Showing posts with label السياسة.الكويتية. Show all posts
Showing posts with label السياسة.الكويتية. Show all posts

Monday, July 2, 2012

الخوف من الأغراب: ابحث عن العدو الوهمي خلال الأزمات

كاميرا و أجنبي .. المعادلة الصعبة في الشارع المصري
كتب – عبد الرحمن مصطفى

يحمل سامي شاهين الجنسية الأيسلندية، كما يحمل وجها ذي ملامح مصرية صميمة، لكن هذا لم يمنع عنه المواقف المزعجة التي تعرض لها في الفترة الماضية، "في مدينة الاسماعيلية حيث تنتمى أصول العائلة، فوجئت بأحد الأهالي يصرخ عقب صلاة الجمعة، مستهجنا شكل ملابسي المختلفة، وحقيبتي الكبيرة، وأصابه الفزع والشك في هويتي دون سبب واضح"، لا يخفي سامي سخطه معتقدا أن "النظام يتعمد تخويف الناس من الأجانب و المعارضين ليقوي موقفه"، على حد قوله . يعمل سامي شاهين (31 سنة) في مجال الإخراج والتصوير، لذا كان أكثر تأثرا بالإعلانات التي اذيعت مؤخرا للتحذير من نشر المعلومات عبر الانترنت، ومن الجواسيس الأجانب في داخل مصر، و كان شعارها : "كل كلمة بثمن.. الكلمة تنقذ وطن". يقول سامي شاهين: "مفيش جواسيس في الدنيا بالغباء اللي في الاعلانات دي !!" . يطلق عبارته متذكرا ما تعرض له العام الماضي في مدينة السويس، أثناء تصويره في شوارع حي الأربعين هناك، إذ تعرض له أحد الأهالي وحرض عليه الناس لينتهي به الحال في إحدى الجهات الأمنية بغرض التحقيق حول سبب وجوده، ثم تم ترحيله نهائيا من المدينة. في ذلك الوقت تناقلت المواقع الاخبارية الخبر بعنوان : "اعتقال أيسلندي يحرض أهالي السويس لحرق مديرية الأمن. ورغم أنه لم يتعرض للاعتقال مرة أخرى بعد تلك الحادثة، إلا أنه يؤكد على أنه لاحظ حالة العداء المتزايدة تجاه التصوير والأجانب في الشارع، ويشرح وجهة نظره قائلا: "أصبحت معادلة الخوف هي الكاميرا والأجنبي .. والاثنان يستدعيان حس المؤامرة لدى المواطنين".
في الأسابيع الماضية تعرض عدد من المصورين والمخرجين للتضييق عليهم أثناء التصوير في الشارع، وذلك في أعقاب الصخب المصاحب لبث إعلانات "الجاسوسية" على القنوات المصرية، كان آخرهم المخرج أحمد خالد أثناء مصاحبته لزميلة نمساوية ومصورة ألمانية لتصوير فيلم عن نماذج نسائية من الثورة المصرية، وحسبما يذكر في شهادته التي دونها على صفحته في شبكة فيسبوك الاجتماعية، فقد فوجيء بعبارات عدائية من سكان هذه المنطقة في دار السلام، وكلمات متناثرة مثل : "جواسيس.. اسرائيليين .. قطر.. .. أمريكان.. سيبونا في حالنا..انتوا عايزين مننا ايه.. ؟!".
هذه المواقف أرجعها عدد من العاملين في مجالي الفن والاعلام إلى نبرة التخويف من الأجانب التي بدأت تنعكس على علاقات الشارع، لكن الأمر ليس على هذه الدرجة من السوء مع أجانب آخرين مقيمين في مصر، أحدهم هو الإيطالي "إنريكو دي أنجيليس" (33 سنة) الذي يعمل باحثا في مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية – سيداج- بالقاهرة، يقول: "أسمع تعليقات في مترو الأنفاق بعد سلسلة إعلانات الجاسوسية، لكني أتعامل معها على أنها نوع من المزاح". يبتعد إنريكو عن أي مساحة قد تجلب له المشاكل، و يوضح قائلا: "هناك شيء لم يدركه المصريون جيدا، وهو الانبهار الذي أصاب البعض في الغرب تجاه ثورة 25 يناير وميدان التحرير، وهناك من يأتون خصيصا لفهم ما يحدث". بعض هؤلاء اختار أن يكتب كمراسل حر لصحف في الخارج لمجرد أن يتواجد في مصر ويقترب من الأحداث، هؤلاء يشبههم انريكو بأنهم "سائحو الثورة"، لكن بعضهم يقع في مشاكل كالتي وقع فيها أحد أصدقاء أنريكو، حين سلمه المتظاهرون إلى الشرطة العسكرية أثناء أحداث محمد محمود، وتم ترحيله إلى إيطاليا مباشرة. يتحدث إنريكو بلكنة شامية بحكم إقامته السابقة في لبنان وسوريا قبل مجيئه إلى مصر، فهل يجد البعض في مظهره و لكنته الشامية صورة مثالية للجاسوس التقليدي كما تجسده الدراما المصرية ؟ يبتسم قائلا: "أقدر حالة الشك التي قد تصيب البعض في البداية لكني أتعامل في الغالب مع شريحة متنورة تتفهم عملي البحثي، وليسوا بهذه السذاجة التي قد يكون عليها البسطاء".
على المقهى يجلس إنريكو مع أصدقائه المصريين والايطاليين ساخرين من إعلانات الجاسوسية، من وجهة نظره فإن الأوضاع أفضل بمراحل واسعة عن الحال في سوريا ، و يشرح ذلك : "العداء للأجانب له صلة بموقف الدولة من الأجانب، هنا في مصر الوضع مختلف، لأنه ما زال لم يتكون بعد خطاب سائد ضد الأجانب، ولم يترجم إلى سياسات عنيفة.. وهنا أريد أن أوضح أن الشريحة المرتبطة بالثورة سواء في مصر أو سوريا أو تونس هي الأكثر انفتاحا على الآخر، والأكثر ثقة في أنفسهم، ولا تشغلهم نظرية المؤامرة".

