Showing posts with label المساجد. Show all posts
Showing posts with label المساجد. Show all posts

Wednesday, May 20, 2015

الدين الذى يسعى إليه المصريون

 التدين الشعبى والتصوف.. التحليق بعيدًا عن صراعات السياسة

يتصدر الشأن الدينى واجهة المشهد السياسى، لارتباط الفكر الدينى المتطرف بأحداث العنف والإرهاب فى مصر، وفى الوقت الذى تتبنى فيه الدولة سياسات جديدة فى مؤسساتها لإحكام القبضة على ملامح الخطاب الدينى، والابتعاد عن التطرف، مازالت شريحة من المصريين تمارس التدين الشعبى عيدا عن الحلول الرسمية
- شحاتة صيام أستاذ علم الاجتماع: الصوفية هى الحاضنة الوحيدة للتدين الشعبى
- منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية: لا نسعى إلى سلطة أو مكسب سياسي
- الشيخ عادل نصر : المصريون معتدلون دينيا أما انحرافات الموالد فليست من الشرع
- خالد عبده الباحث في شؤون التصوف: الصوفية تركت أثرا عميقا في شخصية المصريين
يتواجد الاثنان فى المكان نفسه دون أن يلتقيا، الأول محمد فتحى الموظف بالمعاش الذى جاوز الستين بعامين، والثانى مصطفى رمضان الشاب الذى يبلغ الحادية والعشرين من عمره، كلاهما من أبناء حى السيدة زينب، يحرصان على الوجود وسط أبناء الطرق الصوفية وزوار«السيدة»، ليتحولا إلى جزء من مشهد روحانى يغطى محيط مسجد السيدة زينب.
«مولد السيدة زينب هو فرصة أنضم فيها إلى أبناء الطرق الصوفية، أشاركهم الذكر والانشاد، ثم أعود مطمئنا إلى منزلى.. هذا ما اعتدت عليه منذ سنوات عديدة».
تحدث الحاج محمد فتحى فى أثناء حضوره مولد السيدة زينب الذى أقيم أخيرا، بينما كان الشاب مصطفى رمضان فى سرادق تقيمه عائلته، حيث يوزع الطعام على الفقراء وزوار المسجد. لا يعتبر أى منهما نفسه صوفيا، لكنهما يندمجان بين أبناء الطرق الصوفية الذين تواجدوا فى السرادقات، ويصف مصطفى الشاب سبب مشاركته قائلا: «الهدف من وجودى هو تقديم الخير.. لا شىءآ خر».
فى كتاب (الدين الشعبى فى مصر) للكاتب شحاتة صيام أستاذ علم الاجتماع بجامعة الفيوم، يضع تعريفا للدين الشعبى بأنه «إسلام الطبقات الشعبية الضعيفة، التى تبتعد عن الإطار الرسمى وعن الحياة اليومية، وتنغمس فى الحياة الروحية». قد لا ينطبق هذا القول بشكل كامل على نموذج مثل موظف المعاش المحب لحلقات الذكر، ولا على الشاب الذى يقدم الطعام فى المولد كتقليدى عائلى، بقدر ما ينطبق على عدد غفير من المهمشين المحلقين حول مقامات العارفين بالله، والمؤمنين ببركة الأضرحة وقدرات المشايخ وكراماتهم، أو على حد قول شحاتة صيام فى حديثه لـ«الشروق» : «لنبحث خارج الحضر، ونتعمق فى الريف، ومجتمعات المهمشين سنرى تلك النماذج ما زالت متمسكة بتدينها الشعبى». ويبدأ فى شرح المزيد عن التدين الشعبى فى مصر، واصفا إياه بأنه «تدين خارج إطار المؤسسات، متحرر من أى وصاية، هو منتج شعبى يهدف إلى مقاومة كل سلطة دينية».
بعض المشاهد فى الموالد الصوفية تقدم هذا المعنى، كأن ترقص امرأة على نغمات الذكر الصوفى، أو أن يمر رجل ذى عمامة خضراء يدخن سيجارة فى حلقة للذكر، كلها مشاهد تقوم على التحرر من الشكل الرسمى للتدين أو الالتزام الحرفى بالتعاليم الدينية، وهو مستوى يختلف عن مستوى نماذج مثل محمد فتحى الموظف بالمعاش الذى يحضر دروس وحلقات ذكر صوفية باحثا عن الرضا والأمل، بينما يبدو الأمر أكثر وضوحا مع مصطفى رمضان الشاب الذى يوزع مع أفراد عائلته الطعام فى مولد السيدة زينب كل عام، إذ يروا أن ما يفعلونه ليس تقديم«نفحة» صوفية حتى إن ظن البعض ذلك، بل هو عمل خيرى.
«هناك قيم قدمها التصوف إلى المجتمع المصرى، وأزعم أن المصريين من أشد الناس تأثرا بالتصوف ومحبة آل البيت، لكن هذا لا يمنع من وجود ثغرات ينفذ منها من ينتقدون التصوف». يتحدث مصطفى زايد، منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية، عن الفاصل بين التدين الشعبى المتوغل فى سلوكيات المصريين، والقلق على صورة الصوفى المتدين من بعض السلوكيات «الشعبية». لذا يضيف أن «التصوف منهج حياة وليس مجرد انضمام إلى طريقة صوفية، بل هناك من المتصوفة من أصبحوا يبتعدون عن الصخب والأجواء الاحتفالية».
البديل الصوفى
كان هناك رهان لدى بعض الباحثين والكتاب فى العام الماضى على إمكانية أن تحل الصوفية محل تيار الإسلام السياسى الذى انسحب من المشهد، وحسب حديث منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية فإن الأمر ليس بهذه البساطة، بسبب انكباب قيادات الطرق الصوفية على مشكلاتهم الداخلية دون انفتاح على المجتمع، إلى جانب أمر آخر أهم من وجهة نظره، أنه من الصعب أن تحدث منافسة فى وقت من الأوقات بين التيارات الإسلامية والصوفية، إذ يقوم التصوف على تقديم الخير والدعم والتعبد دون النظر إلى المكسب السياسى، ولا تهدف الصوفية إلى زيادة عدد الأتباع بقدر أهمية تأثيرها على من حولها، أيا كان عدد المريدين.
فى جانب آخر يوضح شحاتة صيام أن نمو التيارات السلفية فى المجتمع المصرى، ليس دليلا على أنها تمثل «تدينا شعبيا»، إذ يؤكد على أن التدين الشعبى قائم على التحرر من السلطة الدينية وسطوة النصوص، وهو الأمر الذى لا تقدمه السلفية أو تيار الاسلام السياسى الذى يسعى إلى فرض سلطة على المجتمع، على عكس الصوفية.
فى هذا الزحام تقع مظاهر التدين الشعبى التى تحتضنها الصوفية فى مرمى النيران لأسباب متنوعة، على سبيل المثال فقد دار جدل فى العام 2009 حول كسوة ضريح مسجد الإمام الحسين التى وضعت باللون الأسود بعد تجديدات جرت فى المسجد، وتم توجيه اتهامات بأن ذلك إشارة على نفوذ الشيعة فى مصر، وتم تغيير لون الكسوة إلى اللون الأخضر بتأييد من بعض مشايخ الصوفية على اعتبار أن اللون الأخضر هو لونهم المفضل. لكن هذه التفاصيل الصغيرة أحيانا ما تطفو مرة أخرى، إذ ما زالت بعض المنتديات السلفية على الإنترنت، تحتفظ بأسئلة عن حكم استخدام الإضاءة باللون الأخضر فى بعض المساجد، وهو ما أزعج بعضهم واعتبره بدعة. تلك الاشتباكات البسيطة تطورت فى الأعوام التالية لثورة 25 يناير إلى تهديدات بمنع الموالد وهدم الأضرحة الصوفية، حتى انسحب تيار الإسلام السياسى من المشهد.
«المصريون فى تدينهم أقرب إلى الاعتدال والوسطية، إما أن نربط بين تدينهم ومظاهر انحرافات عن المنهج الشرعى كالتى تظهر فى الموالد وغيرها، فمن الظلم أن نقول أن هذا هو تدين المصريين، بل هو قلة علم وضعف فى الوعى الدينى لدى البعض».
يرى الشيخ عادل نصر، المتحدث الرسمى للدعوة السلفية، أن هناك مرجعية واحدة شرعية لكل المسلمين، وأن انسحاب تيار الاسلام السياسى من المشهد لا يؤثر على حضور أبناء الدعوة السلفية، ومن الصعب أن يصنع الموقف الراهن منافسا «صوفيا» يكسب مساحات تركوها، وحتى مع سؤاله عن تأثير وجود قيادات دينية مهمة فى الدولة لها خلفية صوفية، فلا يرى ذلك سببا فى صراع، لأن المرجعية الشرعية واحدة، بينما يتعامل مع فكرة «التدين الشعبى» بمبدأ أنه من الواجب أن تتم مراجعة العادات والتقاليد ومقارنتها بالشريعة، ثم تقويم تلك العادات إن احتاج الأمر.
فى دراسة منشورة من العام الماضى لناجح إبراهيم الباحث الإسلامى والخبير فى شئون الجماعات الإسلامية، طرح سؤالا تحت عنوان «هل يرث التصوف السنى الإسلام السياسى المصرى؟!»، لافتا إلى قيادات دينية تتصدر المشهد الإعلامى والدينى من ذوى الخلفية الصوفية، لكنه يطرح عائقا داخل نفس الدراسة أمام التقدم الصوفى حول «انصراف بعض أتباع التصوف للتدين الشعبى الذى تغذيه خطابات الموالد المختلفة، دونما اهتمام بتحصيل العلوم الشرعية، فأكثر الصوفية يتلقون عن مشايخهم العهد وليس العلم، باستثناء حالات محدودة» على حد قوله. وهنا يعود الحديث عن «التصوف العلمى» كنمط تدين بديل، واعتبار «التدين الشعبى» عبئا على تقدم الصوفية.
«الأمر الآن يتوقف إلى حد كبير على موقف الدولة، فنمط التدين الشعبى يمكن أن تتحكم الدولة فى مظاهره، أو أن تسمح به انصياعا لمبدأ حرية الاختيار.. الأمر كله يتوقف على ما يجرى الآن تجاه قضية الدين فى المجتمع». يتحدث خالد محمد عبده الباحث فى الفلسفة الإسلامية والتصوف عن مساحات التغيير الممكنة فى نمط التدين المصرى، ثم ينتقل إلى الجذور الثابتة التى تركها التصوف فى نمط التدين المصرى، قائلا: «يقدم التصوف مساحة من الحرية دون إكراه، نجدها فى المساجد الكبرى مثل السيدة زينب والحسين، وقد تركت الصوفية موروثا يدعم المستضعفين والفقراء، وهو ما زال راسخا لدى المصريين، وتلك الأمور ستظل متواجدة، لكن يظل فوقها حركة الدولة تجاه الدين».
حسبما يتحدث الباحث فى شئون التصوف، فإنه يطرح أن تقدم الدولة دعما لخطاب دينى راق، أيا كان من يتبناه، وهو ما سيرسخ ممارسة أفضل فى نمط التدين الحالى للمصريين.

الدين الرسمى للدولة

 - عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن: التجديد الدينى لا يتم إلا بواسطة العلماء

- إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة: عملية التجديد لابد أن تتم بعد مناقشات مفتوحة
قبل عام تقريبا، ظهر المرشح الرئاسى عبدالفتاح السيسى فى أول حوار تليفزيونى يجريه فى أثناء حملته الانتخابية، وقال إن الخطاب الدينى فى العالم الإسلامى أفقد الإسلام إنسانيته أمام الآخرين، وأبدى اهتماما واضحا بقضية الدين وموقعه فى حياة المواطنين، وذكر أنه اجتمع بالعديد من القيادات الدينية والسياسية فى أثناء فترة عمله فى المخابرات العسكرية، وأبلغهم أن خطابهم الدينى لا يصلح لقيادة الدولة. وعلى مدى عام بعد هذه التصريحات وتوليه رئاسة الجمهورية، تكرر المعنى عدة مرات فى مناسبات مختلفة، منها ما ذكره فى كلمته أمام رجال الأزهر وعلماء الدين قائلا: «والله سأحاججكم أمام الله يوم القيامة» مطالبا بثورة دينية لتجديد الخطاب الدينى.
تلك التصريحات تزامن معها استجابة مباشرة من المؤسسات المعنية مثل وزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر ودار الإفتاء، بما يرسم صورة عن موقف رسمى من قضية الدين فى هذه المرحلة.
«يحمل الفقه الإسلامى وسائل تجديده، فهو فقه متجدد بطبعه لكن بقدرات من يتولون تعليمه وتدريسه، أما الذين يبعدون عن التخصص الدقيق، فليس بوسعهم أن يدركوا حقيقة ما يتم فى عملية التجديد». يتحدث عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون فى جامعة الأزهر، عن أن عملية التجديد الدينى يجب أن تتم على أيدى المتخصصين من أبناء الأزهر الشريف.
ويتوافق ذلك مع المادة (7) التى نص عليها الدستور المصرى لعام 2014 فى أن «الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على جميع شئونه، وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم».
وفقا لهذه الرؤية جرت عدة إجراءات كان أشهرها ما تم أخيرا تجاه الباحث إسلام البحيرى، حين أصدر الأزهر بيانا فى الشهر الماضى قال فيه: «إنه فى إطار قيام الأزهر بالحفاظ على الدين الإسلامى من التشكيك والتشويه وعدم السماح بأن ينال أحدهم من صورة الإسلام، أو أن يعبث بعقول الشباب، فقد تقدم الأزهر الشريف بشكوى إلى المنطقة الحرة الإعلامية بالهيئة العامة للاستثمار ضد البرنامج المذكور، لما يمثله من خطورة فى تعمده تشكيك الناس فيما هو معلوم من الدين بالضرورة». كما تقدم شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بدعوى قضائية يطالب فيها بوقف بث برنامج الإعلامى إسلام بحيرى على قناة القاهرة والناس. ذكر فيها أن «جميع النصوص التشريعية أكدت أن الأزهر الشريف وشيخه هو صاحب الحق الأصيل والثابت فى الحفاظ على الثوابت الدينية، والتراث الإسلامى». هكذا كانت حركة الأزهر تستند إلى مرجعية الدستور المصرى فى حماية دوره القانونى.
أما وزارة الأوقاف الأكثر اتصالا بإنتاج الخطاب الدينى بحكم إشرافها على إدارة المساجد، فقد أدركت هذا الدور مبكرا، بأن حاولت اتخاذ عدة إجراءات للسيطرة على المنابر، مثل منع غير الأزهريين من الخطابة، وإعلان الوزارة تدشين غرفة عمليات لمراقبة مخالفات الخطباء فى المساجد المختلفة، ومنع الصلاة فى الزوايا الصغيرة. وبعد مسيرة شهور فى هذا الطريق تلقت وزارة الأوقاف فى ديسمبر الماضى رسالة شكر من مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، على دور غرفة عمليات الوزارة «فى ضبط الخطاب الدعوى بالمساجد»، ما أعطى انطباعا بأن الوزارة على الطريق السليم.
وتشير دراسة أعدها عمرو عزت الباحث فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تحت عنوان «لمن المنابر اليوم؟» إلى نتيجة مفادها أن احتكار الدولة قانونيا لإدارة النشاط الدينى الإسلامى حصريا، ومراقبتها لحدود النشاط الدينى، يقول إن الدولة تتخذ مكانة (الإمام)، وأنها تسعى إلى الحفاظ على مكانتها كممثل لجماعة المسلمين الموحدة، حيث لا ينازعها إمام آخر.
وأخيرا صدر حكما من محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية يؤيد قرار وزير الأوقاف بالامتناع عن تجديد تصريح الخطابة الممنوح لأحد المنتمين إلى التيارات الدينية المتشددة بمحافظة البحيرة، وأوضح بيان صادر عن مكتب الوزير أن الحكم بالنسبة إلى الوزارة بمثابة تأكيد على«اختصاص وزارة الأوقاف بالقيام بالنشاط الدعوى الدينى فى مصر والعالم العربى والإسلامى لتبيان صحيح الدين».
أما بعيدا عن الطريق الذى سلكته مؤسستى الأزهر والأوقاف فى تشكيل التدين الرسمى لهذه المرحلة، فإن مؤسسات أخرى قد استجابت بدورها، ومنها وزارة التربية والتعليم، وهو ما بدا واضحا فى خطتها استبعاد النصوص والموضوعات التى تحض على العنف أو الكراهية من المناهج الدراسية.
«كان هناك بالفعل أجزاء من نصوص يمكن أن تستخدم فى الحض على الكراهية أو تغذية العنف، فتمت مراجعتها من لجنة متخصصة والاستعانة بأكاديميين، تمهيدا لمراجعة شاملة لجميع المناهج الدراسية من لجنة عليا فى وزارة التربية والتعليم». تشرح ثناء جمعة، مديرة مركز تطوير المناهج التابع لوزارة التربية والتعليم، آليات العمل لتطهير المناهج من أى مواد تحض على الكراهية أو التطرف، كما تذكر أن مناهج التربية الدينية، تراجعها مؤسستى الأزهر والكنيسة.
ذلك الموقف الذى تتخذه الدولة من قضية الدين، ومحاولة مؤسساتها تشكيل نمط تدين رسمى يبتعد عن التحريض على العنف والكراهية، ينبئ عن سياسة عامة انخرطت فيها عدد من مؤسسات الدولة فى الشهور الماضية، ويبرز دور الأزهر واضحا مع ما منحه الدستور من سلطات، إلى جانب تأكيدات الرئاسة المصرية الدائمة على أهمية مشايخ الأزهر.
«هناك أزمة فى أن تطلب من مؤسسة محافظة أن تثور على ما حافظت عليه لسنوات، وأقصد أن مؤسسة الأزهر تهتم بقضية الحفاظ على ميراث الدين، فمن الصعب أن نطلب من المؤسسة نفسها أن تثور على جزء من هذا الميراث». الحديث لإبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، الذى يرى أن عملية التجديد من وجهة نظره تعتمد بالأساس على مناقشات حرة ومفتوحة، قد يكون للأحزاب السياسية مشاركة فيها بحكم أن الدين فى النهاية هو شأن عام.

ى دراسة له تحت عنوان «التدين الشعبى لفقراء الحضر فى مصر« يضع الباحث عبدالله شلبى أستاذ علم الاجتماع المساعد بكلية التربية فى جامعة عين شمس ثلاثة تصنيفات لأنماط التدين المتداولة فى مصر:
ــ التدين الرسمى:
ويمثل هذا التدين اختيار الدولة لشكل التدين الذى تسعى لتحقيقه، مستخدمة فى ذلك جميع مؤسساتها الرسمية، ويتم استخدام الخطاب الدينى الرسمى كوسيلة للضبط والسيطرة وإضفاء الشرعية على سياساتها، استنادا إلى احتكار النص الدينى واحتكار تأويله. ويوضح الباحث أن الخطاب الدينى للدولة فى هذا النمط، يعتمد على التأكيد والتشديد على نصوص دينية بعينها، أو إهمال نصوص أخرى حتى يبسط نفوذه بإحكام.
ــ التدين السياسى المعارض:
فى هذا النمط يميّز الباحث بين فريقين، الأول يمثل الجزء المعارض من داخل التدين الرسمى، وهم من ينتمون إلى مؤسسات الدولة ويروجون آراء مخالفة لما تتبناه الدولة، أما النمط الثانى فهو نمط التدين الخارج على التدين الرسمى وعلى مؤسسات الدولة، وأكثر من يعبرون عنه أصحاب النزعة الجهادية والانفصالية، حيث تجمعهم تنظيمات تعبر عن قناعاتهم ويتبنون إجراءات لتطبيق تلك القناعات.
ــ التدين الشعبى:
يمثل هذا التدين هروبا من مواجهة واقع اجتماعى شديد القسوة، ومواجهة الظلم الاجتماعى والاستبداد والقهر السياسى، وينشأ هذا النوع من التدين بعيدا عن التعامل التقليدى مع الدين ونصوصه، بل هو قائم على وعى الناس بالماضى القديم الأسطورى وتراكم الطقوس القديمة فى المجتمع.
ويرى الباحث أن التدين الشعبى المصرى، لا يفرق فى جوهره بين المسيحية والإسلام لأنه قائم على بنية اجتماعية وثقافية واحدة، وظروفا تاريخية متشابهة. ويضيف بعض العناصر الجوهرية فى هذا النمط من التدين، منها: الإيمان بالله وبعالم الغيب، والقضاء والقدر، والقسمة والنصيب، والمقدر والمكتوب، والرزق المحدود والمكفول، واليوم الآخر، والبعث والنشور، والحساب والعقاب، والجنة والنار، وتوقير الموتى واحترامهم وزيارة قبورهم.

