Showing posts with label صحافة. Show all posts
Showing posts with label صحافة. Show all posts

Wednesday, May 25, 2016

الصحافة السردية.. روح المحقق وقلم الروائي

 


عبدالرحمن مصطفى

وسط الركام الذي يحيط بنا بين عناوين مختصرة وتغطيات إخبارية كثيفة، تظل هناك حاجة لنوع من الكتابات يأخذنا بلغة رشيقة ومشوقة إلى تفاصيل أكثر وتفسيرات جديدة، حتى لو امتدت الكتابة عبر آلاف الكلمات للموضوع الواحد. هذا ما تقدمه "الصحافة السردية" كعنوان لتلك المساحة الجذابة التي يصعب الاستغناء عنها.

يمكن تعريف الصحافة السردية بأنها استخدام تقنيات الأدب القصصي لعرض المادة الصحفية المطولة، مع الالتزام بالعمق والدقة. وذلك استنادا لتعريف مؤسسة نيمان الداعمة للصحافة السردية.

تأتي البداية في ستينات القرن الماضي حين ظهرت ملامح تيار جديد في الكتابة الصحفية بين مجموعة من الشباب، اعتمدوا على العمل الميداني الشاق، وجمع المعلومات باحترافية ليصيغونها بشكل احترافي مشوق، وكرسوا فنا جديدا يقدم الحقائق بشكل إبداعي لا يعتمد على خيال المؤلف.

في عقد السبعينات، ظهر استخدام مصطلح "الصحافة الجديدة" في مقال للصحفي الأمريكي توم وولف ليعبرعن الصحافة السردية التي تستعين في إنتاجها بأدوات الأدب.

كيف تستعين الصحافة بأدوات الأدب؟ تجيب ماري فانوست الباحثة بالجامعة الكاثوليكية في لوفان ببلجيكا قائلة ضمن ورقة بحثية، إن الصحافة السردية تستعين بأدوات محسوبة على الأدب والإبداع، مثل استخدام الحبكة، والتشويق، والوصف، والصراعات، والشخصيات الدرامية، والحل.

هذه الأدوات ليست طارئة على لغة الكتاب والصحفيين، بل يميل الباحثون إلى التفتيش في جذور أقدم في العلاقة بين الأدب والصحافة تعود إلى القرن التاسع عشر، لكن تلك العلاقة ازداد تطورها مؤخرا، حتى شهد العام الماضي  انتصارا حقيقيا لمسيرة الصحفيين العاملين في الصحافة السردية، حين حصلت سفيتلانا ألكسيفيتش على جائزة نوبل للآداب. فهي صحفية من بيلاروسيا، احترفت الكتابة عن الجانب الإنساني من الأحداث الكبرى، مثل الحرب العالمية الثانية، وحرب الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وكارثة انفجار المفاعل النووي "تشير نوبل"، إذ نقلت شهادات من حضروا تلك الأحداث، لترويها بأسلوب أدبي شيق، فتكتمل أمام القارئ صورة هذه الأحداث الكبرى. أو على حد تعبير الأمينة العامة للأكاديمية السويدية، عند الاعلان عن فوز سفيتلانا ألكسيفيتش: "في السنوات الثلاثين إلى الأربعين الأخيرة أجرت (سفيتلانا) مسحا للإنسان خلال المرحلة السوفييتية وما بعد هذه المرحلة. لكن الامر لا يتعلق بأحداث، بل بمشاعر".

تلك التفاصيل عن علاقة الصحافة بالأدب وما تنتجه الصحافة السردية قد تصنع تشوشا لدى القارئ، فما الخيط الفاصل بين الحقيقة والخيال؟ هذا السؤال عالجه قبل سنوات روي بيتر كلارك نائب رئيس معهد بوينتر للدراسات الإعلامية، ووجد الإجابة في عبارة بسيطة وبديهية، قائلا "على الصحفيين أن يكتبوا الحقيقة"، في إشارة إلى أن السرد هو أسلوب تقديم الحقائق التي توصل إليها الصحفي.

وفي صحف مثل نيويورك تايمز، نيويوركر، وأتلانتيك، أصبحت هناك مساحات واسعة لهذا النوع من الصحافة، الذي أصبح من المتعارف أنه لا يقل عن 1500 كلمة في الموضوع الواحد. بينما تتنوع الموضوعات لتغطي اهتمامات وقوالب مختلفة، مثل: الحوار، والسفر والرحلات، والتحقيقات الاستقصائية، والسيرة الذاتية، والعلوم، وغيرها من الموضوعات. وهنا تظهر الصحافة السردية كأداة وتقنية في الكتابة تستطيع التعامل مع كافة تلك التصنيفات. حيث يفيد القالب الروائي- والملحمي أحيانا- الذي تقدمه الصحافة السردية وأسلوبها الدرامي القصصي في تقديم صورة شاملة عن موضوعات تحمل جهدا بحثيا واستقصائيا كبيرا.

ومن خلال ما يقدمه محترفو الصحافة السردية من نصائح وإرشادات، تتضح ملامح هذا النوع من الصحافة بشكل أكبر. على سبيل المثال سجل المدرب ألبرتو سالسيدو راموس على موقع شبكة الصحفيين الدوليين "5 ملاحظات من أجل صحافة سردية أفضل" يمكن تلخيصها في: "الاستعانة بجهد استقصائي كبير قبل الكتابة- البداية القوية للموضوع – الالتزام بالحقائق- ألا يفرط الصحفي في إقحام نفسه داخل النص – التطوير الدائم لمهارات الكتابة".

أما الكاتبة الأمريكية كونستانس هال، التي قضت أكثر من 20 سنة في عالم الصحافة السردية، وقامت بالتدريس في جامعة هارفارد، فأوصت ببعض التقنيات المهمة التي لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.

منها: رسم مشاهد للقارئ أثناء الكتابة، وإحياء شخصيات الموضوع وإبراز ملامحها، والاعتماد على الحبكة، والتناقضات، والتشويق، والاهتمام بالصراعات الدرامية.

كم عدد الكلمات المطلوبة؟ المساحة مفتوحة حسب كم التفاصيل المشوقة، فقد نجد صحيفة مثل نيويورك تايمز تفرد مساحة لتحقيق يتجاوز 28 ألف كلمة على خمس حلقات، تنقلنا فيه الصحفية أندريا إليوت، تحت عنوان "الطفل الخفي" إلى عالم أطفال الشوارع، وهو ما استثمرته في إصدار كتاب عن القضية نفسها.

هذا التطور في مسار الصحافة السردية لم يمنع انتقادات متكررة عن وقوع بعض الصحفيين في فخ الانحياز للشخصيات أو القضايا التي يكتبون عنها، بسبب الهالة التي تضفيها الكتابة على شخصيات الموضوع، وهو ما جعل بعض الصحفيين يطلقون تحذيرات من الاهتمام بالسرد على حساب العمل الصحفي، على سبيل المثال، أطلق جيم جيراثي أحد الكتاب المحافظين الأمريكيين صرخة في مقال منشور بمجلة "ناشيونال ريفيو" تحت عنوان: "ماذا لو كانت الصحافة السردية في الإعلام مضرة لقضاياها؟" مستندا في ذلك إلى حادث شهير قتل فيه شاب أسود على يد رجل شرطة أمريكي، واتهم الكاتب الصحافة السردية بأنها وجهت الرأي العام نحو فرضية أن الحادث ناتج عن أسباب عنصرية، وحين لم تقتنع بذلك هيئة المحلفين، وقعت بلبلة لدى جمهور القراء.

الكثير من الأمثلة والتعليقات تؤكد على أهمية الجهد الصحفي وجمع المعلومات، ومن أهم ما قيل حول ذلك هو ما ذكره جاي تاليس الصحفي الأمريكي، الذي يعتبره البعض "الأب الروحي" للصحافة السردية، وهو كاتب البروفايل الأشهر عن المطرب الراحل فرانك سيناترا. إذ جمع خبرته في عبارات محددة كتبها عام 1970 بقوله: إن الصحافة السردية ليست خيالا، لكنها تُقرأ وكأنها إبداع، تعتمد على الحقائق دون غيرها. ويوصي الكاتب المخضرم الذي يتجاوز الآن عامه الرابع والثمانين بأهمية امتلاك الأدوات الصحفية، ولعب دور المخبر للوصول إلى حقائق ينسجها الصحفي بأسلوب شيق.

