Showing posts with label حوار. Show all posts
Showing posts with label حوار. Show all posts

Friday, October 31, 2014

تزوير الكتب.. القاتل الصامت لسوق النشر

نسخ مقلدة لأعمال ناجحة تباع بربع الثمن والمزورون يلجأون إلى حيل جديدة
• رئيس لجنة مكافحة التزوير فى اتحاد الناشرين المصريين: انتشار الظاهرة يدمر صناعة الكتب
• تجار سور الأزبكية: نبيع النسخ المزورة بعد أن غاب زبون الكتب القديمة
• نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين: السطو على العناوين الأكثر نجاحا لم ينقطع والحل فى تعديل القانون
• مؤشرات الوزارة تكشف: قرصنة الكتب العلمية أربح والأدبية أكثر رواجا

أمام كشك رقم (124) فى سور الأزبكية لبيع الكتب القديمة، يتلقى فتحى طلبات الزبائن من الكتب الدراسية المستعملة، وفوق طاولة مجاورة للكشك، يتراص عدد من الكتب الأكثر مبيعا فى السوق، منها رواية تباع بسعر 15 جنيها، فى حين أن سعرها لدى دار النشر الأصلية هو 48 جنيها.
«هذه الرواية وغيرها مجرد واجهة لتشجيع الزبائن على الشراء، فلا يوجد إقبال على سوق الكتب القديمة، ونحن نحاول تغطية ضعف تجارتنا بنسخ مقلدة لأعمال شهيرة، وبأسعار أقل». يتحدث فتحى عن استغلال تجار سور الأزبكية للعناوين الأكثر مبيعا، وعرضها كفاتحة شهية للزبائن. ويؤكد هو وعدد من العاملين هناك، أن الكميات المزورة التى تتوزع عليهم عددها محدود، مقارنة بما لدى التجار الكبار، الذين يعملون فى بيع الكتب المزورة. أما فى خارج سور الأزبكية، فقد يتضاعف سعر الرواية نفسها الموجودة فى سور الأزبكية إلى 30 جنيها، حيث تباع لدى بعض موزعى الصحف على أنها النسخة الأصلية، مدعين الحصول عليها بسعر مخفض من الناشر الأصلى.
أما القاعدة الرئيسية التى تتكرر على ألسنة من يعملون فى بيع الكتب المزورة، فهى «كـُل نفسك بنفسك»، وهو ما يشرحه فتحى تاجر الكتب القديمة، وزميله خالد فى الكشك المجاور، موضحان أن الهدف هو تحقيق ربح ضئيل من حركة بيع مكثفة وسريعة، وهو ما يوازن من وجهة نظرهما غياب زبون سور الأزبكية التقليدى الذى يهوى القراءة، معتمدين فى ذلك على استغلال عناوين ناجحة فى السوق.
ويصعب تمييز الاختلافات بين الطبعة المزورة والطبعة الأصلية، إلا لمن يدقق فى تفاصيل كل من الطبعتين، أو حين يجد المشترى خللا واضحا فى صورة الغلاف، بينما تظهر مشاكل أخرى أعرب عنها بعض المؤلفين فى فترة سابقة، عن وجود نسخ مزورة لأعمالهم، تحمل أخطاء فى ترتيب فصول الكتاب.
«لا يمكن قبول مبررات عملية السطو على حقوق الآخرين، فما يحدث الآن هو تدمير لسوق النشر». الحديث هنا لأحمد بدير، رئيس لجنة حماية حقوق الملكية الفكرية ومكافحة التزوير فى اتحاد الناشرين المصريين، الذى يوضح أن الضرر الأكبر للناشرين، يكمن فى أن الكتب المزورة تستهدف الكتب الأكثر مبيعا، وهى الكتب التى تروج لبقية أعمال الناشر، وتصنع سمعته.
وفى الوقت الذى يصعب فيه تقدير حجم سوق الكتب المزورة، يتحمل الناشر تكاليف أخرى لا يتحملها المزور، على رأسها حقوق المؤلف، إذ يتراوح متوسط نسبة أجور المؤلفين بين (15% ـ 25%) حسب تقرير حركة النشر الصادر عن اتحاد الناشرين العرب فى العام الماضى، كما يحصل موزعو الكتب على حصة من المبيعات، تتراوح بين (30% ـ 40%)، وينفق الناشرون تكاليف أخرى على تسويق الكتب، وأجور العاملين، والضرائب، وتصميم الأغلفة، بينما لا ينفق المزور سوى تكلفة الورق والطباعة. ومع قلة التكاليف التى يتحملها المزور، لم يعد فى حاجة إلى استخدام نوع ورق ردىء، إذ يبلغ سعر طن ورق الطباعة المستخدم لدى دور النشر حوالى 7000 جنيه، لذا فبإمكان المزور استخدام نوع ورق أرخص بقليل يكفل له إنتاج آلاف النسخ المزورة، والقريبة من خامات الكتاب الأصلى.
«تمر عملية طباعة الكتاب بعدة إجراءات تقليدية، بينما تكمن الأزمة فى أن أغلب من ينسخون كتبا شهيرة بطريقة غير قانونية، هم أصحاب مطابع غير مرخصة، ولديهم مصادر تبلغهم قبل أى حملة على منتجاتهم». الحديث لوليد رياض، عضو مجلس إدارة شعبة تجار الورق وأصحاب المطابع بالغرفة التجارية. ويستكمل موضحا أن توافر معدات الطباعة لدى المزور، يمكنه من انتاج آلاف الكتب دون أعباء مالية كبيرة مقارنة بالناشر الذى يعمل بشكل قانونى. غير أن هذا الرأى لا ينفى تورط مطابع - تعمل بشكل قانونى - ودور نشر مغمورة فى طباعة وترويج نسخ مقلدة لكتب شهيرة، وهو ما سجلته محاضر وبلاغات سابقة لدى شرطة المصنفات وحماية الملكية الفكرية.

تغليظ العقوبة
وتخضع عملية انتهاك حقوق المؤلفين للمادة 181 من قانون حماية حقوق الملكية الفكرية، التى تنص على أن عقوبة «التعدى على حقوق المؤلف والحقوق المجاورة لها» هى الحبس مدة لا تقل عن شهر وبغرامة لا تقل عن 5000 جنيه، ولا تجاوز 10.000 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وهو ما اعتبره قانونيون على صلة بقضايا الملكية الفكرية أمرا غير كاف، وتحمل دراسة صادرة عن المركز المصرى لدراسات السياسات العامة توصية بضرورة تشديد العقوبات المنصوص عليها فى حالة مخالفة القانون، إذ تعتبر الدراسة التى تحمل عنوان: «قراءة لقانون الملكية الفكرية»، أن القانون 82 لسنة 2002 الخاص بحماية الملكية الفكرية، لا يمثل رادعا للمخالفين، ويجعل من التعدى على الملكية الفكرية فى المجتمع المصرى أمرا سائدا.
ويلجأ بعض بائعى الكتب المزورة من الموزعين، إلى حيلة للتحايل على القانون، حين يشترون كمية من الكتب الأكثر مبيعا بطريقة قانونية، فيحصلون بها على فواتير سليمة تثبت ملكيتهم لها، ويطرحونها كغطاء لبيع نسخ أخرى مزورة، وعند لحظة وقوع ضبطية قانونية، يقدمون بعض النسخ الأصلية كدليل على نزاهتهم، مع إخفاء النسخ المزورة، وهى الحيلة التى وصفها بعض بائعى الكتب المزورة. ويصعب على كثير من المشترين تمييز النسخ الأصلية من المقلدة، بينما يميزها العاملون فى مجال النشر، وهو ما استدعى قيام بعض الناشرين بتغيير أغلفة الطبعات المتتالية من الإصدارات الأكثر مبيعا، لتضليل المزورين، وهو ما أوقع بعض المزورين فى أخطاء، كأن يستخدم غلاف الطبعة الأولى مع محتوى الطبعة الثانية.
وقبل أسابيع أعلن الكاتب الشاب عمر طاهر عن مبادرة طرح فيها طبعة شعبية مُخفضة من كتابه «طريق التوابل»، وهو ما اعتبره بعض المهتمين بالشأن الثقافى فرصة لتقليل أسعار الكتب لدى دور النشر، بينما يؤكد عادل المصرى، مدير دار أطلس صاحبة حق النشر، أن هذه الفكرة لم تكن دعوة للناشرين أن يصدروا طبعات مخفضة من إصداراتهم، لأن ذلك يعد مهمة مستحيلة، ويوضح ذلك قائلا: «هذه التجربة هى إجراء انتقامى من المزورين، فهى طبعة تم طرحها تقريبا بسعر التكلفة دون مكسب حقيقى، إلى جانب ما تحمله المؤلف من تقليل أجره بشكل غير مسبوق.. هى أقرب لرسالة إلى كل مزور ينتهك أعمال الدار والكاتب، أن لدينا استعدادا لإفساد مهمته فى التزوير». ويوضح عادل المصرى الذى يشغل منصب نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين، أن مروجى الكتب المزورة أشبه بدار نشر، لا تبيع سوى الأعمال الأكثر مبيعا، دون أى تكلفة سوى الطباعة وسعر الورق، وهو ما يجعل المزورين أشبه بمنافسين شرسين فى سوق بيع الكتب، مستفيدين من خرقهم للقانون.
ويقدر أحمد بدير، مدير عام دار الشروق للنشر، حجم النسخ المزورة من العناوين الأكثر مبيعا لدى الدار، بأنها توازى حجم النسخ الأصلية المطروحة فى السوق، بينما يرى فى إصدار نسخ مخفضة من الكتب الأكثر مبيعا، أنه سيستقطع من حق المؤلف، موضحا: «إذا ما اتجه الناشرون إلى إصدار طبعات مخفضة، فإن ذلك سيقلل التنافسية بينهم، وسيقلل من حماس الكتـّاب عندما لا يحصلون على ما يوازى مقدارهم الأدبى، وحجم جهدهم وتفرغهم للكتابة».
وقبل ثلاث سنوات تقدم اتحاد الناشرين المصريين بتوصيات لإدخال تعديلات على قانون حماية الملكية الفكرية، كى يتم تغليظ العقوبة على المزورين، وتمت دراسة تلك التعديلات فى البرلمان المنحل فى العام 2012، ثم تقدم الاتحاد بالتوصيات نفسها مرة أخرى لوزير العدالة الانتقالية مؤخرا، على أمل إصدار التعديلات فى الفترة القادمة بالسلطة المخولة للسيد رئيس الجمهورية، أو انتظار انتخابات البرلمان القادم، كى يتم طرح التعديلات مرة أخرى.

