث عن إحياء مسارح جديدة هو أحد تداعيات حركة المسرح المستقلة، التى بدأت قبل 25 سنة، وعلينا أن نعترف بأن العروض المستقلة هى من أنقذ الحركة المسرحية، بكثرة عروضها مقارنة بالمسرح الحكومى والمسرح الخاص». وعلى حد تعبير محمد عبدالخالق، فإن هناك منابر اجتذبت الفرق المستقلة، حين لم تجد حفاوة بها فى مسارح الدولة، بسبب مساحة اشتباكها مع الواقع والتجديد.
ويفتح باب تدشين مساحات جديدة للحركة المسرحية سؤالا حول مدى قدرة هذه التجارب على الاستمرار، فبينما تعرض مسرح روابط للتوقف بين العامين 2013 و2014 بسبب ضعف القدرات المالية، فإن هناك نماذج أسبق فى فتح مساحات لعروض مسرحية، مثل ساقية الصاوى التى عاونتها الدولة فى الحصول على المساحة التى أقيمت عليها قاعة النهر.
«الحصول على تمويل لدعم تدشين مسرح أمر وارد، لكن أزمة التمويل من مؤسسات خارجية، قد أساء إليها آخرون». يستكمل محمد عبدالخالق حديثه موضحا أن تجربة مسرح روابط لم تكن إعادة بناء مسرح، لكن فى بناء مسرح فى مساحة خاصة بمخزن قديم فى منطقة وسط البلد. ومرت بعدد من المطبات فى محاولة توفير الدعم اللازم للإيجار، وهو ما اضطر المؤسسين فى البداية إلى الإنفاق على المسرح منذ البداية. تلك الأزمات قد لا يواجهها أحمد السيد فى إدارته لمسرح أوبرا فلك التابع للبيت الفنى للمسرح، لكنه فى التوقيت نفسه مقيد بميزانية، عليه أن يوزعها على رواتب الموظفين، وإقامة فعاليات لائقة.
أما بالعودة لعلى قنديل الذى يستهدف مسرح الفردوس التابع لوزارة الداخلية، فقد أعلن مبكرا نيته عدم الاعتماد على تمويل، بقدر ما سيعتمد منهجا فى الادارة يتيح إمكانية الحصول على دخل يمكنه الانفاق على متطلبات المسرح.
PDF

Sunday, May 13, 2012

قصور لها منافع أخرى

يحمل تاريخ مدرسة النقراشى الإعدادية «بنين» بحى حدائق القبة قصة عن نجيب باشا شكور الذى تبرع بقصره لتأسيس المدرسة فى العام 1947، أما اليوم فلن يجد طلاب المدرسة أثرا لهذا القصر بعد هدمه وإقامة مبنى ضخم قبل سنوات. ليست تلك هى الحالة الوحيدة، إذ تحولت بعض القصور إلى مبان فى مدارس مثل مدرسة أسماء فهمى بالجيزة التى استغلت أحد قصور العائلة المالكة، وكذلك قصر الأمير سعيد حليم الذى تحول فى فترة سابقة إلى المدرسة الناصرية. أما حول مدرسة النقراشى الاعدادية فما زالت هناك بقايا فيللات ومبان ذات طراز معمارى متميز، وفى داخل إحداها يروى إبراهيم ظريف أحد قدامى سكان المنطقة قصة قصر منصور نجيب شكور فى عبارة مختصرة: «حاول الورثة استرداد القصر من وزارة التربية والتعليم، ولم يفلحوا، وتم هدمه بعدها لتوسعة المدرسة». لم يتبق من سيرة نجيب باشا شكور أحد مؤسسى حى حدائق القبة فى بداية القرن الماضى سوى اسم شارع فى هذه المنطقة، بينما يظل عدد من الفيللات والقصور الأخرى فى حيازة أصحابها دون قدرتهم على هدمها، إذ يحظر قانون 144 لسنة 2006 «الترخيص بالهدم أو الإضافة للمبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز أو المرتبطة بالتاريخ القومى أو بشخصية تاريخية»، ولا يعيق هذا القانون تأجير أو بيع المبنى.
أما الدكتورة سهير حواس، رئيسة الإدارة المركزية للدراسات والبحوث والسياسات بالجهاز القومى للتنسيق الحضارى، فترى أنه لا توجد أزمة فى إعادة استخدام القصور التاريخية أو المبانى ذات الطراز المعمارى المتميز، بل تحبذ ذلك قائلة: «يجب أن يتم استغلال تلك المبانى بطريقة علمية، إذ إن ذلك موجود فى الغرب حيث نجد مبانى أثرية تستغل كفنادق سياحية، المهم هنا هو التعامل الجيد مع المبنى، وقد كان لدينا نموذج جيد فى القصور الملكية التى تحولت إلى قصور رئاسية فى العهد السابق، وكذلك فى القصور التى استخدمت كسفارات، فهذه النماذج نجحت فى إحياء تلك المبانى، لأن المسألة ليست فقط فى الصيانة، لكن فى أمر آخر هو أن استغلال المبنى هو جزء من الحفاظ عليه وذلك من الناحية الهندسية». أحد الشروط التى تؤكد عليها الدكتورة سهير حواس فى استغلال القصور والمبانى ذات الطراز المتميز هو ألا يبتعد الاستخدام عن خلفية المبنى التاريخية فحتى إن كان هناك قصر داخل محيط مدرسة، فيمكن استخدامه فى تعريف الطلبة بجمال العمارة وتعويدهم عليها. وتضرب مثلا آخر بمتحف أمير الشعراء أحمد شوقى الذى تم استغلال منزله «كرمة ابن هانئ» مع الحفاظ على تفاصيله القديمة، واستغلاله فى إقامة أنشطة ثقافية ملائمة لماضى أمير الشعراء، وهناك نماذج أخرى استغلت فيها القصور بناء على قرار جمهورى، وهو ما حدث عند إنشاء مكتبة مصر العامة «مبارك سابقا»، إذ تم استغلال قصر الطحاوى على النيل فى الجيزة بعد صدور قرار جمهورى فى ديسمبر 1992. بعض تلك القصور دخلت إلى تبعية المجلس الأعلى للآثار بعد أن بدأت بالفعل نشاطها مثل قصر الأميرة سميحة ابنة السلطان حسين كامل (حاكم مصر من 1914 إلى 1917)، إذ كانت الأميرة سميحة مهتمة بالفن والثقافة، وتجيد الرسم والنحت، وظلت بقصرها حتى وفاتها فى الثمانينيات. وذكر المهندس محمد مصطفى صالح استشارى المشروع فى مجلة عالم البناء (العدد 132 ـ يونيو 1992) أن تاريخ المبنى يعود إلى العام 1900، واختارت الأميرة بنفسها زخارف ذلك القصر الذى تحول إلى مكتبة القاهرة الكبرى فى العام 1992، وتم تسجيله كأثر فى العام 2001.
فى قائمة سجلات جهاز التنسيق الحضارى العديد من المبانى ذات الطابع المعمارى المتميز بعضها مهجور وآخر مأهول بالسكان، وهناك مبان تم استغلالها فى أغراض تجارية كأن تقوم بعض البنوك بتأجيرها وتحويلها إلى فروع لها. وحسب قانون التنسيق الحضارى لسنة 2008 «فإن من مهام جهاز التنسيق الحضارى إعداد أسس وضوابط الحفاظ على المناطق والمبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز، كما يجوز للجهاز اقتراح نزع ملكية بعض العقارات من أجل المنفعة العامة». ورغم تلك الصلاحيات فإن الواقع يسير بشكل آخر تماما، إذ تظل سلطة إصدار تراخيص الهدم والبناء بيد مهندسى المحليات، وليس لدى جهاز التنسيق الحضارى أى سلطة لمنع الهدم أو محاسبة المخالفين فعليا. ويرى الدكتور محمود عباس أحمد ـ رئيس الإدارة المركزية لآثار العصر الحديث بالمجلس الأعلى للآثار ـ أنه لا بد من إنشاء هيئة لإدارة القصور الملكية على وجه الخصوص، وكذلك بعض القصور والمبانى ذات الطراز المعمارى المتميز، ويكمل شارحا: «مثل هذه الهيئة ستنزع القيود التى قد تمنعنا من التصرف فى هذه المبانى واستغلالها». بعض القصور التاريخية ما زالت تحت تصرف وزارات من أشهرها قصر الزعفران التاريخى الذى ما زال يعمل كمبنى لإدارة جامعة عين شمس، ويوضح الدكتور محمود عباس: «البعض يعتقد أن تسجيل القصور والمبانى ضمن الآثار لابد أن يكون بعد مائة سنة على تأسيسه، لكن الأمر له أبعاد أخرى لها صلة بتاريخ المبنى وشخصيته، إضافة إلى جماليات زخارفه وقيمته المعمارية، وعلينا فى البداية أن نبدأ بالقصور الملكية».

Tuesday, December 27, 2011

إيه اللى نزلها الشارع ؟ .. شعار ضد التاريخ




فى نسخة على الإنترنت من الكليب الشهير للصيدلانية غادة كمال التى تعرضت للضرب وتمزيق ملابسها على أيدى جنود القوات المسلحة أمام مجلس الوزراء دارت مئات التعليقات التى تستنكر المشهد وتلوم الجنود، لكن من بين أكثر من مليون مشاهد للفيديو كان هناك من ترك تعليقا مسيئا للفتيات اللائى يشاركن فى الاحتجاجات، وتم توجيه تعليقات مسيئة إلى غادة كمال بنفس الدعاية التى رددها إعلاميون على شاشة الفضائيات. وطرح هذا الجدل سؤالا حول: هل كانت الفتاة تواجه الأزمة نفسها مع المجتمع طوال الوقت فى مشاركتها داخل المظاهرات أم أنه أمر طرأ مؤخرا؟
«نحن لم نواجه مثل تلك المواقف التى تدين تواجد الفتاة فى مظاهرة أو اعتصام فى الستينيات والسبعينيات على سبيل المثال»، الإجابة للكاتبة الصحفية منى أنيس، إحدى المشاركات بفاعلية فى الحركة الطلابية فى أوائل السبعينات، إذ شهدت أعوام 68، 71، 72، 73 عددا من المظاهرات والاعتصامات داخل الجامعة وخارجها على خلفية هزيمة يونيو 67 وتداعياتها، وكان لطالبات الجامعة مشاركة فيها وتعرضت بعضهن للاعتقال. هذه الصورة لمشاركة المرأة فى المظاهرات دون إدانة اجتماعية دفع بعض الشباب اليوم إلى الاستعانة بالتاريخ فى دعم وجهة نظرهم حول حق الفتيات فى المشاركة فى الاحتجاجات دون التقليل من قيمتها، إذ انتشرت على الإنترنت مؤخرا صورة فتيات كن ضمن المقاومة الشعبية فى بورسعيد أثناء العدوان الثلاثى على مصر، وكتب أسفل الصورة: مصريات متطوعات فى بورسعيد أثناء العدوان الثلاثى.. إيه اللى نزلهم؟ وتكرر السؤال نفسه مع صور أخرى لنساء وفتيات فى أحداث 1919 جنبا إلى جنب مع الرجل. وتذكر هدى شعراوى ــ من رائدات الحركة النسائية ــ عن تلك الفترة المبكرة وقت ثورة 1919 أن النساء كن يقفن أمام المصالح الحكومية كى يحثثنهم على الإضراب، بل وكن يعرضن إعطائهم أساورهن الذهبية كتعويض مادى وإحراجهم على عدم مشاركتهم فى الإضراب. وحسب عبارات عدد من الباحثين والمؤرخين فإنه لم تكن هناك إدانة اجتماعية حادة ضد مشاركة المرأة فى احتجاجات الشارع، وحسب عبارة المؤرخ عبدالرحمن الرافعى فى كتابه عن ثورة 1919 فإن المسيرة النسائية التى اعترضها الإنجليز بالسلاح أثناء الثورة قد «قوبلت فى كل مكان بتصفيق الناس وهتافهم».
واستمر وجود الفتاة فى الثلاثينيات والأربعينيات خصوصا داخل الحركة الطلابية والسياسية، إلا أن النقلة الكبرى كانت فى وجود الفتيات فى الحركة الطلابية منذ عام 1968، ورغم هذا الوجود لم تبرز هذه الإدانة الاجتماعية للفتيات، أما السلطة فكانت تجرى مفاوضات أحيانا جنبا إلى جنب مع الاعتقالات السياسية. كما لم يبرز العنف المهين للمرأة والتحرشات الفاضحة فى الشارع حسبما تؤكد الكاتبة الصحفية منى أنيس، عدا حالات نسائية محدودة تعرضت للانتهاك الجسدى أثناء الاعتقال، وهى التى استوحى منها نجيب محفوظ بعض شخصيات روايته «الكرنك». تعرضت منى أنيس لتجربة الاعتقال على خلفية المشاركة فى اعتصامات طلابية فى بداية العام 1973، وأثناء فترة الاعتقال تذكر أنها لم تتعرض لإساءة من مأمور السجن الذى كان يعتبرهن أخوات صغارا له، لذا فإن مشهد إساءة جنود القوات المسلحة للفتيات أثناء اعتصامهن يدفعها لا إراديا إلى تذكر فترة السبعينيات حين كان الموقع الوحيد للجندى هو جبهة القتال على حد قولها. وتضيف: «صعود التيارات الدينية فى المجتمع منذ نهاية السبعينيات حتى الآن زاد من الحس المحافظ الذى يحط من دور المرأة ويلخص دورها فى داخل المنزل بعيدا عن أى مشاركة فما بالنا بالمشاركة فى المظاهرات، هذا ما يجعلنا نرى الآن من يبرر انتهاكات الجنود ضد الفتيات». تقطع حديثها محيلة النقاش إلى فيديو انتشر مؤخرا على الإنترنت لخطبة للرئيس جمال عبدالناصر حول حديثه مع مرشد جماعة الإخوان المسلمين بعد الثورة حين طالب عبدالناصر بفرض الحجاب على السيدات فى بداية فترة حكمه فأجابه عبدالناصر: «كيف لم تستطع أن تفرض على ابنتك طالبة الطب أن تكون محجبة وتطلب منى أن أفرض الحجاب على 10 ملايين مواطنة؟». وتكمل منى أنيس قائلة: «فكرة وصاية المجتمع على جسد المرأة لم تكن موجودة فى الماضى بهذا الشكل، لذا فحوادث الانتهاك الجسدى التى تعرضت لها الفتيات فى اعتصامهن أثارت نزعة الإدانة من بعض المعلقين تجاه الفتيات نتيجة نمو الحس المحافظ الذى لا يقبل رؤية هذه المشاهد، ما يجعل هذا التيار يفضل ابتعاد المرأة عن الحياة العامة».


