Showing posts with label العرب. Show all posts
Showing posts with label العرب. Show all posts

Thursday, December 15, 2016

الأسد ينفض غبار المعركة.. والمصير الغامض يهدد المستقبل بعد «تحرير حلب»

كتب - عبد الرحمن مصطفى

 خرج الرئيس السوري بشار الأسد، من وسط غبار معركة حلب ليلقي كلمة مصورة بدا فيها مبتسما، وأكثر هدوءا عن ذي قبل، واصفا “انتصار” القوات السورية على الفصائل المعارضة باللحظة التاريخية التي سيتوقف عندها الزمن ليدخل التاريخ «مرحلة ما بعد تحرير حلب»، بحسب وصفه.

تزامن بث فيديو الأسد عبر حساب الرئاسة السورية على تويتر مع عملية إجلاء آلاف المدنيين والمقاتلين من آخر معقل للمعارضة في حلب بعد اتفاق جرى لوقف إطلاق النار.

حلب

 

“ما يحدث اليوم هو كتابة تاريخ يكتبه كل مواطن سوري، لم تبدأ كتابته اليوم، بل بدأت من نحو 6 سنوات عندما بدأت الأزمة والحرب على سوريا”. هذه الكلمات الوائقة من الرئيس السوري، أخفت وضعا بائسا عاشته المدينة مؤخرا، دفعت لجنة تحقيق في جرائم الحرب تابعة للأمم المتحدة، أمس الأربعاء، إلى تحميل الحكومة السورية مسؤولية أساسية كي تمنع أي هجمات أو انتهاكات ضد حقوق الإنسان في حلب من قبل جنودها أو القوات المتحالفة معها. وهي الممارسات التي وصفتها الأمم المتحدة من قبل بأنها “تمثل على الأرجح جرائم حرب”.

انشغل الرئيس السوري بالنصر، وقال في ظهوره الأخير “أعتقد بعد تحرير حلب، سيقول التاريخ، لا السوري ولا الإقليمي فحسب، بل الدولي أيضا: قبل تحرير حلب وبعد تحرير حلب، كما قال من قبل مرحلة ما قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، وبين الحربين العالميين”.

وفي جزء من حديثه عن تأثير نتائج معركة حلب على توازنات القوى في المستقبل، كثير من الصحة، إذ لن يحصد الأسد وحده غنائم الحرب، بقدر ما سيشاركه فيها حلفاء آخرون على رأسهم روسيا الاتحادية التي دعمت بشكل قوي القوات الحكومية، مع اتخاذ تدابير دبلوماسية تضمن تحقيق هذا النصر.


ويطرح ظهور بشار الأسد اليوم سؤالا حول حقيقة هذا “النصر”، في وقت أدان فيه المجتمع الدولي انتهاكات جرت ضد المدنيين في حلب، وأكدت فيه دول غربية كبرى، قبل أسبوع، أنه لن تكون هناك أي حصانة للأفراد المتورطين في جرائم حرب. داعين الأمم المتحدة لجمع الأدلة للمساعدة في مثول الأفراد أمام العدالة.

كذلك بدا موقف الرئيس السوري معزولا أمام الدبلوماسية العربية، إذ نددت دول  في اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، باعتداءات جرت على مدنيين أثناء فرارهم من حلب.

وقال أحمد قطان مندوب السعودية أمام الاجتماع الذي عقد في القاهرة “نجتمع اليوم ونحن نشاهد بأعيننا حجم الدمار الهائل الذي أحدثه النظام السوري وحلفه، (…)، بل أمعنوا واستمروا في قتل الشعب السوري الشقيق بوحشية وبدون أي وازع ديني أو ضمير إنساني”.


حلب

أما جمعة مبارك الجنيبي، مندوب دولة الإمارات الدائم لدى الجامعة العربية، فقال “لا يمكن القول بأن قوات النظام السوري حققت انتصارا بتطهير بلد من سكانه بهذه الطريقة الوحشية، كما أنه لا يمكن تصور هذا الضعف الذي يعاني منه المجتمع الدولي بصمته على تلك الجرائم الإنسانية وجرائم الحرب التي ترتكب يوميا هناك”.

سيواجه الرئيس السوري في المستقبل أزمة مع الانتهاكات التي جرت في مدينة حلب من أجل تحقيق ذلك “النصر”. كما يبقى أمامه أزمة في آلاف النازحين من حلب، وحالة الطوارئ التي دفعت الأمم المتحدة لتجهيز خطط طوارئ لاستقبال 100 ألف شخص في إدلب.

قد تبدو ملامح الرئيس السوري الواثقة في فيديو اليوم، أكثر تعبيرا عن النصر، لكنها قد لا تستمر على هذا المنوال في المستقبل، بعد أن تظهر نتائج أخرى أغفلها بشار الأسد من حساباته. ما يطرح بدوره تساؤلا عن المصير الغامض الذي يهدد مستقبل الأسد  بعد «تحرير حلب»، وهو ما ستكشف عنه مجريات الأحداث خلال الفترة الضبابية المقبلة  في تاريخ البلاد.

Thursday, July 3, 2014

«طائفية» المالكى تدمر وحدة العراق.. «ملف كامل»



يبدو المشهد السياسى فى العراق متأزما بعد سنوات من سياسات التهميش ضد الطائفة السنية، التى انتهجها رئيس الوزراء العراقى نورى المالكى.
واليوم.. تتصاعد الاحتجاجات ضد استمراره فى الحكم، خاصة بعد إخفاقه فى التصدى لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، الذى أعلن الخلافة الإسلامية أخيرًا، ووسط كل تلك الأجواء، يصر المالكى على تمسكه بالوضع الحالى دون تغيير، وهو ما يهدد وحدة العراق، وفى داخل هذا الملف، تحاول «الشروق» فهم ملامح هذه الأزمة وتعقيداتها المختلفة.

مظالم السُنة واحتجاج العشائر.. بداية الأزمة مع «المالكي»

اقرأ المزيد هنا: http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=03072014&id=38644fb6-0f29-4d27-82fb-c1f1925f4dd4
 مظالم السُنة واحتجاج العشائر.. بداية الأزمة مع «المالكي» 

داعش.. قصة صعود فى أرض الرافدين وحلم «الخلافة»


متهمون بدعم داعش ولا دليل ضدهم

 

هل يتحول العراق إلى ساحة للحرب بالوگالة؟ 

 

بروفايل: أبو بكر البغدادى.. «زعيم داعش.. وأمير المؤمنين»

 

بروفايل: نورى المالكى.. حاكم على حافة الهاوية

 

مكونات الثورة السنية

 

سيناريوهات المستقبـل 


PDF

Tuesday, February 12, 2013

أطباء سوريون يخدمون جاليتهم فى 6 أكتوبر

لم يمت الطفل فى اشتباكات داخل الأراضى السورية، بل مات فى الطريق من مساكن عثمان قرب طريق الواحات إلى مدينة 6 أكتوبر جنوب القاهرة، حين لم يجد الأب وسيلة مواصلات تنقله فى ذلك الوقت المتأخر من الليل، فأخفق فى إنقاذ نجله المريض. «لمثل تلك الحالات أسسنا مركز عيادات النخبة التخصصية لرعاية أبناء الجالية السورية فى مدينة 6 أكتوبر». الحديث هنا لـ (ب. أ) المدير الطبى للمركز الذى تعمد إخفاء هويته خشية إلحاق الضرر بأسرته فى سوريا. يقع المركز على بعد 10 دقائق بالسيارة من ميدان الحصرى الشهير بمدينة 6 أكتوبر، وتكاد تقتصر المواصلات فى تلك الناحية على سيارات النقل والتوك توك، حيث تقع مشقة أكبر على المريض، الذى لا يجد بديلا سوى المستشفيات ذات التكلفة العالية.
«ثمن تذكرة الزيارة 10 جنيهات فقط، وهو أجر رمزى إذا ما قورن بتكلفة الكشف فى أى مستشفى آخر، أما الهدف الأساسى من المركز فهو إبعاد شبح الإفلاس عن الأسرة السورية التى ترعى مرضى يتكلفون مئات الجنيهات شهريا»، مازال الحديث للمدير الطبى للمركز .
تكثر أعداد الأسر السورية فى مدينة 6 أكتوبر عن بقية المدن المصرية، لذا تبرز بينهم شرائح فقيرة من اللاجئين لا تستطيع الإنفاق على علاج أفرادها المرضى، ويدير مركز النخبة الطبى مجموعة من الأطباء السوريين الذين يعانون هم أيضا من تدنى أجورهم مقارنة بما كانوا عليه فى بلدهم، إذ قارب دخل الطبيب السورى قبل الثورة السورية حوالى 2000 دولار شهريا، فى حين يتقاضى الطبيب هنا فى المركز حوالى 1500 جنيه مصرى تقدمها (الرابطة الطبية للمغتربين السوريين) الراعية للمركز . تلك النقلة الاقتصادية شعر بها كل الأطباء السوريين المقيمىن فى مصر، ما دفع بعضهم إلى الانتقال إلى دول أخرى مثل موريتانيا أو السودان أو ليبيا بحثا عن وضع اقتصادى مقبول. يعلق المدير الطبى للمركز قائلا: :«هربت من سوريا ولم أستطع خدمة أهلى هناك، لذا أتشبث بموقعى هنا بحثا عن خدمة إخوانى .. أما الأهم فهو أن مصر أكثر أمنا عن غيرها من الدول».
فى بلدته الواقعة جنوب سوريا تعرض للتضييق أثناء عمله كطبيب، حتى وصل الأمر إلى تصفية الكوادر الطبية من زملائه لأسباب طائفية بين الجبهات المتناحرة .
يخرج ورقة من أمام مكتبه فى حضور المدير الإدارى وبدأ كل منهما فى سرد احتياجات المركز، من أجهزة ومستلزمات طبية . «عرضت على أحدهم أن يشترى جهازا لمعمل التحليل على أن يسترده حين نعود جميعا إلى سوريا، وما زلنا فى الانتظار». الحديث للمدير الإدارى للمركز.
بدأت قصة المكان حين قررت الدكتورة المصرية فاتن حسن تأسيس المركز ثم قدمته بإيجار زهيد لمجلس الإدارة الحالى بهدف خدمة الجالية السورية، تتحدث عن ذلك قائلة: «كنت على صلة بإحدى الجمعيات الخيرية، وعلمت بالفكرة من هناك، واتخذت قرارى بالمشاركة». تعمل الدكتورة فاتن الآن كطبيبة طوارئ داخل المركز فى ساعات محددة بشكل يومى لاستقبال الحالات العاجلة، أما أهم ما وفرته الطبيبة المصرية لزملائها السوريين فهو أن المركز يحمل تصريحا حكوميا، ما سهل عليهم اجراءات البدء.
تنفق الرابطة الطبية للمغتربين السوريين على المشروع، وقد تأسست بهدف خدمة اللاجئين السوريين فى المخيمات وتطبيب متضررى العمليات فى الداخل السورى، وتضم الرابطة أطباء سوريين متخذة مقرها الرئيسى فى المملكة العربية السعودية، وترخيصا من فرنسا.
يعلق منسق الرابطة الطبية للمغتربين السوريين فى القاهرة ــ متحفظا على ذكر اسمه أيضا ــ قائلا: «كان وجود كوادر طبية ومهنية عالية فى مصر عاملا مساعدا فى تأسيس المركز، وكل طموحنا الآن أن يكون المركز أكثر تطورا، وأن يكون همزة وصل بين لجنة الإغاثة فى نقابة الأطباء المصريين وأصحاب الحالات الحرجة فى الجالية السورية».
يخفى الجميع هويته أثناء الحديث، خاصة بعد ما راج داخل مجتمع الجالية السورية فى مدينة 6 أكتوبر، عن وجود مندسين تابعين للنظام السورى داخل العمل الإغاثى، ما يصنع أزمة عند التوسع فى الدعاية للمركز، وخشية لدى العاملين وأهلهم من أن يكونوا أهدافا لشبيحة بشار الأسد .
يختم المدير الطبى لمركز عيادات النخبة التخصصية : «أستقبل حوالى من 50 إلى 70 مريضا بصورة يومية .. بعضهم من غير السوريين، لكن ما زلنا نعمل بالحد الأدنى، ونحتاج المزيد من الأجهزة، وهذا ما نسعى إليه فى القريب العاجل».