نائب مدير مباحث «المصنفات» لـ«الشروق»: نحن الآن فى موسم قرصنة الكتب
• مؤشرات "الداخلية" تكشف: قرصنة الكتب العلمية أربح والأدبية أكثر رواجا

يستخدم اللواء خالد شفيق، نائب المدير العام لإدارة المصنفات وحماية الملكية الفكرية فى وزارة الداخلية، تعبير «قرصنة الكتب» بدلا من «تزوير الكتب» عند حديثه عن إعادة طبع الكتب دون تفويض من الكاتب أو دار النشر، وفى مكتبه المطل على شارع جامعة الدول العربية فى حى المهندسين، يجلس متابعا لسير العمل الذى ينقسم بين نوعين من الجرائم، هما: جرائم المطبوعات، وجرائم المصنفات.
«يختلف ضابط المصنفات فى أنه يتعامل مع مجرم ذكى، لا يلجأ للعنف، كما أن بعض المجرمين يعتبرون ما يقومون به عملا خدميا، وعند المساءلة القانونية، لا يعتبرون أنفسهم قد ارتكبوا جرائم مخلة بالشرف، ما يجعلهم يتمادون، لأنهم لا يواجهون إدانة من المجتمع». يوضح اللواء خالد شفيق أن أزمة قرصنة الكتب وطرحها فى الأسواق، ليست مقتصرة على الروايات والأعمال الفكرية، بل يوضح أن الفصل الأول من العام الدراسى، هو موسم لشريحة أخرى من «القراصنة»، ينتشرون حول الجامعات، لتوزيع قواميس ومراجع علمية مقلدة، بأقل من سعرها الأصلى، إذ أن «قرصنة الكتب العلمية أقل فى التداول مقارنة بالكتب الأدبية، لكنها أكثر ربحا»، على حد قوله.
يلتقط من فوق مكتبه نسخة من معجم للمصطلحات العلمية باللغة الانجليزية، لا يبدو من مظهرها الخارجى إن كانت نسخة أصلية أم مقلدة، بسبب جودة الطباعة والتجليد، لكنه يوضح أنها نسخة مقلدة تباع بسعر أقل حول الجامعة. ثم يستكمل «أزمتنا فى غياب وعى الناس بقضية حماية الملكية الفكرية، بل إننا نجد بعض الأكاديميين ينتهكونها بأنفسهم، ولا يرفعون من وعى طلابهم بهذه القضية، فالمجتمع يواجه حالة من التسامح مع انتهاك حقوق المؤلفين».
ويؤكد اللواء خالد شفيق وجهة نظره، بتفاصيل عن لجوء بعض المدارس الخاصة إلى مطابع تنسخ الكتب الدراسية والقواميس دون إذن الناشر، بحثا عن السعر الأرخص.
وتعد مصر حسب تقرير «التحالف الدولى للملكية الفكرية IIPA» للعام 2013 تحت تصنيف «لائحة المراقبة»، وذلك بعد أن كانت قبل سنوات فى «لائحة أولوية المراقبة»، وهو ما يعبر عن تطور فى تعامل الدولة مع قضية الملكية الفكرية، ويأخذ الممثل التجارى الأمريكى بهذا التصنيف، فى تعاملاته الخارجية مع الدول المختلفة.
وحسب حديث اللواء خالد شفيق، فإن قرصنة الكتب تمثل جزءا من عالم القرصنة فى مصر، الذى يطال البرمجيات، ورفع نسخ ضوئية من الكتب على الإنترنت والأفلام، وحتى أمور البث الفضائى، وهو ما يمثل فى مجموعه صورة لحالة الملكية الفكرية فى مصر، كما يؤكد على أن ضعف العقوبة فى غرامة مالية على قرصنة الكتب، لا يساهم فى ردع المزورين.
وتعد العقوبة الأشد فى ممارسة الطباعة دون ترخيص، هى حالة طباعة المصحف الشريف والأحاديث النبوية دون ترخيص من مجمع البحوث الإسلامية، وهو ما ينظمه القانون رقم 102 لسنة 1985بشأن تنظيم طبع المصحف الشريف والأحاديث النبوية، الذى يصل بالعقوبة إلى السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات والغرامة فى حالة العودة، والعقوبة بالأشغال الشاقة المؤقتة، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه فى حالة تعمد تحريف نص القرآن الكريم.
وينفى نائب المدير العام لإدارة المصنفات وحماية الملكية الفكرية أن تكون سوق قرصنة الكتب موازية فى حجمها سوق النشر التقليدى، أو أن تكون مصر نقطة توريد كتب مزورة إلى الدول المحيطة قائلا: «هناك محاولات دءوبة لمطاردة المطابع والقيام بحملات ضد موزعى الكتب المقرصنة».
وبين محاولات ضبط أصحاب المطابع المخالفة، واستمرار ظاهرة قرصنة الكتب، تعد هذه الفترة موسما لقرصنة الكتب وإعادة طبعها مع بدء الموسم الدراسى الجامعى، خاصة فى مجال الكتب العلمية، إلى جانب استعداد العاملين فى مجال قرصنة الكتب الأدبية، لاستنساخ كم من المطبوعات، استعدادا لموسم ازدهار الكتاب الأدبى والفكرى فى نهاية العام، قبيل معرض القاهرة الدولى للكتاب بعد أشهر قليلة.
نسخة واحدة من كتاب ورقى تساوى آلاف النسخ على الإنترنت

فى موقع شهير لتحميل الكتب على الانترنت، تم تحميل رواية «عزازيل» 70674 مرة، وهو ما يتكرر فى مواقع شبيهة لتحميل الكتب، ما يجعل كم النسخ المستنسخة إلكترونيا عن الكتاب الورقى، أكثر انتشارا على أجهزة الكمبيوتر من الكتب الورقية التى يحفظها القراء فى مكتباتهم الشخصية.
وتجرى عملية الاستنساخ عبر تصوير نسخة الكتاب بجهاز ماسح ضوئى Scanner، ثم تحويلها إلى ملف إلكترونى على الإنترنت، وهو ما احترفه عدد من رواد الإنترنت فى السنوات العشر الماضية.
أحد ابرز الأسماء فى هذا المجال هو «على مولا» مؤسس منتدى مكتبة الاسكندرية، الذى استنسخ فيه حوالى 1400 كتاب من مقتنياته الشخصية، إلى جانب مهمته الأكبر فى تجميع روابط النسخ المنتشرة على الإنترنت، للتسهيل على من يرغب فى تحميلها إلى جهاز الكمبيوتر الشخصى.
ويرى على مولا ذو الأصل السورى والمقيم فى مدينة بودابست المجرية، أن موقعه الالكترونى يقدم خدمة للقراء، ويشبهه بمعبدالفكر وقبلة الباحثين، على حد قوله، فى الوقت الذى يتهمه بعض هواة نشر الكتب على الانترنت بأنه مهووس بالشهرة، وأنه سعى لإفشال محاولاتهم لتأسيس مواقع شبيهة.
وفى حالات الكتب المستنسخة عن أصل ورقى ومطروحة على الانترنت، فهناك من ينسخ صورة ضوئية منها بشكل عفوى، دون أن يدرك إنها تنتشر بكثافة، مثلما يتضح من أحاديث بعضهم فى المنتديات الإلكترونية المهتمة بهذا المجال، على عكس شخصيات مثل على مولا المشار إليه سابقا، الذى يستهدف كتبا ذات طابع فكرى وفلسفى ثقيل.
وتتجاوز أزمة حقوق الملكية الفكرية فى فضاء الإنترنت، مشكلة استنساخ كتب ورقية ثم طرحها على الانترنت، إلى مشاكل أخرى تخص الحفاظ على الحقوق الأدبية لمن يكتبون على الانترنت، فى مدوناتهم أو فى صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعى، وتحاول رخصة المشاع الإبداعى، التى بدأت تستخدمها المواقع الالكترونية، حل هذه المشكلة عبر توضيح الغرض من طرح ملف على الانترنت، وتوضيح المؤلف إذا ما كان سيسمح باستغلال مؤلفه أم لا، فإما أن يوضح أن «بعض الحقوق محفوظة» لمنتجه، أو أن تكون «جميع الحقوق محفوظة».. لكن خرق ذلك لا يخضع للقانون أو العقوبة، سوى من المواقع نفسها التى تنشر المنتج المخالف، وهو ما ينطبق على المؤلفات الموسيقية أو المكتوبة.
أما فى الكتب الورقية، فهى تخضع بشكل كامل لقانون حماية الملكية الفكرية، وهو ما أثار أزمة أخلاقية لدى بعض مستخدمى الانترنت حين يقومون باستنساخها الكترونيا وبتحميلها، حين يواجهون التنويه المدون على هذه الكتب بأن حقوق الطبع محفوظة للناشر، خاصة أن بعضهم يقوم بتحميل كتب دينية، ويخشى أن يكون فى ذلك معصية.

