Showing posts with label انترنت. Show all posts
Showing posts with label انترنت. Show all posts

Friday, October 31, 2014

تزوير الكتب.. القاتل الصامت لسوق النشر

نسخ مقلدة لأعمال ناجحة تباع بربع الثمن والمزورون يلجأون إلى حيل جديدة
• رئيس لجنة مكافحة التزوير فى اتحاد الناشرين المصريين: انتشار الظاهرة يدمر صناعة الكتب
• تجار سور الأزبكية: نبيع النسخ المزورة بعد أن غاب زبون الكتب القديمة
• نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين: السطو على العناوين الأكثر نجاحا لم ينقطع والحل فى تعديل القانون
• مؤشرات الوزارة تكشف: قرصنة الكتب العلمية أربح والأدبية أكثر رواجا

أمام كشك رقم (124) فى سور الأزبكية لبيع الكتب القديمة، يتلقى فتحى طلبات الزبائن من الكتب الدراسية المستعملة، وفوق طاولة مجاورة للكشك، يتراص عدد من الكتب الأكثر مبيعا فى السوق، منها رواية تباع بسعر 15 جنيها، فى حين أن سعرها لدى دار النشر الأصلية هو 48 جنيها.
«هذه الرواية وغيرها مجرد واجهة لتشجيع الزبائن على الشراء، فلا يوجد إقبال على سوق الكتب القديمة، ونحن نحاول تغطية ضعف تجارتنا بنسخ مقلدة لأعمال شهيرة، وبأسعار أقل». يتحدث فتحى عن استغلال تجار سور الأزبكية للعناوين الأكثر مبيعا، وعرضها كفاتحة شهية للزبائن. ويؤكد هو وعدد من العاملين هناك، أن الكميات المزورة التى تتوزع عليهم عددها محدود، مقارنة بما لدى التجار الكبار، الذين يعملون فى بيع الكتب المزورة. أما فى خارج سور الأزبكية، فقد يتضاعف سعر الرواية نفسها الموجودة فى سور الأزبكية إلى 30 جنيها، حيث تباع لدى بعض موزعى الصحف على أنها النسخة الأصلية، مدعين الحصول عليها بسعر مخفض من الناشر الأصلى.
أما القاعدة الرئيسية التى تتكرر على ألسنة من يعملون فى بيع الكتب المزورة، فهى «كـُل نفسك بنفسك»، وهو ما يشرحه فتحى تاجر الكتب القديمة، وزميله خالد فى الكشك المجاور، موضحان أن الهدف هو تحقيق ربح ضئيل من حركة بيع مكثفة وسريعة، وهو ما يوازن من وجهة نظرهما غياب زبون سور الأزبكية التقليدى الذى يهوى القراءة، معتمدين فى ذلك على استغلال عناوين ناجحة فى السوق.
ويصعب تمييز الاختلافات بين الطبعة المزورة والطبعة الأصلية، إلا لمن يدقق فى تفاصيل كل من الطبعتين، أو حين يجد المشترى خللا واضحا فى صورة الغلاف، بينما تظهر مشاكل أخرى أعرب عنها بعض المؤلفين فى فترة سابقة، عن وجود نسخ مزورة لأعمالهم، تحمل أخطاء فى ترتيب فصول الكتاب.
«لا يمكن قبول مبررات عملية السطو على حقوق الآخرين، فما يحدث الآن هو تدمير لسوق النشر». الحديث هنا لأحمد بدير، رئيس لجنة حماية حقوق الملكية الفكرية ومكافحة التزوير فى اتحاد الناشرين المصريين، الذى يوضح أن الضرر الأكبر للناشرين، يكمن فى أن الكتب المزورة تستهدف الكتب الأكثر مبيعا، وهى الكتب التى تروج لبقية أعمال الناشر، وتصنع سمعته.
وفى الوقت الذى يصعب فيه تقدير حجم سوق الكتب المزورة، يتحمل الناشر تكاليف أخرى لا يتحملها المزور، على رأسها حقوق المؤلف، إذ يتراوح متوسط نسبة أجور المؤلفين بين (15% ـ 25%) حسب تقرير حركة النشر الصادر عن اتحاد الناشرين العرب فى العام الماضى، كما يحصل موزعو الكتب على حصة من المبيعات، تتراوح بين (30% ـ 40%)، وينفق الناشرون تكاليف أخرى على تسويق الكتب، وأجور العاملين، والضرائب، وتصميم الأغلفة، بينما لا ينفق المزور سوى تكلفة الورق والطباعة. ومع قلة التكاليف التى يتحملها المزور، لم يعد فى حاجة إلى استخدام نوع ورق ردىء، إذ يبلغ سعر طن ورق الطباعة المستخدم لدى دور النشر حوالى 7000 جنيه، لذا فبإمكان المزور استخدام نوع ورق أرخص بقليل يكفل له إنتاج آلاف النسخ المزورة، والقريبة من خامات الكتاب الأصلى.
«تمر عملية طباعة الكتاب بعدة إجراءات تقليدية، بينما تكمن الأزمة فى أن أغلب من ينسخون كتبا شهيرة بطريقة غير قانونية، هم أصحاب مطابع غير مرخصة، ولديهم مصادر تبلغهم قبل أى حملة على منتجاتهم». الحديث لوليد رياض، عضو مجلس إدارة شعبة تجار الورق وأصحاب المطابع بالغرفة التجارية. ويستكمل موضحا أن توافر معدات الطباعة لدى المزور، يمكنه من انتاج آلاف الكتب دون أعباء مالية كبيرة مقارنة بالناشر الذى يعمل بشكل قانونى. غير أن هذا الرأى لا ينفى تورط مطابع - تعمل بشكل قانونى - ودور نشر مغمورة فى طباعة وترويج نسخ مقلدة لكتب شهيرة، وهو ما سجلته محاضر وبلاغات سابقة لدى شرطة المصنفات وحماية الملكية الفكرية.

تغليظ العقوبة
وتخضع عملية انتهاك حقوق المؤلفين للمادة 181 من قانون حماية حقوق الملكية الفكرية، التى تنص على أن عقوبة «التعدى على حقوق المؤلف والحقوق المجاورة لها» هى الحبس مدة لا تقل عن شهر وبغرامة لا تقل عن 5000 جنيه، ولا تجاوز 10.000 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وهو ما اعتبره قانونيون على صلة بقضايا الملكية الفكرية أمرا غير كاف، وتحمل دراسة صادرة عن المركز المصرى لدراسات السياسات العامة توصية بضرورة تشديد العقوبات المنصوص عليها فى حالة مخالفة القانون، إذ تعتبر الدراسة التى تحمل عنوان: «قراءة لقانون الملكية الفكرية»، أن القانون 82 لسنة 2002 الخاص بحماية الملكية الفكرية، لا يمثل رادعا للمخالفين، ويجعل من التعدى على الملكية الفكرية فى المجتمع المصرى أمرا سائدا.
ويلجأ بعض بائعى الكتب المزورة من الموزعين، إلى حيلة للتحايل على القانون، حين يشترون كمية من الكتب الأكثر مبيعا بطريقة قانونية، فيحصلون بها على فواتير سليمة تثبت ملكيتهم لها، ويطرحونها كغطاء لبيع نسخ أخرى مزورة، وعند لحظة وقوع ضبطية قانونية، يقدمون بعض النسخ الأصلية كدليل على نزاهتهم، مع إخفاء النسخ المزورة، وهى الحيلة التى وصفها بعض بائعى الكتب المزورة. ويصعب على كثير من المشترين تمييز النسخ الأصلية من المقلدة، بينما يميزها العاملون فى مجال النشر، وهو ما استدعى قيام بعض الناشرين بتغيير أغلفة الطبعات المتتالية من الإصدارات الأكثر مبيعا، لتضليل المزورين، وهو ما أوقع بعض المزورين فى أخطاء، كأن يستخدم غلاف الطبعة الأولى مع محتوى الطبعة الثانية.
وقبل أسابيع أعلن الكاتب الشاب عمر طاهر عن مبادرة طرح فيها طبعة شعبية مُخفضة من كتابه «طريق التوابل»، وهو ما اعتبره بعض المهتمين بالشأن الثقافى فرصة لتقليل أسعار الكتب لدى دور النشر، بينما يؤكد عادل المصرى، مدير دار أطلس صاحبة حق النشر، أن هذه الفكرة لم تكن دعوة للناشرين أن يصدروا طبعات مخفضة من إصداراتهم، لأن ذلك يعد مهمة مستحيلة، ويوضح ذلك قائلا: «هذه التجربة هى إجراء انتقامى من المزورين، فهى طبعة تم طرحها تقريبا بسعر التكلفة دون مكسب حقيقى، إلى جانب ما تحمله المؤلف من تقليل أجره بشكل غير مسبوق.. هى أقرب لرسالة إلى كل مزور ينتهك أعمال الدار والكاتب، أن لدينا استعدادا لإفساد مهمته فى التزوير». ويوضح عادل المصرى الذى يشغل منصب نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين، أن مروجى الكتب المزورة أشبه بدار نشر، لا تبيع سوى الأعمال الأكثر مبيعا، دون أى تكلفة سوى الطباعة وسعر الورق، وهو ما يجعل المزورين أشبه بمنافسين شرسين فى سوق بيع الكتب، مستفيدين من خرقهم للقانون.
ويقدر أحمد بدير، مدير عام دار الشروق للنشر، حجم النسخ المزورة من العناوين الأكثر مبيعا لدى الدار، بأنها توازى حجم النسخ الأصلية المطروحة فى السوق، بينما يرى فى إصدار نسخ مخفضة من الكتب الأكثر مبيعا، أنه سيستقطع من حق المؤلف، موضحا: «إذا ما اتجه الناشرون إلى إصدار طبعات مخفضة، فإن ذلك سيقلل التنافسية بينهم، وسيقلل من حماس الكتـّاب عندما لا يحصلون على ما يوازى مقدارهم الأدبى، وحجم جهدهم وتفرغهم للكتابة».
وقبل ثلاث سنوات تقدم اتحاد الناشرين المصريين بتوصيات لإدخال تعديلات على قانون حماية الملكية الفكرية، كى يتم تغليظ العقوبة على المزورين، وتمت دراسة تلك التعديلات فى البرلمان المنحل فى العام 2012، ثم تقدم الاتحاد بالتوصيات نفسها مرة أخرى لوزير العدالة الانتقالية مؤخرا، على أمل إصدار التعديلات فى الفترة القادمة بالسلطة المخولة للسيد رئيس الجمهورية، أو انتظار انتخابات البرلمان القادم، كى يتم طرح التعديلات مرة أخرى.