Thursday, September 13, 2012

هنا القاهرة.. سوريون من أجل الثورة

 
ناشطة، ورجل أعمال، وفنانة، لم تجمعهم المهنة، وجمعتهم هوية واحدة: الجنسية السورية، ومقر واحد: القاهرة. «لم أكن أتصور أن تتبدل حياتى بهذا الشكل، ولا أن يزداد فخرى بأنى سورية هكذا بعد بدء الثورة فى بلادى». توضح سلمى جزايرلى الناشطة المقيمة فى القاهرة قبل 12 سنة أنها لم تكن جزءا من الجالية السورية طوال هذه السنوات وتحولت إلى أخت كبرى لكثيرين بعد بدء الربيع العربى. «اليوم أعمل فى عدة مجالات متعددة دعما للقضية، بعد أن كنت مكتفية بالعمل فى هندسة الديكور فقط..». تعطى أمثلة على ذلك، منها خدمة اللاجئين الوافدين على مصر وتوفير محل إقامة لمن ليس له قدرة على ذلك، إضافة إلى التواصل مع ناشطين سوريين فى عواصم عربية أخرى بهدف التنسيق، بعض تلك الأنشطة تتعلق بمتابعة نساء اغتصبوا وتعرضوا للعنف على يد النظام السورى، ومن خلال تواجدها فى القاهرة أصبحت أكثر اهتماما بالتواصل الكثيف مع الناشطين الداعمين من رجال أعمال لتوفير إعاشة مناسبة للمتضررين. فجأة تجد نفسها فى قلب المعمعة، حين تركض ناحية الرئيس المصرى الدكتور محمد مرسى قبيل كلمته فى جامعة الدول العربية مؤخرا، وتشير له من بعيد طلبا للدعم، هذه الروح كانت مخفية طوال سنوات عمرها بحكم انتمائها إلى أسرة مغضوب عليها من النظام السورى، إذ اضطر والدها الضابط السابق أن يبتعد عن البلاد لعقود فى دولة الكويت، ولم يكن هناك أى مجال للممارسة المعارضة، بسبب القبضة الأمنية العتيدة لهذا النظام.
فى كتاب «ملفات المعارضة السورية، مكتبة مدبولى، 1994» يوجز الكاتب تمام البرازى الحالة العامة للمعارضة السورية بعد وصول الرئيس السابق حافظ الأسد إلى السلطة فى عام 1970، إذ لم تكن المعارضة السورية واحدة فى رأيه، بل كانت «معارضات متباينة، وأحيانا مختلفة مع بعضها بعضا، وإن كانت تشترك بهدف واحد هو إسقاط النظام القائم وإقامة نظام بديل». أما النقطة الأهم التى يتعرض لها أيضا فهى أن بعض من هاجروا من المعارضين لنظام الأسد، «دفعوا ثمنا غاليا لتعلقهم بالمبادئ والحرية، هو حياتهم..». هذه الحالة هى التى دفعت كثيرين من رموز المجتمع السورى حاليا فى الداخل أن يصمتوا حتى حين، أو أن يلحقوا بقطار المعارضة متأخرين على عكس من اتخذوا تلك المغامرة مبكرا، ومنهم فنانون لم تشغلهم حسابات المستقبل كثيرا. «أنا شخصية متطرفة فى دعم الثورة، ليس لدى استعداد أن أتعامل مع فنان أو رجل أعمال لم يعلن دعمه للثورة السورية.. فالواقع تحول إلى قتل ودماء، ولم يعد هناك مجال للصمت».
تعلن الممثلة السورية الشابة لويز عبدالكريم موقفها بوضوح غير نادمة على اختياراتها، بل تزيد على ذلك: «أسعى بكل وسيلة ممكنة للوصول إلى الإعلام.. فهو نجدتنا الآن!». توضح عبارتها شارحة أن هناك حالة من الضبابية لدى الكثيرين حول الثورة السورية، تكمل: «بعض المثقفين المصريين يقارن بين الـ18 يوما الأولى من الثورة المصرية، وما يحدث الآن فى سوريا، وهذه مشكلة سببها أن صوتنا لا يصل إلى الجميع، وبالتالى تغيب الصورة الصحيحة عن الواقع السورى..». حسب حديثها، ليس لديها من وسائل الدعم سوى الحشد الاعلامى، إلى جانب الاستمرار فيما كانت تنشط فيه من مجموعات ثورية على الانترنت، وعلى رأسها (أمارجى ــ حملة الدولة المدنية السلمية) التى بثت ضمنها فيديوهات تضامنية على الإنترنت، ومرة تتصدر لويز عرضا مسرحيا «مونودرامى» تمثل فيه وحدها تحت عنوان: المندسة، أقامته فى قطر وتنتظر عرضه فى مصر الشهر المقبل. «المسئوليات أكبر منى ومن إمكانياتى، أنا ممثلة من الصف الثانى، لست مغنية فأقيم حفلا غنائيا لدعم القضية، ولست فى شهرة النجوم الذين ما زالوا صامتين عن دعم القضية، فى النهاية كل مبادراتى لها حدود». وفدت لويز عبدالكريم إلى القاهرة قبل 8 أشهر فقط، إلا أنها تتفق مع الناشطة سلمى جزايرلى فى أن أجواء الثورة المصرية وما تبعها من مسيرات وفاعليات أكسبتها روحا ثورية جديدة، كما اتفقتا على أن حضورهما فى الإعلام على رأس أولوياتهما إذا ما توافرت الفرصة من أجل دعم القضية، وذلك لهدف لا يخفيانه هو «إظهار الوجه المدنى للثورة»، ونفى ما يروجه النظام السورى عن الثورة من أنها انشقاقات لمتطرفين دينيين.
وسط الشرائح المتباينة من المجتمع السورى تبقى شريحة يراهن عليها كثيرون وهى الطبقة التجارية السورية العريقة، ودورها وسط الجالية السورية فى القاهرة. «هناك رجال أعمال اندمجوا فى النظام واستفادوا من فساده، هؤلاء هم من يدافعون عنه باستماتة، ويدعمون الشبيحة (البلطجية) ضد أى احتجاج، أما الباقون وهم الأكثرية فمنهم من يخشى الصدام مع نظام غاشم». يصف باسل كويفى رجال الأعمال السورى أوضاع الطبقة التجارية السورية، ورغم إقامته فى مصر قبل 10 سنوات، إلا أن دوره أصبح أكثر بروزا فى دعم اللاجئين السوريين بمصر، كغيره من رجال الأعمال المقيمين هنا فى مصر. وقبل أشهر خرج آلاف المتظاهرين فى عدة مناطق سورية تحت اسم «جمعة تجار وثوار يدا بيد حتى الانتصار» وذلك فى محاولة لحث الطبقة التجارية ورجال الاعمال فى سوريا على الانضمام للانتفاضة ضد النظام، وما زال البعض يراهن على دور هذه الطبقة فى حسم الصراع.
فى دراسة صدرت مؤخرا عن المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، تحت عنوان «أعيان الشام واستعصاء العلمانية فى سورية»، يشرح الباحث صقر أبوفخر ذلك العقم الذى أصاب ثلاث شرائح مهمة فى المجتمع السورى منذ بدايات القرن الماضى، وهم ملاك الأراضى الزراعية، ورجال الدين، والتجار، لذا كانت مهمة حزب البعث الحاكم فى سوريا هى السيطرة على شرائح المجتمع من خلال المؤسسة التى جاءت به إلى السلطة، وهى المؤسسة العسكرية. هذه الملامح تفسر المشهد الحالى لدبابات ومدفعية تواجه الثوار فى سوريا. كان المهندس باسل كويفى فى منصب أمين سر الغرفة التجارية السابق بريف دمشق، لكنه يرفض أن يعتبره البعض جزءا من النظام، إذ لا يخلو الأمر فى أوساط الناشطين السياسيين والمعارضين من اتهامات متبادلة فى بعض الأحيان يصفها قائلا: «الغرفة التجارية ليست جزءا من الحكومة، وقد تعرضت للتهديد أنا وعائلتى فى سوريا كأغلب من يبرز فى المشهد المعارض خارج الوطن.. مشكلة المعارضة الآن أن البعض يوجه اتهامات للطرف الآخر دون تقدير اللحظة الحالية، ورغم ذلك فإن الأزمة توحدنا فى النهاية». يرى باسل كويفى بحكم كونه رجل أعمال أن أهم طريق للمساندة الآن هو توفير المعيشة لشريحة من اللاجئين السوريين الذين لا يستطيعون مواجهة الحياة هنا، وقد نجح فى هذا الدعم بمساندة جمعيات خيرية ورجال أعمال من مصر. وفى جانب آخر يتحدث كعضو فى المجلس الوطنى السورى، قائلا: «كنا قبل الثورة السورية نخطط كمعارضة فى الخارج لتصورات من أجل نشر الديمقراطية فى الوطن، إلا أن الصحوة التى دبت فى البلدان العربية غيرت خططنا تماما».

Tuesday, October 4, 2011

تغيير الفكر أولا.. ملامح الثورة تتسلل إلى الورش التدريبية



ترى سارة الشريف ــ صحفية وناشطة مصرية ــ أن ازدياد نشاط ورش ومحاضرات التوعية السياسية والحقوقية فى السنوات الأخيرة قد أثر فى وعى الشباب وربما مثل جزءا من عملية التغيير التى شهدتها مصر والدول العربية مؤخرا، وتوضح ذلك بقولها: «نظام مبارك المخلوع، كان يترك مساحة للعاملين فى مجال الحريات وللنشطاء كى يظهر أمام العالم وكأنه مع الديمقراطية، لكن هذه المساحة ساهمت بشكل ما فى نشر مبادئ الحرية والتغيير والثورة». هذا الرأى يتبناه أيضا عدد من المعلقين على تأثير الوعى السياسى وحركة المجتمع المدنى فى ازدهار الربيع العربى وتغيير النظم فى المنطقة.
وفى داخل الورش التدريبية ومحاضرات التوعية تتكون علاقات جديدة بين الناشطين والإعلاميين، وهذا من أحد الأسباب التى دفعت سارة للمشاركة للمرة الأولى فى فعاليات «الجامعة الصيفية لمنبر الحرية» التى أقيمت مؤخرا فى القاهرة. تم اختيار سارة بناء على سيرتها الذاتية وأنشطتها السابقة فى مجال الحريات، ووسط قاعة المحاضرة كان النقاش ساخنا حول تصورات «ما بعد الثورات العربية» بين شباب من جنسيات عربية مختلفة، وكان المحاضر هو الدكتور شفيق الغبرا أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت، الذى لم يخف ملاحظته عن اختلاف أجواء قاعة المحاضرة هذا العام بالقاهرة تماما عن أجواء أول نشاط للجامعة الصيفية فى العام 2009.
ويقول معلقا: «اختلفت حالة المشاركين عن ذى قبل، خاصة مع المشاركين من مصر، إذ أصبحوا يتحدثون بحماس أكبر لبلدهم وفى تفاصيل لم تكن مطروحة من قبل. «تقوم فكرة الجامعة الصيفية التى تنظمها منظمة المنبر الحر على اختيار بلدين فى كل صيف يستضيفان موسمين دراسيين، أحدهما يكون فى المشرق العربى والآخر فى المغرب العربى، ويقام النشاط على هيئة ورش ومحاضرات مكثفة، وتهدف المحاضرات فى مجملها إلى تكريس قيمة الحرية لدى الشباب من خلال مناقشات فكرية وسياسية.
وتكفى نظرة على قاعة المحاضرة كى تكشف عن تنوع جنسيات الحاضرين من الدول العربية المختلفة رغم ما يجمعهم من تشابه فى أن أغلبهم ناشطون حقوقيون أو إعلاميون ولهم ماض فى حضور مثل هذه الأنشطة. محمد البلاّوى إعلامى مغربى شاب، كان ضمن طلبة دفعة العام 2009 ببيروت، وجاء للحضور مرة أخرى فى دفعة هذا العام 2011 فى القاهرة، يقول: «من المؤكد أن الاختلافات الثقافية أحيانا ما تظهر داخل نقاشات المحاضرة، لكنها تكون فى إطار مقبول، لأن الجميع تم اختياره بعناية، وفق سيرته الذاتية».
وفى رأى بلاوى أن حضور الفعاليات والأنشطة المتعددة يزيد من فرص الفوز فى عند التقديم للحصول على منح أو تدريب، ويضرب بنفسه مثلا إذ يشارك فى أنشطة الجمعيات الأهلية منذ سن السابعة عشرة، مما جعله يصنع تراكما فى سيرته الذاتية، رشحه للحصول على منحة تدريبية فى الولايات المتحدة قبل مشاركته مباشرة فى الجامعة الصيفية هذا العام. ويضيف قائلا: «الأجواء هذا العام أصبحت مختلفة قليلا.. فألاحظ على المصريين أنهم أصبحوا أكثر حماسة عن ذى قبل، ومنهم من يتحدث بقلق عن تجربة الثورة فى بلده».
أحد أهم الملامح التى طرأت على هذه الأنشطة التى تجمع شبابا من دول عربية مختلفة هو تأثير الثورات العربية فى نقاشاتهم، إذ كانت القاعة تضم دولا ملكية وجمهورية ودولا ما زالت تشهد معارك ضد نظامها السياسى، وأحيانا ما كانت تثار أسئلة أكثر حماسا فى القاعة من نوعية: «متى نرى الملكيات العربية وقد تحولت إلى جمهوريات؟». فى هذه الحالة على الجميع ــ خاصة من الدول الملكية ــ أن يتسم بالمرونة وقبول الرأى الآخر.
وفى أثناء محاضرة الدكتور شفيق الغبرا عن الثورات العربية كانت تدور اشتباكات حوارية حول هل تؤدى الثورات إلى فوضى؟ وهل واجب علينا احترام رؤسائنا وعدم عزلهم حتى إن كانوا مستبدين؟ سارة الشريف من مصر تصدت للدفاع عن الثورة وعن فكرة عزل مبارك، فى مواجهة زميلة يمنية رفضت التحريض على الرؤساء. لكن هذا النقاش الساخن لم يخرج فكرة الجامعة من مضمونها الأساسى المهتم بالفكر الديمقراطى الليبرالى والعمل التنويرى، بل كانت المحاضرة السابقة على تلك المحاضرة على سبيل المثال عن: «مسألة الحرية فى الفكر القومى العربى» وعن أدوار الطهطاوى وجمال الدين الأفغانى ومن تبعهما من المفكرين.
لا يخفى منظمو فعالية الجامعة الصيفية الطابع الليبرالى الذى يغلف النقاش وموضوعات المحاضرات، هذا الطابع الليبرالى الذى يغلف المشروع قد يجعل وجود شاب ملتحى مثل محمد عبده سالم ــ مصرى الجنسية ــ غريبا للوهلة الأولى على قاعة المحاضرة، وهو ما يوضحه قائلا: «هذه ليست المرة الأولى التى أحضر فيها الجامعة الصيفية، بل حضرت فى العام 2009 ببيروت وكان مظهرى المتدين مربكا للكثيرين ومثيرا لشكوك الأمن لمجرد أنى ملتح». فى داخل القاعة لا يخفى محمد عبده سالم هويته أو انتماءه إلى حزب النور السلفى، ويعلن بوضوح أنه مع تطبيق الشريعة فى المستقبل، لكنه يعلن تلك الآراء دون أن يحدث صداما مع أحد، حسب القواعد الليبرالية للمكان، ويعلق قائلا: «المشكلة أن بعض الجهات التى تنظم ورشا تدريبية تستبعد السلفيين والإسلاميين أحيانا، وأقول بصراحة إن هناك ليبراليين يدّعون وقوفهم إلى جانب الحريات لكنهم يتخذون مواقف متشددة ضد من يخالفهم.. أما هنا فأجد مناخا يتيح لى أن أسأل وأن أرفض وأن أتعرف على الفكر الليبرالى بحرية، وأؤمن بأفكار وأتحفظ على أخرى، وهذا ما وفره الدكتور نوح الهرموزى مدير برنامج منبر الحرية كنموذج لشخص يعى معنى الحرية والليبرالية فعلا وقولا».
رغم ذلك فإن الجامعة الصيفية أحيانا ما تواجه صعوبات مع بعض الدول العربية، إذ تعرض اثنان من المشاركين السعوديين فى الجامعة الصيفية عام 2009 لمضايقات أمنية عند عودتهم من بيروت إلى السعودية، كما رفضت السلطات السورية استقبال الجامعة الصيفية دون إبداء أسباب. ويقول الأكاديمى المغربى الدكتور نوح الهرموزى ومدير برنامج منبر الحرية: «وجدنا هذا العام صعوبة فى استضافة الشباب السورى رغم موافقتنا على طلبات التحاقهم، ولم يحضر إلا واحدا بعد عمليات تمويه.. وهذه هى مشكلات الدول التى تتخوف من فكر الحرية والليبرالية».
ويذكر الدكتور الهرموزى أن هناك مشاكل تواجه لفظ الحرية والليبرالية فى مجتمعاتنا إذ يجرى ربطهما بمعان سيئة مثل التفسخ الأخلاقى أو سيادة الشركات العملاقة والرأسماليين، وهذه أمور لها علاقة بمشكلات مجتمعية وليست مشكلة الحرية. وحسب عبارته: «التغيير القادم عليه أن يكون عبر الفكر لبناء المجتمعات وتكوين شبكات من الباحثين وأصحاب الفكر من الشباب.. وهذا ما نطمح إليه».