سياسة فضح النساء
تناقل البعض منذ أشهر، فى مواقع الإنترنت الإسلامية وعلى الشبكات الاجتماعية، فتوى الشيخ أبوإسحق الحوينى ــ صاحب النفوذ الكبير على المجتمعات السلفية ــ حين تلقى سؤالا عن حكم مشاركة النساء فى المظاهرات، فأجاب: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تنزل إلى أى مظاهرة كانت، أو أن تشترك فى أى حزب سياسى». وانتقلت هذه الفتوى إلى ملصقات مطبوعة على جدران بعض المساجد.
لكن «صعود التيارات المحافظة» ليس السبب الوحيد وراء ظهور تيار إدانة الفتيات الموجودات فى المظاهرات والاعتصامات، فهناك عامل آخر تراه هالة كمال ــ المدرس فى قسم اللغة الانجليزية بجامعة القاهرة والمهتمة بالدراسات النسوية ــ إذ تؤكد أن هناك خطابا إعلامى يعمل على الدفع فى اتجاه «رجعى» يدين الفتيات اللائى تعرضن لانتهاك جسدى على أيدى جنود الأمن، دون الالتفات إلى المعتدى، ولوم الضحية على كشف جسدها أثناء تعرضها للضرب، تعلق الدكتورة هالة كمال قائلة: «هناك عامل آخر وراء اتجاه البعض لإدانة الفتيات والتشنيع عليهن بسبب وجودهن فى المظاهرات وهو الخطاب الإعلامى الذى يطعن فى شرف الموجودات فى المظاهرات والاعتصامات دون محاسبة، وعلينا أن نتأكد أن هناك شرائح فى المجتمع ستخضع لهذه الدعاية المسيئة، خصوصا أن أغلب المجتمع لا يتمتع بالعقلية النقدية التى تحلل المواقف جيدا، كذلك فهناك عامل آخر علينا ألا ننساه وهو أن نظام مبارك قد رسخ فكرة فضح النساء المشاركات فى المظاهرات وامتهان أجسادهن، لذا فنحن أمام ممارسة تطورت بهذا الشكل المؤسف». وترى الدكتورة هالة كمال، بحكم وجودها القريب من الحركة الاحتجاجية التى ظهرت بقوة منذ العام 2005، أن أسلوب التشهير وامتهان النساء فى المظاهرات كان هدفه ــ مثلما هو الحال الآن ــ إفزاع الفتيات من المشاركة فى أى مسيرة أو مظاهرة لإضعاف الحركة الاحتجاجية آنذاك، وتضيف: «على الحكام ألا يكرروا الأخطاء نفسها مرة أخرى.. فمن الصعب كسر إرادة الناس».
PDF

Monday, August 15, 2011

الصوم في أعوام قلقة


رمضانات ساخنة

جولة بين عناوين الصحف في سنوات حاسمة مثل 1948، 1967، 1973 قد تبرز تشابها بين رمضان في تلك السنوات ورمضان بعد ثورة 25 يناير. إذ أنها سنوات يجمعها خيط واحد.. هو أنها سنوات قلقة، ألقت بطابعها على شهر الصوم
كتب – عبد الرحمن مصطفى


1948
بين أول رمضان بعد الثورة في عام 2011 ورمضان في عام 1948 ما يقارب 63 عاما، لا يلتقي الرمضانين سوى في أن أول أسبوع في كليهما قد شهد حدثا قد يضفي طابعا على الأسابيع التالية، إذ شهد الأسبوع الأول من رمضان الحالي فض اعتصام التحرير وبدء محاكمة مبارك ونجليه ليتوقع الجميع أن يكون هذا هو طابع رمضان في عام الثورة، أما العام 1948 ففي أول رمضان من عام 1367هـ الموافق 8 يوليو 1948 كان العنوان الرئيسي لجريدة الأهرام "الاستعداد لاستئناف القتال صباح غد"، لينبئ عن رمضان ساخن في ذلك العام بعد هدنة لم تستمر طويلا... فقد شهد العام 1948 بداية الحرب بين تحالف القوات العربية ضد الميلشيات الصهيونية في فلسطين، وهي المعارك التي وصفها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بأنها أقرب إلى بعثرة لجنودنا في الصحراء، وهو ما جعل أخبار القتال في فلسطين هي المسيطرة على الصحف في ذلك الوقت. وفي أجواء صيفية حارة استمرت الصحافة في عرض مشكلات مجتمعية أخرى كانت عنوانا لتلك الحقبة، مثل أزمة غلاء الايجارات والحاجة إلى بناء مساكن شعبية، لكن لم يزد توتر الصائمين في ذلك العام إلا بعد أن ظهرت الغارات الجوية في سماء القاهرة مع نهاية الأسبوع الأول من رمضان، وتزايدت حدة الأحداث مع وقوع عمليات تخريبية داخلية اتهمت الصحافة وقتها بعض اليهود الموالين للصهيونية، ولم يكتف بعضهم بهذا بل استهدفت مراكز تجارية شهيرة آنذاك مثل بنزايون وجاتينيو رغم إعلان إدارتا المتجرين عن موقفهما المناهض للجرائم الصهيونية في فلسطين. كل هذه الأحداث المقلقة في شهر الصوم خلقت حالة عامة يصفها الرئيس الأسبق محمد نجيب في مذكراته قائلا: "كانت مصر مشغولة بحرب يائسة، وبملك انحدر إلى درجة منحطة جدا". هذا التناقض بين الحرب البائسة والحاكم البائس، يمكن تتبعه من خلال أخبار المآدب الملكية التي كانت تقام للعامة أو للجنود المصابين من الحرب وكيف كان محرر الخبر آنذاك يجمل صورة الملك وجلساته بعبارة من نوعية: "وامتلأت الموائد بألوان الطعام الشهية" وأن "ضيوف الملك قد خرجوا من لديه في تمام الرضا والسعادة".
وعلى هامش تلك الحالة العامة لم تتوقف عجلة الانتاج في مجالات عديدة على رأسها السينما، بل استفزت نجما مثل أنور وجدي أن يطرح إعلانا ذكيا في الجريدة اليومية عن فيلمه الجديد فيكتب: إلى كل من تسمى سعاد.. حضرة المحترمة، بعد التحية، يسر شركة الأفلام المتحدة، دعوتك بمناسبة فيلم "طلاق سعاد هانم"، وسيعرض على سينما ريفولي، وعلى كل من تسمى سعاد أن تعرض ما يثبت شخصيتها ولها تذكرتين هدية. مثل هذه الأفكار الذكية كانت بمثابة حرب على المزاج العام لجمهور مشتت بين أخبار حرب فلسطين وصيام رمضان، ورغم وقوع غارات جوية على القاهرة وصدور تعليمات من محافظة القاهرة باطفاء الأنوار وقت الغارات، إلا أن مثل تلك الأجواء لم توقف أنشطة أخرى كانت أكثر ازدهارا، فتكفي مطالعة إعلانات الصحف في ذلك الوقت لتكشف أن هناك نشاطا آخر ازدهر وكان يعرض دعايته في الصحف اليومية مثل بيع مخلفات الحرب القادمة من فلسطين، وذلك في مفارقة أن الصحيفة المعلنة نفسها قد أعلنت عن حملات جمع تبرعات مادية من المواطنين لصالح الجنود المصريين . ولا ينتهي القلق بانتهاء شهر رمضان لعام 1948، بل يستمر بعد انتهاء الشهر الكريم.

1967
ومن شهر رمضان في العام 1948 إلى العام 1967 مرورا برمضانات أخرى ساخنة في تلك الفترة المشحونة يرتفع سعر الصحيفة اليومية من 10 مليمات إلى 15 مليما. وفي أول يوم من شهر رمضان بعد هزيمة 67، يتصدر الصفحة الأولى من جريدة الأهرام إعلانا عن افتتاح فرع جديد لمحل جاتينيو، الذي كان هدفا لعمليات تخريبية في رمضان 1948، لكنه أصبح تحت التأميم وتابعا للشركة المصرية لتأثيث المنازل. ومع مرارة الهزيمة وبرد الشتاء تبدو عناوين الصحف أكثر برودة وجمودا، إذ تتصدر الصحف طوال الشهر عناوين أخبار خارجية مثل: استقلال اليمن الجنوبي أو محاولة الانقلاب العسكري في الجزائر أو انقلاب اليونان، ويتوارى صخب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قليلا عن عناوين الصفحة الأولى وتستمر أم كلثوم في حفلاتها لكن بهدف دعم المجهود الحربي. و في الأسبوع الأول من شهر رمضان في ذلك العام تقرر الحكومة المصرية فتح باب الهجرة إلى الخارج بعد مداولات دامت أكثر من شهرين، وذلك كي تتيح الفرصة لمن ضاق بهم العيش أن يهاجروا أو أن يعملوا في الخارج. وتبدو تلك الأجواء الخانقة غير مشجعة على إظهار مشاعر البهجة برمضان، إذ ما زالت المعركة مع العدو لم تنته، ورغم ذلك استمرت محاولات الاذاعة والتلفزيون في استعادة روح رمضان في برامج المنوعات، كأن تجد برنامجا يحمل عنوان "التحليلات الصوتية" للدكتور مصطفى محمود يحلل فيه صوت فايزة أحمد، وتكشف أيضا إعلانات الصحف اليومية عن استمرار عمل الكازينوهات والملاهي الليلية في رمضان خاصة قرب احتفالات رأس السنة، وذلك في تناقض مع إعلان إلغاء حفل الكنيسة الأرثوذكسية في ذلك العام. ووسط حالة التشتت العامة يلتفت المجتمع المصري في رمضان إلى ظاهرة جديدة هي الميكروجيب والميني جيب الذي اخترق الجامعات المصرية، وفي الصفحة الأخيرة من جريدة الأهرام ينشر الصحفي مرسي عطاالله بتاريخ 20 ديسمبر 1967 الموافق 19 من رمضان موضوعا تحت عنوان: هل يختفي الميني جيب ويوحد الزي في الجامعة؟ ويستمر الجدل حول تلك القضية الجديدة، بل و ينتقل إلى البرلمان، إذ طالب عضو مجلس شعب بعدم دخول الميني جيب والميكروجيب إلى الجامعات نهائيا. ولا ينتهي رمضان بأخبار سعيدة، إذ تستمر أجواء الهزيمة والتشتت لست سنوات أخرى حتى العام 1973.

1973
بدأ أول أيام شهر رمضان من العام 1973 في السابع والعشرين من سبتمبر أثناء موجة حارة عانى منها المصريون أثناء صيامهم ولم تنته إلا في 30 سبتمبر - رابع أيام شهر رمضان- وذلك بعد يوم واحد من بدء الدراسة في البلاد. أي أن المصريين استقبلوا الموسم الدراسي متزامنا مع موسم رمضان لتتحمل الأسر تكاليف الموسمين قبل انتهاء الشهر والحصول على المرتبات. ومنذ اليوم الأول في هذا الشهر الكريم يبرز الرئيس السابق السادات بشكل أكبر في عناوين الصحف والأخبار بما يدل على وجود حراك أكبر على مستويات عديدة، إذ يفتتح الشهر الكريم بإحياء ذكرى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر عبر العديد من المنابر السياسية، كما أذاع الرئيس السادات خطابا بهذه المناسبة. أما عن الأجواء الرمضانية فقد بدت واضحة في الأيام العشرة الأولى من الشهر، إذ استمرت الملاهي الليلية في دعايتها في الصحف، واستمر المغنون في حفلاتهم، وفي الجريدة اليومية يجد القارئ إعلانا عن مسرحية فريد شوقي الجديدة "نيام نيام" دون قلق من أجواء رمضان أو الموسم الدراسي. أما صلاح جاهين فيرسم كاريكاتيره في جريدة الأهرام بتاريخ 2 أكتوبر الموافق 6 رمضان عن الهوس بالتلفزيون في رمضان راسما طفل يسأل والدته : ـ "ماما .. هو قبل ما يخترعوا التلفزيون، كان فيه رمضان؟" وكأنه يشير إلى حالة الانجذاب التي كان يعيشها الجميع مع أجواء الترفيه الرمضانية قبل حرب أكتوبر.
وقبل بدء العمليات العسكرية بيومين يـُنشر الخبر الشهير في يوم 4 أكتوبر الموافق 8 رمضان عن: آخر موعد لتقديم العسكريين للعمرة، ضمن خطة الخداع الاستراتيجي قبل الحرب، أما الجنود على جبهة القتال فلم يعرف أغلبهم بما سيحدث قريبا من عمليات عسكرية حاسمة، إلا حين وجهت إليهم أوامر بالإفطار مبكرا في 5 أكتوبر، أما صحف السادس من أكتوبر/العاشر من رمضان فاكتفت بالإشارة إلى "توتر في جبهات القتال"، بينما يرسم صلاح جاهين كاريكاتيره عن "طابور الجمعية" متضامنا مع معاناة المواطن المصري في رمضان في الحصول على حاجاته الأساسية، خاصة مع وجود من استغلوا ظروف المواطنين لحساب السوق السوداء. ولا يتغير طابع الأحداث إلا بعد السابع من أكتوبر مع إعلان عبور القوات المصرية للقناة، واجتياز خط بارليف، وهي اللحظات التي لم يصدقها بعض المصريين في البداية واتجهوا إلى الاذاعات الغربية للتأكد من حقيقة الموقف. وفي تلك الفترة ومنذ النصف الثاني من شهر رمضان بدأت أجواء الحرب تزحف على حياة المصريين، وبدأت إدارة الدفاع المدني تكرر تعليماتها بضرورة: عدم إضاء الأنوار وقت سماع صفارة الانذار، وطلاء زجاج النوافذ، والاحتفاظ بأكياس الرمل والمياه لحالات الطواريء، وغيرها من التعليمات التي حفظها المصريون على مدار حروب عديدة خاضوها طوال القرن الماضي. ومع تسلسل الأحداث وعرض صور ولقاءات مع الأسرى الإسرائيليين بدأ المزاج العام يتبدل، إذ أوقفت المسرحيات التابعة للقطاع الخاص عملها وبدأ بعض الفنانين في عمل أنشطة متصلة بأجواء الحرب، وتلاشي الطابع الرمضاني تدريجيا من أخبار الصحف مع إيقاف العمل بالمدارس. وقبل عيد الفطر بيومين فقط اضطرت مدينة السويس إلى القتال في رمضان في صف القوات المسلحة المصرية . لينتهى الشهر الكريم في أجواء خاصة احتفظ بها المصريون في ذاكرتهم إلى اليوم. وتستمر الرمضانات بعدها ولا ينافسها في الأجواء القلقة سوى رمضان الثورة في العام 2011.