Sunday, May 8, 2016

الصحفيون والداخلية: مَن يقصف جبهة اﻵخر؟

تحركتُ يوم الأربعاء الماضي من أمام مبنى نقابة الصحفيين في وسط القاهرة، تاركًا خلفي طاقة إيجابية ملأت محيط النقابة، رغم الحصار المحكم لآلاف الصحفيين من رجال الأمن و”المواطنين الشرفاء”. انتهت الجمعية العمومية الطارئة للصحفيين وسط الهتافات والابتسامات والرضا، لكن بمجرد عبوري الجهة الأخرى من الطريق، استوقفني أحد المارة ليسأل عن وقوع اشتباكات بين الصحفيين والأمن، وحين أجبته بالنفي، استطرد: “ما هو ده إعلام (…) يعني هما عايزين إيه يعني؟”

تنتزعك مثل تلك المواقف البائسة من نشوة التفاؤل دون مقدمات، حين تفاجأ بأن ما تعتقد أنه معلوم بالضرورة، لا يعلمه كثيرون. وبعد توالي الأيام على صدور قرارات الجمعية العمومية الأخيرة، اتضح أن داخل الصحفيين أنفسهم، من لا يتبنى هذه القرارات بأكملها، بل إن النقابة نفسها تراجعت عن حماسها الذي ظهر في بياناتها النارية الأولى.


هذا المقال ليس عن هؤلاء الذين يفسدون لحظاتنا السعيدة، ويقطعون نشوتنا ويجهضون النجاحات الصغيرة التي نحققها، ولا عن المواطن التائه بين مبررات الأمن لاقتحام مقر نقابة الصحفيين للقبض على صحفيين مطلوب ضبطهما، وغضب الصحفيين لانتهاك “كرامتهم”.

فالسؤال الصادر بسلامة نية أحيانًا: “هي إيه القصة بالظبط؟”، لا بد أن يدرك الصحفيون أهميته، أن يحددوا إجابات شافية له، تجذب الرأي العام لقضيتهم التي تتجاوز واقعة اقتحام النقابة.

كان هذا سؤالًا ساذجًا، ويتلوه آخر بديهي: “لماذا احتشد آلاف الصحفيين هكذا داخل نقابتهم؟” حين يبحث القارئ العادي عن الإجابة، قد يُفاجأ بعبارات بليغة، من نوعية: “احتشد الصحفيون رفضًا للممارسات الأمنية الغاشمة”، أو “اجتمع الصحفيون دفاعًا عن كرامة المهنة”، أو”عقد الصحفيون جمعية عمومية حفاظًا على قدسية قلعة الحريات”، وكلها إجابات مُرضية جدًا وتعبر عن جزء كبير من الحقيقة. لكن، ونحن الآن في العصر الذي يردد فيه “إعلاميون” قصصًا عن مؤامرات الجيل الرابع والخامس من الحروب، ويتحدثون عن مؤامرات “الإعلام الفاسد”، هل تجدي هذه الجمل البليغة نفعًا وسط الأجواء التحريضية والضبابية؟

لا يمكن إرجاع الأزمة الأخيرة بين نقابة الصحفيين ووزارة الداخلية فقط لواقعة الاقتحام الأمني لمقر النقابة، وما تبع ذلك من مطالبات صحفية بإقالة وزير الداخلية، فقد سبقت ذلك بأسبوع مسيرة إلى مكتب النائب العام لتقديم بلاغ في وزير الداخلية ضد انتهاكات تعرض لها صحفيون أثناء أداء عملهم في ذكرى تحرير سيناء.

وقبلها بأسابيع أعلن نقيب الصحفيين إلغاء قرار أمر ضبط وإحضار صادر ضد خالد البلشي رئيس لجنة الحريات بالنقابة، الذي كان يواجه عدة اتهامات.

كل تلك الضغوط وغيرها من معاناة أصحاب هذه المهنة، قد لا تمثل تهديدًا مباشرًا لبقية المواطنين، بل قد يرى بعضهم هذا الصراع على طريقة مباريات كرة القدم.. من أحرز الهدف الأول؟ وقد يُختصر المشهد في صراع بين الصحفيين والداخلية حول من يقصف جبهة الآخر، دون الالتفات إلى ركام الأزمات والمشاكل التي يواجهها الصحفيون يوميًا في عملهم، وبعضها يتعلق بوزارة الداخلية تحديدًا، وهو ما تجلى أخيرًا في قصة اقتحام النقابة.

دارت برأسي أفكار كثيرة مع بعض الزملاء، حول هذا الحماس الاحتفالي الذي جمع الصحفيين يوم الجمعية العمومية، وما إذا كانت قرارات الجمعية العمومية صدرت تحت تأثير هذا الحماس الزائد، دون التفكير في جدية الالتزام بقرارات نقابة الصحفيين.
***
حققت الجمعية العمومية الأخيرة مكسبًا كبيرًا في حشد آلاف الصحفيين حول مهنتهم، ونقلت روحًا جديدة إلى واجهات الصحف الورقية، كاستخدام صورة “نيجاتيف” لوزير الداخلية، بهدف إثارة تساؤلات القراء، واستخدام شعار جانبي موحد “لا لحظر النشر، لا لتقييد الصحافة”، وهي أفكار قريبة من ممارساتنا اليومية على شبكات التواصل الاجتماعي في استخدام الهاشتاج والبانر وغيرها من الأفكار. ربح الصحفيون محاولتهم الضغط على مجلس النواب كي يفيق من ركوده، وجذبه إلى قضية متعلقة بالحريات، كما حاولت النقابة قطع أي محاولة لتسديد اتهامات إليها بالاستقواء بالخارج ورفضها “أي تدخل أجنبي رسمي في شأن الصحافة المصرية” أو “استغلال أي جماعة أو تيار سياسي بتوظيف الأزمة الراهنة لصالحه”.

تلك بعض المكاسب الذي حققها الصحفيون عبر تلك الأزمة، لكن مع الوقت، لم تكن المكاسب في نفس وزن ما أعتقد أنه خسائر أو تراجع متصاعد في قضية الصحفيين.

في البداية ظهرت الأزمة للرأي العام وكأن القضية مجرد جدل حول مسألة الاقتحام الأمني لمقر نقابة الصحفيين، وهكذا بدا الأمر في صدر البيان الصادر عن نقابة الصحفيين يوم الأربعاء الماضي، وفي كثير من التعليقات الصحفية. بعدها بدأ انسحاب قيادات صحفية، أيًا كانت انتماءاتهم، من حالة الإجماع والحماس الزائد في الجمعية العمومية التاريخية الأسبوع الماضي، وبدأ التراجع يزداد متمثلًا في عدم تنفيذ بعض الصحف ما اتُفق عليه من تصعيد، كتلوين الصفحة الأولى باللون الأسود، وانتهى الأمر في بيان أخير صادر عن مجلس نقابة الصحفيين بعد توضيحات متتالية أن الصحفيين لم يطالبوا باعتذار الرئيس، وهذا نفسه موقف مؤسف، لأن النقابة كانت قد طلبت بالفعل في بيان واضح: “تقديم رئاسة الجمهورية اعتذارًا يحفظ كرامة الصحفيين ومهنتهم ونقابتهم”.

هذا التسلسل في الأحداث، كان يصاحبه دائمًا سؤال من الرأي العام “ما القصة؟”


هناك من هم أكثر مني احترافًا في الشأن النقابي وفي قضايا الحريات، فـ”مَن أنا لأقول لكم ما أقول لكم”، لكن إذا عدنا إلى أزمة مشابهة جرت قبل أشهر بين الأطباء ووزارة الداخلية، سنجد أن الأمور كانت مختلفة بعض الشيء.

أعتقد أن إجابة سؤال “ما القصة؟” كانت أكثر وضوحًا في أزمة الأطباء منها في أزمة الصحفيين الحالية. ففي رأيي الشخصي أن نقابة الأطباء نجحت وقتها في تصدير قضية أبعد من قصة اعتداء الشرطة على أطباء أثناء تأدية عملهم، إذ استغل الأطباء الفرصة وطرحوا على الرأي العام أزماتهم اليومية في العمل، وضغطوا من أجل لفت الأنظار إلى معاناتهم، وأشاروا إلى أن التقصير الأمني جزء من أزمات يواجهونها في عملهم.
***
يواجه الصحفيون تضييقات ورقابة أصبحت تصيب كثيرين بالارتباك، خشية الاضطرار إلى سحب أعداد الجريدة من الأسواق كما حدث مع عدد من الإصدارات، أو مواجهة اتهامات بالعمالة، وما إلى ذلك من مظاهر التضييق.

وفقًا لأرقام التقرير السنوي لمجلس نقابة الصحفيين في مارس 2016، فإن “هناك نحو 29 زميلًا رهن الاحتجاز في قضايا متنوعة، من بينهما قضايا تتعلق بمهنتهم، سواء على ذمة المحاكمة أو محكومين بأحكام غير نهائية، أو باتة أو من دون توجيه أي اتهامات إليهم، وبين هؤلاء من تجاوز احتجازه الحد الأقصى للحبس الاحتياطي”.

هناك مشاهد يومية بائسة في عالم الصحافة، يكاد يتضاءل أمامها مشهد اقتحام النقابة، ولابد أن تتصدر هذه الأزمات المشهد بصورة أكبر في المرحلة المقبلة، بمعنى أن يدرك القراء جيدًا ماذا يخسر المجتمع إذا خسرت الصحافة جراء ضغوط أجهزة الدولة على الإعلام.