جامعة صيفية بدون قاعات دراسة


تقوم فكرة الجامعة الصيفية على استغلال فترة الصيف فى تكوين برامج تدريبية وتعليمية للشباب، وهو ما تقوم به أيضا بعض مؤسسات ومنظمات المجتمع المدنى، وقد بدأت فكرة الجامعة الصيفية ضمن مشروع منبر الحرية فى العام 2009، إذ تقام الجامعة مرتين، الأولى فى بداية الصيف والمرة الثانية فى نهاية الصيف، على أن يستضيف فعاليات الجامعة فى المرتين بلد مشرقى، وآخر مغاربى.
ويقول نوح الهرموزى مدير منبر الحرية «نشأت فكرة مشروع منبر الحرية قبل سنوات، حين بدأنا بموقع الكترونى ينشر ويترجم مقالات وأمهات الأعمال عن الحرية والديمقراطية والأدبيات الإنسانية، ثم تطورت الفكرة بمجموعة من الباحثين العرب، حتى انتهينا بالجامعة الصيفية قبل عامين». ونشأت الفكرة فى البداية كمشروع تثقيفى يتبنى أن العقل هو محك الفكر والعمل، وفى خلفية تقف ضد الهيمنة الأمريكية ونزعتها العنيفة فى المنطقة، إذ كان الهدف من هذا المشروع هو استهداف الشباب ذوى الثقافة الجيدة والمهتمين بقضايا الحرية فى الوطن العربى لتطويرهم وفتح مجالات فكرية جديدة أمامهم واستكتابهم فى موقع المنبر على الانترنت، وتأتى فكرة الجامعة الصيفية بهدف تكوين علاقات بين الشباب الناشط فى مجتمعه وتعريفه بالمزيد عن قضايا الحريات والليبرالية وجذورها فى المجتمعات العربية. ولا تنتمى الجامعة الصيفية ولا منظمة منبر الحرية إلى أى انتماء سياسى سوى قضية دعم الحريات، وموقعها على الانترنت:

minbaralhurriyya.org

Wednesday, December 16, 2009

مصر.. أرض المستقر والمقام

عبدالرحمن مصطفى
حين زار الكاتب الشاب هلال شومان مصر قبل عام مضى خطرت برأسه فكرة أن ينتقل من موطنه فى بيروت إلى القاهرة، ودفعته الفكرة إلى البحث الجاد عن عمل مناسب داخل مصر فى تخصصه الأصلى كمهندس كهربائى، ويبدو أن لديه من الأسباب ما يرضى رغبته فى الارتباط بمصر والقاهرة حسبما يوضح: «عندما زرت القاهرة للمرة الأولى العام الماضى والتقيت أصدقائى المصريين، قضيت بين القاهرة والإسكندرية فترة قصيرة لم تتجاوز الأسبوعين، كانت كافية كى تخلق داخلى نزعة طفولية جعلتنى أتشبث بهذا المكان، وظلت الفكرة فى رأسى رغم عدم نجاحى فى الانتقال بشكل آمن إلى مصر حتى الآن».
حسب أرقام التقرير السنوى للتنمية البشرية لعام 2009 (الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائى) فإن عدد المهاجرين من لبنان يبلغ 20 ألفا سنويا، ليست مصر هى وجهتهم الأولى بقدر ما تجذبهم دول أخرى فى منطقة الخليج العربى وأوروبا وأمريكا. يعلق هلال: «ردود الأفعال التى تلقيتها من أصدقائى عندما أخبرتهم بفكرة انتقالى إلى القاهرة كان: هل يستحق الأمر فى ظل مستوى العيش المنخفض فى القاهرة عن لبنان؟ وهل ستكون مرتاحا ماديا عندما تنتقل إلى هناك؟»، نفس ردود الأفعال تلقاها هلال حين نشر أول عمل أدبى له فى دار نشر مصرية، وقيلت له عبارات من نوعية «لبنانى ينشر فى دار نشر مصرية.. لماذا؟». هذه العبارات قد تبدو للوهلة الأولى صادمة لمن يعيشون ذكرى «الزمن الجميل»، وكيف كانت «مكانة مصر» جاذبة للعرب، خصوصا لجنسيات مختلفة من الشوام فى القرنين الماضيين، حيث وجدوا مناخا تنمو فيه مشروعاتهم الثقافية والفنية والتجارية.
هلال نفسه لم يضع فى الحسبان ما يقال عن مكانة مصر التى كانت جاذبة فى فترة من الفترات، ويقول: «الحديث عن انتقال الشوام إلى القاهرة قديما أكثر ارتباطا بالحنين إلى الماضى». ويوضح أنه لا ينكر تأثير أشياء صبغت جزءا من ذاكرته فى الصغر بالطابع المصرى، بدءا من سلسلة الشياطين 13 التى كانت تباع على أرصفة بيروت أثناء الحرب الأهلية والأعمال السينمائية والتلفزيونية المصرية انتهاء بكتب الأدب المصرى، إلا أن فكرة الانتقال إلى القاهرة كان سببها الرئيسى متعلق بمصر التى رآها فى زياراته الأخيرة.
ويضيف شومان: «عندما قضيت فى القاهرة أسبوعين، فتنت بتفاصيل بسيطة للغاية عندما رأيت الناس يسكنون المبانى التراثية فى وسط البلد وفى مناطق أخرى. طبعا هالنى عدم الاهتمام الذى تعانى منه هذه الأبنية، لكننى فرحت عندما رأيت هذه المبانى حية فى سكانها، ففى بيروت ننظف كل شىء قديم ونفرغه من الحياة، بيروت فى أغلب مناطقها بشعة معماريا، تشبه بعض مناطق القاهرة الشعبية فى معمارها التجارى».
مبانى القاهرة التاريخية التى جذبت أعين هلال شومان وزادت من تعلقه بالقاهرة هى نفسها التى بنيت زمن هجرة الشوام بين منتصف القرنين 19 و20 حين كانت هذه الهجرات حسب رأى مسعود ضاهر فى كتابه «هجرة الشوام: الهجرة اللبنانية إلى مصر» (دار الشروق 2009) تبحث عن الحرية السياسية لفئات مثل الشعراء والسياسيين والمثقفين، والبحث عن الوضع الاقتصادى الأفضل لفئات أخرى، وهى صورة مختلفة عن الواقع اليوم.

هجرة الشوام
«من الخطأ أن نترجم ظاهرة مثل هجرة الشوام إلى مصر فى فترة من الفترات على أنها دليل على مكانة متميزة، فتعبير المكانة يتغير ويختلف من فئة لأخرى»، بهذا الرأى يحاول الدكتور شريف يونس ــ أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان ــ أن يراجع مفهوم «مكانة مصر» الذى استهلك طيلة سنوات مضت وأصبح تفسيرا لشكل العلاقة بين مصر والدول العربية فى بعض الحالات.
ويضيف: «هذه تعبيرات غير دقيقة وغير معبرة عن تفاصيل الواقع، ومن غير المقبول أن نضع أسباب الهجرات سواء فى الماضى أو اليوم تحت عنوان مكانة مصر الجاذبة للعرب، الهجرة فى النهاية مسألة انتقائية، ففى حالة هجرة الشوام إلى مصر على سبيل المثال نجد أن شريحة منهم وفدت إلى مصر هروبا من اضطهاد عثمانى وتضييق على حرية الرأى، فى الوقت الذى كان هناك هامش الحرية وأفضلية اقتصادية فى مصر وفرت لهم الفرص لإنجاز مشروعات ثقافية وفنية وتجارية».
يوضح الدكتور شريف يونس كذلك أن نفس هذه الفئة من المهاجرين الشوام لم تعد تجتذبها مصر فى عهد جمال عبدالناصر، فبعد أن كانت مصر جاذبة لهجرة العقول ولأموال التجار أصبحت فترات الخمسينيات والستينيات بداية انحسار بسبب ظروف جديدة هى قبضة الدولة القوية على شئون الفكر والثقافة والاقتصاد.
والمفارقة أن هذا الانحسار كان فى قمة التوجه المصرى نحو العرب أو حسب التعبير الذى يستخدمه البعض حين كانت مكانة مصر مرتفعة بين العرب، لكن هذا التناقض يفسر أن لفظ مكانة مصر غير دقيق.
هذه الصورة التى يرسمها الدكتور شريف يونس لمصر كبلد استقبال عاشتها بعض الأسر المصرية ذات الأصول الشامية التى مازالت محتفظة بذكرى جد قديم جاء من المشرق لم ينسه أحفاده، مازن فيصل الخيمى أحد هؤلاء الأحفاد.. يستطيع اليوم أن يتفهم انبهار جده الأكبر خليل الخيمى حين اتخذ قرار الانتقال من دمشق إلى القاهرة، يقول مازن: «جاء الجد الكبير إلى القاهرة فى رحلة استشفاء كانت هى السبب فى تصفية تجارته فى الشام والانتقال إلى مصر والعيش بها، حيث وجد الطب المتقدم، كما وجد مكانا له فى سوق النسيج وسط تجار الحمزاوى بمنطقة القاهرة التاريخية».
حين وفد السيد خليل الخيمى فى العام 1904 لم يكن وحده من الشوام الذين اختاروا مصر مستقرا ومقاما، بل كان واحدا من 34 ألف مهاجر شامى اختلفت دوافعهم فى المجىء إلى مصر، البعض جاء هاربا من مشكلات سياسية وطائفية، لكن العامل الرئيسى الذى جذبهم جميعا كان الحالة العامة التى نجحت فى اجتذاب أموال وكفاءات هؤلاء المهاجرين، حتى إن بعض التقديرات أشارت إلى أن الشريحة الأغنى من الشوام فى مصر حازت ثروة تقدر بعشر الثروة القومية فى ذلك الوقت فى العام 1907.
اليوم حين يروى الحفيد مازن تلك القصة العائلية لا يستطيع تفويت الفرصة دون تسجيل مفارقة يعشها يوميا: «من المؤكد أن مصر كانت فى حالة أكثر رقيا لتجتذب الزوار إليها بهذا الشكل، اليوم حين أنظر إلى حى الزمالك حيث أسكن وأقارن بين فيلاته وعمارته القديمة وبين ما يبنى يوميا من مبان قبيحة وعشوائية أتفهم أسباب انبهار الجد الكبير بالقاهرة الخديوية آنذاك».
العائلات التى اختارت مصر مستقرا ومقاما، حيث ازدهرت تجارتها وأصبحت جزءا من الأمة تبدلت أحوالها بعد ثورة عام 52، بسبب التغييرات التى طرأت على النظام السياسى وعلو الحس الاشتراكى داخل الدولة. ولم تكن «مكانة مصر» هى الدافع وراء بقاء أسرة الخيمى بقدر ما كان رسوخ أقدام الأسرة فى مصر هو السبب، فرغم أن الصلة ظلت موصولة بسوريا عن طريق والدة مازن والجدة ــ صاحبتى الأصل السورى ــ فإن الأسرة اختارت أن تكون مصرية منذ قرار جد مازن بالحصول على الجنسية المصرية بعد الثورة.
يقول الحفيد مازن الخيمى: «اليوم أفكر فى الهجرة جديا، ولا أعتبرها تكرارا لمغامرة الجد الكبير أو إرث عائلى.. فالعائلة مستقرة منذ زمن، وليس لنا إلا هذا البلد، لكنى أفكر كغالبية أبناء جيلى نتيجة القلق من المستقبل والبحث عن فرص أفضل».
الأسباب التى دفعت أسرا شامية إلى الانتقال إلى مصر قديما ثم اختيار البقاء فيها رغم تبدل الأحوال لم تكن متعلقة بمكانة بلد بقدر ما كانت متعلقة باتصالهم مع واقعهم، وهو التفكير العملى الذى دفع شرائح أخرى اضطرت إلى المجىء إلى مصر من جاليات ذات طابع خاص لذات الأسباب، فالجالية السودانية التى تقدرها بعض التقديرات من 2 ــ 4 ملايين سودانى فى مصر اختلفت صورتها فى الأعوام الأخيرة بسبب هجرة الوافدين من مناطق النزاعات فى جنوب السودان ودارفور، حيث أتى بعضهم بإقامة مؤقتة على أمل أن تكون مصر معبرا له، ويسجل مكتب شئون مفوضية اللاجئين نحو 42 ألف لاجئ فقط، أكثر من نصفهم سودانيون.
ويمثل الوجود الفلسطينى فى مصر ظاهرة خاصة تسببت فيها أيضا سلسلة الحروب مع إسرائيل، إلا أن حركتهم خارج وداخل مصر وعودة البعض إلى مناطق السلطة الفلسطينية أوجدت رقما يتراوح حول الخمسين ألفا. وكل هذه الهجرات لم تكن لديها ترف الاختيار أو البحث عن مكانة، وكذلك كان الحال مع الجالية العراقية التى ازدادت أعدادها فى العقد الأخير بعد احتلال العراق.


