Showing posts with label ملف.خاص. Show all posts
Showing posts with label ملف.خاص. Show all posts

Wednesday, May 20, 2015

الدين الذى يسعى إليه المصريون

 التدين الشعبى والتصوف.. التحليق بعيدًا عن صراعات السياسة

يتصدر الشأن الدينى واجهة المشهد السياسى، لارتباط الفكر الدينى المتطرف بأحداث العنف والإرهاب فى مصر، وفى الوقت الذى تتبنى فيه الدولة سياسات جديدة فى مؤسساتها لإحكام القبضة على ملامح الخطاب الدينى، والابتعاد عن التطرف، مازالت شريحة من المصريين تمارس التدين الشعبى عيدا عن الحلول الرسمية
- شحاتة صيام أستاذ علم الاجتماع: الصوفية هى الحاضنة الوحيدة للتدين الشعبى
- منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية: لا نسعى إلى سلطة أو مكسب سياسي
- الشيخ عادل نصر : المصريون معتدلون دينيا أما انحرافات الموالد فليست من الشرع
- خالد عبده الباحث في شؤون التصوف: الصوفية تركت أثرا عميقا في شخصية المصريين
يتواجد الاثنان فى المكان نفسه دون أن يلتقيا، الأول محمد فتحى الموظف بالمعاش الذى جاوز الستين بعامين، والثانى مصطفى رمضان الشاب الذى يبلغ الحادية والعشرين من عمره، كلاهما من أبناء حى السيدة زينب، يحرصان على الوجود وسط أبناء الطرق الصوفية وزوار«السيدة»، ليتحولا إلى جزء من مشهد روحانى يغطى محيط مسجد السيدة زينب.
«مولد السيدة زينب هو فرصة أنضم فيها إلى أبناء الطرق الصوفية، أشاركهم الذكر والانشاد، ثم أعود مطمئنا إلى منزلى.. هذا ما اعتدت عليه منذ سنوات عديدة».
تحدث الحاج محمد فتحى فى أثناء حضوره مولد السيدة زينب الذى أقيم أخيرا، بينما كان الشاب مصطفى رمضان فى سرادق تقيمه عائلته، حيث يوزع الطعام على الفقراء وزوار المسجد. لا يعتبر أى منهما نفسه صوفيا، لكنهما يندمجان بين أبناء الطرق الصوفية الذين تواجدوا فى السرادقات، ويصف مصطفى الشاب سبب مشاركته قائلا: «الهدف من وجودى هو تقديم الخير.. لا شىءآ خر».
فى كتاب (الدين الشعبى فى مصر) للكاتب شحاتة صيام أستاذ علم الاجتماع بجامعة الفيوم، يضع تعريفا للدين الشعبى بأنه «إسلام الطبقات الشعبية الضعيفة، التى تبتعد عن الإطار الرسمى وعن الحياة اليومية، وتنغمس فى الحياة الروحية». قد لا ينطبق هذا القول بشكل كامل على نموذج مثل موظف المعاش المحب لحلقات الذكر، ولا على الشاب الذى يقدم الطعام فى المولد كتقليدى عائلى، بقدر ما ينطبق على عدد غفير من المهمشين المحلقين حول مقامات العارفين بالله، والمؤمنين ببركة الأضرحة وقدرات المشايخ وكراماتهم، أو على حد قول شحاتة صيام فى حديثه لـ«الشروق» : «لنبحث خارج الحضر، ونتعمق فى الريف، ومجتمعات المهمشين سنرى تلك النماذج ما زالت متمسكة بتدينها الشعبى». ويبدأ فى شرح المزيد عن التدين الشعبى فى مصر، واصفا إياه بأنه «تدين خارج إطار المؤسسات، متحرر من أى وصاية، هو منتج شعبى يهدف إلى مقاومة كل سلطة دينية».
بعض المشاهد فى الموالد الصوفية تقدم هذا المعنى، كأن ترقص امرأة على نغمات الذكر الصوفى، أو أن يمر رجل ذى عمامة خضراء يدخن سيجارة فى حلقة للذكر، كلها مشاهد تقوم على التحرر من الشكل الرسمى للتدين أو الالتزام الحرفى بالتعاليم الدينية، وهو مستوى يختلف عن مستوى نماذج مثل محمد فتحى الموظف بالمعاش الذى يحضر دروس وحلقات ذكر صوفية باحثا عن الرضا والأمل، بينما يبدو الأمر أكثر وضوحا مع مصطفى رمضان الشاب الذى يوزع مع أفراد عائلته الطعام فى مولد السيدة زينب كل عام، إذ يروا أن ما يفعلونه ليس تقديم«نفحة» صوفية حتى إن ظن البعض ذلك، بل هو عمل خيرى.
«هناك قيم قدمها التصوف إلى المجتمع المصرى، وأزعم أن المصريين من أشد الناس تأثرا بالتصوف ومحبة آل البيت، لكن هذا لا يمنع من وجود ثغرات ينفذ منها من ينتقدون التصوف». يتحدث مصطفى زايد، منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية، عن الفاصل بين التدين الشعبى المتوغل فى سلوكيات المصريين، والقلق على صورة الصوفى المتدين من بعض السلوكيات «الشعبية». لذا يضيف أن «التصوف منهج حياة وليس مجرد انضمام إلى طريقة صوفية، بل هناك من المتصوفة من أصبحوا يبتعدون عن الصخب والأجواء الاحتفالية».
البديل الصوفى
كان هناك رهان لدى بعض الباحثين والكتاب فى العام الماضى على إمكانية أن تحل الصوفية محل تيار الإسلام السياسى الذى انسحب من المشهد، وحسب حديث منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية فإن الأمر ليس بهذه البساطة، بسبب انكباب قيادات الطرق الصوفية على مشكلاتهم الداخلية دون انفتاح على المجتمع، إلى جانب أمر آخر أهم من وجهة نظره، أنه من الصعب أن تحدث منافسة فى وقت من الأوقات بين التيارات الإسلامية والصوفية، إذ يقوم التصوف على تقديم الخير والدعم والتعبد دون النظر إلى المكسب السياسى، ولا تهدف الصوفية إلى زيادة عدد الأتباع بقدر أهمية تأثيرها على من حولها، أيا كان عدد المريدين.
فى جانب آخر يوضح شحاتة صيام أن نمو التيارات السلفية فى المجتمع المصرى، ليس دليلا على أنها تمثل «تدينا شعبيا»، إذ يؤكد على أن التدين الشعبى قائم على التحرر من السلطة الدينية وسطوة النصوص، وهو الأمر الذى لا تقدمه السلفية أو تيار الاسلام السياسى الذى يسعى إلى فرض سلطة على المجتمع، على عكس الصوفية.
فى هذا الزحام تقع مظاهر التدين الشعبى التى تحتضنها الصوفية فى مرمى النيران لأسباب متنوعة، على سبيل المثال فقد دار جدل فى العام 2009 حول كسوة ضريح مسجد الإمام الحسين التى وضعت باللون الأسود بعد تجديدات جرت فى المسجد، وتم توجيه اتهامات بأن ذلك إشارة على نفوذ الشيعة فى مصر، وتم تغيير لون الكسوة إلى اللون الأخضر بتأييد من بعض مشايخ الصوفية على اعتبار أن اللون الأخضر هو لونهم المفضل. لكن هذه التفاصيل الصغيرة أحيانا ما تطفو مرة أخرى، إذ ما زالت بعض المنتديات السلفية على الإنترنت، تحتفظ بأسئلة عن حكم استخدام الإضاءة باللون الأخضر فى بعض المساجد، وهو ما أزعج بعضهم واعتبره بدعة. تلك الاشتباكات البسيطة تطورت فى الأعوام التالية لثورة 25 يناير إلى تهديدات بمنع الموالد وهدم الأضرحة الصوفية، حتى انسحب تيار الإسلام السياسى من المشهد.
«المصريون فى تدينهم أقرب إلى الاعتدال والوسطية، إما أن نربط بين تدينهم ومظاهر انحرافات عن المنهج الشرعى كالتى تظهر فى الموالد وغيرها، فمن الظلم أن نقول أن هذا هو تدين المصريين، بل هو قلة علم وضعف فى الوعى الدينى لدى البعض».
يرى الشيخ عادل نصر، المتحدث الرسمى للدعوة السلفية، أن هناك مرجعية واحدة شرعية لكل المسلمين، وأن انسحاب تيار الاسلام السياسى من المشهد لا يؤثر على حضور أبناء الدعوة السلفية، ومن الصعب أن يصنع الموقف الراهن منافسا «صوفيا» يكسب مساحات تركوها، وحتى مع سؤاله عن تأثير وجود قيادات دينية مهمة فى الدولة لها خلفية صوفية، فلا يرى ذلك سببا فى صراع، لأن المرجعية الشرعية واحدة، بينما يتعامل مع فكرة «التدين الشعبى» بمبدأ أنه من الواجب أن تتم مراجعة العادات والتقاليد ومقارنتها بالشريعة، ثم تقويم تلك العادات إن احتاج الأمر.
فى دراسة منشورة من العام الماضى لناجح إبراهيم الباحث الإسلامى والخبير فى شئون الجماعات الإسلامية، طرح سؤالا تحت عنوان «هل يرث التصوف السنى الإسلام السياسى المصرى؟!»، لافتا إلى قيادات دينية تتصدر المشهد الإعلامى والدينى من ذوى الخلفية الصوفية، لكنه يطرح عائقا داخل نفس الدراسة أمام التقدم الصوفى حول «انصراف بعض أتباع التصوف للتدين الشعبى الذى تغذيه خطابات الموالد المختلفة، دونما اهتمام بتحصيل العلوم الشرعية، فأكثر الصوفية يتلقون عن مشايخهم العهد وليس العلم، باستثناء حالات محدودة» على حد قوله. وهنا يعود الحديث عن «التصوف العلمى» كنمط تدين بديل، واعتبار «التدين الشعبى» عبئا على تقدم الصوفية.
«الأمر الآن يتوقف إلى حد كبير على موقف الدولة، فنمط التدين الشعبى يمكن أن تتحكم الدولة فى مظاهره، أو أن تسمح به انصياعا لمبدأ حرية الاختيار.. الأمر كله يتوقف على ما يجرى الآن تجاه قضية الدين فى المجتمع». يتحدث خالد محمد عبده الباحث فى الفلسفة الإسلامية والتصوف عن مساحات التغيير الممكنة فى نمط التدين المصرى، ثم ينتقل إلى الجذور الثابتة التى تركها التصوف فى نمط التدين المصرى، قائلا: «يقدم التصوف مساحة من الحرية دون إكراه، نجدها فى المساجد الكبرى مثل السيدة زينب والحسين، وقد تركت الصوفية موروثا يدعم المستضعفين والفقراء، وهو ما زال راسخا لدى المصريين، وتلك الأمور ستظل متواجدة، لكن يظل فوقها حركة الدولة تجاه الدين».
حسبما يتحدث الباحث فى شئون التصوف، فإنه يطرح أن تقدم الدولة دعما لخطاب دينى راق، أيا كان من يتبناه، وهو ما سيرسخ ممارسة أفضل فى نمط التدين الحالى للمصريين.