أقول هذا خشية أن تتحول الأزمة الحالية إلى حرب حول مَن يقصف جبهة مَن، الداخلية أم نقابة الصحفيين، أو أن ينتهي الأمر إلى ترضية “عرفية” بين الطرفين.

لذا فإن التركيز على الضرر الواقع على المهنة وما يسببه ذلك من ضرر على المجتمع، قد ينقل القضية إلى مساحة أخرى، يبدو فيها مشهد الاقتحام الأمني مجرد حادث في واقع بائس يهدد ويربك العاملين في مجال نقل المعلومات إلى المجتمع.

***
حين يسألني أحدهم:” ما قصة النقابة والداخلية؟” هل أخبره أن الأزمة أني صحفي وعلي راسي ريشة، كما فعل أغلبنا غاضبًا لكرامته على صفحات التواصل الاجتماعي؟ هل أخبره أن قصة النقابة والداخلية تتلخص في أن الأمن تخطى الحواجز واخترق “قدسية النقابة”؟

نحن جميعًا أدرى بأن هناك فواجع أكبر تحدث في هذا البلد. ولعلنا في حاجة إلى مزيد من الشرح والتفسير لقرائنا بخصوص ما يحدث للمهنة وما تواجهه من أخطار، وكيف سيؤثر ذلك على المنتج المقدَّم إلى هؤلاء القراء في المستقبل، وماذا سيخسر القراء إذا خسروا الصحافة.

Monday, September 29, 2014

صحفيون بلا مصادر.. أزمة لها مزايا


 
كتب- عبدالرحمن مصطفى

يتابع أغلب الصحفيين جهات ومؤسسات بعينها، يستمدون منها أخبارهم بشكل دائم، وهو ما يجبرهم على أن يتوزعوا بين “مصادر أخبار” محددة للحصول على مادة أخبارهم. وهنا تظهر تعبيرات من نوعية “فلان ماسك وزارة الكهرباء” أو “فلان ماسك التعليم العالي”، لتعبر عن حالة يرتبط فيها الصحفي بمصدره، محاولا ألا يفوت خبرا أو معلومة تخص ذلك المصدر وإلا سيحاسب على تقصيره.

هذا المقال ليس عن هؤلاء الصحفيين المتابعين لمصادر بعينها، ولا عن الذين اختاروا أن يتخصصوا في الصحافة الفنية أو الثقافية أو الرياضية أو العلمية دون غيرها. بل عن الذين فرضت عليهم مهمتهم التبدل بين المصادر لتحقيق هدف واحد، هو كتابة تحقيق، أو فيتشر.

ورغم ما يتلقاه العاملون في مجالي التحقيقات وكتابة الفيتشر أحيانا من اتهامات بأنهم يفتقدون التخصص، حين يتبدل الصحفي من موضوع عن أزمة الطاقة في مرة، إلى موضوع عن الأحياء العشوائية، وهكذا. إلا أنه تظل هناك بعض المزايا الأخرى، من أهمها:

– يتعرف الصحفي على تجارب جديدة، مع كل فكرة موضوع يعمل عليها، وهو ما يجبر الصحفي أيضا على توسيع دائرة معارفه في كافة المجالات، كي يكون مستعدا للمهمة القادمة، أيا كانت.

– يصنع تجديد المصادر مع كل موضوع “أجندة”، و “أرشيفا”، يدعم الصحفي في أي مساحة عمل يلتحق بها في المستقبل.

– تكرس صحافة التحقيقات حالة من عدم الولاء للمصادر، إذ لا يقع الصحفي في حرج التعامل مع المصادر نفسها بشكل متكرر لأغراض إخبارية، وهو ما يجعله متفرغا لإنجاز موضوعه، دون حسابات الحرج مع المصدر.

– توفر التحقيقات مساحة للصحفيين الذين يملكون مهارات بحثية عالية في إشباع مهاراتهم من خلال كل موضوع جديد يعملون عليه، وهو ما يشبه عمل الباحثين في مجال الأفلام الوثائقية.

كل هذه المزايا، لا تقلل من شأن صحفي الأخبار المرتبط بمصدر محدد، فصحفيو الأخبار هم من يمدون الصحف بمانشيتاتها اليومية وانفراداتها المتميزة، كما أن تلك المزايا التي ذكرناها، لا تعلي من شأن صحفي التحقيقات والفتيشر على زملائه.

أما إذا انتقلنا إلى صلب الموضوع الرئيسي للمقال، فنحن نتحدث عن الأزمة الكبرى التي تواجه الصحفيين غير المرتبطين بمصادر محددة، وهي عن كيفية الحصول على مصادر جديدة مع كل موضوع يعملون عليه. وحتى نصل إلى بعض الحلول، كان علينا الاسترشاد بآراء بعض العاملين في أقسام التحقيقات والفيتشر والإعداد التلفزيوني، كي نصل إلى مجموعة من النقاط، كلها متعلقة بسؤال:

كيف يمارس الصحفي مهنته وهو غير متخصص في مصدر إخباري محدد؟

– في البدء لا بد للصحفي أن يملك علاقة جيدة مع الإنترنت، تمكنه من سرعة الوصول إلى كل ما يخص فكرة موضوعه في أقصر وقت ممكن، حين يبحث عن المعلومات المتاحة عن فكرة موضوعه، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال ماكينات البحث الشهيرة، أو في موضوعات صحفية سابقة.

– قد يكون الطريق الأهم والأفضل في الوصول إلى مصدر جديد، هو الاستعانة بزملاء المهنة وطلب معاونتهم في الوصول إلى وسيلة اتصال بالمصدر المطلوب، وهنا يتجه صحفي التحقيقات أو كاتب الفيتشر إلى زميله الذي يتابع مصدرا بعينه، وفي أجواء طبيعية، لا يمتنع صحفي عن معاونة زميله.

– بعد تحديد أهم المصادر المطلوبة في الموضوع، تبقى طريقة الوصول إليها.. وليس هناك حرج إن لم تكن هناك وسيلة مباشرة للوصول إلى المصدر، أن يعود الصحفي إلى الطرق التقليدية. مثل البحث في دليل التليفونات الأرضية، أو الاتصال بمكان عمل المصدر للوصول إليه، أو التواصل معه من خلال حسابه على فيسبوك أو تويتر.

– ومع اتساع مجال العمل في الإعداد التلفزيوني والمواقع الإخبارية التي تستهلك كما كبيرا من المصادر، فقد ازدادت الحاجة إلى تبادل أرقام الهواتف الهامة بين الصحفيين، وهو ما فطن إليه مؤسسو مجموعة “قهوة الصحفيين” على فيسبوك، حيث يتيحون ملفات تضم وسائل الاتصال بمئات المصادر، إلى جانب ما يتبادله الصحفيون فيما بينهم على صفحات المجموعة. علما بأنها مجموعة تضم الصحفيين فقط.

– في بعض الموضوعات يحتاج الصحفي إلى النزول الميداني لبناء علاقة ثقة مع المصادر، لكن ذلك الأسلوب قد لا يكون مفهوما مع مصدر مسؤول، أو موظف حكومي تقليدي.. لذا على الصحفي أن يقدم حججا قوية تبرر اتباعه هذه الطريقة، مع مصادر اعتادت أن تتواصل مع الإعلام عبر الهاتف والبريد الالكتروني والفاكسات، وهذه الطريقة لا يلجأ إليها الصحفي إلا حين لا يجد دعما من زملائه الصحفيين.

– على الصحفي الذي يجدد مصادره مع كل موضوع يكتبه، أن يطرح فكرة موضوعه بين من يأمنهم على فكرته في دائرته القريبة من زملاء المهنة والأصدقاء الموثوقين، فيعرض عليهم الفكرة التي يعمل عليها، على أمل أن يجد من يمده بمصادر أو معلومة مفيدة.

– ما دام الصحفي قد اختار أن يتعامل مع مصادر متجددة طول الوقت، فمن المهم أن يستفاد من كل جلسة خاصة أو عامة يحضرها، لأنها قد تكون مصدر إلهام لفكرة موضوع، أو فرصة للتعرف على مصدر قد يحتاجه في المستقبل.

وفي الختام .. يظل العمل الصحفي قائما على تحدي الوصول إلى المعلومة من مصدرها السليم، لذا على الصحفي أن يظل مدينا بالعرفان لكن من عاونه في الوصول إلى المصدر المناسب، لأن المصادر هي أساس الكتابة الصحفية.