مع الفرنسيس والانجليز
رمضان في زمن الاحتلال
في فبراير 1799 مـ شهدت القاهرة أول رمضان في ظل الاحتلال الفرنسي، وهو أول احتلال أجنبي كامل في العصر الحديث.. في بداية الشهر اجتمع نابليون بونابرت بالمشايخ وقادة القاهرة في ذلك الوقت وأوصل إليهم أنه قد وجه ضربات مؤلمة للمماليك في الصعيد وأنه متوجه شرقا إلى غزة لإتمام مهمته، لم يكن المصريون يدركون آنذاك هل سيتغير طابع احتفالهم الرمضاني في ذلك العام أم لا؟ أو حسبما ذكر عبدالرحمن الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار، فإن المصريون كانوا على حذر من الفرنسيين أثناء رمضان خشية غضبهم إذ يقول : "أهل مصر كانوا على عادتهم في بدعهم التي كانوا عليها وانكمشوا عن بعضها خوفا من الفرنسيس فلما تدرجوا فيها وأطلق لهم الفرنساوية القيد .. رجعوا إليها" ، إذ عاش المصريون بقية الشهر بتلقائية رغم بعض المنغصات في حوادث كانت تحمل ملمحا طائفيا بين المسلمين والمسيحيين نتيجة السياسات الخاطئة في تلك الفترة، وفيما يبدو أن بعض الشرائح من المجتمع المصري استغلت شهر رمضان و تلك الفترة المميزة من السنة لتحقيق تواصل أكبر مع الفرنسيين، إذ يضيف الجبرتي في وصفه: "إن الفرنساوية صاروا يدعون أعيان الناس والمشايخ والتجار للإفطار والسحور، ويعملون لهم الولائم ويقدمون لهم الموائد ،...، ويتولى ذلك الطباخون والفراشون من المسلمين حتى يطمئنوا".
وبعد رحيل الحملة الفرنسية عن مصر مرت سنوات طويلة دون احتلال أجنبي سوى مع مجيء الاحتلال الانجليزي لمصر في العام 1882، وتزامنت البدايات الأولى للاحتلال قبل شهر رمضان بأيام قليلة، حين تم قصف الإسكندرية بالمدافع الانجليزية في 11 يوليو 1882، وكانت مصر قبلها تعيش أجواء قلقة في أعقاب التغييرات التي أعقبت ظهور أحمد عرابي في المشهد السياسي، إذ شهد الشهر السابق على رمضان في ذلك العام توابع حادث الإسكندرية الشهير بين المالطيين (الرعايا الانجليز) والمصريين، وهو ما هدد مبكرا بتدخلات أجنبية في البلاد و توقعات بوقوع الحرب ونزوح الأجانب عن المدينة، وفي اليوم الأول من رمضان (1299 هـ) تحديدا أعلن أحمد عرابي تخوين الخديوي توفيق لموالاته الجيش الانجليزي المعتدي. وبدأ الاستعداد للحرب في كفر الدوار بعد سقوط مدينة الإسكندرية في يد الانجليز وتخريبها .. في تلك الفترة قضى المصريون رمضانا عصيبا، فرغم تأييد العديد من كبار شخصيات المجتمع لأحمد عرابي إلا أن المصريين تلقوا في نفس الشهر (7 أغسطس 1882/23 رمضان 1299هـ) منشورا من الخديوي يتهم عرابي بالعصيان وأنه سبب تخريب الإسكندرية، بل و دعا المصريين إلى التخلي عن عرابي تماما. وانتهى شهر رمضان في ذلك العام بعيد لم يفرح فيه المصريون، إذ لم يمض سوى أسابيع قليلة على سقوط المدن المصرية بأيدي الانجليز حتى سقطت العاصمة القاهرة، ليبدأ عهد جديد من الاحتلال.
pdf

Thursday, October 14, 2010

المدن الجديدة.. مساحات تتسع للجميع

كتب - عبدالرحمن مصطفى
تصوير : هبة خليفة
حين اختار السيد كامل أن ينتقل فى أربعينيات القرن الماضى إلى ضاحية مصر الجديدة لم يخطر بباله وقتها أن نجله عادل سيسكن بعد أربعين سنة فى عمارة شاهقة الارتفاع فى حى اسمه مدينة نصر سيؤسس على مشارف مصر الجديدة،وكذلك كان حال الابن. الدكتور عادل كامل الذى انتقل إلى مدينة نصر فى الثمانينيات، لم يخطر بباله وقتها أنه سينتقل بعد أكثر من عشرين سنة إلى مجمع سكنى مغلق فى مدينة جديدة اسمها مدينة الشيخ زايد. «كان الوالد يبحث عن حلم المنزل الجميل فانتقل فى البداية إلى إحدى عمارات شركة مصر الجديدة، ثم استقر مع الأسرة فى منزل مستقل من طابقين»، بهذه العبارة يربط الدكتور عادل بين ما أراده والده وبين ما أراده هو عند انتقاله إلى سكنه الحالى موضحا أن هدف كل منهما هو السكن ضمن طبقة متميزة فى ضاحية هادئة: «وجود الأجانب والشوام فى مصر الجديدة فى فترة مبكرة أعطى حدا أدنى لمستوى المعيشة، خاصة مع التقارب فى السكن،والدتى فى وقت من الأوقات كانت تحيك ملابسها عند خياطة فرنسية من سكان مصر الجديدة، لكن شكل تلك النخبة فى مصر الجديدة تطور فى صورته النهائية إلى خليط من فئات مختلفة تضم الموظف والضابط إلى جانب العائلات الثرية القديمة، وأعتقد أن أكثر ما رسخ نخبوية الحى هو انتقال بعض الفئات مثل العسكريين والساسة والرؤساء إلى الحى وتحول بعض المبانى إلى قصور رئاسية».
المنزل الذى نشأ به الدكتور عادل لم يعد له أثر الآن بعد أن تخلص منه الورثة وانتقل هو فى الثمانينيات إلى شقة فسيحة فى عمارة سكنية قرب شارع عباس العقاد الحالى مع بزوغ نجم حى مدينة نصر. وحسب تعبيره فقد اختلت البوصلة فى مصر مع ظهور أحياء على نمط مدينة نصر وإسكان الأبراج الشاهقة التى لم تنجح فى محاكاة شكل الأحياء الراقية القديمة، يقول الدكتور عادل: «فى منزلنا القديم بمصر الجديدة كان باستطاعتنا أن نعرف أسماء جيراننا وأحوالهم حيث الفيللات المعروفة والعمارات ذات الطابع الأليف،أما فى مدينة نصر فكان الفارق واضحا، خاصة فى البداية حين لم تتوافر بعض الخدمات ولم تتنوع المحال التجارية مثل الآن، فكانت الصلات ضعيفة، خاصة أنى كنت وقتها أعمل فى الكويت ثم انتقلنا إلى الإمارات كحال نسبة كبيرة من السكان فى الظروف نفسها» مع ازدياد العمران فى مدينة نصر وتحولها إلى «عاصمة للمراكز التجارية» وتضخم أحيائها على الأطراف مثل أحياء الثامن والعاشر وعزبة الهجانة أصبحت طرق المواصلات أكثر ازدحاما خاصة حين تقام حفلات الفوز التى تخرج من استاد القاهرة بعد المباريات» . هذه الأسباب أعادت البوصلة إلى وضعها الصحيح مع البحث عن الشكل التقليدى لسكن النخبة، وبإيعاز من أصدقائه اتجه الدكتور عادل إلى البحث عن الاستقلالية فى السكن والهدوء، ولم يحدث ذلك إلا من خلال هجرة جديدة إلى مجمع سكنى (كومباوند) فى الطرف الآخر من العاصمة فى مدينة الشيخ زايد، حيث تداعب الشركات رغبة المشترين فى الحصول على درجة عالية من الأمان والهدوء.

التاريخ يعيد نفسه
«الوضع لم يعد يحتمل بعد أن أصبحت المنطقة مشاعا لزوارها وعربات الميكروباص»، وهكذا يكرر الابن الطبيب ما فعله الأب قبل أكثر من ستين سنة، فما حدث فى أوائل القرن الماضى وقت إنشاء الأحياء الراقية هو تقريبا ما يحدث اليوم من وجود شركات تهدف لإنشاء أحياء نخبوية. فحى مصر الجديدة على سبيل المثال أنشئ فى بدايات القرن الماضى على يد شركة «واحات هليوبوليس» التى استثمرت أموالها فى إنشاء حى متكامل تحت أعين الحكومة المصرية. وكانت غالبية السكان الأوائل من الشوام والأتراك والأوروبيين الذين تغيرت تركيبتهم السكانية مع هجرة الهاربين من القاهرة القديمة بحثا عن التميز وخدمات أفضل. وألهمت قصة تأسيس مصر الجديدة تجارب أخرى مثل إنشاء حى حدائق القبة الذى تبنته شركة حدائق القبة فى وقت متزامن مع تأسيس مصر الجديدة، واجتذبت القبة الساسة والنخبة لقربها من منطقة القصور والسرايات الملكية،تلك النخبة التى تألفت من سياسيين ما زالت بقايا قصورهم موجودة هناك إلى جانب الفنانين الذين سكنوا الحى فى فترة من حياتهم مثل إسماعيل ياسين وأسمهان وفريد الأطرش، واستثمر بعضهم أمواله هناك مثل إنشاء «استوديو جلال» السينمائى وسينما ومسرح «هونولولو» على يد دولت أبيض. لم تختلف كثيرا قصة تأسيس حى العجوزة فى بداية الأربعينيات، حين أسند الملك فاروق مهمة تخطيط الحى لشركة بلجيكية استقطبت النخبة فيما بعد، حتى إنها ضمت فيللات للضباط الأحرار فى زمن الثورة، وهو ما طوّر مناطق مثل المهندسين التى تحولت فيللاتها اليوم إلى جزر منعزلة وسط بحر من العمارات الشاهقة.أما فى التجمعات النخبوية فى المدن الجديدة مثل السادس من أكتوبر والشيخ زايد والقاهرة الجديدة فلم يختلف الحال عن التجمعات القديمة التى أنشئت فى بدايات القرن الماضى، حيث كانت الشركات الاستثمارية التى حصلت على تسهيلات من الحكومة هى الفاعل الرئيسى فى تأسيسها.ولم يعد عامل القرب من قصور الحكام مثيرا للاهتمام مثلما كان الحال فى العهد الملكى بقدر ما كان «الهروب من الزحام وفوضى الشارع هو الهدف الأساسى»، حسب تعبير الدكتور عادل كامل.

مقر الوزراء والوجهاء
تلك التجمعات النخبوية الجديدة تصدت لإنشائها شركات كان بعضها ذا صلات جيدة بالمؤسسة الحاكمة، وهو ما شجع عددا من رموز هذه المؤسسة على التفكير فى هجرة جديدة، خاصة أن بعض أنشطة مؤسسات الدولة قد انتقلت بالفعل إلى خارج القاهرة،المثال الحى على هذا التوجه هو اختيار الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء جردينيا فى مدينة السادس من أكتوبر سكنا له بالقرب من القرية الذكية، حيث كان مكتبه منذ أن كان وزيرا للاتصالات. واختار عدد من كبار رجال الدولة والوزراء التوجه نفسه مثل اللواء أحمد شفيق وزير الطيران، والمهندس سامح فهمى وزير البترول، ووزير الخارجية أحمد أبوالغيط، والدكتور مفيد شهاب وزير الدولة للشئون النيابية والقانونية،وعدد آخر من الوزراء وقيادات الدولة الذين اتجهوا إلى الناحية الأخرى من العاصمة فى القاهرة الجديدة وسط طبقة متميزة، ولا غرابة أن مكاتب بعضهم تقع فى هذه الناحية حيث مدينة نصر وطريق المطار، ويكرس هذا التوجه أيضا ما أعلنته وزارة الإسكان مؤخرا عن نيتها نقل الوزارات إلى إحدى المناطق بالقاهرة الجديدة.حتى حركة الدعاة الدينيين تفسر اتجاه حركة النخبة بشكل عام، فالداعية عمرو خالد الذى بدأ نشاطه الدعوى فى جامع المغفرة فى منطقة العجوزة أواخر التسعينيات كان مقيما فى حى المهندسين وكان مكتبه هناك لكنه لبى نداء مدينة 6 أكتوبر وتحديدا مسجد الحصرى الذى فتح له الأبواب فانتقل بعدها إلى السكن فى مدينة الشيخ زايد المجاورة، بل انتقل الأمر إلى الدعاة السلفيين الذين نجحت مدينة السادس من أكتوبر فى جذب بعضهم إليها لسبب بسيط وهو أن مقار القنوات الدينية التى يظهرون بها تستضيفها مدينة الإنتاج الإعلامى بالسادس من أكتوبر، وهو ما شجع بعض الإعلاميين والفنانين على الانتقال إلى السكن هناك.
المفارقة أن المدن الجديدة فى نشأتها الأولى لم تكن مخصصة لسكن النخبة بل كانت بداياتها الأولى فى عهد أنور السادات مجرد محاولة لإنشاء مدن تستوعب الزيادة السكانية بعيدا عن القاهرة وكانت تهدف لاستقطاب محدودى الدخل، فتم تقسيم المساكن تبعا لشرائح اقتصادية، لكن ذلك لم يستمر كثيرا بعد أن أتيحت الأراضى للمستثمرين من خلال مزادات وأصبحت فكرة المجتمعات المغلقة داخل «الكومباوند» تمثل تيارا آخذا فى النمو داخل هذه المدن منذ نهاية التسعينيات. وتقوم فكرة «الكومباوند» على إقامة مجتمع سكنى مكون من فيللات وقصور، وقد يضم شققا سكنية تقليدية أو تاون هاوس سكن مكون من أربع فيللات داخل أسوار هذا المجتمع، فيما تتوافر خدمات مثل «المول» التجارى والمسجد والنادى حسب تخطيط كل مكان ومساحته التى تختلف من كومباوند إلى آخر. المهندس أسامة صادق الذى يعمل فى مجال الاستثمار العقارى يسكن حاليا فى كومباوند داخل مدينة 6 أكتوبر غرب القاهرة فى سكن لا يختلف كثيرا عن الذى يسكنه الدكتور عادل كامل، ويرى المهندس أسامة أن دخول النخبة إلى المدن الجديدة بهذا الشكل لم يأت إلا بعد كفاح من السكان الأوائل لهذه المدن الذين تحملوا نقص الخدمات ومخاطر شديدة،ويقول : «بعد أن كان سعر المتر فى الثمانينيات ب12 جنيها، دخلت الاستثمارات بشكل أكبر حتى وصل سعر المتر اليوم إلى 2000 جنيه، وذلك بعد أن تأكد المستثمرون أن المنطقة أصبحت آهلة بالسكان». وهكذا دخلت الاستثمارات إلى المدن الجديدة لهدف ذكى وهو مداعبة رغبة الكثيرين فى سكن نخبوى بعيدا عن هموم العاصمة.ما زال يتذكر المهندس أسامة صادق عام 90 فى بداية تعرفه على المكان، حين بدأ عمله فى جهاز مدينة 6 أكتوبر داخل أجواء صعبة دون إنارة كافية للشوارع أو وجود طريق المحور الحالى وكيف كان عليه أن ينتظر السيارات المتجهة إلى 6 أكتوبر كى ينضم إليها ويكونوا قافلة تجنبا لعصابات العربان على طريق الفيوم الوحيد المؤدى إلى 6 أكتوبر حينذاك!