نائب مدير مباحث «المصنفات» لـ«الشروق»: نحن الآن فى موسم قرصنة الكتب
• مؤشرات "الداخلية" تكشف: قرصنة الكتب العلمية أربح والأدبية أكثر رواجا

يستخدم اللواء خالد شفيق، نائب المدير العام لإدارة المصنفات وحماية الملكية الفكرية فى وزارة الداخلية، تعبير «قرصنة الكتب» بدلا من «تزوير الكتب» عند حديثه عن إعادة طبع الكتب دون تفويض من الكاتب أو دار النشر، وفى مكتبه المطل على شارع جامعة الدول العربية فى حى المهندسين، يجلس متابعا لسير العمل الذى ينقسم بين نوعين من الجرائم، هما: جرائم المطبوعات، وجرائم المصنفات.
«يختلف ضابط المصنفات فى أنه يتعامل مع مجرم ذكى، لا يلجأ للعنف، كما أن بعض المجرمين يعتبرون ما يقومون به عملا خدميا، وعند المساءلة القانونية، لا يعتبرون أنفسهم قد ارتكبوا جرائم مخلة بالشرف، ما يجعلهم يتمادون، لأنهم لا يواجهون إدانة من المجتمع». يوضح اللواء خالد شفيق أن أزمة قرصنة الكتب وطرحها فى الأسواق، ليست مقتصرة على الروايات والأعمال الفكرية، بل يوضح أن الفصل الأول من العام الدراسى، هو موسم لشريحة أخرى من «القراصنة»، ينتشرون حول الجامعات، لتوزيع قواميس ومراجع علمية مقلدة، بأقل من سعرها الأصلى، إذ أن «قرصنة الكتب العلمية أقل فى التداول مقارنة بالكتب الأدبية، لكنها أكثر ربحا»، على حد قوله.
يلتقط من فوق مكتبه نسخة من معجم للمصطلحات العلمية باللغة الانجليزية، لا يبدو من مظهرها الخارجى إن كانت نسخة أصلية أم مقلدة، بسبب جودة الطباعة والتجليد، لكنه يوضح أنها نسخة مقلدة تباع بسعر أقل حول الجامعة. ثم يستكمل «أزمتنا فى غياب وعى الناس بقضية حماية الملكية الفكرية، بل إننا نجد بعض الأكاديميين ينتهكونها بأنفسهم، ولا يرفعون من وعى طلابهم بهذه القضية، فالمجتمع يواجه حالة من التسامح مع انتهاك حقوق المؤلفين».
ويؤكد اللواء خالد شفيق وجهة نظره، بتفاصيل عن لجوء بعض المدارس الخاصة إلى مطابع تنسخ الكتب الدراسية والقواميس دون إذن الناشر، بحثا عن السعر الأرخص.
وتعد مصر حسب تقرير «التحالف الدولى للملكية الفكرية IIPA» للعام 2013 تحت تصنيف «لائحة المراقبة»، وذلك بعد أن كانت قبل سنوات فى «لائحة أولوية المراقبة»، وهو ما يعبر عن تطور فى تعامل الدولة مع قضية الملكية الفكرية، ويأخذ الممثل التجارى الأمريكى بهذا التصنيف، فى تعاملاته الخارجية مع الدول المختلفة.
وحسب حديث اللواء خالد شفيق، فإن قرصنة الكتب تمثل جزءا من عالم القرصنة فى مصر، الذى يطال البرمجيات، ورفع نسخ ضوئية من الكتب على الإنترنت والأفلام، وحتى أمور البث الفضائى، وهو ما يمثل فى مجموعه صورة لحالة الملكية الفكرية فى مصر، كما يؤكد على أن ضعف العقوبة فى غرامة مالية على قرصنة الكتب، لا يساهم فى ردع المزورين.
وتعد العقوبة الأشد فى ممارسة الطباعة دون ترخيص، هى حالة طباعة المصحف الشريف والأحاديث النبوية دون ترخيص من مجمع البحوث الإسلامية، وهو ما ينظمه القانون رقم 102 لسنة 1985بشأن تنظيم طبع المصحف الشريف والأحاديث النبوية، الذى يصل بالعقوبة إلى السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات والغرامة فى حالة العودة، والعقوبة بالأشغال الشاقة المؤقتة، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه فى حالة تعمد تحريف نص القرآن الكريم.
وينفى نائب المدير العام لإدارة المصنفات وحماية الملكية الفكرية أن تكون سوق قرصنة الكتب موازية فى حجمها سوق النشر التقليدى، أو أن تكون مصر نقطة توريد كتب مزورة إلى الدول المحيطة قائلا: «هناك محاولات دءوبة لمطاردة المطابع والقيام بحملات ضد موزعى الكتب المقرصنة».
وبين محاولات ضبط أصحاب المطابع المخالفة، واستمرار ظاهرة قرصنة الكتب، تعد هذه الفترة موسما لقرصنة الكتب وإعادة طبعها مع بدء الموسم الدراسى الجامعى، خاصة فى مجال الكتب العلمية، إلى جانب استعداد العاملين فى مجال قرصنة الكتب الأدبية، لاستنساخ كم من المطبوعات، استعدادا لموسم ازدهار الكتاب الأدبى والفكرى فى نهاية العام، قبيل معرض القاهرة الدولى للكتاب بعد أشهر قليلة.
نسخة واحدة من كتاب ورقى تساوى آلاف النسخ على الإنترنت