Monday, August 18, 2014

الصحافة الإنسانية.. احتراف الكتابة عن الأزمات


 

عبدالرحمن مصطفى

في الوقت الذي تتعقد فيه النزاعات المسلحة داخل المنطقة العربية، وتتفاقم الأزمات الداخلية في عدد من دول المنطقة، قد يرى البعض أن دور الصحافة يجب أن يركز على تقديم تغطيات إخبارية بعقيدة مراسل حربي يعمل وسط مناطق نزاعات وحروب، لكن حقيقة الأمر أن هناك مهمة أخرى لا تقل أهمية، وهي توجيه الاهتمام إلى المستضعفين الذين يغيب صوتهم عن زحام الأخبار، وهي المهمة التي تتصدى لها الصحافة الإنسانية.
ما هي الصحافة الإنسانية وما أبرز ملامحها؟ يظل المعنى الأصيل للصحافة الإنسانية واضحا بشكله الخالص في المساحات الصحفية التي تستخدمها المنظمات العاملة في المجال الإنساني لخدمة قضاياها، مثل القصص الإنسانية القليلة على الموقع الرسمي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو كما هو الحال مع شبكة الأنباء الإنسانية “إيرين”، التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إذ تمتاز “إيرين” باستقلالية أتاحت لها تناول موضوعات أكثر تنوعا، كأن ترصد حالة ضحايا العنف في العراق وصعوبة حصولهم على العلاج، أو أن تتعرض لقضية العيش بدون الدولة في الأحياء الفقيرة في القاهرة، إلى جانب ما تقدمه من تغطية إخبارية لمناطق الكوارث والنكبات.
وفي العام 2012 خصصت جائزة الصحافة العربية فئة للصحافة الإنسانية، وذكرت في تعريفها أنها التحقيقات أو التقارير التي تتناول قضايا أو أزمات إنسانية طارئة وملحة، أو تداعيات الكوارث الطبيعية والحروب والأوبئة والآفات وانتهاكات حقوق الإنسان، وهو التعريف الذي يغطي أهم مجالات الصحافة الإنسانية. ولم تخفي الجهة الداعمة لمسابقة الصحافة الإنسانية، أن استحداث تلك المسابقة جاء استجابة للظروف التي تمر بها المنطقة العربية من تغيرات وتحولات كبيرة، ما يؤكد على احتياج الصحافة العربية إلى هذا النوع من الموضوعات.
ليست الصورة كما تبدو وكأن “الصحافة الإنسانية” مجرد امتداد لعمل المنظمات الإنسانية، فهناك مهام تفجرها الأزمات، وتستلزم جهدا صحفيا يعتمد على تحليل أسباب الأزمة ونقد مواقف الجهات المقصرة.
ولم تخل المنطقة العربية من حوادث من هذا النوع، بعضها ذا طابع محلي مثل انهيار جزء من صخرة جبلية في القاهرة عام 2008، والمعروف إعلاميا بحادث صخرة الدويقة، حين اضطر صحفيون إلى التنكر والتسلسل إلى موقع الحدث لكسر التعتيم الحكومي على الكارثة الإنسانية هناك، وحاولت الصحافة في ذلك الوقت مواجهة التقصير الحكومي، ومتابعة مصير المتضررين. أما على صعيد الأحداث ذات الأبعاد الإقليمية والدولية فمازالت الصحافة العربية في احتياج إلى المزيد من الموضوعات الإنسانية التي تتناول أزمات مناطق مثل سوريا والعراق وفلسطين.
ومن مهام الصحافة الإنسانية، أن تتناول حياة الفئات المستضعفة، حيث يتحرك الصحفي وسط شريحة من المجتمع تتعايش مع أزماتها دون دعم، وهو ما نراه في هذا التحقيق المدعوم من شبكة اريج، الذي يتعرض لظاهرة الانتحار بالحرق بين نساء كردستان، وهو ما يخفي وراءه أبعادا اجتماعية معقدة. وكذلك الحال مع التحقيق الفائز بجائزة الصحافة العربية ضمن فئة الصحافة الإنسانية عن أحفاد العبيد في المغرب.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مهام الصحافة الإنسانية لا ترتبط بقضايا الفقر والكوارث الكبرى فقط، ففي داخل إمارة دبي ذات الحالة الاقتصادية المتيسرة، تناول الصحفي قضية إشكالية ذات طابع إنساني، حول مسألة القتل الرحيم، وهي قضية خارج دائرة السياسة والنزاعات المسلحة.
إذا فهناك عدة قوالب يمكن من خلالها التعبير عن الصحافة الإنسانية، سواء عبر التغطيات والمتابعات الميدانية، أو عبر التحقيقات الاستقصائية، لكن يظل العائق أمام هذا النوع من الموضوعات الصحفية هو الابتذال الذي تعتنقه بعض المؤسسات الإعلامية، حين يكتفي الصحفي باستدعاء “حالات إنسانية” لإثارة تعاطف الجمهور، دون خدمة القضية الأساسية التي يكتب عنها، حتى لو اضطر إلى تقديم تناول سلبي أو مهين للضحايا.
وفي دليل تدريبي أعدته مؤسسة “انترنيوز” عن التغطية في النكبات الإنسانية، تتكرر التحذيرات والتوصيات بشأن كيفية التعامل مع الضحايا والمتضررين إنسانيا، بداية من مراعاة حالة الصدمة التي يعيشها “المصدر”، انتهاء بقواعد الكتابة التي يجب أن ينتهجها الصحفي في مثل تلك الحالات، وأهمها: الدقة، والتعرف على حياة الضحية بشكل عميق، والاستماع للمحيطين به، والتحدث معه بلغة بسيطة ومفهومة، مع مراعاة تجنب نقل مشاهد مثيرة للذعر أثناء التغطية رحمة بالمتضررين الذين سيتابعون ما ينقله الصحفي. مثل تلك القواعد تهدف إلى تجنب زيادة آلام المتضررين أو الضحايا، والحفاظ على كرامتهم دون ابتذال آلامهم، وهو ما تفتقده بعض الأعمال الصحفية والبرامج التلفزيونية التي تعتمد على اجترار آلام المستضعفين.

Wednesday, May 7, 2014

التغطية الميدانية.. طريق مفروش بالأشواك



- حيرة الصحفي بين سؤالي السلامة والنزاهة 


كتب – عبدالرحمن مصطفى

من أتعس المهام التي قد توكل إلى صحفي، أن يعمل وسط طرفين اتفقا على استبعاده من المشهد، خاصة أن وسيلة الاستبعاد قد تصل إلى التصفية الجسدية.

“تخيل أنك وسط اشتباكات بين الأمن وأنصار جماعة الاخوان المسلمين، وعليك أن تحدد سبب الاشتباكات، وأن تحصي عدد الضحايا من الطرفين، وكلا منهما لا يبدي تعاونا معك، إن لم يبد رفضا لوجودك” هذا ما يصفه أحمد البرديني الصحفي الشاب في جريدة الشروق، حيث اعتاد أن يقدم تغطية ميدانية لجريدته، محاولا ألا يعود إلى منزله مصابا.
في تلك الأجواء.. يصبح الحصول على المعلومة، أقرب إلى مغامرة، قد لا يقدرها البعض، إذ تتحكم أجواء الاستقطاب، والتحفز، في مساحات تدقيق المعلومات، والسلامة الجسدية.

في العام الماضي، تعرض 7 صحفيين للقتل أثناء تأديتهم لعملهم في جمع المعلومات من أماكن الاشتباكات، وتعرض عشرات آخرون من زملائهم لإصابات واعتداءات حسب تقرير حالة حرية التعبير في مصر، الصادر عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

هذا الواقع ما زال مستمرا في العام 2014، حيث بدأت تتشكل طبيعة جديدة للعمل الصحفي في مصر. حيث يتساءل المتلقي سواء كان متصفحا للجرائد اليومية أو متابعا للقنوات التلفزيونية، هل هذه هي الصورة الكاملة للحدث؟ ما الذي يحدث أمام جامعة الأزهر؟ ما سر التفجيرات المتتالية؟ وكيف تتطور مسيرات جماعة الاخوان كل يوم جمعة إلى أعمال عنف دامية؟ وهنا يخوض صحفي مغامرة، قد تكلفه حياته، وسط أعباء عديدة، أهمها، أنه ضيف غير مرغوب فيه داخل هذا الحدث، وأن المزاج العام، والسياسة التحريرية للمؤسسات، تنتظر قصة معروف نتائجها من قبل.

في شهر أبريل الماضي، دعت نقابة الصحفيين المصرية إلى الإضراب الفوري عن تغطية كل الأحداث الميدانية الخطرة لأجل غير مسمى، وقد استجابت بعض الصحف في مقاطعة مظاهرات الجمعة التالية، احتجاجا على استهداف الصحفيين في أماكن الاشتباكات، ورغم استمرار دولاب العمل في الدوران والعودة إلى أخبار الاشتباكات من جديد، إلا أنها دعوة كشفت عن مزاج جديد، حين يضحي الصحفي بتقديم المعلومات عن حدث بعينه، حتى يحمي نفسه في المستقبل، وهو ما قد يؤثر على وصول المعلومات إلى المتلقي، فلا يجد أمامه سوى مواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع الاخبارية المحسوبة على أحد طرفي النزاع لينقل عنها ما غاب من تغطية.

يصف خالد البلشي عضو مجلس نقابة الصحفيين المصرية هذه الدعوة بأنها كانت بمثابة صرخة احتجاج، على أمل أن تصل إلى كافة الأطراف المقصرة، وأن تتم محاسبة المسؤولين عن أزمة الصحفي الميداني، سواء كان ذلك يدين أطراف من جانب الشرطة أو من جانب المتظاهرين.