الدين الرسمى للدولة

 - عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن: التجديد الدينى لا يتم إلا بواسطة العلماء

- إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة: عملية التجديد لابد أن تتم بعد مناقشات مفتوحة
قبل عام تقريبا، ظهر المرشح الرئاسى عبدالفتاح السيسى فى أول حوار تليفزيونى يجريه فى أثناء حملته الانتخابية، وقال إن الخطاب الدينى فى العالم الإسلامى أفقد الإسلام إنسانيته أمام الآخرين، وأبدى اهتماما واضحا بقضية الدين وموقعه فى حياة المواطنين، وذكر أنه اجتمع بالعديد من القيادات الدينية والسياسية فى أثناء فترة عمله فى المخابرات العسكرية، وأبلغهم أن خطابهم الدينى لا يصلح لقيادة الدولة. وعلى مدى عام بعد هذه التصريحات وتوليه رئاسة الجمهورية، تكرر المعنى عدة مرات فى مناسبات مختلفة، منها ما ذكره فى كلمته أمام رجال الأزهر وعلماء الدين قائلا: «والله سأحاججكم أمام الله يوم القيامة» مطالبا بثورة دينية لتجديد الخطاب الدينى.
تلك التصريحات تزامن معها استجابة مباشرة من المؤسسات المعنية مثل وزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر ودار الإفتاء، بما يرسم صورة عن موقف رسمى من قضية الدين فى هذه المرحلة.
«يحمل الفقه الإسلامى وسائل تجديده، فهو فقه متجدد بطبعه لكن بقدرات من يتولون تعليمه وتدريسه، أما الذين يبعدون عن التخصص الدقيق، فليس بوسعهم أن يدركوا حقيقة ما يتم فى عملية التجديد». يتحدث عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون فى جامعة الأزهر، عن أن عملية التجديد الدينى يجب أن تتم على أيدى المتخصصين من أبناء الأزهر الشريف.
ويتوافق ذلك مع المادة (7) التى نص عليها الدستور المصرى لعام 2014 فى أن «الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على جميع شئونه، وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم».
وفقا لهذه الرؤية جرت عدة إجراءات كان أشهرها ما تم أخيرا تجاه الباحث إسلام البحيرى، حين أصدر الأزهر بيانا فى الشهر الماضى قال فيه: «إنه فى إطار قيام الأزهر بالحفاظ على الدين الإسلامى من التشكيك والتشويه وعدم السماح بأن ينال أحدهم من صورة الإسلام، أو أن يعبث بعقول الشباب، فقد تقدم الأزهر الشريف بشكوى إلى المنطقة الحرة الإعلامية بالهيئة العامة للاستثمار ضد البرنامج المذكور، لما يمثله من خطورة فى تعمده تشكيك الناس فيما هو معلوم من الدين بالضرورة». كما تقدم شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بدعوى قضائية يطالب فيها بوقف بث برنامج الإعلامى إسلام بحيرى على قناة القاهرة والناس. ذكر فيها أن «جميع النصوص التشريعية أكدت أن الأزهر الشريف وشيخه هو صاحب الحق الأصيل والثابت فى الحفاظ على الثوابت الدينية، والتراث الإسلامى». هكذا كانت حركة الأزهر تستند إلى مرجعية الدستور المصرى فى حماية دوره القانونى.
أما وزارة الأوقاف الأكثر اتصالا بإنتاج الخطاب الدينى بحكم إشرافها على إدارة المساجد، فقد أدركت هذا الدور مبكرا، بأن حاولت اتخاذ عدة إجراءات للسيطرة على المنابر، مثل منع غير الأزهريين من الخطابة، وإعلان الوزارة تدشين غرفة عمليات لمراقبة مخالفات الخطباء فى المساجد المختلفة، ومنع الصلاة فى الزوايا الصغيرة. وبعد مسيرة شهور فى هذا الطريق تلقت وزارة الأوقاف فى ديسمبر الماضى رسالة شكر من مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، على دور غرفة عمليات الوزارة «فى ضبط الخطاب الدعوى بالمساجد»، ما أعطى انطباعا بأن الوزارة على الطريق السليم.
وتشير دراسة أعدها عمرو عزت الباحث فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تحت عنوان «لمن المنابر اليوم؟» إلى نتيجة مفادها أن احتكار الدولة قانونيا لإدارة النشاط الدينى الإسلامى حصريا، ومراقبتها لحدود النشاط الدينى، يقول إن الدولة تتخذ مكانة (الإمام)، وأنها تسعى إلى الحفاظ على مكانتها كممثل لجماعة المسلمين الموحدة، حيث لا ينازعها إمام آخر.
وأخيرا صدر حكما من محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية يؤيد قرار وزير الأوقاف بالامتناع عن تجديد تصريح الخطابة الممنوح لأحد المنتمين إلى التيارات الدينية المتشددة بمحافظة البحيرة، وأوضح بيان صادر عن مكتب الوزير أن الحكم بالنسبة إلى الوزارة بمثابة تأكيد على«اختصاص وزارة الأوقاف بالقيام بالنشاط الدعوى الدينى فى مصر والعالم العربى والإسلامى لتبيان صحيح الدين».
أما بعيدا عن الطريق الذى سلكته مؤسستى الأزهر والأوقاف فى تشكيل التدين الرسمى لهذه المرحلة، فإن مؤسسات أخرى قد استجابت بدورها، ومنها وزارة التربية والتعليم، وهو ما بدا واضحا فى خطتها استبعاد النصوص والموضوعات التى تحض على العنف أو الكراهية من المناهج الدراسية.
«كان هناك بالفعل أجزاء من نصوص يمكن أن تستخدم فى الحض على الكراهية أو تغذية العنف، فتمت مراجعتها من لجنة متخصصة والاستعانة بأكاديميين، تمهيدا لمراجعة شاملة لجميع المناهج الدراسية من لجنة عليا فى وزارة التربية والتعليم». تشرح ثناء جمعة، مديرة مركز تطوير المناهج التابع لوزارة التربية والتعليم، آليات العمل لتطهير المناهج من أى مواد تحض على الكراهية أو التطرف، كما تذكر أن مناهج التربية الدينية، تراجعها مؤسستى الأزهر والكنيسة.
ذلك الموقف الذى تتخذه الدولة من قضية الدين، ومحاولة مؤسساتها تشكيل نمط تدين رسمى يبتعد عن التحريض على العنف والكراهية، ينبئ عن سياسة عامة انخرطت فيها عدد من مؤسسات الدولة فى الشهور الماضية، ويبرز دور الأزهر واضحا مع ما منحه الدستور من سلطات، إلى جانب تأكيدات الرئاسة المصرية الدائمة على أهمية مشايخ الأزهر.
«هناك أزمة فى أن تطلب من مؤسسة محافظة أن تثور على ما حافظت عليه لسنوات، وأقصد أن مؤسسة الأزهر تهتم بقضية الحفاظ على ميراث الدين، فمن الصعب أن نطلب من المؤسسة نفسها أن تثور على جزء من هذا الميراث». الحديث لإبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، الذى يرى أن عملية التجديد من وجهة نظره تعتمد بالأساس على مناقشات حرة ومفتوحة، قد يكون للأحزاب السياسية مشاركة فيها بحكم أن الدين فى النهاية هو شأن عام.