الشباب الأكثر انفتاحا
لا تتوافر دراسات عن تنامي العداء تجاه الأجانب في مصر ، خاصة في الفترة الانتقالية التي أعقبت الثورة، كما أن أعداد السائحين الأجانب قد لا تعبر عن حقيقة الموقف مع حالة الانفلات الأمني وغياب الاستقرار السياسي التي عاشتها البلاد في أعقاب الثورة، لكن الانتقادات لم تتوقف طوال الفترة الماضية عن أن إشاعة أجواء التخويف من الأجانب قد تؤذي السياحة، وتشير الأرقام إلى أن إيرادات السياحة في العام 2010 كانت قد وصلت إلى حوالي 13 مليار دولار بينما انخفضت إلى 9 مليارات في العام الماضي 2011.
رغم تلك الأجواء إلا أن فنانا سويسريا مثل جون لوك مارشينا الذي يعتمد عمله على التصوير، قد لاحظ اختلافا بين زيارته إلى مصر في العام 2007 و الفترة الحالية، إذ كانت مشكلاته تقتصر في الماضي على التعامل مع رجال الأمن، أما بعد الثورة، فقد أصبح التضييق يحدث من ناحية الأهالي. "ربما أصبح هذا الهاجس الأمني لدى المواطنين بسبب ضعف الحالة الأمنية بعد الثورة، لكن لا أستطيع أن أقول إن هناك حالة عداء تجاه الأجانب في مصر". يقول مارشينا بعد تعرضه للتضييق مؤخرا من مواطنين اعترضوا على تصويره لعمارة ذات طراز معماري متميز: "رأيت إعلانات مكافحة الجاسوسية على الانترنت، والحقيقة لم أفهم الغرض منها !!". لا يجيد جون لوك مارشينا العربية، و كثيرا ما يضطر إلى التصوير في الشارع، ويتفق مع انريكو الباحث الايطالي على أن شريحة الشباب هي الأكثر انفتاحا . ثم يختم قائلا: "أنوي كتابة خطاب إلى رئيس مصر الجديد، أخبره فيه أن لديه كنزا من الشباب، وعليه ألا يعيدهم إلى الاحباط مرة أخرى".

الدولة الأمنية : العملاء من أمامكم ، ونحن من خلفكم

"ما رأيناه في الفترة الماضية ليس أحد مظاهر القبضة الأمنية للدولة، بل هو أحد مكوناتها التي ظهرت في أفلام دعائية تحذر من الجواسيس، وتخوين النشطاء على مدار الفترة الماضية "، هذا ما يراه الدكتور شريف يونس- المدرس بقسم التاريخ في جامعة حلوان- و يستدعي في حديثه بعضا من مجال اهتمامه البحثي في تاريخ الحقبة الناصرية بعد ثورة 23 يوليو، إذ يرى مشاهد متشابهة بين الحقبتين، والقاسم المشترك هو محاولة فرض القبضة الأمنية للنظام. "لو عارضت الدولة آنذاك، فلن تكون متهما بمخالفة النظام وحسب، بل ستتهم بأن هناك عدو خارجي يدعمك". تلك كانت أدوات السيطرة في تلك الحقبة، لكن بعض التفاصيل المتعلقة بالأجانب لها خلفيات سابقة على تولى عبدالناصر الحكم، إذ كان هناك وضع مميز للأجانب قبل الثورة في مصر، وهو ما أشار إليه جمال عبدالناصر نفسه لتوضيح سياساته في تلك الفترة، كأن نجده في سنة 1961 – عام صدور قوانين يوليو الاشتراكية- يؤكد في اجتماع مجلس الوزراء على أن تجارة الأرز كانت في أيدي الأجانب واليهود، وأن علاقتهم الخارجية أعاقت التصدير الحكومي، ما يبرر ما اتخذه من إجراءات . قد تبدو المقارنة بعيدة بين عالم الخمسينات والستينات وعالم ما بعد ثورة 25 يناير، إلا أن هذه الفجوة الزمنية تنكسر بعد قراءة عناوين المقالات في الصحف الغربية التي تحذر رعاياها من التوجه إلى مصر بعد بث سلسلة إعلانات "الجاسوسية" على بعض التلفزيونات المصرية، منذرة بموجة عداء تجاه الأجانب حسبما نقلت هذه الصحف، هذا الموقف يعيدنا إلى موقف شبيه في الخمسينيات بعد حرب 56 نتيجة سياسات الدولة تجاه الأجانب في مصر. ويعرض الكاتب الراحل مصطفى أمين في مقال بتاريخ 9 فبراير 1957 ملمحا عن هذه الفترة أثناء دفاعه عن إجراءات الدولة آنذاك قائلا : "إن الذي يقرأ صحف العالم في هذه الأيام يظن أن مصر أغلقت أبوابها في وجوه الأجانب" ، ورغم عدالة القضية التي يعرضها مصطفى أمين في عودة ميزان القوى للمواطنين المصريين بعد أن مالت الكفة لصالح الأجانب قبل الثورة، إلا أن المفارقة أن الكاتب مصطفى أمين نفسه قد تعرض للاعتقال والحبس مدة تسع سنوات والتهمة هي : التخابر لصالح المخابرات الأمريكية . يعلق الدكتور شريف يونس : "استخدام العدو الوهمي الخارجي لتحريك آلة القمع الداخلية وتجميد الحراك السياسي، هو في النهاية مناورة سياسية ، لنتذكر سويا قضية التمويل الأجنبي للمنظمات الأمريكية، وسفر المتهمين بعد ذلك، هل تبعها قطع علاقات أو عداء مع الولايات المتحدة الأمريكية ؟ العلاقة ما زالت مستمرة، وستستمر، لكن الاعلام ركز عليها ثم انطفأت بعد التخويف المؤقت من الأجانب والجمعيات الأهلية".

"لن يستطيع الحاكم تضليل المصريين في المستقبل"
3 أسئلة للدكتور طريف شوقي
أستاذ علم النفس وعميد كلية الآداب- جامعة بني سويف

- هل ترى في إلحاح الدولة على تقديم أعداء داخليين وخارجيين أنه أحد مظاهر حالة " التعبئة المعنوية" ؟

ما أراه بصورة أكبر هو "تهيئة مسرح العمليات للمرحلة القادمة"، لكن ذلك يتم بصورة لم تختلف عن مظاهر الدعاية السياسية التي رأيناها على مدار التاريخ، حتى أنها تبدو طرقا قديمة وبالية أحيانا.. ولا أعتبر هذا التوجه من السلطة "حالة تعبئة داخلية" لأن الواقع يقول إننا لسنا في حالة حرب، لكن السلطة التي لا تستطيع تحقيق الأمن، تلجأ إلى التخويف كي تبرر وجودها وسطوتها، إما باختلاق مخاطر وهمية على الحدود، أو بالتخويف من الأجانب ، لكن هذا التكرار، وثبوت عدم مصداقيته، يفقد السلطة نفسها مصداقيتها.