هذا ما تدركه هدير محمود المصورة في الوطن في كل مهمة تغطية مع زملائها، إذ تدرك أن كل طرف من طرفي النزاع يمكنه ببساطة اتهام الآخر في دم صحفي أو مصور. “في الحد الأدنى من المشاكل، أتعرض لاعتداءات لفظية، دون محاسبة، وطرد من موقع الحدث، وتحرص المؤسسات الآن بشكل واضح على ألا تخسر المزيد من أفرادها نتيجة إصابات أو قتل، لكن الأصعب من هذا أنه لا يحدث تجريم لأحد، أو أن يتغير الموقف إلى الأحسن”.

هل يؤثر ذلك على عرض الحدث بشكل متكامل؟ هذا ما تتحكم فيه أزمة أخرى يواجهها من يعمل في الحقل الصحفي، وهو أن السياسة التحريرية أحيانا ما تتجه نحو جزء بعينه من المشهد، ذلك الجزء الذي يعبر عن موقف المؤسسة، في دعم أحد الطرفين.

تبدو مهمة صحفي التغطية الميدانية أشد صعوبة في وسط إعلامي يعج بالاستقطاب السياسي على حد وصف محمود علم الدين أستاذ الصحافة في كلية الاعلام بجامعة القاهرة، فمواقع التواصل الاجتماعي، تبحث عن العناوين الأشد سخونة لتداولها، كما لا تقدم المؤسسات الضمان الكافي للعاملين بها، أو على حد قوله: “أجد أن مبادرة نقابة الصحفيين في تدريب الصحفيين الميدانيين على قواعد السلامة المهنية، هي مهمة يجب أن تقوم بها الصحف بالدرجة الأولى”.

خاض أحمد البرديني الصحفي الشاب إحدى الورش التدريبية التي أقامتها نقابة الصحفيين المصرية مؤخرا، لكن الواقع الذي يراه في أماكن الاشتباكات، أشد تعقيدا من المحتوى التدريبي، فإحدى آخر أماكن التغطية التي حضرها، كان وسط متظاهرين مسلحين يشتبكون مع الأمن داخل منطقة عشوائية في حلوان.

"هذه خطوة أولى تقدم الأطر العامة للسلامة المهنية، ويمكن للمحتوى التدريبي أن يتطور في المستقبل، بل إن نقاشات الورشة نفسها، هي التي قد تكسب المتدرب مهارات جديدة، وأفكارا تفيده في عمله”. هذا ما تحدث عنه خالد البلشي عضو نقابة الصحفيين.

وبين أماكن اشتباكات تلفظ الصحفيين، ومزاج عام داخل المؤسسات الاعلامية، لا يحبذ تسليط الأضواء على اشتباكات جماعة تصفها الدولة بالإرهابية، تزداد مهمة الصحفي صعوبة.

التحقيق الاجتماعي.. رحلة صحفي بمزاج باحث


 
كتب – عبدالرحمن مصطفى

تتشابه مهمة الصحفي في إجراء تحقيق إجتماعي مع عمل الباحثين الاجتماعيين حين يدرسون “شريحة” من المجتمع من ناحية المستوى المادي والظروف المعيشية المختلفة، أما الهدف الذي يسعى إليه الصحفي فهو الإجابة على سؤال يطرحه حول ظاهرة بعينها.
ليس مطلوبا من الصحفي أن ينقل إلى القاريء إحساسا بالبؤس والشفقة تجاه الشريحة التي يدرسها مثلما يحدث في كثير من التحقيقات الاجتماعية، فبإمكان المهمشين أن يكونوا سعداء، كأن يكون التحقيق الصحفي عن موسيقى المهرجانات الشعبية، والبحث عن لماذا ظهرت؟ وكيف نمت في مناطق شعبية بعينها؟ وما الشريحة التي صنعتها ؟ أما التعرض للظروف البائسة لشريحة من المجتمع، فيجب ألا يكون هدفا، حتى لا يتسبب الصحفي في مزيد من التهميش للشريحة التي يدرسها أو تعميق إحساسهم بالدونية. على سبيل المثال.. قد يكون لدى الصحفي سؤالا عن منطقة يكثر فيها المسيحيون وسط جيرانهم المسلمين، ولا تتعرض هذه المنطقة لحوادث الفتن الطائفية، بينما تتوزع الفتن على مناطق أخرى، فيكتشف القاريء أن الاجابة تكمن في أن ظروفهم المجتمعية هي التي أوجدت هذا الرباط بينهم، وأن المجتمع أفرز قيادات طبيعية تمسك بحبل الطائفية بيديها كي لا ينفلت.
من أجل الوصول إلى الشريحة المستهدفة فهناك طريقين:
الطريق الأول هو استخدام “دليل” من هذا المجتمع يفتح للصحفي بوابة آمنة يدخل منها إلى هذا العالم، سواء كان ناشطا شابا أو أحد المعارف الشخصية، أو باحثا عمل من قبل في هذا المجتمع، أو غير ذلك. 
الطريق الثاني هو النزول ميدانيا والتواصل مع المصادر من نقطة الصفر، وغالبا ما يحتاج الصحفي إلى الطريقين من أجل رسم صورة متكاملة عن المشهد، والوصول إلى إجابة سؤال التحقيق بشكل نزيه، فالصحفي في حاجة إلى الحصول على معلومات في بيئة آمنة من مصدر لا يعادي الصحافة، ثم الاختلاط مع الشارع من أجل إجابة سؤال التحقيق.
قبل التواصل مع الشريحة المستهدفة، لابد من معرفة كافة التفاصيل عنها، وتبادل الحديث مع المصادر المتاحة بلباقة، والاستدلال بها في الوصول إلى نتيجة في ختام الموضوع. كما يحتاج الصحفي أيضا إلى وضع الشريحة محل الدراسة في إطار مجتمعي أوسع، وليس تسليط العدسة المكبرة على ظاهرة مجتمعية وكأنها اتجاه عام في المجتمع الأكبر، ويستعين في ذلك بدراسات وأرقام وتعليقات الخبراء.
كذلك فما دام الصحفي قد اختار النزول إلى الهامش، فستكون قاعدة العمل هي أن: المعلومات قيمة في ذاتها، ولا تستمد أهميتها من أهمية المصدر، على عكس ما يعتنقه زملاؤه حين يبحثون عن جودة المصدر قبل أهمية المعلومة، فالعمل الميداني يجعل كافة المعلومات مهمة للوصول إلى نتيجة، على سبيل المثال، قد تكشف مجموعة من المواطنين عن تفاصيل عن عالم الانتخابات في حي ما، في حين تكون تصريحات أحد قيادات المجتمع المحلي ذات نبرة جافة وسلطوية، لذا فالتحقيق هو حوار بين الهامش والسلطة، حتى تكتمل الصورة.
ومن أهم أهداف التحقيق الاجتماعي هو إعادة النظر في ركام الأخبار ذات الاتجاه الواحد، وذلك ليس عملا بمبدأ “خالف تعرف”، ولكن للعمل بعقلية نقدية، وعلينا هنا الاعتراف بأن بعض الصحف لا تملك جرأة إعادة قراءة المشهد إذا ما كان ذلك مخالفا للإجماع الصحفي على قضية واحدة، على سبيل المثال كانت ظاهرة زواج المصريين من سوريات ذات نبرة واحدة وإجماع على أنها ظاهرة متفشية في أوساط السوريين في مصر، وهنا كان لابد من إعادة قراءة أعداد السوريين في مصر، ومطابقتها لواقع معيشة السوريين، ما قد يجعل النتيجة مختلفة، وأن تلك الحملة تقوم على واقع مزيف.
وحتى تصل إلى نتائج مضمونة، فهناك بعض الخطوات التي قد تفيد في تحقيق غرضك الصحفي:
ابتعد مسافة عن القضية التي تدرسها: كن واقعيا مع هدفك، وضع أسئلة عن الشريحة التي تتعامل معها.. لماذا وصلت  إلى المرحلة الحالية؟ وهل صورتهم المتداولة حقيقية؟ وما سبب أزمتهم؟
كن مراوغا ولا تكن كاذبا: في أثناء الذهاب إلى مصدرك “الآمن”، اجمع معلومات من الشارع، سواء من مشاهدات أو من أسئلة تطرحها دون إبراز هويتك الصحفية، لكن إن اضطررت للكشف عن هويتك، فلا تخفيها، وفي أوقات الخطر لا تغامر بنفسك قبل التفكير جيدا في أهمية المعلومة التي تطلبها، فبإمكانك أن تؤجل الحصول عليها فيما بعد.
أنت جزء من هذا المجتمع: فكر جيدا في شكل هيئتك قبل الزيارة الميدانية، لا ترتدي ملابس تعرضك للتنميط، ولا تستفز المصادر بالتعالي على حياتهم، بل كن جزءا من حياتهم اليومية في تنقلاتك بينهم سواء بالتوكتوك أو الميكروباص، والتحرك بين أنهار مياه الصرف الصحي دون تأفف.
احذر من المصادر: غالبا ما تراك المصادر في أوقات أزماتهم مجرد “مانشيت” أو “خبر”، فلا تنساق وراء رغباتهم، واظهر لهم اهتمامك بمعرفة المزيد، وتناقش معهم في معلومات جمعتها من قبل.
التوازن : فكر دائما في الأطراف الأخرى التي تريد التحدث معها، وحدد إن كانت مصادرك “الآمنة” ذات قدرة على أن توصلك بها أم ستعتمد على نفسك، وحدد أيضا إن كان من اللباقة أن تتحدث مع مصادرك الآمنة والميدانية عن أطراف أخرى تريد زيارتها أم أن الموقف لا يسمح.
في النهاية .. على الصحفي أن يصل إلى نتيجة بعد كافة تنقلاته الميدانية وجمع المادة المعلوماتية، والإجابة على الأسئلة التي طرحها منذ البداية.