هواجس مصرية
الكاتب العراقى الدكتور عبدالكريم العلوجى كان أحد الشهود على هذا التطور بعد 40 عاما من البقاء فى مصر كلاجئ سياسى حين اضطر إلى الفرار من العراق بعد أن وجد نفسه يوصف بأنه واحد من أعداء الثورة العراقية سنة 1968 لميوله المخالفة. وبعد رحلة هروب إلى الأردن وسوريا كان الاستقبال الأخير فى القاهرة.
ومن خلال خبرة طويلة فى مصر استطاع الخروج باستنتاج أن صورة العراقى المنتقل إلى مصر قد تغيرت بشكل كبير، فحين جاء إلى مصر عام 69 كان ضمن حيثيات الاختيار فكرة «مكانة مصر»، وذلك لأسباب وجيهة يذكرها: «جئت مصر فى 31 ديسمبر عام 69، لم أرتح فى سوريا ولا الأردن، واخترت البقاء فى القاهرة إلى اليوم لأنى كنت قد رأيتها فى عصرها الذهبى وقت تألق الروح العربية والتأثر بالزعيم جمال عبدالناصر، وكانت هى الأنسب لسياسى يؤمن بالقومية العربية ولكل اللاجئين الذين جمعتهم نفس الظروف المشابهة».
حين وفد إلى القاهرة لم يكن هناك جالية كبيرة من العراقيين، مجرد مجموعات من الطلاب والتجار واللاجئين السياسيين الذى أصبح واحدا منهم. ويضيف الدكتور العلوجى: «على مدى أربعين عاما فى مصر تلقيت حفاوة ومعاملة كريمة من جميع زملائى الصحفيين والكتاب، رغم اختلاف الأحوال الاقتصادية عن الماضى وتأثيره على المواطن العادى».
لم يكن فقط الاختلاف قد أصاب المصريين، بل أصاب شكل الجالية العراقية حسبما يشرح: «بعد الاحتلال الأمريكى وتدهور الوضع الأمنى فى العراق تغير شكل اللاجئ العراقى وأصبح العراقيون فى مصر أكثر اختلافا وتنوعا وضموا فئات مختلفة، وانعكس ذلك على بعض المظاهر التى أدت إلى اتهام العراقيين فى مناطق تجمعاتهم بالسادس من أكتوبر والهرم بأنهم تسببوا فى رفع أسعار العقارات والسلع بسبب مزايدة التجار، فى حين لم يفكر الكثيرون فى أن بعض الأسر العراقية كانت تسعى للتملك فى مصر كى تحصل على إقامة حسب القوانين، كذلك كان الاختلاف الثقافى والمذهبى سببا فى بعض ما أثير السنوات الماضية حول اللاجئين العراقيين من لغط».
أعداد العراقيين فى مصر ظلت لفترة غير محددة وقدرها البعض فى العام 2007 بـ150 ألف عراقى، لكن دراسة أعدها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء ومركز دراسات الهجرة واللاجئين التابع للجامعة الأمريكية فى القاهرة. عام 2008 قدرت أعدادهم بـ20 ألف عراقى فى مصر، وهو رقم غير مؤكد، وفقا للدراسة.
لعلهم لم يكونوا جميعا على نفس اهتمام الدكتور العلوجى بفكرة العروبة ودور مصر ومكانتها، إلا أن هذا لم يمنعه من الحيرة فى الأسابيع الأخيرة بعد أن تابع ظاهرة لم يرها خلال أربعين سنة قضاها فى مصر وهى التحفيز الإعلامى الذى صاحب مباريات مصر والجزائر وانتهى وقتها بمظاهر القطيعة بين البلدين، يقول: «الموقف كان صادما بالنسبة لى!» أما المفارقة فكانت أن تعبيرات مثل «مكانة مصر» و«الكرامة» التى كان يسمعها الدكتور العلوجى قبل أربعين عاما بقلب عربى مرتاح، أصبحت اليوم أداة إزعاج لأى عربى. ويعلق على هذا « لفنان والإعلامى والمثقف المصرى فى حاجة إلى العرب، عليهم ألا ينسوا هذا ولا يروجوا ما يسىء لصورتهم».
الدكتور عبدالكريم العلوجى، اللاجئ السياسى العراقى الذى لم يعد باستطاعته العودة للعراق لأسباب فيها خطر على حياته، متزوج من سيدة مصرية وعاش سنوات طويلة فى مصر إلا أن هذا لم يقلل من حيرته الأخيرة حول استخدام الإعلام للتحفيز الوطنى ضد دولة عربية.
يسجل الدكتور شريف يونس ملاحظة فى أن تعبيرات من نوعية «الكرامة»، و«المكانة» بالفعل تزامنت مع تأسيس الدولة بعد ثورة 52، لكنها تحولت اليوم إلى هاجس كبير حتى أصبحنا نبحث عن اعتراف الآخرين بنا وماذا قالوا عنا حفاظا على مكانتنا، وتفجر الموقف الأخير المصاحب لمباريتى مصر والجزائر ليبرز كيف انتقل هذا إلى المواطن العادى وأصبح قضية شخصية.
من الفئات التى لمست هذا بشكل مباشر الطلبة العرب فى مصر، عبدالله العرشى معيد بكلية الآداب بجامعة صنعاء اليمنية وواحد من 4 آلاف طالب يمنى فى مصر، يدرس الماجستير بجامعة القاهرة، ولمس هذا الاختلاف فى هذه الفترة حين كان يسأله البعض فى الشارع إن كان جزائريا أم لا وهى أسئلة تدفع إلى التفكير وماذا إن كنت جزائريا؟
المفارقة أن عبدالله العرشى كان أحد أسباب مجيئه إلى مصر فكرة «مكانة مصر العلمية»، حسب تعبيره، رغم أن الواقع يقول إن الجامعات المصرية خارج الترتيب العالمى لأفضل ‏500‏ جامعة على مستوى العالم، وحسبما يذكر هو أن أسعارها مرتفعة مقارنة بجامعات أخرى، إلا أنه أورد أسبابا أكثر عملية فى حديثه عن اختيار مصر: «على رأس الأسباب التعود على المصريين ولهجتهم وثقافتهم، وهو أمر يتعدى مرحلة متابعة المسلسلات المصرية، فأنا عن نفسى درس لى أساتذة مصريون منذ الابتدائى حتى صرت معيدا أكاديميا فى الجامعة، لذا فإن روح الألفة موجودة من ناحيتنا تجاه المصريين الذى رأيناهم مهندسين ومعلمين وأطباء وحتى عمالا فى مطاعمى.
مكانة مصر لدى طالب يمنى هى ترجمة لصورة من التقارب الثقافى بين البلدين، هذا ما ذكره عبدالله العرشى بشكل قاطع ويضيف: «المصريون من أقرب الشعوب إلى اليمنيين فى البساطة وعدم التكلف على المستوى الشعبى، هنا أستطيع العيش مع أسرتى بهدوء حتى شراء النقاب لزوجتى متاح ولم يعد أمرا مستهجنا ثقافيا».
يدرس عبدالله العرشى التاريخ الحديث، والمفارقة أن عائلته كانت ضمن القبائل المتحالفة ضد التدخل المصرى فى اليمن فى الستينيات وفقدت بعض رجالها فى الحرب التى عرفت بحرب اليمن. يشير بيده مع ابتسامة تدل على أن هذه الحوادث أصبحت فى طى النسيان ويقول: «كانت حربا أهلية لها ضحايا ولم تكن هناك خصومة أبدا مع المصريين، بمجرد أن انتهت الحرب دفن كل منا شهيده».
لم يخل اختياره لمصر من بعض المنغصات التى يعتبرها أمورا روتينية، فلهجته العربية أحيانا ما تكون عبئا عليه إذا ما ركب التاكسى أو إذا قرر التفاوض مع أحد الباعة عند شراء سلعة، حيث يبالغ البعض فى المزايدة على سعر السلع والخدمات للعرب.
لكنه فى الأسابيع الماضية التى شهدت حالة من الزهو فى الحديث الإعلامى عن مكانة مصر وبث الشحنات الوطنية الحماسية فى الإعلام التى صاحبت مباريات مصر والجزائر والأسابيع التالية لها، ظهر أمامه ملمح جديد لم يره طيلة ثلاث سنوات قضاها فى مصر: «كان الجميع مرحبا فى البداية بهذه الروح حتى أولادى صبغوا وجوههم بالعلم المصرى وحملوا الأعلام التى تشبه العلم اليمنى واحتفلوا مع الناس، لكن ما أعقب هذا من علو روح الغضب أصابتنا بالتعاسة خاصة حين أصبحت لهجتك المختلفة مثار تساؤل فى تلك الفترة».
قد يتحدث سائق التاكسى الذى يستقله عبدالله العرشى أو غيره من العرب المقيمين فى مصر بلهجة تحمل بعض الغلو فى الوطنية ويتحول تعبير مثل «مكانة مصر» إلى عبء على إمكانية التواصل بين الطرفين، لكن أسبابا أخرى أكثر عملية تختلف من كل شخص وجنسية عربية هى التى تبقى مصر دار مقام واستقرار.

Thursday, July 27, 2006

مواقف على هامش الأزمة اللبنانية

يقاتل حزب الله وحده ويتلقى لبنان كله الضربات الإسرائيلية، هكذا هو المشهد الحالي لما يحدث في الأراضي اللبنانية، ولعل المأزق الحقيقي أن الأمور قد سارت منذ البداية على عكس المنطق الطبيعي في خوض الحروب، بأن تتوحد الجهود الشعبية والحكومية وراء جيش موحد يواجه العدوان تحت قيادة واحدة تنسق مع من حولها من حلفاء ودول المجاورة، و هذا ما لم يحدث في العمليات العسكرية الدائرة في لبنان الآن. وامتدادا لتلك الأجواء، ظهرت على هامش الحرب مواقف أخرى خارج لبنان، عبرت هي الأخرى عن مأزق عربي يعيشه أبناء الأمة الواحدة، في نزاعاتهم فيما بينهم.

