Showing posts with label ألوان.الحياة. Show all posts
Showing posts with label ألوان.الحياة. Show all posts

Friday, April 10, 2015

الصالون الثقافى.. تجربة تتحدى الزمن

صالون علاء الأسوانى يحقق معادلة الاستمرار والحفاظ على الجمهور
- أسامة البر: الإدارة الديمقراطية وشخصية صاحب الصالون هما الضمان الوحيد للبقاء
- فاطمة ناعوت: أدعو مفكرى مصر إلى العودة إلى جمهورهم وألا يخذلوا من طلبهم
- العاملون فى النشاط الثقافى يفضلون الأنشطة التفاعلية على الندوات التقليدية

قبل دقائق من بدء فعاليات صالونه الأسبوعى، جلس الكاتب علاء الأسوانى وسط مجموعة من الأصدقاء الذين واظبوا على حضور صالونه الثقافى منذ سنوات، إذ كانت البداية الأولى فى عام 1998 فى مقهى «ستراند» فى منطقة باب اللوق وبوسط القاهرة، حيث كانت النواة الأولى لصالون الأسوانى، ثم تنقل بعدها بين عدد من المقاهى والمؤسسات الثقافية على مدى 17 سنة، حتى استقر أخيرا فى فيللا الدكتور ممدوح حمزة، المهندس والناشط السياسى المعروف.
«على مدى تلك السنوات، كان هناك منتج لهذا الصالون، قدمنا عددا من الأسماء الشابة فى الأدب والفن، وناقشنا العديد من القضايا السياسية المهمة فى مراحل زمنية مختلفة». هذا ما يشير إليه الكاتب علاء الأسوانى أثناء حديثه عن تجربة الصالون الثقافى الذى تعرض للتضييق فى فترات مختلفة. أما أولئك الذين واظبوا على الحضور منذ سنوات، فقد شهدوا جانبا من تطورات هذا الصالون. هذا ما ينقله الكاتب والأكاديمى جلال الشايب المواظب دائما على حضور الصالون منذ عام 2007، يلخص تلك التجربة أثناء حديثه، قائلاً: «تطور المشهد داخل الصالون يشبه الحالة السياسية المصرية نفسها، فقبل ثورة 25 يناير كان يحدث تضييق أمنى على الصالون، فانتقلنا إلى مقر حزب الكرامة كبديل عن التنقل بين المقاهى، ومع البروز الإعلامى لعلاء الأسوانى بعد الثورة، انتقل الصالون إلى دار الأوبرا ثم معهد إعداد القادة، لكن الوضع تغير أخيرا مع تغير الحالة العامة». هذا المشهد الذى يلخصه أحد رواد صالون الأسوانى ليس من السهل تعميمه على تجارب الصالونات الثقافية الأخرى، إذ امتازت ندوة الأسوانى الأسبوعية بمناقشة الشأن العام بشكل مفتوح، على عكس صالونات أخرى تتحرك فى مساحات أدبية وفكرية محددة.
وتمتد فكرة الصالون الأدبى بشكلها التقليدى إلى تجارب أوروبية قديمة، كان أشهرها فى إيطاليا وفرنسا بين الأسر الأرستقراطية والملوك المهتمين بالفن والأدب، ويعيد بعض الباحثين جذور تلك الصالونات إلى تجارب أقدم فى الحضارة العربية الإسلامية، حين كان الأمراء والخلفاء يديرون مجالس العلم والأدب فى حضرتهم. بينما قدمت التجربة الفرنسية نموذجا أبرز فى تحويل المقاهى إلى تجمعات للفنانين، والمفكرين والسياسيين، وظهر دورها إبان الثورة الفرنسية عام 1789.
أما فى مصر فقد ظهر نمطين من الصالونات الثقافية، نمط احتضنته بيوت المفكرين والأدباء والنبلاء، من أشهرها صالون الشاعرة مى زيادة الذى ازدهر فى فترة العشرينيات، وصالون العقاد الذى برز نشاطه فى أربعينيات القرن الماضى، بينما كان هناك نمط آخر من الصالونات احتضنته المقاهى، بدأ مع صالون جمال الدين الأفغانى فى مقهى متاتيا الذى ضم إليه شخصيات تحولت إلى رموز فى العمل الوطنى فيما بعد، مثل عبدالله النديم، وسعد زغلول، كما كان من أشهر صالونات المقاهى صالون نجيب محفوظ الذى تبدل بين عدة مقاهٍ، أشهرها مقهى ريش فى منطقة وسط البلد القاهرية.

استعادة المفكرين

تلك الأجواء المزدهرة بالتجمعات الثقافية أخذت فى الانحسار تدريجيا، وهو ما دفع البعض إلى محاولة إحيائها مرة أخرى، وتذكر الكاتبة فاطمة ناعوت أنها سعت لدى الشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى كى يقيم صالونا فى مقهى ريش، وأقيم الصالون الشهرى بالفعل فى يناير الماضى، لكنه توقف فجأة. ترجع الكاتبة أسباب ذلك إلى قلة الحضور، والاضطرابات الأمنية التى أصابت البلاد فى تلك الفترة، تستطرد، قائلة: «أيا كانت الأعذار فأنا ألوم أستاذى أحمد عبدالمعطى حجازى على عدم استكمال الصالون، وأعتقد أنه فرض على رموز هذا الجيل العظيم أن يجلسوا بيننا، وينقلوا إلينا رؤيتهم، وأنا أعاتبهم جميعا على غيابهم». تبدى فاطمة ناعوت اهتماما بفكرة الصالونات الثقافية فى عدد من المقالات المنشورة لها، لكنها فى الوقت نفسه تتحدث عن أزمة حالية تواجه فكرة الصالون الثقافى بسبب فقدان قيمة الثقافة لدى الشباب، مع وجود مغريات مثل الإنترنت والمقاهى، وهى أهم أسباب توقف مشروع صالونها الثقافى، الذى لم تتحمس للاستمرار فيه مقارنة بحماسها أن تكون معاونة فى تدشين صالون أحمد عبدالمعطى حجازى.
يرى بعض العاملين فى مجال الأنشطة الثقافية أن فكرة الصالون الثقافى قد تجاوزها الزمن إلى نماذج أخرى من الأنشطة الثقافية، وأن الصالونات الباقية حاليا مرتبطة بقيمة أصحابها وسعة ثقافتهم وتأثيرهم، على سبيل المثال أقامت مكتبة (أ) صالونا ثقافيا يستضيف ضيفا شهريا، لكن مع مرور الوقت اتجه القائمون على النشاط الثقافى إلى أنشطة أخرى أكثر فاعلية، هذا ما يوضحه عماد العدل، المستشار الثقافى لمجموعة مكتبات (أ)، إذ يقول: «الشكل التقليدى للصالون بطابعه الذى يعود إلى القرن الماضى سيندثر مع الوقت، ولن تستمر سوى الصالونات التى تتمحور حول شخصية مؤثرة، خاصة أن بعض الصالونات منغلقة على مجموعات بعينها، وهى روح لا يقبلها الزمن الآن». يتحدث عماد العدل من خلال خبرته السابقة فى إدارة صالون ثقافى للمكتبة، وكيف وجد لاحقا أن الأنشطة الثقافية التفاعلية هى الأكثر جذبا للزوار، على رأسها حفلات توقيع ومناقشة الكتب، فحسب رأيه أنها توفر مساحة لمن قرأ كتابا أن يناقش المؤلف، ويوقع نسخته وأن يلتقط صورا للذكرى، وهو ما يصنع خبرات وتفاعل بين الشخصية محور الحفل والجمهور.

مواجهة الكلاسيكية

على عكس الشائع فى ضرورة أن يكون الصالون الثقافى مرتبط بشخصية محورية، فإن بعض التجارب الشبابية الأخيرة قد حولت فكرة الصالون إلى ما يشبه «أندية القراءة» أو «عروض الأفلام» أو حتى «المجموعات الأدبية». وقد مرت تلك النماذج بأحمد رجائى، أحد مؤسسى مركز «بيت الرصيف» الثقافى، بسبب إتاحة المركز مساحات لأى تجربة أو مبادرة واعدة، وكان ضمن تلك المبادرات صالونا ثقافيا لم يكتمل نشاطه، وذلك للأسباب التى يذكرها رجائى، قائلاً: «لقد توقف نشاطنا فى بيت الرصيف لفترة، وهو ما أثـّر على المبادرات التى كانت تعمل معنا، كذلك تكمن مشكلة الصالونات الثقافية فى اعتمادها على جهود شخص واحد وهو ما يهدد مستقبلها».
يضع بيت الرصيف كغيره من المراكز الثقافية والمكتبات قواعد عامة لممارسة الأنشطة، على رأسها الابتعاد عن العنصرية، وتجنب الخلافات السياسية، بينما يضيف أحمد رجائى المسئول الإعلامى لبيت الرصيف أنه أحيانا ما يجرى يقترح أفكارا على بعض المجموعات الشبابية لتطوير أدائها، ويشرح ذلك بمثال: «دشن بعض الشباب فى مساحة لدينا ما يشبه الصالون الأدبى، وكانت الأجواء شديدة الكلاسيكية، ما جعلنا نقترح عليهم بشكل ودى أن يضيفوا أجواء تفاعلية، بتنظيم مسابقات أو حتى أن يطلقوا على هذا النشاط تعبير قعدة شعر، وكانت اقتراحات غير إجبارية». تلك هى وجهة النظر التى يتبناها بعض العاملين فى إدارة الأنشطة الثقافية، مع تأكيدهم على أن الأجواء الكلاسيكية التى يحتفظ بها نموذج «الصالون الثقافى» لن يدعمها سوى اسم وقيمة الشخصية المحورية للصالون.
«الصالون الثقافى الناجح لابد أن يكون لشخص واسع الاطلاع ولديه أسلوب لبق فى الإدارة وكسب الجمهور». هذه المعايير هى التى يضعها الكاتب أسامة البحر الذى شارك فى إدارة صالون علاء الأسوانى لسنوات، بعد أن تم انتخابه من رواد الصالون قبل أكثر من 10 سنوات لتولى تلك المهمة. لم يكن سهلاً على صالون له طابع سياسى أن يستمر دون مشكلات، فيذكر قائلا: «تلقيت اتصالات فى بعض الفترات من أشخاص لا أعرفهم يشتبكون معى فى الهاتف، لأنهم مختلفون سياسيا مع علاء الأسوانى، لكنى كنت أتقبل ذلك بصدر رحب». وبعيدا عما تقدمه الصالونات الثقافية من دعم معنوى للمواهب الجديدة، فإنها أيضا تؤسس روابط قوية بين زوارها، كأن يعود أحد زوار الصالون بعد سنوات كاتبا لمناقشة أعماله، أو أن تنشأ روابط أعمق على المستوى الإنسانى تدوم لسنوات. وتبقى المهمة الأعظم لإدارة أى صالون فى احتواء الجميع، والإدارة الديمقراطية وتعويد الجمهور على هذه الروح. على حد قول الكاتب أسامة البحر مدير صالون الأسوانى.