ى دراسة له تحت عنوان «التدين الشعبى لفقراء الحضر فى مصر« يضع الباحث عبدالله شلبى أستاذ علم الاجتماع المساعد بكلية التربية فى جامعة عين شمس ثلاثة تصنيفات لأنماط التدين المتداولة فى مصر:
ــ التدين الرسمى:
ويمثل هذا التدين اختيار الدولة لشكل التدين الذى تسعى لتحقيقه، مستخدمة فى ذلك جميع مؤسساتها الرسمية، ويتم استخدام الخطاب الدينى الرسمى كوسيلة للضبط والسيطرة وإضفاء الشرعية على سياساتها، استنادا إلى احتكار النص الدينى واحتكار تأويله. ويوضح الباحث أن الخطاب الدينى للدولة فى هذا النمط، يعتمد على التأكيد والتشديد على نصوص دينية بعينها، أو إهمال نصوص أخرى حتى يبسط نفوذه بإحكام.
ــ التدين السياسى المعارض:
فى هذا النمط يميّز الباحث بين فريقين، الأول يمثل الجزء المعارض من داخل التدين الرسمى، وهم من ينتمون إلى مؤسسات الدولة ويروجون آراء مخالفة لما تتبناه الدولة، أما النمط الثانى فهو نمط التدين الخارج على التدين الرسمى وعلى مؤسسات الدولة، وأكثر من يعبرون عنه أصحاب النزعة الجهادية والانفصالية، حيث تجمعهم تنظيمات تعبر عن قناعاتهم ويتبنون إجراءات لتطبيق تلك القناعات.
ــ التدين الشعبى:
يمثل هذا التدين هروبا من مواجهة واقع اجتماعى شديد القسوة، ومواجهة الظلم الاجتماعى والاستبداد والقهر السياسى، وينشأ هذا النوع من التدين بعيدا عن التعامل التقليدى مع الدين ونصوصه، بل هو قائم على وعى الناس بالماضى القديم الأسطورى وتراكم الطقوس القديمة فى المجتمع.
ويرى الباحث أن التدين الشعبى المصرى، لا يفرق فى جوهره بين المسيحية والإسلام لأنه قائم على بنية اجتماعية وثقافية واحدة، وظروفا تاريخية متشابهة. ويضيف بعض العناصر الجوهرية فى هذا النمط من التدين، منها: الإيمان بالله وبعالم الغيب، والقضاء والقدر، والقسمة والنصيب، والمقدر والمكتوب، والرزق المحدود والمكفول، واليوم الآخر، والبعث والنشور، والحساب والعقاب، والجنة والنار، وتوقير الموتى واحترامهم وزيارة قبورهم.

Thursday, July 3, 2014

«طائفية» المالكى تدمر وحدة العراق.. «ملف كامل»



يبدو المشهد السياسى فى العراق متأزما بعد سنوات من سياسات التهميش ضد الطائفة السنية، التى انتهجها رئيس الوزراء العراقى نورى المالكى.
واليوم.. تتصاعد الاحتجاجات ضد استمراره فى الحكم، خاصة بعد إخفاقه فى التصدى لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، الذى أعلن الخلافة الإسلامية أخيرًا، ووسط كل تلك الأجواء، يصر المالكى على تمسكه بالوضع الحالى دون تغيير، وهو ما يهدد وحدة العراق، وفى داخل هذا الملف، تحاول «الشروق» فهم ملامح هذه الأزمة وتعقيداتها المختلفة.

مظالم السُنة واحتجاج العشائر.. بداية الأزمة مع «المالكي»

اقرأ المزيد هنا: http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=03072014&id=38644fb6-0f29-4d27-82fb-c1f1925f4dd4
 مظالم السُنة واحتجاج العشائر.. بداية الأزمة مع «المالكي» 

داعش.. قصة صعود فى أرض الرافدين وحلم «الخلافة»


متهمون بدعم داعش ولا دليل ضدهم

 

هل يتحول العراق إلى ساحة للحرب بالوگالة؟ 

 

بروفايل: أبو بكر البغدادى.. «زعيم داعش.. وأمير المؤمنين»

 

بروفايل: نورى المالكى.. حاكم على حافة الهاوية

 

مكونات الثورة السنية

 

سيناريوهات المستقبـل 


PDF

Saturday, January 11, 2014

الناس والدستور في بولاق الدكرور

- في الشارع مواطنون اختاروا "نعم" دون قراءة وآخرون اعتزلوا السياسة
- السؤال الشهير : هل ستتغير حياتنا بعد الاستفتاء ؟

بإمكانك أن تخوض التجربة مع من حولك، أن تختار مادة من مواد الدستور الجديد الذي سيستفتى عليه في 14 و15 يناير الجاري، ثم تبدأ في المناقشة، و تتلقي ردود الأفعال .. قد تجد من بدأ في الأهتمام، وآخر يطلب منك نسخة من الدستور لقراءتها، وهناك من سيواجهك بإحباط ولا مبالاة . ذلك ما حدث في هذه الجولة بين شوارع حي بولاق الدكرور، على اختلاف الشرائح التي تقطن هذا الحي.

كتب – عبدالرحمن مصطفى

المشهد الأول
مواطن امام بالوعة

في موقع قريب من نهاية شارع ناهيا في حي بولاق الدكرور، وبمحاذاة الطريق الدائري مباشرة، كان المشهد كالتالي، شاب يجلس جوار تل من القمامة، وأمامه حفرة واسعة يتضح فيما بعد أنها بالوعة تم إنشاءها قبل أيام، جلس الشاب في هذا المكان في انتظار تجهيز "غطا البلاعة"، تحسبا من أن يقع طفل صغير في هذه الحفرة . "التفاصيل كلها عند ورشة الحدادة اللي في الشارع الجاي ..". وبكل زهد يرفض الشاب التحدث عن الدستور أو عن الاستفتاء القادم، إذ كان لديه أمور أخرى تشغله على رأسها انتظار "غطا البلاعة".
تأسست هذه الناحية من بولاق الدكرور بشكل عشوائي دون الالتزام بقواعد في البناء أو بخطط في تقسيم الحي، وهو ما نتج عنه مشاكل في خدمات الصرف الصحي، تزداد كلما ازداد عدد المنازل المتجاورة، وطوال السنوات الماضية كان المشهد التقليدي هو ظهور برك من مياه الصرف الصحي، ما أضر سكان هذه الناحية .. ورغم هذه الظروف البائسة التي مروا بها، إلا أن عددا منهم لم يبد اهتماما حين قرأت لهم المادة رقم 46 التي جاء فيها : "لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة، وحمايتها واجب وطني. وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها، وعدم الإضرار بها .." .