Thursday, February 27, 2014

البروفايل.. تلخيص القصة الصحفية في شخصية


 عبدالرحمن مصطفى

قبل أن تكتب "بروفايل"، لابد أن تعتنق مبدأ مهما، وهو أنك تكتب عملا صحفيا لا يقل أهمية عن الخبر، والفيتشر، والقصة الخبرية، والحوار، والتحقيق .. البروفايل وسيلة لتقديم معلومات عن موضوع من خلال شخصية، وحتى يتمكن الصحفي من التوغل في عرض هذه الشخصية، لابد من اتخاذ زاوية للكتابة، هذه الزاوية ستمكن الكاتب من تحقيق أهدافه. من ضمن هذه الأهداف:

-          متابعة تطور مكان: كتقديم شخصية يتقاطع تاريخها مع تاريخ المكان.

-          فهم حدث طاريء: يتحول البروفايل هنا إلى عامل مساعد، شيق وإنساني في خدمة المحتوى الخبري في الصحيفة، عبر تقديم الشخصية مسار الحدث.

-          التعمق في شخصيات مختلفة: يبحث القاريء أحيانا عن شخصيات مختلفة وتجارب جديدة، لا يتيح لها الاعلام مساحات مناسبة.

-          نشر التفاؤل: من أكثر موضوعات البروفايل جاذبية، هي التي تعرض لقصة نجاح يتوحد معها القاريء باحثا عن الأمل والتفاؤل.

-          كشف التفاصيل الغائبة: أحيانا ما تغيب المعلومات عن تفاصيل الأخبار، وتتجمع كافة الخيوط بأيدي شخصية مفتاحية تكشف لنا مسار الأحداث.

وتتقاطع كتابة البروفايل مع كتابة الفيتشر، خاصة في استعارة أنواع المقدمات أثناء الكتابة، ويحتاج الصحفي إلى التحلى بمهارات لغوية عالية، إذ لا يكفي سرد مجموعة من التفاصيل والخلفيات التاريخية عن شخص، بل يتعدى ذلك إلى الدخول إلى عالم واسع مفتاحه مع هذه الشخصية، ومن الواجب أن يتم عرض ذلك بشكل شيق، حتى لا يتحول الأمر إلى ما يشبه التقرير التقليدي.

قبل البدء في الكتابة هناك مجموعة من التجهيزات، كأن يتم تحديد زاوية التناول، إذ أن عنصري الزمان والمكان قد يتحكمان في طريقة التعامل مع الشخصية، فإذا كتب أحدهم عن شخصية الدكتور محمد مرسي المتحدث الرسمي باسم الكتلة البرلمانية للإخوان (2000-2005)، فإن كتابته ستختلف تماما عن محمد مرسي الرئيس المعزول. وفي كل الأحوال على الصحفي أن يتساءل قبل أن يقابل مصدره، لماذا الآن؟ ومن أين يستمد المصدر جاذبيته التي تحوله إلى موضوع يهم القاريء؟ وأن يتخلى الصحفي عن إنحيازاته وأفكاره المسبقة.

يتعرض الصحفي أحيانا لأزمات أثناء كتابة البروفايل، حين يستحيل لقاء الشخصية المستهدفة، على سبيل المثال كان من الصعب إجراء حوار بين صحفي مصري ومدير المخابرات العامة اللواء عمر سليمان في العام 2005، لكن هناك من تغلب على ذلك بجمع معلومات وعقد لقاءات مع رجال مطلعين ساعدوه في رسم صورة لدور هذا الرجل داخل الدولة، وقد يروي الصحفي "حكاية سياسية" من خلال بروفايل ذي لغة شيقة، اعتمادا على البحث والحصول على ما هو متاح من معلومات، ودون لقاء المصادر، وهذا ما يتعرض له الصحفيون كثيرا في قسم "الخارجي" أو أخبار العالم. ووسط هذه الطرق في الكتابة لابد من تحليل المعلومات قبل تقديمها، حتى لا يكون المنتج النهائي مجرد سيرة ذاتية في قالب صحفي. وحسب أحد صحفيي "نيويورك تايمز" التي تميزت بتقديم البروفايل فإنه يؤكد على أهمية البروفايل كمدخل لفهم قضية، ضاربا المثل بما كتبه في مرة عن أحد الموردين في مصر، وكيف عرض من خلاله صورة للاقتصاد غير الرسمي في القاهرة، وهي مهمة لا تخلو من مشقة وتعب.

وفي ضوء كل ذلك لابد من اتخاذ بعض التجهيزات قبل الكتابة، من أهمها:

-          جمع أكبر قدر من المعلومات الأرشيفية عن الشخصية والظروف المحيطة بها، كما يفضل التواصل مع مصادر تستطيع تقديم معلومات إضافية، لأن ذلك يفيد بشكل كامل قبل لقاء الشخصية.

-          تحديد زاوية الكتابة والهدف من التعامل مع الشخصية المستهدفة، وتحديد القضية أو الموضوع الذي يمكن تقديمه من خلالها.

-          التفكير في الصورة المصاحبة للموضوع، سواء باختيار صورة أرشيفية معبرة، أو بالتنسيق مع المصور ومناقشته في زاوية التناول قبل اللقاء، وغالبا ما ترتبط الصورة مع العنوان الرئيسي للبروفايل.

-          التجهيز لإجراء حوار مع الشخصية، مع الوضع في الاعتبار ألا تقتصر الأسئلة على زاوية الموضوع، بل التعرف أكثر على روح هذه الشخصية، وتطورها حتى اللحظة الحالية، والنقاش مع الشخصية حول المعلومات التي جمعها الصحفي.

قد تبدو المقاربة بعيدة على البعض، حين نشبه كتابة البروفايل بالكتابة عن البطل الدرامي في الرواية، لكن الواقع في لحظة الكتابة يكون متقارب إلى حد كبير، إذ تتضح الشخصية الدرامية حين ينجح الكاتب في إبراز صراعاتها، وعرض ظروف تطورها، وارتباطها بالمكان، هذه العوامل لا تكون بعيدة أثناء كتابة البروفايل، لذا فالبروفايل الجيد هو الذي يقدم لنا شخصية درامية بأسلوب صحفي.

Thursday, February 20, 2014

كتابة الفيتشر الصحفي .. مساحة لجذب القارئ إلى عالم الأخبار



عبد الرحمن مصطفى

يهدف الفيتشر الصحفي (القصة الإنسانية) إلى إضفاء مزيد من العمق في التناول الخبري، ومحاولة تلطيف المحتوى الصحفي بالاقتراب من حياة الناس، ويمتاز الفيتشر بأنه أكثر أشكال الكتابة الصحفية صمودا أمام الزمن، ما يضعه أحيانا في صفحات نوعية أو أسبوعية.. وأمام كاتب الفيتشر اختيارين، الأول هو الكتابة عن موضوعات خارج الإيقاع الخبري السريع، كأن يكتب عن اهتمامات الناس وجوانب أخرى من حياتهم، كأن يزور مكان مميز كما نرى في هذا الموضوع “برقاش يعني سوق الجمال”، أو أن يكتب عن مبادرة شبابية تعمل لإصلاح المجتمع دون صخب، أما البديل الثاني فهو أن يتجه صحفي الفيتشر إلى البحث عن الهامش الذي يجعلنا نفهم عمق الحدث وخلفياته وجوانبه، وعلى الصحفي في هذه الحالة أن يبحث عن مصادر جديدة بعيدا عن المصادر التي استهلكت أثناء التغطيات الصحفية.