محطة أسامة صادق
على مدار تلك السنوات تطور مفهوم سكن النخبة نفسه داخل الحى المتميز فى مدينة 6 أكتوبر ففى التسعينيات كان البعض فى ذلك الوقت يعتبر أن إسكان «فوق المتوسط» بمثابة إسكان فاخر لما احتواه من عمارات ذات مساحات كبيرة وفيللات، أما السكان فلم تشغلهم فى ذلك الوقت تلك التقسيمات بل كان غاية أملهم الاقتراب من الشارع الرئيسى للإحساس بالأمان، فانتقل هو نفسه من شقة سكنية إلى فيللا مستقلة.ومع ظهور أول «كومباوند» فى منطقة الحى المتميز بالسادس من أكتوبر، اختار المهندس أسامة فى عام 2003 أن ينتقل إلى هذه المساحة الجديدة التى ستوفر له الخصوصية التى افتقدها فى فيللته القديمة، ويوضح : «كنت أسكن قبلها فى فيللا على الشارع الرئيسى فى الحى داخل مدينة أكتوبر، ومع ازدياد الحركة فى المدينة وقعت فى مأزق طريف بعد أن اكتشفت أن سيارات الميكروباص اتخذت فيللتى محطة لتحميل الركاب وأصبح اسم المحطة هو «أسامة صادق» نتيجة وجود لافتة أمام المنزل تحمل اسمى، وكان الأمر طريفا فى بدايته لكن سرعان ما أصبح سببا فى غياب الهدوء والخصوصية»، هكذا يكشف المهندس أسامة عن أن ظهور فكرة «الكومباوند» كان يلبى أيضا حاجة بعض سكان مدينة 6 أكتوبر القدامى ، فهو يسكن المدينة منذ عشرين سنة. قد لا يختلف «الكومباوند» الذى يسكنه المهندس أسامة صادق عن ذلك الذى يسكنه الدكتور عادل كامل، داخل فيللتيهما أصبح كل منهما يعيش داخل مساحة ذات بوابات منيعة وأسوار تقف وراءها أشجار عالية تصد أعين الناظرين، وكذلك الحال مع الأشجار المحيطة بالفيللات المرصوصة على مساحات واسعة. يسكن الفيللات شريحة متقاربة ذات مستوى اقتصادى مرتفع، وتخدمهم تصميمات الفيللات وتخطيط «الكومباوند» فى فرض شىء من العزلة بين الفيللات، إلا أن هذا لم يمنع أن يلتقى السكان فى حفلات «دش بارتى» ينظمها بعض المتحمسين أو فى لقاءات الجمعية العمومية أو الاحتفالات العامة، لكن كل ذلك على فترات متباعدة. جانب آخر من الصورة يظهر كشبح فى خلفية المشهد، وهو صورة العامل البسيط المتنقل بأدواته فى الحى، يعلق على ذلك أسامة صادق الذى يتعامل بحكم مهنته مع هذه الفئة بصورة شبه يومية قائلا: «أحاول بشكل شخصى وبحكم عملى اليومى مع العمال والبسطاء أن أكون أكثر تواضعا، ورغم ذلك ألمس لديهم مرارة بسبب صورة سكان الكومباوند لدى الناس على أنهم مجموعة من المتعالين والمترفعين عمن حولهم»، هكذا يعبر المهندس أسامة عن مخاوفه خاصة مع ظهور التفاوت الاجتماعى فى المدن الجديدة.الدكتور أبوالفتوح سعد أستاذ الارتقاء العمرانى بجامعة القاهرة لا يخفى هو أيضا قلقه من الشكل النهائى الذى اختارته النخبة الحالية داخل المدن الجديدة بعد انتشار فكرة «الكومباوند» المغلق، ويرى أن السياسة التى اتبعتها الحكومة منذ البداية فى تقسيم الإسكان فى المدن الجديدة على أساس اقتصادى مثل (اقتصادى متميز فاخر) هى التى رسخت فيما بعد فكرة «الكومباوند» فى شكل مجتمعات معزولة Gated Communities على أساس اقتصادى يعزل الصفوة. ويوضح: «فكرة المجتمعات المغلقة غريبة على الثقافة العربية فى تأسيس المدن، فحتى المحاولات القديمة مثل تجربة الفاطميين فى إحاطة القاهرة حيث الأحياء الملوكية والنخبة بسور منيع لم تستمر وتحولت القاهرة بعد زوال دولتهم إلى مدينة تسكنها جميع الطبقات». المدينة بصورتها التقليدية التى تتجاور فيها جميع الطبقات ويتحرك داخلها السكان على مدار الوقت هى الصورة التى يراها الدكتور أبوالفتوح أكثر طبيعية حين تتكامل الطبقات بين غنى وفقير.. كل فى عمله دون عزل، لأن فكرة العزل أثبت التاريخ أنها لا تستمر.ويضيف: «حين نرى تطورات أحياء مثل مصر الجديدة أو المهندسين التى أنشئ بعضها على أساس نخبوى نجد أن ذلك لم يستمر واخترق سكان المدينة هذه الأحياء، وكذلك كان الحال مع حى المهندسين حيث اختفت أغلب فيللاتها وأقيم محلها عمارات كبيرة تعبر عن تطور الحى، لذا ففكرة العزل داخل الأسوار ضد طبيعة الزمن».

لا ينشغل الحاج عصام بالنظر إلى الجانب الآخر من مدينة هرم سيتى التى انتقل إليها قبل أكثر من عام، يكفيه قضاء يومه فى محل البقالة الذى يديره واستقبال أصدقائه على مدار اليوم. فى هذه الناحية حيث يقيم، تتراص الوحدات السكنية المخصصة لإيواء متضررى مناطق الدويقة وإسطبل عنتر وعزبة خير الله على مدار العامين الماضيين، بمجرد الحديث عن فكرة وجود مجتمعين داخل المدينة بين الفئة التى ينتمى إليها وبقية سكان المدينة فى الجهة الأخرى الذين اشتروا شققهم هروبا من زحام العاصمة يعلق قائلا: «زى ما إنت شايف، أنا بتكلم بالأدب، وإحنا مش بلطجية زى ما البعض بيصور، بالعكس إحنا ناس بنفهم فى الواجب والأصول». يدعمه فى حديثه صديق يجلس إلى جواره أمام المحل، وكلاهما يتحدث عن الجهة الأخرى من مدينة هرم سيتى على أنها شريحة أخرى لا تنتمى إليهم ولا ينتمون إليها.
فى هذه الناحية الأخرى التى لا يرتادها كثيرا الحاج عصام يقع مركز خدمات المدينة والكافيتيريا الأشهر هناك، فى هذه الكافيتيريا نفسها كان عمرو عادل (35 سنة)، والمهندس عماد مصطفى (46 سنة) يديران حديثا قلقا عن مستقبل وجودهما فى مدينة هرم سيتى، يقول عمرو عادل: «أعترف بأن الصورة قد تبدلت إلى حد كبير، لقد كنت من أوائل من حجزوا شققا فى مشروع إسكان محدودى الدخل هنا، ورغم أننى لم أستقر فعليا فى المكان سوى قبل عدة أشهر إلا أننى طوال ثلاث سنوات كنت أتابع ما يحدث فى المدينة.. والحقيقة أن اقتطاع جزء من المدينة كمنطقة إيواء تسبب فى صدمة كبيرة لى، ودفعنى إلى الاهتمام بمتابعة الأمر طوال الفترة الماضية».
يسكن مدينة هرم سيتى بمحافظة 6 أكتوبر قرابة 30 ألف نسمة وتديرها شركة أوراسكوم للإسكان التعاونى، وكان الهدف من إنشاء المدينة التى اجتذبت الكثير من الشباب أن تكون إحدى ثمار المشروع القومى للإسكان المتوافق مع برنامج الرئيس الانتخابى فى 2005. فى الكافيتيريا حيث يتحاور كل من عمرو وصديقه عماد مصطفى يجلس حول الطاولات المجاورة بعض سكان المناطق المنكوبة فى الدويقة ومصر القديمة. رغم اختلاف المستوى الاقتصادى بين المنطقتين لا يشعر المار بينهما باختلافات كبيرة فى شكل الوحدات الخارجى لكل فئة، لكن الاختلافات تبرز فى نمط الحياة داخل كل منطقة خاصة مع اختلافات مساحات الشقق داخل كل وحدة. تقع منطقة «بتوع الدويقة» حسبما يصفهم أهالى الناحية الأخرى قرب البوابة الرئيسية للمدينة، ويتجاهلها أتوبيس المدينة الذى يمر سريعا دون دخولها تاركا الفرصة للسيارات الخاصة كى تقوم بمهمة النقل فى الداخل. جولة على الأقدام تكشف أن بعض سكان المنطقة يحاولون محاكاة الطابع الأصلى للمدينة، حيث اهتم البعض بالحديقة أمام منزله وأحاطها بسور أنيق، لكن ما زالت الأغلبية محتفظة بطابعها الذى يجمع الملمحين الريفى والشعبى. يلقب سكان هذا الجانب من المدينة بعدة ألقاب بواسطة سكان الجهة الأخرى: «بتوع الدويقة»، «سكان العشوائيات»، «منطقة السوق»، وغيرها من الألقاب التى تظهر الفارق بين نمطين من المعيشة. ففى الجانب الآخر حيث يسكن كل من عمرو عادل وعماد مصطفى تبدو الحياة أكثر هدوءا، يشرح المهندس عماد موقفه من هذه التطورات قائلا: «لا نريد أن نبدو فى صورة عنصرية أو متعجرفة، لكن هناك دوافع لضيقنا من هذه التغيرات التى لم أكن أتوقعها حين اشتريت شقتى، فانا أنتمى إلى مستوى ثقافى معين، كنت أسكن فى عمارة نملكها فى حى شبرا، كل ما أردته أن أهرب من صخب العاصمة، لكن مع دخول بتوع الدويقة على الخط أصبح من حقى أن أقلق من سماع ألفاظ خارجة أو ممارسات عنيفة تعرضت لها شخصيا، ومن حقى أن أتوقع صورة المكان بعد فترة من الزمن».يصمت قليلا ثم يضيف: «لقد أقنعت نحو 12 من أصدقائى بشراء شقق فى المدينة، بعضهم جاء حظه العثر ناحية شقق العشوائيات».
حلم وراح
يصف عماد الثلاثة أشهر الأولى بأنها كانت أقرب إلى الحلم، حين كانت الأسرة مبهورة بالهواء النظيف والهدوء والخصوصية، لكن الجيران الجدد أصابوهم بالقلق. فى إحدى المجموعات الإلكترونية التى أسسها بعض السكان المعترضين على شبكة فيس بوك الاجتماعية، كتب أحدهم أنه لا يرضى أن يدخل ابنه المدرسة الحكومية الموجودة فى المدينة كى يزامل أحد الأبناء العشوائيات. لمصطفى وضع مختلف حيث يقيم أيام الأربعاء والخميس والجمعة فى المدينة، ثم يعود إلى شبرا بقية الأسبوع حيث مدارس أبنائه فى المرحلتين الإعدادية والثانوية، ولم يكتف الغاضبون على موقع فيس بوك بهذا فقط، بل بدأ بعضهم فى تصوير مظاهر الحياة المختلفة ناحية وحدات المتضررين. بعض الصور المأخوذة لا تعبر عن كثافة هذه الممارسات، فعلى أرض الواقع لا يوجد سوى برج حمام وحيد يعيد إلى الأذهان بعض مشاهد الأحياء الشعبية، الماعز والأغنام ليست بنفس الكثافة المتوقعة نتيجة رقابة إدارة المدينة على هذه الناحية بالذات، لكن شكل المقاهى والمحال التجارية يبدو شديد التواضع مقارنة بالناحية الأخرى من المدينة. بعض عادات السكان تخالف التصور الذى كان يحلم به سكان من نوعية عمرو عادل وعماد مصطفى، فى الحدائق تفترش العائلات الأرض خاصة وقت المغرب، وأطفال الحى يلعبون الكرة فى الشارع، رغم وجود مساحات تحتويهم. أما من خسر وظيفته القديمة بعد انتقاله إلى هنا فقد رص بعض أكياس الشيبسى والحلويات على أمل الحصول على رزق حلال.أما أشهر أركان المنطقة فتقع ناحية السوق، حيث يجلس الحاج عصام فى محله منتظرا الزبائن أيا كانت انتماءاتهم، يعلق الحاج عصام الذى ينتمى فى الأصل إلى منطقة عزبة خير الله، قائلا: «لا أحد يقدر حجم المعاناة التى مر بها سكان هذه الناحية، تخيل حين يتم تهجيرك من منزلك ليلا تحت دعوى أن المنطقة عرضة لانهيارات صخرية، ثم تفاجأ بأنك ستسكن فى شقة غرفة وصالة لا تكفى حتى لوضع أثاث بيتك، الناس أصابتها صدمة ولم يحتملوا هذا الوضع».أمام بعض المنازل تجلس النساء على الباب كعادتهن فى منازلهن القديمة، هروبا من ضيق المساحة، وحسب حديث الحاج عصام فإن هناك تباينا داخل نفس المنطقة بين السكان، يملك بعضهم سيارات، والبعض الآخر على درجة عالية من الوعى، يقول الحاج عصام: «ابنى محمد فى الصف السادس الابتدائى، كان العام الماضى هو العام الدراسى الأول له هنا، أصيب لفترة بالاكتئاب، وحاولت أن أتخير أصدقاءه لأن الجميع هنا ليسوا على نفس الدرجة من الأخلاق». يوقف حديثه دخول شاب يعتبره الحاج عصام بمثابة ابنه، كانا يسكنان معا فى الحارة نفسها، لكنهما الآن تائهون وسط هذا الزحام. المشكلة الأهم لدى سكان العشوائيات هى نفسها التى أفزعت سكان الجانب الآخر، حين اقتحم العشرات منهم شققا أخرى شاغرة أكثر اتساعا هروبا من ضيق المساحات التى تصل فى أدناها إلى 38م، وكان حادث اقتحام الوحدات ذات مساحة 63م هو الفزع الأكبر لبعض سكان الجانب الآخر الذين اشتروا شققهم مثل عمرو وصديقه عماد بنحو 153 ألف جنيه بعد تقسيطها على 15 سنة. وفى رمضان الماضى زحفت عدة أسر على وحدات خالية مجاورة وهو ما أدى إلى ظهور نشطاء محتجين من سكان الجانب الآخر.

جدار فاصل عن «بتوع الدويقة»
أحد أهم الناشطين على الانترنت هو محمد غانم الذى وجد ضيوفا فى شقته فى رمضان الماضى، واستمر فى تنظيم الوقفات الاحتجاجية المتتالية على أمل تحقيق بعض المطالب، على رأسها بناء سور بين سكان هرم سيتى و«بتوع الدويقة». يعلق محمد غانم المتضرر من اقتحام وحدته السكنية على يد أسرة من منطقة الإيواء قائلا: «أتفاوض على استعادة المبلغ الذى دفعته للشركة بهدف التخلص من شقتى، أما مشكلتى الحقيقية فهى أن وجود سكان العشوائيات فرض واقعا جديدا على الجميع، فهل يتساوى من حصل على شقته بأمواله مع من حصل عليها مجانا؟ كذلك أنا حريص على ألا أرتبط باسم العشوائيات أبدا». عمرو عادل هو الآخر كان أحد الناشطين فى تلك الوقفات فى بدايتها، لكنه اكتشف أن هذه الأنشطة لن تفيد بقدر ما ستضر اسم الشركة والمشروع ككل. اتفق مع صديقه عماد على أن كل غضبهما سببه الغيرة على المشروع وعلى الحلم الذى كانا يبحثان عنه. يعلق عمر الهيتمى العضو المنتدب لشركة أوراسكوم للإسكان التعاونى القائمة على إدارة المدينة قائلا: «علينا جميعا ألا ننسى بأن هذا المشروع يستهدف محدودى الدخل، فالمدينة ليست كومباوند معزولاً بأسوار، إذ إن هدفه جمع جميع الطبقات فى حى ونظام راق، لذلك فتسليط الأضواء على متضررى الدويقة وعزبة خيرالله واسطبل عنتر أمر غير واقعى، نحن نتحدث عن 1500 من أصل 5000 أسرة تعيش فى المشروع الآن، كما أن الخطة المستقبلية أن يعيش فى هذه المنطقة 400 ألف نسمة، هل ستشعر وقتها بهذه الفروقات؟، وجود هؤلاء المتضررين جاء نتيجة تبرع، ثم قامت محافظة القاهرة بشراء وحدات أخرى للفئة نفسها». يتحفظ السيد عمر الهيتمى على فكرة وجود مجتمعين داخل المدينة، ويؤكد أنها مدينة واحدة للجميع وأن مشكلة اقتحام وحدات سكنية على يد متضررى المناطق المنكوبة تم حل أغلبها والباقى فى أيدى النيابة العامة. كذلك فإن بعض جمعيات المجتمع المدنى تعمل على تنمية مهارات السكان فى هذه الناحية من المدينة، إلى جانب مساهمة الشركة فى توظيف بعضهم.فى ذروة الأحداث الساخنة بين عدد من السكان والإدارة حول موقفها من متضررى المناطق المنكوبة حدثت محاولات للتعرف على الآخر. وعلى موقع «سكان هرم سيتى» الذى أسسه عمر عادل سجل فيه «يوسف ندى» قبل أسابيع قليلة قصة حوار أجروه مع السكان الذين اقتحموا شقق آخرين. يقول كاتب تقرير الزيارة التى وصفها بالمغامرة إن سكان الدويقة: «يشعرون باحتقار الشركة والسكان لهم» حسب عبارته، وحاول إيجاد سبل التعاون معهم وطمأنة جميع الأطراف.على الجانب الآخر فإن الوقفات الاحتجاجية التى أدارها بعض النشطاء للمطالبة بإنشاء سور حول منطقة سكن المتضررين قد أثارت بعض سكان الدويقة. وفى توقيت الوقفة الثالثة التى تمت فى سبتمبر الماضى كانت خطبة الجمعة فى مسجد هذه المنطقة عن هذا الموضوع، أما فى الوقفة الرابعة فظهرت بوادر أخرى للتعرف على الآخر. مجدى الذى ينتمى فى الأصل إلى منطقة مصر القديمة ويعمل مدرسا، كان حاضرا فى الوقفة الرابعة محذرا من التعامل بازدراء مع من يطلقون عليهم «بتوع الدويقة»، يقول مجدى: «هذه التصرفات غير مسئولة وغير مقبولة، وقد حضرت الوقفة الرابعة للتأكيد على أننا من نغضب حين تثار فكرة السور أو حين نلمس التعالى لدى الآخرين.. يكفينا ما عشناه من كوارث». فى متجره يجلس الحاج عصام بعيدا عن هذا الصخب، يحاول مواجهة صعوبات الحياة الجديدة ومرض زوجته بشجاعة، ولا يخفى حنينه إلى الحارة التى عاش فيها أكثر من 18 سنة. يختم بحكاية شعبية تعلمها فى صغره، قائلا: «سمعت قصة فى صغرى تقول: طلب أحد الملوك من طائر ضخم أن يطوف به العالم ليختار أجمل مكان فيه، فأراه أجمل الأماكن، لكن حين طلب منه الملك أن يختار له مكانا، ذهب إلى مكان سيئ المنظر، فتعجب الملك حتى أجابه الطائر: هنا ولدت.. وهذا أفضل مكان فى نظرى».