Sunday, April 21, 2013

من السوريات إلى النوبيين .. إعلانات خاصة وراءها حكايات

تنميط و تسويق
قد تخفي الاعلانات آلام شرائح عديدة من المجتمع ، سواء كانوا جزءاً أصيلا من نسيج الشعب أو حتى وافدين عليه بشكل مؤقت، إذ تستخدم الاعلانات عناوين تستدعي صورا نمطية لدى المتلقي، من نوعية مطلوب نوبي للتوظيف ، أو مطلوب فتاة محجبة ، أو مطلوب سكرتيرة حسناء، وغير ذلك. هنا يلعب المعلن لعبة مضمونة حين يخاطب صورة نمطية عن فئة من المجتمع، فيضمن جذب هذه الفئة إلى إعلانه ، وفي المرحلة التالية يراهن على أن يظل من جذبه الاعلان أسيرا لتلك الصورة النمطية إلى الأبد، فالحسناء عليها أن تظل حسناء مادام ذلك شرط الوظيفة، والمحجبة قد تفقد وظيفتها إذا ما خلعت الحجاب.
على أرض الواقع لا يحمل المعلن وحده ذنب تنميط الآخرين، بل قد ترسم بعض الفئات في المجتمع صورة نمطية عن نفسها تبرز قيم الصبر والقوة والأمانة ، ما يضمن لها مكانا في سوق العمل، وعلى الأجيال المتتالية أن تحافظ على تلك الصورة النمطية حتى يحتفظ القادمون بنفس السمعة المكتسبة. و في حالات أسوأ قد لا يكتفي المجتمع بالتنميط ، بل أحيانا ما يقوم بوصم فئات من المجتمع لنفس الأهداف التنافسية، فالشاب الخجول قد يكون هدفا لإعلان يكرس حالة الوصم تجاهه ويزيد من السخرية منه ، على أن يكون طوق النجاة لهذا الشاب في منتج يرفع عنه الوصم ، ويجعله رجلا كاملا . لذا ليس من المستهجن أن يكون أحد أشهر العناوين الملفتة في إعلانات الحائط بشوارع المدينة : مطلوب شباب بدون خبرة ، ففي هذه الحالة يأتي الشاب إلى وظيفة تتعامل معه كموصوم ، فيصبح في وضع لا يسمح له بمزيد من المطالب .
**
عبدالرحمن مصطفى
يجلس عبدالستار بازرباشى اللاجئ السورى الذى وفد إلى مصر قبل ثلاثة أشهر فقط إلى جوار عزت قاسم ــ مصرى الجنسية ــ صاحب المتجر المجاور فى مساكن عثمان، على أطراف مدينة 6 أكتوبر، يروى كل منهما عن المعاناة التى يتعرض لها الساكن فى هذه المنطقة قرب طريق الواحات، مع غياب الخدمات وانقطاع وسائل المواصلات، فمساكن عثمان ما هى إلا بلوكات سكنية شعبية كانت قد وفرتها الحكومة لبعض المصريين الذين فقدوا منازلهم. يوقف عبدالستار بازرباشى حديثه ثم يسأل: «ماذا تريد أن تعرف تحديدا؟ بالتأكيد جئت تسأل عن زواج السوريات من المصريين هنا!». اختار «بازرباشى» اللجوء إلى مصر قادما من دمشق، وترك عمله الأصلى كمدرس للغة العربية، هربا من طلقات الرصاص التى أصابت زوجته قبل انتقالهما إلى مصر. «اخترنا هذا البلد لأن موقفه واضح من القضية السورية، على عكس دول خليجية تدعم الجيش السورى الحر بالمال فقط، لكنها لا تستقبل لاجئا واحدا من سوريا». هذه الكلمات اللبقة تخفى مرارة ما يواجهه مع أسرته حين يستوقفهم أحد المارة ليسأله: هل تعرف فتاة سورية تقبل الزواج؟
هذا الموقف يتعرض له سوريون آخرون منذ شهور فى هذه المنطقة، بعد تعمد وسائل الإعلام وبعض الحقوقيين التلميح إلى أن هناك سوقا رائجة للزواج من اللاجئات السوريات فى مصر، وقد صنع الإلحاح على هذه الصورة كرة ثلج اتسع قطرها بمرور الوقت، دفعت مواقع الإنترنت إلى الاهتمام بصورة إعلان مغمور يصب فى نفس الفكرة، يقول الاعلان: «لدينا أخوات ملتزمات، ومحجبات، ومنتقبات، وسوريات». مثل هذا الإعلان أثار جدلا حول استغلال أوضاع اللاجئين السوريين فى مصر، وهو ما اضطر محمد عفيفى صاحب الإعلان إلى إغلاق هواتفه لعدة أسابيع، ورفض جميع الاستفسارات الهاتفية حول وجود سوريات لديه. وفى النهاية يعلق قائلا: «لم أكن أعلم أن الإعلان قد وصل إلى الإنترنت، فنحن وسطاء زواج للمحجبات والمنتقبات المصريات بالأساس»، وذكر صاحب الإعلان أن بعض الشباب البائس كان يسمع من شيوخ المساجد عن أسر سورية فى حالة مزرية تطلب الدعم المادى، فما كان من البعض إلا أن فكر فى استغلال الموقف، والسعى إلى الارتباط بفتاة منكسرة ذات مطالب قليلة.. هل نجح فى تزويج فتيات سوريات لمصريين؟ على حد عبارته: «لا لم أفعل ذلك».
فى ظل هذا الهوس تحولت منطقة مثل مساكن عثمان فى مدينة 6 أكتوبر إلى محط أنظار كثيرين، هنا يعود الحديث مرة أخرى إلى عبدالستار بازرباشى فى مساكن عثمان، وينضم إليه الشاب السورى أحمد عبدالواحد الذى علق بعصبية قائلا: «الإعلام صوّر منطقة مساكن عثمان على أنها منطقة مستباحة لراغبى الزواج من السوريات، هذه أوهام، ليس الأمر بتلك البساطة، أنا شاب سورى أعزب، ولم أفكر فى الزواج بهذه الطريقة من ابنة بلدى». يتوقف قليلا ثم يضيف بلهجة مصرية: «إحنا فـ إيه ولا فـ إيه؟!». هذه النبرة لم تمنعه من أن يشير إلى محاولات ما زالت تجرى لاصطياد الفتيات السوريات، ويروى قائلا: «فى المسجد المجاور خرجت بعض النساء بعد صلاة العشاء، وسألننى نفس السؤال المكرر: هل أمامك فتاة سورية يمكننا أن نوفر لها زوجا؟». هذا الموقف يؤكد استمرار وجود من أسماهم بالسماسرة، يظهرون على فترات متباعدة، على عكس آخرين يوجهون هذه الأسئلة بشكل عفوى دون هدف تجارى.
يعلق أحد النشطاء السوريين المقيمين فى مصر ــ تحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية ــ بقوله: «أعتقد أن الصخب المفتعل حول استغلال السوريات فى مصر هو نتيجة تصفية حسابات بين تيارات سياسية وتيارات دينية منخرطة فى العمل الخيرى بمصر، البعض مثلا روّج على الإنترنت قبل أشهر أن الشيخ خالد عبدالله دعا إلى زواج السترة بالسوريات، وهو ما نفاه الرجل تماما، أما الضحية الوحيدة فكانت سمعة النساء السوريات، بعد تصويرهن كسلعة تباع وتشترى، على عكس الواقع.. نحن نحافظ على كرامتنا فى مصر مثلما حافظنا عليها فى سوريا».
يختم الناشط السورى تعليقه بإضافة سيناريو آخر عن أن هناك من المحسوبين على نظام بشار الأسد من يتعمد تضخيم فكرة استغلال السوريات وتزويجهن تحت الإكراه، وهدفهم إرهاب السوريين فى الداخل حتى لا يفكروا فى اللجوء إلى دول مجاورة.
..
الشيخ شعراوى يغلق الهاتف
بعيدا عن هذه السيناريوهات، فإن الأمر يبدو أكثر عفوية فى عدد من المساجد التى ساهم بعض شيوخها فى التوسط بين عائلات سورية وشباب مصرى فى نطاق محدود، هذا ما جرى فى أحد مساجد حى إمبابة الشعبى، حين تقدم شاب وطلب الارتباط بفتاة سورية، وبحكم علاقة شيخ المسجد ببعض أسر اللاجئين فى مصر، فقد توسط لدى أسرة سورية، على أن يقدم الشاب تبرعا ماليا للمسجد، غير أن الزيجة لم تتم، بسبب توقعات العائلة السورية بأن يكفل العريس المصرى هذه الأسرة طوال فترة إقامتهم فى مصر، ورغم هذا الموقف إلا أن أحدا لا يرى شيئا مستهجنا فى تصرف شيخ المسجد، إذ إن الزواج عن طريق المساجد أمر مألوف لدى كثير من الشرائح الملتزمة التى تنتظم فى حضور الشعائر والأنشطة الاجتماعية.
«طوال الأشهر الماضية كانت تأتينى مكالمات من نوعية: هل فيه سوريات للزواج؟ فأغلق سماعة الهاتف فورا». العبارة للشيخ عادل شعراوى رئيس مجلس إدارة مسجد الخلفاء الراشدين بمدينة 6 أكتوبر التابع للجمعية الشرعية. هو نفسه قد اتهمه البعض بأنه متزوج من سوريات بحكم تحكمه فى التبرعات، ما جعله يشعر أنه بصدد حرب شرسة على الجمعية الشرعية فى رعاية اللاجئين بمدينة 6 أكتوبر، ويعترف بأن هناك أخطاء قد حدثت، مثل التعاون مع شخصيات سورية تبين فيما بعد أنها غير أمينة فى تعاملاتها، لكن هذه الأخطاء صنعت مادة إعلامية استخدمت ضد الجمعية الشرعية فى 6 أكتوبر.
وبحسب أرقام الشيخ عادل شعراوى فإن منطقة مساكن عثمان وحدها تضم 300 أسرة سورية تم تسكينها عن طريق مسجد الخلفاء الراشدين فى شقق سكنية يتكلف إيجارها 200 جنيه مصرى، ويعلق قائلا: «كنا سنغلق باب التبرعات للسوريين بسبب المشكلات المتتالية، سواء حين تعاملنا مع أشخاص غير مسئولين داخل الجالية، أو بسبب التشنيع الإعلامى، لكن هنا أريد أن أوضح أننا لسنا وسطاء زواج، ولسنا مسئولين عن أى صفقة تزويج خارج المسجد بين الأسر التى تفد علينا يوميا طلبا للمساعدات، أثناء جلوسهم أمام المسجد».
كان عدد من مساجد الجمعية الشرعية قد رفع لافتة تنفى إمكانية التوسط لدى أى أسرة سورية فى أمور الزواج، وكذلك سبقهم مسجد الحصرى فى نوفمبر الماضى حين أصدر بيانا ينفى مسئوليته هو الآخر عن تزويج السوريات، وذلك بعد أن استغل البعض أماكن تجمع السوريين أمام المساجد لغرض الوصول إلى فتيات سوريات فى ظروف اقتصادية سيئة، ورغم ذلك استمر الجدل فى الإعلام والأوساط الحقوقية حتى أيام قليلة مضت.
..
غجر مدينة نصر
ومع كل تلك الضغوط، يحاول أبناء الجالية الدفاع عن أنفسهم بمحاولات مثل ما قام به البعض من تقديم بلاغ إلى السلطات المصرية عن مجموعات ادعت أنها من اللاجئين السوريين، يعيش أفرادها فى خيام بمنطقة مدينة نصر، وينتمون إلى «الغجر»، بعد أن قاموا بالاحتيال على أهل الخير وباعوا التبرعات العينية بمساعدة مصريين. أما آخر الضربات التى مثلت ضغطا نفسيا شديدا على اللاجئين السوريين فقد كانت فى المذكرة التى تقدم بها الاتحاد العالمى للمرأة المصرية بهولندا إلى الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية، من أجل وقف زواج السوريات اللاجئات بمصر من الشباب المصرى مقابل 500 جنيه للزوجة، وقالت المذكرة إن هناك نحو 12 ألف حالة زواج خلال العام الماضى تمت بهذه الطريقة، ولم يكشف الاتحاد عن مصادر هذه الأرقام حتى الآن، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أرسل المجلس القومى للمرأة مؤخرا، خطابين إلى وزيرى الداخلية والعدل، مطالبا إياهما بالعمل على وقف ظاهرة زواج المصريين من اللاجئات السوريات، وعدم استغلال ظروفهن المعيشية السيئة، مشيرا إلى المذكرة السابقة وما تحمله من أرقام. ويوضح محمد عبدالسلام، المتحدث الإعلامى للمجلس القومى للمرأة، أن موقف المجلس القومى للمرأة كان فقط فى الإشارة إلى الأرقام المذكورة فى مذكرة الاتحاد العالمى للمرأة المصرية بهولندا، وليس تبنى هذه الأرقام كنتائج نهائية، ويضيف قائلا: «كنا قد أتحنا الخط الساخن بمكتب شكاوى المرأة فى المجلس، لتلقى شكاوى اللاجئات السوريات فى حالة إجبارهن على الزواج، وطوال عدة أسابيع مضت لم نتلق شكوى واحدة.. مثل تلك الزيجات فى الأغلب يتم باتفاق، ورضا بين الطرفين». وعلى الرغم من نفى العديد من السوريين أن يكون زواج السوريات من مصريين ظاهرة حقيقية، فإن الدليل الحقيقى على غياب مصداقية هذه الأرقام يبقى فى تفاصيل الأرقام نفسها. إذ تسجل المفوضية العليا لشئون اللاجئين لديها 50 ألف سورى، نصفهم من الإناث، وثلث هؤلاء الإناث فقط هن فى سن الزواج، أى نحو 8 آلاف سورية لسن كلهن عازبات، وعلى الرغم من أن تقديرات الحكومة المصرية لأعداد السوريين فى مصر ترفع الرقم إلى 100 ألف نسمة، فإن رقم 12 ألف حالة زواج سوريات من مصريين حسب تلك المذكرة، لا يوائم نسبة السوريين فى مصر، لذا تثير هذه الأرقام حفيظة الكثيرين، خاصة مع إعلان وزارة العدل مؤخرا عن أن تعداد حالات زواج المصريين من السوريات بشكل رسمى لم يتعد 170 حالة، منذ بداية عام 2012 وحتى 31 مارس 2013. ووسط كل ذلك يخفت صوت اللاجئ السورى، أمام مبالغات إعلامية وحقوقية، تزيد من الأعباء النفسية التى يواجهها، وتزيد من اغترابه فى داخل المجتمع المصرى.
**
 
مطلـــــــــوب نوبــــــــــــى للتوظيــــــــف
فى أحد شوارع حى الزمالك بالقاهرة، ترك أحدهم إعلانا على واجهات السيارات المركونة، كتب فيه: نتشرف بتوفير جميع أنواع العمالة النوبية من نوبة مصر، بالوظائف التالية: سائق، سفرجى، طباخ، حارس، مزارع، وفى أسفل الإعلان رقم هاتف للتواصل. وتلقى عدة مكالمات من بينها مكالمة لغرض مختلف تماما. «اتصل بى أحد الإخوة النوبيين، يعيب علىّ صيغة الإعلان، واعتبره مهينا للنوبيين..!». يشرح ضياء حسن ــ صاحب الإعلان ــ رد الفعل الذى تلقاه مؤخرا، ويستكمل قائلا: «فكرة الإعلان عفوية جدا، وكل هدفى هو أن أساعد من لا يجدون عملا من معارفى ومن أقاربى النوبيين، وأن أوصلهم إلى أرباب العمل». يعمل ضياء حسن (36سنة) سائقا محترفا منذ سنوات طويلة، وقضى 12 سنة سائقا خارج مصر فى دولة الإمارات، حيث عمل داخل قصر تملكه إحدى العائلات الشهيرة، وهناك توزع بعض أقاربه على عدة وظائف داخل القصر، فى حين كان هناك من أفراد عائلته أيضا من يعمل فى قطاعات أخرى فى الدولة بعيدا عن المهن المنزلية.
«فكرة الإعلان جاءتنى من العائلة التى أعمل سائقا معهم الآن، إذ رأوا أننى أسعى طوال الوقت لخدمة أقاربى ومعارفى، فاقترحوا أن أكتب إعلانا لتسهيل الحصول على فرص توظيف، واستجبت للفكرة لأنى ذقت من قبل مرارة فقدان وظيفتى والبحث عن عمل».
لا يرضى نشطاء نوبيون عن هذا النوع من الإعلانات المنشورة فى الصحف اليومية أو على الإنترنت، ومن أشهر عناوينها: «مطلوب سائق نوبى»، «مطلوب سفرجى نوبى».
فى أحد المواقع الساخرة كتب الناشط النوبى مازن علاء الدين مقالا يشرح سر العنوان الشهير: مطلوب سفرجى نوبى، وذكر أن بداية اقتراب شريحة من النوبيين إلى مثل تلك الوظائف المنزلية كان فى بدايات القرن الماضى بعد بناء خزان أسوان حين بدأت ما وصفه بالمأساة النوبية، إذ فقد أصحاب أراضى النخيل ممتلكاتهم، بعد أن كان النوبيون فى وضع أفضل من كثير من الفلاحين المصريين الذين وقعوا آنذاك تحت تسلط الباشوات الإقطاعيون. اضطرت شريحة بسيطة من أبناء النوبة إلى المجىء إلى القاهرة والإسكندرية بعد هذه الأزمة مع مؤهلاتهم الضعيفة، وضعف اللغة العربية، واضطروا إلى العمل فى مهن بعينها مثل الحراسة والطبخ والقيادة، وفى وقت لاحق استمر البعض فى هذه المهن لوجود سمعة طيبة للنوبيين. لكن الناشط النوبى لا يخفى مرارة فى كلماته حين يكتب قائلا: «مازال النوبى فى عيون المصريين الأسود البربرى السفرجى، ومازالت النكت علينا كما هى ببواختها، ومازالت قنوات التلفزيون الرسمى لا يوجد بها مذيع أسود ولا برنامج بلغتنا، ومازال كل هذا العبث، لا يجد رادعا قانونيا له».
هذه الإعلانات هى التى تثير شجن بعض النشطاء النوبيين.. وأحيانا ما تحمل هوية أوسع حين تتبدل كلمة نوبى بأسوانى، وهذا ما فعله طارق عيد (31 سنة) وإعلان نشره على الإنترنت طلبا لوظيفة سائق، استعرض فيه خبراته السابقة، مبرزا هويته كأسوانى فى واجهة الإعلان. «فى حقيقة الأمر أنا لست نوبيا، أنا أسوانى من إدفو، وإن كان أهلى وجيرانى نوبيين!». جاء طارق إلى القاهرة قبل سنوات، وعمل سائقا مع أحد قيادات وزارة الداخلية، حيث لا شىء يشغله سوى العمل، ويكاد لا يرى أهله فى إدفو سوى فى المناسبات فقط. ما يميزه عن كثير من أقرانه القاهريين، على حد قوله، هو الالتزام بالمواعيد، أو حسب عبارته «مفيش لف ولا دوران، ولا حجج زى معلش أصلى تعبان شوية، ولا راحت عليا نومة، ولا مراتى بتولد!»، هذه الانطباعات هى التى وصلته من زبائنه. وبالعودة إلى ضياء حسن الذى وزع إعلانه فى حى الزمالك، فإنه قد أفصح عن أن هناك مجتمعات مغلقة تعمل معا لدى أسر بعينها فى البلدان الخليجية التى تفضل العمالة النوبية لأمانتها وحفاظها على أسرار المنزل، لذا يحدث أن تتوزع مهام عائلة كاملة على أعمال المنزل بين سائق ومزارع وطباخ..الخ. وهناك من يريد المساعدة بنشر إعلانات فى المنتديات النوبية على الإنترنت أو فى داخل الجمعيات النوبية لدعم أعضائها من أبناء القرية الواحدة، أيا كانت تلك الوظائف.
قبل سنوات كانت قد أثيرت قضية أخرى تخص النوبيين، حين ظهرت إعلانات تطلب موظفين نوبيين للعمل فى مكاتب الصرافة، وظهرت انتقادات ضدها رأت فيها تمييزا لصالح شريحة من المواطنين، ورأت أن مثل تلك الإعلانات لا تحقق المساواة ولا العدل، واختفت بعدها تماما.. ويذكر مصطفى عبدالقادر ــ الباحث فى التراث والتاريخ النوبى ــ هذا المثال كحالة أخرى تربط التوظيف بالسمعة النوبية الشهيرة المرتبطة بالأمانة والالتزام، وقد خلقت هذه السمعة الطيبة فرص عمل فى مجال العمالة المنزلية فى دول الخليج.
على أرض الواقع فإن كثيرا من العاملين فى مجال السياحة بمحافظة أسوان قد خذلهم الموسم الماضى، حين فوجئوا فى أعياد الكريسماس بأن نسبة الإشغال فى الفنادق لم تتجاوز 20%، وانخفضت نسبة الحركة السياحية إلى 10% على مدى عام 2012 حسب تصريحات مسئولين حكوميين، وهذا على عكس سنوات سابقة قبل الثورة وصلت فيها نسبة الإشغال إلى 100% فى مناسبات مثل الكريسماس ورأس السنة، وهو ما دفع من كانوا يحترفون العمل فى قطاع السياحة إلى السفر والعمل فى دول الخليج، حسبما يصف طه حسين (28 سنة) الذى درس السياحة والفنادق فى أسوان، ثم نشر مؤخرا إعلانا على أحد مواقع التوظيف تحت عنوان: شاب مصرى من النوبة يطلب العمل كسفرجى أو عامل مشروبات أو عامل نظافة أو حارس عقار.
سافر أغلب أصدقائه إلى الخليج للعمل، أما هو فيبحث عن عمل شريف، على حد قوله، ولا خجل فى أن تتصدر هويته النوبية إعلان طلب الوظيفة، ويقول: «النوبى لا يحتاج إلى فيش وتشبيه، انتماؤه وحده يكفى». يتحدى طه أن يجد المتابع لصفحات الحوادث، جريمة سرقة أو قتل ارتكبها أحد العمال النوبيين، وعلى الرغم من ذلك فإنه لم ينس ذلك الجدل الذى لفت نظره فى أحد المنتديات النوبية أثناء رحلة بحثه عن وظيفة حول أن هذه الإعلانات تسىء للنوبيين، لكنه لا يبدى اهتماما ويحسم حديثه قائلا: «لا أهتم بهذه الانتقادات، فبعض أصحاب الأعمال يفضلون الصعايدة فى بعض مهن البناء، ولا أحد يتحدث عن ذلك.. أنا أعيش الواقع وأستغل ميزة لدىّ، وهى أنى نوبى».