المشهد الثاني
عند ورشة الحدادة

في شارع أنور صديق المتفرع من شارع جمال عبدالناصر حيث تقع ورشة الحدادة التي تحدث عنها الشاب المنتظر جوار بالوعة الصرف، كان العمال يجهزون "غطا البلاعة" المرتقب، لإنهاء مشروع تصدى له الأهالي لتجديد شبكة الصرف الصحي هناك.
"ببساطة اجتمع سكان الشارع بعد صلاة الجمعة قبل شهور، وقرروا تجديد الصرف الصحي، وتكلف كل بيت حوالي 3000 جنيه، وكلفوا مقاول خاص بهذه المهمة ". الحديث هنا لمحمود الصادق الذي جاوز السادسة والستين و يشرف على العمال في تلك الورشة، وحين عدنا إلى المادة 46 الخاص الخاصة بالبيئة الصحية السليمة وعن موقفه من الاستفتاء على الدستور القادم، قال : "سأنزل وأصوت بنعم .. "، لم يكن ذلك نتيجة اهتمامه بمواد الدستور، فوجهة نظره أن اكتمال مؤسسات الدولة هو البداية، وفي النهاية يمكن للناس محاسبة الدولة.
في طريق العودة إلى شارع ناهيا بمحاذاة الطريق الدائري، ينخرط عمال الصرف الصحي الحكوميين في محاولة أخرى لتحسين وضع النفق أسفل الدائري الذي امتزجت فيه القمامة بمياه الصرف.. فيما مضى كانت هذه المنطقة تنقسم إلى مزارع ذات طابع قروي، قبل أن تتلاشى الأراضي الزراعية، ولا يتبقى سوى مساحات خضراء نادرة، في مربع مزدحم بالسكان.
المشهد الثالث
المزرعة المحاصرة

على بعد حوالي 300 متر من تقاطع شارع ناهيا مع الطريق الدائري السريع، تقع مزرعة وحيدة وسط حصار من المنازل المبنية بالطوب الأحمر والعمارات السكنية الكبيرة، حيث يجلس إبراهيم فوزي الشاب العشريني وسط هذه المزرعة الباقية، ويبدأ حديثه قائلا: " لم أقرأ الدستور، معك نسخة ..؟" كانت أقرب المواد إلى مجاله في الزراعة هي المادة رقم 29 التي جاء ضمنها أن : " تلتزم الدولة بحماية الرقعة الزراعية وزيادتها، وتجريم الاعتداء عليها، كما تلتزم بتنمية الريف ورفع مستوي معيشة سكانه وحمايتهم من المخاطر البيئية، وتعمل على تنمية الإنتاج الزراعى والحيوانى، وتشجيع الصناعات التي تقوم عليهما. وتلتزم الدولة بتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعى والحيوانى".
بعد أن اطلع على نسخة من الدستور وقرأ المادة باهتمام عاد ليعلق قائلا: "هذه الأرض لا تحصل على سماد مدعم لها، والسبب بسيط وهو أن الجمعية الزراعية التي كانت تتبعها هذه الأرض قد أغلقت أبوابها منذ فترة طويلة، حيث كانت في منطقة زنين المجاورة، التي تحولت هي الأخرى إلى منطقة سكنية، لذا نشترى المستلزمات الزراعية بسعر السوق". هذه الأرض الزراعية باقية بناء على رغبة مالكها، بينما يعمل أحمد فوزي كعامل يزرع أنواع مختلفة من الخضروات، خس ،جرجير ، لفت، وتباع لتجار السوق المجاور.
تأسست منطقة بولاق الدكرور في الأساس كغيرها من المناطق ذات الأصول الزراعية بفكرة البناء فوق الأراضي الزراعية، وحسب بيانات محافظة الجيزة فقد زاد عدد سكان بولاق الدكرور من 197000 نسمة سنة 1976 إلى أكثر من 500000 نسمة سنة 2003، وهي الفترة التي تضخم فيها الحي بسبب البناء العشوائي، أما الآن فيصل عدد السكان إلى حوالي 850 ألف نسمة، وقد تتكرر نفس تلك القصة في أماكن أخرى خارج محيط العاصمة، إذ سجلت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في تقرير نشر لها مؤخرا أن ارتفاع إجمالى حالات التعدى على الأراضى الزراعية منذ 25 يناير 2011 وحتى 9 ديسمبر 2013 وصل إلى معدل 942 ألفا و790 حالة تشمل مساحة 40 ألفا و354 فدان ، وذلك في كافة انحاء الجمهورية.
أما بالعودة لأحمد فوزي العامل الزراعي الذي اختار العمل في هذه المزرعة المتبقية في بولاق الدكرور، فهو يعلم بحكم انتمائه إلى قرية "قنبرة" المجاورة أن الفلاح لا يكتفي فقط بما يحصل عليه من مستلزمات زراعية مدعومة من الحكومة وأن الأمر مكلف، والزراعة أحيانا ما تكون مغامرة.
يشير إلى أطراف المزرعة الصغيرة حيث بقايا أشجار تهاوت بعد أن تسربت إليها مياه الصرف الصحي من إحدى العمارات السكنية المجاورة، وهو ما دفع مالك المزرعة إلى بناء سور محكم حول أرضه، التي تقاوم وسط مجتمع رفض الزراعة قبل سنوات طويلة.
وأثناء الحديث مع العامل الزراعي أحمد فوزي حول الدستور، كان صديقه أحمد الشريف الذي يعمل في ورشة النجارة المجاورة قد أعجبته فكرة البحث عن مادة قريبة من عمله، فسأل : "هل فيه مادة تخص التأمين على العاملين؟". يعمل احمد الشريف بلا عقد أو ضمان اجتماعي، وهي الحالة التي تعرضت لها المادة 17 في نص يقول "لكل مواطن لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعى الحق فى الضمان الاجتماعى، بما يضمن له حياة كريمة، إذا لم يكن قادرًا على إعالة نفسه وأسرته، وفى حالات العجز عن العمل والشيخوخة والبطالة. وتعمل الدولة على توفير معاش مناسب لصغار الفلاحين، والعمال الزراعيين والصيادين، والعمالة غير المنتظمة، وفقًا للقانون". ورغم وجاهة هذه المادة إلا أن ما تذكره هنا من نصوص قد لا يوفر لهذه الفئات إلا معاش لا يجاوز 200 جنيه في أقصى تقدير.
المشهد الرابع
شارع زحمة
حين نترك هذه الناحية من بولاق الدكرور ونسير مع شارع ناهيا في اتجاه شريط القطار، تزداد كثافة الباعة الجائلين، وعربات "التوك توك"، ووسط هذا الزحام تتبدل ردود أفعال الباعة عند الحديث معهم عن الاستفتاء على الدستور، بين من يقول "هو الدستور بيقول إيه؟ كله حبر على ورق" و آخر يرى أن السيسي سيضبط إيقاع البلد بعد الاستفتاء على الدستور، وهناك من اعتبر أن مجرد الحديث عن الدستور وسط شارع مزدحم وصخب المارة هو نوع من الاستهزاء به.
كانت هذه المنطقة تحديدا قد شهد قبل سبعة أشهر تقريبا، قيام مديرية أمن الجيزة بحملة علي شارع ناهيا ما زال بعض الباعة يتذكرونها حتى اليوم، حين كان الهدف إزالة تواجد الباعة الجائلين تماما من المنطقة، لكن الأمور عادت إلى طبيعتها فيما بعد.