فى موقع شهير لتحميل الكتب على الانترنت، تم تحميل رواية «عزازيل» 70674 مرة، وهو ما يتكرر فى مواقع شبيهة لتحميل الكتب، ما يجعل كم النسخ المستنسخة إلكترونيا عن الكتاب الورقى، أكثر انتشارا على أجهزة الكمبيوتر من الكتب الورقية التى يحفظها القراء فى مكتباتهم الشخصية.
وتجرى عملية الاستنساخ عبر تصوير نسخة الكتاب بجهاز ماسح ضوئى Scanner، ثم تحويلها إلى ملف إلكترونى على الإنترنت، وهو ما احترفه عدد من رواد الإنترنت فى السنوات العشر الماضية.
أحد ابرز الأسماء فى هذا المجال هو «على مولا» مؤسس منتدى مكتبة الاسكندرية، الذى استنسخ فيه حوالى 1400 كتاب من مقتنياته الشخصية، إلى جانب مهمته الأكبر فى تجميع روابط النسخ المنتشرة على الإنترنت، للتسهيل على من يرغب فى تحميلها إلى جهاز الكمبيوتر الشخصى.
ويرى على مولا ذو الأصل السورى والمقيم فى مدينة بودابست المجرية، أن موقعه الالكترونى يقدم خدمة للقراء، ويشبهه بمعبدالفكر وقبلة الباحثين، على حد قوله، فى الوقت الذى يتهمه بعض هواة نشر الكتب على الانترنت بأنه مهووس بالشهرة، وأنه سعى لإفشال محاولاتهم لتأسيس مواقع شبيهة.
وفى حالات الكتب المستنسخة عن أصل ورقى ومطروحة على الانترنت، فهناك من ينسخ صورة ضوئية منها بشكل عفوى، دون أن يدرك إنها تنتشر بكثافة، مثلما يتضح من أحاديث بعضهم فى المنتديات الإلكترونية المهتمة بهذا المجال، على عكس شخصيات مثل على مولا المشار إليه سابقا، الذى يستهدف كتبا ذات طابع فكرى وفلسفى ثقيل.
وتتجاوز أزمة حقوق الملكية الفكرية فى فضاء الإنترنت، مشكلة استنساخ كتب ورقية ثم طرحها على الانترنت، إلى مشاكل أخرى تخص الحفاظ على الحقوق الأدبية لمن يكتبون على الانترنت، فى مدوناتهم أو فى صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعى، وتحاول رخصة المشاع الإبداعى، التى بدأت تستخدمها المواقع الالكترونية، حل هذه المشكلة عبر توضيح الغرض من طرح ملف على الانترنت، وتوضيح المؤلف إذا ما كان سيسمح باستغلال مؤلفه أم لا، فإما أن يوضح أن «بعض الحقوق محفوظة» لمنتجه، أو أن تكون «جميع الحقوق محفوظة».. لكن خرق ذلك لا يخضع للقانون أو العقوبة، سوى من المواقع نفسها التى تنشر المنتج المخالف، وهو ما ينطبق على المؤلفات الموسيقية أو المكتوبة.
أما فى الكتب الورقية، فهى تخضع بشكل كامل لقانون حماية الملكية الفكرية، وهو ما أثار أزمة أخلاقية لدى بعض مستخدمى الانترنت حين يقومون باستنساخها الكترونيا وبتحميلها، حين يواجهون التنويه المدون على هذه الكتب بأن حقوق الطبع محفوظة للناشر، خاصة أن بعضهم يقوم بتحميل كتب دينية، ويخشى أن يكون فى ذلك معصية.

Sunday, December 22, 2013

غزة .. سوريا.. أفغانستان.. صور تغزو عقول الإسلاميين وقلوبهم

شباب الإخوان الذين رفعوا لافتة «غزة فى القلب» فى العام الماضى أثناء التصعيد العسكرى الاسرائيلى ضد غزة، اختاروا الآن أن يرفعوا لافتة ذات عنوان شبيه «رابعة فى القلب»، لتنتقل رابعة محل غزة ويتحول شعار «غزة رمز الصمود» إلى «رابعة رمز الصمود»، وعلى هذا المنوال، تتمسك شريحة من شباب التيار الاسلامى بتشبيه تجربتهم بتجربة غزة فى مواجهة القوات الاسرائيلية.
ولا يتوقف الأمر عند حد الاستعارة من غزة فقط، بل يتجه بعضهم أيضا إلى اقتباس مشاهد من تجارب اسلامية أخرى، حتى يتحول الهدف فى النهاية إلى صنع نسخ من صور يقدسها شباب التيار الاسلامى سواء فى غزة أو سوريا أو العراق أو الشيشان أو أفغانستان وغيرها من النماذج الاسلامية.
«هناك عاطفة جارفة بين شباب الإخوان المسلمين تجاه غزة، بسبب طبيعة القضية الفلسطينية نفسها، وبسبب ما كان يحدث من حشد نفسى وعاطفى على مدار سنوات طويلة.. لقد رأيت بعينى كيف كان يتعامل شباب وفتيات الإخوان مع أفراد حماس، وتحديدا مع كتائب القسام.. هناك حالة ولع حقيقية». يتحدث الباحث الشاب عبدالرحمن عياش ــ العضو السابق فى جماعة الإخوان المسلمين ــ عن افتتان شباب الإخوان بتجربة المقاومة المسلحة فى غزة، وهو ما ظهرت أعراضه مؤخرا بشكل واضح، فى استدعاء صور من فلسطين المحتلة ومن غزة ومحاولة ربطها بتجربة اعتصام رابعة العدوية.
ويبرز عالم الانترنت كأحد الخنادق التى عاش فيها بعض شباب التيار الإسلامى متمسكين بنموذج حماس وتشبيه أنفسهم بأهل غزة وفلسطين مؤخرا. على سبيل المثال لم يكن مفاجئا أن تتداول الصفحات الإسلامية على الانترنت صورة، اشتهرت عقب فض اعتصام رابعة، تحمل فى نصفها الأيسر مشهدا لسيدة فلسطينية تقف أمام جرافة يقودها جندى إسرائيلى، وفى النصف الأيمن مشهد شبيه لسيدة مصرية تقف أمام جرافة يقودها جندى مصرى أثناء فض اعتصام رابعة. هكذا كان انغماس كثير من شباب الاخوان المسلمين فى قضية غزة وفلسطين حاضرا بشكل لا إرادى للتعبير عن مشكلتهم مع السلطة الحالية، وعلى مدار الأشهر الماضية استمر هؤلاء الشباب فى طريقهم دون تغيير، إذ تكرر الأمر فى مواقف أخرى، كان آخرها مع الطفل محمد بدوى الذى لقى مصرعه أثناء مسيرة لأنصار جماعة الاخوان المسلمين فى حى العمرانية، فالتقطت الصفحات المناصرة للرئيس السابق صورة الطفل القتيل وهو فى حضن أحد جيرانه، وأدمجوها مع صورة الطفل الفلسطينى محمد الدرة وهو فى حضن والده بعد مقتله على أيدى القوات الاسرائيلية، وهنا تتحول فلسطين إلى رابعة مرة أخرى، والاخوان المسلمون إلى ضحايا فلسطينيين.
وإذا بقينا قليلا فى عالم الانترنت، فقد كان معتادا أن يرفع الشاب الإخوانى صورة قيادى حمساوى على صفحته فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، وفى الجانب المقابل يؤكد الشاب السلفى على انتمائه القريب من الفكر الجهادى بأن يرفع صورة مجاهد إسلامى على حسابه فى الفيسبوك، مثل «خطاب»، الشاب السعودى الذى خاض معارك مسلحة فى أفغانستان والشيشان مع المقاتلين الاسلاميين. لكن الواقع تغير قليلا بعد 30 يونيو، إذ أصبح الشباب الإخوانى أكثر تعايشا مع أصحاب الفكر الجهادى، فأصبح الإخوانى لا يجد غضاضة فى رفع صورة المجاهد خطاب أو التسامح مع شعار القاعدة، فعالم الاعتصامات قد جمع الإخوانى والسلفى والجهادى سويا دفاعا عن «الشرعية» على حد تعبيرهم.
«ما حدث بين شباب الإخوان المسلمين، أنهم كانوا طوال الوقت يميزون أنفسهم عن السلفيين والجهاديين الأكثر تشددا، بحجة أن الاخوان أكثر تفتحا ويدركون معنى الديمقراطية، لذا كنا نجد المساجد والدروس الدينية ومواقع الانترنت التى يسيطر عليها الاخوان، أكثر تبجيلا لقادة حماس، فى حين يتغاضون عن سيرة أسامة بن لادن، وغيره من الجهاديين، والعكس تماما كان فى المعسكر السلفى الأقرب إلى سيرة الجهاديين عن قادة حماس، لكن الأمور اختلفت مؤخرا، وأصبح الشاب الإخوانى لا يمانع فى وضع صورة خطاب المجاهد الشهير على حسابه فى الفيسبوك». هذا الرأى ينقله عمار مطاوع أحد شباب جماعة الاخوان المسلمين، الذى خاض تجربة العمل فى منابر إعلامية إخوانية. وهو يضيف: «لقد اقتربت المسافات وبدأ الجميع يبحث عن رمز اسلامى، بعد سقوط مرسى الذى كان يعول عليه الاسلاميون، كما أن الشاب الإخوانى الآن متهم بالإرهاب، مثله فى ذلك مثل الجهاديين والتكفيريين الرافضين للديمقراطية والمدنية».
تلك الحالة من التقارب بين شباب الاخوان والمفتونين بالفكر الجهادى بحكم التجاور فى الاعتصامات، انعكست على مواقف على الأرض، منها ما جرى فى اعتصام رابعة العدوية بعد تغيير اللافتة الرئيسية فى منصة رابعة من «نحمى الثورة.. نحمى الشرعى»، إلى «مع الديمقراطية.. ضد الانقلاب». وهنا ظهرت انتقادات من تيارات سلفية وأخرى قريبة من الفكر الجهادى، ترفض فكرة الدفاع عن «الديمقراطية»، مؤكدين أن وجودهم فى الاعتصام كان دفاعا عن الشريعة بالأساس. «فى تلك اللحظة على سبيل المثال، حدث جدل بين شباب الاخوان وأصحاب الفكر الجهادى من الرافضين للديمقراطية، واطلعنا على حجتهم الشرعية، ووجهة نظرهم»، حسبما يستكمل عمار مطاوع. ومع الوقت تتكرر مواقف أخرى، كأن تظهر أعلام القاعدة وسط مسيرات أنصار الرئيس السابق مرسى، مثلما حدث فى أحداث مسجد الفتح فى أغسطس الماضى.
وكانت أغلب التيارات الاسلامية قد أيدت الثورة السورية، فالأدبيات السلفية التقليدية تتعامل مع المشهد هناك من زاوية الصراع الطائفى بين السنة والشيعة، فى حين يتعامل الجهادى مع الأزمة السورية على أنها أرض الشام وأرض المحشر، بينما تعامل معها شباب الاخوان وأعضاء حركة «حازمون» من منطلق أنها ثورة إسلامية، هذا الاجماع على تأييد الثورة السورية برز بشكل أكبر فى التفاف كافة تلك الاتجاهات حول الرئيس السابق محمد مرسى فى «مؤتمر الأمة المصرية لدعم الثورة السورية» الشهير فى يونيو الماضى بالصالة المغطاة، لذا لم يكن مستغربا أن تستعير هذه التيارات لفظ «الشبيحة» من التجربة السورية، وهو لفظ يطلق فى سوريا على مؤيدى النظام السورى الحالى، وأطلقوه فى فترة سابقة على مؤيدى 30 يونيو، واصفين إياهم بـ«شبيحة السيسى» ليكتب بعضهم هذا التعبير على الجدران، وتستخدمه كيانات سياسية مؤيدة للرئيس السابق مثل (التحالف الوطنى لدعم الشرعية) فى بيانات رسمية. هل يستمر شباب التيار الاسلامى فى مسار العزلة داخل عالم يستعير من تجارب إسلامية بدءا من القاعدة انتهاء بتجربة حماس فى غزة؟ يجيب عبدالرحمن عياش ــ العضو السابق فى تنظيم الإخوان المسلمين ــ بحكم قربه من شباب الجماعة: «أستبعد وقوع عنف جماعى، لكنى أتوقع ازدياد النزعة الانتقامية فى الفترة القادمة». بينما يعلق عمار مطاوع أحد شباب الجماعة قائلا: «أعيد مع بعض الزملاء قراءة الأدبيات الاخوانية من جديد، كى نخرج من حالة اليأس والكفر بالديمقراطية وبالمجتمع التى أصابت كثير من شباب التيار الاسلامى».