Thursday, August 16, 2012

من الهامش إلى قلب الأحداث سيناء.. أطياف من التدين وواقع لا يتغير

فى الشيخ زويد أهل السنة والجماعة: ليس كل صاحب لحية تكفيريًا
يمر الشيخ هانى محلاب بين المعتكفين فى مسجد التوحيد بمدينة الشيخ زويد، مستقبلا استفساراتهم ومحاولا طمأنتهم بعد حملة اعتقالات داهمت منازل عدد من السلفيين فى المدينة قبل أيام، يبدأ حديثه ساخرا عن الصورة النمطية التى تلاحق السلفيين هنا، فكانت عبارته: «مرحبا بك فى معقل الإرهابيين.. ألا يرانا البعض هكذا؟!». فى جنبات المسجد الذى يعد من أهم مراكز السلفية فى شمال سيناء، يجلس بعض من تعرضوا للاعتقال والمساءلة فى السنوات الماضية قبل الثورة، أما تصنيف رواد المسجد لأنفسهم فهم «جماعة أهل السنة والجماعة»، ويتبعون «مشايخ مثل محمد حسان وأبو إسحق الحوينى»، حسب أحد أفراد الجماعة.
تستغرق المسافة من مسجد التوحيد إلى بوابات المدينة نحو خمس دقائق بالسيارة، حيث الموعد المحدد مع الشيخ حمدين أبوفيصل أحد القيادات السلفية فى شمال سيناء، وهو من تعرض للاعتقال أيضا بعد تفجيرات طابا فى عام 2004 لمدة 18 شهرا، وازداد اهتمامه بعدها بالعلوم الشرعية حتى أصبح مقصدا للمشورة، وعلى اتصال بمشايخ آخرين خارج سيناء.
فى الطريق من مسجد التوحيد إلى منزل القيادى السلفى الشيخ أبو فيصل، اتجهنا بسيارة حمدان أحد الشباب السلفى من أبناء المدينة، ولم يخف حمدان سخريته من التناول الإعلامى للإسلاميين فى سيناء، معلقا: «فى أحد الدروب الجبلية الوعرة اتجهنا إلى منزل أحد كبار المتطرفين الدينيين.. أليس كذلك يكتب بعض الصحفيين؟». يطلق حمدان الجملة الساخرة دون أن يخلو الأمر من مرارة وقلق، هذه المرارة نفسها التى دفعت الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد أن يرفض لقاء بعض الفضائيات خشية «الإفك الإعلامى، وتحريف الأقوال»، على حد قوله.
تقع مدينة الشيخ زويد على مسافة 35 كيلومترا شرق مدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء، من هنا مر أحد مجاهدى الفتوحات الإسلامية فى عهد عمر بن الخطاب ويعتبره المتصوفة من أولياء الله الصالحين ويتبرك به بعض سكان المنطقة. ولم تشفع تلك السيرة الجهادية من أن يتم تخريب ضريحه فى عدة محاولات بعد الثورة، وتتوارد الأقوال حول إن كان الفاعل سلفيا متحمسا أم تكفيريا من خارج المدينة التى يقدر عدد سكانها بما يتبعها من قرى أكثر من 50 ألف نسمة، ويتبنى السلفيون هنا آراء تدين زيارة المقابر والتبرك بها وأنها عقيدة الضلال. وفى منزل بسيط يقتطع مساحة من أرض صحراوية يجلس الشيخ حمدين أبو فيصل أمام جهاز الكمبيوتر الشخصى «اللابتوب» متوجسا من تصاعد الأحداث فى الأيام الماضية، «قبل الثورة كان ضابط أمن الدولة يدخل السوق وينادى على من معه قائلا: (لم التكفير دول). أخشى أن تعود هذه الأيام، وتبدأ حملات اعتقالات عشوائية ضد الإسلاميين، لأن هذا سيصنع أعداء جدد للسلطة، وقد يتحول المعتدل إلى معتدى.. أملى ألا يحدث ذلك». هذه الحالة القلقة بين السلفيين فى المدينة هى حصاد صورة رسمتها الأحداث لمنطقة شمال سيناء على مدى أكثر من عام ونصف مضت منذ ثورة 25 يناير، بعد أن ترددت بكثافة تعبيرات مثل «الإمارة الاسلامية فى سيناء» بين وسائل الإعلام المختلفة، نتيجة العمليات التخريبية المتكررة، ورغم إنكار تنظيمات معروفة بنهجها الجهادى مثل «مجلس شورى المجاهدين» و«جند الإسلام» أى صلة بهجوم رفح المسلح، إلا أن الجميع هنا يؤكد وجود مجموعات تتبنى النهج المسلح، وليس لأحد عليها سلطان، يجمع أفرادها علاقات الجوار والقبلية والفكر الواحد، سواء كان جهاديا أو تكفيريا. فى ظل هذا التشابك المعقد يخشى السلفيون فى المدينة من «أهل الجماعة والسنة» أن يتحولوا إلى كبش فداء أو أن يتعرضوا لاعتقالات واسعة على يد الجهات الأمنية الباحثة عن معلومات جديدة، ليس هذا ما يخشاه «أهل السنة والجماعة» فقط، بل إن بروزهم فى المشهد يجعلهم فى مرمى النيران، خصوصا بعد مشروع مهم لفت أنظار شمال سيناء والمهتمين بالمنطقة، هو «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء»، التى تضم الشيخ حمدين أبو فيصل والشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد، وتعتمد تجربة «اللجنة الشرعية» على فكرة تطبيق القضاء الشرعى كبديل عن القضاء العرفى القبلى فى سيناء.

لسنا بديلا عن الدولة..
على صفحة «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء» فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، بعض الفيديوهات لمجاهدين فى أفغانستان ولأسامة بن لادن، قد لا يكون ذلك دليلا على دعم مباشر من أهل السنة والجماعة لأنشطة جهادية أو تكفيرية، فالتكفيريون لن يقبلوا إمامة شيخ يعمل لدى الحكومة، كما لن يقبلوا موقف أهل السنة والجماعة من تأييد الدكتور محمد مرسى منذ فترة الانتخابات حتى الآن، ولن يهتموا بمشروع مثل اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء، لكن هل تمثل هذه اللجنة الشرعية منازعة للدولة فى سلطانها؟ أو هى بمثابة تكوين نخبة سلفية تدير المجتمع، تمهيدا لشريحة أخرى تستخدم السلاح فى إقصاء الدولة تماما ؟ يعتدل الشيخ حمدين أبو فيصل فى جلسته دون أن يخفى ضيقه بالسؤال، مجيبا بلهجة بدوية ممزوجة بالفصحى: «لسنا بديلا عن الدولة، لكن يجب أن نفهم طبيعة المجتمع هنا، لقد كان هناك قضاء عرفى لا يستند إلى أحكام شرعية واضحة، وهناك ملتزمون دينيا يريدون بديلا أكثر انضباطا، فاتخذنا هذا الطريق، وذلك فى الوقت الذى انهارت فيه أجهزة الدولة بعد الثورة مباشرة.. نحن لا ننازع الدولة، هذه فى النهاية مبادرات».
يأتى هذا الحديث بعد أيام من عودة قسم شرطة الشيخ زويد إلى العمل للمرة الأولى منذ يناير 2011 الماضى. يدرك أبو فيصل تماما أن البعض يعتبره متطرفا رغم أنه لا يعتبر نفسه كذلك موضحا وجهة نظره: «أنا متطرف بالنسبة لشريحة من الإسلاميين، أو هكذا يروننى، لكنى فى الوقت نفسه معتدل بالنسبة لإسلاميين آخرين».
وفى مجتمع تحكمه القبلية مع الصعود الإسلامى فى هذه الناحية من سيناء تدور أفكار وهواجس عن فئات أخرى أهم من الجماعات الجهادية أو التكفيرية، وتحديدا فى ذلك الحضور القديم لأمن الدولة وحلفاء الحزب الوطنى المنحل وتجار السلاح والمخدرات، فالقلق الدائم لدى السلفيين هنا هو أن يكون تصدرهم المشهد سببا فى صدام مع قوى قديمة. وسط هذا الزحام، لا بد للفرد أن يستند إلى تجمع واضح بين قبيلة أو جماعة.. أو كليهما، وهو ما يدفع البعض إلى التقليل من شأن الجماعات المسلحة ويرونها مجموعات صغيرة لكن صخبها عال وضررها أعلى.
قبل توديع الشيخ أبو فيصل والعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى يشرح الشيخ بعض مواقفه مع رجال الأمن وكيف قدم إليهم بعض التوصيات التى كان من ضمنها أنه رأى عدم عودة الشرطة إلى المدينة قبل عدة أشهر، إذ رأى بحكم تواجده فى المجتمع انتشارا للسلاح وموجات من العنف بين الأفراد والقبائل فى شمال سيناء أغلبها بعيد عن التطرف الدينى، «لقد استحسنت القيادات رأيى فيما بعد، وأدركوا إخلاصى فى رأيى حول تلك المسألة»، حسبما ينقل الشيخ أبو فيصل. أما فى طريق العودة فقد أصبح مشهد العربات المجنزرة وسيارات الشرطة والجيش وصوت الرصاص أمرا مألوفا فى الشيخ زويد كحال بقية بقاع أخرى فى سيناء. لم يعد أحد يتوقع مفاجآت جديدة، إذ أصبحت هناك ألفة مع التفجيرات المتكررة وأصوات إطلاق النار، وهو ما دفع شيخا مثل هانى محلاب أن يصدر فتوى قبل عدة أشهر بتحريم « إطلاق النار لأنه يؤدى إلى ترويع الآمنين وقتل النفس على جهة الخطأ».