سنة أولى صالون

بشير عياد: الموسيقى والنغم هى نقطة القوة فى تجربتنا

سلوى علوان: علينا استغلال تعطش المصريين للأنشطة الثقافية والفنية
«فى هذا الشهر سيكون قد مر عام كامل على بدء فعاليات هذا الصالون». يتحدث الشاعر بشير عياد بفخر عن تجربة صالونه الثقافى الذى يحمل اسمه، مستعيدا كيف كانت البداية الأولى قبل عام. يقول: «هدفى الأساسى تهذيب الذوق، وتنقيته فى جميع مناحى الفن والإبداع».
يجلس الشاعر بشير عياد فى مكتبة بورصة الكتب حيث يقام صالونه يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وقد اختار هذا اليوم تحديدا، وفاء لأستاذه محسن الخياط الشاعر والصحفى فى جريدة الجمهورية، الذى كان يقيم صالونا فى اليوم نفسه، وقدم من خلاله عددا من المواهب، ويصف عياد نفسه قائلاً: «أنا كوكتيل من دعم الصالونات الثقافية والتبنى من رموز أدبية وفنية».
يتفق عياد مع آراء بعض المواظبين على الحضور كل ثلاثاء، أن هناك نقاط قوة أسهمت فى استمرار التجربة، ومنها أسلوب الإدارة الذى يصفه بشير عياد بعبارة حاسمة: «ليس هناك مكان للاستعراضيين، أو لمن يتسببون فى إفساد أجواء هذا المجلس.. فالمكان يتحول إلى ما يشبه الحضرة الصوفية بين العلم والنغم». تكمن نقطة القوة الأخرى فى جلسات الإستماع وتحليل النص الشعرى لأغانى أم كلثوم تحديدا، ويتكفل الكاتب الصحفى هيثم أبوزيد فيها بالجانب الفنى فى تحليل المقامات الموسيقية.
كان هذا الصالون مجرد فكرة تعود إلى العام 2012 أجهضتها ظروف مرض الشاعر بشير عياد، حتى عاد فى العام الماضى بجلسات النغم، وإقامة تكريمات للمساهمين فى الحقل الأدبى، وظل المحتوى الموسيقى فى الصالون هو ما يراهن عليه قائلاً: «رأيت فى عيون من حضروا عصر أم كلثوم، كيف استعادوها حين عرفوا معلومات جديدة مرتبطة بالأغنية، وتحليلها موسيقيا.. كذلك أسعدنى تواصل الشباب مع الصالون بعد مرور عام من العمل».
تجارب جديدة
ظهرت على مدى العام الماضى صالونات ثقافية جديدة دشنها أصحابها بعد انخراطهم السابق فى عالم الثقافة والإبداع، منها صالون أركان الثقافى فى مدينة الإسكندرية، الذى تديره الشاعرة والصحفية جيهان حسين منذ تم تدشينه فى شهر أكتوبر الماضى، تصف ذلك قائلة: «اقتربت من صالونات ثقافية متميزة فى الأسكندرية، منها صالون التذوق الثقافى لأميرة مجاهد، وصالون زمرة الثقافى فى مركز الجيزويت، ففكرت فى إقامة صالون ثقافى شهرى». تلك التجارب دفعتها إلى المحاولة، واتخذت من مركز أركان للإبداع بكاتدرائية القديس مرقس الأسقفية مقرا لها، حيث كانت تعمل بالتدريب الصحفى فى نفس المركز من قبل.
«لا أخفى سرا أننى أحاول شحذ طاقتى باستمرار حتى لا أفقد حماسى من الظروف التى قد لا تكون مواتية، مثل ضعف الحضور فى بعض الأحيان، فأنا مازلت فى البدايات ولا أمتلك اسما رنانا بعد فى دنيا الأدب، لكنى أسير بخطوات ثابتة «. تستكمل الشاعرة جيهان حسين حديثها محاولة تجاوز ما قد تواجهه من عوائق، باستغلال مواقع التواصل الاجتماعى للتعريف بالصالون والوصول إلى الشريحة المستهدفة، أما أسلوب الإدارة فتلخصه فى جملة واحدة: «أهم نقطة هى مذاكرة موضوع الجلسة الشهرية وضيف الصالون مذاكرة جيدة قبل اللقاء».
فى الجمعة الأخيرة من الشهر الماضى، خاضت الكاتبة الصحفية سلوى علوان التجربة نفسها، حين دشنت صالونها بمكتبة البلد فى وسط القاهرة، مراهنة على تعطش الكثيرين للأدب والثقافة على حد تعبيرها، أما الهدف الذى تسعى إلى تحقيقه فهو أن يكون صالونها وسيطا بين ثقافة النخبة وغير المتخصصين. «فوجئت بعدد الحضور الكبير فى حفل تدشين الصالون، الذى جاوز المساحة المخصصة لنا فى مكتبة البلد، وتلقيت عروض استضافة فى أماكن أخرى، ما جعلنى اتفاءل باستمرار التجربة». تستكمل سلوى علوان حديثها عن المشكلات التى تصاحب تأسيس صالون ثقافى فى مصر، على رأسها تكريس حالة النخبوية بين صاحب الصالون وزواره، ما يصنع فجوة مع الزوار الجدد.
لا يُخفى أصحاب هذه التجارب السابقة فى إدارة صالونات ثقافية حرصهم على أن تظهر تلك التجارب بشكل لائق، حتى لايضر ذلك بسمعتهم فى المستقبل، ما جعلهم يوضحون فى حديثهم أنهم لم يدشنوا تلك التجارب سوى بعد تفكير، وبعد التأكد من كيفية إدارتها، مع نسبة معقولة من المغامرة، على سبيل المثال توضح الكاتبة سلوى علوان ذلك بقولها: «كانت هناك إشارات تدفعنى إلى تجربة تدشين الصالون، كأن أجد إخلاصا من جمهور ندوتى فى معرض القاهرة للكتاب الأخير، والتى تزامنت مع زيارة بوتين إلى القاهرة وازدحام الشوارع بشكل غير مسبوق، وفى هذا الظرف وجدت إخلاصا من الحضور الذين انتظرونى رغم ارتباك مواعيد الندوات فى ذلك اليوم». وقد أعطاها هذا الموقف إشارة إلى إمكانية أن تخطو خطوة أكبر تختبر فيها قدرتها على جذب آخرين حول عمل ثقافى، وهو ما تخوضه فى تجربة صالونها الناشئ.

«قهوة مانو».. أمسيات تتجاوز التقليدية


على مدى ثلاث سنوات يدير محمد جادالله الكاتب والباحث صالونا فى ساقية الصاوى بالزمالك، حيث يقدم أشكالًا متنوعة من طرق التواصل مع الجمهور فى كل أمسية شهرية يقيمها، بدءا من استخدام صيغة المحاضرة التى يستعين فيها بشرائح عرض على شاشة ضخمة، أو أن يعزف للجمهور موسيقى فى فترة استراحة، أو أن يستضيف أحد الضيوف المتصلين بموضوع الأمسية، والهدف النهائى هو الحديث عن الهوية المصرية ومحاولة فهمها مع الجمهور.
«بدأت القصة فى العام 2011 مع تأسيس صفحة تحت اسم صالون ماعت الحضارى على فيسبوك مع مجموعة من الأصدقاء، واخترنا اسم ماعت لأنها رمز العدالة لدى قدماء المصريين، ثم تم تدشين مبادرة صناع الوعى الحضارى التى انتشرت فى المحافظات، بينما ظهرت لدىّ فكرة أخرى أن أقيم أمسيات تناقش القضية نفسها، وهو ما أنتج صالونا له طابع مختلف». يتحدث محمد جادالله عن استغلاله جميع الأدوات التى يجيدها فى التواصل مع الجمهور حول قضية الهوية المصرية، إذ يذكر أنه قد لاحظ فى فترة مبكرة بعد ثورة 25 يناير، ومن خلال النقاشات فى صفحة «صالون ماعت الحضارى» أن هناك بوادر لأزمة مجتمعية بسبب الصراع على فكرة الهوية، فهناك من يرى أن مصر فرعونية، وآخر يراها إسلامية، وغيرها من التصنيفات، بينما يرى هو هوية مصر نتاج كل ذلك.
«فى أمسيات قهوة مانو، أقدم نماذج من الفن المصرى، محاولاً ربطها بجذورها التاريخية، فهدفى أن أظهر الصلة بين الموروث المصرى القديم، وكيفية استمراره فى حياتنا وثقافتنا اليومية». هكذا يتحدث عن تلك الأمسيات مستغلاً فيها خبرته السابقة فى مجال الإرشاد السياحى ومعرفته بالتاريخ المصرى القديم، وكذلك اهتمامه بالعمل
المسرحى والموسيقى، ودراسته لقواعد فض النزاعات المجتمعية فى الخارج، وهى أدوات يستخدمها فى نقاشاته داخل تلك الأمسيات، سواء كان الموضوع عن الفن المصرى، أو كان موضوعا عن القيم الدينية ــ العابرة للعصورــ التى ما زالت فى وجدان الإنسان المصرى المعاصر.
«هنا أحاول كسر شكل الصالون الكلاسيكى القديم، وتقديم عروض تجمع بين الندوة والتدريب والحكى، مستخدما فنون المسرح والموسيقى، من أجل جذب الجمهور حول قضية الهوية المصرية، والتأكيد على أنها غير قابلة للقرصنة أو حصرها فى بعد واحد، بل هى شاملة خبرة آلاف السنوات».
مر محمد جادالله كزائر بصالونات ذات شكل كلاسيكى، ورغم استفادته الشخصية منها، لكنه يرى أنه لابد من تطوير فى أداء الصالونات الثقافية بشكل عام، حتى تستطيع أن تدخل مجال المنافسة مع جاذبية الإعلام والإنترنت الأكثر تسلية وإبهارا، لذا يقول إنه يسعى أن تكون تلك الأمسيات فى صالونه لأن تكون أشبه ببرنامج يحمل جانبا ترفيهيا، حتى يظل محافظا على جمهوره طول الوقت، أما الأهم بالنسبة إليه، فهو إثارة قضيته الأساسية، وهى الهوية المصرية.

Wednesday, March 4, 2015

حكاية سيدات يجبرهن «الرزق» على «السعى فى الليل وآخره»

- أقدم بائعة حمص على الكورنيش: السمعة الطيبة هى أكبر حماية للمرأة.. ومنة الله «الجامعية» تحلم بمشروع «نصبة الشاى»
- «المركزى للتعبئة والإحصاء»: 17.8% من إجمالى الأسر المصرية يترأسها نساء
- صاحبة مشروع «النصبة»: البعض مازال فى ذهنه صورة السيدة البسيطة التى تعمل فى الشارع.. لكنى جامعية وأقدم المشروع بشكل راقٍ
- مهندسة طوارئ فى «الكهرباء»: 40% من المهمات التى أنجزها تكون بعد الساعة الواحدة صباحا
- باحثة فى مؤسسة المرأة الجديدة: قضايا التمييز فى الأجور تكشف واقع المرأة

كتب- عبدالرحمن مصطفى
تقف «أم علاء» بمحاذاة كورنيش النيل أمام منطقة رملة بولاق القاهرية، تبيع الشاى وحمص الشام، وتستمر هكذا لساعات متأخرة بعد منتصف الليل، على أمل مجىء المزيد من الزبائن، وفى ذلك اليوم لم يحدث ما تتمناه، إذ أحيانا ما يقل عدد الزبائن تدريجيا بسبب قسوة برد الشتاء، والاضطرابات الأمنية التى تتصاعد فى لحظات غير متوقعة.
تقول عن نفسها: «أنا أقدم بائعة شاى وحمص الشام على كورنيش الساحل، كنت أعمل مع والدى قبل أكثر من 40 سنة، ما زلت فى نفس المهنة، وأعمل من العصر حتى مطلع الفجر، فليس لى دخل آخر سوى ما أحصل عليه من عربة الحمص ونصبة الشاى».
تتحدث أم علاء ــ التى تفضل مناداتها بهذا الاسم ــ عن ظروف أسرية أجبرتها على أن تنفق على أبنائها الخمسة بعد وفاة الزوج، وفى ساعات الليل المتأخرة يعاونها أبناءها فى العمل، أكبرهم علاء، وهو أبكم يصعب التواصل معه سوى بالإشارات، وهو ما دفعه إلى التنحى جانبا عن الحديث والانشغال بالوقوف أمام عربة حمص الشام.
يبدأ التحضير ليوم عمل جديد مع نهاية اليوم الذى يسبقه، إذ تبدأ أم علاء فى شراء وتجهيز مستلزمات الشاى وحمص الشام مع شروق الشمس، بعد أن تكون انتهت من بيع ما لديها، ثم تبدأ فترة النوم والراحة حتى الاستيقاظ ظهرا، ثم يبدأ العمل فى اليوم الجديد من العصر حتى مطلع الفجر، وتتحدد ساعات العمل حسب إقبال الزبائن، ويبقى الأمل فى زبون ميسور الحال، يقدم بقشيشا مناسبا.
تحصل أم علاء على 300 جنيه من معاش زوجها، بينما يبقى دخلها من بيع الشاى وحمص الشام متباينا حسب حالة الشارع، وذلك لا يزعجها كثيرا، تقول: «حصلت فى فترات سابقة على مكاسب كبيرة، وعرفت فترات خسارة، ومنذ وقت مبكرة نجحت فى صنع سمعة تحمينى من مشاكل الشارع، لكن أكثر ما يزعجنى الآن هو مستقبل أبنائى».
يتحرك ابنها أحمد مختار ذى الاثنين والعشرين عاما تاركا «نصبة» الشاى، ليشارك فى الحديث: «أنا أبحث عن عمل آخر.. سائق تاكسى أو سائق توك توك، وأطلب لمن يجد لى وظيفة أخرى أن يدلنى عليها، فى النهاية أنا وإخوتى سنحتاج إلى توفير شقة للزواج».
هذه الأسرة الصغيرة، لا تخشى برد الشتاء أو العمل الليلى، بقدر ما تخشى الحفاظ على صورتها وسمعتها فى هذه المنطقة، وهى السمعة التى أسستها «أم علاء» على مدى عشرات السنوات، تنقلت فيها بين عدة أماكن فى كورنيش الساحل ورملة بولاق.
«أم علاء» هى نموذج لشريحة من النساء تمثل 17.8% من إجمالى الأسر المصرية، وهى نسبة الأسر التى يترأسها نساء، حسب أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء، وفى هذه الحالة تصبح المرأة هى المسئولة عن توفير احتياجات أسرتها بشكل كامل، وهو ما ظلت تفعله بائعة الشاى المخضرمة طوال السنوات الماضية، حتى مع وجود زوجها الراحل.

نهاية النصبة
هذه التجربة التى تقدمها بائعة الشاى وحمص الشام، هى خلاصة عشرات السنوات من الاحتراف حتى استقرت الأمور نسبيا فى النهاية، وهو ما لا يحدث دائما مع من يخوضون تجربة العمل الليلى فى الشارع، خاصة فى حالة إذا ما كانت تلك التجربة مع فتاة شابة لا تتجاوز الرابعة والعشرين سنة من عمرها، هذا ما حدث مع منة الله الحسينى، التى أثارت جدلا أخيرا، حول مشروع «النصبة».