Thursday, October 17, 2013

ذاكرة الثورة تقاوم التآكل

التاريخ "غير الرسمي" يستكمل مشواره في تدوين الأحداث:
صورة وفيديو و موقع على الانترنت ..
.
كتب – عبد الرحمن مصطفى
"بعد فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر اضطررنا إلى التأكد بأنفسنا من أرقام القتلى ، زرنا المشرحة و أحصينا الجثث ، بعد أن توقفت وزارة الصحة عن إعلان بياناتها، لكن في الحقيقة مهمتنا القادمة هي توثيق الثورة المصرية"، الحديث هنا لتامر موافي، الباحث في  المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عن تجربة موقع "ويكي ثورة". كانت الأسابيع الماضية قد تكرر فيها اسم الموقع، بعد أن تحول إلى مصدر هام لحصر أعداد القتلى والضحايا مؤخرا، و لم يدرك بعض الزوار أن هذا الموقع ما زال في مرحلته الأولية وأن توثيقه للأحداث الأخيرة بعد عزل الرئيس السابق مرسي ، هو مجرد جزء من مشروع  أكبر لتوثيق أحداث الثورة وبيانات المصابين والقتلى بدءً من 25 يناير 2011.
دار الحديث مع تامر موافي في شارع متفرع من شارع طلعت حرب الشهير بوسط المدينة، حيث يقع  المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي يرعى هذا المشروع، و بدأ قائلا: "الهدف الأبعد للمشروع هو توثيق أحداث الثورة من كل المصادر الممكنة و الموثوق فيها. نستقبل شهادات من المواطنين عن كافة تلك المرحلة من تاريخنا ، إلى جانب توثيق ما تمت كتابته بالفعل في الفترة الماضية". ما الذي يدفع إلى العودة إلى ثورة 25 يناير مرة أخرى و مابعدها من أحداث ؟ السبب الرئيسي هو محاولة إشراك المواطنين في عملية التوثيق، إذ لاحظ العاملون على المشروع وجود كم من الشهادات المتناثرة على الانترنت بحاجة إلى التوثيق، كما اختار العاملون بالمشروع نموذج (Wiki ويكي ) إشارة إلى ذلك النمط من المواقع الذي يسمح للجمهور العادي أن يضيف معلومات ، تحت أعين مراقبين وهم سيكونون من المركز في هذه الحالة. يعمل في المشروع ثلاثة أفراد أساسيين، يجهزون لتدشين موقع أكثر تطورا يضم المواد و الشهادات التي جمعوها خلال الفترة الماضية.
و عند زيارة النسخة الحالية من الموقع يبرز أحد أسباب ظهور فكرة المشروع في فترة الرئيس السابق محمد مرسي ، إذ سجل الموقع أرقام ضحايا تلك الفترة ، ونسبة كبيرة منهم هم من أبناء الشريحة نفسها التي خرجت ضد السلطة في 25 يناير 2011 .
"سيكون محتوى الموقع مفيد أيضا في أعمال بحثية تحلل هذا الكم من المعلومات"، حسبما يصف تامر موافي من المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. أما المتاح حاليا من بيانات فهو توثيق للمرحلة الأخيرة في فترة حكم محمد مرسي، وما أعقبها من أحداث.
منذ تاريخ تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، خرجت مبادرات تهدف إلى توثيق الثورة المصرية، بعضها اختار العمل على شبكات التواصل الاجتماعية، وهناك من اختار توثيق الثورة بالصورة ، وهناك من دمج الأسلوبين. وتفيد عملية التوثيق الدائم في كشف التزييف الذي قد يلجأ إليه البعض لأسباب سياسية، لذا تكون عملية التوثيق بمثابة مادة متاحة، تفيد من يريد التأكد من معلومات بعينها. هذا هو أحد الأسباب التي جعلت مشروعا مثل (صفحة توثيق الثورة المصرية) يستمر حتى الآن على شبكة فيسبوك الاجتماعية، إذ جمع المتطوعون في هذه الصفحة حوالي 15000 صورة تغطي حوالي ثلاث سنوات، بدء من الحركة الاحتجاجية التي ازدادت في العام 2010 ، حتى الآن . بدأت الفكرة فى ديسيمبر 2011 لتوثيق الثورة المصرية بالصور، سواء في مليونيات أو اشتباكات أو وقفات داخل وخارج مصر، أمام السفارات المصرية ،وبدأ "المشروع" على حد وصفهم بسبب ما رأوه تزييفا للصور وللحقائق.
لكن كافة تلك المحاولات ما زالت تجرى بأدوات بسيطة ، دون إمكانيات تحقق جماهيرية لمثل هذه النوعية من المشروعات ، كما أن هذه الأفكار تكشف غياب الدولة في المساهمة بتوثيق ما جرى من أحداث.
تجاوزت بعض الدول التي عاشت فترات قمعية حساسية التعامل مع ماضيها ، و من أشهر تلك التجارب ما حدث في ألمانيا بعد سقوط جدار برلين ، إذ تحولت قصة تعامل الألمان مع تلك الفترة بعد العام 1990 إلى فخر ينقلوه إلى بقية دول العالم ، وحتى اليوم يمكن للمواطنين الاطلاع على ملفات جهاز أمن الدولة لديهم (الشتازي). و أظهر الاستطلاع، الذي أجراه معهد "يوغوف" لقياس الرأي العام في 2011 أن 58 % من الألمان يؤيدون استمرار الإطلاع على وثائق جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا حتى الآن، إذ أتاحت الوثائق للبعض تحريك دعاوى قضائية ضد انتهاكات تعرض لها قبل توحيد ألمانيا. كما أفادت الباحثين في فهم آليات القمع في تلك المرحلة من تاريخ ألمانيا.
.
مهمة لم تتم بعد
لم تقتصر محاولات التوثيق المصرية على عالم الانترنت، فهناك مشروعات أخرى ذات طابع أكاديمي حاولت العمل على فكرة توثيق الثورة، ومن أشهر تلك التجارب كانت لجنة لتوثيق الثورة التابعة لدار الوثائق القومية، التي تأسست من عدد من المتطوعين و الأكاديميين بهدف جمع أكبر كم من المعلومات والشهادات عن الثورة. تشكلت هذه اللجنة في مارس 2011 ، عقب تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك بأسابيع ، لكن استمرارية هذا المشروع كانت متوقفة على عدة عوامل، منها تسهيل العمل بعيدا عن البيروقراطية، وتخفيف القبضة الأمنية على الوثائق المطلوبة في عملية التوثيق... ومع ازدياد حدة المعوقات ، تم حل اللجنة وانتهى دورها عمليا في العام الماضي.