«أبو عبيدة» لتنمية المجتمع
بالعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى كان هناك لقاء آخر فى جمعية أبو عبيدة بن الجراح لتنمية المجتمع المحلى المجاورة، حيث جلسة كبيرة بعد صلاة العصر، تضم أكثر من عشرين فردا من «أهل السنة والجماعة» انضم إليهم بعض رواد المسجد، ودار سؤال فى بداية الجلسة أخذ يطوف على الحاضرين: من يقوم بهذه الهجمات؟ ولماذا يربط البعض حتى فى العريش المجاورة بين أهل الجماعة والسنة وعمليات التفجير المتكررة ؟ القصة قديمة حين أثيرت الأسئلة نفسها فى نهاية يوليو من العام الماضى، وقتها أقيمت فى ميدان التحرير ما عرف بجمعة تطبيق الشريعة، أما فى شمال سيناء فقد خرجت مسيرة باتجاه مدينة العريش مطالبة بتطبيق الشريعة، أعقبتها اعتداءات على قسم للشرطة بمدينة العريش، وعلى تمثال الرئيس أنور السادات فى ميدان الحرية وسط مدينة العريش. وفى نفس اليوم وقع اعتداء على خط لأنابيب الغاز فى سيناء، وحتى اليوم تظهر فيديوهات هذه المسيرة حين يأتى ذكر الإرهاب فى سيناء، يرد الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد: «كنت هناك وقتها، وجاءتنا مكالمة من ضابط فى جهة أمنية رفيعة يخبرنا عن تلك الاعتداءات على قسم الشرطة، واتصل وقتها حتى نأخذ حذرنا من بعض المتهورين، لكن أخذنا الإعلام والعامة بذنب هؤلاء، رغم أن من قام بها هم مجموعة من المغامرين غير المحسوبين علينا».
«من يقوم بهذه العمليات ليسوا أشباحا خفية، فهم معروفون للأمن جيدا»... تتكرر الجملة على ألسنة السلفيين وغيرهم بحكم تشابك العلاقات القبلية وما تفرضه تجارة الأنفاق من تبادل معلومات، لكن لا توجه الاتهامات إلى أشخاص محددين، ومع اتساع نطاق «عملية النسر» الأمنية للقضاء على المسلحين فى سيناء، يتخذ البعض نبرة الاستبشار بإنهاء الموقف، مع خشية الاستجواب أو الاعتقال القسرى مثلما كان يتم قبل الثورة. يقطع الحديث الشيخ هانى محلاب إمام الأوقاف ذى النهج السلفى، مؤكدا: «نحن ندين اعتداءات رفح وما تبعها من اعتداءات تهدد الآمنين، لكننا أيضا ندين اعتقال أتباعنا ومن نعلم أنه بعيد عن الارهاب».
قبل إفطار المغرب بوقت قليل تبدو مدينة الشيخ زويد كمدينة يختلط فيها هدوء الصائم وجمود المذهول مما حوله من أحداث، فى طريق العودة إلى العريش تلتقى مرة أخرى فى طريقك بعض السلفيين الذين كانوا قبل دقائق فقط فى مسجد التوحيد، فى الطريق إلى منازلهم، وهم على حذر من المستقبل.
حزب النور.. ساعة للسياسة وساعة للاعتكاف

يتقدم من بين المعتكفين داخل مسجد عمر بن الخطاب فى مدينة العريش شاب ملتح ذو جلباب أبيض، بادئا حديثه: «دعنا نتفق على أن التيار الاسلامى ذو أطياف متعددة، بين تميع وتشدد، بين إسلامى يصافح النساء ويسمع الأغانى، وآخر منعزل عن المجتمع ويكفر من حوله، نحن أبناء الدعوة السلفية وحزب النور نحسب أنفسنا وسطا بين ذلك وذاك». الحديث لضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء، الذى انضم إلى اعتكاف قيادات حزب النور بالمحافظة، حيث يوزعون أوقاتهم بين العبادة وشئون السياسة.
لا يبدو المشهد مختلفا عن مساجد سلفية أخرى فى المحافظات المصرية، إلا أن صعود حزب النور التابع فكريا لمدرسة «الدعوة السلفية بالإسكندرية» يحمل قصة ذات مذاق مختلف، فليست مفارقة غريبة أن يكون تاريخ تأسيس صفحة «الدعوة السلفية بسيناء» على شبكة فيسبوك الاجتماعية هو نفسه تاريخ تنحى الرئيس السابق مبارك 11 فبراير 2011، إذ كانت الثورة بداية رفع التضييق عليهم. «قبل الثورة أبلغت قيادات أمن الدولة عن أن سيناء فى مأزق، وطلبت منهم أن يتركوا لى فرصة الدعوة فى الأماكن النائية التى يزهد الناس فى الاهتمام بأهلها، لكنهم كانوا يمنعوننا من التحرك شبرا واحدا خارج العريش»، هكذا يعرض شاب آخر من قيادات حزب النور تطور الوصول السلفى إلى السياسة، هو مصطفى عبدالرحمن أمين الحزب بشمال سيناء.
سريعا، ينتقل الحديث إلى الطابق الثانى من المسجد حتى لا ينزعج بقية المعتكفين، وينضم إلى الجلسة قيادات حزب النور الواحد تلو الآخر، بعضهم من ذوى الأصول العريشية، وآخرون من ذوى الأصول العربية القبلية، إلى جانب من تعود أصولهم إلى محافظات وادى النيل. بدأ النقاش بسؤال طاف على جميع الحاضرين عما إذا كان وصول السلفيين إلى السياسة قد مهد الطريق إلى تيارات أخرى أكثر تشددا تحاول هى أيضا أخذ نصيبها من السلطة؟ «وجود الإسلاميين فى السياسة هو صمام أمان حتى لا تختطف السلطة من جماعات متطرفة أو من رجال النظام القديم فى سيناء». هذه الإجابة التى طرحها ضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء تلقى قبولا لدى الجميع، لكنها لا تكشف عن المسافة بين أنماط السلفية الكبرى الموجودة فى المحافظة، فبعيدا عن القطيعة التى يعلنها أتباع حزب النور والدعوة السلفية مع النمط الجهادى إذا ما ارتكبت باسمه أعمال تخريبية، إلا أن مساحة العلاقات بين الدين والسياسة تجعله فى طرف آخر من المعادلة السياسية بشكل عام إذا ما قورن بتيارات أخرى ليبرالية أو اشتراكية، لكن غياب مثل تلك التيارات على أرض الواقع فى سيناء ينتج عنه أن يكون حزب النور وسطا بين جهادى وإخوانى، فى حين يكون الإخوانى وسطا بين سلفى وليبرالى فى محافظات أخرى، وخصوصا فى العاصمة، تلك الملامح قد ظهرت فى نتائج الانتخابات الرئاسية بشكل واضح.. إذ دائما ما كان يلاحق محمد مرسى فى شمال سيناء أحد ممثلى فترة ما قبل الثورة، مثلا تقدم عمرو موسى إلى المركز الثانى من المرحلة الأولى للانتخابات الرئاسية حاصدا آلاف الأصوات، وفى انتخابات الإعادة كانت نسبة ثلث الأصوات تقريبا من نصيب أحمد شفيق، وهذا ما يطرح سؤالا عن هل لا يمثل القوى السياسية المدنية سوى رموز فترة ما قبل الثورة؟ «لا تقلق القوى السياسية فى سيناء من منافس سوى رجال النظام القديم والحزب الوطنى»، هذا ما تردد على ألسنة عدد من الإسلاميين فى مدينة العريش. ويطرح مصطفى عبدالرحمن أمين حزب النور بشمال سيناء تحليلا آخر: «للأسف.. فالواقع الحالى لم يختلف كثيرا عن الماضى، إذ ما زال التهميش يحيط بأهالى سيناء، وهو ما انعكس على غياب روافد فكرية أخرى منافسة». على هذه الأرضية يمارس حزب النور السياسة فى بيئة قد تختلف قليلا عن بقية المحافظات، وفى أثناء الحديث ينضم إلى الجلسة كمال الأهتم من قيادات حزب النور فى شمال سيناء، وهو ضابط شرطة سابق استقال فى العام 2007 بعد اعتكاف مع الشيخ حازم شومان، وأنهى خدمته فى 2009. بدأ حديثه بأن لا فصل بين الدين والسياسة، فأسس اختيار القيادات قائمة على منهج الدعوة السلفية، ويشرح موضحا: «هناك منهج وتربية للفرد وهو ما يمنع أن يقع أحدنا على سبيل المثال فى بئر التطرف المسلح، وذلك رغم انتشار السلاح من حولنا بشكل بالغ». هذا الواقع لا ينفى تعددية من نوع آخر بدت ملامحها داخل المسجد، وفى هذا الجلسة نفسها نجد ذى الأصول العربية القبلية يرتدى القميص والبنطلون، والذى تنتمى أصوله إلى أهل وادى النيل يرتدى زيا عربيا، بل قد لا يعبر الزى نفسه عن هوية دينية، «ليس كل نقاب أو جلباب هو سلفية أو تدينا»، حسبما يقول أمين الحزب. فى الدور السفلى حيث ساحة المسجد، أكثرية من الملتحين إلى جانب ذوى المظهر العربى البدوى التقليدى، لا تبدو الاختلافات قوية، أما المشهد فى منطقة وسط المدينة «البلد»، فيحمل شكلا آخر من التعددية، اللهجات الصعيدية والبدوية والفلسطينية، إلى جانب لهجة العريش، وتقل تلك أجواء التعددية على أطراف المدينة، وتكاد تتلاشى فى بقية مدن شمال سيناء الأخرى.
صناعة الحياة فى زمن الرصاص
فى أرض صحراوية تتخللها زروع خفيفة داخل مدينة العريش، جلس شباب متطوعون فى سن صغيرة يعبئون حقائب بلاستيكية بالأرز والمكرونة والسكر وغيرها من المواد الغذائية، «هؤلاء فى المرحلة الثانوية، ورغم الاعتداءات المتكررة داخل العريش وخارجها، والعمليات العسكرية بين قوات الأمن والمسلحين إلا أن قرارنا واحد، وهو أن تصل حقائب الخير إلى المدن والقرى المجاورة». يشرح جهاد سليمان (23 سنة) الضغوط التى يتعرض لها فريق «صناع الحياة» فى شمال سيناء، أثناء تنسيقه إرسال الحقائب الرمضانية إلى زملائه كى يوزعوها فى (بير العبد، الشيخ زويد، رفح). هذه الحالة الطارئة لا يراها جهاد كذلك، بل يرى أن «الموقف دائما فى صعوبة داخل سيناء».
عمل جهاد بعد تخرجه مباشرة مدرسا للحاسب الآلى فى مدرسة «بئر معين» ناحية وسط سيناء، حيث يهرب الكثيرون من العمل فى قرى وسط الصحراء، وفى هذه المناطق لمس حالة التهميش مقارنة بالوضع فى مدينته العريش، فلجأ إلى أعمال تطوعية مع زملاء له، يتذكر منها زيارتهم إلى مدرسة «المغارة» فى وسط سيناء، التى لا تبعد كثيرا عن جبل «الحلال» الشهير بأنه مأوى المسلحين، يقول عن ذلك: «قمنا بطلاء المدرسة وتركيب شبابيك جديدة، وأذكر الموقف حين تاه أحد أصدقائنا، وفقدنا الاتصال بسبب غياب شبكات المحمول، فأتى به أحد البدو من سكان المغارة، هذه الأجواء الصعبة لم تنعكس بشدة على الأهالى، إذ أنهم رحبوا بمبادرتنا، وكلهم أمل فى التواصل مع العالم». فى تلك الزيارة التى يتحدث عنها جهاد كان قد توجه إلى أهل القرية الصحراوية مرتديا «تيشيرتات» عليها صور شهداء 25 يناير، «كانت رسالة واضحة إليهم أن يندمجوا مع المتطوعين دون أن يكون هناك أى غرض دعائى أو سياسى».
بحكم تلك الأنشطة الموزعة بين مدن وقرى شمال ووسط سيناء تتعدد المخاطر، «الجميع الآن يتحدث عن التكفيريين والمتطرفين المسلحين، ونسوا الواقع خارج مدن سيناء، بل وداخل بعض الأجزاء فى مدينة كبيرة مثل العريش، ستجد قصة مكررة فى كثير من القرى الصحراوية، لإمام جامع معادى للدولة، يخطب فى الناس بقوة أنصاره، ولا يذهب إلى تلك البقاع أحد من الدولة أو حتى متطوعا، ومثل هذا الإمام هو محسوب على قبيلة، ما يجعل الأمور أكثر تعقيدا». مثل تلك النوعية من الحالات رغم عدم شيوعها تثير قلق من يعمل فى مجال التطوع. أما عن مجموعة صناع الحياة فى شمال سيناء التى يقدر عدد أعضائها بخمسين متطوعا، فحتى اليوم لم يحصلوا على مقر ثابت منذ أن بدأوا نشاطهم فى 2004 بعد طرح الفكرة بواسطة الداعية عمرو خالد، وتصدت لها إلهام أبو حية من مدينة العريش. وعلى مدى تلك السنوات ظلت هذه المجموعة المتجددة من الشباب المتطوع، تمر على جمعيات أخرى وداخل معاهدهم وكلياتهم، وأحيانا ما اختطف الحزب الوطنى مجهوداتهم ونسبها إلى نفسه، تعلق الهام أبو حية: «بعض الجمعيات اجتذبت الشباب بالمقابل المالى، وهى فكرة غربية لا تتواءم مع موروثنا الاسلامى، ولا أخلاقنا العربية التى تحض على البذل والكرم، أنا أتحدث عن تجارة مع الله». هذه المواقف يضاف عليها بعض العوامل الثقافية التقليدية، مثل مشاركة الفتيات فى العمل التطوعى، وتوضح ذلك قائلة: «حين أردنا أن ندعم حملة (إوعى) المناهضة للإدمان شتتنا الأحداث المتتالية من التفجيرات، وأعلنت لزملائى خارج العريش أننا فى شمال سيناء نواجه ظروفا صعبة تمنعنى من المغامرة بالفتيات فى أى عمل تطوعى.. لقد أصبح الوضع يذكرنى بغزة التى اعتاد أهلها صوت إطلاق النار». تنتمى إلهام أبو حية إلى أصول فلسطينية، ما جعلها ترى جانبا سيئا من الأحداث الأخيرة حين تعرض بعض الفلسطينيين المقيمين فى العريش إلى التضييق وجرى اتهامهم بأنهم وراء أعمال التخريب المتتالية فى سيناء.
تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو الهام في عملهم الميداني، يروي جهاد أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا له: "كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة .."، يعلق جهاد الذي ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه : "هذه الأنماط المتشددة موجودة في كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا في سيناء هي المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة، وضعف المبادرات التطوعية".
**
من أقوال العابرين
● أنا آخذ الأجرة مضاعفة من الفلسطينيين مقارنة بالمصريين، فأنا لا أحب التعامل معهم
(سائق أجرة أمام منفذ رفح البرى)
● الفرق بين القاهرة وما يحدث هنا فى شمال سيناء من اشتباكات وعمليات مسلحة، هى أن هناك من كانوا مشاركين فى أحداث ومواجهات عند ميدان التحرير ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية، أما هنا فى شمال سيناء فمساحة الاعتراض والاشتباك محدودة، ولا يمارسها سوى الإرهابيين والجماعات المسلحة.
(شاب من مدينة العريش فى وسط المدينة)