كانت تدير مشروعها فى منطقة وسط البلد القاهرية، حيث دشنت «نصبة» تقليدية لتقديم المشروبات بأسعار متوسطة، ثم فاجأها قرار بإزالة مشروعها تماما من الساحة القريبة لمقر وزارة الأوقاف، بعد مضايقات من موظفى البلدية وبلطجية المنطقة.
بعد أن تركت مشروعها مؤقتا، تتذكر الآن كيف كانت مضطرة أن تدافع عن فكرتها البسيطة، وهى أنه يمكن لفتاة متعلمة أن تدير مشروعا خاصا فى الشارع، تقول: «نعم.. كان هناك جزء من المعاناة التى تعرضت لها بسبب التنميط، فالبعض مازال فى ذهنه صورة السيدة البسيطة التى تعمل فى الشارع، لكنى جامعية أدرس فى كلية الحقوق، وأقدم المشروع بشكل راقٍ، وحتى وقت متأخر.. لذا كنت فى حالة دفاع دائمة عن النفس، لأنى خارج توقعات الشارع».
انتهى مشروع «النصبة» قبل أسابيع، لكنها مازالت تحلم بإعادة إحيائه من جديد، وانتهت الفكرة بسبب رفض أجهزة الحى استمرار المشروع، وتعرض منة للمضايقات المتكررة والاتهامات القاسية، لكنها مازالت تطمح فى أن تصبح فكرة «النصبة» وسيلة لكسر بطالة الكثير من الشباب، ضاربة المثل بعربات «السجق» الشهيرة فى شوارع نيويورك، التى تحصل على ترخيص، وتنتشر هناك دون تهديدات لأصحابها.
«كان الفيصل فى إفشال المشروع، هو الابتزاز الذى أتعرض له من بعض الموظفين كى أدفع لهم رشوة»، على حد قول الفتاة الجامعية التى خسرت حلمها.
أما الأزمة الأخرى التى واجهت منة الله الحسينى صاحبة مشروع «النصبة»، فكانت فى عدم وجود إجراء قانونى لتنفيذ فكرة مشروعها، فالتراخيص تصدر عادة لبناء أكشاك ثابتة، وهو ما لا يصدر للعربات المتجولة التى تقدم طعاما فى الشارع.
«كنت أواجه يوميا بنظرات تحرش واستفزاز، إلى جانب ما أوجهه من مشاكل العمل العادية مع تأخر الوقت ليلا، لكن استمرار المشروع لأسابيع طويلة، كان يعطينى أملا». هكذا تصف منة الحسينى ما كانت تواجهه، وهو ما كان يجعلها فى حالة تحفز دائمة، انتهت بهدنة مؤقتة بعد توقف المشروع.

العمل اختيار
ليست كل التجارب النسائية فى العمل الليلى ذات طابع واحد، فأحيانا ما يكون اختيار العمل فى ساعات متأخرة من الليل، هو اختيار المرأة لأسباب مهنية بحتة، على سبيل المثال فإن المهندسة الشابة نهى عبدالفتاح، ذات التاسعة والعشرين عاما، التحقت بالعمل فى وزارة الكهرباء فى العام 2008، وبعد قضاء سنتين فى العمل المكتبى التقليدى، جاءتها فرصة للعمل فى صيانة محولات الكهرباء داخل نطاق القاهرة وبعض المناطق المجاورة، وتصف ذلك: «جذبتنى الفكرة من صديقة تعمل هى الأخرى فى قسم العمل الميدانى للطوارئ، وهو ما دفعنى إلى التجربة التى ستزيدنى خبرة وتميزا»، أما ما شجعها على ذلك فهو أن والدها هو الآخر كان يعمل بالطريقة نفسها.

يقوم نظام عمل المهندسة الشابة، على أن تنتظر فى كل ليلة أن يأتيها أمر بالذهاب إلى أحد المواقع التابعة للوزارة، فهى ليست مضطرة إلى الحضور التقليدى وقضاء ساعات عمل فى نفس المكتب، بل تنتقل من مكان لآخر.
«نحو 40% من المهمات التى أنجزها تكون بعد الساعة الواحدة صباحا، لسبب فنى بحت، فهذا هو الوقت الذى تقل فيه الأعباء الكهربائية»، على حد قولها.
ليست كل المهام سهلة، وفى أغلب انتقالاتها من موقع لآخر، تقابل بأسئلة العاملين فى تلك المحطات التى تقوم على صيانتها، حين يندهشون من مجىء مهندسة فى ساعة متأخرة من الليل، يرافقها 4 من الفنيين والمهندسين، وتنتقل بصحبة المعدات وسيارة العمل، بين مجتمعات وبيئات مختلفة.
«وقت حظر التجول فى العام 2013 تم احتجازنا قرب كمين عسكرى، بسبب أحداث عنف وقعت جواره، وأصيب أهلى بالذعر، بعد أن قضينا ساعات دون حركة، وانقطع الشحن عن هواتفنا المحمولة. كانت تجربة سيئة»، هذا ما تتحدث نهى عبدالفتاح عن إحدى المهام التى قامت بها.
وتبدو نهى راضية عما تحققه من خبرة وتميز، لما تلمسه من سمعة طيبة لمن يحترفون العمل الميدانى فى داخل الوزارة، وحسب المادة 89 من القانون رقم 12 لسنة 2003، فإنه «يصدر الوزير المختص قرارا بتحديد الأحوال والأعمال والمناسبات، التى لا يجوز فيها تشغيل النساء فى الفترة ما بين الساعة السابعة مساء والسابعة صباحا». ورغم هذه الصيغة إلا أن قانون العمل فى الوقت نفسه لا يحظر عمل النساء فى هذه الأوقات بشكل قاطع. لذا فإن بعض الآراء المدافعة عن حق المرأة فى العمل قد اقترحت تعديلات على قانون العمل، ومنها ما قدمته مؤسسة المرأة الجديدة، عن تعديل مواد مثل المادة رقم 91 الخاصة «بتحديد الأعمال الضارة صحيا أو أخلاقيا وكذلك الأعمال الشاقة وغيرها من الأعمال التى لا يجوز تشغيل النساء فيها». وهو ما اعتبره البعض نوعا من تمييز غير المستحب ضد المرأة.
ترى مى صالح الباحثة فى مؤسسة المرأة الجديدة، أن الهدف من الاعتراض على مثل هذه المواد، يأتى سعيا لإغلاق باب التمييز بين المرأة والرجل، فقد ترغب امرأة فى العمل على مسئوليتها فى أى مجال، لذا فإن المؤسسة تقترح فتح المجال، بأن تكون هناك موافقة كتابية على الأعمال التى قد تمثل خطورة.
وتضيف قائلة: «الأصل هو الإباحة وليس التقييد فى العمل، وعلينا ألا نفتح المجال لفكرة أن هناك ما يناسب المرأة ومالا يناسبها، حتى لا يصبح ذلك بابا للتضييق، خاصة حين نعلم أن هناك قضايا أخرى متعلقة بعمل المرأة، مثل التمييز فى الأجور».
وسط تلك الصعوبات التى تواجهها شريحة من النساء فى العمل الليلى، لكن الصورة العامة لعمل المرأة توضح صعوبات أخرى خاصة بأجور المرأة فى مقابل أجور الرجل، إذ يبلغ متوسط دخل الفرد الأسبوعى للعاملين الذكور فى كل من القطاع العام والأعمال العام والقطاع الخاص هو 769 جنيها، بينما يبلغ متوسط الأجر الأسبوعى للعاملات الإناث 714 جنيها، وذلك حسب أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فى تقريره السنوى لإحصاءات التوظيف والأجور وساعات العمل.
وتكشف تجربة التواصل مع عدد من النساء اللاتى يضطررن إلى العمل فى أوقات متأخرة من الليل، قد كشفت عن أمور تجمعهن، رغم اختلاف ثقافتهن، من أهمها أنهن لا يبدين فخرا بالعمل لأوقات متأخرة من الليل، بل رفض عدد منهن الحديث عن تلك التجربة بسبب ما يرد فى أذهان البعض من ارتباط بين العمل ليلا للمرأة والصورة النمطية عن سوء السلوك.
PDF