يرى الباحث تامر موافي أن عمليات التوثيق إذا ما تبنتها مبادرات المجتمع المدني، قد لا تختلف كثيرا عن جهود الدولة في التوثيق، "لكن تظل لدى الدولة وثائق تفيد جدا في توثيق الحدث، وقد تكون غير متاحة للاطلاع مثل تقارير لجنة تقصى الحقائق"، على حد قوله.
ما زال عدد من مؤسسات المجتمع المدني يعمل على فكرة توثيق الثورة المصرية، إذ يعتبر البعض أن توثيق الثورة "مهمة لم تتم بعد"، خاصة بعد أن امتدت الأحداث وتشابكت على مدار أكثر من عامين ونصف .
بعد تجربة التعاون مع المؤسسات الحكومية- مثل دار الكتب والوثائق المصرية- في محاولة توثيق الثورة، عادت مؤسسات المجتمع المدنى لترعى الفكرة مرة أخرى بعيدا عن الدور الحكومي. على سبيل المثال كان أحمد غربية- الخبير التقني وعضو مؤسسة التعبير الرقمي العربي- متطوعا في لجنة لتوثيق الثورة التابعة لدار الوثائق القومية، و واجه البيروقراطية الحكومية و غياب الرغبة لدى الحكومة في عملية التوثيق ، لكنه عاد ليشارك في ورش تدريبية  ما زالت تعمل على فكرة توثيق الثورة من جديد.
كذلك أقامت مؤسسة التعبير الرقمي ورش تدريبية تستهدف "توثيق الثورة"، سواء على موقع ويكيبيديا الشهير "الموسوعي"، أو على شبكات تضم فيديوهات. الجانب الايجابي الذي يراه أحمد غربية أن هناك تقاربا يحدث بين مجموعات لديها الاهتمام بفكرة التوثيق، وبعضهم كان يقوم بالتصوير فعليا، لكن ينتظر المزيد من تطوير مهاراته. و يعلق غربية :"المشكلة أحيانا تكون مع المؤسسات التقليدية في تقدير قيمة ما لديها من وثائق أو فيديوهات. على سبيل المثال هناك برامج تقنية تساعد في الاستفادة من الصور والفيديوهات وتنظيمها وتوثيقها داخل مؤسسات مثل الصحف والمؤسسات الاعلامية، وهنا أنا هدفي أن تتاح المادة غير المستخدمة من تلك الفيديوهات للجماهير لأنها تفيد ".
مع غياب الرغبة الحكومية في التوثيق الجاد لأحداث ثورة 25 يناير و ما تبعها من أحداث متتالية، يتبقى هامش بسيط للتوثيق، يتحرك فيه  أفراد مستقلون وبعض مؤسسات المجتمع المدني، على أمل تقديم رواية بديلة للثورة المصرية .
.
"المَزج" رحلة داخل المزاج الثوري
.
- مقاطع و أصوات تمس الواقع البائس
- أيمن بدر : "العفن" الذي يحيط بنا هو قديم ، يسبق الثورة بفترة.
.
في العام 2011 أصيب أيمن بدر- المهندس المعماري الشاب- أثناء تصويره تفاصيل ما جرى في شارع محمد محمود من اشتباكات ضد قوات الأمن، وسجلت كاميرا الهاتف المحمول صوته حين تلقى الاصابة. ظل محتفظا بهذا الفيديو حتى العام 2013، و عاد إليه مؤخرا كي يستعير الأصوات المسجلة عليه لهدف آخر، إذ قرر صنع عمل فني يمزج فيه أصواتا و موسيقى بشكل يعبر به عن الثورة ، تجربة فنيا قام بإخراجها بنفسه.
"نشرت أول ملف صوتي بهذه الطريقة تحت اسم المزيج العميق (عفن) ، دربت نفسي قبلها على برامج الصوتيات المتاحة على الانترنت لأنفذ تصورا في رأسي ، كنت أطرح أسئلة عن مصير الثورة، وأرى أن (العفن) الذي يحيط بنا هو قديم ، يسبق الثورة بفترة". اتجه أيمن في تلك الفترة، قبل ستة أشهر، إلى موقع ساوند كلاود soundcloud.com الملائم لمثل هذه التجارب ، و رفع عليه تجربته الأولى ، ونجحت التجربة وسمعها الآلاف حسب احصائيات الموقع .
الهدف من هذه التجربة ليس تقديم عرض إذاعي، لكن ما يحدث هنا هو مزج لأصوات مثل أم كلثوم وصيحات الثوار في التحرير، متقاطعا مع مقتطفات من أفلام شهيرة، و كل ذلك يتعايش معه المستمع ليس لمتابعة تسلسل موسيقي، بل للاستسلام لحالة يستعيد فيها المستمع أصوات الثورة ، مع جمل و مقاطع تمس الواقع البائس. ويبدأ في التأرجح بين الحنين و التفكير في المستقبل.  وفي تجربة "المزج" الأولى التي تحمل اسم "عفن"، يقرأ عماد حمدي بصوته جزءً من فيلم "ثرثرة فوق النيل"، وفي خلفيته صوت الثوار.
بعد أن انتشرت التجربة الأولى في مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت، انطلق أيمن بدر ليبدأ سلسلة "المزيج العميق" ، وانطلق إلى المزيج الثاني بعنوان "دم"... استعان فيه بصوت الفيديو الذي أصيب فيه أثناء اشتباكات شارع محمد محمود، وذلك جنبا إلى جنب مع أصوات أهالي شهداء و هم يتحدثون ، مع جزء من خطاب مبارك الثاني، وصوت بكاء وائل غنيم في برنامج "العاشرة مساءً"، فور إطلاق سراحه من الاعتقال، مع مقتطفات أخرى متنوعة، أما الهدف فاستمر كما هو .. استعادة ذكرى الثورة و التفكير في جدواها و مصيرها، دون توجيه مباشر، فالهدف هو توثيق أفكار ومشاهد وأحاسيس، حسبما يصف أيمن بدر.
و مع نجاح الفكرة في جذب جمهور لها، بدأ شباب آخرون في تقليدها، على سبيل المثال صنع أحدهم "مزجا" يجمع صوت الدكتور مصطفى محمود من برنامج "العلم و الإيمان" وهو يصف الأمم المتخلفة، ثم ينتقل إلى أصوات شخصيات إسلامية كانت قد أثارت جدلا في الفترة الماضية، وفي خلفيته موسيقى تعبر عن الحالة المراد توصيلها. شاب آخر صنع "مزجا" تحت اسم "جيكا" جمع فيه أقوال مسجلة لصديقه الشهيد جيكا وأحاديث لأهله، مع خلفية موسيقية وأصوات اشتباكات وتعليق من الاعلامي يسري فودة. و كتب مؤلف هذه التجربة قائلا: "إليكم مزج لتراكم أصوات جيكا بداخلنا جميعا".