ــ فتوى ابن جبرين

خرج الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين في السعودية بفتوى تحرم التعاون مع حزب الله (الرافضي) أو دعمه ولو حتى بالدعاء، ويطالب الشيخ أهل السنة بالتبرؤ من كل من يفكر في الانضمام للواء تلك الجماعة أو التعاون معها، وكان رد الفعل أن خرجت بعض الأصوات تهجو الشيخ (الوهابي)، وتتهمه بالخيانة. غير أنه قد فات من انتقدوه.. أن فتواه تلك لم تكن نشازا عن سياق فتاواه السابقة، عندما أفتى بحرمة مناداة الشيعة بالأخ أو الأخت، وبعدم جواز أكل ذبائحهم، أو عندما اعتبر أن كثيرا من أهل الصوفية هم أهل شرك وضلال، إلى جانب فتواه الشهيرة بتحريم التعامل مع غير المسلمين أو توظيفهم، وفتوى مقاطعة صحيفة الوطن السعودية بحجة نشرها صور نساء كاشفات يطلبن حضور مباريات الكرة (!)، إذا فتلك الفتوى الأخيرة منطقية ولا تحمل معها أي مفاجأة. غير أن موعدها وسط كل تلك الأخبار السيئة هو ما دفع البعض إلى الإحساس بخيبة الأمل والصدمة. لكن ما الذي يمكن أن يحرك شيخا "كابن جبرين" ومن على نهجه في هذا الاتجاه..؟ عوامل كثيرة أهمها فكرة التوحد مع تجربة قديمة عاشها أحد شيوخ القرن الثامن عشر وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما كان أتباعه يجولون لتنقية عقول أهل الجزيرة العربية مما علق بها من مظاهر إيمانية فاسدة، حيث يروي الشيخ ابن جبرين عن تجربة شخصية مر بها عندما أمره الملك سعود –رحمه الله- بالخروج في رحلة دامت لأربعة أشهر إلى أهل البدو والصحاري قرب الحدود الشمالية للمملكة، واعتبرها رحلة ناجحة حيث قام فيها هو ومرافقوه بهداية الكثيرين إلى صحيح الدين بعد أن كانت كل معلوماتهم عن الإسلام ضحلة وضئيلة. إذا فلعل ما يدفع شخص كالشيخ ابن جبرين في هذا الاتجاه هو الوسوسة من أن تتبدل عقائد العرب بعقائد فاسدة، وربما يكون ما دفعه إلى ذلك أيضا هو اعتباره أن طريق لإصلاح الوحيد هو طريق التوحد وتقليد نهج "الموحدين" أتباع الشيخ محمد ابن عبد الوهاب. قد يكون ما حركه أيضا هو ما يحرك غيره من الشيوخ، عندما تأتيهم أسئلة المريدين تبحث عن إجابات بعينها تثير حماستهم، وتعلي من شأنهم، فإذا ما قدَّم لهم أحد الشيوخ الإجابات المنتظرة كان شيخهم وتاج رؤوسهم، وإن اعترض صار عدوهم. وهنا كان واجب الشيخ المتصدر للفتوى ألا يقع في هذا الفخ، وأن يقرأ طموحات مريديه من صيغة أسئلتهم، بدلا من أن يعطيهم مبررا لكراهية واحتقار الآخرين. من واجبه أن يكون أكثر جرأة في مواجهة طموحات الجماهير، التي تبحث عن تحويل المذهب إلى قبيلة بديلة، تغني لها أناشيد الفخر والحماسة، وتهجو وتلعن بقية المذاهب.
كانت أهم أصداء هذه الفتوى أن قامت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بنشرها على صفحاتها، لتعطي مزيدا من التحريض ضد صاحب الفتوى وأهل مدرسته الفقهية.. لتؤكد لنا تلك القصة أن كل ما كان يتم بيننا من فرقة ونزاع وحض على كراهية في أوقات السلم، قد امتد ليمارس أيضا وقت الحرب.

ـــ شيخ الأزهر.. السيناريو المكرر

شيخ آخر كان في مأزق.. فمشكلته الأبدية أن أقواله ومواقفه لا ترضي الجماهير أبدا ولا تثير حماستهم، مصيبته الكبرى أن بعض التيارات ترغب في منصبه الغالي كي تتحكم في البلاد. هو شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي. فمنذ مدة والاتهامات توجه له وتتهمه بأنه رجل الحكومة، وأنه لا إرادة له.. فالجميع كان ينتظر أن يكون أعلى صوتا وأكثر حدة وقت الأزمات ليتخذوه شيخا ورمزا، ويتزامن هذا مع دعوة متجددة لأن يكون منصب شيخ الأزهر بالانتخاب، وبالطبع فهناك تيارات تطمح في هذه الفرصة ليتكرر ما حدث في النقابات المصرية التي سيطرت عليها الصراعات السياسية، فبعض التيارات الدينية – والسياسية - تطمح أن تجد لها ممثلا في منصب شيخ الأزهر، كبديل عن بقاء المنصب ممثلا لإرادة الحكومة المصرية. وطوال الفترة الماضية كان البعض يتصيد المواقف والأخطاء لشيخ الأزهر، ضمن مخطط الحرب على الحكومة، وكثيرا ما تم تأويل تصريحاته إلى معان أخرى، مثلما حدث وقت أزمة الرسوم الدنمركية المسيئة، عندما اتهمه البعض بأنه قد ذكر لأحد الوفود الغربية أنه لا يصح الإساءة إلى محمد - صل الله عليه وسلم – لأنه الآن رجل ميت (!) فثارت عليه الأقلام، واضطر الرجل إلى أن يقود مظاهرة احتجاج ضد الرسوم المسيئة لتحسين صورته، ورغم أن تصريحه الأصلي لم يحمل تلك المعاني الساذجة، إلا أن البعض قام بتأويل تصريحاته وصدقها كثيرون، فوقع الرجل ضحية كونه موظف حكومي كبير. اليوم.. وامتدادا لهذا المأزق الداخلي، تم اتهام شيخ الجامع الأزهر من قبل أحد المواقع الصحفية المعروفة بميلها إلى جماعة الإخوان المسلمين، ضمن سيناريو الحرب على شيخ الأزهر الدائر منذ مدة.. بأنه قد وصف السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني بأنه رجل مريض بجنون العظمة ومتقمص لشخصية صلاح الدين الأيوبي، وذكر محرر الخبر أن مصدر المعلومة من داخل الأزهر الشريف، وإمعانا في إضفاء روح الدقة على الخبر، قام المحرر بتأويل إحدى فقرات خطاب لشيخ الأزهر الداعمة للرئيس مبارك وفسرها على أنها هجاء لحزب الله.
حتى الآن لم يؤكد أي مصدر آخر هذا الخبر، ولم يقم شيخ الأزهر بنفيه... غير أنه من غير المستبعد أن يكون هذا الخبر قد تم تفصيله استغلالا للحدث واستمرارا في مسلسل تخوين شيخ الأزهر واتهامه بالاتهامات الحادة في وطنيته، ليتأكد بهذا أننا نستمر وقت أزماتنا الكبرى على نفس ما تعودنا عليه وقت الهدوء والسلم من مشاحنات وبغضاء وحسابات سياسية أو مذهبية.

ـــ النهايات المنطقية

لعل تلك الحادثتين وغيرهما من الحوادث الهامشية التي صاحبت الاعتداءات الأخيرة على لبنان، قد أكدت أن ما تعودنا عليه طوال السنوات الماضية لم ولن يتغير وقت الحرب أو الأزمة، بل ستظل صراعاتنا كما هي تحركها الأطراف المختلفة وفقا لمصالحها الخاصة.. إذا فان كنا لا نريد هزائم قادمة، فلنحاول تدريب أنفسنا على منع روح البغضاء والكراهية وقت السلم قبل أن تمزقنا الفرقة وقت الحروب والأزمات.
ــــــــــــــــــ

Saturday, March 4, 2006

هل نقل الإساءة إساءة؟

سؤال أثارته الأزمة الدنماركية

وسط حالة الغليان التي أصابت الشارع العربي بسبب الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية المسيئة للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم- قامت بعض الصحف ووسائل الإعلام العربية بإعادة نشر تلك الكاريكاتيرات المسيئة ضمن مادة صحفية أو إخبارية، فأدى هذا في بعض تلك الحالات إلى حبس وإقالة عدد من الصحفيين والإعلاميين المسئولين عن النشر، وتم إيقاف عدد من المطبوعات في حالات أخرى... ومازال هذا الموقف قابل للتكرار في الفترة المقبلة.

ـــ إقالات وحبس

لعل جهاد المؤمني رئيس تحرير صحيفة "شيحان" الأردنية من أوائل ضحايا تلك المجزرة عندما تم إيقافه عن العمل من قبل الشركة مالكة الصحيفة بعد نشر الكاريكاتيرات المسيئة، وقد تم اعتقاله بتهمة "إهانة الشعور الديني" رغم قوله بأن النشر كان بغرض تعريف الجماهير بتلك الصور، ولم يكن المؤمني الصحفي الأردني الوحيد الذي تم التنكيل به لهذا السبب، بل كان معه زميله الصحفي هاشم الخالدي رئيس تحرير "المحور" الذي تم حبسه مع المؤمني بتهمة جديدة وهي "إطالة اللسان على أرباب الشرائع من الأنبياء" بعد أن تم توبيخه من قبل نقابة الصحفيين الأردنية.
وفي اليمن تم حبس ثلاثة رؤساء تحرير يمنيين قاموا بإعادة نشر الكاريكاتيرات الدنماركية المسيئة بصحفهم "يمن أوبزرفر"، و"الرأي العام"، و"الحرية"، وقامت وزارة الإعلام اليمنية بإلغاء تراخيص تلك الصحف رغم تأكيد الصحفيين الثلاثة على أن النشر قد جاء كضرورة صحفية، و جاء في بيان صادر عن جريدة "يمن أوبزرفر" أن النشر قد جاء بطريقة لا توضح معالم الصور بأن وضعت علامة (إكس) كبيرة عليها تعبيرا عن موقف الجريدة من تلك الصور.
وتكررت مشاهد الحبس لرؤساء تحرير في الجزائر.. فأقيل رئيسي تحرير جريدتي "إقرأ" و"الرسالة" الصحفيان كاحل بوسعد و بركان بودربالة اللذان أكدا على أن النشر كان بغرض التوضيح للقراء.. في الوقت الذي لم تسلم فيه بعض القيادات الإعلامية في التلفاز الجزائري من الإقالة، فقد أقيل مدير "قناة الجزائر" الحكومية الناطقة بالفرنسية والموجهة إلى أوروبا و معه بعض العاملين بعد عرض الصور المسيئة ضمن نشرة الأخبار.
ومازال هذا المسلسل دائرا بين الأقطار العربية حتى وصل إلى السعودية فأصاب جريدة "شمس" السعودية التي تم إيقافها لأجل غير مسمى بسبب إعادة نشر نفس الكاريكاتيرات رغم استنادها في ذلك لفتاوى دينية ترفع عنها هذا الحرج.

ـــ نظرة سياسية

إن النظرة إلى إعادة نشر الصور المسيئة للأنبياء على أنها تكرار للإساءة هي نظرة سياسية بحتة، والدليل على ذلك أن مصر التي تعرض فيها رئيس تحرير جريدة الأخبار اليومية محمد بركات للتوبيخ من قبل مسئولين في الدولة ونواب برلمانيين بسبب إعادته نشر تلك الكاريكاتيرات المسيئة، لم نر فيها تلك الإجراءات عندما نشرت نفس تلك الرسوم الكاريكاتيرية في جريدة الفجر الأسبوعية في فترة مبكرة من الأزمة وقبل توهج مشاعر المسلمين. بل إن جريدة الأهرام المصرية قد نشرت منذ مدة هي ومعها صحف عربية أخرى صورا ورسوما مسيئة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - والسيدة مريم العذراء والتي قام بها مستوطنون إسرائيليون ولم يحدث اعتراض وقتها على نشر تلك الصور، ولم يحدث أن تدخل الأمن لجمع أعداد الجريدة مثلما حدث مع يومية الأخبار السابق ذكرها والتي رجحت بعض المصادر أن رئيس تحريرها قد يتعرض للعقاب عما قريب.. خصوصا وأن قطاع الصحافة في مصر خاضع بطريقة ما لسلطان الحكومة المصرية والتي تتحكم في اختيار قياداته.

ـــ كبش فداء

كان عدد من الصحف الغربية قد أعاد نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم تضامنا مع الجريدة الدنماركية بدعوى مساندة حرية الرأي الأمر الذي زاد من استفزاز مشاعر المسلمين، وكانت التظاهرات تزداد سخونة في العالم العربي والإسلامي في الوقت الذي لم تستطع فيه الحكومات العربية اتخاذ أي إجراء ضد تلك الصحف الغربية، مما جعل إعادة نشر تلك الصور في المطبوعات العربية يمثل مثيرا شرطيا للعجز العربي، لذا كان الإجراء الوحيد الذي من الممكن أن يتخذ يقتصر فقط على الصعيد الداخلي.. ورغم أن كل من تعرضوا للحبس أو الإقالة من الصحفيين أو الإعلاميين العرب كانوا قد أكدوا أن النشر جاء ضمن مادة صحفية لا أكثر، بل إن بعض تلك الصحف عملت ضمن حملة التنديد بالرسوم الكاريكاتيرية و(نصرة الرسول).. إلا أن هذا لم يشفع لها، بل وجدنا على سبيل المثال أن الديوان الملكي الأردني يصف إعادة النشر بأنها " إفساد في الأرض لا يمكن قبوله"، ووزارة الإعلام اليمنية تسارع في إلغاء تصاريح ثلاث صحف، والأمن المصري يتدخل لسحب أعداد من جريدة احتوت على تلك الرسوم المسيئة.. مما يوضح أن كل تلك الإجراءات كانت خشية انتشار الصور بين الناس وزيادة انفعالهم وأن ينعكس ذلك على الأوضاع الأمنية الداخلية في توقيت اتضحت فيه عدم قدرة الحكومات على مواجهة الاستفزازات الإعلامية الخارجية.
لكن مثل تلك الإجراءات ضد الصحفيين العرب قد أثارت المدافعين عن حرية الصحافة فقد طالبت منظمة هيومان رايتس ووتش حكومات كل من الأردن واليمن والجزائر أن تسقط فوراً التهم الجنائية الموجّهة إلى المحررين والصحفيين اللذين أعادوا نشر الرسوم الكاريكاتيرية للنبي محمد في صحفهم.. إلا أن مثل تلك الدعاوى والمطالبات قد خفت صوتها وسط صخب التظاهرات وموجات الغضب الشعبية.