Friday, November 21, 2014

توبة مسجل خطر .. الوجه الآخر لعالم الجريمة



• قسوة المجتمع ورفاق السوء أهم أسباب العودة إلى طريق الانحراف
• رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائى: يجب تغيير الفلسفة العقابية فى مصر
• اللواء محمد نجيب: معتادو الإجرام ينخرطون فى مظاهرات الإخوان بحثًا عن المال
تلاشت آثار العلامات التى تركتها المشاجرات على وجه رجب السريع، بعد أن أتم عامه الستين، لتحل محلها تجاعيد الشيخوخة، يجلس حيث اعتاد جوار أقفاص الطماطم التى يبيعها فى كشكه الخشبى داخل حى ميت عقبة، بعد أن قضى نصف عمره مطاردا من الأمن كمسجل خطر.
«كنت واحد من الناس اللى بتاخد السكة رايح جاى على السجن». يطلق جملته ثم يتذكر ما ارتكبه فى الماضى، من قتل وسرقة ومشاجرات.
ليس لديه مصدر رزق سوى ذلك الكشك الذى حصل على ترخيصه بمساعدة من وزارة الداخلية ضمن إجراءات الرعاية اللاحقة للمساجين آنذاك، إلى جانب مصادر رزق موسمية كاستئجاره المراجيح فى الأعياد فى ميدان ميت عقبة، وتأجير عربة الكارو للأطفال.
لا يخجل «السريع» الذى اشتهر بهذا اللقب لكونه خفيف الحركة وخفيف اليد، من النبش فى ماضيه، بينما لا يعرف أبناء حى ميت عقبة عنه سوى أنه مسجل تائب.
هرب رجب السريع من مصير حوالى 92 ألف مسجل خطر مقيدين لدى وزارة الداخلية المصرية، حسب دراسة منشورة فى العام 2012 عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، تحت عنوان «المعاملة الجنائية للمسجلين الخطرين».
وينقسم تصنيف المسجلين خطر إلى ثلاث فئات، هى الفئة (أ)، والفئة (ب)، والفئة (جـ)، تبعا لخطورة الجرائم، وكى ينتقل المسجل من فئة إلى الفئة الأقل خطورة، يشترط أن يمر عليه ما بين سنة وثلاث سنوات، دون مزاولة أى نشاط إجرامى، مع الخضوع لكافة إجراءات المراقبة، والحصول على تقارير تفيد حصوله على عمل يتكسب منه، ولا يرفع المسجل خطر من سجلات الخطرين إلا فى حالات الوفاة، أو العجز الكلى، أو التوقف عن نشاطه الاجرامى، مع وجود استثناء أخير فى يد مدير قطاع الأمن العام فى وزارة الداخلية، برفع «مجرم خطر» من السجلات دون الالتزام بالشروط السابقة، إذا أبدى خدمات جليلة للأمن، وهذا حسب اللوائح المنظمة للتعامل مع المسجلين خطر فى وزارة الداخلية المصرية. أما رجب السريع، فقد دخل السجن لأول بعد أن قتل أمين شرطة فى مشاجرة داخل سوق روض الفرج القديم، فى منتصف السبعينيات، ثم انخرط فى عدد من الجرائم بعد أن سلك «كار النشالين» لخفة حركته، وقضى آخر عقوبة فى العام 2004 بتهمة السرقة، ثم أسقط صحيفة سوابقه بعدها، وتم تصنيفه لدى وزارة الداخلية كمسجل تائب، لكن القصة لم تنته، بل ظل تاريخه يلاحقه حتى وقت قريب.
ربما ساعده إسقاط سوابقه فى التخلص مؤقتا من إلحاح رجال المباحث فى استجوابه عن أى واقعة تحدث فى محيط منطقته، وهو العرف السائد فى الاستعانة بالمسجلين خطر كمصادر سرية فى تحرياتهم.
«توقعت مبكرا أن يكون حصولى على الكشك ثمنا فى مقابل التعاون مع رجال المباحث، وتقديم المعلومات فى تحرياتهم، لكنى تمردت على هذه الإجراءات بعد سقوط السوابق عنى، ففوجئت بضباط قسم العجوزة قبل سنة يريدون أن اساعد فى تحرياتهم، وبعد تظلمى أثبتت التحريات أنى مسجل تائب بالفعل، ومتوقف عن النشاط الإجرامى، وأن من حقى أن أعيش حياتى دون أن يستخدمنى أحد لحسابه».
كان انخراطه فى دوائر أصدقاء الجريمة هو ما أسقطه فى السجن كل مرة، حتى اختار اعتزال الإجرام مع وصوله إلى سن الخمسين، بعد تقدم عمره، وعدم قدرته على الاستمرار فى هذا الطريق، وأصبحت غايته الآن هى تعليم أصغر أبنائه وستر حاجة بيته.
العودة إلى الجريمة
ورغم ما يبدو على هذه الإجراءات من سهولة، إلا أن الظروف البائسة تدفع البعض إلى العودة إلى الطريق نفسه من جديد، على سبيل المثال فإن حسام أحمد الشاب ذى السادسة والعشرين سنة، قد تم تصنيفه كمسجل خطر (أ) متعدد الجرائم، بعد أن قضى ما يقرب من ثلاث سنوات فى السجن، على ذمة قضيتى تعاطى المخدرات وبلطجة، الأولى قضى فيها 6 أشهر فى سجن المرج، والثانية 24 شهرا فى سجن الاستئناف؛ لتعديه على أمناء شرطة قسم مصر القديمة حين كان يعمل سائسا لأحد الجراجات، وبعد أن خرج من السجن، لجأ إلى العمل فى المدابغ، حيث لم يسأله أحد عن «صحيفة الحالة الجنائية».
«لما تلاقى نفسك محبوس 6 شهور فى سيجارة حشيش، واللى جنبك بيتاجر فى الصنف وعامل بيزنس، يبقى التجارة أرحم، مادام الحبس واحد.. جوا السجن يا تبقى وحش، يا إما تبقى جبان ومدبوح، أنا طلعت من السجن عايز انتقم من ناس كتير..».
يلخص حسام حكايته فى عبارات عفوية، أثناء حديثه فى منطقة المدابغ، خلف سور مجرى العيون، وسط رائحة فضلات الجلود، والممرات الضيقة المغطاة بمياه صرف المدابغ، حيث يعمل مقابل 50 جنيها فى اليوم، وعليه أن يدبر حاجة أسرته، وحاجة أسرتى شقيقيه اللذين يقضيان عقوبة السجن ثلاث سنوات، وهو ما دفعه إلى قرار آخر، إذ بدأ فى ممارسة نشاط غير مشروع، يراه حلا لأزمته.
وتشير دراسة ميدانية أجريت فى عدد من السجون المصرية للدكتور السيد عوض أستاذ علم الاجتماع فى جامعة جنوب الوادى، أن جرائم المخدرات تحتل المرتبة الأولى فى جميع السجون التى اعتمدت عليها الدراسة، كما تشير الدراسة التى حملت عنوان «جرائم المخدرات بين الرجل والمرأة»، وصدرت عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية فى العام 2011، أن 44.6 % من الذين أجريت عليهم الدراسة، كانوا فى مهن غير مستقرة، فليس هناك عمل ثابت يخشون فقدانه فى حالة القبض عليهم، وأن حوالى 25% من الذين تناولتهم الدراسة، أكدوا أن العائد من ارتكاب جرائم المخدرات يفوق العقوبة عليها.
فوق ذلك فإن شابا مثل حسام المتأرجح بين العمل فى المدابغ واللجوء إلى طريق الاجرام، لم يسلم من محاولات تجنيده كى يصبح مصدرا سريا لدى وزارة الداخلية، وهو ما ابتعد عنه، ولم تحدث عقوبة الحبس تغييرا إيجابيا فى حياة الشاب، فالمجرم الصغير خرج إلى العالم بعد أن تعرف على شرائح أكثر إجراما، وهو ما يصفه فى كلمات تحمل المرارة: «عشت بين 50 سجينا فى مكان يكاد يتسع لعشرين سجينا، وعلى كل فرد أن يحمى نفسه، كى لا يصاب بالأمراض، سواء عبر الاختلاط الجنسى، أو بالعدوى الجلدية، لأنه قد يتعرض للإهمال».
داخل عالم السجن ملامح أخرى للمعيشة، تكشفها مؤشرات دراسة الدكتورة وفاء أبوشهبة عن «المعاملة الجنائية للمسجلين الخطرين»، منها أن حوالى 67% من فئة المسجلين خطر هم فى سن بين 20 ــ 40 سنة، و73% منهم لا يعمل داخل السجون أو يتعلم حرفة جديدة، وأن 82,2% منهم لا يمارسون الرياضة، بينما تصل نسبة الأميين إلى 66,5% من الفئة التى أجريت عليها الدراسة، هذا فى الوقت الذى انتقد فيه تقريرا صدر قبل عدة اشهر، حالة الأوضاع الصحية فى 16 سجنا ومركزا للشرطة، وذكر التقرير الصادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن هناك غيابا لعنصر الصحة النفسية عن منظومة الخدمات الصحية فى أماكن الاحتجاز، وأن التكدس الشديد، وغياب النظافة والصيانة للعنابر والزنازين ودورات المياه، كان لها دور سلبى فى التأثير على صحة السجناء.
فى جانب آخر صرح مصدر مسئول فى قطاع السجون بوزارة الداخلية لـ«الشروق»، أن قطاع السجون يوفر أطباء نفسيين للسجناء، نافيا أن يكون هناك سوء فى الخدمات الصحية التابعة للقطاع، مضيفا: «بالنسبة لفئة المسجلين خطر، فيخضعون لما يخضع له مجتمع السجناء، وهناك فرص للعمل داخل السجن، إذا ما أراد السجين ذلك».
وفى هذه الأجواء تتكرر محاولات إدخال المخدرات إلى داخل السجون، لتلبى احتياجا داخل هذا المجتمع، وهو ما تترصد له الأجهزة الأمنية طوال الوقت، أما ما يصل إلى داخل السجن، فيصبح له تبريرات لدى المتعاطين، بسبب كون بعضهم مدمنين فى الأصل، أو بسبب الفراغ وقلة العمل والرغبة فى النوم، وهو ما كان رصده الدكتور عبدالله غانم أستاذ علم الاجتماع فى دراسة شهيرة تحت عنوان «المخدرات فى السجون».
الدفاع عن المسجلين
وفى دوائر المسجلين خطر، يبرز دور المحامى الذى يتصدى للدفاع عن هذه الفئة، وهو ما يتبناه سيد حنفى المحامى أمام محكمة النقض، وفى مكتبه الذى يقع فى حى مصر القديمة، يجلس متابعا لعدد من ملفات القضايا التى تباشرها النيابة العامة، وتتنوع بين السرقة والبلطجة والمخدرات، لكنه يعلم جيدا المخرج القانونى لكل قضية، وهو ما حقق له شهرة بين معتادى هذا النوع من الجرائم، ويصف ذلك قائلا: «أصبحت أعرف مسار القضية من إجراءات الضبط القضائى، لأنها لا تخلو من الخلل القانونى، لذا أصبح من السهل أن أتوقع ما ستفسر عنه جلسات التحقيق». ولا يجد المحامى الخمسينى غضاضة فى الوصف الذى أطلقه عليه البعض بأنه «محامى المسجلين خطر»، إذ تعتمد عليه شريحة من أبناء منطقة مصر القديمة، فى كثير من قضاياهم.
وبخبرة سنوات قضاها فى الدفاع عن المنتمين لفئة المسجلين خطر يقول: «1 % فقط من المسجلين هم التائبون؛ لكرههم السجن وخوفهم من تكرار التجربة، وتبقى الـ99% ممن تعودوا على السجن والبيزنس والتجارة، ولم يجدوا مفرا من مزاولة الأعمال غير المشروعة»، هذا ما خلص إليه المحامى سيد حنفى فى خضم تعامله مع شريحة المسجلين الخطر.
ثم يضيف بثقة: «وجدت فى ملكاتى القانونية أن أعمل على قضايا المسجلين، لخبرتى فى أحوالهم والإجراءات القانونية المتعلقة بهم».
ويكاد يكون دور هؤلاء المحامين، هو الوسيط بين أبناء هذه الفئة والمؤسسات القضائية والأمنية، بينما يضعف دور الدعم الخارجى فى خارج هذا الأطار. وعن هذه النقطة تحديدا يتحدث محمد زارع، رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائى، بادئا عما وصفه بوجود أزمة فى «الفلسفة العقابية» السائدة فى السجون المصرية، وأنها تتبنى أفكارا قديمة تعتمد على الزجر والتحفظ على المساجين دون حلول جذرية لأزماتهم، بينما تتجه «الفلسفة العقابية» الحديثة إلى إعادة التأهيل من الناحية المهنية والسلوكية، ويعلق على ذلك قائلا: «الأزمة الأكبر أنه لا توجد سلطة رقابية حقيقية على أحوال المساجين أو المفرج عنهم، فحتى زيارات المجلس القومى لحقوق الانسان، تتم بشكل معد سلفا». ويتجاوز الأمر ذلك فى رأيه إلى صعوبة انتقاد أمور مهمة مثل التعديل الأخير فى لائحة السجون»، ويشرح ذلك قائلا: «فى أحد بنود اللائحة تم رفع أجر المسجون إلى 7 جنيهات، كحد أدنى عن عمله اليومى، أو منحه أجرا أعلى مقابل قيامه بأعمال فنية ممتازة أو تحقيقه حجم إنتاج أكبر.. وهذا هذا تطور إيجابى، لكنى أراه مخالفا لما أقرته محكمة القضاء الإدارى بإلزام رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه شهريا، أى ما يوازى 40 جنيها فى مقابل اليوم الواحد».
مخبر سرى
لا يتفق اللواء محمد نجيب، الرئيس الأسبق لمصلحة السجون، مع شهادات السجناء حول طبيعة المعاملة وفشل الدولة فى تأهيلهم داخل السجن وخارجه، إذ يقول إن الدولة تتعامل معهم حسب الإمكانات المتاحة لديها، مُحمِّلا المجتمع مسئولية رفض التعامل مع المسجلين.
«عملية التأهيل تتم عبر مراحل، بدءا من تعليمه الحرف، وتهيئته للعدول عن السلوك الإجرامى، والرعاية الصحية، وتقديم الدعم الاجتماعى للسجين بحالته وأسرته، بل وصرف مكآفات شهرية، كما يتم مراعاة الاعفاء من مصاريف المدارس ورعاية المسجون». على حد قوله.
يعدد نجيب من مراحل التأهيل التى يخضع لها السجين من لحظة دخوله إلى خروجه، ويضيف إلى ذلك دور الرعاية اللاحقة للسجناء عبر وسائل مختلفة منها تيسير فرص العمل ودعم الأسرة وتوفير الضمان الاجتماعى عقب خروجه؛ كى لا يعود إلى الجريمة مرة أخرى.
فى حين لم ينف الرئيس الأسبق لمصلحة السجون اعتماد إدارة البحث الجنائى بوزارة الداخلية على قدامى المسجلين، فى تسهيل اختراق المناطق الشعبية التى تزيد فيها الأعمال الإجرامية، إذ يقول: «الاعتماد عليهم أمر عادى كمخبرين سريين، ضمن مصادر متنوعة تعتمد عليها المباحث، ويسبق ذلك التأكد من حالة المسجل اذا كان منحرفا أم تائبا، ويشترط الا يكون مصدرا أساسيا للضابط».
وفى نقطة أخرى يشير اللواء محمد نجيب إلى استخدام جماعة الاخوان المسلمين مجموعات من المسجلين فى المظاهرات، التى اعتادت تنظيمها منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسى فى يوليو من العام الفائت وما تلاها من تجمعات متناثرة. قائلا: «يوفرون لهم الأجور والوجبات، ويقيم جهد كل فرد منهم على مدى عمله من التخريب والهتافات ورشق المؤسسات».
ورصدت «الشروق» فى لقاءاتها مع عدد من المسجلين الجنائيين، أن بعضهم يبدى فى حديثه عدم الاهتمام بالتخلص من ماضيه فى سجلات الدولة، إلى جانب ما يبدونه من يأس سريع بسبب ما يلاقونه من المجتمع بعد تجربة السجن، هذا ما برز مع محمود ابراهيم، الذى بلغ سن الواحدة والستين دون أن يشغل باله أن يحول «السابقة الجنائية» التى اقترفها إلى «مسجل تائب» فى ملفات وزارة الداخلية، وهو ما يفعله المسجلون بعد التوبة نهائيا، فقد قضى 17 عاما من عمره فى السجن تنفيذا لعقوبة المؤبد الصادرة بحقه فى عام 1972، حين شارك أصدقاءه فى جريمة قتل، وكان عمره لا يتعدى الـ16 سنة، وهكذا ظلت صحيفة حالته الجنائية التى تحمل «سابقة جرائم النفس» مصاحبة للرجل الستينى مثل ظله، ما ساهم فى تعزيز رغبته فى الانزواء عن الحياة الجديدة دون التعرض لماضيه.
وبعد حصوله على ليسانس الآداب أثناء تقضية فترة عقوبته، لم يجد مساندة من أحد، وأصبح يدير محل جوار منزله، لكن ظل العامل النفسى للتجربة متحكما فيه طوال الوقت، إذ يقول «البيئة المحيطة لا تقف فى صفك إطلاقا».
• تم تغيير بعض الأسماء بناء على رغبة المصادر