Thursday, September 23, 2010

فنادق شعبية وخدمة إنسانية

المصيفون والطلبة يمتنعون

لوكاندة الناصر ليست كغيرها من الفنادق الشعبية، فهى تحمل اسم الزعيم الراحل امتنانا من صاحبها لعهد الثورة الذى غير ملامح المدينة، كما تشير إلى بقايا تأثيرات قديمة حين كانت المدينة تستقبل تجار المتوسط. نزلاؤها ما هم إلا حالات إنسانية طلبت اللجوء فى غرفها ذات الأسرة الأربعة.
كتب - عبدالرحمن مصطفى
تصوير - أحمد ناجي


لا ينشغل السيد محمد نحلة برحيل المصيفين عن مدينة الإسكندرية أو مجىء موسم الدراسة، ففى لوكاندة الناصر الشعبية التى يديرها توجد قواعد خاصة لوجود الزبائن، فهى حسب وصفه «مجتمع صغير ومتجدد»، أما عن دوره فى هذا المكان فيقول: «أنا مثل رجل فتح بيته لغيره، دائما فى قلق مما قد يحدث، لذا تبرز أهمية العلاقات الإنسانية داخل المكان». الأمر بالنسبة إلى السيد محمد نحلة أعمق من كونه مجرد «لوكاندة شعبية» بل يلخص المشهد فى مجموعة من الحقائق تخالف التصورات التقليدية عن المكان، قائلا: «أنا لا أعمل حسب قواعد الصيف والشتاء، نزلاء المكان هنا لهم طبيعة خاصة وأغلبهم ليسوا من المصيفين أو الطلبة، بل المفاجأة أن أغلبهم من مدينة الإسكندرية، وحلوا ضيوفا على المكان بسبب مشكلات عائلية دفعتهم إلى الإقامة لأسابيع طويلة».
هذه الصورة التى يرسمها السيد نحلة تكسر التصور التقليدى عن الفنادق الرخيصة التى تستقبل زوار الأقاليم المجاورة وأصحاب الزيارات السريعة، يعلق على ذلك قائلا: «هذا النوع من الزبائن ليس النشاط الأساسى فى المكان، الزبون الأهم لدى هو الذى تستمر إقامته لأكثر من أسبوعين».
تقع لوكاندة الناصر فى حى بحرى فى أطراف حى المنشية العريق بمدينة الإسكندرية، وتكاد تبرز وحيدة على شريط الترام المجاور للكورنيش على عكس فنادق أخرى «شعبية» تتمركز حول ميدان محمد على الشهير فى حى المنشية وكذلك قرب محطة مصر، بعض مديرى تلك الفنادق يتحفظ فى الحديث عن نوعية زبائنه، إلا أن حصيلة الآراء تبرز الزبون الطارئ على حساب الزبون المستقر، على عكس الوضع فى لوكاندة الناصر الشعبية حيث تعلو مكانة هؤلاء الذين أصابتهم المشكلات الأسرية فى صلب حياتهم فانسحبوا إلى مساحة أخرى بعيدة. «لو جلس كاتب موهوب هنا لاستلهم عشرات القصص المأساوية التى يسطرها فى روايات وأفلام». يصمت السيد محمد نحلة ثم يضرب مثلا بأهم القصص التى مرت عليه حين وفد إليه طبيب يقطن بإحدى العمارات المجاورة، ثم خرج من منزل عائلته طريدا بعد أن انفرد أخوه بالشقة ليتزوج فيها، مثل هذا النزيل كان على الجميع معاملته معاملة خاصة نظرا لتردى حالته النفسية، وفى قصة أخرى كاد السيد مدير اللوكاندة أن يقع فى مأزق حين اضطر أن يتواصل مع أسرة نزيل مسن قاطعه أبناؤه رغم مرضه، وحاول عدة مرات أن يعيده إلى منزله، لكن الأهل رفضوا ولم يقبلوا سوى بعد فترة من التفاوض. فى تلك الأجواء تتحول اللوكاندة إلى منزل مؤقت لمن ترك أسرته أو فقد بيته كما يتحول مدير اللوكاندة إلى كاتم أسرار الزبائن وليس مجرد رجل يطلب الأجرة أول كل شهر.لهذا السبب يتضامن جميع النزلاء على الصمت والامتناع عن التحدث عن أسباب وجودهم فى اللوكاندة، لأنها تمس حياتهم الشخصية.

للرجال فقط
داخل اللوكاندة تتجاور الغرف فى الطابق الأول من العمارة القديمة أمام شريط الترام، وفى كل غرفة أربعة سرائر، ومع غياب التليفزيون وخدمات الغرف والطعام تتوطد العلاقات بشكل أكبر بين المقيمين، لا يبدو المشهد مزعجا لأحد حين يتخفف النزلاء من ملابسهم فى الصالة الرئيسية لأنهم «رجالة فى بعض» وهو ما يجعل وجود فتيات داخل اللوكاندة أمرا مستبعدا، بل أحيانا ما تنزعج الأسر من فكرة استخدام حمام مشترك مع نزلاء آخرين من الرجال. لذا لم يعد مدير اللوكاندة متحمسا لتسكين الأسر وهى كلها شرائح يخسرها وسط زبائنه، لكن همه الأكبر يكمن فى اختيار نزيل غير مثير للمتاعب، لذا يميل لا إراديا إلى الحذر عند اختيار نزيل جديد، وهو يوضح : «بعد قرابة ثلاثين عاما من العمل فى هذا المجال أصبح لدى الآن الحس الذى يجعلنى أتوسم فى أحدهم أنه يصلح للسكن هنا وأن الآخر لا يصلح، تكفى أسئلة بسيطة ومتابعة أدائه أثناء الإجابة كى تتضح الصورة، ولم يتولد لدى هذا الحس إلا بعد الوقوع فى عدد من المشكلات مع لصوص ومدمنين، لذا أصبح من حقى الآن أن أعلن تخوفاتى من أن يأتينى زبون مضطرب بشكل أو بآخر، فالأمن يحاسبنى على كل ما يحدث هنا». فى غرفة أسفل العمارة يقع مكتب السيد محمد نحلة حيث يستقبل زبائنه الجدد، ويسجل فى دفاتر إلى جواره بيانات الزبائن فى إجراء أمنى تقليدى، أمامه يجلس أحد قدامى الزبائن المسنين الذى اختار شرب الشاى ومشاهدة نشرة الأخبار معه. وفى الخلفية تعلو صورة الوالد محمد نحلة مؤسس المكان، حتى اليوم ما زال اسم والده مرفوعا أمامه على المكتب فى لمسة وفاء، رغم اختلاف كل شىء عن زمن الوالد حسبما يصف: «حين أنشئت هذه اللوكاندة فى الخمسينيات كان حى بحرى أكثر نشاطا بسبب الميناء، أما اليوم فالأوضاع راكدة، فى الماضى كان الرواج سببه العمالة الوافدة إلى الإسكندرية، على عكس من يأتى للعمل فى الإسكندرية اليوم، إذ يشترك مع غيره فى شقة واحدة بحثا عن الأجرة الزهيدة، وكذلك يفعل الطلبة مثلهم». يبلغ متوسط أجرة السرير فى الشهر 200 جنيه، أما أجرة اليوم الواحد فتبلغ 10 جنيهات، لكن الواقع أصعب من هذه الأرقام إذ يضيف: «لا أستطيع منع أحدهم إذا جاء فى ليلة ممطرة يطلب اللجوء، وأحيانا ما أتحمل تأخر أجرة البعض، خاصة من الزبائن القدامى، لذا أزعم أن هذا المشروع ليس مجرد بيزنس بل هو خدمة إنسانية أيضا، ورهانى دائما على الإنسان وطبيعته الأصيلة التى يأسرها الخير». فى عمله هذا لا يتأثر كثيرا بموسم الصيف إلا حين مجىء مجموعات الشباب وقت المصايف، وهو ما لم يشعر به أثناء رمضان الماضى، أما فى أوقات الدراسة فلا يفد إليه من الطلبة سوى من جاء لقضاء أيام الامتحانات أو أيام بسيطة حتى يجد سكنا مع زملائه.
عن هذه التجربة دوّن أحد طلبة كلية العلوم بجامعة الإسكندرية تجربة قضاء ليلة فى لوكاندة شعبية على مدونته المسماة «واحد جامعة» حين أصابه التخوف والأرق مع أصدقائه من فكرة العيش مع غرباء ينتمون لطبقات بسيطة.
النظر إلى لافتة «لوكاندة الناصر الشعبية» يعيد إلى الأذهان تعبيرات من عصور قد انتهت، فكلمة لوكاندة الإيطالية تشير إلى بقايا تأثيرات قديمة حين كانت المدينة تستقبل تجار البحر المتوسط ومهاجرى الشمال من إيطاليا واليونان، على عكس اللافتات الحالية التى تعتمد كلمة فندق العربية كبديل عن كلمتى لوكاندة أو بنسيون، أما اسم «الناصر» فقد اختاره الوالد امتنانا للرئيس جمال عبدالناصر وعهد الثورة الذى غيّر ملامح المدينة.
وسط قصص النزلاء وفحص وجوه العابرين يعيش السيد محمد نحلة متوائما مع هذه المهنة إلى جانب عمله الأصلى كمحاسب إدارى، يقول: «كل ميسر لما خلق له، أعتقد أن استمرارى فى هذا العمل هو نوع من الوفاء وارتباط بالمكان، إلى جانب أمر أهم وهو أن تعاملى مع هذا العمل به جانب خدمى، خاصة أن هذه الأسعار تستهدف شريحة متواضعة الحال بالفعل، بمعنى أن الشرائح الأعلى لن تتشجع على المرور هنا إلا فى ظروف طارئة». هل سيظل المكان مستمرا من بعده فى ظل هذه الأفكار الخاصة؟ يجيب : «لا أعتقد.. الأجيال الشابة تؤمن بالروح العملية وتنصاع للواقع، ولا أجد بين أبناء العائلة من يتحمس لاستمرار هذا المشروع، بل أحيانا ما ندخل فى جدل يجعلنى أتوقع أننى الجيل الأخير فى إدارة هذا المكان».

Sunday, September 12, 2010

العيد في أغنية مكررة

كتب ــ عبدالرحمن مصطفى
لا يخفى المهندس الشاب عمر صالح إحساس الملل الذى يصيبه عند إذاعة أغانى المناسبات فى كل موسم، يعلق قائلا: «حين أنظر إلى أغنية مثل (أهلا بالعيد) للفنانة صفاء أبوالسعود التى تذاع منذ أن كنت طفلا قبل أكثر من عشرين عاما لا أستطيع أن أتفهم هذا التكرار، عن نفسى أجده مملا، خاصة حين تتكرر الأغنية نفسها عدة مرات فى اليوم الواحد».
أسباب ضيق عمر ليس لها علاقة بهذه الأغنية تحديدا، بل هى حالة من الرفض لتكرار أغانى المناسبات بشكل عام، يقول: «طوال شهر رمضان تعاد أغنية (رمضان جانا) بتوزيعاتها المختلفة، وفى يوم عيد العمال أو ذكرى أكتوبر تعاد الأفلام والأغنيات نفسها، أتمنى أن تأتى مناسبة خالية من هذه الملامح القديمة». بعيدا عن المشاعر السلبية التى يظهرها عمر تجاه أغانى المناسبات فالمفارقة أن أسرته لا تتبنى هذه الرؤية، بل على العكس من ذلك أحيانا ما يواجه بعبارات من نوعية «العيد ميبقاش عيد من غير الأغانى دى!». ليست أسرة عمر فقط هى المتحمسة لهذه نوعية من الأغانى، بعض أبناء جيل الثمانينيات الذى ينتمى إليه اختاروا إظهار حفاوتهم الشديدة بأغانى المناسبات التى تذكرهم بطفولتهم، خاصة مع أغنية «أهلا بالعيد» للفنانة صفاء أبوالسعود، يظهر هذا من خلال مئات التعليقات التى تنتشر بين المنتديات الإلكترونية وعلى موقع يوتيوب لتحميل لقطات الفيديو، أسفل أحد هذه الفيديوهات كتب أحدهم: «هذه هى أغنية العيد المفضلة لدى حتى وأنا عندى 30 سنة.. أم كلثوم فى ليلة العيد وصفاء أبوالسعود.. يوم العيد الصبح». بعض هذه التعليقات جاء من الدول العربية ليؤكد أنها كانت أغنية رائجة لديهم أيضا، مما دفع البعض إلى تسجيل ذكراه مع الأغنية والاعتراف بحنينه المحبب إلى الماضى، لكن هذه الروح السمحة مع «أهلا بالعيد» لم تشمل الجميع، فمع هذه الأغنية تحديدا خرج أحد أكبر «إفيهات» الانترنت قبل أكثر من عام، والسبب هو أن عددا كبيرا من أبناء هذا الجيل قد اشتركوا فى «الحفظ الخاطئ» لإحدى جمل الأغنية، حيث تقول الأغنية: «العيد فرحة، وأجمل فرحة، تجمع شمل قريب وبعيد.. سعدنا بيها، بيخليها، ذكرى جميلة لبعد العيد». لكن تعبير سعدنا بيها تحول فى آذان الكثيرين منذ الصغر إلى «سعد نبيهة»!
وعلى شبكة فيس بوك الاجتماعية داخل مجموعة «ذكريات من السبعينيات للتسعينيات» طرح أحد الأعضاء هذا السؤال: «يا ترى كام واحد كان نفسه يعرف مين سعد نبيهة (سعدنا بيها) اللى كانت بتغنيله صفاء أبوالسعود؟» فى سلسلة الردود على هذا السؤال الغريب قال أحدهم إنه كان يظن أن المقصود هو «سعد نبينا». أما الشخصية الأسطورية «سعد نبيهة» فقد تكونت لها مجموعة أخرى على الفيس بوك وطرح مؤسس المجموعة رؤيته التى حملت بعض العمق، إذ يرى أن هذا اللبس فى فهم جملة «سعدنا بيها» هو دليل وشاهد على أن هذا الجيل قد تربى على الحفظ دون الفهم، حتى إن كان حفظا خاطئا، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت مجموعة أخرى على الفيس بوك ترشح «سعد نبيهة» لانتخابات الرئاسة القادمة، وهكذا لم تعد أغنية العيد للفنانة صفاء أبوالسعود مجرد أغنية تقليدية، بل تعامل البعض معها على أنها أحد رموز الجيل، خاصة فى جملة ملتبسة مثل «سعد نبيهة». فى المرات القليلة التى ناقش فيها عمر صالح والديه حول ضجره من أغانى العيد المكررة نقلت له والدته صورة أخرى تمعن فى الحنين إلى الماضى، كانت الأغنية الأهم لديها هى أغنية «ليلة العيد» للفنانة أم كلثوم، وفى نقاشها مع نجلها الشاب كانت حجتها فى الدفاع عن أغانى العيد كالآتى: «أغنية ليلة العيد هى إحدى علامات ثبوت رؤية هلال العيد، إذ لا تذاع إلا فى ليلة العيد، لكن الأهم من هذا أنها تمثل ذكرى شخصية للملايين، وتعيد كبار السن إلى عصر كان أكثر هدوءا وألفة من الآن، على عكس حالة الانغلاق والانشغال بالظروف الاقتصادية الحالية». بعيدا عن هاتين الأغنيتين الشهيرتين فقد ظهرت على مدى السنوات الماضية العديد من أغنيات العيد، لكن القليل منها هو الذى علق فى الأذهان، أحد هذه النماذج المندثرة أغنية ذات لحن فولكلورى تغنت خصيصا ليوم العيد غناها الفنان الصعيدى ــ حفنى أحمد حسن ــ الذى اشتهر فى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى، الأغنية التى يتذكرها بعض ذوى الأصول الصعيدية من كبار السن كانت تتغنى فى فضل بر الأم فى يوم العيد، وفى أحد كوبليهات الأغنية يقول الريس حفنى: «أمك وعايش فى ضلها.. خليك دايما فاضلها.. ولا تنسى أبدا فضلها، وعيد عليها.. يوم العيد». هذه الأغنية التى تكاد تكون اليوم مغمورة، كتب أحد أعضاء منتدى سماعى تعليقا عليها بعد أن انقطع عنها لسنوات طويلة، واسترجع ذكرى والدته التى كانت تحب سماعها، وفى منتدى آخر على الانترنت كتب أحدهم موضحا أن هذه الأغنية أيضا تذكره بأمه حين كانت تسمعها تحديدا فى يوم عيد الأم. وهى مناسبة جديدة ربما لم يفطن إليها صاحب الأغنية نفسه. أما عمر صالح فلم تمر بأسماعه هذه الأغنية أبدا، إذ اعتادت أذناه على كلاسيكيات أغانى المناسبات التى سئم منها، خاصة أغانى العيد.