أغلب تلك التجارب تم تحميلها على موقع "ساوند كلاود" قبل تاريخ 30 يونيو، لذا لم تخلو من المرارة، واستخدم أحد أعمال أيمن بدر ضمن فقرات برنامج تلفزيوني شهير. وبدأت الفكرة تنطلق رويدا رويدا خارج الانترنت ، ويعلق أيمن بدر على ذلك قائلا: "جاءني عرض من مخرج مسرحي لاستخدام أحد أعمالي في عرض مسرحي معاصر، كما أن أستأذنتني إذاعات على الانترنت في بث أعمالي عدة مرات ، والآن أجهز لورشة عمل من أجل صنع مزج صوتي خاص مصاحب لعرض مسرحي عن قضية التحرش". كان آخر عمل نشره أيمن على الانترنت بعنوان "قدوس"، و هو يطرح سؤال: هل نحن في مشكلة مع الله أوصلتنا إلى هذا الطريق المسدود؟ وتصادف أن نشره ليلة فض اعتصامي نهضة مصر ورابعة العدوية، فجاءته تعليقات على الانترنت من نوعية "لماذا كل هذا الألم ؟ ألا يكفيك ما حدث من مذابح؟" مثل هذه التعليقات انفعلت بالعمل نفسه الذي ذكرها بالواقع البائس.
يستغرق صنع "مزج" واحد حوالي ثلاثة أسابيع لإعداد ملف صوتي قد يمتد من 5 إلى 25 دقيقة ، لكن تظل مثل تلك التجربة فريدة من نوعها لتوثيق مزاج الثوار بين القلق و الحنين والترقب ، هي مساحة للخيال عن طريق الاستماع، بحسب تعبير أيمن بدر ... تجربة متوائمة مع عالم مركب و متشابك، يلائم مزاج رواد الانترنت، وخاصة أصحاب التوجه الثوري.
.
الأفلام الوثائقية في هدنة إجبارية
.
انطلقت مع ثورة 25 يناير شريحة من الشباب، حملوا كاميراتهم ، وعملوا على توثيق الأحداث المتتالية في فيديوهات و أفلام وثائقية، بعضهم يعمل بشكل مستقل و بتكلفة قليلة ، بينما اعتمد فريق آخر على شركات لإنتاج أفلامه ، و استهدف الفريق الثاني بشكل كبير أن يعرض أعماله في قناة الجزيرة للأفلام الوثائقية، التي تكاد تكون المتنفس الوحيد في عالم الأفلام الوثائقية .. يواجه الفريقان الآن أزمة التوقف عن العمل بشكل مؤقت لأسباب مختلفة. على سبيل المثال أوقف البراء أشرف العمل في شركته الانتاجية خلال الأسابيع الماضية، وذلك في الوقت نفسه الذي تعمدت فيه قناة الجزيرة تكرار عرض فيلم "صناعة الكذب" طيلة الفترة الماضية ، في رسالة ضمنية إلى أن الاعلام المصري ما زال على مساوئه القديمة التي رصدها الفيلم في توثيقه للفترة الأولى من الثورة.
يقول البراء: "أتذكر في لقاء تلفزيوني جمعني مع إبراهيم الصياد، رئيس قطاع الأخبار باتحاد الإذاعة والتليفزيون، أنه أثنى على الفيلم و طرح فكرة عرضه على التلفزيون الرسمي ". و هو يوضح جانبا من الضغوط التي أصابت أبناء هذه الشريحة من العاملين في انتاج الأفلام الوثائقية والفيديوهات حين يؤكد أن أغلب العاملين في هذا المجال كانوا يستهدفون "الجزيرة" لأنها القناة الوحيدة المتخصصة في المنطقة، لكن الواقع السياسي حاليا الذي يظهر العداء ضد القناة أربك الموقف قليلا. و يستكمل البراء أشرف كلامه قائلا: "قبل أسابيع تعرض أحد أصدقاءنا في شركته لتفتيش أمني بعد توارد معلومات حول تعامله السابق مع قناة الجزيرة، مثل تلك المواقف جعلتنا ننسحب قليلا، ونحن قلقون على مستقبل هذا المجال. هناك آلاف الشباب الذين شاركوا في هذه الصناعة النامية، يتساءلون اليوم عن المستقبل".
يختلف الوضع هنا كثيرا عن شريحة أخرى من الفنانين المستقلين الذين يعملون دون اهتمام كبير بتسويق منتجاتهم بشكل دوري لدى قناة الجزيرة، غير أنهم لم يبتعدوا كثيرا عن نفس الأزمة مع الإعلام التقليدي، فبينما تستغل الجزيرة الأعمال التي بيعت لها حسب وجهة نظرها و في التوقيتات التي تحددها، نجد بعض الفنانين المستقلين والنشطاء يتعرضون لاستغلال فيديوهاتهم من فضائيات ومحطات تلفزيونية لخدمة هدف آخر، هو دعم السلطة الحالية. يكاد يكون ذلك واضحا لدى مجموعة مثل "مُصرين" التي قضى أفرادها الأعوام الماضية في تصوير وتوثيق الحركة الاحتجاجية ضد السلطة ، إذ فوجئوا في الفترة الأخيرة بأن المواد الفيلمية التي كانت تستخدم في الماضي لمعارضة حكم المجلس العسكري قد استخدمها الاسلاميون في دعايتهم ضد القوات المسلحة. وعلى الجانب الآخر استغلت بعض الفضائيات المؤيدة للسلطة الحالية بعض المواد الفيلمية من مجموعة "مُصرين"  التي سجلت معارضة لجماعة الإخوان المسلمين. تعلق سلمى سعيد، من مؤسسي "مُصرين" : "وسط هذه الصورة الضبابية، وجدنا أنفسنا وقد توقفنا لا إراديا عن تصوير المزيد من الفيديوهات، فقد اعتدنا طوال الوقت دعم الثورة والتغيير، أما الآن فالصورة ملتبسة ".
تعمل مجموعة "مصرين" بشكل غير هادف للربح، وتضم نشطاء و صناع سينما مستقلين، وأغلبهم كان قريبا من الأحداث المتتالية منذ 25 يناير حين كانت الأحداث جزء من حياتهم كنشطاء أو مهتمين بالشأن العام. أما في الوقت الحالي فبحسب تعبير سلمى سعيد "طوال الوقت كنا ندعم المسار الثوري بالتوثيق بالصورة، أما الآن فأنت بين طرفين لكل منهما آلة إعلامية قوية تعتمد على الدعاية ، فأين سنكون في هذه المرحلة ؟ و رغم ذلك زرنا و صورنا داخل المشارح ، كمحاولة لتوثيق الضحايا هناك ..".
لم يختلف الأمر مع كثير من الشباب المستقلين بالنسبة لإنتاج فيديوهات أو أفلام من ناحية الامكانيات بقدر ما أصبحت الأزمة في كيفية إيصال قناعاتهم الشخصية في ظل تلك الفترة الضبابية ، أما من يعملون بشكل تجاري، فلم يبتعدوا هم أيضا عن مشاكل المرحلة، يعود البراء أشرف ليقول : "حالة الاستقطاب التي نعيشها لن تؤثر فقط على طريقة توزيع الأفلام الوثائقية ، و لكن أيضا على مدى قابلية الضيوف في هذه الأفلام أو الفيديوهات".
أما الناشطة سلمى سعيد فتتحدث عن ضرورة الاجتماع والنقاش بين المجموعات المستقلة التي اعتمدت على توثيق الأحداث طوال الوقت، حتى تكون هناك رؤية موحدة في التعامل مع الموقف.
قد تجمع الأحداث فنان مستقل يستخدم كاميرته لخدمة فكرة يعتنقها، وفنان آخر يعمل لحساب شركة إنتاج وثائقية ، لكن في النهاية .. اتفق الجميع على هدنة الآن و إلى حين.