Thursday, May 9, 2013

كابوس المرور اليومي

آلام السائقين بدون علاج

يتنقل السائق الستينى مصطفى حافظ بين شوارع القاهرة باحثا عن زبائن للتاكسى، ويتحمل فى سبيل ذلك آلاما فى أسفل الظهر والركبتين، بسبب السن وطول فترات القيادة، لكن الأمر يتجاوز ذلك حسبما يذكر: «تركت عملى فى هيئة النقل العام قبل سنوات بسبب إصابتى بالضغط والسكر، ورغم ذلك عملت بعدها سائقا لفترة فى السعودية، وعدت أخيرا للعمل على التاكسى حتى أجد سائقا أمينا يحل مكانى».
 يتوافر لدى مصطفى حافظ ميزة ليست لدى كثير من السائقين، إذ يمكنه متابعة حالته الصحية فى مستشفى هيئة النقل العام بحكم عمله السابق، أما عمله الحالى كسائق للتاكسى فلا يوفر له أى تأمين علاجى. لكن المشاكل الصحية للسائقين المترتبة على القيادة لفترات طويلة لا تقتصر على آلام الظهر والركبتين، فقد كشفت دراسة أمريكية أجريت على عينة من 4200 شخص أن القيادة لمسافات طويلة تزيد من فرص زيادة الوزن وارتفاع ضغط الدم، وهما من أهم عوامل الإصابة بأمراض القلب والسكرى. يعلق الدكتور هشام عبد الباقى ــ استشارى جراحة العظام والمفاصل فى جامعة عين شمس ــ على إصابة قائدى السيارات لفترات طويلة بآلام أسفل الظهر قائلا: «تزيد تلك الحالات بين سائقى النقل واللودرات بسبب الاهتزازات الدائمة أثناء العمل، لكن الأمر ليس بهذه الخطورة، إذ لا يمكننا أن نقول أن قيادة السيارات لفترات ممتدة ستسبب بالضرورة  مشاكل فى فقرات أسفل الظهر».
ويقدم الدكتور هشام عبدالباقى بعض النصائح لمن يقضون ساعات طويلة فى قيادة السيارات وعربات النقل، على رأسها ضرورة تخفيض أوزانهم تجنبا لأى مشاكل صحية، وأن يكون كرسى السائق فى وضعية مستقيمة، وأن تكون هناك وسادة أسفل الظهر للتخفيف على الفقرات القطنية أسفل الظهر.
 تخطف آلام أسفل الظهر اهتمام السائقين عن بقية الأضرار الصحية التى قد تجلبها القيادة لفترات طويلة، ويفسر الدكتور عبدالباقى ذلك قائلا: «حتى فى أوروبا فإن آلام أسفل الظهر تأتى فى المرتبة الثانية من أسباب الإجازات المرضية هناك، وذلك لاتساع انتشارها بعد آلام الصداع».
 ووسط آلام بعض السائقين تأتى فكرة التأمين العلاجى على هامش مطالب السائقين مقارنة بمطالبهم المالية . يوضح ذلك محمود عبدالحميد ــ الناشط فى رابطى سائقى التاكسى الأبيض التى ضغطت فى الفترة الماضية على الحكومة من أجل تنفيذ وعودها بتخفيض الأقساط، ويقول: «لدينا مشكلة فى عدم وفاء الحكومة بتعهداتها بتخفيض الأقساط، ومشكلة أخرى نعمل عليها مع النقابة العامة للنقل البرى بخصوص اللائحة التى يجب تعديلها بشكل جذرى، إذ إن اللائحة القديمة لا توفر أى تأمين علاجى لسائقى التاكسى ، وحين تحدثنا فى ذلك أكدت النقابة أن الاشتراكات لا تكفى سداد هذه الخدمات». كانت هذه اللائحة لا تقدم سوى مبلغ 70 جنيها بعد إجراء العمليات الجراحية، وقد تمت مضاعفة المبلغ فى العام الماضى إلى 140 جنيها، وأحيانا ما يتم تقديم مساعدات استثنائية للحالات المتقدمة فى أضيق الحدود. ويختم الناشط من رابطة سائقى التاكسى الأبيض قائلا: «أتوقع أن يتم تعديل الموقف داخل النقابة، لأن الحوار قد بدأ حول بعض تلك النقاط .. لكن ما زال المشوار طويلا».
 ** 
بيقولك.. بيزنس من وسط الزحمة

عبدالرحمن مصطفى: 

قبل أكثر من عامين ونصف العام، اجتمع ستة شباب على فكرة بسيطة لمواجهة مشكلة الزحام ، وهى إنتاج برنامج يستخدم فى الهاتف المحمول لمعرفة نقاط الاختناق وأفضل الطرق الهادئة، وكان اسم البرنامج هو «بيقولك». أما اليوم فقد أصبحت هذه المجموعة من رواد الأعمال فى هذا المجال، ويديرون مؤسسة وموظفين لإنجاح ما بدأوه. «ماتزال السوق تتسع لنا، فمصر بها 3 ملايين مستخدم للهواتف الذكية، ونجحنا فقط فى استهداف نصف مليون مستخدم لبرنامج (بيقولك)»، العبارة لوليد مصطفى أحد مؤسسى «بيقولك». وتتلخص الفكرة التى تم تنفيذها فى أكتوبر 2010 فى أن يتحول مستخدم الهاتف المحمول إلى مراسل، يسجل نقاط الزحام ونقاط الهدوء المرورى، وتنتقل المعلومات إلى شبكتى فيسبوك وتويتر على الانترنت، أما الأهم فهو إدارة هذه المعلومات عبر البرنامج وفريق العمل بالمؤسسة. «لدينا وسائل للتحقق من المعلومات ، فالمستخدمون يوثقون مشاهداتهم بالصور، ولدينا فريق عمل للتأكد من المعلومات»، هذا ما يوضحه وليد مصطفى عن طريقة إدارة المشروع.
لم تكن رحلة سهلة على مدار الفترة الماضية، بدءًا من محاولات تسويق مشروعهم بين المستخدمين إلى أن اختارت إحدى شركات الاتصالات الكبرى تبنى الفكرة، أما اكتساب مهارات الإدارة وتنظيم العمل فكانت بعد نجاحهم فى مسابقة رواد الأعمال فى مجال تكنولوجيا المعلومات (الجيل الجديد)، التى وفرت لهم السفر إلى الخارج والاطلاع على أعمال شبيهة وكيفية إدارتها، وكذلك حصولهم على منحة «ابدأ» من مؤسسة جوجل وقيمتها مليون و200 ألف جنيه فى العام الماضى.
ورغم هذا التطور السلس فى مشروعهم فإنهم لم يكتفوا بذلك ونجحوا مبكرا فى العام 2011 فى إضافة خاصيات مفيدة للمستخدمين مثل «خطر» التى تشير إلى أماكن قطع الطرق والأماكن غير الآمنة، و«الحقنى» التى تقدم سبل النجدة على الطريق، وغيرها.  ويلاحظ المتابع اقتصار نشاط البرنامج على محافظتى القاهرة والاسكندرية بشكل أساسى، وهو ما يرجعه مؤسسو «بيقولك» إلى أنهما المحافظتان اللتان تعانيان من الزحام أكثر، رغم محاولتهم تغطية بقية المحافظات، والطرق السريعة.
«نحاول طوال الوقت المحافظة على منتجنا الذى بدأناه من الصفر، وخاصة فيما يتعلق بدقة المعلومات، إذ إن هناك من يقلدون نفس البرنامج كما هو تماما، مع إضافة خاصيات أخرى». يوضح وليد مصطفى أن وجود رعاة لمشروعهم من البداية كان علامة فارقة فى عملهم وأعطاهم المصداقية والشرعية.
هل يحاول مؤسسو «بيقولك» التأثير فى حياة المواطنين وحركة المرور إلى جانب البيزنس التقليدى الذى يخوضونه الآن؟ كانت هناك محاولات لدعم مبادرات مثل «Emokhalfa» التى تعتمد على توثيق أرقام السيارات المخالفة على الطريق وتقديمها إلى المسئولون، ومبادرة «إمش فى حارتك»، وغيرها من المبادرات، بالإضافة إلى حملات التوعية التى تعاملت وجها لوجه مع سائقى الميكروباص لتعديل سلوكيات القيادة الخاطئة. ويختم وليد مصطفى قائلا: «للأسف لم تنل تلك المبادرات التغطية الاعلامية الكافية، كما لم نعتمد فيها على رعاة أو ممولين لإنجاحها، لكن هذا لن يمنعنا من الاستمرار فى المستقبل القريب».  

70% من الحوادث تقع بسبب العنصر البشرى

عبدالرحمن مصطفى:

3 أسئلة إلى الدكتورة سميحة نصر رئيسة شعبة البحوث الجنائية بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية حول سلوكيات المصريين أثناء القيادة
 **
• رصد تقرير «حوادث المرور فى المجتمع المصرى» الصادر عن المركز فى عام 2010 اطرادا فى أعداد ضحايا الطرق، فكيف ترين الوضع الآن بعد 3 سنوات على نشر هذا التقرير؟
 يمكننا ملاحظة تأثير الضعف الأمنى على الحالة المرورية، ما دفع بعض الفئات إلى التمادى فى مخالفة قواعد المرور، لأنه لم يعد هناك رادع، لذا لا بد من استعادة الدور الحكومى ، وبأشكال أكثر عمقا من أجل تقويم السلوكيات الخاطئة فى القيادة، مثل قوافل التوعية المرورية فى الشوارع، وتحفيز الاعلام بهدف توعية المواطنين، وتكثيف الحملات الاعلانية، وذلك لتقويم السلوك الفردى والسلوك الجماعى، أما الأهم من كل ذلك هو إعادة الانضباط الأمنى إلى الشارع ، لأن الوضع قد أصبح أكثر سوءا.

 • تشير الأرقام إلى أن أكثر مخالفى قواعد المرور هم سائقو التاكسى والسرفيس ، فلماذا تقع هذه الفئة بالذات فى هذا الخطأ رغم أنه من المفترض أن يكونوا الأكثر احترافا فى قيادة السيارات ؟
 الحقيقة أنه يجب تسجيل ملاحظة أهم ، وهى أن فئة الشباب هى الأكثر خرقا لقواعد المرور ، وهذا بحسب التصنيف العمرى للمخالفين، أما عن فئة السائقين المهنيين، فهم أكثر الفئات المستهدفين من حوادث الطريق، وذلك لعدة أسباب على رأسها استهلاك المنبهات وتعاطى المخدرات ، وتمادى بعضهم فى القيادة لفترات طويلة دون راحة لتحقيق أكبر ربح ممكن ، ما يسبب التعب الشديد وقلة التركيز وهما على رأس أسباب حوادث الطرق.
 
• إلى أى مدى تؤثر رداءة الطرق، والتضخم السكانى فى وقوع حوادث الطرق؟
 بالتأكيد أن البيئة التى يتحرك فيها السائقون تؤثر فى وقوع صدامات أو حوادث وتؤثر فى سلوكياتهم ، وهنا نعود مرة أخرى إلى العنصر البشرى ، وهى النقطة الأهم ، إذ إن 70% من الحوادث تقع بسبب العنصر البشرى ، سواء بشكل فردى فى تعاطى مخدرات أو فى وجود مشاكل نفسية لدى البعض ، أو بشكل جماعى حين نجد حالات جماعية فى كسر قواعد المرور ، وهى أمور نراها فى الشارع بسبب ضعف الرقابة المرورية على بعض الطرق.