ـــ رأي الدين

ومما يجعل من تلك القضية قضية مثيرة للجدل أن بعض رجال الدين الـثـقاة قد ذهبوا إلى أن إعادة نشر تلك الصور بغرض التوضيح فقط لا يُحمِّـل من يعيد نشرها أي ذنب، بل والأكثر من هذا أن بعض القنوات الفضائية ذات الطابع الدعوي مثل قناة المجد الفضائية قد عرضت تلك الصور المسيئة للجماهير ضمن أحد برامجها، هذا إلى جانب إعادة نشرها في عدد من القنوات التلفزيونية ضمن برامج تلفزيونية شهيرة تناولت قضية الرسوم الدنماركية ومرت الأمور بسلام. وحتى الآن لم تظهر فتاوى بارزة لمناهضة إعادة نشر تلك الكاريكاتيرات سوى فتوى نــُسبت للشيخ عبدالرحمن السحيم الداعية بوزارة الشؤون الإسلامية و الأوقاف السعودية وعضو مركز الدعوة والإرشاد بالرياض قال فيها بعدم جواز تكرار نشر تلك الصور حتى لو كان الأمر بغرض التعريف، واستدل الشيخ على ذلك بأن ضرب مثلا بأنه لا يجوز تحذير الناس من الزنا بعرض صور إباحية (!).. وعموما فالرؤية الدينية للقضية لم تكن سببا وراء ما جرى من حبس أو إقالات لعدد من الصحفيين والإعلاميين العرب.
فعلى جانب آخر أكثر أهمية نجد أن السيرة النبوية قد ضمت نصوصها بعض أقوال مناهضي الدعوة المحمدية وفيها إساءة للرسول محمد - صل الله عليه وسلم - وحوتها لنا الكتب إلى يومنا هذا، بل وعرض القرآن الكريم وجهات نظر مناهضي النبي بما تحوي من افتراءات وإساءات له، كقوله تعالى : وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) الصافات، أو كقوله أيضا : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) الفرقان.. وكل تلك الآيات تنقل إساءات تعرّض لها الرسول، فكانت الآيات ناقلة لأقوال مناهضي الرسول بغرض التوضيح وليس الإساءة.
إن ما حدث طوال الفترة الماضية – وما قد يحدث لاحقا – من تضييق على الصحافة وإسقاط لمشاكل داخلية على بعض الصحفيين والإعلاميين ممن تم حبسهم أو إقالتهم لم يستند إلى مرجعية دينية أو حتى أخلاقية بقدر ما كان ممارسات سياسية نتمنى ألا تتكرر وأن يتم رفع الظلم عمن ظلموا ضمن تلك "المجزرة الدنماركية" للصحافة العربية
ــــــــــــــــــــــــــــ

Sunday, February 12, 2006

بين الحزب السياسي والتنظيم الإسلامي

من ضمن تعريفات الحزب السياسي تعريف يراه مجرد تنظيم يقدم مرشحين للانتخابات، أو هو جماعة تتقدم إلى الانتخابات التشريعية، وقد اعترض الكثيرون من علماء السياسة على هذا التعريف الذي يجعل من الدخول إلى الانتخابات معيارا لنيل الصفة الحزبية، فحسب هذا التعريف فإن الهيئات الدينية أو المؤسسة العسكرية مؤهلة لاتخاذ الصفة الحزبية إذا ما دخلت الانتخابات.. وهو أمر غير مقبول في النظم الديمقراطية . لعلنا الآن نعيش عهد الانتصار لهذا التعريف، بعدما أثبتت لنا نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخرا في وطننا العربي في مصر والعراق والأراضي الفلسطينية أن بدائل أخرى غير الأحزاب السياسية قد تقدمت إلى الانتخابات واكتسحت الأحزاب التقليدية المطابقة للمواصفات الأكاديمية .

في مصر - مع استثناء النتائج الانتخابية للحزب الحاكم - نجد أن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قد حققت تواجدا في المجلس التشريعي المصري يفوق خمسة أضعاف حجم التواجد الحزبي لبقية الأحزاب المصرية كافة، علما بأن جماعة الإخوان المسلمين جماعة دينية وليست حزبا سياسيا تقليديا.. أما في العراق فقد كانت بعض القوائم الانتخابية تحمل ملمحا طائفيا ومذهبيا فجـا نال الحظوة على حساب الفكر الحزبي التقليدي، ومؤخرا كان التقدم في الأراضي الفلسطينية لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" على حساب "فتح" مصنع القيادات الفلسطينية . وبعيدا عن الأسباب الداخلية التي دفعت إلى ظهور مثل تلك النتائج، وما قد يقال عن أن بعض تلك النتائج - كما في مصر والأراضي الفلسطينية - قد جاءت نكاية في السلطة الحاكمة، فما نلاحظه هنا هو ذلك الخطاب السياسي ذو الطابع الديني الدعوي الذي حقق مكاسب سياسية كبيرة، وتلك الظاهرة تستحق البحث في جذورها كمحاولة لطرح البديل. ولعل مفهوم الحزب السياسي حديث نسبيا على الفكر السياسي، فقد أرجعه البعض إلى منتصف القرن التاسع عشر، غير أنه كان قد استمد جذوره من ميراث حضاري أوروبي إنساني قديم... أما الظاهرة الحزبية في وطننا العربي فأزمتها أنها لم تستمد جذورها من ميراث عربي أو إسلامي، بل انتقلت الفكرة من الغرب إلى عالمنا العربي ضمن حزمة من القوانين والتشريعات نعمل بها حتى اليوم، ذلك في الوقت الذي نجد فيه الجماعة أو الحركة أو التنظيم الإسلامي لديه من ميراثنا الحضاري ما يستطيع أن يخاطب به الجماهير التي أصبح بعضها يطرب لسماع العبارات التراثية والألفاظ الدينية داخل الخطاب السياسي. وكما نرى فإن انتقال التجربة الحزبية إلى ديارنا كان أشبه بانتقال ثمرة نبتت في أرض أوروبية إلى بطون آكليها في المشرق دون تعب أو اجتهاد منهم.. مما جعل التنظيمات الإسلامية هنا أوفر حظا بصفتها وريثة لفكرة الفرقة أو الجماعة التي ظهرت في الحضارة الإسلامية والتي كانت تحمل في طياتها أبعادا اجتماعية وثقافية لم تخف عن أي مؤرخ... وهنا يظهر سؤال هام حول مستقبل الحزبية في بلادنا.. هل هي إلى زوال..؟؟ بعض دولنا العربية بالفعل لا تعترف بالحزبية، والبعض الآخر يناهضها.. فهل نحن في حاجة إلى بديل ..؟؟ العديد من الثورات قامت في وطننا العربي وأقصت الحزبية من الوجود، وبعض النظم العربية قد أعادت الحزبية مرة أخرى لأسباب سياسية.. وهنا نلاحظ أن الإقصاء الأول كان لعدم وجود قناعة بدور الأحزاب السياسية، بل إن بعض الثورات وعلى رأسها الثورة المصرية كان من ضمن أسباب قيامها هو فشل النظام الحزبي، والآن يتشابه الموقف.. ولكن البديل ليس ثورة بقدر ما هو ظهور كيانات ذات ملامح تراثية تتمثل في التنظيمات الإسلامية التي أوجدت لها صلة بالماضي، وتزعم قدرتها على إعادة النهضة الإسلامية إلى الحياة مرة أخرى .

إذن ما الحل ..؟؟
لعل المشترك في الظاهرة السياسية الإسلامية التي برزت خلال سلسلة الانتخابات العربية الأخيرة هو وجود خطاب مشترك يجمع بينها جميعا، وإن اختلفت طريقة تناولها للقضايا الداخلية، إذا فلعل الحل يكمن لدى المنظمات والمؤسسات التي تجمع الكيانات العربية الرسمية، كجامعة الدول العربية على سبيل المثال، فهي مؤهلة أن ترعى فكرة مشروع عربي يهدف إلى وضع تصور لنظام سياسي عربي يراعي التجربة الحضارية المشتركة بين الشعوب العربية، ويراعي الفروقات الثقافية والجغرافية بين الدول والأقاليم العربية المختلفة، ليكون هناك نظام عام يراعي خصوصية كل قطر . لقد عملت الحضارة الغربية واجتهدت لقرون طويلة منذ عهد الإغريق وحتى الآن لوضع نظم سياسية للحكم، فنتجت أفكار عديدة، منها النظام الديمقراطي والذي كان رغم عمومية أفكاره وإنسانيتها قد أتاح الفرصة لكل قطر غربي أن يضع لمساته على هذا النظام، فجاءت الديمقراطية الفرنسية مختلفة عن البريطانية وعن الأمريكية.. لذا فنحن في انتظار من يتبنى الدعوة لهذا المشروع الفكري الذي يؤسس لمرحلة حضارية جديدة تطمح في استقرار سياسي لبلادنا .
فربما يكون قد آن الأوان أن يكون لنا تجربتنا الخاصة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

Thursday, October 13, 2005

نحن وإرادة الله

في حديثه مع قناة العربية اعتبر الدكتور زغلول النجار عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر أن الكوارث الطبيعية "عقابا للعاصين وابتلاء للصالحين وعبرة للناجين"، و أضاف أن الزلازل والبراكين "جند من جند الله" يسخرها على من يشاء، وهذا الرأي على ما يبدو ليس رأيا خاصا بالدكتور زغلول وحده، فقد سادت حالة من الرضا بين بعض الأوساط في عالمنا العربي والإسلامي عند حدوث إعصار "كاترينا" بالولايات المتحدة الأمريكية الذي خلَّف وراءه آلافا من القتلى والمشردين، وخسارة تقدر بمليارات الدولارات... وقتها قال البعض أن هذا عقاب إلهي لأمريكا على أفعالها، وعندما وقع الزلزال الأخير بباكستان الذي راح ضحيته آلافا من المسلمين، اضطرب هذا الفريق فراحوا يبحثون عن الذرائع التي تقدم هذا الزلزال على أنه غضب إلهي.. مثلما جرى من قبل مع كارثة تسونامي. للأسف أننا نجد من هم في علم الدكتور زغلول النجار ممن ينظِّرون لهذا الفريق الذي يبحث عن كوارث الآخرين كي يشمت في مصائبهم، وكأن الله قد انتصر لهم شخصيا، إن هذا الاتجاه يمثل نوعا من التدخل في فهم الإرادة الإلهية، فأن نقوم نحن البشر بتفسير الكوارث المحيطة بنا على أن الله يريد بها كذا وكذا.. فهذا تجاوز للحدود..! قال تعالى : " وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب (116) المائدة.
هكذا كان نبي الله عيسى ابن مريم، أعلن أنه لا يعلم ما في نفس الله. ولا يحيط بإرادته أو حتى يستطيع توقعها، سنقول ما قاله عيسى بن مريم عليه السلام ونعلن أننا لا نعلم ما في نفس الله، ولا نحيط بما أراده الله من مثل تلك الكوارث. لنتذكر معا الآيات (65 : 82) من سورة الكهف التي تحدثت عن قصة سيدنا موسى مع العبد الصالح، فقد عرضت تلك الآيات العديد من التصرفات التي أقدم عليها العبد الصالح والتي كان بعضها بمثابة الكوارث لسيدنا موسى.. كانت النهاية أن اتضح لموسى عليه السلام أن كل تلك التصرفات من العبد الصالح كانت لحكمة عند الله أوضحها العبد الصالح في ختام الآيات.. إذن فعلينا ألا نأوِّل الأحداث من حولنا وكأننا قد أحطنا بإرادة الله وفسرناها.. لنعد إلى بشريتنا ولا تصيبنا نشوة الإيمان فنظن أن الله كأحد الرفاق الذين نستطيع فهم إرادتهم والإحاطة بها. في النهاية... أعتقد أننا لو كنا مشغولون بعمل ما، ما لجأنا إلى الاستصراخ بكارثة طبيعية نظن أن فيها نجدتنا أو خلاصنا.
http://www.scribd.com/doc/20005878/
ـــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, October 11, 2005