- كيف ترى أداء المصريين في التعامل مع هذا الموقف ؟

أجد أن هذه المحنة التي مرت بها مصر بعد عام ونصف من الثورة هي منحة من الله كشفت الكثير أمام المصريين، وأعطتهم تدريبات ذهنية مجانية على كيفية نقد ما يتعرضون له من مواقف، وتحليل ما يصل إليهم من معلومات، وربطها ببعضها البعض، هذا لم يكن يحدث من قبل، كنا في حالة استسلام وكسل ذهني، والسيء في الأمر أن السلطة لا تظهر أي ابداع في التعامل مع الجماهير بينما نجد هذه الجماهير أكثر ابداعا وذكاء في التعامل مع المحن وحملات التضليل .

- ما المتوقع من الاستمرار في لعبة تخويف الجماهير وتحفيزهم ضد أعداء غير حقيقيين ؟

لنسأل أنفسنا في البداية .. متى تقدم الغرب ؟ الإجابة : بعد الحرب العالمية الثانية وخسائرها، ما حدث آنذاك هو صراعات قادتها أنظمة دكتاتورية، فوقعت حروب اعتمدت على الدعاية السياسية، و كان التغيير الحقيقي حين اهتمت هذه الدول بتحليل ودراسة ما تعرضوا له على أيدي تلك الحكومات، وبدأوا في الاستفادة من تلك الأحداث في النهوض بمجتمعاتهم ، لذا .. بعد هذه المرحلة التي نعيشها الآن ستأتي مرحلة استخلاص الدروس، و استثمار هذه التجربة الذهنية في بناء المستقبل بشكل أكثر إحكاما.

تاريخ السيطرة على الجماهير

ما أن ظهرت سلسلة اعلانات الجاسوسية الأخيرة حتى تبادل بعض مستخدمي الانترنت مواد فيلمية كانت تذاع في أمريكا في نهاية الأربعينات للتخويف من خطر الشيوعية، هذه المواد المتاحة الآن على موقع يوتيوب، كانت إحدى وسائل النظام الأمريكي في مواجهة الاتحاد السوفيتي، إلا أن تلك الوسائل في الدعاية السياسية قد بدأت مع بدء النظم السياسية في التاريخ، إذ انتشرت في المعابد والقصور الملكية في الحضارات القديمة وعلى رأسها الحضارة المصرية جداريات تنقل الرهبة إلى نفوس الشعب، و صورت سطوة الملك على أعدائه الذين يهددون خيرات البلاد، كما صورت ملاحم الحكام وكيف ساندتهم الآلهة ضد من يهددون الأمن الخارجي والداخلي.
ومع ازدياد النضج السياسي الذي برز في الدولة الإغريقية، رصد بعض الفلاسفة مثل أرسطو دور الدعاية السياسية في قيادة الجماهير، حين كانت الخطابة – التي حملت عنوان أحد أعماله- هي الوسيلة الأقوى في توجيه المواطنين والوصول إلى المناصب العليا في البلاد، أما في عهد الملك فيليب المقدوني، والد الاسكندر الأكبر فيسجل المؤرخون أنه أول من استخدم الأساليب المخابراتية في الحروب من نشر الإشاعات وإضعاف الروح المعنوية لأعدائه.
أما في فترة العصور الوسطى والإسلامية فقد كانت الحروب الصليبية إحدى أكبر الحروب التي قامت بسبب الدعاية السياسية، ونجحت البابوية آنذاك في نشر دعاية مفادها أن هناك اضطهاد من المسلمين للمسيحيين في بيت المقدس، كما استخدم البابا أوربان الثاني تعبير " الأرض التي تفيض باللبن والعسل " من الكتاب المقدس لتحفيز الجماهير الفقيرة والأمراء المغامرين والملوك على الحرب، واقتناص غنائم الشرق.
و في ذلك العصر كان التمثيل بجثث الأعداء إحدى وسائل القبضة الأمنية في البلاد الإسلامية و بث الخوف في نفوس الأهالي، وهو ما كانت تشهده القاهرة بشكل معتاد، وفي تلك الفترة تجاوز الحكام الأعراف الإسلامية في العقوبات البدنية بشكل مختلف، مثل المعاقبة بجدع الأنوف وقطع الآذان، حتى يكون أصحابها وسيلة دعاية مجانية لسطوة الدولة المملوكية.
في العصور الحديثة كان ظهور الطباعة في أوروبا نقلة هامة في الدعاية السياسية، لذا استخدمها البروتستانت المعارضين للكنيسة الكاثوليكية، وطبعوا المنشورات والكتيبات التي تروج للمذهب الجديد، إلا أنه سرعان ما فطنت النظم السياسية وقتها ومنها المملكة البريطانية التي أصدرت قرارا عام 1529 بأن تكون الطباعة بتراخيص.
وتعد فترة الحرب العالمية الثانية أحد مظاهر تجلي الدعاية السياسية بعد ظهور أدوات جديدة على رأسها التصوير السينمائي، وقد انتجت تلك الفترة مراجع هامة قامت على دراسة الدعاية السياسية، وخاصة النموذج النازي، إذ وعى هتلر الدرس الذي تلقاه بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى، فأنشأ وزارة الدعاية التي كان على رأس أولوياتها، السيطرة على الصحفيين الألمان، وخلقت الدعاية النازية آنذاك أعداء "للأمة الألمانية" على رأسهم اليهود، وتم ترويج صور نمطية عن أعداء الأمة المختلقين . ولم تنفرد ألمانيا بهذا النوع من الدعاية، إذ كانت دولا مثل بريطانيا وأمريكا تستخدم السينما واللافتات العامة للغرض الدعائي نفسه محذرة من الجواسيس الألمان، إحدى هذه اللافتات الشهيرة كانت في عام 1940 في بريطانيا تنصح الجماهير وقت الحرب: "احتفظ بسرك تحت قبعتك"، في إشارة إلى حالة الخوف السائدة من الجواسيس في تلك الفترة.
و في مايو 1968 بفرنسا ، بدأت حركة تحررية في أوساط الطلبة امتدت إلى شرائح أخرى من المجتمع ضد النظام القديم، وضمت تلك الحركة طلابا وعمالا كان بعضهم من الأجانب، ومع ازدياد المد الثوري بدأت موجات محافظة تعمل في اتجاه مضاد، إذ تم التشنيع على أحد قادة حركة 68 وهو "دانييل كوهين بنديت " لكونه ذو أصل ألماني يهودي وتم طرده من البلاد، فاعترض بشدة زملاؤه الثوريون، وازدادت الاتهامات من المحافظين بأن تلك الانتفاضة هي دعوي تخريب وبدأ الضغط من بعض أصحاب الأعمال على العمال الأجانب لديهم . إلا أن مبادئ تلك الحركة انتشرت بشكل كبير وحققت جزء من الإصلاحات على يد قوى سياسية فيما بعد.