"أذكر أننا حاولنا وقتها النزول لإقناع الباعة الجائلين بضرورة إيجاد حل لمشكلة تضييقهم الشارع، وكانت ردود الأفعال عنيفة، وغير متوقعة .. وللآسف أن التواصل مع السلطات لم يكن مفيدا في أي مبادرة نطرحها". الحديث هنا لمحمد مجدى أمين حزب مصر القوية في بولاق الدكرور، الذي كان يتابع قبل أيام حادث القبض على عدد من أعضاء حزبه أثناء توزيعهم منشورات تدعو المواطنين للتصويت بلا على استفتاء الدستور.
لا تبدو الصورة متفائلة في حديثه، إذ أن مجرد فتح النقاش حول المادة 244 من مشروع الدستور التي تتعرض لفئة السياسيين الشباب، تنقلنا إلى مشاهد أخرى قد يعانيها الناشط السياسي في حي مثل بولاق الدكرور، وتنص المادة 244 على أن تعمل الدولة على تمثيل الشباب تمثيلاً ملائماً في أول مجلس للنواب يُنتخب بعد إقرار هذا الدستور وفقا للقانون. هذه المادة لم تكن مبهرة لعدد من النشطاء السياسيين المنتمين إلى حي بولاق الدكرور، إذ اعتذر أحد المنتمين إلى حزب الدستور عن التعليق على الدستور أو هذه المادة تحديدا، معللا ذلك بأنه قد ابتعد عن السياسة مؤخرا، وآخر منتمي إلى حركة 6 إبريل رفض التعليق على أي من مواد الدستور، في حين يرى محمد مجدي الذي تبنى حزبه -مصر القوية- مقاطعة الاستفتاء ، أن الحالة في هذه المادة، قد تخدم النظام القديم بشكل أو بآخر، كيف ؟ يعرض ذلك قائلا: "أذكر في الانتخابات البرلمانية السابقة كيف حاول أعضاء الحزب الوطني المنحل أن يصنعوا تحالفات وبدائل لهم ، أعتقد أن التزام الدولة بتمثيل الشباب قد تفيد شاب له ولاء لبرلماني سابق في الحزب الوطني". يتحدث محمد مجدي دون أن يخفي أن منطقته تكاد تكون خالية لعودة أعضاء برلمان 2010 ، وغياب شباب الثورة من المشهد.
المشهد الخامس
المقر السابق لحزب النور
تكفي جولة بين الشوارع الرئيسية في بولاق الدكرور، حتى نتفهم نبرة الإحباط التي يتحدث بها بعض النشطاء الشباب داخل الحي، ففي الناحية الأخرى من الكوبري الخشب، كان يقع حزب النور السلفي، اليوم حين تسأل المواطنين من أبناء نفس المربع، تجدهم لا يعرفون أين انتقل المقر الجديد، بل إن بعضهم لم يكن يعلم مكانه القديم قبل أن يخلي مقره قبل عدة شهور، في حين أن هناك لافتة تتصدر الشارع الرئيسي لعضو سابق في الحزب الوطني، وقد ظلت تلك اللافتة على حالها وكأن انتخابات العام 2010 كانت بالأمس، أما إذا انتقلنا مرة أخرى في منطقة شارع 6 أكتوبر قرب نهاية شارع ناهيا، سنجد مقرا لخدمة المواطنين لسيد المناعي أحد الوجوه المعروفة التي كانت تنفق بذخ على انتخابات 2010. كل هذه المشاهد تجعل المادة 244 التي تخص الشباب العاملين في السياسة غير ذات قيمة في مجتمع بولاق الدكرور التي يتوقع أن يعود إلى قبضة أبناء النظام القديم.
أما في الطريق أسفل محور صفط اللبن، فتبرز بقايا لافتات لمتنافسين من عهد الحزب الوطني، ما زالت كما هي، دون تغيير، وفي الجهة الأخرى تقع منطقة أبو قتادة التي تدخل هي الآخرى في زمام بولاق الدكرور، هناك شريحة أخرى من الشباب السلفي وقد اعتزلوا الشأن السياسي بأكمله، أحدهم ينتمي فكريا إلى الدعوة السلفية، وهي نفس مرجعية حزب النور السلفي، أكد أنه لم يقرأ الدستور، بل يرفض الحديث عنه، لكن حين عرضت عليه المادة رقم 7 التي يمكن لها أن تكون مهمة بالنسبة إليه بحكم نشاطه الدعوي، كان رده أنه سيعمل بالدعوة في الحدود المسموح بها، حتى لو فرض عليه أن يدعو آل بيته فقط، وكانت المادة 7 تنص على أن الأزهر الشريف هو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم . وهو ما قد يهم أحد العاملين في مجال الدعوة بعيدا عن الأزهر ومنهجه.
في الناحية المقابلة من عزبة أبو قتادة تقع مستشفى بولاق الدكرور العام، في داخلها يعيش مجتمع صغير من الأطباء، يواجه مواقف يومية بعضها يصل إلى درجة أن يتعرض لاعتداء أهالي المرضى بسبب تدهور الخدمة، أو ظنونهم حول أن الأطباء يتكاسلون في خدمتهم. وفي يومي 1 و 8 يناير الماضيين شارك أطباء هذه المستشفى مع مستشفيات عديدة حول الجمهورية في إضراب جزئي، ما كان له ردود أفعال لدى بعض المواطنين في المناطق المجاورة من بولاق الدكرور.
المشهد السادس
المستشفى العام
وفي إحدى ساحات المستشفى تقف مجموعة من الأطباء في نقاش جانبي، شاركوا في الإضراب الأخير، بعضهم موافق على مواد الدستور وآخرون يرفضون المشاركة في الاستفتاء بسبب احباطهم من الحالة العامة في البلاد. على سبيل المثال فإن الطبيب الشاب عزت عطية من قسم الأطفال، قد بدأ حديثه قائلا: "المشكلة ليست في الدستور، المشكلة في تطبيق القوانين التي تخرج من عباءة الدستور، ثم هل تكفي نسبة 3 % من الناتج القومى فقط لإنفاقها على الصحة حسب هذا الدستور؟". يقضي أغلب هؤلاء الأطباء سنوات العمل الأولى من أجل الحصول على لقب أخصائي، على أمل افتتاح عيادة خاصة ، أو حتى السفر إلى الخارج .. ومن أحد أسباب الإضراب هو تدني أجور الأطباء الشبان، إلى جانب غياب المستلزمات الطبية في بعض حالات الطواريء، ما يستدعي نقل المريض إلى مستشفى أخرى . "أحيانا ما يأتينا مريض وهو يحتضر بعد جولة على مستشفيات عاجزة عن تقديم الخدمة الطبية.. إضرابنا من أجل المريض والطبيب معا". يستكمل الدكتور عزت عطية وزملائه الحديث. وحين أنقل إليهم عبارة من نص المادة 18 تقولأنه : " يجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان فى حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة.". يأتي الرد سريعا من الجميع، الاضراب ليس امتناعا عن تقديم خدمة الطواريء أو ما تمثل خطرا على الحياة، كافة الأقسام من هذا النوع تعمل طوال فترة الاضراب. وفي خارج المستشفى مدرعة وجنود متراصين لحماية المكان، أما في بقية بولاق الدكرور، فتسير الأمور كما اعتاد أهلها أن تسير، إما بالحلول الجماعية أو بالإنصياع لصوت السلطة أحيانا، وتبقى مواد الدستور حائرة، بين من لم يقرأ وقرر أن يصوت بنعم، ومن اختار المقاطعة، وآخر متحمس لاستكمال خطوات خارطة الطريق.