Monday, March 11, 2013

يوميات الهاربين من السياحة

ربع قرن من الإرشاد وبحث عن بداية جديدة
 **
فى الأيام الأولى من أحداث الثورة أدرك عادل عبدالظاهر المرشد السياحى المخضرم، أن هذا الوضع ستنعكس ظلاله على قطاع السياحة لفترة طويلة، ويعلق ضاحكا: «عرفت أن الثورة ستكون بمثابة قرار معاش مبكر بالنسبة لى». فى جزيرة الزمالك على مسافة غير بعيدة من مقر عمله الجديد، اختار أن يكون اللقاء هناك، لا يخفى فى حديثه مرارة 25 سنة قضاها فى مجال الإرشاد السياحى، واضطراره للبدء من جديد فى مجال آخر تماما، خاصة أنه من شريحة رأت الحقيقة بعد تدهور العمل السياحى فى العامين الماضيين. «عشنا طوال فترة عملنا ملوكا، لم نفكر فى تأمين علاجى أو فى تأمينات اجتماعية، حتى جاءت لحظة الحصاد فى العامين الأخيرين، فالعمل بشكل حر بين الشركات حسب قوة الموسم السياحى، كانت مغامرة طويلة، لم تعد مجدية الآن فى ظل تردى الحالة السياحية فى مصر».
 ينتمى عادل عبدالظاهر ــ الذى أتمَّ عامه الخمسين ــ إلى شريحة احترفت الارشاد السياحى فى وقت كان للمهنة وجاهتها، وذلك فى نهاية الثمانينات من القرن الماضى بعد تخرجه فى كلية الألسن، «الشركات كانت بتخطفنا» على حد قوله. كانت أعداد الشركات السياحية والعاملين بها أقل من الآن، كما كانت نظم العمل تتيح للمرشد السياحى أن يتفرغ لمهنته فقط. «منذ نهاية التسعينيات علت موجة جديدة من نمط العمل حوّلت المرشد السياحى إلى مندوب تسويق برامج الشركة ورحلاتها، كما أن انخفاض الأسعار أدخل شرائح من السائحين أقل ثقافة، وهمّشت حضور السياحة الثقافية لحساب السياحة السطحية، التى لا تسوق الحضارة أو تؤثر فى زوار مصر». هذا ما يصفه عادل عبدالظاهر، ومع ازدياد أعداد الشركات وتضخم القطاع، بدأ الشباب فى التوافد على المدن السياحية مثل الأقصر وأسوان بحثا عن العمل حتى لو أنفق مئات الجنيهات فى سبيل ذلك، فى تلك الأثناء تأثرت وجاهة مهنة المرشد السياحى، حين ازدادت نسبة تخريج المرشدين السياحيين من المعاهد السياحية، ما بدا فى تدهور الحال شيئا فشىء.
 فى أثناء العامين الماضيين، لم يتجاوز مجموع الفترة التى عملت فيها لحساب الشركات السياحية سوى شهرين، وهى فترة لا تكفى سداد التزاماته اليومية، «أعمل الآن فى مجال الترجمة من اللغة الألمانية فى وكالة للأنباء، والمصادفة أنى قد وجدت زميلا من نفس جيلى يعمل فى الترجمة أيضا». فى زحام السنوات الماضية انطوى عادل عبدالظاهر ضمن فئة من المرشدين السياحيين ابتعدت عن الأجواء التجارية التى غلبت على المجال، فبدأوا فى تثقيف أنفسهم، والعمل على أفواج سياحية ذات ثقافة عالية. «فى مرة وجدت أستاذا أكاديميا فى مجال العلوم بألمانيا، قضى قبلها 20 سنة فى تعلم اللغة الهيروغليفية، مثل هؤلاء السائحين لا بد أن تكون مسلحا أمامهم بالثقافة والعلم، ولهذا فإن بعض الشركات الألمانية كانت نادرا ما تستعين بمرشدين مصريين، إلا من يثقون فى ثقله المهنى». يصمت قليلا، ثم يضيف قائلا: «كنت فى أشهر الركود السياحى أقضى الصيف فى القراءة والكتابة والدراسة، والآن أنا مهتم بأن أكمل تلك البحوث، وأن أجمعها فى كتاب..».
 كانت التجربة الأكثر بؤسا فى العامين الماضيين، حين جرّب العمل فى خدمة العملاء لحساب إحدى شركات الاتصالات الكبرى، متلقيا شكاوى العملاء من المتحدثين بالألمانية عبر مكتب القاهرة، كان حوله شباب صغير السن، وواجه معاملة متعسفة من المديرين، وكل تعاملاته كانت مع زبائن ساخطين على مدى 9 ساعات دون توقف.
 يمر فى حديثه على أهمية دور المرشد السياحى، كسفير لحضارته بادئا بصورة الحضارة المصرية فى كتابات المستشرقين، وأهمية كسر تلك الصورة المغرضة بشكل علمى امام الزائر، وأن السياحة الثقافية أكبر من سياحة الترفيه وجلب الأموال. ينهى حديثه، مودعا المقهى، ومودعا مهنة عاش فيها بكل جوارحه لأكثر من ربع قرن.
**
شباب فى مهن أخرى: نسينا السياحة مثلما نستنا
 **
يتحدث مصطفى عبدالتواب (30 سنة) عن السياحة وكأنها من الزمن الماضى، قضى 10 سنوات من عمره كمندوب لإحدى الشركات السياحية الشهيرة، ينجز كل الشئون الادارية المتعلقة بالرحلات الوافدة إلى مصر، ونجح أن يجمع فى تلك السنوات خبرة بكل مسالك تخليص الاجراءات المطلوبة فى عمله، أما الآن فهو فى مجال آخر تماما، بعد تردى أحوال العاملين فى هذا القطاع بأكمله. «شغل السياحة كان صيت أونطة.. وفلوسها مش من المرتب، إنما من كذا حاجة تانية». يعمل مصطفى اليوم فى مركز صيانة بإحدى شركات السيارات الشهيرة، «فى أكتوبر 2011 أخدت القرار، إنى أشوف مجال تانى»، من هنا التحق ببرنامج «التدريب من أجل التشغيل»، وتسلم وظيفته قبل أسابيع قليلة، حيث يجيد العمل الآن على إصلاح أغلب أعطال السيارات، وذلك بعد أكثر من عام من التدريب، مستثمرا وقته فى زمن توقف السياحة عن العمل. يتحدث بحماس وإلى جواره زميل من عمله الجديد، ويشاركهما الجلسة صديقه عاطف شبل (30 سنة)، جاره الذى شاركه العمل فى مجال السياحة منذ سنوات قبل أن يتفرغ لقيادة التاكسى.
 حول المقهى الذى اجتمعوا فيه بحى الأميرية، تنطلق أصوات الخرطوش فى شجار بعيد، ما يجبر الجميع على تحويل الحديث إلى قضية الانفلات الأمنى. «السلاح مع الجميع، كيف تعمل السياحة فى هذه الأجواء!؟». لخصوا قولهم فى هذه العبارة. كان مصطفى عبدالتواب ضمن شريحة تحمل كل ضغوطات العمل السياحى. «لا شىء يتم سوى بالرشوة، كانت تلك قواعد الدولة فى إدارة العمل.. فكيف ينصلح حال هذا القطاع؟ لقد انكشفت الصورة الآن بعد تبدل الأحوال عقب الثورة، يجب إصلاح موظفى الدولة والشرطة والجهاز الإدارى بأكمله». يضرب مثلا بحالات رآها فى أثناء عمله كيف مكنت الرشوة بعض الشركات أن تلحق سائحيها الأجانب بقطار النوم وبنفس الأسعار المخصصة للمصريين. أما صديقه عاطف شبل فكان ضمن شريحة السائقين، إذ عمل مع عدة شركات سياحية، إحداها الشركة التى عمل بها صديقه مصطفى. نظام العمل هو «التشغيلة»، وله نصيب من عمولات يحصل عليها المرشد، وما يقدمه أصحاب المحال والبازارات من إكراميات على ما يشتريه السائحون من هدايا وتذكارات. «أنا فاكر لما اشتغلت مضيت استقالة مع عقد العمل زى أغلب الشباب»، هكذا يصف عاطف شبل واقع العمل فى السياحة قبل أن يتوقف.
 كلاهما يريان الأمر الآن بشكل أهدأ، إذ لا يندمان على وقوع الثورة وتبعاتها، بل يصنفان أنفسهما على أنهما من الشباب الثورى، الساخط على ما كان. «كان من الممكن أن يهيننى سائح، وأن تقف الشرطة فى صفه ضدى، اليوم أصبحت لى كرامة، خاصة وانا أعمل على التاكسى»، حسبما يقول عاطف شبل.
 بعد الثورة ظهر صوت المندوبين السياحيين وقائدى الأفواج السياحية، حين بدأ بعضهم فى تنظيم أنفسهم فى مجموعات وائتلافات لحل مشكلات الماضى، لكن هذا الأمر لم تتسع دائرته لتشمل جميع العاملين فى هذا القطاع، كثيرون تحولوا إلى مهن أخرى أو بقوا صابرين على سوء الأوضاع، وقلة الأفواج السياحية. ربما أصبح لدى مصطفى عبدالتواب الآن نصيب أفضل فى العمل بعد عامين من التشتت، فقبل عمله الحالى جرب العمل مع صديقه عاطف فى قيادة التاكسى، أما الآن فقد جرب الاستقرار فى وظيفته الجديدة لأول مرة بعقد جيد، يوفر له العلاج الصحى. أما عاطف الذى مازال يطوف الشوارع كسائق للتاكسى، فمازال يبحث عن فرصة عمل كسائق لدى جهة حكومية، وهو يعلق على ذلك قائلا: «رغم تفاؤلى بالثورة، لكن إن لم أجد فرصة فى العمل الحكومى، سأبحث عن عمل خارج مصر.. لقد رأيت ما يكفى».
 من بعيد يتابعان زملاءهم الذين ما زالوا يعملون فى شركات السياحة، بعضهم مستمر فى مهنته، وآخرون يبحثون عن بديل.
**
«الرئاسة لا ترى مصر بلدا سياحيا»
 **
  3 أسئلة إلى إيهاب موسى  رئيس ائتلاف دعم السياحة حول تحولات مجتمع العاملين فى قطاع السياحة بعد الثورة

1-هل حققت ائتلافات العاملين فى قطاع السياحة، تطورا بالنسبة للمهنة، أم أن الركود السياحى قد وقف عائقا فى وجه أى تغيير؟
تأسس ائتلاف دعم السياحة فى مارس 2011 ليكون أول ائتلاف يضم أبناء هذا القطاع، ولا يخفى أنه قد تكون من مجموعة عاشت سويا فى فترة اعتصام التحرير الأولى، وكنا على صلة وثيقة بائتلاف شباب الثورة، كان هدفنا ومازال هو خلق بيئة عمل سياحية جيدة تنهض بهذا القطاع، ما جعلنا نتداخل مع أحزاب ومجموعات ثورية بهدف الاطلاع على برامجهم السياسية، والتنسيق كى يهتموا أكثر بقضايا السياحة وهمومها، نحن هنا لا نحول الأمر إلى حركة مطالب فئوية، فهذا دور النقابة والغرف السياحية، وأحيانا ما نوصل المشاكل إلى تلك الجهات المختصة.
  
2-ما ملامح المعركة الحالية من أجل تطهير بيئة العمل فى قطاع السياحة؟
المشكلة أننا نواجه نظاما حاليا لا يرى السياحة فى حساباته، ولعل عبارة الرئيس محمد مرسى عن رؤيته لمصر كبلد زراعى، وأنه يتمنى تحويلها إلى بلد صناعى تكشف عن أن السياحة لا حضور لها فى تفكيره، رغم أننا ساندناه وجلسنا معه كباقى المرشحين فى فترة الانتخابات الرئاسية. هناك مشكلة أكبر فى ظهور ائتلافات أخرى تضم أفرادا لهم مصالح شخصية ولهم صلات بالنظام القديم، وهى لا تتبنى فكر التغيير الجذرى فى قطاع السياحة، لذا نجد بعضهم يتعامل مع مشاكل العاملين فى السياحة كمشكلة فئوية، لا يهتمون بإصلاح الكيان كله، فبعضهم نجح بالفعل فى تحقيق بعض المطالب مثل: نسبة الـ12% التى يدفعها العملاء مقابل الخدمة فى المنشآت السياحية، والاتفاق على إيصال حق العاملين منها، لكننا نتحدث عن هذه الأمور فى وقت توقفت فيه السياحة بشكل مروع، أما إذا تحدثنا عن تطهير، فأنا أقدر أن دخل السياحة قد يصل إلى 50 مليار دولار وليس 12 مليار دولار مثلما كانت تقول بيانات وزارة السياحة، وذلك بسبب نسبة التهرب الضريبى العالية لدى العاملين فى هذا المجال والعمل بشكل غير مقنن أو بصورة مخالفة.
  