Wednesday, February 1, 2006

الطفل المعجزة

جرت العادة أن يعقب صلاة الجمعة درس يلقيه شيخ الجامع.. غير أن ما أُعلن في ذلك اليوم كان فريداً من نوعه، فقد كان من سيلقي الدرس هذه المرة طفل صغير لم يتجاوز الستة أعوام (!) وبالفعل.. وقف الطفل بجلبابه الأبيض والغترة الحمراء على كرسي كبير بالمسجد وأخذ يخطب في الناس وينذر ويتوعد على عادة كبار الشيوخ.. فاجتمع الناس من حوله يتبسَّمون وينادون على غيرهم من أجل رؤية هذا العرض الطريف، وأخذت كاميرات الهواتف المحمولة تسجل خطبة هذا الطفل الصغير..!
جرى هذا الأمر منذ عدة أسابيع في جامع عمرو بن العاص أول مسجد جامع في مصر وأفريقيا، وأكثر المساجد الكبرى في مصر بعدا عن السلبيات التي قد نراها في بعض المساجد الشهيرة الأخرى... واليوم نجد الخطبة نفسها لهذا الطفل الصغير لا ينقص منها حرف أو يزيد تباع بالأسواق على هيئة أشرطة كاسيت كمحاضرة لأصغر داعية في العالم كان قد ألقاها في مسجد العزيز بالله بالقاهرة.
ولعل فكرة أن يقوم أحد الأطفال بإلقاء خطب الوعظ على رؤوس المسلمين ليست بالأمر الجديد، ففي عام 1999 علا نجم أحد أطفال تنزانيا المعروف بالشيخ شريف عندما قدمته الصحف وقتها على أنه داعية متجول لم يتجاوز الرابعة من عمره، ووصلت شهرته أن التقى ببعض رؤساء أفريقيا كالعقيد معمر القذافي، والرئيس التشادي، ورئيس بنين وغيرهم.. وأذيع وقتها عن هذا الطفل أنه قد بدأ التحدث باللغة العربية وتلاوة القرآن وهو ما زال طفلاً رضيعاً في الشهر الرابع من عمره (!) وأنه قد ولد لأسرة مسيحية دخلت الإسلام على يديه. واتضح في النهاية من خلال حوار صحفي أن هذا الطفل (الشيخ شريف).. ما هو إلا مدّعي كان عمّه يحفظه الخطب كي يتلوها على مسامع الناس، وأنه لا يحفظ حتى آية الكرسي، وقد انفض الناس من حوله في بلاده بعد أن اكتشفوا حقيقته وحقيقة عمره الذي لم يكن ليقل بأي حال عن ثمان سنوات.
وفي إيران... وبين الأوساط الشيعية بزغ نجم الطفل محمد حسين الطباطبائي منذ أواسط التسعينات، وأطلق عليه البعض وقتها "المعجزة القرآنية" لكونه حفظ القرآن في سن صغيرة، رغم أن هذا أمر عادي في أغلب أقطارنا الإسلامية... وكالعادة تعددت أسفاره ليقـدَّم إلى العالم على أنه أعجوبة تستحق التقدير، خصوصا.. بعد أن حصل هذا الطفل - على حد قول بعض المصادر- على الماجستير من جامعة تبريز ثم الدكتوراه من جامعة لندنية، وإن كنا لا ندري على أي أساس كان ذلك التكريم، أما عما كان يقدمه هذا الطفل من "عروض"... فهي أشبه بالعروض التلفزيونية التي تتكون من فقرات يجيب فيها عن أسئلة الحضور بنصوص القرآن ويحدد لهم أرقام الآيات المقصودة، وكأنه أشبه بجهاز كمبيوتر يستدعي المعلومات... وكان يسانده في تلك اللقاءات مدير العرض ووالده الذي أصبح الآن مديرا لجامعة القرآن الكريم في الجمهورية الإسلامية.
ورغم ما أشيع حول ذلك الفتى - الذي قد يجاوز عمره الآن الخامسة عشرة - من إشاعات عن أنه قد تعرض لضغوطات من النظام الحاكم في إيران بعد زعم البعض أنه قد رأي في المنام أن الإمام المهدي يدعوه أن يبتعد عن الحكومة الإيرانية.. إلا أنه يظل الأمر كله مجرد تسليط أضواء على طفل له بعض المهارات التي لا ترقى إلى أن تكون معجزة.
أطفالنا ثروة حقيقية تستحق التكريم، لكن..أن تنتظر الأمة الوعظ من أطفالها فهذا أمر يثير الشفقة ويدعونا إلى إعادة ترتيب أوراقنا مرة أخرى... فكل تلك الحالات التي قد يطرب لها الشيوخ والشباب من المسلمين لم تقدم لنا إلا أطفالا حُـفـّاظا، والله وحده أعلم إذا ما كانوا يدركون ما تحمله تلك النصوص الطاهرة من معان أم لا.. إن مشهد "الداعية الطفل" الذي يعظ بما قد لا يعيه لهو رمز لحالتنا العقلية التي جعلتنا نرى في طفل لديه القدرة على الحفظ أنه داعية يجب أن تــُطرح له الشرائط بالأسواق كما حدث مؤخرا مع الطفل المصري محمد سعيد.
قد يكون حفظ النصوص الدينية أمراً واجباً ومحبباً إلى النفس، لكن هذا للاستئناس بها وتدبر معانيها.. غير أن البعض – على ما يبدو – قد رأى في الحفظ والتلقين المبتغى والمراد تماشيا مع فلسفة مؤسساتنا التعليمية، وذلك بدلا من التفكير في وضع نهج حديث نطور فيه من أنفسنا ومناهج تدريسنا فندرب أطفالنا على الفهم والاستنتاج والبحث.
قد يكون حـُفـّـاظ الكتب كثيرون، أما العلماء.. فهم قلة.
http://www.scribd.com/doc/19938057
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Monday, January 9, 2006