لا تكفروا بالعروبة

بين الحين والحين يخرج علينا من يزعم أن هوية مصر الفرعونية هي الهوية الوحيدة الواجب على كل مصري أن يعتنقها بعيدا عن هويته العربية, و هذا الرأي لا يعتنقه إلا شريحة قد لا تمثل نقطة في بحر إذا ما قورنت بعدد سكان مصر الذي تجاوز السبعين مليونا.. وعموما فدعاوى إنكار العروبة قديمة ومتجددة وأصابت الكثير من دولنا العربية أيضا.
في البداية..علينا أن نعترف أن صدمة قوية قد أصابت المجتمع المصري عقب هزيمة يونيو 1967, فتحولت معها مصر من دولة داعمة إلى دولة مدعومة, ليكتشف الكثير من أبناء مصر أن ما كان يُتلى عليهم ليل نهار من حديث عن العروبة ودعم حركات التحرر في العالم, لم يفدهم في شيء وقت سقوط بلادهم مهزومة ذليلة. فكانت الهزيمة وما تبعها من سياسات ساداتية سببا في جعل علاقات مصر العربية في حالة من الترهل بعد أن سقطت مصر في بحر الوحدة والإذلال, وكأنها تورطت في الأمر وحدها, فأوجد ذلك مرارة لدى العرب والمصريين معا, فجاءت العودة إلى العرب بعد ذلك في شكل علاقات لا بد منها.. ولعل الكثير من الدول العربية قد مرت بمثل هذا الموقف وأخذت تعيد حساباتها مع العروبة. كل تلك العوامل كانت دافعا لظهور تيار ساخط في مصر يذهب إلى التفكير في البعد عن العرب وقضاياهم, على أساس أن الأذى لن يأتي إلا من القريب, وأن مصر قد تحملت الكثير, ويكفيها ما قد حدث لها. ولما كانت مصر مرتبطة ثقافيا مع العرب, فكان منطقيا أن تعود الدعوة الفرعونية إلى الظهور مرة أخرى كي تطالب بفك هذا الارتباط الثقافي وإنكار البعد العرقي فيه, امتدادا لمجموعة من الآراء التي حاولت من قبل إظهار التاريخ المصري على أنه فترة إذلال وقهر, سواء كان رومانيا أو عربيا آو مملوكيا أو عثمانيا... وكأننا بانسلاخنا عن ارتباطاتنا الثقافية السابقة, سنسقط ما حدث وجرى في تاريخنا القديم أو الحديث.
وهنا.. لابد أن ندون بعض الأسئلة أولا. هل عروبتنا مساوية لرومانيتنا أو عثمانيتنا؟ هل انتهت صلاحية العروبة وثبت فشلها..؟ هل كان العصر المصري القديم, وعهد حكم الفراعنة هو الحقبة المثالية في تاريخنا ..؟
قد لا يعلم البعض أن علاقات مصر مع الدول المجاورة لها الممثلة للوطن العربي الحالي أقدم من الإسلام والمسيحية.. فعلاقات مصر القديمة مع الشام أو العراق أو السودان أو الجزيرة العربية قد تضمنت اختلاطا عرقيا وثقافيا قديما, فعلى سبيل المثال نجد قبل أكثر من 3000 عام و تحديدا في عهد الأسرة 19, أن نحو 10في المئة - في بعض التقديرات- من سكان مصر كانوا من الأجانب.. خصوصا من الآسيويين الساميين.
ونجد استرابون المؤرخ الإغريقي الذي ولد قبل ميلاد المسيح بعشرات السنين, يصف لنا مدينة قفط في صعيد مصر بأنها مدينة "نصف عربية"... هذا قبل الإسلام و نزوح القبائل العربية إلى مصر, تلك القبائل التي ذكر عنها المقريزي فيما بعد أن من قبائلها اليمنية الكبيرة ما قد انصهر تماما في مصر وأضحى من نسيج شعبها. وكذلك كان الأمر مع بعض القبائل البربرية المغربية التي وفدت على مصر في العصر الفاطمي, و التي ما زالت شوارع حي الدرب الأحمر بالقاهرة تحمل بعض أسمائها, كقبيلة زويلة التي سكنت بجوار البوابة الشهيرة التي مازالت تحمل اسمها حتى الآن, و قبيلة كتامة التي مازالت هناك حارة باسمها حتى الآن قرب باب الوزير بجوار قلعة الجبل بالقاهرة.
تلك هي مصر... وإذا كنا سنستنكر ما قد حدث للمصريين من ظلم في عهود الرومان أو العرب أو الترك و غيرهم, فعلينا أن ندرس الشخصية المصرية التي لم تتفاعل جيدا مع الأحداث و لم تسهم في تحريكها.
ففي عهد ملوك الفراعنة الوطنيين أيضا قد حدثت تجاوزات في حق الشعب المصري مثلما قد يحدث الآن, إذا فعلينا التعرض للشخصية المصرية بدراسة سلوكياتها للنهوض بها, لا لنفيها عن انتماءاتها الثقافية والعرقية التي أصبحت جزءا منها. فبُعدنا عن العروبة تحت دعوى أن مصر كانت (مصرية) وقت حكم الفراعنة قد يأخذنا إلى طريق مسدود, فقد جاءت العروبة بمفهومها الحديث لترسخ ما قد كان موجودا بالفعل.. ولعل البعض من إخواننا العرب قد يفهم مثل تلك الدعاوى المنكرة للعروبة على أنها تعال على العرب, وذلك في الوقت الذي نجد فيه للأسف تواجدا لمثل تلك الدعوات داخل بعض أقطارنا العربية الأخرى.. وكأن كل فريق له فرعونيته الخاصة به..!
ليكن المصريون أكثر فهما لمن حولهم من الشعوب العربية, وليعلموا أن هنالك هيبة ما تجاه مصر.. تلك الهيبة التي قد يشعر بها المواطن المصري نفسه تجاه بلده فيسعد بمصريته فيفهمها البعض على أنها فخر, وهي الهيبة التي قد تدفع بالمواطن العربي إلى الهجوم أو التفاخر بهويته الوطنية فقط لإثبات وجوده وكيانه, وكأنه يريد إثبات أنه ليس مضطرا لمجاملة تلك الدولة المهابة, لذا فعلى دعاة هذا الفكر المتجني على العروبة ألا يزيدوا الأمور سوءا.
في النهاية نتمنى أن يصل للعرب أن مصر لنا ولهم, بل سنزعم أن اهتمام العرب بمصر قد يكون أكثر من اهتمامهم بالمصريين, لذا فلا مبرر لدعوات لاحتكار مصر وإسقاط عروبتها وكأننا في عصر الكفر بالعروبة, فمصر كانت وما زالت وستظل عربية إلى الأبد.
ــــــــــــــــــــــــ

Monday, September 26, 2005

هل يعيد التاريخ نفسه؟

عبدالرحمن مصطفى
عندما أعلن أبو مصعب الزرقاوي حربه على شيعة العراق اتجه البعض إلى التساؤل: هل يعيد التاريخ نفسه؟! هل الصدام حتمي بين فكر محمد بن عبد الوهاب و أبناء المذهب الشيعي..؟! خصوصا عندما نعلم أن فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعد أحد مرجعيات الزرقاوي وأتباعه.
قديما.. قام آل سعود منذ أكثر من قرنين من الزمان بتبني فكر ومنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب والعمل على تطبيقه، وأدى ذلك في وقت من الأوقات إلى تصادمات مع بعض أبناء المذاهب الأخرى.. مثلما جرى مع شيعة العراق في حادثة كربلاء الشهيرة عام 1801مـ ، عندما اقتحم معتنقو فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب المدينة وحطموا مسجد الحسين بن علي رضي الله عنه واصطدموا مع السكان هناك، فكانت تلك الحادثة أحد أسباب مقتل الأمير عبد العزيز بن سعود على يد أحد الشيعة بمدينته الدرعية عام 1803مـ.
أما اليوم.. فدولة آل سعود تعلن رفضها لأي عنف يستهدف المدنيين . سواء كان للمدنيين من الشيعة أو من السنة، وذلك رغم أنها لم تتخل بَعد عن أفكار الشيخ محمد بن عبد الوهاب. لكن يبدو أن آخرين غيرها ممن آمنوا أيضا بفكر الشيخ مازالوا يؤمنون بحتمية الصدام مع الشيعة، مثلما فعل أبو مصعب الزرقاوي و أتباعه - ذوي الخلفية الوهابية – الذين أعلنوا الحرب على الشيعة أبناء العراق المحتل.
قد نذهب هنا استنادا لموقف آل سعود الحالي الرافض للعنف المذهبي إلى أن التاريخ لا يصنف لنا شكل العلاقة بين معتنقي فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب و الشيعة المخالفين لأصول منهجه على أنها علاقة عدائية. فالنموذج السعودي الحالي مختلف تماما عما كان عليه الأمر منذ قرنين من الزمان، إذا فالعيب ليس في المنهج، ولا توجد حتمية تفرض علينا صداما بين الفريقين.أما إذا خرجنا من مسألة البحث في العلاقة بين أتباع الفكر الوهابي والشيعة إلى فضاء أوسع نقارن فيه بين الوضع الإقليمي وقت وقوع حادثة كربلاء عام 1803مـ التي مثلت أول صدام حقيقي بين أتباع محمد بن عبد الوهاب وشيعة العراق، وبين الوضع الإقليمي الحالي الذي أعلن فيه الزرقاوي- أحد ممثلي الفكر الوهابي ـ حربه على الشيعة. فسنجد أن الوضع الأول كانت تسيطر فيه الدولة العثمانية اسميا على العديد من دول منطقتنا العربية،غير أنها كانت أيضا مدركة لضعفها وعدم قدرتها على قمع حركة آل سعود الوهابية بعد نجاح تلك الأخيرة في اختراق حدود العراق و إحكام سيطرتها على الحرمين الشريفين، فألحت الدولة العثمانية على واليها محمد علي في مصر كي ينطلق لدحض تلك الحركة، ونجح الوالي محمد علي في مهمته، خدمة ً لسلطانه القابع في الآستانة، وتم القضاء – مؤقتا- على الحركة الوهابية السعودية.
أما اليوم.. فدولة آل سعود خارج حساباتنا. فهي رافضة لما يقوم به من ينسبون أنفسهم لفكر محمد بن عبد الوهاب، وليس لدينا من يمارس الفكر الوهابي بالعنف داخل العراق سوى الزرقاوي ورجاله، كما أنه ليس لدينا اليوم في منطقتنا العربية تلك الدولة التي تستطيع أن تتدخل لمنع ما يحدث على أرض العراق من قتل وتفجير. ليس لدينا إلا الولايات المتحدة الأمريكية كدولة مسيطرة على مقاليد الأمور داخل العراق، رغم أنها ليس لديها قاعدة شعبية بين الجماهير العراقية أو العربية، مما يجعلنا نستبعد أن نجد من يهرع إلى نجدتها مثلما فعل محمد علي مع الدولة العثمانية، فليس لأمريكا ولاة (رسميون) بيننا. إذن.. فلنا أن نتوقع من أمريكا أن تحاول إيجاد طبقة تكون حاجزا بينها وبين الجماعات المسلحة ذات الخلفية الوهابية، ليس خدمة للشيعة بقدر ما هو حفاظا على صورتها كمسيطرة على الأمور في العراق، مثلما كان الأمر مع الدولة العثمانية التي هدفت من قهر الحركة الوهابية السعودية أن تثبت وجودها وإمرتها على أقاليم المنطقة.
إن استخدام أمريكا لطبقة مصطنعة كي تجابه التهديد الزرقاوي ليس بالأمر الجديد في عالم الاستعمار، فقد اعتمدت بريطانيا في إدارة مستعمراتها قديما على طبقة تدين لها بالولاء، حتى لو كانت تلك الطبقة غير محبوبة لدى الجماهير، رغم أن بعض أبناء تلك الطبقة قد أصبحوا فيما بعد من أهم زعماء التحرر في بلادهم كما حدث في إفريقيا، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى هذا الأسلوب، ولعل مساعديها سيكونون من أبناء العراق، وهو ما قد يخيفنا على مستقبل العراق من أن توجد طبقة متعاونة مع القوات الأمريكية لأجل غرض ظاهره نبيل يتمثل في دحض القوى المتطرفة في البلاد، فتتحول تلك الطبقة فيما بعد إلى طبقة وريثة للبعثيين و منتفعي الحكم القديم المتسلط الذي ولت أيامهم، ربما يكون أمل العراق في استقلالية أجهزته الأمنية والعسكرية تماما عن الوجود الأجنبي في بلاده و اتحاد العراقيين حول حكومتهم من اجل تقويتها، فتقوي بذلك استقلالية الحكومة، على أمل يوم يتحرر فيه العراق من الوجود الأجنبي في بلاده. فالأمل هنا في حكومة لها مزيد من السيطرة على إداريات البلاد. وقد يقترب حديثنا هنا من المثالية، لكن قوة الحكومة بشعبها، ستبعد عنا فكرة تسلطها عليهم في يوم من الأيام كما حدث في الحكم السابق. كما أن تحالف الشعب العراقي مع حكومته سيمنع فكرة أن يتحول أي من فئات المجتمع إلى مجرد (وال) لدى قوات الاحتلال.
إن عناصر التاريخ إنسان وزمان ومكان.. ومن المستحيل أن تتكرر العناصر الثلاثة، وفي حالتنا. فلا أتباع فكر محمد بن عبد الوهاب هم أنفسهم، ولا الشعب العراقي هو شعب الأمس، ولم يعد هناك دولة عثمانية و لا والي يدعي محمد علي. إلا أنه قد تتشابه بعض عناصر التاريخ مع مثيلتها في واقعنا المعاصر. لكن أفضل ما في صورة اليوم أن هنالك شعب قد أصبح نجما في الأحداث، وعليه أن يستغل تلك الفرصة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ، 2