3-هل نجحت الحالة الثورية فى العامين الماضيين فى زيادة وعى فئة العاملين فى السياح أم انصبت اهتماماتهم على تحقيق مطالبهم الفئوية؟
هناك عشرات الآلاف انضموا إلى الائتلاف مكونين مجموعات لهم فى المحافظات، وكنا نعمل على حملات توعية حيادية لمساعدة أبناء هذا القطاع فى اختياراتهم السياسية، لكن حين نجد أن أغلب العاملين يفقدون قدرتهم على التصويت بحكم عملهم خارج محافظاتهم الأم، ندرك أن هناك رغبة فى تهميش هؤلاء، وعدم تيسير سبل المشاركة السياسية بالنسبة إليهم، خشية قوة تصويتهم التى ستصب فى غير مصلحة التيار المسيطر على الدولة الآن.
**
تحذيرات وأرقام

• فى نهاية العام 2010 كان عدد السائحين قد بلغ 14.7 مليون، وانخفض فى عام الثورة 2011 إلى 9.8 مليون سائح حتى ارتفع الرقم قليلا فى العام الماضى 2012 إلى 11.5 مليون سائح، وتستهدف وزارة السياحة زيادة عدد السائحين الوافدين إلى مصر إلى 13 مليون سائح بنهاية العام الحالى حسب تصريحات حكومية.
 • شهدت بداية العام الحالى 2013 تحذيرات من عدد من الدول الغربية نتيجة الاشتباكات وبعض القرارات الرئاسية التى صاحبت ذكرى الثورة فى يناير الماضى، إذ أغلقت سفارة كندا أبوابها لأسباب أمنية بعد إعلان حالة الطوارئ فى ثلاث محافظات مصرية، وكذلك فعلت السفارة البريطانية فى القاهرة، كما حذرت وزارتا الخارجية فى كل من ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية مواطنيها من السفر إلى مصر فى الشهر الماضى، بعد ارتفاع أعداد القتلى إثر اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن، وتلك التحذيرات ليست الأولى التى توجه فى الموضوع نفسه، بل شهد العامان الماضيان تحذيرات شبيهة أطلقتها دول غربية أخرى.

Sunday, September 23, 2012

الصراع على الأرض .. حقنا في المدينة

الدويقة ترفع شعار : احذروا غضب مــن ضاع حقه

عبدالرحمن مصطفى:
الأجواء هادئة داخل مكتب التسكين الرئيسى فى مدينة النهضة، مواطن يدفع المبلغ الشهرى لمحافظة القاهرة، وموظفون محاطون بالملفات والدفاتر، «اذهب إلى مكتب تسكين 3، هو الذى كان يتعامل مع متضررى المناطق المهددة بالإنهيار..» العبارة لأحد الموظفين، أما فى مكتب تسكين 3 على بعد 200 متر تقريبا، يشير على سيد ـ مدير المكتب ـ إلى ملفات على أرفف مجاورة قائلا: «هناك قائمة انتظار طويلة، لكننا لم نعد نقوم بتسكين مناطق الدويقة أو غيرها هنا فى النهضة». لم يكن الحال كذلك قبل عامين، بل كانت قوافل السكان تأتى فى حماية الأمن المركزى بعد الإخلاء حتى يستلموا شققهم هنا فى النهضة، وفى منطقة مجاورة لمكتب التسكين تقع مساكن معروفة باسم «المحتلة» أقام فيها مجموعة من المواطنين بعيدا عن المحافظة، طامحين فى تقنين أوضاعهم. يعلق مدير التسكين بمدينة النهضة قائلا: «لو أخرجتهم السلطات من تلك المساكن المحتلة، ربما يكون هناك فرصة لأصحاب قوائم الانتظار».
تبعد المسافة بين مدينة النهضة ومنطقة الشهبة قرب مساكن الحرفيين فى الدويقة حوالى 20 كم، وعلى مشارف الدويقة، تنتقل العربات المتهالكة من طريق الأتوستراد حتى نهاية مساكن الحرفيين بسرعة بطيئة، وفى أعلى تبة جبلية تقع الشهبة، وهى مصنفة لدى الدولة على أنها ضمن المناطق غير الآمنة وتنتظر الإزالة بأكملها.
تبدأ رحلة الوصول إلى منزل الحاج أبومصطفى بطريق صاعد إلى التبة ثم المرور فى ممرات تتسع لفرد واحد، أقرب إلى سلالم حجرية صنعها السكان، وفى حجرة ضيقة هى منزله الذى لا تصله المياه، يُخرج من جيبه قرار نيابة منشأة ناصر المحرر فى نوفمبر الماضى بشأن شكوى تقدم بها أهالى «الشهبة»، وينص القرار على: «تكليف رئيس الحى باستكمال الإجراءات اللازمة، والحصر المطلوب للسكان وتحديد إذا ما كانت المنطقة تمثل تهديدا للأرواح». على جدار الغرفة رقم مدون بالطباشير وضعه مسئول حصر السكان قبل مدة طويلة، «أخذوا أوراقنا وبياناتنا ولم نحصل على شقق، وليس هناك وعود حقيقية بأى شىء..». طوال الوقت يكرر الجالسون حول أبومصطفى عبارات تحمل الغضب والاستياء: «محدش حاسس بينا»، «فى ست أسر فى بيت واحد.. يرضى ربنا ده ؟!»، «إحنا لو معانا فلوس نقعد هنا ليه؟ المستفيد الوحيد هنا البلطجية!». يتدخل حنفى محمود أكثرهم صخبا وحماسا كى يوضح: «هناك فساد تسبب فى ضياع حقوقنا». يعمل حنفى بشكل متقطع فى مجال العمارة، وتوافرت له مؤخرا فرصة التواصل مع لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى لنقل معاناة أبناء تلك المنطقة، من نماذج المعاناة التى يستعرضها أن تقوم السلطات بإخلاء إحدى العشش أو البيوت المتهالكة، وتقوم بالهدم دون تعويض. ويروى قصة أخته التى تعرض بيتها المتواضع إلى تشققات بسبب تنقيب عشوائى عن آثار من قبل أحد سكان المناطق المجاورة. جاء فى دراسة بعنوان «الحماية الجنائية للحيازة» للدكتور عماد الفقى ـ المحاضر فى القانون الجنائى ـ بعض التوصيات بشأن تغليظ العقوبات المقررة لجرائم الاعتداء على الحيازة، سواء كانت الاعتداءات من الأفراد العاديين أو الموظفين العموميين، وهو هنا يجرم أيضا عملية الإخلاء القسرى على يد الأمن التى تتم فى أغلب المناطق العشوائية، وصدرت تلك الدراسة عن مركز «شفافية» للدراسات المجتمعية والتدريب الإنمائى، الذى يتابع حالة سكان الشهبة. يعلق حسين متولى، مدير المركز: «فى البداية علينا أن نشير إلى مخطط القاهرة 2050، الذى يقوم على رؤية تعتمد على الاستثمارات المستقبلية، فى المناطق العشوائية مثل مناطق ماسبيرو ورملة بولاق، وفى هذه المواقف يتحول المواطن إلى جزء من خطة لا دور له فيها، خاصة فى حالة الإخلاء، ولدينا نموذج أرض حكر أبودومة فى روض الفرج التى أزيلت للمنفعة العامة، وحتى الآن لم ننتفع كمواطنين بهذه المنطقة، إنه منطق السلطة فى التعامل مع الأهالى».
السير بحذر بين الدروب الصاعدة فى منطقة الشهبة، تكشف عن بيوت وعشش أقرب إلى مكعبات حجرية، ضربت التشققات بعض جدرانها، والجميع هنا يدبر أمره فى توفير الكهرباء أو المياه أيا كانت الوسيلة. يشير حنفى محمود من أعلى التبة الجبلية إلى مساكن سوزان مبارك بالأسفل، ويعلق حسام على الشاب الثلاثينى قائلا: «طوال السنوات الماضية كانت أمامنا هذه المساكن، ولم نفكر فى احتلالها مع من خاضوا هذه التجربة بعد الثورة، لكن أن نكتشف أنه قد سكنها من ليس لهم حق، ونحن هنا نطل عليها دون أن نسكن.. هذا ظلم». يشكك عدد من السكان فى إجراءات التسكين التى تجريها المحافظة، وفى وجود فساد حكومى يسمح لغير المستحقين أن يسجلوا أسماءهم محل سكان الشهبة، ويضربون الأمثال بحالات أخلت السلطات منازلهم، وتركتهم فى العراء، ووصل غيرهم إلى المساكن المجاورة بواسطة الحكومة.
تمثل المناطق غير الآمنة للسكن حوالى 25% من المناطق العشوائية فى القاهرة، ورغم هذه النسبة إلا أن المسئولين يصرون على ردهم المعتاد بعد كل شكوى: «ليس هناك مساكن متوافرة !».
العالم فى الشهبة صغير ومحدود، فى مناطق مجاورة هناك من هم أيسر حالا من سكان هذه التبة، وإن كانوا فى بيوت شبيهة، وفى عالم صغير كهذا تتلاقى الوجوه فى مقاهى مساكن الحرفيين المجاورة، بين العاملين فى الحى والسكان، وبين المستضعف والبلطجى، وتظل النار تحت الرماد. «لو قامت ثورة تانية، هنبقى إحنا اللى وراها، عشان ناخد حقنا من البلد». يلقى حنفى محمود عبارته، وفى الخلفية من بعيد أبراج على بعد كيلومترات لأحياء أرقى وأوفر حظا. قد تتعرض هذه المنطقة إلى انهيارات فى أى وقت وقد تتعرض بعض المساكن المتشققة إلى انهيارات قد تردم أسفلها حضانة للأطفال ومساكن أخرى، ويحتمى بعض السكان هنا بالحكومة كدرع لوجوده فى المنطقة... يقول حنفى محمود: «عرضوا علىّ أكثر من مرة أن أحصل على سكن فى أكتوبر، أو أى مكان آخر، لكن رفضت أن أترك أهلى وأهرب وحدى». المصير المحتوم هنا إما انهيار صخرى نتيجة بناء جديد أو تنقيب عشوائى، أو الانتقال إلى سكن آخر لا يعلم محله أحد حتى الآن.