PDF

Sunday, August 25, 2013

حقوق الإنسان.. مهنة.. وتهمة.. و واجب

  • حملات تهكم وتخوين ضد الحقوقيين والنشطاء
فى أسابيع قليلة تحولت «أسماء محمد» -تم تغيير الاسم بناء على رغبة المصدر- من العمل على قضايا مجتمعية تخص الصحة والسكن والبيئة إلى الاشتباك الكامل مع الأحداث، ضمن فريق من زملائها داخل المؤسسة الحقوقية التى تعمل بها، وذلك بعد تصاعد حدة الاشتباكات بين مؤيدى الرئيس السابق محمد مرسى وقوات الأمن منذ شهر يوليو الماضى.
«تقوم وظيفتى على التنسيق بين العمل الميدانى والباحثين بالمؤسسة من أجل خدمة قضايا بعينها، لكننا انتقلنا سريعا إلى قضية المصابين والجرحى نتيجة الاشتباكات المتتالية، فمن الصعب تماما العمل على قضايا السكن أو الصحة فى الوقت الذى يخشى المواطن العادى على حياته وسلامته الجسدية». قد يتطلب الأمر منها التوجه إلى أماكن الاشتباكات لجمع الشهادات، وهو ما فعلته عقب أحداث الحرس الجمهورى التى أسفرت عن مقتل عشرات المواطنين، وكان الهدف من وجودها هو مساندة المحامين بالمؤسسة فى عملهم، ومساندة أهالى الضحايا.
وفى أثناء الفترة المشحونة بالاستقطاب بين من يرفضون استخدام العنف ضد المعتصمين فى ميدانى رابعة العدوية والنهضة ومن يرى ضرورة الضرب بقبضة حديدية، كانت هناك شريحة من الحقوقيين يرفضون اللجوء إلى العنف، ما عرضهم لانتقادات عنيفة والتشكيك فى وطنيتهم. وكانت تلك الانتقادات الحادة بارزة فى عالم الإنترنت، ثم انتقلت سريعا إلى الإعلام التقليدى.
وهنا بدأت كلمتا «حقوقيين» و«نشطاء»، تتحول سريعا إلى «حكوكيين» و«نوشتاء»، وذلك على سبيل السخرية من موقف تلك الشريحة من الحقوقيين التى أدانت سقوط مئات القتلى فى الأسابيع الماضية، كما اتهمت تلك الشريحة بالجبن والخيانة والانسحاب من الحرب على الإرهاب.. وبمتابعة هذا العالم قد يعتاد زائر الإنترنت على مشهد الشاعر الشاب الذى يبدأ يومه على موقع تويتر بسب أحد النشطاء الحقوقيين بشكل مباشر، أو أن تجد آخر قد طرح قائمة تدين أسماء بعينها من العاملين فى مجال حقوق الانسان، خاصة من أعلنوا آراءهم الشخصية على صفحاتهم من خلال شبكة فيس بوك الاجتماعية وعلى موقع تويتر.
ولم يعد يخفى بعض الحقوقيين ضيقهم من هذه الانتقادات الحادة، مثلما وصف حسام بهجت مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قائلا فى حسابه على تويتر: «توثيق العنف الطائفى بيجيب شتيمة الإسلاميين، وتوثيق قتل الإسلاميين بيجيب شتيمة التانيين. ولو وثقت وأدنت الجريمتين برضو هتتشتم عشان محايد». ضمن من تعرضوا لهذا العنف اللفظى الدكتورة عايدة سيف الدولة، أحد مؤسسى مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسى لضحايا العنف، ورغم ذلك تعلق قائلة: «أعمل منذ أكثر من 20 سنة على الأهداف نفسها ولم يطرأ جديد فى أسلوب عملنا كى نتلقى الشتائم وتهم الخيانة، إذ نعمل على رصد الانتهاكات التى يتعرض لها المواطنون على يد السلطات، ومساعدة أهالى الضحايا فى الوصول إلى ذويهم وغيرها من مهام إعادة التأهيل، لكننا لم نمر بمثل هذه الأزمة من قبل».
من بين الاتهامات المتداولة ضد الفرد الحقوقى أنه يتدخل فى الشأن السياسى، وأن ما تقدمه المراكز من بيانات وشهادات قد تستخدم ضد مصلحة البلاد، كما تشرح عايدة سيف الدولة: «التسييس يأتى من جانب المتحيزين، وفى تفسيراتهم الخاصة، لأننا فى مركز النديم على سبيل المثال لم نقدم بيانات فى أى وقت إلى حكومات خارجية، بل أحيانا ما نقدمها إلى الحكومة المصرية بهدف الإصلاح، ولعل موقف كثير من الحقوقيين فى المطالبة بمحاكمة عادلة للرئيس السابق مبارك، والمطالبة بمساءلة المشير طنطاوى والرئيس السابق مرسى عما ارتكب فى عهدهم من انتهاكات يوضح أن الهدف هو حقوق الضحايا أيا كانوا وهو نفس الموقف من السلطة الحالية». تتوقف سيف الدولة قليلا ثم تستطرد: «هناك مراسلون أجانب كانوا شهودا على الكثير من الأحداث التى أسفرت عن قتلى، فكيف يخشى البعض من الحقوقيين فى زمن تنتقل فيه المعلومات فى نفس اللحظة؟».

مشاكل شخصية
مثل تلك الضغوط أحيانا ما يصاحبها تجارب أشد قسوة حين يفاجئ الحقوقى المستقل أو التابع لإحدى المؤسسات بأنه قد فقد أحد المقربين إليه وسط الاشتباكات. تكرر المشهد نفسه، فى الأسابيع الماضية، على صفحات بعض النشطاء والحقوقيين، حين يفاجئ أصدقاءه بمقتل أحد أقربائه داخل الاشتباكات.. بعضهم يعلن ذلك، وآخرون يخفون، ومن ضمن ذلك الفريق الأخير كانت «أسماء» التى لم تنزل إلى موقع الاشتباكات فى أحداث المنصة للقيام بمهمتها المعتادة لجمع شهادات وغير ذلك، بل اتجهت إلى هناك وقتها للبحث عن أحد أقربائها الذى تعرض لطلق نارى أثناء قيامه بإسعاف المصابين فى أثناء الأحداث، وتوفى هناك.
تلك الضغوط كثيرا ما تنعكس على الحياة الشخصية، اكتئاب، عصبية، إحباط، حسبما تصف أسماء ذلك: «تتدخل الأسرة أحيانا وتطالبنى بترك هذا المجال، لكنها قناعاتى الشخصية التى تجعلنى أكمل، بل بدأت تتسع لدى مساحة القلق من أن تكون المرحلة الراهنة بداية لقتل مساحات المقاومة والمبادرة بشكل عام». كانت أسماء، خريجة الهندسة، مشاركة على مدى الفترة الماضية بعد الثورة فى مبادرات تطوعية كاملة لخدمة وتنمية المناطق العشوائية، واليوم تخشى أن الهجمة الحالية على العمل الحقوقى، قد تتجاوز الأمر ويبدأ المجتمع فى الوقوف ضد المبادرات الفردية والجماعية وتخوينها.