على سبيل المثال، كان حادث مقتل الجنود المصريين في رفح، أثناء إفطارهم في رمضان عام 2012 كارثيا بدرجة جعلت كافة وسائل الإعلام تتجه لا إراديا ناحية الخبر، ووسط هذا الزحام كان في الإمكان تناول فكرة عن شباب سيناء المتطوعين في المجال الخيري – أثناء شهر رمضان- وكيف يعمل هؤلاء وسط حملة عسكرية على الإرهاب. هذا الموضوع كان يمكن كتابته أيضا حال لم يقع حادث رفح، وستكون زاويته في تلك الحالة عن مشقة العمل الخيري في مجتمع سيناء المهمش، لكن وقوع الحادث جعل زاوية الموضوع عن العمل الخيري وسط أحداث ساخنة. وهنا ننتقل إلى خطوات اختيار فكرة الفيتشر وخطوات تنفيذها.


* الفكرة: على الصحفي أن يبتعد عن الحدث قليلا، ويتعامل معه كقضية تمس شريحة من المواطنين، ثم يطرح زاوية للتناول، كأنها خيط يتتبعه أثناء الكتابة، محاولا إبراز مبررات اختيار الفكرة واهميتها لدى القارئ، فسواء كان موضوع الفيتشر عن عالم الليل والسهر، أو عن تحضيرات الطلاب للإمتحانات، فالقارئ ينتظر تفاصيل لن يصل إليها سوى عن طريق كاتب الموضوع، كما أن زاوية كتابة الموضوع هي الهيكل الذي سيمنحه الصحفي جسدا بكلماته، على أن تكون الزاوية جديدة وغير مستهلكه.


المصادر: احشد لقصتك أقصى ما تستطيع جمعه من المعلومات قبل لقاء المصادر، من بيانات وتفاصيل عن طبيعة المكان، والاستعانة بمعلومات من شخصيات قريبة من فكرة الموضوع، والأهم من ذلك أن يكون ضمن المصادر شخصيات يدرس الصحفي من خلالها تأثير الأحداث وطبيعة المكان.


* العنوان : يعتاد الصحفي حين ينهي كتابة خبر أو تقرير أن يجعل العنوان هو آخر ما يكتبه قبل النشر، لكن النصيحة الأفضل لصحفي الفيتشر، هي أن يضع عنوان قصته في رأسه قبل البدء في العمل، وذلك لسبب بسيط، هو أن العنوان أحيانا ما يلخص زاوية الفيتشر. وتتبدل العناوين بين عنوان مكثف من نوعية “موسيقى تتحدى الحظر”، أو عنوان أكثر مباشرة مثل: “مقاهي غزة : مأوى للعاطلين ولعشاق كرة القدم”، ويعقب ذلك عنوان فرعي يشرح تفاصيل القصة. ويتراوح عدد كلمات القصة الانسانية بين 500 إلى 2000 كلمة، مع مقدمة جاذبة تربط موضوع الفيتشر بالبشر، وقد جرى الاتفاق على عدة أنواع من المقدمات تحقق هذا الهدف.


أنواع المقدمة

– الحكي: هنا يوجز الصحفي مشهدا من حياة أحد مصادر الموضوع، بهدف إبراز الفكرة وكيف أثرت بشكل مباشر في حياة الناس، وهذا النوع من المقدمات يكاد يكون الأكثر استخداما، إذ يعرض الصحفي “مشهدا” ينقل إلى القارئ إحساسا بالحركة والحياة. 

– الوصف: تبدأ الفقرة الأولى بوصف مكان الموضوع، ونلاحظ هنا أن هذا النوع يخدم الفكرة القائمة بأكملها على “المكان”، ما يجعل هناك مبرر واضح لاستخدام هذه المقدمة، ونلفت النظر إلى أنه على الصحفي ألا يستعرض عضلاته اللغوية ومهاراته الأدبية بشكل بارز، حتى لا يحدث تشتيت لدى القارئ، فيتوه عن الفكرة الأصلية.

-السؤال: بإمكان الصحفي أن يبدأ موضوعه بسؤال مباشر متصل بموضوع الفيتشر، وفي الغالب ستكون بقية الفقرات هي إجابة عن ذلك السؤال، وإما أن يطرح السؤال على لسان أحد المصادر، أو يطرحه الصحفي بنفسه داخل المقدمة.

– المواجهة مع القارئ: تـُستخدم أغلب تلك المقدمات في الفيتشر المكتوب لصفحة ذات طابع خدمي أو ترفيهي على السواء، مثل صفحات الصحة، التكنولوجيا، والأزياء، .. الخ. وتكون المقدمات على طريقة : “لو كنت أحد الذين يصابون بنوبات عطس متكررة في الربيع أو في شهري سبتمبر وأكتوبر، فتلك أعراض الحساسية الموسمية، …الخ”.

– المقارنة والتناقض: في هذا النوع من المقدمات، يلعب الصحفي على جذب القارئ بمفارقة تصنعها المتناقضات المرتبطة بالموضوع، ويتخللها عنصر المفاجأة كذلك، كاستغلال غرابة الحالة التي تعيشها سيدة تحولت من المسيحة إلى الاسلام، وكيف أصبح اسمها الرباعي الجديد مكونا من ثمانية أسماء.

– العرض التاريخي: وهي المقدمة التي تستعرض أصل موضوع الفيتشر بتسلسل تاريخي وبشكل شيق، ولا بد أن تتضمن المقدمة مدة زمنية أو تاريخ محدد، وأحيانا ما تنتهي تلك الفقرة التمهيدية إلى مفارقة أو مفاجئة، وتكتب بقية الفقرات بعدها.

– الاقتباس: وهي أكثر أنواع المقدمات سهولة، وخاصة في مجال التلفزيون، لكن كثرة استخدامها في عالم الصحافة أفقدهها جاذبيتها، لذا يفضل عدم البدء باقتباس، إلا إذا كان صادما وقويا.


بناء الفيتشر
يمكن للصحفي أن يبدع في مقدمة الفيتشر خارج الأنواع السابقة، كأن يبدأ بمثل شهير أو نتائج دراسة أو بتنويعات لغوية مشوقة. ثم ينتقل الصحفي بعد المقدمة إلى فقرة الاقتباس، ثم فقرة بعدها تشرح بشكل غير مباشر أهمية الموضوع ومبرر كتابته، وبعدها اقتباس آخر، ثم فقرة تعرض خلفيات أوسع للقضية، وفي هذه الفقرة تحديدا يحاول الصحفي تقريب فكرته إلى أكبر شريحة من القراء، وينتقل الموضوع بين اقتباس، ثم عرض للمعلومات، حتى تأتي الخاتمة التي تلخص نتائج الموضوع وانعكاساته في المستقبل، ومن المستحب ألا يختم الصحفي الفيتشر باقتباس، إلا في حالة إن كان ذلك الاقتباس مؤثرا.

أما أهم شروط كتابة الفيتشر، فهي الاعتماد على عبارات مكثفة، ووضوح الفكرة، واختيار زاوية واضحة لا تشتت الصحفي في تفاصيل لا تخدم موضوعه، ويجب الاستعانة ببيانات وأراء خبراء، حسب فكرة الموضوع، وفي النهاية على صحفي الفيتشر أن يؤمن بأهمية ما يكتب، حتى يظهر ذلك واضحا في موضوعه.

Tuesday, January 24, 2012

الشعار الخفى للثائرين: معا ضد الأبوية


«زي والدك» آخر قشرة تحمى الديكتاتور فى مواجهة «الأبناء الثائرين» .. إن كنت «إخوانيا».. فلا تجادل ولا تناقش .. وإن كنت طالبـًا جامعيـًا «لا تغضب من أستاذك حين يستعيلك».. وحين تكون فى الكنيسة «لا تهتف ضد العسكرى»