السجناء ينتظرون مجتمعًا أكثر تسامحًا
كتب ــ عبدالرحمن مصطفى
يرى الدكتور طريف شوقى أستاذ علم النفس الاجتماعى، ونائب رئيس جامعة بنى سويف، أن الأزمة الكبرى التى تواجه السجناء المطلق سراحهم، تتلخص فى حالة الاستبعاد التى يتعرضون لها من المجتمع، وما يعانونه من وصم اجتماعى، ما يدفع بعضهم إلى الاندماج مرة أخرى فى مجتمع الجريمة الذى يرحب بهم من جديد.
«الموضوع ليس له علاقة بمؤسسة السجن فقط، بل فى منظومة كاملة، وأطراف عديدة لابد أن تتعاون من أجل احتواء هذه الشريحة، وخصوصا فئة المسجلين خطر، الذين يحتاجون إلى معاملة خاصة، لإدماجهم فى المجتمع». يتحدث الدكتور طريف شوقى أستاذ علم النفس مشيرا إلى أن مؤسسة السجن لم تعد الحل الناجع أو الوحيد، وكان فى دراسة سابقة له تحت عنوان: «الآثار النفسية للعقوبات سالبة الحرية»، قد أشار مبكرا إلى تأثير الاعتداءات التى يتعرض لها السجين من أقرانه على سلوكه، وكيف قد تقوده إلى ممارسة الشىء نفسه تجاه آخرين.
لذا يشدد أستاذ علم النفس الاجتماعى على ضرورة إعداد السجين لمرحلة ما بعد السجن، بمجرد أن يخطو أولى خطواته داخل السجن.
وتصدت بعض الجمعيات للدخول فى مشروعات تهدف إلى إعادة تأهيل السجناء، ودعمهم بما يكفل لهم إقامة مشروعات صغيرة فى المستقبل، وهو ما تبنته مؤسسة «مصر الخير» فى برتوكول تعاون مع مصلحة السجون بوزارة الداخلية، لهذا الغرض.
«تقوم المؤسسات بالأساس على دعم فئة الغارمين، من الذين أوقعتهم ديونهم فى السجن، وهؤلاء هم الأولى بالرعاية فى المرحلة الحالية». حسبما تذكر هالة السيد المستشار الإعلامي لمؤسسة مصر الخير.
وهنا يبقى السؤال حول فئة المسجلين خطر تحديدا وسبل دعمها، خاصة أن الجهة التى تكاد تكون الوحيدة أمامهم هى إدارة شرطة الرعاية اللاحقة فى وزارة الداخلية، التى تقدم دعما عينيا لأسر السجناء، وتسهل فرص عمل لبعض المفرج عنهم، لكنها فرص لا تكفى لتغطية جميع أعداد المفرج عنهم حديثا، حسبما ذكر عدد منهم، وتحديدا من فئة المسجلين خطر.
وفى تجربة أخرى يروى تفاصيلها أكرم فوزى مدير مؤسسة عبدالله النديم للتنمية فى محافظة المنيا، أنه المؤسسة قد تبنت مشروعا بشراكة مع مديرية أمن المنيا، ووزارة التضامن الاجتماعى، بتمويل من مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية، يستهدف تدريب وتأهيل 150رجلا و150 سيدة من المفرج عنهم من سجن المنيا العمومى، من أجل تعليمهم حرفا يدوية، ثم مساعدتهم فى ترويج منتجاتهم فيما بعد.
«خضنا التجربة من قبل فى مشروعات مشابهة، وكانت التجربة مثمرة، ويبدى المفرج عنهم حديثا استعدادا لتغيير حياتهم، لكننا لا نقدم هذه الفرصة سوى بعد دراسة وافية، واختيار الأنسب منهم للمشروع». هذا ما يصفه مدير المؤسسة. لكن تظل الأزمة فى هذه التجارب، أن فئات أخرى من المفرج عنهم حديثا، تورطوا فى جنايات قتل أو تم تصنيفهم كمسجلين خطر، مازالوا خارج هذه التجارب حتى الآن.

Saturday, October 11, 2014

قصص من طاردوا أحلامهم

بعيدا عن صخب السياسة وتقلبات الأحداث، يعيش بيننا من نجحوا في وضع أقدامهم على عتبات تحقيق أحلامهم.. لم يكن المشوار سهلا، فهناك من توقف لسنوات، وهناك من ما زال يقاوم ظروفا بائسة، على أمل تحقيق أحلام مؤجلة. وبين كاتب للسيناريو، ومعيد جامعي، ومهندس شاب، غاية واحدة تجمعهم فى مطاردة أحلامهم حتى النهاية.

كتب ــ عبد الرحمن مصطفى 

هشام هلال.. حلم كتابة السيناريو الذى تأخر 


يعكف السيناريست الشاب هشام هلال والكاتب أحمد مراد على كتابة النسخة المصرية من المسلسل الأمريكى الشهير «Prison Break». 
قد توحى المقدمة بأن كل شىء مستقر، دون أن يعرف القارئ كيف سارت الأمور مع السيناريست هشام هلال، أو كيف وصل إلى المرحلة الحالية.. فهل كانت الأمور تسير على ما يُرام على مدى السنوات السابقة؟ 
"قبل أكثر من عشر سنوات، كانت الحياة مظلمة، وكان حلم كتابة الدراما قد انتهى تماما.. كنت أعمل موظفا للاستقبال فى السفارة اليابانية". يروى هشام هلال، الذي أتم عامه الأربعين، قصة شريحة من العاملين في مجال الكتابة، لا نعرف الكثير عن صراعاتهم، إلى أن وصلوا إلى الاستقرار النسبي في مجالهم، وهو واحد من هؤلاء الذين أجبرهم الواقع على ترك أحلامهم لفترة، بسبب اتخاذهم الطريق التقليدى، حيث الوظيفة المستقرة، والحياة العادية، رغم ما سببه ذلك فى أزمات نفسية للبعض. 
"منذ المرحلة الإعدادية، وأنا مولع بكتابة السيناريو، كنت أشترى عددا من السيناريوهات المنشورة فى كتب، لأعرف كيف تتم صناعة عمل فني. لكن في لحظة الاختيار بعد الثانوية العامة، خضعت لقرارات الأسرة، واخترت الحياة التقليدية دون الالتحاق بأكاديمية الفنون، وتبدلت بين كليات التجارة، ثم الحقوق، ثم الآداب". هكذا يصف هشام هلال قصة تتكرر كثيرا في حياة الشباب، تدفعهم للابتعاد عن مغامرات في مجالات عمل غير مستقر، وعلى رأسها مجال الكتابة. 
 وإلى جانب ما تتخذه بعض الأسر المحافظة والبعيدة عن المجال الفنى من إجراءات لإبعاد أبنائهم عن هذا الطريق، فإن فترة التسعينيات التى يتحدث عنها هشام هلال، كانت أكثر صعوبة من الآن، حين كان سوق الدراما مغلقا، بحكم غياب أى متنفس فى الفضائيات أو حتى فى الإنترنت. أما الأصعب فى حياة هشام فقد كان ولعه الشديد بتخصص محدد هو كتابة السيناريو، وهو عالم أكثر انغلاقا من الإخراج أو التمثيل. "التحقت بورشة تدريبية داخل قصر السينما فى عام 1997، وهدفى أن أحضر محاضرات الكاتب وحيد حامد، لكنها لم تتم بسبب وقوع أحداث الأقصر وقتها.. كانت الإشارات كلها توجهنى للابتعاد عن هذا المجال، بينما كنت أعطى دروسا خصوصية لأكسب قوت يومى». 
يجلس هشام هلال فى أحد كافيهات المعادى الشهيرة، متحدثا بسعادة عن أعمال شارك فى كتابتها فى العامين الماضيين، منها: المنتقم، وطرف ثالث. ويتوقف حديثه أحيانا، ليتذكر سنوات التخبط بين ملاحقة الحلم والتخلى عنه، وقناعته التى تراكمت فى سنوات التسعينيات عن أن كتابة السيناريو، لا تصلح أن تكون مهنة يعتمد عليها بشكل كامل، رغم تحقيقه بعض النجاح فى تجربة ورشة خاضها مع زميليه محمد حماد ووليد خيرى، أنتجا منها فيلما مستقلا بعنوان «مرسال المراسيل»، وذلك بأقل التكاليف الممكنة. 
«فى تلك الفترة، كنا نعلم جيدا أن شركات الإنتاج المحدودة، تتكدس أرففها بعشرات السيناريوهات، وأحيانا ما يلقى بعضها فى سلة المهملات.. كان العالم مغلقا ولا يشجع على استكمال المشوار». 
هكذا يصف هشام تلك المرحلة، التى دفعته إلى طريق اليأس والاعتكاف، أو على حد قوله: «تركت كل شىء، والتزمت طريق التشدد الدينى، ثم اخترت الزواج، واعتبرت حلم كتابة الدراما وهمًا لا يستحق العناء.. وكانت سنوات عمرى تمر أمامى دون تحقيق إنجاز».

 موظف استقبال 
فى عام 2002 استلم هشام هلال وظيفة فى السفارة اليابانية، بعد سنوات من إعطاء دروس خصوصية بمقابل معقول، وعمل موظف استقبال، وهو فى سن الثامنة والعشرين، كشاب جامعى حاصل على ليسانس الآداب من قسم اللغة الإنجليزية، وقضى خمس سنوات ترقى فيها من موظف استقبال إلى مترجم فى المكان نفسه، لكن الحلم القديم ظل يطارده من بعيد. "لن أدعى أنى من جيل مظلوم، لكن أعتقد أن أحوالنا قد تحسنت مع عام 2005، حين بدأ حراكا فى مصر على مستوى الإعلام والفن، وتعددت الفضائيات وبرزت الحركة الفنية المستقلة». 
فى هذا العام كان هشام هلال يعيش كموظف تقليدى، فى سن الواحدة والثلاثين، يعانى من حنين قديم إلى حلم كتابة الدراما، وواقع يتطلب عملا مستقرا. فبدأ فى الكتابة ضمن ملحق «ضربة شمس» فى جريدة الدستور، ثم تسلل إلى عالم الدراما مرة أخرى من بوابة الكتابة ضمن ورشة إعداد برنامج الأطفال «عالم سمسم» للأطفال فى عام 2006، وبدأ فى المشاركة ضمن ورش الكتابة لحلقات (السيت كوم) التى بدأت تظهر على شاشات التليفزيون المصرى، وفى العام 2007 كان عليه الاختيار، ليتكرر الموقف الذى عاشه من قبل مرة أخرى، أن يتفرغ للبحث عن فرص فى عالم الدراما، أو أن يستمر فى عمله المستقر، ثم كان القرار بالاستقالة من عمله فى السفارة اليابانية. "كنت رب أسرة فى الثالثة والثلاثين، وحاولت العمل فى مجال لا يتسم بالاستقرار، لذا اتهمنى أهلى بالجنون، عدت وأنا أعلم أننى مقبل على حرفة لا يمكنها أن تكون وظيفة مستقرة.. لكنه كان القرار". 
يصف هشام تلك المرحلة، التي بدأ يبحث فيها لتحقيق حلمه القديم، وقضاء سنوات من التوتر والقلق حول المستقبل، متذكرا بعض أسماء كبار كتاب السيناريو الذين بدأوا مشوارهم متأخرا. 
"قامت الثورة فى 2011، وكنت داعما لها، لكنى قضيت سنة ونصف بلا دخل، فقد توقف السوق تماما، وأنا ما زلت أحاول تثبيت أقدامى فى هذا المجال، وتعرضت لخسارة مادية كارثية فى تلك الفترة". 
يستكمل هشام هلال حديثه فى هذه النقطة وهو يراجع نفسه حتى هذه اللحظة، هل يمكن أن تتحول حرفة كتابة الدراما إلى عمل مستقر ودائم؟ لا يجد إجابة، رغم الاستقرار النسبى الذى يعيشه حاليا فى سوق الدراما. المؤكد فى حديثه أنه متصالح مع الفترة التى ترك فيها حلمه، رغم خسارته سنوات. أو على حد قوله: "كنت أكتب فى ورشة إعداد سيناريو وهناك من هم أصغر منى بسنوات". 
أما الآن فقد أصبح مشغولا بعمله، أكثر من انشغاله بالقلق من المستقبل، مودعا تجارب الإخفاق السابقة.