سودانيون.. إسلاميون.. أقباط

لم يبد الكثيرون في مصر اهتماما عندما تزايدت أعداد اللاجئين السودانيين تدريجيا منذ أشهر قرب مقر المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في القاهرة, فقد كان الكل مشغولا بمتابعة الانتخابات البرلمانية وما حملته معها من مفاجآت, ورغم أن تجمهر اللاجئين وقتها على تلك الشاكلة كان مخالفا لقوانين الطوارئ التي تسير عليها البلاد والتي استند إليها الأمن في الكثير من إجراءاته ضد بعض التظاهرات, إلا أنه من الواضح أن الأمن لم يرد أن يثير مزيدا من الجدل حول ممارساته, خصوصا بعد النقد الذي قد تعرض له حول ممارساته أثناء الانتخابات البرلمانية المصرية .
موقف الأمن من الانتخابات البرلمانية الأخيرة أوجد له بعض العداءات مع أبناء المجتمع المدني وهيئاته وقوى المعارضة ممن انفعلوا مرة أخرى بعد عملية إجلاء اللاجئين السودانيين بتلك الطريقة السيئة, فمازالت الدعاوى تتصاعد من أجل معاقبة المسؤولين عن مقتل خمسة وعشرين لاجئا سودانيا وما أعقب ذلك من انتقادات دولية, غير أننا بعد كل هذا يتبقى لدينا تجربة سودانية مريرة أعطت بعض الدلالات على حالة المجتمع المصري وما هو مؤهل له في الفترة القادمة.
فقد برز في تجربة اللاجئين السودانيين ثلاثة ملامح واضحة, أولها وجود تاريخ مشترك وتجارب متشابهة بين هؤلاء اللاجئين مما قوى اتحادهم طوال فترة الاعتصام التي زادت عن ثلاثة الاشهر, أما ثاني تلك الملامح فهو وجود معاناة تجمع بينهم بسبب ما لاقوه في مصر من مشقة أثناء فترة إقامتهم أو حتى قبل مجيئهم إليها, أما الملمح الأخير فهو إحساسهم بالاغتراب نتيجة نظرتهم إلى مصر منذ البداية على أنها مجرد محطة يعبرون منها إلى دار الهجرة والمستقر في العالم الغربي, أما عن الخطر الذي قد يواجه المجتمع المصري في الفترة القادمة فهو عن ذلك التشابه بين ملامح تجربة أولئك اللاجئين مع ملامح تجارب أخرى لبعض العناصر الداخلية في المجتمع المصري, ونقصد هنا التيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين, إلى جانب بعض العناصر المسيحية القبطية المتطرفة.
فإذا كنا قد تحدثنا عن ملمح التاريخ المشترك بين اللاجئين السودانيين في مصر.. فإن جماعة كجماعة الإخوان المسلمين نجد بين أعضائها تلك القناعة نفسها بوجود تاريخ مشترك بينهم, وهو الأمر الذي ترسَّخ عبر سنوات طوال فدفع بعض أفرادها أن يحفظوا سير مناضليهم وأفكار رموزهم عن ظهر قلب, أما على الجانب المسيحي فنجد بعض الكتابات التي تتحدث عن نضالات (الشعب القبطي) وكأنها تؤرخ خارج سياق التاريخ الإسلامي والحديث لمصر, فبعضها يصف الأقباط وكأنهم جماعة منفصلة بذاتها لها تاريخها المشترك والمتفرد, أما عن الملمح الثاني وهو عنصر المعاناة الذي لمسناه في التجربة السودانية, فنجده متوافرا في خطاب التيار الإسلامي وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين التي قد تعرضت للكثير من المشكلات أو الاضطهادات من قبل أجهزة الأمن طوال حقبة طويلة من الزمان.. و أيضا لدى بعض النشطاء الأقباط من يحاول أيضا إضفاء ملمح المعاناة على الجماعة القبطية بأسرها فيتحدث عن اضطهاد للمسيحيين وإجبار على الدخول في الإسلام.. !
أما الملمح الأخير فهو ملمح الاغتراب, فمثلما تناولنا أسبابه في التجربة السودانية السابقة فإننا نجده ملموسا أيضا في بعض أدبيات التيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين وخصوصا عند استخدام البعض للنصوص الدينية التي تتحدث عن غربة الإسلام وأزمة المتدينين القابضين على دينهم كما يقبض على الجمر, إلى جانب ما تحمله تلك الأدبيات من إدانة للمجتمع والدولة, أما داخل الجماعة القبطية فهنالك بعض العوامل التي قد تدفع للشعور بالاغتراب سواء كان ذلك بسبب فوضى الدعاية الإسلامية, بسبب بعض التصرفات السياسية والمجتمعية الخاطئة, أو حتى بسبب انتشار فكرة الهجرة إلى خارج مصر وصعود دور الكنيسة في الوسط المسيحي .
تلك ثلاثة ملامح وجدناها مشتركة بين تجربة اللاجئين السودانيين وتجربتي التيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين و تجربة بعض العناصر القبطية المتطرفة في مصر, وربما تكون التجربة السودانية هي الأعمق والأعنف.. وهو ما يدفعنا هنا إلى التساؤل عما سيكون عليه حال أصحاب التجربتين الإسلامية والمسيحية إذا ما اشتدت عليهم الظروف.. هل سيلجأ بعضهم أيضا إلى اتخاذ نفس تصرف اللاجئين السودانيين ..؟ وهل ستكون النهاية واحدة..؟
أظن أنه على الحكومة المصرية الجديدة ألا ترث سياسات من قبلها, وأن تعيد حساباتها من جديد فتتخذ المبادأة في حل المشكلات المجتمعية بدلا من أن تحولها إلى ملفات أمنية... فليس لكل مشكلات المجتمع حلول لدى السلطات الأمنية
ــــــــــــــــــ