● لا أرى شيئا جديدا، اشتباكات، ومحاولات تطهير شمال سيناء، لكن لا أحد يبحث فى الأسباب.
(شاب من العريش ذو أصول بدوية)

● «لماذا يعتبر البعض تجارة الأنفاق أمرا غير مشروع؟ لقد كانت تتم فى أجواء علنية ونظام معروف.. ليست كل الأنفاق لتجارة المسروقات وتهريب اللاجئين».
(شاب سلفى عمل فى تجارة الأنفاق)
**
هاجس التجربة البورسعيدية يخترق الأذهان

«أنا أخشى أن ترتبط سيناء فى أذهان المصريين بأنها المكان الذى قتل فيه جنودنا فى رمضان»، هذه العبارة يقولها حسن شعبان الذى يعمل فى إدارة موقف العريش، إذ لاحظ منذ الليالى الأولى لاعتداءات رفح والعريش وقوع اعتداءات على سيارات تعمل على خط العريش إلى المحافظات، وإن لم تكن اعتداءات عنيفة فقد واجه بعض السائقين نظرات الازدراء خارج سيناء، رغم أن هذه الحالة من العداء قد خفت مع مرور الوقت. يخشى حسن شعبان الذى يعمل فى موقف أجرة العريش منذ 30 سنة من أن تواجه المدينة ما واجهته بورسعيد، بعد حادث مقتل لاعبى النادى الأهلى فى ستاد المدينة: «نحن هنا نرتبط بمصالح وعلاقات مع جميع المحافظات، ولا أحد يريد أن تتغير صورته أو أن يرتبط فى الأذهان باعتداءات أو بالإرهاب». ذلك ما يتمناه حسن شعبان، أما عن الخطاب السائد فى شوارع المدينة، فهو أن إسرائيل هى من وراء هذا الحادث، وأنه من المستحيل أن يعادى أحد الجيش المصرى. هذه الحالة من الإنكار لا تستسلم أمام ما تسفر عنه العمليات من نتائج تثبت صلات أفراد من الداخل بالحوادث المتكررة فى شمال سيناء. أما الفئة التى تعرضت هى الأخرى للوصم هنا، فهم الفلسطينيون المقيمون فى العريش، وخصوصا بعد إغلاق معبر رفح البرى، إذ أسند بعض العامة التهمة إلى جماعات فلسطينية مسلحة، وهو ما أثار نقاشات حادة ضد الفلسطينيين. ورغم هذه النبرة المتداولة والتى بدأت فى الزوال تدريجيا من مدينة العريش، فإن الحياة تبدو طبيعية فى أغلب الأوقات، حتى داخل أجزاء المدينة شهد اشتباكات بين قوات الأمن والمجموعات المسلحة. يجلس الحاج حسن شعبان نفسه فى كافيه شهير على البحر ومن حوله أجواء ترفيهية على الشاطئ ليلا، وصبية يركبون الخيل محدثين ضجة من حوله. أما فى مكان عمله الذى يبعد بمسافة طويلة عن هنا، فيدير موقف السيارات وعلاقات السائقين بشكل مختلف عن كثير من مواقف السيارات فى المحافظات الأخرى، «هنا ما زالت للعائلة والقبيلة سلطة على أفرادها، فكل من يعصى له كبير نعود إليه». ينتمى إلى أصول عريشية من المدينة، لكن الحديث عن سطوة العائلة على أفرادها، جلب معه حديثا آخر عن الجانب السيئ حين يتحول الأمر إلى نزاعات بين العائلات، «أصبح السلاح فى يد الجميع، ويطوفون به فى الشوارع، هذا ما زاد من حس التمرد والعنف، لقد أصبحت جلسات الصلح أمرا مألوفا، وأتمنى أن تكون المرحلة التالية للحرب على الإرهاب هى ضبط العلاقات بين الناس، بدلا من يدير الناس علاقاتهم بأنفسهم».
**
عاصمة شمال سيناء
تمتد أصول مدينة العريش إلى العهد المصرى القديم حين اتخذت موقعا على طريق حورس الذى اتخذه الجيش المصرى قبل آلاف السنين طريقا فى تحركاته داخل تلك الناحية من مصر، واستمر هذا الموقع المميز ضاغطا على المدينة فى أن تتلقى الصدمات والغزوات القادمة من الشرق أو من الشمال، لذا تعد قلعة العريش من أهم آثار المدينة، أما بقايا طريق القطار القديم الذى كان يعبر سيناء فما تزال بعض الملامح موجودة فى لافتات كانت فى يوم من الأيام مستخدمة كلافتة فى محطة قطار. ويقدر سكان المدينة بما تضمه من قرى مجاورة نحو 160 ألف نسمة (عام 2011)، وتعود أصول أهل العريش إلى ثلاثة روافد، الأول هو هجرة أبناء القبائل العربية التى استوطنت سيناء وتواجدت داخل المدينة، أما الرافد الثانى فهم أبناء المدينة الذين تشكلوا على مدى العصور من هجرات مختلفة فلسطينية وشامية وغيرها، كذلك فقد شهدت العريش فى الفترة العثمانية هجرات من البلقان والأرنؤوط، أما الرافد الأخير فهو ما ازداد بعد تحرير سيناء من هجرات قادمة من وادى النيل.
جبل الحلال.. الخير حين يحتوى الشر
 
يقلل عدد من أبناء قبائل شمال سيناء من شأن الاهتمام الزائد «بجبل الحلال»، وتصويره على أنه أرض الشرور فى سيناء وأن القضاء على ساكنيه سيوفر الأمن والأمان. «إن لم يتم القضاء على الأسباب المؤدية إلى الهروب إلى الجبل، سيظل جبل الحلال عامرا بالهاربين إلى يوم الدين»، هذا ما أكده أحد المتواصلين مع سكان الجبل. تبدأ أسطورة جبل «الحلال» مع بدايات الألفية الثانية بعد أن انتشرت فى سيناء أنواع جديدة من الجرائم، مثل تهريب الأجانب إلى إسرائيل، وازدياد مساحة الاشتباك بين أبناء القبائل والشرطة وتوالى العمليات الإرهابية والتفجيرات. تحول هذا المكان إلى ملجأ للفارين من الأحكام والهاربين من الاعتقالات، وكانت البداية القوية مع تفجيرات طابا ونويبع فى 2004، إذ جرت وقتها حملة أمنية واسعة تعرض فيها الآلاف من أبناء سيناء إلى الاعتقال، قدرتهم المصادر الحقوقية ب3000 مواطن، وتعرضت شريحة منهم للاعتقال التعسفى والتعذيب على يد الشرطة، ولجأ بعض الفارين منهم إلى الجبل.. وهناك تدير «القبلية» الموقف فى أغلب الأوقات، ويتحول ذلك التجمع فى جبل «الحلال» إلى جماعة ضاغطة تظهر نفوذها فى بعض المواقف. ويقدر بعض خبراء الأمن وجود آلاف المسلحين فى الجبل، بينما يؤكد عدد من أبناء القبائل العربية المحيطة أن العدد يحمل الكثير من المبالغة. هذا التقليل من شأن جبل «الحلال» ودوره فى احتواء الجماعات المسلحة على اختلاف انتماءاتها، يناقضه تلك السمعة التى حظى بها بين المنتديات الداعمة للجهاديين على الإنترنت، إذ يلفت نظر الزائر لشبكة «أنصار المجاهدين» موضوعا تحت عنوان: «اللهم احفظ مجاهدى جبل الحلال»، وبعدها يتلقى ردودا متفاعلة، أحدها تظهر فيه النبرة التكفيرية بجدارة، ويقول أحدهم معلقا على هجمات الجيش على الجبل: (لعنة الله على هذا الجيش المجرم المرتد). ما يعبر عن مكانة عظيمة لهذا الجبل فى نفوس المتمردين والتكفيريين، خصوصا مع إخفاق السلطات خلال السنوات السابقة فى تطهير هذا الجبل من الجماعات المسلحة، إذ وصل التقدم بهذه الجماعات أن زرعت ألغاما أرضية لمنع تقدم قوات العمليات الخاصة داخل جبل الحلال فى العام 2005 على خلفية تفجيرات شرم الشيخ. حين تحول جبل «الحلال» إلى رمز الإجرام والعنف، أخفى ذلك العديد من الجوانب الإيجابية فى سيرته، على رأسها كم المعادن والثروات الموجودة فى هذه المنطقة، مثل الرمال البيضاء المستخدمة فى صناعة الزجاج والسيراميك والأسمنت الأبيض، وكذلك بعض الخامات الأساسية الأخرى منها الزلط والحجر الجيرى. ويقع جبل «الحلال» على بعد نحو 60 كلم جنوب العريش باتجاه وسط سيناء، حيث تضعف القبضة الأمنية ووتغيب الأنشطة المهمة التى تجتذب الهجرات إليها على عكس منطقتى شمال وجنوب سيناء، وقد اقترح عدد من مشايخ القبائل والقيادات المحلية فى هذه المنطقة أن تقام محافظة لوسط سيناء، كى يتوافر لها النهوض واستغلال ما بها من موارد، وعلى رأسها سياحة الجبال والطبيعة، إذ مازال عالقا فى أذهان بعض أهالى سيناء ذكريات عن جبل «الحلال» قبل تحويله إلى فندق للهاربين، أحد هؤلاء كان الشاعر السيناوى أشرف العنانى الذى سجل فى مدونته على الإنترنت وصفا لهذا الجبل وكيف كان مساحة للتأمل ومغازلة الطبيعة، يقول عن ذلك: «هذا المكان الذى يظنه البعض موحشا فى حين أنه على الأقل بالنسبة لمن يعرفونه جيدا هو قطعة من جنان الصحارى، نعم قاسية دروبه ولكن ليس على من أحبه، نعم وعرة مسالكه، ولكن ليس على من تنفس هواءه بلا تذمر، وشرب سكونه الفادح دون خوف». ويستطرد أن ذلك كان فى سنوات مضت قبل أن يكتسب المكان سمعته الحالية، ثم تلاشت سيرته المحببة إلى سكان تلك الناحية، كما فقد البعض أملهم بعد التأكد من أوهام ما كان يتداول إعلاميا عن تعمير وسط سيناء، ويختم أشرف العنانى قائلا: «هذا هو جبل (الحلال) الذى أعرفه ويعرفه أبناؤه كمرادف الخير، الربيع، جنان الصحارى، لكن المفارقة أن تتحول هذه الجنان إلى جحيم! أن يرتبط اسم جبل الحلال بالعنف والقتل والمطاردة». تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو إلهام فى عملهم الميدانى، يروى جهاد مثلا أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا: «كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة..»، يعلق جهاد الذى ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه: «هذه الأنماط المتشددة موجودة فى كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا فى سيناء هى المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة وضعف المبادرات التطوعية».