***
«العشوائيات ليسـت عنوانـا واحـدًا لمشاكلنا»
  • 3 أسئلة إلى الدكتورة رباب الحسينى، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية حول المناطق العشوائية وطرق التعامل معها 
•إلى أى مدى يتسبب التجاور بين العشوائيات  والمناطق الأوفر حظا فى مشاكل مجتمعية وأمنية؟
 هؤلاء القاطنون فى المناطق العشوائية حاولوا حل مشكلاتهم فى السكن بطريقتهم الخاصة بعد عجز الدولة عن توفير حلولا لهم ولأسباب أخرى متعلقة بهجرة بعضهم من الريف إلى الحضر، ومن المؤكد أن هناك سؤالا يدور فى أذهانهم هو «لماذا لا أحصل على حقى مثل بقية المناطق الأفضل حالا؟»، هذا السؤال لم تترجم اجابته إلى اعتداءات من مناطق عشوائية على مناطق راقية، وذلك حسب ما تؤكده الدراسات فى السنوات الماضية، وتفسير هذا الأمر هو أن سكان المناطق العشوائية فى موقف ضعيف أمام الدولة والمجتمع، بسبب مخالفتهم القوانين فى البناء والسكن. الأمر الآخر هو أن الدراسات تكشف عن أن شريحة كبيرة من أبناء هذه المناطق هم من أبناء الطبقة الوسطى، فليس كل سكان العشوائيات فى حالة متردية اقتصاديا، ما يجعلهم غير مضطرين إلى التعدى على المناطق الراقية، لكن تبقى الخطورة فى ضعف الحالة الأمنية الحالية، وانتشار السلاح مع المواطنين دون ترخيص، وهو يجعلنا نخشى أن نرى تلك المحاولات فى المستقبل.
 • ما الضوابط المفيد فى عمليات نقل السكان فى حالات المساكن المهددة بالانهيار والعشوائية؟
 فكرة نقل السكان فى حد ذاتها ليست الحل الوحيد لأزمة العشوائيات، لأن ما يحدد هذا الأمر هو الدراسات الهندسية والعمرانية لتلك المناطق، والفيصل هنا هو سلامة السكان، كأن تتوافر ـ على سبيل المثال ـ مساحات تسمح بمرور عربات الإطفاء والأمن فى حالات الطوارئ. ويبقى أمر آخر لا يقل أهمية وهو وجوب استطلاع آراء السكان ومدى ارتباط محل سكنهم بمعيشتهم واقتصادهم، وهل بالإمكان تقنين أوضاعهم أم الأفضل إعادة توطينهم فى مناطقهم داخل مساكن أكثر تطورا.. تلك الأمور كلها يجب أن تخضع للدراسة أولا.
 • هل تبتعد خطط الدولة أحيانا عن واقع سكان المناطق العشوائية وطموحاتهم المستقبلية؟
 للأسف إحدى أكبر الأزمات التى تعانى منها هذه المناطق هو تعامل الدولة معها لفترة طويلة بمنطق أمنى، وقد بدأ هذا التوجه بعد مقتل الرئيس الراحل أنور السادات واكتشاف بؤر إرهابية فى مناطق ذات طابع عشوائى. الأمر الآخر الذى يعانى منه سكان هذه المناطق هو وصمها بأنها أوكار للجريمة، ما يجعلها عرضة للتعسف الحكومى، علما بأن الدراسات الجنائية تكشف عن واقع آخر، فعلى سبيل المثال هناك تواجد لتجارة المخدرات فى مناطق أوفر حظا ولا يتم وصمها مثلما هو الحال مع العشوائيات. ما أراه هنا هو أن الدور الحكومى ضعيف بشكل عام، وليس ذلك عن نقص فى الاموال أو القدرة على توفير بدائل، فهناك جهاز متخصص مثل صندوق تطوير العشوائيات أنشئ خصيصا للتعامل مع هذه القضية، لكن ما هى إنجازاته حتى الآن؟ الأزمة هنا فى الإدارة والإرادة معا.
***
       الخصوص وأبوحشيش: الاسم عشوائيات والقصة مختلفة
  • حكاية قرية زراعية تحولت إلى مدينة غير مخططة..وسيرة عزبة فى قلب العاصمة
  تبعد المسافة بين مدينة «الخصوص» شمال شرق القاهرة وعزبة أبوحشيش فى وسط العاصمة حوالى 11 كم، وكلاهما مصنف ضمن المناطق ذات التخطيط العشوائى، لكن ما يعيشه محمد شحاتة المحاسب الشاب فى مدينة الخصوص مختلف تماما عما يعيشه الشيخ محمد سيد أحد قدامى سكان عزبة أبوحشيش.
 قبل أكثر من 15 سنة كان بإمكان المحاسب الشاب محمد شحاتة أن يرى من شرفة منزله فى قرية «الخصوص» القديمة مساحات واسعة من المزارع الخضراء تنتهى بعيدا، قرب ترعة الإسماعيلية على بعد مئات الأمتار. هذا الواقع تغير اليوم إلى مساحات مزروعة بمبان سكنية تتراوح ارتفاعاتها بين 6 إلى 12 طابق، «يمكن للساكن فى شقته أن يسمع تفاصيل حياة جاره فى العمارة المقابلة بسبب ضيق الشوارع، عمارات سكنية مقبولة المظهر، لكنها بنيت فى فوضى وعلى غفلة أحيانا من الدولة أو بتواطؤ من موظفيها فى أحيان أخرى»، يصف محمد شحاتة الذى يعمل فى مجلس مدينة الخصوص ذلك المشهد أثناء عبوره إلى منزله فى شارع البنزينة (داير الناحية سابقا) حيث مازالت هناك بعض ملامح القرية البائدة فى بعض المساكن القديمة. ذلك التطور النهائى لمدينة الخصوص يشبه قصة أكثر من 70% من العشوائيات فى مصر المقامة على أراض زراعية، حسب أرقام المركز الوطنى لتخطيط استخدامات أراضى الدولة. أما فى عزبة أبوحشيش بحى حدائق القبة فالواقع يحمل تطورا آخر أكثر اختلافا، حيث يلاحظ المارة هناك أزمة فى المرور من أمام مدخل العزبة الرئيسى ناحية شارع بورسعيد فى غمرة بسبب تضخم تجارة الروبابيكيا والخردة على أطرافها، وأغلب العاملين فيها من المهاجرين حديثا خاصة من محافظة الفيوم، وهو ما يصيب شخصا مثل الشيخ محمد، الذى عاش فى العزبة منذ ميلاده قبل 57 سنة، بحالة من الغضب. «كان أهلنا فى الماضى من سكان العزبة يعملون فى المصانع المجاورة التى أغلق معظمها الآن، ومنذ سنوات طويلة هناك حديث لا ينتهى عن إزالة المنطقة، لكن لم يحدث شيئا».
 قد تتشابه بعض المشكلات بين منطقة قديمة مثل أبوحشيش ومنطقة أخرى مثل الخصوص فى مشهد برك المجارى والتكدس السكانى، لكن الصورة لا تتطابق أبدا، إذ تظل الأحداث أكثر كثافة فى أبوحشيش لصغر مساحتها (حوالى 20 فدان) فى مقابل (1200 فدان) هى مساحة الخصوص منها (1000 فدان) من البناء العشوائى، وبينما ظلت أبوحشيش منسية من محاولات التغيير الجذرى، تضخمت الخصوص حتى تحولت من قرية إلى مدينة فى العام 2006. «تنتمى جذور عائلتى إلى العتامنة فى مركز طما بمحافظة سوهاج، وهذه الناحية من عزبة أبوحشيش كانت معروفة بهم، وفى مدينة الخصوص هناك مساحات أيضا قطنها العتامنة أبناء عمومتى حين بدأ العمران هناك». تلك المفارقة يذكرها الشيخ محمد صاحب الحضور فى عزبة أبوحشيش حين يطرح اسم مدينة الخصوص أمامه كبديل سكنى، كثير من سكان عزبة أبوحشيش الذين يقدرون بـ120ألف نسمة ـ حسب آخر إحصاء حكومى ـ ليس لديهم القدرة المالية للانتفال إلى شقة أخرى فى مناطق من نوعية الخصوص أو غيرها، إذ تتكرر عبارات على ألسنة الشباب الجالس فى المنطقة مثل: «إن كان هناك من يستطيع مساندة المنطقة فى تطويرها أو دعم سكانها فعليه ألا يتأخر». تقع عزبة أبوحشيش على خطة الدولة فى مشروع القاهرة 2050 ومصنفة ضمن المناطق غير الآمنة، وقبل سنوات أجرى حصر للسكان، وكانت هناك وعود بأن يتم تطوير المنطقة وتسليم شقق جديدة للمتضررين أو تعويض مالى. «قمنا بمبادرة أن نقيم أكشاكا وسوقا بديلا ناحية السكة الحديد لتجار البيكيا والخردة، لكن لم يتجاوب معنا أحد من الحكومة، ولم يتحمس كثير من السكان». الجملة للشيخ محمد الذى وصل إلى قناعة مفادها أن المنطقة بأسرها فى حاجة إلى قرار حكومى واضح، يشرح ذلك: «قد لا يتفق أغلب المالكين هنا فى العزبة مع وجهة نظرى فى التعاون مع أى محاولة تطوير أو إزالة، لأنهم يريدون الاستفادة من مساكنهم وإعادة بناءها، أما حل الإزالة والنقل هو الأنسب للمستأجرين أو السكان الأكثر بؤسا.. أنا عن نفسى ورغم أننى مالك سأحشد للقرار الصائب للعزبة حتى إن كان فيه قرار بإزالة منزلى القديم.. المهم الصالح العام». يتم هذا الحديث الآن فى خلفية واقع جديد فى عزبة أبوحشيش بعد الثورة، وهو ازدياد موجة بناء العمارات الجديدة بعد هدم المساكن القديمة المتهالكة. ورغم ضعف هذه الموجة لكنها قد تعيق أى تطوير مستقبلى، إذ بنيت عمارات يتجاوز بعضها العشرة طوابق، كذلك فإن بعض رجال الحزب الوطنى السابق كانوا يتعاملون مع المنطقة على أنها كتلة تصويتية يمكن الضغط عليها فى المواسم الانتخابية، لذا تم تكريس الوضع على ما هو عليه.
هذا الواقع مختلف تماما عن منطقة مثل الخصوص، فمشاكلها أضخم وفى حاجة إلى تطوير يتناسب مع عدد سكانها الذى تجاوز المليون مواطن. يصف الوضع محمد شحاتة، الذى كان ممثلا لحملة أبوالفتوح فى الخصوص قبل أشهر، قائلا: «حركة بيع وتقسيم الأراضى أوجدت مجالا جديدا للعمل، وكذلك اعتمدت على حالة الفساد فى الفترة الماضية، وبعد الثورة أصبح هناك نوعا من التمادى فى تعلية الطوابق السكنية.. الجميع يتعامل بسياسة الأمر الواقع، وهو أمر مخيف إذا ما أردنا إزالة مخالفة أو تطوير للمنطقة».
موقف الوافدين حديثا على المنطقتين سواء عزبة أبوحشيش أو القرية العملاقة «الخصوص» هو ضعف المشاركة المجتمعية. فى أبوحشيش يعمل أغلبهم فى تجارة الخردة، تاركين المسؤولية الاجتماعية لأهالى العزبة الأصليين، وفى الخصوص رغم اتساع مساحات السكن، إلا أن الأجواء العائلية ما زالت ذات حضور هناك. ورغم ما تعانى منه الخصوص من وصم بسبب أزمة التعامل مع القمامة والصرف الصحى ومشكلة المياه، لكنها لم تتعرض للوصم الذى تعرضت له عزبة أبوحشيش فى حملات إعلامية تناولت العشوائيات من موقف يعتبر سكان عزبة أبوحشيش بؤرة إجرامية. هناك قد تجد شابا مصابا بقنبلة «المونة» فى يده أثناء شجار، أو آخر مصاب بخرطوش عرضا بسبب نزاعات بين التجار ناحية الشارع الرئيسى، ويدافع أحد الشباب عن ذلك قائلا: «أى منطقة شعبية كده.. احنا ماختلفناش كتير». يعلق الشيخ محمد موضحا: «تجار المخدرات هنا معروفين لدى الأمن، وليسوا شريحة واسعة كما يدعى الإعلام، اسم المنطقة ليس له صلة بالمخدرات، لكن اسم إحدى العائلات القديمة هنا.. كل ما نطلبه هو أن تنصت الحكومة لمبادراتنا، فنحن أدرى بشئون عزبتنا».
 PDF