Thursday, October 13, 2005

نحن وإرادة الله

في حديثه مع قناة العربية اعتبر الدكتور زغلول النجار عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر أن الكوارث الطبيعية "عقابا للعاصين وابتلاء للصالحين وعبرة للناجين"، و أضاف أن الزلازل والبراكين "جند من جند الله" يسخرها على من يشاء، وهذا الرأي على ما يبدو ليس رأيا خاصا بالدكتور زغلول وحده، فقد سادت حالة من الرضا بين بعض الأوساط في عالمنا العربي والإسلامي عند حدوث إعصار "كاترينا" بالولايات المتحدة الأمريكية الذي خلَّف وراءه آلافا من القتلى والمشردين، وخسارة تقدر بمليارات الدولارات... وقتها قال البعض أن هذا عقاب إلهي لأمريكا على أفعالها، وعندما وقع الزلزال الأخير بباكستان الذي راح ضحيته آلافا من المسلمين، اضطرب هذا الفريق فراحوا يبحثون عن الذرائع التي تقدم هذا الزلزال على أنه غضب إلهي.. مثلما جرى من قبل مع كارثة تسونامي. للأسف أننا نجد من هم في علم الدكتور زغلول النجار ممن ينظِّرون لهذا الفريق الذي يبحث عن كوارث الآخرين كي يشمت في مصائبهم، وكأن الله قد انتصر لهم شخصيا، إن هذا الاتجاه يمثل نوعا من التدخل في فهم الإرادة الإلهية، فأن نقوم نحن البشر بتفسير الكوارث المحيطة بنا على أن الله يريد بها كذا وكذا.. فهذا تجاوز للحدود..! قال تعالى : " وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب (116) المائدة.
هكذا كان نبي الله عيسى ابن مريم، أعلن أنه لا يعلم ما في نفس الله. ولا يحيط بإرادته أو حتى يستطيع توقعها، سنقول ما قاله عيسى بن مريم عليه السلام ونعلن أننا لا نعلم ما في نفس الله، ولا نحيط بما أراده الله من مثل تلك الكوارث. لنتذكر معا الآيات (65 : 82) من سورة الكهف التي تحدثت عن قصة سيدنا موسى مع العبد الصالح، فقد عرضت تلك الآيات العديد من التصرفات التي أقدم عليها العبد الصالح والتي كان بعضها بمثابة الكوارث لسيدنا موسى.. كانت النهاية أن اتضح لموسى عليه السلام أن كل تلك التصرفات من العبد الصالح كانت لحكمة عند الله أوضحها العبد الصالح في ختام الآيات.. إذن فعلينا ألا نأوِّل الأحداث من حولنا وكأننا قد أحطنا بإرادة الله وفسرناها.. لنعد إلى بشريتنا ولا تصيبنا نشوة الإيمان فنظن أن الله كأحد الرفاق الذين نستطيع فهم إرادتهم والإحاطة بها. في النهاية... أعتقد أننا لو كنا مشغولون بعمل ما، ما لجأنا إلى الاستصراخ بكارثة طبيعية نظن أن فيها نجدتنا أو خلاصنا.
http://www.scribd.com/doc/20005878/
ـــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, October 11, 2005