Tuesday, July 31, 2012

فوق المنبر.. إمام و خطيب



كتب – عبد الرحمن مصطفى

ما زال الشيخ الشاب يتذكر أول خطبة ألقاها بشكل احترافي في القاهرة، كانت في نفس المسجد الصغير الذي مازال يخطب فيه حتى الآن بشارع بستان الجيش في حي العباسية، "تصادف أن كانت أول خطبة لي في جمعة الرحيل 11-2 -2011 ، لذا لم يكن غريبا أن يكون موضوعها عن الظلم، وعاقبة الظالمين"، يتذكر الشيخ علاء أمين (22 سنة) الطالب بكلية الدعوة الإسلامية في جامعة الأزهر، هذا اليوم الذي اختار فيه أن يقيم في هذا المسجد أسفل إحدى العمارات، حيث سكن مناسب، وتدريب مبكر على مهنة المستقبل، يشرح ذلك : "إذا قمت بزيارة إلى كلية الدعوة الإسلامية ستجد أن نسبة القادمين من الأقاليم خارج القاهرة تقرب من 99% دون مبالغة، وهم مجبرون على الاغتراب، كذلك فنحن لا تتوافر لدينا فرصة ممارسة الخطابة بشكل احترافي أثناء الدراسة، عدا اختبارات الكلية التي تتم داخل قاعات المحاضرات، لذا أنا هنا في تدريب عملي حتى أتخرج، والجيد في الأمر أن رواد المسجد يدبرون لي نفقات تعينني على عملي". يحتفظ الشيخ علاء بعلاقات طيبة مع الشباب الذين أصبحوا أكثر تواجدا الآن في المسجد أثناء شهر رمضان، لكن ذلك لم يمنع إحساسه بالمفارقة التي عاشها حين انتقل من مركز الإبراهيمية في محافظة الشرقية إلى بيئة عمل مختلفة تماما في القاهرة، و يروي: "أتذكر أول تجربة في حياتي لإلقاء خطبة الجمعة، كنت في الصف الأول الثانوي، وشجعني المصلون على صعود المنبر بسبب مظهري الأزهري بعدما تأخر الإمام، تلك الهيبة وذلك الحضور لدى إمام المسجد والخطيب يتلاشيان هنا تماما في القاهرة، بل يضعف دور الإمام في الإصلاح بين الناس، و يختفي تبجيل المشايخ، وبعد الثورة ازدادت الأمور اختلافا".
في الشوارع القريبة من مسجد "بستان الجيش" ما زالت بقايا طلاء على الجدران تحمل اسم أحد شباب العباسية الذين قتلوا في مايو الماضي أثناء اشتباكات بين المعتصمين أمام وزارة الدفاع وبعض أهالي العباسية، خصوصية المكان دفعت خطيب المسجد أن يشتبك مع الواقع وهو مضطر، خاصة أن جامع النور في العباسية أيضا كان قد شهد صدامات وقتها بين إمام المسجد هناك وبعض المعتصمين، ويقول الشيخ علاء أمين : "كانت هناك حالة حداد في حي العباسية، لذا لم يكن هناك أي معنى لتناول موضوعات بعيدة عن الحدث، فكان موضوع الخطبة عن القتل وعقوبته في الإسلام" . لم يكن هذا الموقف هو الأول الذي اقتحمت فيه السياسة ساحة المسجد، إذ تعرض مرة لموقف محرج أثناء الاستفتاء على تعديل دستور في مارس من العام الماضي ، يقول: " فجأة قاطعني أحدهم أثناء الخطبة رغم أن هذا السلوك منهي عنه بشدة في الدين، وبدأ في اتهامي بأنني أروج ل(نعم) في استفتاء التعديلات الدستورية، وهذا موقف لم أكن لأتعرض له من قبل".

جرعة سياسة

 ما رآه الشيخ الشاب علاء أمين في الفترة الماضية هي تجربة خاضها أئمة و مشايخ وفدوا قبله إلى القاهرة، أحدهم هو الشيخ أحمد عبد الظاهر – موجه أزهري بالمعاش- و يخطب الجمعة في مسجد تابع لإحدى الشركات الكبرى في حي الأميرية بالقاهرة، إذ وفد من محافظة سوهاج إلى القاهرة قبل أربعين سنة، كي يدرس الشريعة والقانون، ومنذ العام 78 اختار العمل في مجال التدريس الأزهري إلى جانب عمله كخطيب مقابل مكافأة شهرية من وزارة الأوقاف. على مدار تلك السنوات، تنقل بين عدد من المساجد داخل أحياء شعبية، و رصد تطورات حدثت داخل المساجد، يوضح: "عبر تلك السنوات من السبعينات حتى الآن رأيت كيف يتنامى دور الإعلام بشدة في التأثير على الناس، وكيف أصبح رواد المسجد ينقلون بعض القضايا الدينية المفتعلة مثل زواج الجارية، وقبلها إرضاع الكبير، وغير ذلك إلى المسجد، وفي جانب آخر تماما فقد ازدادت جرعة السياسة داخل المساجد بشكل لم يكن موجودا من قبل بسبب تراخي القبضة الأمنية مؤخرا". يتحول الخطيب أحيانا إلى صمام أمان يمنع اختطاف المنبر لحساب تيار أو صاحب مصلحة، على حد قوله: "بعد سنوات أصبحت ألقي خطبة الجمعة في مسجد تابع لشركة كبيرة، و يرتاده أيضا سكان المنطقة المجاورة، لذا من مهامي هنا ألا يستغل المنبر كوسيلة ضغط من أجل مطالب فئوية للعاملين في الشركة، أو أن يختطفه أحد المنتمين إلى تيار بعينه، وهو ما حدث من قبل حين فوجئت بمن يصعد إلى المنبر من نفسه دون استئذان وتسبب ذلك في مشكلة، وكان ذو ميول متطرفة". هذه المواقف التي يواجهها الشيخ أحمد عبد الظاهر الذي تجاوز 65 سنة، لم تنسيه نفس الملاحظة التي لاحظها الشيخ الشاب علاء أمين، حول اختلاف دور الخطيب من القرية إلى المدينة، إذ خطب الشيخ أحمد لأول مرة وهو في الصف الثالث الإعدادي في ستينات القرن الماضي بسوهاج، ويعلق قائلا: "كان للشيخ في القرية أدوارا مهمة، في الصلح بين الناس، وتوزيع الصدقات، أما الآن فالواقع مختلف، خاصة مع سيطرة الجمعيات على إدارة بعض المساجد، ومن سلبيات إدارة الجمعيات للمساجد، هو وقوع صراعات على إدارة الأموال داخل مجالس إدارات الجمعيات، ويتنافس البعض في السيطرة على شؤون المسجد كنوع من الوجاهة الاجتماعية، لذا اخترت لنفسي أن أمارس دورا اجتماعيا بشكل تطوعي، خاصة في مساعدة الفقراء، بعيدا عن المساجد الخاضعة لنفوذ أشخاص".
أما الجانب الفني المتعلق بالخطابة نفسها فيتفق كلا من الشيخ الشاب علاء، والشيخ أحمد الأكبر سنا، على أن ما يصنع الثقة على المنبر – حتى في سن صغير- هو الحصيلة العلمية، فكلما ازداد حضور النصوص في الذهن، كلما أسعف ذلك الخطيب، يعلق الشيخ أحمد عبد الظاهر قائلا: "في الثمانينات سافرت في إعارة إلى دولة اليمن، وهناك طالبتني إدارة المساجد أن أقرأ خطبة الجمعة من ورقة، واعترضت، وامتنعت عن الخطابة، إذ أؤمن أن من يفتقد الذهن الحاضر عليه ألا يكون خطيبا".
هاتين الحالتين رغم تباين عمريهما إلا أنهما لا يواجهان كم الضغوط التي يتعرض لها خطباء المساجد الكبرى، التي تحول بعضها إلى منصات لإطلاق المسيرات والمظاهرات، أحد أهم تلك المساجد هو مسجد مصطفى محمود في حي المهندسين، ومنذ جمعة الغضب يشهد الدكتور محمد قاسم المنسي - أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة - تسلل السياسة إلى ساحات الصلاة، وهو ما برز واضحا في خطبته الشهيرة يوم 28 -1 -2011 والمتاحة على موقع يوتيوب لتحميل لقطات الفيديو، حين حاول تهدئة الثوار في كلمته، مطالبا بنبذ العنف، ومراعيا حالة الغضب التي ذكر أنه كان آنذاك يلمسها بين الناس بشدة، وعلى مدار أكثر من عام ونصف لم يخلو الأمر من حوارات ساخنة بين الدكتور المنسي- خطيب مسجد مصطفى محمود- وبين بعض المتظاهرين، خاصة حين يجدون في خطبته دعوة إلى التهدئة، يعلق قائلا: "بالفعل حدثت حوارات جانبية بعد الصلاة مع شباب رأوا في كلماتي تهدئة، فأوضحت أنني أؤمن بأنه ليس على الخطيب أن يثير الثائر، بل أن يعمل على تهدئته من أجل مصلحة البلاد". لا يخفي الدكتور محمد قاسم المنسي رفضه لبعض الهتافات التي كانت تعقب مباشرة صلاة الجمعة مثل : "يسقط حكم العسكر"، عدا ذلك فيؤمن بأن على الخطيب أن يحقق معادلة هامة هي : ألا يسمح بتوظيف المسجد في خدمة السياسة. وحسبما يذكر فإن "هناك أزمة حقيقية في إدارة المساجد على مستوى الحكومة، و على مستوى الجمعيات التي تدير شؤون المساجد، في عدم قدرتهما على مراقبة كفاءة من يخطبون على المنابر، وهل يستغلوا المسجد في الترويج السياسي أم لا". ويتفق أغلب الفقهاء على شروط واجبة في الإمام والخطيب على رأسها: سعة العلم، وإجادة القرآن، والتفقه في الدين، وحسن الخلق، يضيف الدكتور محمد قاسم المنسي أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة صفات أخرى تلائم المرحلة التي نعيشها الآن ، وهي " الثبات النفسي وسعة العلم وكثرة الاطلاع ".