أمنيات الطفل اليتيم الذي اختار طريق الهندسة


رغم ما حققه من إنجاز في حياته، منذ أن كان طفلا يتيما في أسرة فقيرة، ونجاحه في أن يصبح مهندسا في صيانة السيارات، فإنه تحفظ على نشر اسمه أثناء الحديث عن تجربته، فما زال يصيبه بعض القلق من تعليقات الآخرين على ما مر به من معاناة. ويتجاوز ذلك سريعا في قوله: "أمامي حلمان أسعى لتحقيقهما في المستقبل، الأول أن أدير مؤسسة أو جمعية خيرية لرعاية الأيتام، أما الثاني فهو أن أؤسس مع أحد أصدقائي مركزا لصيانة السيارات في موطني الأصلي بمركز سمالوط في المنيا، ووضعنا تاريخا محددا لتحقيق هذا الحلم فى سنة 2020″. 
يتحدث سامي ممدوح ــ تم تغيير الاسم بناء على طلبه ــ في أحد المقاهي المجاورة لمسكنه ومقر عمله الحالي في الجيزة، ورغم ما يظهر في حديثه من نبرة واثقة، فإنه لم يكن كذلك في فترة طفولته، بل كان طفلا خجولا، ليس في استطاعته أن يدير حوارا مع الآخرين، وكثيرا ما تلقى تعليقات على سلوكه الانطوائي، من العملاء في الأماكن التي عمل بها منذ أن كان في مرحلة الإعدادية. 
 هذا المهندس الشاب الذي بلغ الرابعة والعشرين من العمر مؤخرا، تغيرت حياته تدريجيا، حين وجد من يلهمه. يصف ذلك قائلا: "كنت طالبا متفوقا في سنوات الدراسة، وفي الصف الثالث الإعدادي كان مصيري قريبا من مصير إخواتي الكبار، الذين تركوا الدراسة بسبب الأحوال المادية السيئة، وهنا ظهرت منظمة كوبتك أورفانز الخيرية، المعنية بدعم الأطفال الأيتام، لقد دعموني نفسيا قبل الدعم المادي". 
 يقف سامي حاليا في منتصف الطريق لتحقيق أحلامه، فقد أنجز الجزء الأول، حين نجح في تجاوز ظروفه البائسة حتى تخرج مهندسا، ما زال يشق طريقه بنفسه، كما أنه استغل علاقته بمؤسسة «كوبتك أورفانز» لرعاية الأيتام، واهتمامه بالأنشطة الكنسية والخدمية في تنمية شخصيته، على أمل أن ينقل ذلك إلى الآخرين في المستقبل. 
"بعد أن تخرجت في كلية الهندسة بجامعة المنيا العام الماضي، توجهت مباشرة إلى المؤسسة التي طالما دعمتني كي أقوم بدوري في دعم الأيتام متطوعا معهم، فأنا أكثر من يدرك حساسية الطفل اليتيم وسط المجتمع". 
 يتحدث سامي بنبرة قلق من تنفيذ طموحاته، والاستمرار على مبادئه التى لخصها في بعض العبارات منها: "إحنا مولودين عشان نساعد بعض ونخدم الناس" و"زي ما الشغل ليه حق عليا، كمان فيه حق ربنا، وفيه حق الناس اللي مستنيين مساعدتنا». 
ويستدعى أثناء حديثه ذكرى «صالح»، وهو المتطوع المسؤول عن رعاية الأيتام في مؤسسة «كوبتك أورفانز» داخل نطاق مركز سمالوط بمحافظة المنيا، الذي كان يشرف على عشرات الأيتام، ويتابع احتياجاتهم المالية ومستواهم الدراسى، بل وأعياد ميلادهم.. هذا النموذج هو الذي طور حياة طفل يتيم خجول مثل سامي، أو على حد قوله: "لم يكن إحساسا مريحا أن تقابل نظرات الشفقة من المحيطين بك طول الوقت، أو أن تأتيك إشارات في المدرسة بأنك تحصل على تعليم مجاني، دون دفع مصاريف الكتب لأنك يتيم، لكن مقاومة ذلك كانت بالانخراط في أنشطة كنسية وجامعية كثيرة، فأصبحت بعد سنوات مسؤولا عن تنظيم معسكرات شبابية، وأخوض تجارب التمثيل المسرحى". 
هنا يتحدث وهو يدرك أنه في رحلة إعداد طويلة من أجل تحقيق أهدافه، فالطفل الذي كان يتلعثم في الحديث، كان عليه قضاء سنوات من أجل الاقتراب من حلمه الأول في أن يصبح مسؤولا عن نشاط يدعم الأيتام، كما كان عليه أن يقضي سنوات من التفوق التعليمى حتى يصبح مؤهلا ليصبح مهندسا ناجحا. 
"أحاول أن أكون مشرفا على طفلين يتيمين، أساعدهما في الدراسة والدعم النفسي طوال الوقت، وذلك عن طريق الجمعية نفسها التي كانت تدعمني من قبل.. مجرد خطوة في طريق طويل قد يتحقق بعد مزيد من السنوات". ووسط زحام القاهرة، تبدو الصورة ضبابية أحيانا أمامه، ما يصنع لديه قناعة بأن مستقبله ليس هنا، بل في مسقط رأسه في محافظة المنيا، مشرفا على أيتام ومهندسا ناجحا يملك مركزا للصيانة. 

 PDF

Thursday, October 2, 2014

الموت البطيء يطارد الحرف التراثية

في الجهة المقابلة من دار الإفتاء المصرية على طريق صلاح سالم بالقاهرة، تتراص المقابر لتخفي وراءها عالمًا مختلفًا، حيث تتجاور ورش الحرف التقليدية بين المنازل العتيقة والأماكن الأثرية، وفي أحد دروب منطقة «قايتباي» في تلك الناحية، تقع ورشة يعود تاريخها إلى عشرات السنوات. هي ورشة «الشامي» التي ما زالت تنتج علب مجوهرات، وحافظات للنقود، مصنوعة من الجلد الطبيعي.
«المكان تقريبًا شبه مغلق، ولا يفتح أبوابه للعمل سوى لإنتاج طلبيات أصنعها لحساب أصحاب الورشة، أو ما أنتجه لحسابي الشخصي، وهو ما يتكرر على فترات متباعدة، كل عدة أسابيع».. الحديث هنا لميلاد إبراهيم، الحرفي الوحيد المتبقي في هذه الورشة.
ما زالت الجدران تحمل ذكرى الفترة التي نشط فيها المكان قبل سنوات، من ملصقات على الحائط للنادي الأهلي وصورة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وغيرها، لكن الورشة نفسها لم تستطع الإبقاء على من بها من حرفيين، بسبب ركود السوق، بعد دخول منتجات صينية أرخص سعرًا قبل 15 سنة تقريبًا، ثم انهيار سوق البازارات في السنوات الثلاث الماضية نتيجة ضعف حركة السياحة.
وتدخل حرفة صناعة العلب التذكارية وحافظات النقود الجلدية، ضمن عدد كبير من الحرف اليدوية، التي تشغل واجهات البازارات السياحية، وبعض تلك الحرف تمتد جذورها لمئات السنوات، ولا تجد من يقدر قيمتها، في سوق أصبحت تستورد منتجات أرخص.
«بدأت في هذه الورشة قبل حوالي 20 سنة، وكانت المهام تتوزع علينا في تخصصات، وكلما قل عدد الحرفيين، كنت أقوم بمهامهم، أما الآن فأقوم بأغلب مراحل العمل في منزلي، عدا المراحل التي أحتاج فيها معدات الورشة، مثل الطباعة وتلوين المنتجات». هكذا يشرح ميلاد إبراهيم الحالة الراهنة. ولا يعرف طريقًا للحصول على دعم مالي يسانده في العمل، ولأنه أقرب إلى حرفي مستقل، فهو خارج خريطة التأمينات الاجتماعية، ولا يبدي اهتمامًا في التعرف على مثل هذه التعقيدات.
إذن فلماذا لا يتضامن من هم على شاكلة ميلاد لحل أزماتهم المتوالية؟ يجيب قائلا: «ليس أمام الحرفي، أيًّا كانت مهاراته الفنية، سوى التاجر الذي سيبيع منتجاته، ولم أسمع عن محاولات سابقة لتجميع الحرفيين من أجل الدفاع عن مهنتهم وحمايتها من الاندثار». على أرض الواقع، كانت هناك محاولات لتجميع أبناء الحرف التراثية في كيان واحد، لكنها لم تكلل بالنجاح الكامل.

العصر العثماني
«هناك أوقات كانت تزدهر فيها الفنون، وأوقات أخرى شهدت اضمحلالا مثل العصر العثماني.. ونحن الآن في مرحلة شبيهة بالعصر العثماني». تلك العبارة لمحمد ناصف المعروف بين أبناء شارع أبو حريبة في منطقة الدرب الأحمر باسم «محمد شركس».
كانت رحلة قصيرة من ورشة «الشامي» في منطقة قايتباي، حيث تركنا ميلاد إبراهيم، في اتجاه محمد ناصف في منطقة الدرب الأحمر، وفي زقاق جانبي من الشارع، ممرات تقود إلى غرفة صغيرة حيث يجلس محمد ناصف وسط عشرات المنتجات الخشبية المطعمة بالصدف.
«بعد ثورة 25 يناير وتعطل سوق السياحة، طرأت على ذهني فكرة أن يجتمع الحرفيون في كيان نقابي، وهو ما شاركني فيه عدد من الزملاء، وقمنا بتسجيلها رسميًّا، لكننا مع الوقت اكتشفنا أن الأمر ليس بهذه السهولة».
ينتج محمد ناصف علب مجوهرات خشبية، وعلبًا للمصاحف وغيرها من المنتجات المطعمة بالصدف، ويتوقف عن الحديث ليأتي بصدفة لؤلؤ طبيعية ويشرح كيفية تحويلها إلى غطاء فني لمنتجات خشبية، أما النقابة العامة للعاملين في الحرف التراثية المصرية‏، فلم تنم كما كان متوقعًا لها، واتجه أحد قياداتها إلى تأسيس كيان بديل.
«هناك مشكلة لدى الحرفيين أنفسهم في قلة الوعي، إلى جانب أننا قد سجلنا حوالي 32 حرفة تراثية في النقابة، وهو ما لم يصنع حالة من التجانس أثناء مناقشاتنا».
أما أحد أسباب بقاء محمد ناصف في هذه المهنة، أن لديه ورشة يعمل داخلها حتى مع قلة الإنتاج أو انسحاب من لديه من العمال إلى مجالات أخرى. «أحد العمال المهرة تركني ليعمل حاليًّا حمّالا في سوق الأزهر، وآخر يعمل سائقًا على توك توك». على حد قول ناصف القائم على أعمال النقابة العامة للعاملين في الحرف التراثية المصرية، أما ما يجعله يستمر حتى النهاية فهو أنه قد حقق سمعة طيبة في المجال، تجعله لا يفكر في ترك المهنة، رغم أنه ما زال في سن الثانية والأربعين.
وسط هذه الأجواء لا تظهر حلول أمام إنقاذ الحرفيين المهرة من الهروب من مهنهم النادرة، سوى في استعادة السوق السياحية التي كانت تستوعب إنتاجهم طوال الوقت، أما البديل فهو في الاتجاه إلى تصدير تلك المنتجات إلى الخارج، أما قيام الحرفيين أو التجار بعرض منتجاتهم اليدوية والتراثية، على نفقتهم في معارض تجارية فهو ليس الحل الأمثل، بسبب غلاء أماكن العرض، إذ يصل تأجير متر العرض في بعض المعارض الشهيرة إلى 10 جنيهات في اليوم.

الحكومة غائبة
في نوفمبر من العام الماضي، تم تدشين المجلس التصديري للصناعات اليدوية، وذلك من خلال 9 شركات تعمل في مجال الصناعات اليدوية، ويطمح المجلس لزيادتها إلى 30 شركة. «هناك مشكلة يجب أن نتحدث عنها في البداية، وهي أن طريقة البيع للبازارات ومواصفات المنتجات التي تباع هناك، تختلف تمامًا عما هو مطلوب في عالم التصدير إلى الخارج، وهذا الفارق لم يصل للأسف إلى الحرفيين أو التجار».
يتحدث هشام الجزار وكيل المجلس التصديري للصناعات اليدوية، عن أنه يجب في البداية أن يتم وضع استراتيجيات للنهوض بالحرف التقليدية، وإتاحة المناخ أمام ازدهارها، أما دور المجلس التصديري فما زال ناشئًا، يتحسس الطريق في فترة تشهد تعديلات في بعض السياسات الاقتصادية.
وحسب تقديره فإن حصيلة صادرات مصر من الصناعات اليدوية بلغت 500 مليون دولار في العام 2013. ويشرح ذلك بقوله: «هناك فرق مهم حين نتحدث عن الصناعات اليدوية، التي قد تضم خامات أرخص ومهارات أقل، وبين أن نتحدث عن صناعات ذات طابع تراثي في طريقها للاندثار.. فالحرف التراثية يجب أن يكون التعامل معها بشكل مختلف، لأنها ذات قيمة أعلى، فليست كل صناعة يدوية هي صناعة تراثية».
وبعيدًا عن عالم التجارة والتصدير، تتصدى بعض المؤسسات المهتمة بالحفاظ على التراث للتعاون مع الحرفيين أو دعمهم، لكن يبقى نشاط هذه المؤسسات مقتصرًا على دائرة ضيقة من الحرفيين الذين يتعاونون معها، وليس في إمكانها التأثير في مجتمع العاملين في الحرف التراثية.
«أرى أن الحل لإنقاذ ما تبقى من العاملين في الحرف التراثية هو إنشاء مجلس أعلى للحرف التراثية». يتحدث عز الدين نجيب، رئيس جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة، عن مشروعه الذي تقدم به إلى رئيس الوزراء الأسبق عصام شرف، ثم وزير الثقافة الأسبق عماد أبو غازي، ثم وزير الثقافة السابق صابر عرب، ولم تحدث استجابة لاقتراحه بسبب التغييرات السياسية الدائمة، في الوقت الذي لم تستطع فيه جمعية أصالة التي يديرها الحصول على أي دعم مادي منذ حوالي ست سنوات.
«هناك بعض المؤسسات لديها مهارة اصطياد الدعم الخارجي، لكن في النهاية مثل هذا الدور لا ينقذ حرفة أو يعيد عاملا إلى مهنته». هذا حسب عز الدين نجيب الذي قضى سنوات من حياته يعمل داخل وزارة الثقافة في مجال إحياء الحرف التراثية.
ويلخص رئيس جمعية أصالة أهداف المشروع – الذي سلم نسخة منه إلى رئيس الوزراء الحالي إبراهيم محلب – في عدة أهداف، هي أن يقوم هذا المجلس بإنشاء صندوق لدعم الحرفيين دون فوائد مالية، وأن يضم مجلس أمناء مشكلا من الخبراء والعاملين فى هذا المجال، وأن ينشئ المجلس شركة لتسويق وتصدير انتاج الحرفيين المصريين، إلى جانب القيام بعمل بحثى يرصد الحرف التراثية والمهددة بالاندثار، وتحديد عدد العاملين فيها.
«حين تقدمت بهذه الفكرة فى المرة الأخيرة، لمست ترحيبا من رئيس الوزراء الحالى، لكنى فوجئت بأن وزير الثقافة الدكتور جابر عصفور، قد بدأ فى تقديم أفكار شبيهة لضمها داخل وزارته، وهو ما سبب لى بعض الانزعاج من عدم إتمام فكرة المجلس الأعلى لرعاية الحرف التراثية». وهنا يتحدث عز الدين نجيب بحكم خبرته السابقة فى العمل داخل وزارة الثقافة، إذ أدرك بعد سنوات أن قضية الحرف التراثية لم تعد قضية ثقافية، بل لا بد أن يتم التعامل معها كاستثمار وتجارة إلى جانب التاريخ والثقافة.
وفى الوقت الذى يتساقط فيه الحرفيون إما بحكم انقضاء أجلهم أو بسبب انسحابهم إلى مهن أخرى، يظل عالم الحرف التراثية، مغلقا على من يعملون داخله، دون القدرة على تسويق منتجاتهم داخليا بين المصريين أو خارجيا مثل تجارب دول أخرى نجحت فى تحقيق هذه المعادلة على رأسها الهند، وهو ما زال البعض يحلم بتحقيقه فى مصر.