Monday, July 2, 2012

الخوف من الأغراب: ابحث عن العدو الوهمي خلال الأزمات

كاميرا و أجنبي .. المعادلة الصعبة في الشارع المصري
كتب – عبد الرحمن مصطفى

يحمل سامي شاهين الجنسية الأيسلندية، كما يحمل وجها ذي ملامح مصرية صميمة، لكن هذا لم يمنع عنه المواقف المزعجة التي تعرض لها في الفترة الماضية، "في مدينة الاسماعيلية حيث تنتمى أصول العائلة، فوجئت بأحد الأهالي يصرخ عقب صلاة الجمعة، مستهجنا شكل ملابسي المختلفة، وحقيبتي الكبيرة، وأصابه الفزع والشك في هويتي دون سبب واضح"، لا يخفي سامي سخطه معتقدا أن "النظام يتعمد تخويف الناس من الأجانب و المعارضين ليقوي موقفه"، على حد قوله . يعمل سامي شاهين (31 سنة) في مجال الإخراج والتصوير، لذا كان أكثر تأثرا بالإعلانات التي اذيعت مؤخرا للتحذير من نشر المعلومات عبر الانترنت، ومن الجواسيس الأجانب في داخل مصر، و كان شعارها : "كل كلمة بثمن.. الكلمة تنقذ وطن". يقول سامي شاهين: "مفيش جواسيس في الدنيا بالغباء اللي في الاعلانات دي !!" . يطلق عبارته متذكرا ما تعرض له العام الماضي في مدينة السويس، أثناء تصويره في شوارع حي الأربعين هناك، إذ تعرض له أحد الأهالي وحرض عليه الناس لينتهي به الحال في إحدى الجهات الأمنية بغرض التحقيق حول سبب وجوده، ثم تم ترحيله نهائيا من المدينة. في ذلك الوقت تناقلت المواقع الاخبارية الخبر بعنوان : "اعتقال أيسلندي يحرض أهالي السويس لحرق مديرية الأمن. ورغم أنه لم يتعرض للاعتقال مرة أخرى بعد تلك الحادثة، إلا أنه يؤكد على أنه لاحظ حالة العداء المتزايدة تجاه التصوير والأجانب في الشارع، ويشرح وجهة نظره قائلا: "أصبحت معادلة الخوف هي الكاميرا والأجنبي .. والاثنان يستدعيان حس المؤامرة لدى المواطنين".
في الأسابيع الماضية تعرض عدد من المصورين والمخرجين للتضييق عليهم أثناء التصوير في الشارع، وذلك في أعقاب الصخب المصاحب لبث إعلانات "الجاسوسية" على القنوات المصرية، كان آخرهم المخرج أحمد خالد أثناء مصاحبته لزميلة نمساوية ومصورة ألمانية لتصوير فيلم عن نماذج نسائية من الثورة المصرية، وحسبما يذكر في شهادته التي دونها على صفحته في شبكة فيسبوك الاجتماعية، فقد فوجيء بعبارات عدائية من سكان هذه المنطقة في دار السلام، وكلمات متناثرة مثل : "جواسيس.. اسرائيليين .. قطر.. .. أمريكان.. سيبونا في حالنا..انتوا عايزين مننا ايه.. ؟!".
هذه المواقف أرجعها عدد من العاملين في مجالي الفن والاعلام إلى نبرة التخويف من الأجانب التي بدأت تنعكس على علاقات الشارع، لكن الأمر ليس على هذه الدرجة من السوء مع أجانب آخرين مقيمين في مصر، أحدهم هو الإيطالي "إنريكو دي أنجيليس" (33 سنة) الذي يعمل باحثا في مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية – سيداج- بالقاهرة، يقول: "أسمع تعليقات في مترو الأنفاق بعد سلسلة إعلانات الجاسوسية، لكني أتعامل معها على أنها نوع من المزاح". يبتعد إنريكو عن أي مساحة قد تجلب له المشاكل، و يوضح قائلا: "هناك شيء لم يدركه المصريون جيدا، وهو الانبهار الذي أصاب البعض في الغرب تجاه ثورة 25 يناير وميدان التحرير، وهناك من يأتون خصيصا لفهم ما يحدث". بعض هؤلاء اختار أن يكتب كمراسل حر لصحف في الخارج لمجرد أن يتواجد في مصر ويقترب من الأحداث، هؤلاء يشبههم انريكو بأنهم "سائحو الثورة"، لكن بعضهم يقع في مشاكل كالتي وقع فيها أحد أصدقاء أنريكو، حين سلمه المتظاهرون إلى الشرطة العسكرية أثناء أحداث محمد محمود، وتم ترحيله إلى إيطاليا مباشرة. يتحدث إنريكو بلكنة شامية بحكم إقامته السابقة في لبنان وسوريا قبل مجيئه إلى مصر، فهل يجد البعض في مظهره و لكنته الشامية صورة مثالية للجاسوس التقليدي كما تجسده الدراما المصرية ؟ يبتسم قائلا: "أقدر حالة الشك التي قد تصيب البعض في البداية لكني أتعامل في الغالب مع شريحة متنورة تتفهم عملي البحثي، وليسوا بهذه السذاجة التي قد يكون عليها البسطاء".
على المقهى يجلس إنريكو مع أصدقائه المصريين والايطاليين ساخرين من إعلانات الجاسوسية، من وجهة نظره فإن الأوضاع أفضل بمراحل واسعة عن الحال في سوريا ، و يشرح ذلك : "العداء للأجانب له صلة بموقف الدولة من الأجانب، هنا في مصر الوضع مختلف، لأنه ما زال لم يتكون بعد خطاب سائد ضد الأجانب، ولم يترجم إلى سياسات عنيفة.. وهنا أريد أن أوضح أن الشريحة المرتبطة بالثورة سواء في مصر أو سوريا أو تونس هي الأكثر انفتاحا على الآخر، والأكثر ثقة في أنفسهم، ولا تشغلهم نظرية المؤامرة".

الشباب الأكثر انفتاحا
لا تتوافر دراسات عن تنامي العداء تجاه الأجانب في مصر ، خاصة في الفترة الانتقالية التي أعقبت الثورة، كما أن أعداد السائحين الأجانب قد لا تعبر عن حقيقة الموقف مع حالة الانفلات الأمني وغياب الاستقرار السياسي التي عاشتها البلاد في أعقاب الثورة، لكن الانتقادات لم تتوقف طوال الفترة الماضية عن أن إشاعة أجواء التخويف من الأجانب قد تؤذي السياحة، وتشير الأرقام إلى أن إيرادات السياحة في العام 2010 كانت قد وصلت إلى حوالي 13 مليار دولار بينما انخفضت إلى 9 مليارات في العام الماضي 2011.
رغم تلك الأجواء إلا أن فنانا سويسريا مثل جون لوك مارشينا الذي يعتمد عمله على التصوير، قد لاحظ اختلافا بين زيارته إلى مصر في العام 2007 و الفترة الحالية، إذ كانت مشكلاته تقتصر في الماضي على التعامل مع رجال الأمن، أما بعد الثورة، فقد أصبح التضييق يحدث من ناحية الأهالي. "ربما أصبح هذا الهاجس الأمني لدى المواطنين بسبب ضعف الحالة الأمنية بعد الثورة، لكن لا أستطيع أن أقول إن هناك حالة عداء تجاه الأجانب في مصر". يقول مارشينا بعد تعرضه للتضييق مؤخرا من مواطنين اعترضوا على تصويره لعمارة ذات طراز معماري متميز: "رأيت إعلانات مكافحة الجاسوسية على الانترنت، والحقيقة لم أفهم الغرض منها !!". لا يجيد جون لوك مارشينا العربية، و كثيرا ما يضطر إلى التصوير في الشارع، ويتفق مع انريكو الباحث الايطالي على أن شريحة الشباب هي الأكثر انفتاحا . ثم يختم قائلا: "أنوي كتابة خطاب إلى رئيس مصر الجديد، أخبره فيه أن لديه كنزا من الشباب، وعليه ألا يعيدهم إلى الاحباط مرة أخرى".