Thursday, July 15, 2010

الحياة على شريط الترام

رحلة الصبر وطول البال
في المقهى المقابل لجراج الترام ومكتب الاشتراكات بحي محرم بك يجلس وائل قناوي إلى جوار سعيد سليمان في انتظار لحظة الانطلاق إلى رحلة الصبر في شوارع الاسكندرية، قد يختلفان في العمر وفارق الخبرة، لكن الزمالة وظروف العمل الواحدة جمعتهما فأذابت تلك الفوارق. تمر من أمامهما عربات ترام "البلد" بلونها الأصفر حيث تتفرع الخطوط في اتجاهات مختلفة على عكس ترام "الرمل" بلونه الأزرق الأكثر استقرارا فوق قضبانه، يقول وائل : "أعترف بأنه أصبح من الصعب الآن أن ينسجم البعض مع فكرة سير الترام في عكس طريق السيارات بتلك السرعة البطيئة، لكن لا سبيل الآن للتغيير". يحاول وائل الشاب الثلاثيني الذي بدأ عمله قبل 12 سنة سائقا في هذا الخط أن يوضح بهذه العبارة جزء من حياته اليومية التي يعيشها هناك، لم يعد يزعجه صوت العربات الترام التي تهز جدران المقهى من حوله. قبل عدة أشهر شهد هذا المكان احتجاجات بعض العاملين في ترام النزهة على انخفاض حوافزهم التي تتأثر تلقائيا بحجم إيرادات الترام، في تلك الفترة كان جزء من طريقهم معطلا بسبب الاصلاحات وهو ما انعكس على حوافزهم في النهاية، لكن سرعان ما هدأت النفوس بعد معالجة الإدارة لهذا الأمر، هذه القصة استوقفت زميله سعيد سليمان الذي يعمل محصلا للتذاكر منذ 43 سنة، يعلق قائلا : "الدخل الحقيقي لنا هو الحوافز التي تتحرك صعودا وهبوطا حسب إيراد الترام وبيع التذاكر"، تلك النقطة هي كلمة السر في حياة العاملين هنا، إلى جانب بعض التفاصيل الأخرى التي يشرحها سعيد قائلا: " يجب أن يتجاوز عدد أيام العمل 25 يوما في الشهر، إن قلت عن هذا الرقم تتدهور الحالة المالية بشكل حاد، على سبيل المثال فإن مقابل الوجبة اليومي يصبح جنيهان ونصف بدلا من خمسة جنيهات ونصف، وكذلك تقل قيمة النسبة التي يحصل عليها المحصل أو السائق من الإيراد"، يبتسم ثم يكمل حديثه قائلا: "ومن الواجب أن أعمل يومين جمعة على الأقل في الشهر.. كل تلك الظروف منهكة لرجل في السابعة والخمسين". يرى وائل الأمر بصورة أخرى تمثل وجهة نظر سائق يقضي نصف يومه في شوارع المدينة، ركز في حديثه على حالة العربات العتيقة وتكالب الناس على السائق في حالة وقوع حادث. يقول : "لا أحد يرحم السائق حين يقع حادث" ينهيان حديثهما مودعين المقهى ويتوجهان إلى الضفة الأخرى من الشارع أمام مكتب الاشتراكات، يشير وائل مبتسما إلى مكتب الاشتراكات قائلا : "أحد أسباب قلة الإيراد اليومي ازدياد الاقبال على الاشتراكات". أما سعيد فيقلقه أمر آخر لا يخفيه، قائلا : "أحد أصدقائي من العاملين في هيئة السكك الحديدية نال 100 ألف جنيه كمكافأة نهاية الخدمة، أما نحن فلا نصل إلى ربع هذا المبلغ". ينهى عبارته ويحين وقت توديع زميله الشاب، حيث لن يعملا سويا في هذا اليوم، هناك محصل آخر سيشارك وائل في رحلته.

الطريق إلى النزهة
داخل الترام المتجه إلى النزهة يبدو وائل أكثر صمتا مع زميله المحصل أحمد إبراهيم، والأسباب واضحة فأمامه طريق مزدحم بالسيارات والعربات الكارو والدراجات، والركاب يزداد عددهم في الداخل، مع الوقت تنتقل أجواء التحمل والجلد إلى الركاب، في تلك الأجواء يبدو سؤالا من نوعية "لماذا تركب الترام رغم بطء سرعته؟" من الأسئلة السخيفة التي تثير ضجر البعض، وهو ما دعا أحد الركاب إلى رفض التعليق مكتفيا باستكمال رحلة التأمل في المجهول.. في ترام "الرمل" المجاور لطريق الكورنيش بعيدا عن ترام البلد ذكر أحد الركاب أنه يجد في الرحلة من محطة الرمل إلى باكوس حيث يقطن متعة خاصة دأب عليها منذ عشرات السنوات قضاها طالبا ثم معلما ثم مفتشا في التربية والتعليم، تلك الرؤية المختلفة لقضاء الوقت داخل عربة الترام لم تجذب الركاب في ترام البلد ذي اللون الأصفر، علق أحد الركاب ساخرا : "هل هناك متعة في الوقوف هكذا!؟ .. أنا لا أستخدم الترام أثناء توجهي إلى العمل صباحا، وحين أنهي عملي أحيانا ما أستخدمه إلى نقطة محددة حيث لا توجد وسيلة مواصلات أخرى، أنزل في محطة قريبة ثم أكمل مشواري بسيارات المشروع ". قبل أن يفترق وائل قناوي و سعيد سليمان كان حديثهما منصبا على أن الترام لم يعد هو وسيلة المواصلات الأساسية، سيارات المشروع – الميكروباص باللهجة السكندرية – زحفت حول خط الترام واجتذبت الزبائن، ولم يتبق من المحافظين على ركوب الترام سوى البسطاء وأصحاب المزاج الخاص أو من اضطرتهم الظروف إلى تحمله لمسافة قصيرة. راكب مسن يضع وصفا من عنده قائلا : "الترام هو عكاز العجوز" مستبعدا فكرة "التنطيط" في عربات الميكروباص، في تلك الأثناء كان وائل يضغط دواسة الجرس محاولا إفساح الطريق المزدحم بالسيارات، بينما كان زميله المحصل أحمد إبراهيم يحاول إقناع أحد الركاب بأن وائل لا يتباطأ في طريقه، لكن الراكب يغادر دون اقتناع.
يشير وائل إلى محطة"الوكالة" التي تمثل كارثة كبرى في طريقه، العاملون في مجال التجارة لن يلتفتوا إلى عربات الترام، يفرغ العمال حمولتهم دون اكتراث، في تلك المواقف قد يتلقى السائق والمحصل عبارة عنيفة من أحد الركاب، إحدى تلك العبارات دفعت المحصل أحمد إبراهيم إلى استرجاع قصة التحاقه بالعمل محصلا للتذاكر قائلا: "قبل أن أعمل في هذه المهنة جربت حظي في مجال السياحة، وكان عملا مربحا، لكني كنت أبحث عن العمل الحكومي الأكثر استقرارا، حيث المعاش والتأمين الصحي، وهو ما يجعلني مستمرا في هذه المهنة، كذلك فأنا لم يكن أمامي فرص كثير للعمل في تخصصي الأصلي كفني تكييفات". يحصل أحمد على مرتب أساسي لا يتجاوز 180 جنيها بعد العمل ستة عشر سنة في الهيئة العامة لنقل الركاب، قد يصل دخله إلى 800 جنيه في أفضل الأحوال، لكن هناك نقاط أخرى يوضحها : "مرتباتنا تعتمد على إيراد الترام لذا تنخفض بصورة ملحوظة في مواسم الشتاء على سبيل المثال، فقد لا يصل محصل في سنوات خبرتي إلى مبلغ 600 جنيه، هذا إلى جانب ما يخصم من المرتب بسبب السلفيات والقروض". قد تكون مثل تلك المشاكل جوهرية في حياة أحمد إبراهيم وزملائه لكن هناك تفاصيل أخرى اعتاد عليها، مثل تكرار الوجوه التي تستقل الترام بشكل دائم، بعضها يكون مثيرا للضجر على عكس آخرين يلقون عليه التحية لأنه هو الآخر قد تحول إلى جزء من حياتهم، هناك تفاصيل أخرى لا ترضيه، يوضح ذلك : "أفتقد وعي بعض الركاب الذين لا يقدرون قيمة التذكرة التي في أيديهم، فبعيدا عن أن احتفاظهم بها هو أمر هام بالنسبة لي وقت التفتيش لكنها في ذات الوقت حقهم الذي عليهم الا يفرطوا فيه". ما يتحدث عنه أحمد إبراهيم من مشاهدات يومية لا تختلف كثيرا عن ملاحظات بعض العاملين في ترام الرمل الذي كان مستقلا بذاته حتى انضم إلى الهيئة العامة لنقل الركاب بمحافظة الاسكندرية، وحتى الآن يقع ترام الرمل تحت نفوذ إدارة مستقلة في الهيئة، وبينما تمتلك الهيئة في خط ترام الرمل الأفضل حالا من حيث نوعية المركبات وحالة الطريق 42 مركبة على خطين فقط، تدير الهيئة في ترام المدينة 119 مركبة تنتقل بين 15 خطا. أحد العاملين في ترام البلد ذي اللون الأصفر المميز ذكر أن هناك روح طبقية تظهر أحيانا حين يمر الترام الأصفر ناحية محطة الرمل لا يخفيها العاملون هناك تجاه أقرانهم. قد يجد سائق الترام الأصفر مضطرا إلى انتظار الترام الأزرق حتى ينطلق قبله.. الترام الأصفر أحيانا ما يعامل كضيف ثقيل في خط الرمل. في الطريق الذي قد يستغرق قرابة الساعة يتبادل وائل وزميله المحصل الحديث، يرفع يده لتحيه زميل قادم في الاتجاه المقابل، قد تطول الأوقات في بعض الأيام مثلما يشرح وائل : "شارع محرم بك على سبيل المثال يزدحم في أيام الخميس والجمعة والأحد في أوقات معينة بسبب وجود ستوديوهات التصوير ومحلات الكوافير التي تستقبل زبائنها من العرائس، وليس في يدي تجاوز الزفة ". في الشهر الماضي أعلن وزير النقل عن قرب إصدار قرار بإنشاء مترو أنفاق الاسكندرية، الفكرة التي تبدلت الأماكن المقترحة لتنفيذها لم تستقر بعد، لكنها في الغالب ستكون بعيدة عن شريط الترام الذي يسير عليه وائل و رفاقه، لا يشغل العاملون في الترام بالهم بهذا التصريح، كل قضيتهم هي العبور اليومي إلى نهاية الخط.. يشير وائل بيده إلى إحدى النقاط الضيقة أمام محطة مصر طريق ضيق يكاد يسمح بعبور الترام بسبب ازدحام الرصيف بمحلات الملابس وصخب الزبائن، يحافظ وائل على هدوء أعصابه محاولا السيطرة على ما هو خارج العربات تاركا مهمة السيطرة على ما هو داخل العربة لزميله المحصل مثلما اعتاد كليهما في كل يوم.


ما لم يقله الترام لركابه !


بعد أكثر من ثلاثين سنة من العمل سائقا ومحصلا داخل عربات ترام الرمل، اختار محمد محمد عبد الحميد (58 سنة) العمل على هامش شريط ترام الرمل الشهير، المهنة : مفتاحجي، تمتد يده كل بضعة دقائق لسحب ذراع طويلة مثبتة في الأرض بقوة ليحدد مسار العربة القادمة حسب رقمها، يقول : "اخترت الشغلانة دي عشان أبعد عن وجع الدماغ"، تلك العبارة الحاسمة لخص بها معاناة عشرات السنوات التي شاركته فيها أسرته في تحملهم الضغط العصبي الذي كان يصيبه يوميا، يبدأ عمله في الساعة الثانية والنصف عصرا حتى الثانية صباحا، لكنه يعتبر ذلك "أرحم" من العمل داخل عربات الترام. كل شيء تغير من حوله وزاد من تعكر مزاجه الذي لم يخفيه أثناء حديثه، في بعض الأيام يؤنسه زميله السبعيني الذي ترك الخدمة ويأتي للجلوس إلى جواره متابعا مشهد الترام، يقول محمد عبد الحميد : " نوعية الراكب تغيرت وأصبحت أكثر شراسة، كثيرا ما كنت أواجه بمن يرفع صوته محتدا قائلا: انت متعرفش انت بتكلم مين؟، رغم أننا في وسيلة مواصلات لا تتجاوز قيمة أجرتها الخمسة وعشرون قرشا، اليوم تعاملاتي في أضيق الحدود". لم يشهد محمد عصور ازدهار الترام حين كانت تديره شركة خاصة يعمل فيها الخواجات، يتدخل زميله السبعيني معلقا : "أنا أيضا لم أشهد تلك الفترة، لكن شهدت في صباي فترة قبل التأميم وبعدها.. كانت الأجواء أكثر هدوءا". لم يتوافر لأي منهما فرصة الاستمتاع بقراءة تحولات المباني المحيطة بالمحطة الرئيسية (محطة الرمل) أو المباني الخلفية في حي المنشية، المقاهي التي كانت تستقبل في نهاية القرن قبل الماضي رواد البورصة تحولت اليوم إلى جزء من معالم المدينة، وتخلي أغلبها مع هجرة الأجانب في الخمسينيات عن (البار) الذي كان يعمل بكامل كفاءته في خدمة الأجانب من سكان المدينة.