«النقش على النحاس».. حرفة تواجه شبح الاندثار

في حارة متفرعة من درب المسمط فى حى الجمالية، يجلس عبده الحلوانى الذى شارف على عامه الستين، فى مدخل بيت عتيق، جوار منطقة النحاسين الشهيرة. لا يخفى نبرة الثقة فى النفس أثناء الحديث، إذ عمل لأكثر من أربعين سنة فى صناعة المنتجات النحاسية، وهو واحد من 7 أسطوات فى المهنة تبقوا من زمن النقش على النحاس.
«عملت فى فترة من حياتى فى بغداد، وصنعت منتجات كانت تصل إلى صدام حسين أثناء فترة حكمه فى الثمانينيات، كما عملت فى سوريا ولبنان فى نفس المجال.. أما اليوم فقد حدثت تحولات ما زلت لا أستطيع استيعابها». يتحدث عبده الحلوانى وهو يجلس بتلقائية على درجة سلم يقود الزائر إلى الورشة فى الطابق العلوى، حيث يمر عليه بعض «الصنايعية»، وفى أيديهم كرات معدنية كبيرة تستخدم كغطاء للإضاءة.
والمفارقة التى يشرحها الأسطى المخضرم أنها ليست مصنوعة من النحاس، بل تمت صناعتها من الصاج. «يتكلف شراء كيلو الصاج 12 جنيها، بينما يتكلف كيلو النحاس 80 جنيها، فاتجهنا إلى الصاج حتى نعيش، وهى صناعة لا تحتاج سوى الحد الأدنى من المهارة، ولا تحتاج إلى فنانين». ويفرق عبده الحلوانى بين «أسطى» فنان، وبين حرفى عادى، إذ تبرز مهارة «الفنان» فى ابتكاره تصميمات ينقشها بيديه على الأوانى النحاسية.
وطوال الوقت كان عدد الحرفيين المهرة فى مجال النحاس قليلا، إذ يذكر الباحث الفرنسى أندريه ريمون، فى كتابه «الحرفيون والتجار فى القاهرة فى القرن الثامن عشر»، أن عدد الحرفيين فى هذا المجال قد بلغ 44 فردا فى إحدى فترات الحكم العثمانى. بينما يقدر تجار وحرفيون شهدوا حقبة الخمسينيات من القرن الماضى أن العدد قد بلغ 12 فردا، وهو ما انخفض حاليا إلى 7 أفراد، لا يجد أغلبهم فرصا لإبراز مهاراته بشكل كاف.
«المهارة فى هذا المجال لم تعد تقتصر على إبداع الحرفى، لكنها تمتد لتشمل كيفية إدارة الورشة، وحاليا أصبحت هناك مهارة زائدة فى كيفية الحفاظ على ما تبقى من الحرفة». لم يتحدث عبده الحلوانى بيأس أو إحباط بقدر ما أبدى تفاؤله بتحسن سوق السياحة فى المستقبل، فى الوقت الذى ورث عنه نجلاه ياسر ومحمد المهنة نفسها، على أمل أن يكتسبا بعضا من مهارته النادرة.
«فى فترة إحباط فكرت أن أترك المجال، وأن أعمل فى صناعة الأوانى المنزلية التقليدية، لكنى سرعان ما تركت تلك الفكرة». يتحدث عبده الحلوانى، هنا عن فكرة دارت برأسه معتمدا فيها على والده الذى تفرغ لإدارة محل صغير فى شارع أمير الجيوش فى باب الشعرية، لكنه قرر الاستمرار فى حرفته حتى النهاية

Thursday, August 28, 2014

مبادرات ضد اليأس

شباب قاوموا الإحباط على مدار العام الماضى، دون أن ينتظروا الانخراط فى تجارب جاهزة، وبدأوا تدشين مبادراتهم بسعى شخصى، طامحين فى نجاح صغير، يشعرهم بالإنجاز والتحقق. لا يدّعون قدرتهم على تغيير المجتمع، بل يعملون فى الظل بأقل الإمكانيات المتاحة، وأمام أعينهم أهداف يسعون إلى تحقيقها فى المستقبل.. بين حملة فردية للتوعية الصحية، ومن يشجع المصريين على التخلص من السمنة، ومن يستغل خبراته فى مشروع لتحفيز الموهوبين.


توعية صحية بالبالطو الأبيض
- حسام شاش: نجحت فى استهداف مئات المواطنين.. وأحلم بمشروع قومى للتوعية

فى تمام العاشرة صباحا، يخرج الطبيب حسام شاش من عيادة الفم والأسنان فى مستشفى أم المصريين بالجيزة، ليواجه المرضى وذويهم الذين جلسوا فى الاستراحة، يضع حقيبته بينهم، ثم يوجه إليهم حديثه قائلا: «يا جماعة أنا فى الشارع من 2011، ولقيت الحل إنى ماضيعش وقتى فى الزعيق أو الغضب، وهحاول أستغل العلم اللى عندى فى حملة توعية عشان تستفادوا منها، وتنقلوا الاستفادة لناس تانية».
يختم الطبيب الثلاثينى جملته، ثم يستكمل الحديث مع جمهور أغلبه من النساء، بينما يتراوح عدد الحاضرين بين 15 إلى 20 مريضا مع ذويهم.
بدأت القصة فى العام الماضى، حين اتخذ الطبيب الشاب قراره بتدشين مبادرة شخصية فى نهاية أغسطس من العام 2013، ويصف ذلك: «بمجرد أن فكرت فى تدشين حملة توعية صحية بشكل فردى، فى الوقت بدأت الأجواء فى الانغلاق مع فرض حظر التجوال فى البلاد، بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة».
لم يكن دافعه إلى التوعية، سوى بديل عن سنوات قضاها فى العمل العام دون أن يحقق مكسبا واضحا، بقدر ما تحمل تكلفة مادية. فمنذ أن شارك فى أحداث ثورة 25 يناير، بمشاركة زملائه الأطباء، وقد بدأ فى الانخراط بشكل كامل فى العمل العام. ومع الوقت، سجل عضويته فى حزب الدستور بعد تأسيسه فى العام 2012، بل كان أحد المساهمين فى تأسيس أمانة كاملة فى حى المنيل. «كنت أبحث عن التغيير من خلال بوابة الحزب، لكن المشاكل الداخلية والصراعات الشخصية أجهدتنى بشدة، ووصلت فى النهاية إلى طريق مسدود».
يتحدث بمرارة عن تجربته فى مجال السياسة، لكن ذلك لم يمنع طموحه الذى يراوده كل حين، بأن يتولى مقعد مجلس الشعب فى يوم من الأيام، لكن الخبرة السياسية التى تكونت فى الفترة القصيرة الماضية، جعلته يعترف بأن هناك خطوات أهم لإفادة المجتمع. «يمكن للإنسان أن يفيد المجتمع بتخصصه على سبيل المثال»، على حد قوله.

لم يضع حسام شاش، إخصائى جراحة الفم والأسنان بمستشفى أم المصريين، خطة معقدة لحملة التوعية، استغل زحام المرضى أمام باب العيادة، وأعد نقاطا هامة حول سلامة الفم والأسنان، وخرج إلى الناس فى أول مرة بجلسة توعية لا تتعدى نصف الساعة، وهو ما ظل يفعله بعد ذلك عشرات المرات، سواء فى داخل المستشفى أو خارجه.
«إنتى بتغسلى سنانك كام مرة فى اليوم ؟» يسأل فتاة صغيرة بصحبة والدتها فى استراحة عيادة الفم والأسنان، ويستوقف المارة ليجذبهم إلى المشاركة والاستماع إلى محاضرته، ولا يخلو الأمر من جملة استخفاف من شباب صغير السن، يقابلها عبارات الاهتمام والأسئلة من المارة الذين استوقفهم المشهد.
«حين حاولت فى العام الماضى العمل داخل المدارس تحت إشراف وزارة التربية والتعليم، كان انتمائى الحزبى عائقا فى ذلك الوقت، وهو ما أثار قلق بعض المسئولين، وهو ما دفعنى إلى استكمال المهمة وحدى تماما، وبشكل مستقل.. خاصة أنى كنت قد تركت الحياة الحزبية فى ذلك الوقت».

يتحدث حسام شاش بفخر عن إنجازه الصغير فى فتح القاعة الرئيسية بالمستشفى أمام المرضى كى يقدم إليهم محاضرة عن صحة الفم والأسنان، وذلك فى بدايات تدشين مبادرته، وكيف عقد اتفاقا مع إحدى شركات الأدوية الشهيرة، لتوزيع منتجاتها مجانا على المرضى، بعد أخذ الموافقات اللازمة من إدارة المستشفى، وفى مرحلة سابقة اتجه إلى خارج المستشفى متطوعا بالعمل مع جمعيات تنموية تعمل فى مناطق مهمشة مثل منطقة بطن البقرة. ويمر فى حديثه على العوائق التى واجهته بشكل سريع، باحثا عن نتائج وأهداف يحققها، إذ يقدر مجموع من استفادوا من حملات التوعية بحوالى 1500 شخص، عبر حوالى 50 حملة توعية، وقد حاول قياس نتائج مبادرته من خلال المترددين على عيادة الفم والأسنان فى مستشفى أم المصريين، إذ ذكر أن نسبة التحسن فى حالة أسنانهم زادت على 20% على مدار الشهور الماضية منذ بداية العام الحالى.
«كل هدفى هو أن تنتشر الفكرة، وألا تنتهى روح المبادرة بين من شاركوا فى ثورتى 25 يناير و30 يونيو، فبعد عدة محاولات، ستنجح محاولة فى تحقيق هدفها». هكذا يختم حسام شاش حديثه عن حلمه الذى يطمح أن ينتشر بين ربوع مصر من خلال حملة أكثر تنظيما، لتحقق نتائج أعلى على مدار السنوات القادمة.