لا تكفروا بالعروبة

بين الحين والحين يخرج علينا من يزعم أن هوية مصر الفرعونية هي الهوية الوحيدة الواجب على كل مصري أن يعتنقها بعيدا عن هويته العربية, و هذا الرأي لا يعتنقه إلا شريحة قد لا تمثل نقطة في بحر إذا ما قورنت بعدد سكان مصر الذي تجاوز السبعين مليونا.. وعموما فدعاوى إنكار العروبة قديمة ومتجددة وأصابت الكثير من دولنا العربية أيضا.
في البداية..علينا أن نعترف أن صدمة قوية قد أصابت المجتمع المصري عقب هزيمة يونيو 1967, فتحولت معها مصر من دولة داعمة إلى دولة مدعومة, ليكتشف الكثير من أبناء مصر أن ما كان يُتلى عليهم ليل نهار من حديث عن العروبة ودعم حركات التحرر في العالم, لم يفدهم في شيء وقت سقوط بلادهم مهزومة ذليلة. فكانت الهزيمة وما تبعها من سياسات ساداتية سببا في جعل علاقات مصر العربية في حالة من الترهل بعد أن سقطت مصر في بحر الوحدة والإذلال, وكأنها تورطت في الأمر وحدها, فأوجد ذلك مرارة لدى العرب والمصريين معا, فجاءت العودة إلى العرب بعد ذلك في شكل علاقات لا بد منها.. ولعل الكثير من الدول العربية قد مرت بمثل هذا الموقف وأخذت تعيد حساباتها مع العروبة. كل تلك العوامل كانت دافعا لظهور تيار ساخط في مصر يذهب إلى التفكير في البعد عن العرب وقضاياهم, على أساس أن الأذى لن يأتي إلا من القريب, وأن مصر قد تحملت الكثير, ويكفيها ما قد حدث لها. ولما كانت مصر مرتبطة ثقافيا مع العرب, فكان منطقيا أن تعود الدعوة الفرعونية إلى الظهور مرة أخرى كي تطالب بفك هذا الارتباط الثقافي وإنكار البعد العرقي فيه, امتدادا لمجموعة من الآراء التي حاولت من قبل إظهار التاريخ المصري على أنه فترة إذلال وقهر, سواء كان رومانيا أو عربيا آو مملوكيا أو عثمانيا... وكأننا بانسلاخنا عن ارتباطاتنا الثقافية السابقة, سنسقط ما حدث وجرى في تاريخنا القديم أو الحديث.
وهنا.. لابد أن ندون بعض الأسئلة أولا. هل عروبتنا مساوية لرومانيتنا أو عثمانيتنا؟ هل انتهت صلاحية العروبة وثبت فشلها..؟ هل كان العصر المصري القديم, وعهد حكم الفراعنة هو الحقبة المثالية في تاريخنا ..؟
قد لا يعلم البعض أن علاقات مصر مع الدول المجاورة لها الممثلة للوطن العربي الحالي أقدم من الإسلام والمسيحية.. فعلاقات مصر القديمة مع الشام أو العراق أو السودان أو الجزيرة العربية قد تضمنت اختلاطا عرقيا وثقافيا قديما, فعلى سبيل المثال نجد قبل أكثر من 3000 عام و تحديدا في عهد الأسرة 19, أن نحو 10في المئة - في بعض التقديرات- من سكان مصر كانوا من الأجانب.. خصوصا من الآسيويين الساميين.
ونجد استرابون المؤرخ الإغريقي الذي ولد قبل ميلاد المسيح بعشرات السنين, يصف لنا مدينة قفط في صعيد مصر بأنها مدينة "نصف عربية"... هذا قبل الإسلام و نزوح القبائل العربية إلى مصر, تلك القبائل التي ذكر عنها المقريزي فيما بعد أن من قبائلها اليمنية الكبيرة ما قد انصهر تماما في مصر وأضحى من نسيج شعبها. وكذلك كان الأمر مع بعض القبائل البربرية المغربية التي وفدت على مصر في العصر الفاطمي, و التي ما زالت شوارع حي الدرب الأحمر بالقاهرة تحمل بعض أسمائها, كقبيلة زويلة التي سكنت بجوار البوابة الشهيرة التي مازالت تحمل اسمها حتى الآن, و قبيلة كتامة التي مازالت هناك حارة باسمها حتى الآن قرب باب الوزير بجوار قلعة الجبل بالقاهرة.
تلك هي مصر... وإذا كنا سنستنكر ما قد حدث للمصريين من ظلم في عهود الرومان أو العرب أو الترك و غيرهم, فعلينا أن ندرس الشخصية المصرية التي لم تتفاعل جيدا مع الأحداث و لم تسهم في تحريكها.
ففي عهد ملوك الفراعنة الوطنيين أيضا قد حدثت تجاوزات في حق الشعب المصري مثلما قد يحدث الآن, إذا فعلينا التعرض للشخصية المصرية بدراسة سلوكياتها للنهوض بها, لا لنفيها عن انتماءاتها الثقافية والعرقية التي أصبحت جزءا منها. فبُعدنا عن العروبة تحت دعوى أن مصر كانت (مصرية) وقت حكم الفراعنة قد يأخذنا إلى طريق مسدود, فقد جاءت العروبة بمفهومها الحديث لترسخ ما قد كان موجودا بالفعل.. ولعل البعض من إخواننا العرب قد يفهم مثل تلك الدعاوى المنكرة للعروبة على أنها تعال على العرب, وذلك في الوقت الذي نجد فيه للأسف تواجدا لمثل تلك الدعوات داخل بعض أقطارنا العربية الأخرى.. وكأن كل فريق له فرعونيته الخاصة به..!
ليكن المصريون أكثر فهما لمن حولهم من الشعوب العربية, وليعلموا أن هنالك هيبة ما تجاه مصر.. تلك الهيبة التي قد يشعر بها المواطن المصري نفسه تجاه بلده فيسعد بمصريته فيفهمها البعض على أنها فخر, وهي الهيبة التي قد تدفع بالمواطن العربي إلى الهجوم أو التفاخر بهويته الوطنية فقط لإثبات وجوده وكيانه, وكأنه يريد إثبات أنه ليس مضطرا لمجاملة تلك الدولة المهابة, لذا فعلى دعاة هذا الفكر المتجني على العروبة ألا يزيدوا الأمور سوءا.
في النهاية نتمنى أن يصل للعرب أن مصر لنا ولهم, بل سنزعم أن اهتمام العرب بمصر قد يكون أكثر من اهتمامهم بالمصريين, لذا فلا مبرر لدعوات لاحتكار مصر وإسقاط عروبتها وكأننا في عصر الكفر بالعروبة, فمصر كانت وما زالت وستظل عربية إلى الأبد.
ــــــــــــــــــــــــ

Thursday, September 29, 2005

مبارك المستقل

جاء أداء الرئيس المصري محمد حسني مبارك لليمين الدستورية بمثابة إغلاق لملف الانتخابات الرئاسية المصرية لعام 2005, ولم يعد أمامنا الآن سوى التعليق عليها ومحاولة تقييمها, لكننا سنسلك اليوم مسلكا آخر نطرح من خلاله أحد السيناريوهات التي لم يلتفت إليها رئيسنا الفائز محمد حسني مبارك, ويتلخص هذا السيناريو في تساؤل واحد: ماذا لو كان تقدم المرشح الرئاسي محمد حسني مبارك إلى الانتخابات الرئاسية كمرشح مستقل بعيدا عن حزبه الوطني الديمقراطي ..؟
الحقيقة أن فرضية دخول مبارك كمرشح مستقل إلى الانتخابات الرئاسية الماضية كانت ستجلب الكثير من المنافع لمسيرة الديمقراطية في البلاد وللعملية الانتخابية, بل وله شخصيا كمرشح رئاسي.. فعمليا لم يستطع أحد من المرشحين المستقلين الحصول على تأييد 250 عضوا من أعضاء مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية للمحافظات, لذا.. فإن تقدم مبارك كمرشح مستقل كان سيكون بمثابة اختبار حقيقي لشعبيته بين رجال السياسة والحكم في البلاد الذين كانوا سيجدون أنفسهم مطالبين بالوقوف إلى جانب مبارك المرشح الرئاسي, وليس مبارك الرئيس.
ولعل نزول مبارك كمستقل إلى حلبة المنافسة على منصب رئاسة الدولة كان سيعطي حزبه الوطني الديمقراطي فرصة كي يدير نفسه أمام وضع جديد لا يستند فيه إلى زعامة الرئيس مبارك وشخصه.. خصوصا وأن الحزب قد يواجه بالفعل هذا الموقف في الانتخابات الرئاسية القادمة في حال عدم وجود الرئيس مبارك في الانتخابات الرئاسية القادمة لأي سبب من الأسباب.
علينا أن نعترف أن من انتخب مبارك في الانتخابات الرئاسية الماضية إنما انتخبه لشخصه, وليس لأيديولوجية أو فكر الحزب الوطني الديمقراطي الذي يرأسه مبارك, وقد اعترفت بهذا الأمر قيادات الأحزاب الأخرى وأحد قيادات الحزب الوطني الديمقراطي.
وقد يتساءل البعض هنا عن أهمية عرض هذا السيناريو الآن بعد أن انتهاء الانتخابات الرئاسية وأداء مبارك لليمين الدستورية.
الحقيقة إنها فكرة نطرحها الآن على أمل الاستفادة منها في الانتخابات الرئاسية القادمة, خصوصا وأن البعض يرجح أن الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم قد يدفع بالسيد جمال مبارك نجل الرئيس الحالي للترشيح في الانتخابات الرئاسية القادمة كممثل للحزب بدلا من ترشيح أبيه مرة أخرى.
ربما ليس من حقنا التدخل في سياسات الحزب الوطني, لكن ما يهمنا هنا هو صورة بلادنا التي قبض فيها حزب واحد على مقاليد السلطة في مخالفة لتقاليد الديمقراطيات في العالم, لذا. نتمنى أن نرى السيد جمال مبارك كمرشح مستقل في الانتخابات الرئاسية القادمة إذا ما تم ترشيحه لمنصب الرئاسة, كي يثبت لمعارضيه أنه يرشح نفسه إلى منصب الرئاسة بجماهيريته بين الناس وبين السياسيين, ليخلف وراءه الحزب الوطني كي يمارس السياسة كأي حزب من أحزاب الدولة فتتحقق العدالة بين الأحزاب.
ربما في تلك الحالة قد تُجرى بعض التعديلات الدستورية لضبط الأوضاع حيال وجود رئيس مستقل على كرسي الحكم.. ولعلنا قد نجد وقتها رئيسا مصريا مستقلا فوق الحزبية فتتغير بذلك الأجواء السياسية في البلاد, وهذا كله فقط, إذا ما تخلى المرشح الرئاسي للحزب الوطني عن حزبه وتقدم كمرشح مستقل إلى انتخابات الرئاسة المصرية محاولا تجميع الحد المطلوب من أصوات الجماهير المصرية.
صحيح أن كلمة "لو" الافتراضية تفتح الباب لشيطان الخيال.. غير أن افتراضاتها قد تدفعنا لتأمل المستقبل
ـــــــــــــــــ