في أي وقت يترك محمد عبد الحميد من يحدثه متجها إلى ذراع النقل ليحول الطريق أمام الترام القادم، في محطة بولكلي (إيزيس) اختار أن يختم حياته المهنية في إحدى المحطات التي تتفرع فيها خطوط الترام، مثلها مثل محطات أخرى كسبورتنج "الكبرى"، ومصطفى كامل، وسان ستيفانو، لكن أهم ما يميز هذه المحطة تحديدا هو أنها كانت نهاية أول خط ترام في مصر وإفريقيا حين تأسس في العام 1860، اليوم يتذكر محمد عبد الحميد تواريخ أقرب كانت تمثل أحداث هامة في حياته المهنية، يصف ذلك قائلا : "لن أنسي أحد أعياد عام 1980 بعد عام واحد من التحاقي بالعمل في ترام الرمل، وقع حادث لطفل مد جسده خارج شباك العربة فاصطدم بأحد الأعمدة الجانبية، ووجدت نفسي مسئولا عن الحادث أثناء عملي سائقا، هل مسؤوليتي حراسة الركاب؟!" لم يكن ذلك أخطر ما واجهه، أقسى ما واجهه وما زال يراه بحكم عمله اليوم خارج عربات الترام هو ركوب بعض الشباب على جانبي العربات، ووقوع عدد من الحوادث لم ينساها بسبب تهور بعض الشباب، يعلق على ذلك بشجاعة: "نحن بحاجة إلى شرطة خاصة بهذا المرفق تضبط مخالفات الركاب وصفاقة بعض الشباب". تلك الحالة التي تصيب بعض الركاب بالرعونة وحب الاستعراض كانت سببا في وصم الترام منذ نشأته الأولى بأنه أداة انفلات اجتماعي، فحسبما تروى سوزان عابد في مقال تحت عنوان "الترمواي.. عفريت يجوب شوارع المحروسة" (مجلة ذاكرة مصر المعاصرة-العدد الثاني .مارس 2010) صاحب نشأة الترام ظهور قلق اجتماعي من تشجيع النساء على الخروج من المنزل واستغلال الشباب له كمكان لتحديد لقاءاتهم الغرامية، وهي الفئة التي لقبها البعض آنذاك "الشباب الترامي"، في محطة بولكلي حيث يعمل محمد عبد الحميد كانت نهاية خط أول ترام بدأ رحلته من محطة الرمل بعربات تجرها الخيول على قضبان، وفي عام 1863 كانت البداية الحقيقية لتشغيل خط الترام للجمهور خاصة مع استخدام القاطرة البخارية. الفترة الطويلة التي قضاها محمد عبد الحميد في حياته العملية هي قصيرة جدا في عمر الترام، لكن طرأت في السنوات الأخيرة مشاهد لم يكن ليراها احد من قبل حسبما يروي، أهمها ظهور فئة "أبناء الشوارع" بقوة في حياة العاملين في الترام، بعضهم يقيم في محطات بعينها، لكن الأمر قد يتجاوز ذلك بكثير، يقول : "يكفي أن أصف ما ارتكبه بعضهم قبل أيام في شجار استخدموا فيه النيران التي أصابت إحدى العربات وأفزعت الركاب، هذا إلى جانب محاولاتهم الدائمة لركوب الترام ومضايقة النساء ". تلك المواقف التي كان يتعرض لها يوميا ما زال على صلة بها بسبب تواصله الدائم بزملائه المارين بعرباتهم من أمامه حاملين له حكايات "أعداء الترام" ضدهم. على هامش هذا الخط حياة أخرى، أجانب الماضي قد استبدلوا بزوار الصيف و من جاءوا إلى المدينة المليونية لغرض ما، فاندمجت ذكرى ما قبل الثورة بما بعدها، يمكن تتبع ذلك بإشارات ما زالت موجودة حتى اليوم، فالمستشفى اليوناني التي أنشاها اليوناني ثيوخارى كوستيكا عام 1938 مـ كدليل على وجود يوناني راسخ في المدينة تحولت في الستينات إلى مستشفى جمال عبد الناصر، أما الترام الذي كان يحمل الخواجات والسكندريين إلى المستشفى اليوناني قد تبدل زبائنه، تتضح الصورة أكثر أمام مستشفى الشاطبي الجامعي على مسافة غير بعيدة من رصيف محطة الشبان المسلمين حيث تجلس مجموعات قادمة من محافظات مجاورة افترشوا الرصيف في انتظار دورهم للدخول، حيث لا يسمح إلا بزائر واحد حسبما يصف أحدهم. المدينة التي جذبت ألأجانب في بدايات القرن الماضي وكانوا سببا تطويرها أصبحت اليوم تستقبل حسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في العام 2008 حوالي 280 ألف مهاجر من المحافظات الأخرى جاء أغلبهم للعمل. الفارق بين هؤلاء وإسكندرية الأربعينات أن الأجانب كانوا ضمن المهاجرين إلى المدينة حسبما يذكر الدكتور محمد صبحي عبد الحكيم في كتابه (مدينة الإسكندرية - الهيئة المصرية للكتاب، 2007) فقد وصلت نسبة الأجانب عام 1947 إلى 7% من مجموع السكان بعد أن كانت تمثل ربع سكان المدينة في تعداد 1907، والحقيقة التي يؤكدها صبحي عبد الحكيم في دراسته هي انخفاض النسبة كان أحد أسبابه تجنس الأجانب بالجنسية المصرية، حتى أن اعتبرهم البعض مجرد "خواجات"، لكنهم عملوا في جميع المهن وضمنها العمل داخل عربات الترام.

عفاريت الترام
الترام الذي اعتبره المصريون في بدايته عفريتا يجوب شوارع المحروسة يقابل اليوم بعفاريت بشرية، يشير محمد عبد الحميد إلى صبية اختاروا التعلق في العربة الأخيرة من الترام قائلا: "هؤلاء من أقصدهم.. كيف أتعامل معهم وليس لدي سلطة عليهم؟!". أثناء عمله محصلا قابل محمد عفاريت أخرى يقتحمون الترام في شلل ويضايقون المحصل. نفس الترام الذي تعاطف مع احتجاجات الوطنيين على إثر اندلاع ثورة 1919 وأعلن عماله الإضراب، يمر اليوم بعبارات احتجاجية من نوع آخر.. في الطريق إلى بولكلي حيث يقف محمد عبد الحميد، إحدى تلك العبارات كتبت على جدران مجاورة لشريط الترام بإمضاء "جمال الدولي" مشجع نادي الاتحاد السكندري الشهير الذي ملأ شوارع الإسكندرية في فترة من الفترات بعباراته الساخطة ضد السلطات، في هذه النقطة تحديدا كتب عبارة ضد إسرائيل، مثل تلك العبارات استقبلتها قد يجد الزائر عبارات شبيهة بها على جدران شواطئ الإسكندرية حيث يدعو بعضها إلى العفة وأخرى من نوعية:" لا تحلموا بعالم سعيد .. خلف كل قيصر يموت"، وقبل أسابيع قليلة شهدت ساحة القائد إبراهيم مظاهرات بسبب قتيل الإسكندرية الشاب خالد سعيد على مسافة قليلة من محطة الرمل الرئيسية، مثل تلك الأحداث "الطارئة" لا تشغل بال كثير من العاملين داخل عربات الترام بقدر ما تشغلهم الأحداث اليومية، يشير محمد عبد الحميد من موقعه الراسخ ناحية محطة الشبان المسلمين قائلا : "هناك محطات أصبحت تثير قلق العاملين، مثل الشبان المسلمين حيث مدرسة محمد علي التي يتكرر شغب طلابها وشجارهم هناك". في محطة الرمل الرئيسية عمل محمد في إحدى المهام الإدارية التي اعتزلها ابتعادا عن تعقيدات العمل اليومية.. هناك في محطة الرمل أجواء أفضل حيث العمارات الفخمة العتيقة بعيدا عن مشاكل الركاب والطلبة في موسم الدراسة، حديث محمد عبدالحميد عن تجاوزات الشباب في الترام تثير مفارقة في أن بداية هذا الخط في محطة الرمل تقع جدارية ضخمة عليها صورة فنان الشعب السكندري سيد درويش، إلى جانب رائدة التعليم نبوية موسى، أحد العاملين في الجوار لم يعرف من صاحبة الصورة. تبدو الصورة وكأن المرأة التي تعرضت للتضييق من رجعية المجتمع وسلطات الاحتلال البريطاني نتيجة سعيها للعمل في مجال التربية وإنشاء مدارس البنات ستظل في موقعها هذا شاهدة هي الأخرى على تطور حال المدينة وشبابها