Sunday, August 14, 2005

الاحتجاج العاري

اختارت هالة فيصل (47 سنة) أسلوبا جديدا على العرب كي تعبر به عن احتجاجها على الحرب في العراق و استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية، فقامت يوم 9 أغسطس الماضي بالتجرد تماما من ملابسها في حديقة ميدان واشنطن بمدينة نيويورك الأمريكية، لتعرض عبارات الاحتجاج المكتوبة على جسدها بالعربية والإنجليزية أمام زوار الحديقة لمدة عشر دقائق تقريبا، ليكون ختام العرض على يد شرطة نيويورك التي طلبت منها ارتداء ملابسها، وتم القبض عليها ليفرج عنها فيما بعد. ربما قد يتهم البعض هالة بأنها مجنونة أو مريضة نفسية أقدمت على تصرف لا تعيه، لكن الواقع غير ذلك.. فهالة فيصل سورية المولد تحمل الجنسية الأمريكية، اتخذت الولايات المتحدة موطنا لها منذ 1998، درست الفن والموسيقى في معاهد وجامعات دمشق وروسيا وألمانيا والولايات المتحدة، ومارست الغناء والتمثيل، و تجيد ست لغات، وطافت بلوحاتها الفنية العديد من المدن عبر معارضها الفنية. و حاضرت عن تاريخ الفن في دمشق ونيويورك.. وتعرض سيرتها الذاتية شخصية مركبة، لها خلفية سياسية، فعمها كان معتقلا سياسيا في سجون سوريا، ووالدها كان وزيرا قبل فترة حكم حافظ الأسد، و تركت ابنها الوحيد خوفا عليه مما قد يطوله من أذى بسبب تاريخ عائلتها السياسي، لكن.. أيدفع كل هذا بسيدة عربية مسلمة جاوزت الأربعين أن تتجرد من ملابسها وسط أحد الميادين الأمريكية من أجل لفت الأنظار إلى قضايا إنسانية..؟! ربما يكون أمر التعري هذا لا يمثل لها أزمة كبيرة في حياتها، فنحن نراها تتبنى عقلية تحررية في بعض لوحاتها الفنية التي تحوي رسومات لأجزاء من الجسد الأنثوي ليس من اللائق كشفها. لكن دافعها الأساسي فيما قامت به كان واضحا واعترفت به، فقد كانت تسعى للفت الأنظار و صنع صدمة لدى الناس حول ما يحدث في العراق وفلسطين، وربما قد تفيدها تلك الصدمة في تحقيق نوع من شهرة قد تساعدها على تحقيق أحلامها المستقبلية. فقد كان مخططا لها أن تقيم معرضا فنيا للوحاتها، وفيلما عن حياتها الشخصية، بالإضافة إلى طموحها في كبح جماح الظلم في العالم كما ذكرت بنفسها.
ربما تكون كل تلك الأسباب حقيقية.. لكن السبب الأهم الذي ربما لم تدركه هالة فيصل نفسها أنها قد تكون قد توحدت - دون أن تشعر- مع تجربة الرجال العرب الذين تعروا قسرا في سجن أبو غريب، ربما شعرت بأنه لن يحدث أسوأ مما حدث للعرب، فخلعت ملابسها احتجاجا على هذا العالم، قبل أن تضطر إلى خلعها في أحد المعتقلات. ربما لن يترك ما قامت به هالة فيصل تأثيرا قويا على المواطن العربي الذي اعتاد منذ مدة على مشاهدة الأجساد العارية، لكننا نأمل ألا تتكرر ظاهرة التعري العربية مرة أخرى، سواء لرجل أو لامرأة.
ــــــــــــــــ

Monday, November 15, 2004

الحس السينمائي : بين الفقيد والعقيد

رحم الله الفقيد/ ياسر عرفات..
سنفتقد بموت هذا الرجل رئيسا عربيا يمتاز بحس سينمائي عال.. ولن يعوض هذا الفراغ إلا الأخ العقيد/ معمر القذافي، فكلاهما كان يتحدث في المقابلات الصحفية، أو حتى في المؤتمرات الدولية وكأنه يصور فيلما سينمائيا. وهانحن الآن نشاهد كلمة النهاية على آخر مشاهد فيلم النجم ياسر عرفات.
لقد كان للفقيد ياسر عرفات العديد من "الإفيهات" التي أضحت ملازمة له.
يا جبل ما يهزك ريح"، "معا و سويا حتى تقام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف"، إلى آخر كل تلك الجمل والعبارات التي لم يمل الرئيس الراحل من تكرارها، مع عدم جدواها، ورغم موت الرئيس الفلسطيني فلا أعتقد أن أحدا من الساسة العرب سيتعظ و يدرك عدم جدوى مثل تلك العبارات الفخمة.
ولعل أخانا العقيد/ معمر القذافي هو أحد هؤلاء المنتمين إلى تلك المدرسة التي تهوى العبارات الرنانة، فهو صاحب تعبير دولة "إسراطين" المعبر عن فكرته في دولة تضم الإسرائيليين و الفلسطينيين، وهو أيضا صاحب فكر "الجماهيرية".. و أعتقد أنه لو كان القذافي قد عرض فكره في هدوء و في أطروحات تقليدية، لكانت رؤيتنا إلى فكره قد اختلفت.
أنا هنا لا أقف لأوزع الاتهامات على القادة العرب وكأن مصر قد سلمت من كل داء، فنحن نعلم جميعا أن قادتنا العظام كان منهم من اتسم بذلك الحس السينمائي، الذي تطور في بعض الأحيان إلى مرحلة من الافتتان بالذات، حتى أن بعض الإخوة العرب يتهمون مصر بأنها من صدَّر (التفيهق)إلى الشعوب العربية، وأن العبارات الرنانة نحن - المصريين - أول من صنعها.
ولكن – في رأيي – أن الأمر ليس بتلك الصورة، خصوصا بعد هزيمة 1967، التي حدَّت قليلا من هذه الروح، و مع ذلك فنحن لا نستطيع نسيان تلك الحالة التي كان عليها عبدالناصر وهو يخطب في الجماهير، كان كأنه يصور فيلما سينمائيا، حتى جاء عام 1967 ليفشل الفيلم فشلا ذريعا.. ثم يأتي السادات من بعده وهو من لم يكترث به الناس، حتى أنهم كانوا يرونه ظلا لعبدالناصر، حتى حقق شيء من الإنجازات، فبدأ أداؤه التمثيلي يزداد تدريجيا حتى أصبح غير مقبولا بعد ذلك، فانتهي فيلمه بمقتل البطل.
والآن.. يبدو لي أن الحس السينمائي التمثيلي لا يرتبط وجوده بفترات السلام والأمان والطمأنينة، أو بفترات الحروب و القلق والخوف. يا ليت هؤلاء الذين انفصلوا عن الواقع وبدأوا في الشعور بأنهم أبطال في فيلم، أن يدركوا أن النهاية قادمة لا محالة، وأن الباقي للناس وللآخرة هو العمل وليس الكاريزما المتصنعة، ولن يفيد أبدا الحس السينمائي بعد أن يكون المرء فقيدا، حتى و لو كان عقيدا.
ــــــــــــــــــــــ

Wednesday, July 14, 2004

مولانا أمير المؤمنين

بقلم : عبد الرحمن مصطفى حسن ـ مصر
في تلك الأثناء, كان الجميع مهتما بآخر أخبار صحة الرئيس مبارك, و كان الحديث يدور حول التغيير الوزاري المرتقب, و ما حدث قبل ذلك من (نقل) صفوت الشريف إلى منصب رئيس مجلس الشورى, وإلى جانب ذلك كله كان هنالك اهتمام بمتابعة ما ستسفر عنه تصفيات كأس الأمم الأوروبية. لذلك, كان الناس في غفلة من أمرهم, فلم يدروا بأمر خروج ذلك الرجل من بين ظهرانيهم, لقد كان ذلك الرجل هو أمير المؤمنين, الذي لم يظهر لا في دمشق ولا في بغداد ولا في القاهرة, ولكنه ظهر في الجنوب.. في اليمن.

القصة أن حسين بدر الدين الحوثي أحد أتباع المذهب الزيدي ـ أقرب المذاهب الشيعية للمذهب السني ـ قد اجتمع حوله العديد من الأنصار, و بدأت أنشطته ترهب الحكومة اليمنية هناك, ذلك أن الحوثي هذا هو نجل احد كبار مراجع الطائفة الشيعية الزيدية, وفي نفس الوقت عضو برلماني سابق. وذكرت المصادر الحكومية اليمنية أن هذا الرجل يتزعم مجموعة شيعية متطرفة تطلق على نفسها "الشباب المؤمن" قامت بمهاجمة المساجد, وإثارة الجماهير ضد أمريكا والهتاف ضدها, وأضافت وزارة الداخلية اليمنية أن الحوثي ادعي الإمامة, ونصب نفسه أميرا للمؤمنين, وانزل علم البلاد ورفع بدلا منه علم دولة أخري ـ في إشارة إلى علم حزب الله الشيعي ـ وسانده بعض يهود اليمن في حركته, ومن ثم كان التعامل العسكري وإدخال الجيش في مواجهة ضد " الحوثيين" على حد تعبير الرئيس اليمني.
ولما أصبحت المعركة أشبه بحرب يخوضها الجيش على أرضه, ومع ارتفاع عدد الضحايا المدنيين من أهل القرى المجاورة لتلك المعارك, تم تكوين لجنة للوساطة من علماء الزيدية للتفاوض مع الحوثي وفتيانه. وبدأت المفاوضات, واتضح للجنة الوساطة أن الكثير من الشائعات قد ألصقت زورا بالحوثي الذي أنكر فيما بعد خروجه على النظام, وانكر تلقيه أي دعم من الخارج, في الوقت الذي تدعي فيه الحكومة اليمنية أنها ضبطت لدي أنصار الحوثي كتبا شيعية مطبوعة في بيروت.
وأخيرا فشلت المفاوضات مع الحوثي, و تم عرض مكافأة 54 ألف دولار للقبض عليه بعد نحو ثلاثة أسابيع من القتال, ولازال القتلى يتساقطون بالعشرات في أماكن القتال حتى الآن.

- إذا تأملنا تلك القصة المحيرة, لوجدنا أن ظهور الحوثي بتلك القوة, لا يمكن أن يكون قد أتى فجأة, بل هو امتداد للعبة حكومية يمنية تم استغلال الرجل فيها بإرادته, حيث أن من يتابع تصريحات الرئيس اليمني علي عبد الله صالح, يجدها في أغلب الأوقات حادة, أو كما وصفها الرئيس مبارك منذ عدة سنوات أنها "عنترية", وذلك عندما دعا الرئيس اليمني لحرب إسرائيل. فنجد الرئيس اليمني يذكر في خطابه الأخير: "كنت ادعم الحوثي اعتقاداً مني بأنه يدرس العلم ويكرس الاعتدال والوسطية ويناهض الغلو وإذا به عكس ذلك تماماً" ومن الصعب الاعتقاد بأن الرئيس اليمني بهذه السذاجة, ولكن الحقيقة أن ترك الحوثي و أمثاله من قِبل الحكومة اليمنية, إنما يمثل نوعا من الضغط على أمريكا, وكأن أمثال الحوثي و جماعته هم من يمثل الرأي العام اليمني, ولكن على ما يبدو أن السحر قد انقلب على الساحر.
- وعموما فالمجتمع اليمني يعاني العديد من المشاكل, منها توافر السلاح لدى العديد من القبائل اليمنية, مع ضعف الإمكانيات والدعم الحكومي, مما الجأ بعض القبائل اليمنية في فترات سابقة إلى خطف الأجانب لانتزاع حقوقها الطبيعية لدى الحكومة, فكان نتاج كل تلك الأمور ظهور رجل مثل حسين بدر الدين الحوثي وأعوانه.
- أما في مصرنا العزيزة, فلا يخفى على أحد قدرة العائلات الريفية (وخصوصا في الصعيد) على تسليح أبنائها, ولعل أحداث النخيلة الأخيرة, خير دليل على ذلك. إذن فالسلاح من السهل توافره. كذلك, إن تشجيع الحكومة المصرية (بصورة غير مباشرة) للمصريين على التظاهر في بعض الأوقات التي ترغبها هي ـ على أن يكون ذلك مقصورا على القضايا الخارجية فقط ـ سواء في الجامعات أو في الجامع الأزهر, لربما ينقلب على الحكومة في يوم من الأيام. لأن المتظاهرين إذا خرجوا اليوم مطالبين بالكف عن الباطل الموجود في خارج بلادهم, لكان الأجدر بهم أن يخرجوا غدا مطالبين بالكف عن الباطل الذي يسري بينهم. وعلينا هنا أن نتذكر أيضا خروج الناس من حين إلى آخر لقطع الطريق الزراعي, بعد أن يلقى أحد الريفيين حتفه تحت عجلات السيارات, فيما تسميه الصحافة الحكومية "بأعمال الشغب", وكيف أن غضب هؤلاء المكلومين في أبنائهم ـ بالإضافة إلى حنقهم على الحكومة نظرا لظروفهم المعيشية مع عدم الاهتمام الحكومي ـ يجعلهم يعتدون على سيارات الشرطة, بل وعلى السيارات الخاصة أيضا.

إذن فعلى الحكومة الجديدة أن تقلق من كل تلك المؤشرات, وعليها ألا تنظر إلى تظاهرات المصريين على أنها أمر تستطيع إيقافه في أي وقت عن طريق قوات الأمن المركزي, حتى لا تجد الحكومة نفسها في يوم من الأيام في مواجهة مع أحدهم, وقد خرج عليها, وأصبح هو نفسه بديلا عن الحكومة لدى الناس, وحينئذ لن ينفع قانون الطوارىء في شيء.