Sunday, December 22, 2013

غزة .. سوريا.. أفغانستان.. صور تغزو عقول الإسلاميين وقلوبهم

شباب الإخوان الذين رفعوا لافتة «غزة فى القلب» فى العام الماضى أثناء التصعيد العسكرى الاسرائيلى ضد غزة، اختاروا الآن أن يرفعوا لافتة ذات عنوان شبيه «رابعة فى القلب»، لتنتقل رابعة محل غزة ويتحول شعار «غزة رمز الصمود» إلى «رابعة رمز الصمود»، وعلى هذا المنوال، تتمسك شريحة من شباب التيار الاسلامى بتشبيه تجربتهم بتجربة غزة فى مواجهة القوات الاسرائيلية.
ولا يتوقف الأمر عند حد الاستعارة من غزة فقط، بل يتجه بعضهم أيضا إلى اقتباس مشاهد من تجارب اسلامية أخرى، حتى يتحول الهدف فى النهاية إلى صنع نسخ من صور يقدسها شباب التيار الاسلامى سواء فى غزة أو سوريا أو العراق أو الشيشان أو أفغانستان وغيرها من النماذج الاسلامية.
«هناك عاطفة جارفة بين شباب الإخوان المسلمين تجاه غزة، بسبب طبيعة القضية الفلسطينية نفسها، وبسبب ما كان يحدث من حشد نفسى وعاطفى على مدار سنوات طويلة.. لقد رأيت بعينى كيف كان يتعامل شباب وفتيات الإخوان مع أفراد حماس، وتحديدا مع كتائب القسام.. هناك حالة ولع حقيقية». يتحدث الباحث الشاب عبدالرحمن عياش ــ العضو السابق فى جماعة الإخوان المسلمين ــ عن افتتان شباب الإخوان بتجربة المقاومة المسلحة فى غزة، وهو ما ظهرت أعراضه مؤخرا بشكل واضح، فى استدعاء صور من فلسطين المحتلة ومن غزة ومحاولة ربطها بتجربة اعتصام رابعة العدوية.
ويبرز عالم الانترنت كأحد الخنادق التى عاش فيها بعض شباب التيار الإسلامى متمسكين بنموذج حماس وتشبيه أنفسهم بأهل غزة وفلسطين مؤخرا. على سبيل المثال لم يكن مفاجئا أن تتداول الصفحات الإسلامية على الانترنت صورة، اشتهرت عقب فض اعتصام رابعة، تحمل فى نصفها الأيسر مشهدا لسيدة فلسطينية تقف أمام جرافة يقودها جندى إسرائيلى، وفى النصف الأيمن مشهد شبيه لسيدة مصرية تقف أمام جرافة يقودها جندى مصرى أثناء فض اعتصام رابعة. هكذا كان انغماس كثير من شباب الاخوان المسلمين فى قضية غزة وفلسطين حاضرا بشكل لا إرادى للتعبير عن مشكلتهم مع السلطة الحالية، وعلى مدار الأشهر الماضية استمر هؤلاء الشباب فى طريقهم دون تغيير، إذ تكرر الأمر فى مواقف أخرى، كان آخرها مع الطفل محمد بدوى الذى لقى مصرعه أثناء مسيرة لأنصار جماعة الاخوان المسلمين فى حى العمرانية، فالتقطت الصفحات المناصرة للرئيس السابق صورة الطفل القتيل وهو فى حضن أحد جيرانه، وأدمجوها مع صورة الطفل الفلسطينى محمد الدرة وهو فى حضن والده بعد مقتله على أيدى القوات الاسرائيلية، وهنا تتحول فلسطين إلى رابعة مرة أخرى، والاخوان المسلمون إلى ضحايا فلسطينيين.
وإذا بقينا قليلا فى عالم الانترنت، فقد كان معتادا أن يرفع الشاب الإخوانى صورة قيادى حمساوى على صفحته فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، وفى الجانب المقابل يؤكد الشاب السلفى على انتمائه القريب من الفكر الجهادى بأن يرفع صورة مجاهد إسلامى على حسابه فى الفيسبوك، مثل «خطاب»، الشاب السعودى الذى خاض معارك مسلحة فى أفغانستان والشيشان مع المقاتلين الاسلاميين. لكن الواقع تغير قليلا بعد 30 يونيو، إذ أصبح الشباب الإخوانى أكثر تعايشا مع أصحاب الفكر الجهادى، فأصبح الإخوانى لا يجد غضاضة فى رفع صورة المجاهد خطاب أو التسامح مع شعار القاعدة، فعالم الاعتصامات قد جمع الإخوانى والسلفى والجهادى سويا دفاعا عن «الشرعية» على حد تعبيرهم.
«ما حدث بين شباب الإخوان المسلمين، أنهم كانوا طوال الوقت يميزون أنفسهم عن السلفيين والجهاديين الأكثر تشددا، بحجة أن الاخوان أكثر تفتحا ويدركون معنى الديمقراطية، لذا كنا نجد المساجد والدروس الدينية ومواقع الانترنت التى يسيطر عليها الاخوان، أكثر تبجيلا لقادة حماس، فى حين يتغاضون عن سيرة أسامة بن لادن، وغيره من الجهاديين، والعكس تماما كان فى المعسكر السلفى الأقرب إلى سيرة الجهاديين عن قادة حماس، لكن الأمور اختلفت مؤخرا، وأصبح الشاب الإخوانى لا يمانع فى وضع صورة خطاب المجاهد الشهير على حسابه فى الفيسبوك». هذا الرأى ينقله عمار مطاوع أحد شباب جماعة الاخوان المسلمين، الذى خاض تجربة العمل فى منابر إعلامية إخوانية. وهو يضيف: «لقد اقتربت المسافات وبدأ الجميع يبحث عن رمز اسلامى، بعد سقوط مرسى الذى كان يعول عليه الاسلاميون، كما أن الشاب الإخوانى الآن متهم بالإرهاب، مثله فى ذلك مثل الجهاديين والتكفيريين الرافضين للديمقراطية والمدنية».
تلك الحالة من التقارب بين شباب الاخوان والمفتونين بالفكر الجهادى بحكم التجاور فى الاعتصامات، انعكست على مواقف على الأرض، منها ما جرى فى اعتصام رابعة العدوية بعد تغيير اللافتة الرئيسية فى منصة رابعة من «نحمى الثورة.. نحمى الشرعى»، إلى «مع الديمقراطية.. ضد الانقلاب». وهنا ظهرت انتقادات من تيارات سلفية وأخرى قريبة من الفكر الجهادى، ترفض فكرة الدفاع عن «الديمقراطية»، مؤكدين أن وجودهم فى الاعتصام كان دفاعا عن الشريعة بالأساس. «فى تلك اللحظة على سبيل المثال، حدث جدل بين شباب الاخوان وأصحاب الفكر الجهادى من الرافضين للديمقراطية، واطلعنا على حجتهم الشرعية، ووجهة نظرهم»، حسبما يستكمل عمار مطاوع. ومع الوقت تتكرر مواقف أخرى، كأن تظهر أعلام القاعدة وسط مسيرات أنصار الرئيس السابق مرسى، مثلما حدث فى أحداث مسجد الفتح فى أغسطس الماضى.
وكانت أغلب التيارات الاسلامية قد أيدت الثورة السورية، فالأدبيات السلفية التقليدية تتعامل مع المشهد هناك من زاوية الصراع الطائفى بين السنة والشيعة، فى حين يتعامل الجهادى مع الأزمة السورية على أنها أرض الشام وأرض المحشر، بينما تعامل معها شباب الاخوان وأعضاء حركة «حازمون» من منطلق أنها ثورة إسلامية، هذا الاجماع على تأييد الثورة السورية برز بشكل أكبر فى التفاف كافة تلك الاتجاهات حول الرئيس السابق محمد مرسى فى «مؤتمر الأمة المصرية لدعم الثورة السورية» الشهير فى يونيو الماضى بالصالة المغطاة، لذا لم يكن مستغربا أن تستعير هذه التيارات لفظ «الشبيحة» من التجربة السورية، وهو لفظ يطلق فى سوريا على مؤيدى النظام السورى الحالى، وأطلقوه فى فترة سابقة على مؤيدى 30 يونيو، واصفين إياهم بـ«شبيحة السيسى» ليكتب بعضهم هذا التعبير على الجدران، وتستخدمه كيانات سياسية مؤيدة للرئيس السابق مثل (التحالف الوطنى لدعم الشرعية) فى بيانات رسمية. هل يستمر شباب التيار الاسلامى فى مسار العزلة داخل عالم يستعير من تجارب إسلامية بدءا من القاعدة انتهاء بتجربة حماس فى غزة؟ يجيب عبدالرحمن عياش ــ العضو السابق فى تنظيم الإخوان المسلمين ــ بحكم قربه من شباب الجماعة: «أستبعد وقوع عنف جماعى، لكنى أتوقع ازدياد النزعة الانتقامية فى الفترة القادمة». بينما يعلق عمار مطاوع أحد شباب الجماعة قائلا: «أعيد مع بعض الزملاء قراءة الأدبيات الاخوانية من جديد، كى نخرج من حالة اليأس والكفر بالديمقراطية وبالمجتمع التى أصابت كثير من شباب التيار الاسلامى».

Thursday, November 7, 2013

رحلة الطماطم .. من المزرعة إلى المستهلك

- قانون السوق: بين كل موسمين للحصاد هناك موسم غلاء
- أصلحوا حال المزارع ينصلح حال السلعة