الدولة الأمنية : العملاء من أمامكم ، ونحن من خلفكم

"ما رأيناه في الفترة الماضية ليس أحد مظاهر القبضة الأمنية للدولة، بل هو أحد مكوناتها التي ظهرت في أفلام دعائية تحذر من الجواسيس، وتخوين النشطاء على مدار الفترة الماضية "، هذا ما يراه الدكتور شريف يونس- المدرس بقسم التاريخ في جامعة حلوان- و يستدعي في حديثه بعضا من مجال اهتمامه البحثي في تاريخ الحقبة الناصرية بعد ثورة 23 يوليو، إذ يرى مشاهد متشابهة بين الحقبتين، والقاسم المشترك هو محاولة فرض القبضة الأمنية للنظام. "لو عارضت الدولة آنذاك، فلن تكون متهما بمخالفة النظام وحسب، بل ستتهم بأن هناك عدو خارجي يدعمك". تلك كانت أدوات السيطرة في تلك الحقبة، لكن بعض التفاصيل المتعلقة بالأجانب لها خلفيات سابقة على تولى عبدالناصر الحكم، إذ كان هناك وضع مميز للأجانب قبل الثورة في مصر، وهو ما أشار إليه جمال عبدالناصر نفسه لتوضيح سياساته في تلك الفترة، كأن نجده في سنة 1961 – عام صدور قوانين يوليو الاشتراكية- يؤكد في اجتماع مجلس الوزراء على أن تجارة الأرز كانت في أيدي الأجانب واليهود، وأن علاقتهم الخارجية أعاقت التصدير الحكومي، ما يبرر ما اتخذه من إجراءات . قد تبدو المقارنة بعيدة بين عالم الخمسينات والستينات وعالم ما بعد ثورة 25 يناير، إلا أن هذه الفجوة الزمنية تنكسر بعد قراءة عناوين المقالات في الصحف الغربية التي تحذر رعاياها من التوجه إلى مصر بعد بث سلسلة إعلانات "الجاسوسية" على بعض التلفزيونات المصرية، منذرة بموجة عداء تجاه الأجانب حسبما نقلت هذه الصحف، هذا الموقف يعيدنا إلى موقف شبيه في الخمسينيات بعد حرب 56 نتيجة سياسات الدولة تجاه الأجانب في مصر. ويعرض الكاتب الراحل مصطفى أمين في مقال بتاريخ 9 فبراير 1957 ملمحا عن هذه الفترة أثناء دفاعه عن إجراءات الدولة آنذاك قائلا : "إن الذي يقرأ صحف العالم في هذه الأيام يظن أن مصر أغلقت أبوابها في وجوه الأجانب" ، ورغم عدالة القضية التي يعرضها مصطفى أمين في عودة ميزان القوى للمواطنين المصريين بعد أن مالت الكفة لصالح الأجانب قبل الثورة، إلا أن المفارقة أن الكاتب مصطفى أمين نفسه قد تعرض للاعتقال والحبس مدة تسع سنوات والتهمة هي : التخابر لصالح المخابرات الأمريكية . يعلق الدكتور شريف يونس : "استخدام العدو الوهمي الخارجي لتحريك آلة القمع الداخلية وتجميد الحراك السياسي، هو في النهاية مناورة سياسية ، لنتذكر سويا قضية التمويل الأجنبي للمنظمات الأمريكية، وسفر المتهمين بعد ذلك، هل تبعها قطع علاقات أو عداء مع الولايات المتحدة الأمريكية ؟ العلاقة ما زالت مستمرة، وستستمر، لكن الاعلام ركز عليها ثم انطفأت بعد التخويف المؤقت من الأجانب والجمعيات الأهلية".

"لن يستطيع الحاكم تضليل المصريين في المستقبل"
3 أسئلة للدكتور طريف شوقي
أستاذ علم النفس وعميد كلية الآداب- جامعة بني سويف

- هل ترى في إلحاح الدولة على تقديم أعداء داخليين وخارجيين أنه أحد مظاهر حالة " التعبئة المعنوية" ؟

ما أراه بصورة أكبر هو "تهيئة مسرح العمليات للمرحلة القادمة"، لكن ذلك يتم بصورة لم تختلف عن مظاهر الدعاية السياسية التي رأيناها على مدار التاريخ، حتى أنها تبدو طرقا قديمة وبالية أحيانا.. ولا أعتبر هذا التوجه من السلطة "حالة تعبئة داخلية" لأن الواقع يقول إننا لسنا في حالة حرب، لكن السلطة التي لا تستطيع تحقيق الأمن، تلجأ إلى التخويف كي تبرر وجودها وسطوتها، إما باختلاق مخاطر وهمية على الحدود، أو بالتخويف من الأجانب ، لكن هذا التكرار، وثبوت عدم مصداقيته، يفقد السلطة نفسها مصداقيتها.

- كيف ترى أداء المصريين في التعامل مع هذا الموقف ؟

أجد أن هذه المحنة التي مرت بها مصر بعد عام ونصف من الثورة هي منحة من الله كشفت الكثير أمام المصريين، وأعطتهم تدريبات ذهنية مجانية على كيفية نقد ما يتعرضون له من مواقف، وتحليل ما يصل إليهم من معلومات، وربطها ببعضها البعض، هذا لم يكن يحدث من قبل، كنا في حالة استسلام وكسل ذهني، والسيء في الأمر أن السلطة لا تظهر أي ابداع في التعامل مع الجماهير بينما نجد هذه الجماهير أكثر ابداعا وذكاء في التعامل مع المحن وحملات التضليل .

- ما المتوقع من الاستمرار في لعبة تخويف الجماهير وتحفيزهم ضد أعداء غير حقيقيين ؟

لنسأل أنفسنا في البداية .. متى تقدم الغرب ؟ الإجابة : بعد الحرب العالمية الثانية وخسائرها، ما حدث آنذاك هو صراعات قادتها أنظمة دكتاتورية، فوقعت حروب اعتمدت على الدعاية السياسية، و كان التغيير الحقيقي حين اهتمت هذه الدول بتحليل ودراسة ما تعرضوا له على أيدي تلك الحكومات، وبدأوا في الاستفادة من تلك الأحداث في النهوض بمجتمعاتهم ، لذا .. بعد هذه المرحلة التي نعيشها الآن ستأتي مرحلة استخلاص الدروس، و استثمار هذه التجربة الذهنية في بناء المستقبل بشكل أكثر إحكاما.

تاريخ السيطرة على الجماهير

ما أن ظهرت سلسلة اعلانات الجاسوسية الأخيرة حتى تبادل بعض مستخدمي الانترنت مواد فيلمية كانت تذاع في أمريكا في نهاية الأربعينات للتخويف من خطر الشيوعية، هذه المواد المتاحة الآن على موقع يوتيوب، كانت إحدى وسائل النظام الأمريكي في مواجهة الاتحاد السوفيتي، إلا أن تلك الوسائل في الدعاية السياسية قد بدأت مع بدء النظم السياسية في التاريخ، إذ انتشرت في المعابد والقصور الملكية في الحضارات القديمة وعلى رأسها الحضارة المصرية جداريات تنقل الرهبة إلى نفوس الشعب، و صورت سطوة الملك على أعدائه الذين يهددون خيرات البلاد، كما صورت ملاحم الحكام وكيف ساندتهم الآلهة ضد من يهددون الأمن الخارجي والداخلي.
ومع ازدياد النضج السياسي الذي برز في الدولة الإغريقية، رصد بعض الفلاسفة مثل أرسطو دور الدعاية السياسية في قيادة الجماهير، حين كانت الخطابة – التي حملت عنوان أحد أعماله- هي الوسيلة الأقوى في توجيه المواطنين والوصول إلى المناصب العليا في البلاد، أما في عهد الملك فيليب المقدوني، والد الاسكندر الأكبر فيسجل المؤرخون أنه أول من استخدم الأساليب المخابراتية في الحروب من نشر الإشاعات وإضعاف الروح المعنوية لأعدائه.
أما في فترة العصور الوسطى والإسلامية فقد كانت الحروب الصليبية إحدى أكبر الحروب التي قامت بسبب الدعاية السياسية، ونجحت البابوية آنذاك في نشر دعاية مفادها أن هناك اضطهاد من المسلمين للمسيحيين في بيت المقدس، كما استخدم البابا أوربان الثاني تعبير " الأرض التي تفيض باللبن والعسل " من الكتاب المقدس لتحفيز الجماهير الفقيرة والأمراء المغامرين والملوك على الحرب، واقتناص غنائم الشرق.
و في ذلك العصر كان التمثيل بجثث الأعداء إحدى وسائل القبضة الأمنية في البلاد الإسلامية و بث الخوف في نفوس الأهالي، وهو ما كانت تشهده القاهرة بشكل معتاد، وفي تلك الفترة تجاوز الحكام الأعراف الإسلامية في العقوبات البدنية بشكل مختلف، مثل المعاقبة بجدع الأنوف وقطع الآذان، حتى يكون أصحابها وسيلة دعاية مجانية لسطوة الدولة المملوكية.
في العصور الحديثة كان ظهور الطباعة في أوروبا نقلة هامة في الدعاية السياسية، لذا استخدمها البروتستانت المعارضين للكنيسة الكاثوليكية، وطبعوا المنشورات والكتيبات التي تروج للمذهب الجديد، إلا أنه سرعان ما فطنت النظم السياسية وقتها ومنها المملكة البريطانية التي أصدرت قرارا عام 1529 بأن تكون الطباعة بتراخيص.
وتعد فترة الحرب العالمية الثانية أحد مظاهر تجلي الدعاية السياسية بعد ظهور أدوات جديدة على رأسها التصوير السينمائي، وقد انتجت تلك الفترة مراجع هامة قامت على دراسة الدعاية السياسية، وخاصة النموذج النازي، إذ وعى هتلر الدرس الذي تلقاه بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى، فأنشأ وزارة الدعاية التي كان على رأس أولوياتها، السيطرة على الصحفيين الألمان، وخلقت الدعاية النازية آنذاك أعداء "للأمة الألمانية" على رأسهم اليهود، وتم ترويج صور نمطية عن أعداء الأمة المختلقين . ولم تنفرد ألمانيا بهذا النوع من الدعاية، إذ كانت دولا مثل بريطانيا وأمريكا تستخدم السينما واللافتات العامة للغرض الدعائي نفسه محذرة من الجواسيس الألمان، إحدى هذه اللافتات الشهيرة كانت في عام 1940 في بريطانيا تنصح الجماهير وقت الحرب: "احتفظ بسرك تحت قبعتك"، في إشارة إلى حالة الخوف السائدة من الجواسيس في تلك الفترة.
و في مايو 1968 بفرنسا ، بدأت حركة تحررية في أوساط الطلبة امتدت إلى شرائح أخرى من المجتمع ضد النظام القديم، وضمت تلك الحركة طلابا وعمالا كان بعضهم من الأجانب، ومع ازدياد المد الثوري بدأت موجات محافظة تعمل في اتجاه مضاد، إذ تم التشنيع على أحد قادة حركة 68 وهو "دانييل كوهين بنديت " لكونه ذو أصل ألماني يهودي وتم طرده من البلاد، فاعترض بشدة زملاؤه الثوريون، وازدادت الاتهامات من المحافظين بأن تلك الانتفاضة هي دعوي تخريب وبدأ الضغط من بعض أصحاب الأعمال على العمال الأجانب لديهم . إلا أن مبادئ تلك الحركة انتشرت بشكل كبير وحققت جزء من الإصلاحات على يد قوى سياسية فيما بعد.