Sunday, November 29, 2009

سياحة المآذن

كتب – عبدالرحمن مصطفى
تقول القصة أن القدر خيب ظن السلطان حسن حين أراد تشييد أربع مآذن فوق جامعه الشهير أمام قلعة الجبل فسقطت إحدى هذه المآذن أثناء بنائها وتسببت في مصرع المئات، فامتنع السلطان عن استكمال البناء وبقت مئذنتان فقط من أصل أربع.. رأى العامة في تلك الحادثة نذير شؤم يهدد بزوال ملك السلطان، وتحققت نبوءتهم فمات السلطان بعدها بثلاثة وثلاثين يوما. تلك القصة التي رواها المقريزي المؤرخ الشهير ونقلها عنه علماء الحملة الفرنسية في كتابهم وصف مصر تصور مكانة المئذنة قديما في مخيلة العامة كرمز للسلطان والحكم ودليل على الهيبة. وهو ما يدركه الآن السائحون الأجانب في زيارتهم المتعمدة إلى داخل مآذن القاهرة كي يواجهوا تلك الهيبة و يطلوا منها على القاهرة مدينة الألف مئذنة.
التنقل بين مآذن القاهرة يكشف عن مفارقات أهمها أن أغلب رواد المآذن الأثرية من الصاعدين على سلالمها الداخلية هم الزوار الأجانب حسبما أكد العاملون حول تلك المآذن، قد يكون الحظ أفضل في عطلة يوم الجمعة حيث تزيد فرص رؤية بعض المصريين هناك، محمد حسن طالب كلية التجارة اصطحب أخته الصغرى وقريبة لهما إلى أعلى سطح مسجد أحمد بن طولون على مسافة ليست بعيدة من جامع السلطان حسن، دخلوا سويا من باب أسفل المئذنة التي تكاد تكون منفصلة عن المسجد، و صعدوا كبقية الزوار درجات سلم يدور حول قاعدتها المكعبة حتى يصل الجميع إلى المنطقة التي يختار فيها الزائر إما أن يتجول فوق سطح المسجد أو أن يكمل طريقه داخل جسد المئذنة. محمد والذين معه امتنعوا عن استكمال المشوار إلى أعلى المئذنة كان هدفهم واضحا منذ البداية يقول : "شاهدت فيلما تسجيليا عن قصة بناء جامع ابن طولون وقررنا زيارة المكان، ربما لو كنت وحدي لصعدت المئذنة". لم تستفز هذه العبارة أخته أو قريبته للصعود، خاصة أنها مهمة تجنبها بعض السائحين الأجانب من كبار السن وأقدم عليها بعض الشباب الذي تخلفوا عن مجموعتهم لالتقاط بعض الصور من أعلى المئذنة.
يصف الأثريون مئذنة ابن طولون بالملوية و السبب يعرفه كل من حاول الصعود داخل جسد المئذنة، حيث يقابله سلم دائري ضيق يقود الزائر إلى مستوى أعلى يمكن من خلاله الراحة والتقاط الأنفاس ثم الصعود الأخير إلى أعلى نقطة في المئذنة .
كانت المآذن قديما تسمى بالمنارات وذلك لأنها كانت تضاء ليلا بالقناديل لإرشاد المسافرين ليلا، أما اليوم فيمكن للزائر أن يتحسس أماكن هذه القناديل، وحول مئذنة ابن طولون اختار البعض تصوير القاهرة من زاوية تكشف مساحة كبيرة من حي السيدة زينب بمساكنه الفقيرة وآثاره العريقة. مئذنة ابن طولون هي أول مئذنة حقيقية في سماء القاهرة، أما جامع عمرو بن العاص أول جامع في مصر فقد أنشئت فوقه صوامع لإقامة الأذان ولم تكن مآذن حقيقية. ولم يقتصر استخدام المآذن على رفع الأذان وقت الصلاة، ففي أوقات أخرى كانت منصة لإذاعة البيانات الحكومية وإعلان الحاكم الجديد على العامة، وفي كتاب عجائب الآثار للمؤرخ عبدالرحمن الجبرتي تسجيل لعدد من عمليات إطلاق النار والنزاعات التي استخدمت فيها المآذن. وتكفي زيارة إلى مئذنة أخرى من نوع فريد في أعلى باب زويلة كي تؤكد لنا هذه الصورة الأخرى من استخدامات المآذن حيث مئذنتي جامع المؤيد شيخ. هناك يبدأ الصعود من باب في أسفل البوابة يجلس عليها أحد أفراد الأمن.. مهمته أن يقطع التذاكر للزوار مقابل جنيه واحد للمصريين وخمسة عشر جنيها لغير المصريين، يقول بفخر : "زارني هنا دبلوماسيون وسفراء أجانب في زيارات هادئة دون أن يدري بهم أحد، على رأسهم السفيرة الأمريكية الحالية، وكذلك السفير الأمريكي السابق، كانوا أهم من زار المئذنة والبوابة أثناء وجودي." . عدا ذلك فأغلب زواره المصريين من الطلبة القادمين في مهمة محددة هي البحث عن الجانب العملي في دراستهم سواء من طلاب الآثار أو العمارة. وتكاد تكون مئذنة المؤيد شيخ هي الوحيدة التي يقطع لها تذاكر زيارة و السبب هو خصوصيتها حيث أقيمت كامتداد لبرجي باب زويلة (بوابة المتولي)، بعيدا عن الشكل التقليدي لعلاقة المئذنة بالمسجد
السلطان مؤيد شيخ المحمودي جاء مصر عبدا وحبس في فترة داخل سجن مجاور لباب زويلة (بوابة المتولي) وحين تولى الحكم بنى مسجده مكان السجن الذي عذب فيه، ونظرا لوجود المئذنتين فوق سور له أغراض حربية، فعلى الزائر ألا يفاجأ أثناء رحلة الصعود بالعلامة الإرشادية التي ستقابله في أحد الأركان معلنة رسالة تحذير فريدة من نوعها عن أن هذا المكان كان يصب منه الزيت المغلي على رؤوس الأعداء، وقبل دخول الزائر إلى جسد المئذنة سيواجه بلافتة قاسية أخرى تقول "احذر السلم ضيق"، ولا يعلم فائدة هذا التحذير سوى من يكمل الرحلة داخل جسد المئذنة فوق سلم دائري ضيق جدا، ويصعد الزائر إلى المستوى الأول حيث يمكنه أخذ قسط من الراحة والتفكير في الاكتفاء والنزول دون إكمال المهمة. في تلك المرحلة الوسطى بإمكانه أن يرى علامة للذكرى الخالدة كتبها زائر يدعي أسامة لصديقته علا وكلاهما من الإسكندرية حسبما كتبا على جدران الأثر التاريخي في أعلى المئذنة كدليل على جرأتهما للصعود إلى هذا المكان.
الانتقال إلى مآذن جوامع أخرى قد لا يكلل بالنجاح بالنسبة للزوار المصريين، في جامع الحاكم بأمر الله أكد عمال المسجد ومسئولي الآثار الجالسين خارج المسجد على أن صعود منارة جامع الحاكم هو أمر ممنوع منعا باتا منذ سنوات لأعمال الترميم، لكن تلك التأكيدات القاطعة تكذبها صور السائحين التي رفعوها على موقع
picasawebلرفع الصور
ويظهر فيه أحد الزوار الأجانب في صورة له أعلى المسجد بالقرب من المئذنة، إلى جانب صورة أخرى أكثر طرافة أضافتها مستخدمة تدعى جوليا على حسابها التقطتها من داخل جسد المئذنة حسب وصفها ويظهر برفقتها أحد عمال المسجد الذين كانوا قد نفوا لي إمكانية الصعود إلى المئذنة أو سطح الجامع.
المئذنة التي اعتبرها العامة في عصور سابقة رمز السلطان والقوة تجذب اليوم السائحين الأجانب بقوة وتثير في رؤوسهم فكرة مواجهة رمز الإسلام، والاستمتاع بالنظر إلى مئات المآذن المجاورة، تلك الروح فيما يبدو جعلت تلك الزيارات وكأنها مقصورة على الأجانب، وهو ما يدركه العاملون في المساجد الأثرية، بعض السائحين سجلوا تجاربهم عن أن "البقشيش" هو الذي يوصل السائح إلى أعلى بعض المآذن، وهو ما انتقل ليصبح نصيحة وجهها أحدهم عبر قسم السفر في موقع ياهو. ويوضح أحد خدام جامع المرداني في منطقة الدرب الأحمر بأنه "مرن مع الزوار" لكنه في حقيقة الأمر كان أكثر مرونة مع الأجانب، فحسب تعبيره "أنا أعلم من أتى بهم إلى هنا"، بينما طلب مني تصريحا بالصعود إلى مئذنة المسجد أو كارنيها يثبت أني طالب أدرس الآثار.
يرى فرج فضه رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بالمجلس الأعلى للآثار أن تفسير ما يحدث داخل المآذن هو أن بعض المآذن ليست من الكفاءة أن تتحمل زيارات السائحين لذا يتم حظر الصعود داخلها، عدا مآذن مثل جامع المؤيد شيخ فوق باب زويلة وجامع ابن طولون فيسمح بزيارتهما. في حين رفض التعليق على صور السائحين المتواجدين داخل منارة جامع الحاكم رغم رفض عمال المسجد السماح بالصعود إليها.

Thursday, September 17, 2009

صلاة بروح الاعتكاف

في جامع عمرو بن العاص
الخميس 17 سبتمبر 2009 2:36 م

عبد الرحمن مصطفى

براءة الأطفال ولهوهم داخل صحن جامع عمرو بن العاص لم يخفيا الأجواء الرجالية التى برزت داخل المسجد منذ بداية العشر الأواخر من شهر رمضان حيث تحولت جدران المسجد إلى «شماعات» تحمل جلابيب وملابس من أتوا للاعتكاف، وحيث تعلو صيحات الآباء على أبنائهم، لكن يظل البطل الرئيسى هو صلاة التراويح التى جذبت الجميع بلا تمييز. تظهر بوادر التراويح فى فترة مبكرة قبل صلاة المغرب بقليل حين تتزايد أعداد من قرروا المجئ والبقاء فى المسجد حتى بدء الصلاة، وهو الوقت الذى تبدأ فيه «وجبات الخير» فى الظهور علنا والانتشار بين صفوف الجالسين.
فى تلك الأثناء يسند أحمد رأفت المهندس الشاب ظهره إلى أحد أعمدة المسجد، حيث وضع حقائبه وبطانية وإفطار بسيط هو زاد يوم واحد فقط، يعمل أحمد فى شركة لتطوير البرمجيات منحته فرصة الحصول على إجازة حتى نهاية العيد، يقول: «حاولت العام الماضى أن أخوض تجربة الاعتكاف والمبيت فى المسجد هنا ولم أنجح بسبب ظروف العمل، فكنت آتى إلى المسجد بعد انتهاء العمل مباشرة واعتكف حتى وقت صلاة التراويح فقط». يرى أحمد الذى جرب الاعتكاف الكامل منذ سنوات فى مسجد مجاور لمنزله فى حى المعادى أن جامع عمرو بن العاص له طابع خاص يساعد على الاعتكاف بسبب اتساعه. ولم يكن هو وحده من شد رحاله إلى جامع عمرو بن العاص، فهناك من أتى من محافظات مجاورة مثل الجيزة والقليوبية لنفس الهدف، وكأنه «موسم» لابد من اللحاق به خاصة مع سمعة جامع عمرو، التى نالها منذ سنوات مع انتظام حضور الآلاف إلى صلاة التراويح للاستماع إلى تلاوة الشيخ محمد جبريل. وكان التقاء أصحاب اللهجة الريفية والحضور المكثف من سكان حى مصر القديمة المجاور للمسجد إلى جانب من أتوا من أحياء قاهرية سببا فى إيجاد حالة خاصة كانت صلاة التراويح هى السبب فى إيجادها.
بعد صلاة المغرب تمتزج رائحة الأكلات المشوية وأطباق الأرز مع رائحة الطعام البسيط من الطعمية والخضار، الغالبية فى وضع استعداد جيد لتناول إفطار مناسب يؤازرهم أثناء صلاة التراويح، التى تدوم أحيانا لأكثر من ساعتين، أما الفترة بين صلاة المغرب والعشاء فمن السهل على الزائر أن يلاحظ تمدد أجساد المتأملين والباحثين عن الراحة إلى جوار من بدأوا تناول المشروبات بعد الإفطار، بينما انتهز البعض الفرصة لتغيير ملابسه وسط جيرانه الرجال دون حرج، فالحواجز بين مصلى الرجال والنساء منيعة بحيث لا تنفذ نظرات طرف إلى آخر.
تبدأ صلاة التراويح بعد صلاة العشاء بقليل ويسأل البعض أصدقاءهم عن الذين سيكملون الإحدى عشرة ركعة حتى النهاية، ومع بدء التلاوة يجلس بعض المصلين على الأرض أثناء الصلاة من التعب على أمل المواصلة حتى النهاية.
روح الاعتكاف التى غطت على ساحات جامع عمرو بن العاص كانت السمة المميزة لصلاة التراويح هناك، إلا أن تلك الروح قد غابت عن مساجد أخرى، ففى مسجد مصطفى محمود المطل على شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين الذى طالما استضافت ساحته الفسيحة صلوات العيد واستقبال جنائز المشاهير لا تتوافر فرصة الاعتكاف والمبيت بالمسجد وإن كان هذا لم يمنع تزايد أعداد المصلين، يقول الأستاذ الدكتور محمد قاسم المنسى أستاذ الشريعة والفقه بجامعة القاهرة ومدير لجنة الدعوة بمسجد مصطفى محمود: «المسجد لا يسمح بمبيت المعتكفين نظرا لضيق مساحته الداخلية وخشية أن يعيق ذلك أداء الصلاة، وأرى أنه لا ضرورة فى التكلف والتوسع فى الاعتكاف ومراعاة ظروف العصر وتعقيداته خاصة مع انتشار الأوبئة والأمراض واختلاف الظروف الاجتماعية عن الماضى». وحسب الدكتور محمد المنسى فقرار إدارة المسجد لم يكن نتيجة ضغوط أو أسباب أمنية، وأوضح أنه على المساجد أن تنصاع لقرار «ولى الأمر» فى حالة إذا ما حدد مساجد بعينها لممارسة الاعتكاف والمبيت بها. ومثلما أثر غياب الاعتكاف على أجواء المسجد الداخلية كذلك أثر اختلاف نوعية زوار المسجد من سكان حى المهندسين على المشهد العام للمصلين، حيث وقف بينهم من ارتدى الكمامات الواقية خوفا من انتشار عدوى الإنفلونزا أثناء صلاة التراويح على عكس المشهد فى جامع عمرو، الذى لم يجد فيه رجال الإسعاف الموجودون جوار بوابات المسجد من يتواصل معهم للحصول على كمامات الوقاية أو الكشف الطبى.
اختلاف المساجد وثقافة المصلين امتد تأثيرهما إلى تفاصيل صلاة التراويح نفسها، فبينما اختار مسجد محمود أداء 23 ركعة، كان جامع عمرو أكثر حرصا على أدائها فى 11ركعة فقط كأغلب المساجد. إلا أن زيارة إلى مسجد آخر ذى ملمح سلفى مثل مسجد العزيز بالله فى حى الزيتون بالقاهرة تكشف عن تفاصيل جديدة، فبعيدا عن التزام أغلب رواد المسجد بالملمح السلفى من الجلباب القصير واللحية الطويلة، افتقدت صلاة التراويح الدرس الذى يفصل بين كل أربع ركعات من الصلاة، وكذلك الدعاء فى آخر ركعة من صلاة الوتر، وهو ما تعذر معرفة رأى إدارة المسجد حوله لامتناعها عن التواصل الإعلامى. لكن هذه الممارسة تتفق مع آراء دينية ترفض الالتزام «الدائم» بأداء الموعظة بين الصلوات وأداء الدعاء فى الركعة الأخيرة. وكغيره من المساجد الشهيرة اضطر المصلون نتيجة الزحام إلى إكمال صفوفهم خارج المسجد على الرصيف
.