Wednesday, May 26, 2010

الغيط الأخير في القاهرة

بحزم وجدية تعمد سيد عثمان إظهار استعداده للموت فى سبيل تلك القطعة الزراعية المطلة على شارع فيصل الشهير بالقاهرة: «لن أتركها مهما حدث، جدى حكى لى بالتفصيل عن الحياة التى عاشها مرتبطا بهذه الأرض، ليس لدى استعداد الآن للابتعاد عنها».
تلك الأرض الزراعية يمر من أمامها الآلاف يوميا منشغلين بزحام الشارع دون الاهتمام بتلك المساحة الخضراء ذات الأسوار العالية إلى جوار شركة المطاحن على شارع فيصل، لكن موقعها المتميز دفع البعض إلى السؤال عن سبب بقائها حتى اليوم، خصوصا من يطمحون فى البناء على هذا الموقع المتميز الذى يقع على مسافة معقولة من ميدان الجيزة. بين السور المتهدم واللافتات العظيمة ممر ضيق يخترق المساحات الخضراء يستخدمه هواة اختصار الطرق، وفى نهاية تلك المشّاية عشة تجلس فيها الحاجة صباح عواض (63 سنة) حيث تبيع الخضراوات لزبائنها من أهالى الحى.أدوات عمل الشاى ــ وطهى الطعام أحيانا ــ جاهزة للعمل، ولا يقلقها سوى مصير تلك الأرض الزراعية. وتروى القصة كاملة: «كانت تلك الأرض ملكا لأحد الإنجليز فى فترة ما قبل الثورة، وكان والد زوجى يعمل بها حتى تحولت إلى تبعية الإصلاح الزراعى، وظللنا موجودين بها حتى أجرتها مدرسة الزراعة الثانوية بشارع الهرم، وظللنا كما نحن فى جوارها».يشير ابنها سيد إلى عمارة مجاورة حيث كان يسكن قائلا: «فى تلك الناحية ولد والدى قبل سبعين عاما، وكنا نضع أيدينا على مساحة تساوى أضعاف مساحة الأرض الزراعية المتبقية الآن». ما زالت الأم محتفظة فى ذاكرتها بأسماء عائلات الطالبية ــ حيث تقع الأرض حاليا ــ وقد تحولت أراضيهم اليوم إلى مساكن وعمارات تقليدية بعد نشوء حى فيصل كفرصة للاستثمار العقارى، تعلق على ذلك: «شارع فيصل نفسه كان ترع
ة تروى تلك المنطقة»، بينما يكمل ابنها سيد: «بعد ذلك أعد جدى طريقة أخرى للرى»، مشيرا إلى طلمبة المياه المجاورة لعشتهم.لا أحد منهما يعتقد أنه بالإمكان أن تذهب تلك الأرض بعيدا عن أيديهم، فالسائر على تلك المشاية يلاحظ عبارات كتبها سيد بالطلاء على السور المجاور للأرض حيث شركة المطاحن.. «احذر النصابين.. الأرض خاضعة لوضع اليد وتابعة للاصلاح الزراعى ومدرسة الزراعة».
وسط تلك الصورة المشوشة اختفت المعلومة التى أكدها مصدر فى هيئة الإصلاح الزراعى حين ذكر باقتضاب: «الأرض تابعة للإصلاح الزراعى وتم سحبها من مدرسة الزراعة التى كان يتدرب طلبتها فى تلك المساحة الخضراء، وتم تأجيرها مؤخرا لمدة 25 سنة قادمة لإحدى الشركات». أما الفقرة الأهم فهى عن أن تلك المساحة الخضراء لن تبقى كما هى، بل ستتحول إلى مشروع تجارى ملائم لما حولها من مساكن.هذه المعلومات يغفلها سيد وعائلته ويشكك فيها تماما وتصيبه بالذعر، فهم لم يتزحزحوا من مكانهم منذ عقود طويلة، كل ما هناك أن أشار سيد إلى مساحة فدان داخل تلك الأرض ذكر أنها تابعة له متراجعا عن تمسكه بها كلها، بينما جاور المساحات الأخرى طلاء آخر باسم جديد. «حتى لو عرضت علىّ أموال لترك الأرض لن أقبل».
ملكة.. كفر.. ملكة
خلف هذا الغيط الذى ينتج مزروعات بسيطة يقع «شارع العمدة» الذى لا يخفى الأصل القروى لتلك المنطقة المجاورة لكفر طهرمس. قرية الطالبية تحولت إلى محطة ومنطقة سكنية وكذلك كفر طهرمس. يدير سائق الميكروباص ظهره لشارعى فيصل والطالبية حيث الغيط الأخير، مناديا «ملكة.. كفر.. ملكة» متجها إلى شارع الملكة فى كفر طهرمس، هناك تعلو العمارات الحديثة لافتات من نوعية «شقة إيجار جديد»، ولم يبرر بهاء بعض تلك العمارات حالة الطريق السيئة.. حركة البناء لا يعطلها شىء، تتخللها بعض المساحات الخضراء الغامضة، الأسطى مصطفى «الميكانيكى» يشرف على إحداها. ذكر قصة مؤثرة عن وصية والده بأن يتمسك أبناؤه بهذه الأرض وألا يفرطوا فيها، وقال: «لسنا فى حاجة للمال، ونحن ورثة كثيرون»، وأشار إلى ساحة ركن السيارات المجاورة قائلا: «هذه الأرض كانت لخالى، لكنها بارت فحولها إلى ساحة سيارات»، ثم عاد إلى السيارة التى كان منكبا عليها مع صبيته. سخونة الأسعار فى متر الأرض هنا لا تصل بأى حال من الأحوال إلى سخونتها قرب شارع فيصل. هنا وصل متر الأرض فى بعض الأماكن إلى أكثر من 8 آلاف جنيه، بينما تصل إلى أربعة أضعافها فى شارع فيصل حسبما يردد السكان. أحد قدامى الساكنين فى كفر طهرمس شكك فى نية جاره الأسطى مصطفى الاحتفاظ بالأرض، وقال: «من المؤكد أنه سيبيعها، من سيزرع الآن وسط هذا العمران؟!».
بعض المساحات الأخرى كانت تابعة هى الأخرى لهيئة الإصلاح الزراعى التى حافظت عليها حتى الآن، أشار الرجل إلى بعض المبانى تحت الانشاء قائلا: «هذه العمارات أنشئت على أرض الإصلاح الزراعى، لكن فى يوم من الأيام أتى أحد الأشخاص مع الشرطة لتسلمها، وانتهى الأمر دون حسم». حسب قواعد وزارة الزراعة وهيئة الإصلاح الزراعى فبإمكان أحدهم أن يسترد أرضا كانت تملكها عائلته إن أثبت ذلك بحكم من المحكمة، أو أن ينال تعويضا ماليا عنها.. أما على أرض الواقع فلم يعد أحد هنا يتحدث عن الزراعة، لم تعد مطلبا لأحد، الكفر انتهى، وبيت العمدة أصبح ذكرى، وتحول كل شىء إلى جزء من العاصمة.كلما توغل السائر فى اتجاه شارع فيصل موليا ظهره لكفر طهرمس ومن خلفها صفط اللبن انعدمت المساحات الخضراء، عدا ذلك الغيط الأخير فى شارع فيصل حيث يجلس سيد عثمان فى ورشته متحفزا بعد أن زارت الشرطة الموقع قبل أسابيع قليلة فقط. وتحول الوضع إلى مزيد من التحفز بينه وبين حارس آخر يتبع الآن المستأجر الجديد.
الخواجة الإنجليزى الذى كان مالكا للأرض فى يوم من الأيام لم يتبق من زمنه سوى أهل سيد عثمان الباقين جوار الغيط الأخير فى شارع فيصل.. رغبات سيد الذى يطمح فى أن يكون له نصيب من تلك الأرض التى ارتبط بها أبيه رغم أنها تحت سلطة الإصلاح الزراعى فى الغالب لن تتحقق، حتى إن ظل متمسكا بذكرى جده وسلطته القديمة.
تأتى إحدى ساكنات الشارع المجاور لشراء البرسيم لإطعام الحيوانات التى تربيها فوق سطح منزلها، تشير إلى أحد أركان «الغيط» قائلة: «بشترى من الحاج محمد عشان أقرب». رغم حديثها الجاد عن مشوارها شبه اليومى إلى هناك وتلك العلاقة الحميمة مع الغيط المجاور، إلا أن شباب الحى لم يبدوا مثل هذه الروح، كان الغيط بالنسبة إليهم مجرد علامة مميزة.. فقط.الحاج محمد نفسه قابل السؤال عن سر بقاء تلك المساحة الخضراء بابتسامة لعلمه أنه لا ينافسه أحد هنا سوى جيرانه فى الفدادين المجاورة التى تتبع ملكيات أخرى. يجلس باسترخاء جوار حجرة مبنية من الطوب النىء بها ما يلزمه من أدوات عمل الشاى، «رصة» كبيرة من الخضار، يقول بفخر: «هذه المساحة الخضراء هى الغيط الأخير فى القاهرة الكبرى، وأنا آخر جيل المزارعين فى الزاوية الحمرا، تسلمت المهمة من والدى ولا أظن أن أولادى وأحدهما خريج التجارة والآخر خريج الحقوق سيأتى هنا لمتابعة الأرض وزراعتها».الجميع هنا يعلمون جيدا أنهم مختلفون، فهم فوق تلك المساحة الخضراء بإمكانهم أن ينفصلوا تماما عما حولهم من تكدس المبانى وصخب عربات التوك توك، ليسوا فى حاجة إلى سور يحمى أراضيهم، لأنهم يعلمون أنها ستظل هكذا كما هى إلى أجل غير مسمى. قبل سنوات لم يكن الحاج محمد مختلفا عن أى قاهرى آخر يرتدى القميص والبنطلون حين كان عاملا فى شركة «بسكو مصر» لأكثر من ثلاثين عاما، أما اليوم بعد أن جاوز الخامسة والخمسين من عمره فقد يظن المار أنه مزارع تقليدى بجلبابه البسيط وجلسته الواثقة. تلك المساحة الخضراء الواقعة على أطراف حى الزاوية الحمراء خلف محطة كهرباء شمال القاهرة لها ظروف خاصة، حيث إنها تقع مجاورة لمصنع حربى فرض قواعد خاصة على المكان وهو ما يوضحه عبدالعزيز طلبة رئيس حى الزاوية الحمراء قائلا: «هذه المساحة الخضراء تخضع لقواعد خاصة أقرتها وزارتا الزراعة والدفاع، بحيث يحد المصنع حسب قواعد السلامة مساحات غير مسكونة، وهو ما أبقى هذا الغيط كما هو دون تغيير» ويستطرد نافيا: «الموضوع بعيد تماما عن الحى وإداراته المختلفة.. نظرا لخصوصية المكان».
على الإنترنت يشير موقع «الزاوية الحمراء» إلى تلك المساحة الزراعية المتبقية بشكل لافت موضحا موقعها كأحد معالم الحى وجذوره كمنطقة زراعية كان أغلبها يقع تحت أملاك السيدة زينب هانم خاتون التى حولت الكثير من أملاكها إلى أوقاف، ووزعت كثيرا من أراضى المنطقة بعد الثورة على فلاحيها ضمن الإصلاح الزراعى.الأرض التى يشرف عليها الحاج محمد اليوم هى مربع صغير تجاوره قطع أخرى اختلفت ملكيتها بين ملكية خاصة، وأراضى الإصلاح الزراعى، وأراضٍ تابعة للمدرسة العبيدية التى أسستها أسرة يونانية الأصل اتخذت اسم «عبيد» وأوقفت الكثير من أملاكها وأراضيها على هذه المدرسة.على بعد عشرات الأمتار فى الطرف الآخر من «الغيط» عامل زراعى أكثر تحفظا، ليس مالكا ولكنه مزارع تنتمى جذوره هو الآخر إلى منطقة الزاوية القديمة. يأتيه البعض لشراء خضراوات زهيدة الثمن، يقول: «كان الحى قديما مقسما إلى ملكيات خاصة وأراضى أوقاف وكنا جميعا نعمل بالزراعة، لم تكن المنطقة قرية تحولت إلى جزء من العاصمة، بل أراض يزرعها مزارعو المنطقة». اكتفى المزارع المتحفظ بما قاله دون زيادة، ينتمى هو الآخر إلى منطقة «القصيرين» بالزاوية الحمراء تماما مثل الحاج محمد الذى يضيف: «الوضع كان مختلفا، كنا نعمل فى مزارع تكشف لنا المنطقة حتى حى الظاهر، وكان الإنجليز وقت الاحتلال يشترون مددهم من هذه المنطقة، وبعد حصولنا على الأراضى بعد الثورة ظللنا مزارعين، عائلتى كلها نشأت فى بيت ريفى بالزاوية يعمل أفراده فى الزراعة حتى تطور الحال، وكان انتقال أهالى عشش الترجمان فى نهاية السبعينيات إلى مساكن الزاوية إعلانا لنهاية طابعها الريفى إلى الأبد، حين كان الجميع قد باع أراضيه وتحولت المنطقة إلى حى شعبى».قد يقع الحاج محمد فى حيرة هو وجيرانه إذا ما تم تقرر لأى سبب السماح بالبناء فى تلك المساحة الخضراء حيث تفتت الملكية بين الورثة، ورغم استبعادهم حدوث هذا إلا أنهم يقدرون قيمة أراضيهم جيدا.يقول الحاج محمد: «هامش الربح من الأرض مرضى، لكنه ليس كبيرا»، يتحمل أيضا مسئولية المجىء بجرار زراعى من بهتيم فى موسم الحرث، وبعد اختفاء الترع التى تحولت إلى شوارع بنفس الاسم أصبح الاعتماد على مصدر مباشر من الماسورة العمومية.
قد يبدو مشهد الحاج محمد والذين معه كمشهد من عصر بائد ينعش ذاكرة القاهرة «الزراعية» التى اختفت اليوم، لكنهم لا يخفون فخرهم بقولهم «إحنا آخر جيل من مزارعى الزاوية!» .
فى كتاب «القاهرة» شبّه العالم المصرى الراحل الدكتور جمال حمدان مدينة القاهرة بقوارض الأرض الزراعية، مؤكدا أن المدينة تأكل أرضها. ويقترح محورا آخر فى عمليات التمدد والعمران باتجاه أحياء العباسية ومدينة نصر ومصر الجديدة حيث الأصل الصحراوى، بدلا من البناء على أراض زراعية وتحويل القرى الريفية إلى أحياء مدنية.تلك الدعوة التى تراعى أهمية المساحات الخضراء لم تكن الوحيدة من نوعها بهذا الشأن، بل صاحبتها دعوة رومانسية أخرى لأستاذ الجيولوجيا ــ الدكتور رشدى سعيد ــ الذى ردد كثيرا ضرورة تحويل وادى النيل إلى محمية زراعية مع نقل الحياة الصناعية ناحية المساحات الصحراوية المجاورة مقدما مشروعا محكما فى هذا الشأن.
مثل هذه الاقتراحات وغيرها من التوصيات التى تحذر من خطورة انحسار المساحات الخضراء فى مصر لم توقف الزحف العمرانى، إذ كشفت دراسة أجراها علماء الهيئة القومية للاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء فى العام الماضى عن احتمال اختفاء المساحة الكلية للأراضى الزراعية المصرية بعد حوالى 60 عاما، وذلك إذا استمر التوسع العمرانى العشوائى بمعدلاته الحالية المرتفعة. حسب قواعد وزارة الزراعة فإنه من المحظور البناء خارج «الأحوزة العمرانية» المعتمدة للقرى والمدن.

Sunday, March 21, 2010

مثلث كنتاكي

خلطة سرية من البشر
كتب – عبد الرحمن مصطفى
بإمكان أحمد شاكر أن يرى عالما مصغرا في تلك المساحة المثلثة جوار ميدان التحرير بين نهاية شارعي طلعت حرب و التحرير، فأثناء جلوسه جوار كابل الكهرباء العملاق يتابع تنوعا غريبا من البشر، الصاعدون درجات سلم مترو الأنفاق يسلمون مهمة النزول لغيرهم، والجلابيب الريفية تتجاور مع الجينز الضيق، بينما يطل آكلو الفول بأعين فضولية على الجالسين داخل مطعم كنتاكي، السائحون والصعاليك متساوون في هذه المساحة الديمقراطية.. الجميع وقوف في انتظار شيء ما.. بالنسبة لأحمد فالأمر بسيط، لخصه في جملة: "متابعة البشر هنا تحرق الوقت".. وهو ما يسعى إليه أثناء انتظار بقية زملائه في كورس اللغة الانجليزية منخفض التكلفة الذي لا يبعد عن هذه المساحة سوى أمتار قليلة .
"هل سمعت عن مقهى إيزافيتش ؟" هذا السؤال وجب تكراره عدة مرات على أسماع أحمد وزملائه حتى يستوعبها أحدهم، ولم يعرف إجابته أحد، اليوم.. يكاد يكون مقهى إيزافيتش أحد مفردات الحنين لدى شريحة من المثقفين المفتونين بهذا المقهى حيث اجتمع الشعراء والأدباء تحت لافتة خواجة أجنبي ذو أصل يوغسلافي وميول يسارية، في نفس المقهى قيل أن الشاعر الراحل "أمل دنقل" قد ألقى أشعاره في العام 1971 على الطلبة المعتصمين في ميدان التحرير احتجاجا على سياسات الرئيس السادات.. "مين أمل دنقل؟" لم يكن لدى أحمد وأصدقائه فكرة عن هذه الذكريات البائدة، فالواقع أشد وضوحا أمامهم في هذا المثلث الأقرب إلى لوحة عجيبة تجمع الشواذ جنسيا والصم والبكم والسائحين وأولاد الشوارع وأولاد الذوات في مكان واحد دون سبب واضح سوى أنه ميدان التحرير أشهر ميادين القاهرة.
البناية التي تمثل أحد أضلاع هذا المثلث يحرسها بواب شاب ذي أصول جنوبية، استهجن اسم "إيزافيتش" ولم يعرف هو الآخر سوى الواقع الحالي، أما على أطراف البناية فهناك فئة مميزة من مواطني مثلث كنتاكي، هم مجموعة من الصم والبكم يديرون أحاديثهم الحماسية بلغة الإشارة في ركن خاص، صاحب الكشك المجاور داخل أحد ممرات العمارة لم يجد إجابة واضحة على سبب تواجدهم الدائم في هذا المكان، توجه إليهم ونقل إليهم مجموعة من الأسئلة بلغة الإشارة بدت ركيكة بالنسبة إليهم : "هل هناك مقهى قريب يجمعهم؟"، "هل هناك مركز أو جمعية هي السبب في تواجدهم في نفس المكان يوميا؟"، أجاب أحدهم وكان ذو قدرة على النطق البسيط، أنه لا يوجد سبب لتجمعهم سوى شهرة المكان واتساعه، واضاف بثقة: "هذا التجمع عفوي وغير مقصود، نتعرف فيه على أصدقاء جدد ونتحدث بصورة شبه يومية.. هذا كل شيء".
على بعد أمتار من دائرة الصم والبكم في نهاية مثلث كنتاكي، يقع مقهى وادي النيل، جار إيزافيتش القديم.. أمام المقهى يطل الحاج حسن عثمان - مدير المقهي - على عالم جديد لم يكن موجودا حين بدأ هذا المقهى عمله قبل أكثر من نصف قرن، يقول : "بإمكاني الآن أن أشير إلى كل شركة سياحة وإلى كل مطعم هنا في هذا المثلث وأخبرك بأصله وماذا كان وكيف أصبح !". هذه شركة للسياحة كانت محلا للأحذية، وأخرى كانت محل بقالة، أما كنتاكي فكان مطعما يملكه إيزافيتش بينما تحول مقهاه القديم حاليا إلى شركة سياحة، وأشار الحاج حسن إلى أبعد من هذا ناحية الجامعة الأمريكية حيث محلات الوجبات السريعة التي كانت محلات أسترا وعلى بابا الشهيرة.. كل شيء تغير منذ نهاية السبعينات بعد عصر الانفتاح، ومع دخول الثمانينات حدث تحول جذري انتعشت فيه شركات السياحة التي احتلت الميدان، وبعدها انتعشت مطاعم الوجبات السريعة، وتغيرت المعالم.
أمام كل شركة سياحة شاب ينادي على عروض شركته، يكاد يخطف المارة على أمل الحصول على مكافأة من الشركة، أما داخل مقهى وادي النيل فيكاد يكون المكان محافظا على تقاليد المقهى القديمة، المشروبات الروحية ممنوعة، و المشروبات الغازية ليس لها مكان.. ترك الحاج حسن المهمة للمقاهي والمطاعم المجاورة، وأمام جاره كنتاكي يجلس أبناء الشوارع في تقليد شبه رسمي يطلون عبر الزجاج على صدور الدجاج المتبلة وصدور الفتيات الجالسات بصحبة أصدقائهن بالداخل، يمسكون بأيدي المارة طلبا للطعام.. هكذا يحصلون على قوت يومهم.
يقول الحاج حسن: "كل شيء تغير حتى الزبائن.. المجتمع كله تغير"، ما زال يذكر زيارة نجيب محفوظ إلى مقهاه، وغيره من المثقفين، لكنه يقر أن أهم زبائنه منذ أن أنشئ المقهى هم السياح المتجولين بين المتحف وفنادقهم في وسط المدينة، يجلسون أمام الشيشة، ويطالعون قائمة المشروبات المكتوبة بالعربية والانجليزية على أمل تسهيل مهمة عمال المقهى، في الخارج ضيوف ثقال على مثلث كنتاكي، البعض يتعرض لهم بالعنف اللفظي والزجر على أمل رحيلهم، هم الشواذ جنسيا، في كتابه "بلد الولاد" الذي يتعرض لعالمهم، يشير المؤلف مصطفى فتحي من طرف بعيد إلى تجمعهم في مثلث كنتاكي، وبعيدا عن كتاب بلد الولاد، فهذه الفئة من سكان المثلث لا تهجر مكانها إلا حسب مزاجها، يتعرضون لمضايقات أثناء وقوفهم، وهو ما لم يخفيه أحمد شاكر وأصدقائه زوار ميدان التحرير، إذ أنهم لا يمانعون أبدا في إلقاء التعليقات الخفيفة على أبناء هذه الفئة، لكن الحاج حسن لم يخف ضيقه من وجودهم كواحد من أصحاب المحال التجارية هناك، واعتبرها إساءة للمكان، ويعلق : "في الماضي كان من يمر بميدان التحرير يعدل ملابسه تماشيا مع أناقة المكان وفخامته، أما اليوم فأصبح يجمع من هب ودب"، يتوقف قليلا ثم يكمل : " كانت هناك فئة تسمى الخرتية من النصابين يصطادون السائحين ويضللوهم، لكن انتهى وجودهم من الميدان بسبب نشاط الشرطة ضدهم، أما الشواذ فما زالوا يمرحون هنا".