Tuesday, September 6, 2005

رسالة إلى الشامتين

دائما ما يهلل فريق من ابناء أمتنا ويعلن سروره وفرحه عند سماعه انباء الكوارث المتعلقة بمن يبغضهم خارج بلاده, وقد ظهر هذا جليا في عدد من المواقف, كان اخرها عند حدوث اعصار "كاترينا" بالولايات المتحدة الاميركية, والذي خلَّف وراءه آلافا من القتلى والمشردين, وخسارة تقدر ببلايين الدولارات, فوجدنا روح الشماتة والتشفي تظهر من بين بعض ابناء أمتنا.. ليكرروا ما قاموا به من قبل عقب وقوع حادث جسر الائمة في العراق, الذي حدث اثناء احتفال شيعي هناك, فأسفر عن مقتل نحو الف عراقي.
وكانت تلك العقلية الشامتة هي التي فسرت من قبل ظاهرة تسونامي على انها عقاب الهي لاهالي جنوب شرق اسيا, وهي التي بررت الاحداث التفجيرية التي ضربت مصر في الفترة الاخيرة, وغالبا ما سيستمر هذا المنطق الشامت يمارس هوايته عقب كل كارثة تصيب قريبا او غريبا, خصوصا وان اصحاب هذا المنطق يستخدمون مرجعية قرآنية في توجههم هذا, كاستخدامهم قوله تعالى : ويومئذ يفرح المؤمنون بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الروم) ... فيتم تأويل المعنى, وكأن الاية دعوة للتشفي والفرح بمصائب الاخرين, على الرغم من ان القياس هنا لا يجوز بين الحالة التي
نزلت فيها الاية, واستخدام البعض لها كمبرر للتشفي والشماتة.
ان رسالتنا الى كل شامت ان يتذكر دعوة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يأمر كل مسلم ان يحب للناس ما يحب لنفسه, وان يكره للناس ما يكره لنفسه, والا يظهر الشماتة لاخيه وقت ابتلائه كي لا يبتلى بابتلائه, حتى الاعداء, كان من اخلاقيات الاسلام ان يترفع المسلم عن الشماتة بهم.
لقد كنا نتمنى من الشامتين ان يقوموا بعمل افضل من شماتتهم.. عمل يحسِّن من صورتهم لدى الاخر, سواء كان هذا الاخر عربيا ام غربيا, كأن يقدموا عزاءهم للشعب الاميركي في هذا التوقيت بالذات, فيقدموا بذلك - على المستوى الشعبي- تصرفا يحسِّن من صورة العربي المسلم التي شوهها البعض لدى الجماهير الغربية, فيكون في هذا التصرف عرضا لصورة العربي النبيل على حقيقتها... وكنا نأمل من قبل ان يعبر هذا الفريق ايضا عن تعازيه لاهل العراق, عقب حادثة جسر الائمة بالكاظمية, كمحاولة لطمأنة شيعة العراق ان في خارج العراق مسلمين مثلهم يتألمون لألمهم.
ولعل الموقف الحكومي العربي من تلك الاحداث كان على المستوى المطلوب, وهو ما ظهر واضحا في قرار بعض الدول العربية مساعدة الولايات المتحدة الاميركية في ازمتها الاخيرة بالدعم المادي, كقرار دولة الكويت التبرع بما قيمته 500 مليون دولار من المنتجات النفطية وغيرها من المساعدات الانسانية للولايات المتحدة بغرض تخفيف اثار الاعصار كاترينا.
لكننا نأمل ايضا ان يكون هنالك تحرك شعبي في مثل تلك الاوقات على نفس مستوى التحرك الحكومي, ولو بصورة بسيطة كارسال برقية عزاء او اظهار روح التعاطف مع صاحب البلاء, او على الاقل الا يكون هنالك تحرك مضاد لهذا النشاط الحكومي النبيل, فروح الشماتة ستزيد الفجوة بين الشعوب, وستضعفنا وتجعلنا دائما في موقف من يتلقى الصدمات.
نأمل لمن يشمت في مصائب الاخرين - ايا كان هؤلاء الاخرين - ان يتحلى بخلق محمد نبي الاسلام, وان يراجع سير فرسان أمتنا العربية والاسلامية, فالفارس العربي كان لا يشمت في اعدائه.. كان لا يسيء لمن اساء اليه, اننا نقدم دعوة كي نحب للناس ما نحب لانفسنا, ونكون فاعلين في تحديد شكل علاقاتنا مع الاخرين, لا ان نكون عاجزين عن الفعل, مكتفين بتغذية نفوسنا بنار الحقد... نتمنى ان تصل الرسالة, وتكون محل تدبر.
http://www.scribd.com/doc/20007058/

ـــــــــــ
إيلاف