تحدى ال 100 يوم للتخلص من السمنة

- أمانى فرج: بدأت بنفسى.. وأطالب البدناء بأن يدعمونى ويدعموا أنفسهم

فى 12 يونيو الماضى، نشرت أمانى فرج فيديو على الانترنت تحت عنوان «اليوم الأول.. تحدى ال 100 يوم». وتحدثت فيه قائلة: «مشكلة حياتى إنى تخينة، وفى يوم من الأيام وصل وزنى لـ 170 كيلو.. أنا كنت أتخن واحدة فى الفصل، وفى المدرسة، وأتخن بنت فى العيلة، ولما أمى كانت بتزعق لى وبتبعد عنى الأكل، كنت بتفنن فى الوصول للأكل اللى باحبه».
تتحدث أمانى فرج التى تبلغ من العام 29 سنة، دون أن تخفى الكثير من المعلومات عن حياتها كشخص بدين، وتبدو معالم الاكتئاب واضحة على ملامحها فى هذا الفيديو، إذ بلغ وزنها 160 كيلوجراما، فهى إنسانة مكتئبة، ترتدى حذاء خاصا بسبب تورم قدميها نتيجة السمنة المفرطة، وكانت تتحدث فى الفيديو وقد تلاشت نبرة الثقة فى النفس من حديثها. حتى إنها قالت فى الفيديو نفسه: «هذا التسجيل هو ميثاق بينى وبينكم حتى أنجح فى تخفيض وزنى على مدار 100 يوم». تعمل أمانى فرج فى مجال التنمية البشرية، وكانت فى مرحلة سابقة مساعدة للراحل إبراهيم الفقى، أهم رواد مجال التنمية البشرية فى العالم العربى، ورغم نجاحها فى عملها، إلا أن بدانتها كانت نقطة الضعف التى طاردتها طول الوقت. «جربت كل محاولات التخسيس الممكنة على مدار أكثر من 16 سنة مضت، وفى العام 2012 نجحت فى أن أفقد 40 كيلوجراما فى ثلاثة أشهر، حتى وصل وزنى إلى 130 كيلوجراما، لكنى انتكست تماما الآن، وبلغ وزنى 160 كيلو مرة أخرى». تتحدث أمانى فرج فى مكتبها بمركز حياة للاستشارات والتدريب، حيث تعمل منذ سنوات، وتدين بالفضل لزملائها الذين يدعمونها نفسيا فى مبادرتها الحالية. وفى حديثها الذى اختلف تماما عن نبرة الاحباط التى بدت فى الفيديو الأول من مبادرة المائة يوم، بدت أكثر حماسا، وأكثر تصالحا مع نفسها، فهى لا تطمح إلى أن تصبح نحيفة، بقدر ما تطمح إلى مظهر مقبول، ومعيشة صحية. وعلى صفحتها فى شبكة فيسبوك الاجتماعية (امانى فرج وتحدى ال 100 يوم)، نجحت فى اجتذاب أكثر من 6000 مشارك، ما يجعلها تدخل أحيانا فى سجالات مع أعضاء الصفحة، إلى جانب من يعلقون على فيديوهاتها فى موقع يوتيوب. وتقول عن ذلك: «أتحدث معهم فى حدود معلوماتى، لكن فيما يخص المعلومات الطبية المتخصصة، فأوجههم إلى الاستعانة بطبيب». هذه هى قناعتها التى لم تخرج عنها طوال فترة تقديمها الفيديوهات أو أثناء تسجيل عبارات التحفيز على صفحتها فى الفيسبوك.
«لقد تحدثت عن نفسى فى الفيديوهات بشكل ربما لا تجرؤ عليه بعض الفتيات السمينات حرصا على صورتهن، أما أنا فتحدثت عن أضرار السمنة التى أعانى منها فى سن الشباب، مثل تناول أقراص الضغط، وآلام الركبتين، فليس لدى استعداد لتجميل صورتى، فى لحظة أعانى منها صحيا وأنا أعرف أن ذلك ما يتعرض له الكثير من البدناء». ولا تخفى أمانى أثناء حديثها فى مكتبها الكائن بحى مدينة نصر، أنها كثيرا ما كانت تصاب بالإحباط بسبب انطباعات الآخرين عن سمنتها، خاصة أن مهنتها تقوم على مواجهة الجمهور، وإلقاء المحاضرات، أو تدريب صغار السن فى المدارس على مهارات الحياة. كانت خطتها منذ البداية أن تشارك آخرين فى همها وأن يشاركوها همومهم، وذلك بديل عن تكوين مجموعة دعم نفسية، كالتى يؤسسها آخرون فى دول أخرى، إذ تقوم فكرة مجموعة الدعم Support Group على اجتماع أصحاب المشكلة الواحدة مثل: الإدمان، أو الاكتئاب، أو السمنة، فى جلسات يتبادلون فى دعم بعضهم البعض، وهو ما كان يصعب تكوينه هنا فى مصر، لغياب هذه الثقافة وقلة عدد مجموعات الدعم فى المجتمعات العربية. «اتجهت إلى البديل، وهو أن أستخدم الانترنت، وتصوير فيديوهات لتكوين ذلك المجتمع المهموم بنفس القضية، فندعم بعضنا سويا». هكذا تصف أمانى فرج ما بدأته قبل شهور، وبدأت فى حصاد ثماره قبل أسابيع، فقد قامت خطتها على الرياضة ونظام التغذية الصحى على مدار 100 يوم، ولم تكن تعلم أن هناك من يتابعونها باهتمام، وهو ما حدث مع الشاب مصطفى الذى أرسل إليها صورته فى يوليو الماضى دون سابق معرفة، وعرض صورتين له قبل تخفيض وزنه بمقدار 11 كيلوجراما وصورة بعدها، وكتب لها قائلا: «الحمد لله بفضل ربنا، وتشجيعك خسيت 11 كيلو.. بس النهارده جالى لحظة كسل كده وروحت أدور على تشجيع لاقيتك محبطة شوية.. انتى اللى خلتينا نبدأ ومش هينفع تقعى مننا فى النص». ولم تكن تلك الرسالة الوحيدة، إذ تلقت العديد من كلمات التشجيع على حسابها فى فيسبوك، وعلى فيديوهاتها فى موقع يوتيوب.
«كلما أصبت بالإحباط أو الكسل، تذكرت موقفا قديما، حين عنفنى أحد الأطباء فى مرة، بسبب أنى ظللت لأسابيع أمارس تدريبات رياضية ليس لها صلة بالتخسيس، وذلك عن طريق الخطأ، فما كان منه إلا وأن ألقى بورقة الكشف فى وجهى، ولم أزره مرة أخرى.. لا أريد تكرار هذه المواقف مرة أخرى فى حياتى». تتحدث أمانى فرج عن هذه القصة دون أن يبدو عليها الاحباط، فقد بدأت تشعر بإنجازها البسيط مع الوقت، وبدأت تخرج من حالة الاكتئاب تماما، إذ انطلقت بعدها لتروى قصة جعلتها فخورة بنفسها، حين خرجت مع أصدقائها إلى أحد المطاعم الشهيرة، حيث الطعام الشهى المميز، وهناك تمسكت بنظامها الغذائى، رغم إلحاح من حولها بأن تتخلى عن «الريجيم» فى ذلك اليوم. تستكمل ضاحكة: «ترافقنى دائما علبة بلاستيكية فيها تفاحة وبعض الأطعمة الخفيفة، وأذكر فى ذلك اليوم أنى كنت على وشك التخلى عن الريجيم، فكنت أسمع صوت اللحم الناضج، الذى خرج لتوه من تحت الشواية، وصوت المياه الغازية والبطاطس المقلية، لكنى تخليت عن كل ذلك تماما». فى 19 سبتمبر القادم تنتهى مبادرة تحدى ال 100 يوم، دون أن ينتهى مشروع أمانى فرج فى دعم من أصيبوا بالسمنة ومشاركتهم فى أحلامهم بتغيير نمط حياتهم إلى الأفضل، لكن أمامها مهمة أكبر فى أن تطبق هذا على نفسها فى البداية، أى أن تصل إلى وزن 130 كيلوجراما بعد المائة يوم، ثم تستكمل طريقها بعد ذلك بشكل أسهل.


حلم النور.. البحث عن الفنان بأقل الإمكانيات

- مدير برنامج المشروعات ب«التاون هاوس»: لا نحتاج إلى نجوم بل نحتاج إلى فنانين
- عصام فايز: مازال هناك شباب فى حاجة إلى الفن لتطوير مجتمعهم

كانت خطة عصام فايز المخرج ومدرب التمثيل بسيطة منذ أن بدأت الفكرة تدور بينه وبين أصدقائه، إذ قضى أكثر من سبع سنوات مضت فى أعمال تطوعية مع أطفال الشوارع، وفى مشروعات فنية تستهدف الشباب، ما جعله يرى احتياج شريحة عريضة من الشباب لتطوير مهاراتهم الفنية، وممارسة الفن.
«كنت أتابع دائما هؤلاء الشباب الذين لم تتوافر لديهم القدرة على الدخول إلى الأوساط الفنية، خوفا من اضطرارهم إلى تبديل نمط حياتهم كى يلائم نمط حياة الفنان، كل ما أريده هو إدماج هؤلاء الشباب فى الحركة الفنية». يتحدث عصام فايز عن مبادرة صاغها فى شكل مشروع، مستعينا بأصدقائه الذين تضامنوا مع فكرته، وأغلبهم كانت له خبرة فى الأعمال التطوعية من قبل. وفى العام 2012 عقدوا النية على بدء مشروعهم، دون أن يعرفوا من أين سيأتيهم الدعم.
وتمثل تجربة مشروع «حلم النور» خريطة لكيفية إدارة مبادرة مستقلة من الصفر، رغم أنها ما زالت فى طريقها للنمو، وكانت الخطوة الأولى فى طرح الفكرة على الدوائر المهتمة فى محيط ضيق، وهو ما يصفه عصام فايز قائلا: «بدأت فى التحدث مع ناير ناجى قائد فرقة أوركسترا أوبرا القاهرة، الذى أعرفه بشخص شخصى، وقد شجعنى على ذلك، وتحدثت مع سحر الموجى أستاذة الأدب الأمريكى فى كلية الأداب بجامعة القاهرة، وهم من جمعتنى بهم أعمال سابقة، وكان ذلك متزامنا مع حالة من الغليان فى الشارع المصرى احتجاجا على سياسات الاخوان، وقررنا مبدئيا عقد معسكر وورش تدريبية فى سبتمبر 2013، أى قبل عام تقريبا». كان يتحدث عن الفكرة فى مقهى مجاور لدار الأوبرا المصرية، حيث تدخلت زميلته أتينة مكرم إحدى المشاركات فى مبادرة «حلم النور» بقولها: «كان حادث فض اعتصام رابعة عائقا رهيبا أمام استكمال المشروع، وسط فرض حظر التجول على البلاد، ولم يكن فى استطاعتنا تحديد موعد حقيقى لبدء المشروع، فأجلنا التدشين، ولكن لم نستسلم».
وفى مثل هذه المشروعات والمبادرات، تتلخص المشكلة الأكبر فى توفير دعم مالى للفكرة، وقد استغل عصام فايز عمله فى مجال التنمية وتحديدا فى مؤسسة الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، كمدير لقسم الفنون والإعلام كى يطلب منها الدعم المالى غير المستقر، والمساعدة بالإمكانيات قدر الإمكان، لكن تظل مبادرة «حلم النور» بغير ميزانية ثابتة على عكس بقية المشروعات المدعومة، ما دفعه إلى التواصل المباشر مع فنانين فى مجالى الموسيقى والتمثيل، وشخصيات ذات خبرة فى إدارة مثل هذه المبادرات والورش، كى يساهموا بصفتهم شركاء. ياسر جراب مدير برنامج المشروعات بمؤسسة «التاون هاوس»، كان أحد هؤلاء الذين تبنوا دعم المبادرة بخبراتهم، ويشرح ذلك قائلا: «أراهن على أن تكتمل هذه المبادرة وتصبح مشروعا دائما، فأنا أراها كائنا ينمو بشكل طبيعى دون دعم تقليدى، ونطمح أن تصنع فنانين قبل أن تتجه إلى صنع نجوم.. فهذا ليس هدف المرحلة الحالية».
وبحكم خبرة عصام فايز وزملائه فى كيفية إدارة أعمال فنية وتطوعية، فقد حددوا رؤية وأهدافا بشكل احترافى، وضمنوا أن تنتقل المبادرة كى تكون مشروعا ضمن مؤسسة الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، وعلى أن يتطوع الفنانون بجهدهم فى المعسكر التدريبى الأول.
«نريد أن نعيد ما كنا سنبدأه فى العام الماضى، وأوقفته الأحداث الجسيمة التى مرت بمصر». تتحدث أتينة مكرم إحدى منسقات المشروع.
قد تبدو مبادرة عصام فايز وزملائه التى عملوا على تنفيذها على مدار عامين قريبة من بعض المشروعات التنموية التى تعمل على تطوير مهارات الشباب، ويملك عصام فايز خبرة فى العمل على تنمية المواهب فى فعاليات ترعاها الكنيسة المصرية، وهو ما لا يراه عائقا فى عمله. يقول عن ذلك: «لقد اختلطت بحكم عملى بكثير من الشرائح المحافظة فى قرى مصر، لكنى أعمل وأنا أعرف هدفى، فأنا أسعى إلى تنمية مهارات ومواهب شباب جامعيين، فى هذه الأوساط، دون أن أميز بين ديانة أو انتماء». يتوقف عصام قليلا ثم يبدأ فى شرح تلك النقطة بالتفصيل قائلا: «أنا أعرف طبيعة الأوساط الفنية، وما بها من أجواء قد تبدو متحررة للبعض، وهو ما يعزل كثيرين من أصحاب المواهب عن الاندفاع فى حبهم للفن، ولو حتى على سبيل التجربة.. أنا أبحث عن حق من هم خارج المجتمعات الفنية فى ممارسة ما يحبون». ينتهى حديث عصام فايز الذى يتحدث بمزيد من التفاؤل بسبب ما أنجزه فى تحقيق فكرته حتى الآن.