تستيقظ "أم رجب" بعد صلاة الفجر مباشرة كي تستعد لرحلتها اليومية إلى سوق العبور، و تعود من هناك ومعها كل ما تحتاجه من خضروات، أما في بقية اليوم ، فتجلس أمام لافتة متجرها الصغير "الصابح" في الحي التاسع في مدينة نصر حيث تنتظر الزبائن . تشير بيدها إلى أقفاص الطماطم قائلة : "كيلو الطماطم اللي بأبيعه بأربعة جنيه انهارده، كان من شهر بس بجنيه واحد و بأقل من كده كمان .. محدش عارف بعد أسبوعين تلاتة هيبقى بكام ".
في رحلتها الصباحية إلى سوق العبور، تستأجر سيارة (ربع نقل)، ثم تقوم بجولة سريعة بين عنابر الخضار لدراسة أسعار السوق. في الأيام الماضية كان سعر قفص الطماطم يتحرك بين 35 جنيها إلى 80 جنيها، حسب جودة الصنف و ظروف البيع ، علما بأن حمولة القفص الواحد تتراوح بين 18 إلى 20 كيلوجرام . في زيارتها الأخيرة إلى سوق العبور اشترت قفص الطماطم (العداية حسب لغة السوق) بحوالي 40 جنيها . و بحسبة بسيطة قد يظن البعض أن ثمن الكيلوجرام من الطماطم حسب هذه الأسعار سيتكلف جنيهان فقط، فلماذا تبيعه "أم رجب" بأربعة جنيهات ؟ تجيب على ذلك قائلة : "هناك مصاريف لا يراها أحد، مثل أجرة سيارة النقل يوميا، وقيمة تأمين القفص بـ 6 جنيهات ، كما أن التاجر يضيف وزن القفص -حوالي 2 كيلوجرام – إلى الحمولة الاجمالية، كذلك فإن هناك نسبة من الطماطم تفسد يوميا لدى كل بائعي الخضروات، والأهم من كل ذلك هو إيجار المحل الذي يتكلف 1200 جنيه شهريا".
في أسواق الجملة الكبرى مثل سوق 6 أكتوبر أو سوق العبور، أحيانا ما تكون العلاقات المباشرة بين تجار هذه الأسواق و صغار البائعين هي الفيصل، حيث يتم الاتفاق على الطلبيات عبر الهاتف على عكس المجهود اليومي الذي تقوم به "أم رجب". و في طريق مصر/الاسماعيلية الصحراوي حيث يقع سوق العبور لتجارة الخضروات والفاكهة، تبرز شاحنات محمّلة بأقفاص الطماطم قادمة رأسا من المزرعة، تتجه إلى عنابر الخضار حيث تجار الجملة، مهمتهم الوساطة بين المزرعة والأسواق الصغيرة أوالمحلات، لذا يقدم بعض التجار أنفسهم بوصفهم "قوموسيونجي". وفي داخل أحد العنابر الكبرى، وقف المعلم أبوعلي فرغلي جوار شاحنة كبيرة تبلغ حمولتها 240 قفص طماطم .. في انتظار البيع. هناك وسيلة شهيرة للبيع وهي المزاد، خاصة في المواسم الشحيحة، حين ينتظر التاجر تجمع المشترين حول شاحنة الطماطم القادمة من المزرعة، ثم يبيع لأعلى سعر. أما في حالة المعلم أبوعلي فرغلي فقد جلس إلى جوار ابنه جلال على دكة خشبية محاولا بيع "حمولة الطماطم" بهدوء ، منتظرا الزبون المناسب .. وهناك بين أغلب التجار كلمتان خفيفتان على لسان كل تاجر منهم، يرددونها كل حين : "السوق عرض وطلب، ماينفعش حد يتحكم في الأسعار، خصوصا مع الطماطم".
تتم زراعة الطماطم على مدار السنة، في مناطق مختلفة من الجمهورية، وفي أثناء الفترات الفارغة بين كل فترة حصاد يقل المعروض تدريجيا في السوق، وبالتالي تزيد الأسعار. هذا بعيدا عن لعبة التجارة نفسها التي قد يحدث فيها تذبذب في الأسعار على مدار اليوم الواحد : "في يوم بعت القفص بسعر 65 جنيه ، وبقية البضاعة بعتها آخر النهار على 45 جنيه". هكذا يحاول كل من جلال ووالده أبوعلي فرغلي تشبيه عملية التجارة في سوق العبور على أنها أشبه بالبورصة أو المقامرة .
وبسبب تقلبات السوق، يعمل كثير من التجار على تأمين أنفسهم مبكرا، بأن يدفعوا أموالا للمزارعين قبل زراعة الطماطم، بل و يضخوا أموالا في شكل أقساط للمزارع الذي يحتاج هذه الأموال للإنفاق على الأرض الزراعية و على أسرته، وبهذه الطريقة يضمن تاجر الجملة أن يحصل على المحصول بسهولة في وقت الحصاد، وكأنه شريك في الأرض. "كل ذلك حتى نضمن أن نحصل على الطماطم، بدلا من أن نجدها في أسواق الشلايش (السوق السوداء) غير الرسمية، لذا فإن من يتحدث عن تثبيت الأسعار يبتعد عن الواقع، وأي محاولة في هذا الاتجاه ستفتح سوقا سوداء للمزارعين تقضي على أسواق الجملة، الوضع السليم أن نترك السوق يحدد الأسعار حسب العرض والطلب" . يختم جلال أبوعلي تاجر الجملة في سوق العبور بتلك العبارة.
من المنتظر في الأيام القادمة أن تطرح أسواق بني سويف والجيزة ومناطق متفرقة في غرب الدلتا كميات من الطماطم مع بدء موسم حصادها، أما في الأسابيع الماضية فكانت هناك مناطق أخرى هي التي تمد الأسواق بحصادها، منها أراضي وادي النطرون المجاورة لطريق مصر/الاسكندرية الصحراوي.
وبصورة عامة ، تبلغ المساحة المزروعة بالطماطم في مصر سنويا حوالي 550-600 ألف فدان ، تنتج حوالي 10 مليون طن سنويا، وذلك حسب أرقام مركز البحوث الزراعية، التابع لوزارة الزراعة . على مسافة نصف ساعة بالسيارة من مدخل مدينة وادي النطرون، تتوزع حقول الموالح والفاكهة، إلى جانب الطماطم، أما محصول الطماطم قد تم بيع أغلبه في الأسابيع الماضية، عدا مساحات ضئيلة مازالت تنتظر الحصاد، ومن المتوقع أن يحصل أصحاب هذه المساحات الضئيلة المتبقية على مقابل جيد، بعد أن قلَّ ضخ الطماطم في الأسواق الكبرى .
"المسألة حظ، و أشبه بالقمار" حسبما يصف السائق الذي يقودنا إلى مزرعة المعلم علاء هاشم ذي الجذور الصعيدية، الذي كان يجلس في غرفة حجرية مع عدد من العمال الزراعيين المقيمين معه في الأرض، وبدأ في الحديث قائلا: "بإمكاننا أن نزرع الأرض في ثلاث تواريخ هي أول يونيو، أو أول يوليو، أو في منتصف يوليو تقريبا، وبالتالي سيختلف موعد حصاد أصحاب المزارع، وأيضا سينعكس ذلك على الكمية المطروحة في سوق الجملة، وهو ما سيؤثر على تجار التجزئة، ثم المستهلك العادي". في هذه الأرض الصحراوية يستأجر كثيرون مثل المعلم علاء أراض هنا ويزرعونها، وهناك من حقق أرباحا خيالية، وهناك من أصابته لوثة بعد أن فسد محصوله ولم يستطع بيعه بعد أن أصيبت الطماطم بداء قضى على أغلبها، وفي مثل هذه الحالات حين يفسد جزء كبير من محصول الطماطم في منطقة، فإن الفرقة الناجية من المزارعين هي التي تحقق أكبر الأرباح.
في وادي النطرون على بعد أكثر من 90 كيلو متر من القاهرة يمر المعلم علاء هاشم بين الحقول المجاورة، لمزرعته، حيث مازال البعض لم يجن ثمار الطماطم بعد، فهل سيحقق هؤلاء أرباحا أكثر من التي حققها هو في الأسابيع الماضية أثناء فترة رواج الطماطم؟ يجيب علاء هاشم سريعا :" من يضمن ذلك !؟ قد يتزامن ذلك مع نضج محصول في منطقة أخرى مثل العامرية، ما سيقلل من فرص هؤلاء.. لا شيء مضمون" . يصمت قليلا ثم يردد مثلا شهيرا يعرفه أغلب المزارعين :"حـُسن السوق ، ولا حــُسن البضاعة".
يخرج المعلم علاء من جيبه فواتير يعود تاريخها إلى أول الشهر الماضي، وتكشف فاتورتان لعمليتي بيع في نفس اليوم، أنه باع لتاجر في سوق الجملة في مدينة 6أكتوبر 40 قفص طماطم بسعر 10 جنيهات للقفص الواحد، وفي اليوم نفسه أيضا باع بقية الكمية لتاجر آخر بسعر 17 جنيه للقفص الواحد، هذا عدا نسبة العمولة التي تصل إلى 10% من المبلغ، في حين كان متوسط التسعيرة المعلنة على موقع سوق العبور على الانترنت هو 25 جنيها، "الأسعار تتبدل في نفس اليوم، وتختلف من تاجر لآخر .. نصيب" هكذا يختم المزارع الصعيدي.
قد تختلف الأسعار بين الأسواق الكبرى مثل السادس من أكتوبر وسوق العبور، كذلك قد يتباين سعر نقل المحصول حسب طول المسافة، أما الأهم فهو ما يتكلفه المزارع من مصاريف أثناء عملية الزراعة، "يتكلف الفدان أثناء الزراعة على الأقل 10 ألاف جنيه في الموسم". حسبما أكد عدد من المزارعين، لكن تتلخص رحلة الطماطم في حظ المزارع أثناء عملية البيع، وذكاء تاجر الجملة كوسيط، و نشاط تاجر التجزئة في البحث عن السعر الأفضل، أما الزبون العادي فليس أمامه سوى الشراء دون مقاومة.