فى مساء 10 فبراير من عام 2011 ألقى مبارك خطابه الأخير، مفتتحا عباراته بقوله: «أتوجه إليكم جميعا بحديث من القلب، حديث الأب لأبنائه وبناته». ورغم أنه تنحى عن الحكم فى اليوم التالى إلا أن تلك النبرة الأبوية مازالت أصداؤها مستمرة على مدى عام كامل فى الإعلام والسياسة، فبعد أن اختفى مبارك ظهر إعلاميون وسياسيون تحدثوا بنبرة أبوية غليظة وصفت الشباب المتظاهر بسوء التربية وقلة الأدب، وفى مواضع أخرى استخدموا النبرة الأبوية نفسها بشكل مختلف ليصبح الشباب هم الجيل الذى شرفنا. «هذه الحالة ليست جديدة.. فكل من يبحث عن الهيمنة وعن تدعيم سلطته يمارس دور الأب، لتبرير تجاوزاته وقمع أى محاولة تضعه فى إطاره الصحيح»، هذا التفسير من الدكتور أحمد زايد ــ أستاذ علم الاجتماعى السياسى بجامعة القاهرةــ يدعمه بأمثلة أخرى، منها لغة الرئيس الراحل السادات الذى أصر على استخدام ألفاظ مثل «العيب»، و«العائلة»، و«أولادى»، وكلها تحوله من رئيس إلى أب يهذب ويربى بعيدا عن تقييم إدارته لمؤسسات الدولة.
هذه الحالة الأبوية التى استمرت بعد الثورة واجهت مقاومة شبابية فى العديد من المؤسسات، وعلى رأسها مؤسسة الجامعة. «كل ما كنا نطلبه هو أن يكون لدينا صوت وتقدير لدى الإدارة، وألا يتم الاستهانة بنا فى أى وقت «، هكذا عبرت مى عزت، الطالبة بكلية الإعلام فى جامعة القاهرة، والتى انضمت لمجموعة من الطلبة فى مارس الماضى، للتعبير عن رافضهم لعميد كليتهم الذى أهان شباب الثورة قبيل التنحى، مشيرة إلى «خلفيته المنتمية إلى الحزب الوطنى المنحل».. كلها أمور دفعتهم إلى مطالبته بالرحيل مستعيرين النموذج الأكبر فى رحيل مبارك.
تقول مى: «كان يأتى بعض زملائنا ليتساءلوا: إنتوا عايزين إيه منه؟.. ده برضو راجل كبير ومحترم.. ما ينفعش تهتفوا ضده، وكنت أشعر أننا فى الموقف نفسه مع مبارك، وبعد أن جرت انتخابات العمادة فى الكلية وأتت بعميد جديد، احترمنا نتائجها.. كل ما نطلبه أن يتحقق التغيير لتدار البلد بشكل مؤسسى نزيه، وألا يتم تهميشنا فنحن من يتعلم هنا!».
مظاهر الأبوية فى الجامعة لا تتوقف على مواجهات بين الطلبة والإدارة فى ظرف سياسى، بل لها مظاهر أخرى فى العلاقة اليومية، كأن يطلب أستاذ من طلبته الحضور إلى إحدى الفاعليات التى يديرها خارج الجامعة ويلومهم بأسلوب أبوى إذا ما تهربوا من الحضور، لكن الثورة غيرت ملامح الجامعة فى العامين الدراسيين الأخيرين مع ازدياد النبرة الاحتجاجية الحقوقية بين الطلبة.. تعلق مى عزت طالبة الإعلام قائلة: «كل ما حدث لم يذهب هباء، فمجموعة الاعتصام الأولى تطورت إلى جبهة جديدة هدفها إرساء مناخ ديمقراطى بين الطلاب والأساتذة».
فى مجال التعليم يبرز الخطاب الأبوى فى ألفاظ واضحة مثل «تعالى يلا»، أو فى عبارات الشكوى من الطالب كثير الأسئلة، والهدف هو هيمنة الأستاذ وإعطاؤه سلطة مطلقة بعيدا عن المهنية، وذلك حسبما يرى الدكتور أحمد زايد ــ أستاذ علم الاجتماع السياسى ــ إذ يرى أيضا أن ضعف المؤسسات أوجد علاقة «التابع والمتبوع» داخل المؤسسات بعيدا عن اللوائح والقواعد».


لا تجادل ولا تناقش
على مدى العام الماضى أتيح المجال بشكل أكبر لتأسيس أحزاب سياسية، لكن داخل كثير من تلك الأحزاب الجديدة كان هناك هاجس من تكرار ظهور «أقطاب»، و«رموز» ينفردون بالقرار والمشهد، أحد تلك الأحزاب هو حزب «التيار المصرى» الذى صاحب تأسيسه صخبا وعناوين من نوعية: «شباب الإخوان يخالفون قرار المرشد ويؤسسون حزب التيار المصرى». وكانت الصورة وقتها عن محاولة للهروب من أبوية قيادات الجماعة إلى كيان مؤسسى يدار بشكل مختلف بين مجموعات من الشباب. «الحزب فى مجمله يضم شبابا متآلفين مع خط الثورة والتغيير، القصة بدأت فقط بمجموعة أغلبها من شباب الإخوان. لكن على أرض الواقع فأغلب أعضاء الحزب من الشباب ولأنهم مع الثورة فهم بالضرورة ضد التسلط الأبوى الذى نواجهه فى السياسة، الأمر ليس له علاقة بالإخوان فقط!»، هذا ما يراه أحد الأعضاء المؤسسين فى حزب «التيار المصرى»، أما عن التجارب الحزبية الأخرى الناشئة فرغم وجود أسماء لامعة داخلها فإن الحالة العامة مع غياب «القائد، الأب، الرئيس» قد انعكست على الأحزاب وعلى السياسة.
وفى تجارب قريبة من نموذج «التيار المصرى»، يأبى أعضاء الحزب من الشباب تقديم مشروعهم عن طريق رموز أو مشاهير. وحسب المصدر نفسه من حزب «التيار المصرى» فإن هناك هاجسا دائما من أن يحاول البعض ممارسة الدور الأبوى فى الوصاية وقمع الآراء نتيجة نشأته فى بيئة تمارس هذه السلوكيات، ويعلق على ذلك قائلا: «ليس أمامنا من حلول سوى الالتزام بفكر الحزب القريب من تطبيق الديمقراطية التشاركية ولائحة الحزب، كما أننا مستفيدون من التشبيك عبر (فيس بوك) للتواصل بين كل الأعضاء، والأهم من هذا أننا نمارس رقابة على أنفسنا، فنحن قد رأينا ما كان فى عالم السياسة قبل الثورة، ولا نريد رؤيته مرة أخرى، كذلك استوعبنا درس الانتخابات التى أثبتت لشباب الثورة أن السياسة لها قواعد أخرى بعيدا عن شهرة الشخص أو إخلاصه فقط لقضيته..».
الأمر أكثر اختلافا داخل كيانات أخرى ذات بنية مختلفة مثل جماعة الإخوان المسلمين، إذ تزايدت رهانات فى كتابات وتحليلات المعلقين على تزايد حالات انسحاب الشباب هروبا من الحس الأبوى داخل الجماعة، إذ تستمد القيادات سلطتها من تاريخها النضالى على الأصغر سنا. بعض المجموعات من شباب الجماعة دخلت فى هذا الصراع مع الأبوية وانتهى الأمر إما إلى الانسحاب أو محاولة الإصلاح من الداخل، أشهر تلك الحالات نجدها على (فيس بوك) فى مجموعة «لا تجادل ولا تناقش.. أنت إخوانجى»، يصفون أنفسهم قائلين: نحن مجموعة من شباب الإخوان المسلمين «الحاليين والسابقين» من جميع المستويات داخل الجماعة، نستهدف التغيير والإصلاح من داخل الجماعة. وفى صدر صفحتهم كتبوا: «ينبغى أن يكون الأخ بين يدى مرشده أو نقيبه أو مسئوله كالميت بين يدى من يغسله يقلبه كيف يشاء»، وهذا فى سخرية من سطوة العلاقات داخل الجماعة التى يرغب البعض فى أن تقوم على السمع والطاعة.
يرى الكاتب الصحفى عبدالجليل الشرنوبى ــ العضو السابق بجماعة الإخوان المسلمين ــ أن أزمة الأبوية قادمة من داخل تنظيم الجماعة نفسه، إذ كانت تلك السلطة الأبوية مقبولة حين كان التنظيم ملاحقا أمنيا، فكانت إطاعة الأوامر مهمة للحفاظ على تماسك الجماعة وعلى أسرارها، ويقول: «بعض شباب الإخوان يبحث عن مساحة يطور فيها فكره، لكن الأمل فى الإصلاح من الداخل، إذ نرغب فى يوم ما أن نرى نقيب الأسرة فى الإخوان عنصرا فاعلا فى مجتمعه وليس وصيا على أحد».

فى قداس عيد الميلاد
إحدى المؤسسات التى واجهت صعودا لتيار شبابى مناهض لفكر الأبوية داخلها هى الكنيسة القبطية، إذ كان أبرز آخر تلك المشاهد هو صوت بيشوى تمرى وهو يهتف «يسقط حكم العسكر» داخل الكاتدرائية خلال احتفالات عيد الميلاد المجيد الأخيرة، وذلك فى خلفية احتجاجات على دعوة أعضاء من المجلس العسكرى للحضور دون مراعاة مشاعر الحزن على شهداء ماسبيرو وأغلبهم من الأقباط.
بيشوى تمرى هو عضو المكتب السياسى لاتحاد شباب ماسبيرو، فهل الاتحاد أحد مظاهر الخروج على النزعة الأبوية لسلطة الكنيسة؟ يجيب: «أحد أهم أهداف الاتحاد هو إيجاد مجال حركة للأقباط للتعبير عن احتجاجاتهم ومطالبهم بعيدا عن السلبية، ولم يأت هذا إلا بعد الثورة التى أعطت المصريين فرصة للتعبير والتضحية من أجل هدف»، ويضيف قائلا: «هناك متضامنون مع أفكارنا من رجال الدين، هم ليسوا أعضاء فى الاتحاد بقدر ما هم مستشارون، لكن لا مجال لوصاية أو أبوية من أحد منهم.. لأنهم ببساطة أيضا فارون من هذه الأبوية». تلك المحاولات لا تهدف إلى الصدام مع السلطة الروحية للكنيسة، بل إلى رفض احتكار الكنيسة للمشهد القبطى.