Thursday, May 3, 2012

من لم يعرف الجذام لا يعرف كاريتاس !

جوار مسجد القرية اجتمع أفراد من أهالى العزبة مع فتحى عبدالمعبود، الذى أصبح أبا فى التاسعة والثلاثين من عمره ويعمل كيميائيا فى أبى زعبل، ودار الحديث حول علاقتهم بمركز «كاريتاس» ومستقبله فى المنطقة. تحدث يوسف، وهو أحد الشباب المتحمسين الذى نشأ فى المنطقة لأب مصاب بالمرض، عن الخطوة الأخيرة فى علاقة هذه المجموعة بكاريتاس، وقال: «قدمنا بلاغا إلى النيابة وأغلقنا المركز الاجتماعى بالسلاسل حتى لا نتهم بإتلاف المكان أو السطو عليه، وذلك لأننا نرى أن الجمعية قد ابتعدت عن أنشطتها الأصلية». تعمل جمعية «كاريتاس» فى مصر منذ عام 1968 بمجالات متعددة إحداها هو مساعدة مرضى الجذام، وأسست المركز الاجتماعى الصحى فى العام 1980، فى منطقة أبوزعبل (18 كم من القاهرة) حيث يضم المركز: حضانة لأبناء المرضى وفصول تقوية ومشغلا وفصول محو الأمية وناديا للشباب ومستوصفا. وأثناء تلك الفترة كان شعار الجمعية هو عدم التمييز بين المستفيدين من خدماتها على أساس اللون أو الجنس أو الدين ــ حسب مجدى جرس، مدير عام مساعد فى جمعية «كاريتاس»، الذى ذكر أن ما حدث للمركز الاجتماعى والصحى من بعض أبناء العزبة لا يمثل الجميع، إذ إن هناك مستفيدين من خدمات المركز، ويعلق قائلا: «بعد الثورة وازدياد النبرة الاحتجاجية فى المجتمع، بدأت المناوشات والتهديدات من بعض الأفراد، وأشاعوا معلومات غير صحيحة عن المكان».
تعود بداية القصة إلى الأسابيع القليلة قبل الثورة فى عام 2010 حين بدأ بعض من رواد نادى الشباب بكاريتاس فى الاحتجاج على إنشاء مبنى جديد داخل المركز، وكان ذلك على خلفية توقف بعض خدمات المركز مثل الورشة ومحو الأمية نتيجة عدم الإقبال والمشاكل الإدارية، وتناقل البعض وقتها أن هناك نية لجعل هذا المبنى الجديد دارا لإقامة الراهبات العاملات فى خدمة مرضى الجذام، وانتشرت ترجيحات نقلها أحد المواقع الالكترونية أن ذلك تمهيدا لإنشاء دير فى المنطقة، وهو ما نفته الإدارة تماما ووصفته بالتحريض ضد أنشطتها. وعلى مدار عام ونصف دارت مساجلات بين تلك المجموعة من الأهالى وإدارة كاريتاس، يعلق مجدى جرس، مدير عام مساعد الجمعية: «تفهمنا هذه النقطة مبكرا ووجدنا أن فكرة إقامة سكن داخل المركز الاجتماعى غير مناسب، ودائما ما نحاول النظر إلى الأمور بإيجابية بحثا عن الاستمرارية دون الالتفات إلى ما يحدث من معوقات».
يقوم حاليا أحد مرضى الجذام المتعافين على حراسة المكان، وما زالت تحتفظ ملامح الرجل بآثار المرض، ويذكر قائلا: «أعمل على حراسة المكان ورى الحديقة، حتى نجد حلا للموقف». هذا الواقع الحالى يختلف تماما عن ماضى تلك المنطقة، حين أسست الحكومة المصرية فى عام 1932 مصحة للجذام فى مكان معزول، وكانت القوانين تسمح بضبط المريض وتسليمه للمصحة تحت هاجس انتشار العدوى، ويؤكد مجدى جرجس أن أحد أهم منجزات «كاريتاس» هى رفع الوصم عن هذا المرض، وتوفير العلاجات اللازمة مع وزارة الصحة ودعم المجتمع الذى تكون فى «قرية قدامى المرضى». هذا المجتمع يتجاوز تعداده اليوم نحو 5000 نسمة، حسب تقديرات العاملين هناك. المنزل الحالى الذى يقيم فيه فتحى عبدالمعبود كان على أيام والده طينيا بسيطا لكنه أصبح اليوم مكونا من طابقين، وفى حجرة المعيشة اجتمع عدد من زملاء الشيخ فتحى. كان اثنان من أصل ثمانية فقط هم من المتعافين، أما البقية فهم من أبناء الجيل الثانى الذين ولدوا أو جاءوا صغارا مع أسرهم، وأغلبهم يدير أعمالا خاصة أو يعمل فى المصانع المجاورة. أحدهم هو يوسف الشاب «الملتزم» ذو النبرة الحماسية: «عن نفسى لم أستفد شيئا من المجتمع القديم فى المنطقة، فأنا لست مريضا كى أذهب إلى المستشفى، وأستطيع الاعتماد على نفسى الآن».
فى فترة المراهقة كان يوسف وفتحى يشاركان فى بعض معسكرات «كاريتاس» لأبناء المجذومين، لكنهما ابتعدا عن أنشطة الجمعية «بعد التزامهما النهج الدينى»، ويرون أن خلفية كاريتاس لا تلائم نزعتهما الإسلامية، وهى الأزمة التى لا يواجهها كثير من السكان الذين يودعون أطفالهم فى دار الحضانة بالجمعية دون قلق.
«هذه الرغبة فى الاستغناء عن أنشطة كاريتاس ليست لدى جميع سكان القرية الذين ما زالوا يحصلون على خدمات منها»، العبارة لخالد أمين المتعافى من الجذام، الذى يصف الموقف الحالى قائلا: «مبدئيا فالموضوع ليس له علاقة بإقامة الراهبات أو تواجدهن، فأنا قد نلت علاجا بأيديهن، ولهن كل التقدير فى هذا المجتمع الصغير، لكن هناك أسباب أخرى، أهمها خصوصية المكان، فأحيانا لا تحصل على دعم حكومى حين يقال لنا: لديكم كاريتاس هى من يقدم لكم الدعم، أو حين نفكر فى إنشاء مركز شباب بديل لنا، يقال لديكم نادى الشباب فى مركز كاريتاس الاجتماعى، أرى أننا أصبحنا مجتمعا جديدا، يختلف عن السابق».
وفد خالد أمين إلى مستشفى الجذام قبل 12 سنة، لكنه اختار الزواج والإقامة فى العزبة، وحسب أحد الأهالى فإن هناك «صلات نسب عديدة بين السكان منذ سنوات، أوجدت مجتمعا جديدا متآلفا مع تاريخه».
قبل عام تقريبا طالبت هذه المجموعة الإشراف على أنشطة المركز الاجتماعى لكاريتاس، ويعلق مجدى جرس على ذلك قائلا: «نحن نعمل وفق لوائح مؤسسية، ونخضع لإشراف عدة جهات حكومية، وكل إجراء يتم بترخيص، وفى النهاية نحن مؤسسة لا يمكن أن يأتى فرد ليطلب المشاركة فى إدارتها بهذا الشكل الإجبارى، خاصة أن هذا المشروع جزء من أعمال أخرى خدمية تقوم بها الجمعية فى محافظات مختلفة».
قبل شهر حدث تصعيد بين هذه المجموعة الباحثة عن الاستقلالية وإدارة المركز، وجرى إغلاق المركز وتقديم بلاغ إلى الشرطة تحت دعوى أن المركز لا يمارس جميع مهامه وأن هناك نية لتغيير نشاطه، ويعيش الجيل الثانى من أهالى قرية مرضى الجذام فى أعمار الثلاثينيات والأربعينيات، ويسعون إلى فرض واقع جديد وإزاحة ماضى الجذام عن القرية، وهو ما دفعهم إلى الاصطدام بكاريتاس، معتبرين دور الجمعية فى تنمية المكان قد انتهى، ويسعون إلى إيجاد أدوار جديدة لهم.
هنا لا يخفى مجدى جرس مرارة فى حديثه قائلا: «صنعنا تحولا فى هذه المنطقة، وكنا وما زلنا حريصين على تقديم خدماتنا لمرضى الجذام، وذلك من خلال اتفاقيات مع الجهات المختصة، وأرجو من الجيل الجديد الذى لم يعش تجربة مرض الجذام ألا يمنعنا من مهمتنا».