متطوعون من أجل المفقودين
استكمالا لمبادرات شبيهة كانت قد ظهرت فى العامين الماضيين بعد أحداث ثورة 25 يناير، والهدف: تتبع المفقودين فى الأحداث والاشتباكات المتتالية. ربط البعض توقيت ظهور الموقع بأن يكون مؤسسوه على صلة باعتصام رابعة العدوية، إلا أن مصطفى ــ أحد مؤسسى الموقع- ينكر ذلك بقوله: «نحن خمسة شباب قمنا بتأسيس الموقع والصفحة على فيس بوك، وليس لنا أى انتماء سياسى، ومن يراجع قائمة المسجلين من المفقودين أو المصابين فى الموقع سيلاحظ أيضا أنهم لا ينتمون إلى تيار بعينه، هم مصريون فى النهاية، ولا يهمنا أن نعرف إلى أى طرف ينتمون».
يضم الموقع الإلكترونى قائمة لأكثر من 500 مواطن، ويتواجد فى أغلب فترات اليوم من 100 إلى 200 زائر بسبب الحالة الراهنة وازدياد الاشتباكات وفرض حظر التجول. وفى أسفل الصفحة الرئيسة بالموقع يخلى المؤسسون مسئوليتهم بعبارة: «الموقع عمل تطوعى مبنى على المشاركة من المستخدمين ونحن غير مسئولين عن المعلومات التى بداخله»، إذ ليس لديهم من وسيلة للتأكد من البيانات سوى مراجعة التقارير والبيانات الحقوقية، وكذلك بما يقدمه مستخدمو الموقع من بيانات الاتصال.
«فى الحقيقة لا نسجل الحالات التى يصل فيها أحد الأهالى إلى قتيل أو مفقود عن طريق الموقع، بل أضفنا خاصية حذف المفقودين، على سبيل تحديث البيانات»، هذا ما يوضحه مصطفى ــ أحد مؤسسى الموقع ــ خاصة أن البعض لم يختفِ فى أثناء اشتباكات، بل فى مواقف أخرى مثل «العودة من كورس للغة الإنجليزية»، «أو زيارة أحد الأصدقاء»، لذا تطمح هذه المجموعة الشابة التى يدرس أعضاؤها الحاسب الآلى بكلية الهندسة أن يستمر الموقع فى نشاطه حتى بعد هدوء الأحداث.
تزيد فى هذه التجربة مساحة العمل العفوى والتطوعى، وهناك نوع آخر من المبادرات أكثر عفوية، إذ يقوم على الجهد الفردى بشكل كامل، هذا ما يوضحه محمد منصور (29 سنة) الذى تطوع قبل عامين بجمع قوائم للمفقودين فى أحداث ثورة 25 يناير وما بعدها من اشتباكات. ثم كرر الأمر نفسه مؤخرا معتمدا على مصادر متنوعة مثل صفحات فيس بوك والبيانات التى توفرها المراكز الحقوقية على الإنترنت، دون تواصل مباشر معها. وفى ذات الوقت لم يكن على صلة باعتصام رابعة العدوية أو النهضة، بل كان على حد تعبيره له موقف معادى من وجود جماعة الإخوان فى السلطة، «لكن هذا لا يمنع من المساعدة فى هذه الأزمة التى أصابت مصر».
فى عام 2011 أصدر مجلس الوزراء تقريرا وصل فيه عدد المفقودين حتى مارس 2011 إلى 1200 شخص. وفى ظل ضعف الأداء الحكومى فى متابعة هذا الملف ظهرت أشهر مبادرة من نوعها عام 2012 تحت اسم «هنلاقيهم»، على يد مجموعة من المتطوعين. وبعد شهور من العمل توصلت المبادرة إلى أن أغلب المفقودين الذين مازالوا على قيد الحياة كانوا محتجزين بشكل قسرى فى سجون الدولة.
«بعد الأحداث الأخيرة عملنا من جديد على القضية نفسها، نجمع البيانات من المنظمات والمستشفيات والمشرحة، ونتلقى على أرقام الهواتف المعلنة أو عبر الإنترنت بلاغات ونطابق البيانات مع بعضها حتى نصل إلى الحالة المفقودة». تشرح شيماء ياسين ــ أحد مؤسسى المبادرة ــ إنهم أحيانا ما يتعرضون لمواقف تزيد من ضيقهم، مثلما حدث مؤخرا حين توصلوا إلى أحد المواطنين الذين تم الإبلاغ عنهم، وبعد التواصل مع أهله وإبلاغهم أنه محتجز لدى الأمن، تعرض للقتل فى حادث مصرع 38 من أنصار الرئيس السابق داخل سيارة ترحيلات.
«مش كل مفقود توفى»، حسبما تؤكد شيماء، لذا فهم يلاحقون الأمل الذى لا ينفذ لدى الأهالى فى الوصول إلى المفقودين. ومؤخرا حاول أفراد المجموعة إشراك متطوعين جدد معهم بسبب كثافة الأحداث والاشتباكات، لكن تظل الأوضاع الأمنية أكثر تضييقا عليهم، خاصة بعد فرض حظر التجول.
PDF  

Thursday, June 27, 2013

فى عالم الإنترنت: ادعم ناشطًا اليوم.. تجد من يدعمك غدًا

 قبل 30 يونيو.. شبكات ودوائر تتسع فى أوقات الأزمة
 
كتب - عبدالرحمن مصطفى
حين علمت أن معارضا سياسيا من طاجكستان تم القبض عليه فى دبى، تمهيدا لإعادته إلى بلاده بدلا من محل إقامته فى روسيا، بدأت على الفور فى توجيه رسائل عبر موقع تويتر، وبحثت فى دائرة معارفى فى دبى عمن يمكنه المساعدة، وكل ذلك تم عبر الانترنت، حتى انتقلت القضية إلى عدد من المؤسسات الدولية.. قد يتساءل شخص لماذا أفعل ذلك؟ فأجيب ببساطة أن القاعدة تقول: «ادعم ناشطا اليوم، ستجد من يدعمك غدا».
يتحدث أحمد حجاب، مطور برامج تدريبية فى مجال الإعلام، عن واقعة حدثت له قبل عدة أشهر حين طلب منه ناشط روسى كان قد التقاه فى أحد المؤتمرات الدولية أن يبحث معه عن داعمين للمعارض الطاجكستانى، هنا تحرك الناشط الروسى فى دائرة علاقاته داخل منطقة الشرق الأوسط، فأبلغ أحمد حجاب، وتحرك الأخير فى دائرة علاقاته لمعرفة تفاصيل عن كيفية دعم المعارض السياسى المحتجز، ومن شخص إلى آخر، نجحوا فى الوصول إلى تفاصيل عن مصير ذلك المعارض فى وقتها. هذه العملية بأكملها تعرف باسم «التشبيك»، وتقوم الفكرة على استغلال العلاقات فى خدمة قضية أو هدف.

ومع صعود ثقافة الانترنت فى السنوات الماضية، صعدت معها فكرة التشبيك بين النشطاء ومستخدمى الانترنت من أجل خدمة قضايا يؤمنون بها، ومن آخر تلك النماذج، كان التشبيك قبل فاعليات يوم 30 يونيو القادم، بين نشطاء فى مصر وتونس وتركيا، ورغم إنكار عدد من النشطاء المصريين لوجود هذا التشبيك بشكل عميق، إلا أن ذلك لا يمنع وجود تنسيق بين نشطاء الدول الثلاثة حتى لو لم يكن على المستوى المتوقع، مثل إصدار بيان قبل أيام عن عدد من النشطاء المصريين والتونسيين والأتراك يخاطب العالم الغربى، ويدعو إلى التضامن معهم فى يوم 30 يونيو القادم بعدة وسائل، منها التظاهر أمام سفارات الدول الثلاثة فى الخارج، أو بمخاطبة الوسائل الاعلامية الغربية والجهات الحكومية طلبا لرفع دعمها للنظم الحاكمة فى مصر وتونس وتركيا.

ومن أجل أن تصنع تلك الحالة من التشبيك بين نشطاء وتدعو آخرين لتبنيها، فإنك فى الغالب تستند إلى علاقات قد تكونت من قبل فى مناسبات سابقة حسبما يصف أحمد حجاب مرة أخرى قائلا: «بحكم اهتمامى بمجال الانترنت، زرت العديد من المؤتمرات والفاعليات حول العالم، وفى كل مرة تتسع دائرة العلاقات والمعارف، وتتكون دوائر جديدة حسب نوعية الفاعلية التى أحضرها، وفى لحظة ما تنشط تلك العلاقات من أجل هدف أو من أجل دعم قضية أو شخص.. بشكل عام فإن أغلب الفاعليات من ورش تدريبية أو مؤتمرات أو غيرها تهدف إلى التشبيك بين الحاضرين». وبعيدا عن عالم المؤتمرات والفاعليات المختلفة يوضح أحمد حجاب نقطة أخرى عن طبيعة الانترنت نفسها التى تقوم على فكرة الشبكات، فالقضية هنا تكمن فى كيفية توسيع دائرة معارفك ودعوتهم لتبنى قضيتك. «هذا ما يحدث على سبيل المثال فى موقع تويتر حين يضرب أحد المستخدمين عنوانا الكترونيا بعد رمز ويبدأ الجميع فى تكرار الأمر، فيمكن حصر المعلومات المتعلقة بقضية واحدة تحت عنوان واحد». فى المثال الذى طرحه أحمد عن المعارض السياسى الطاجكستانى، حدث تواصل عبر الانترنت مع شخصيات مؤثرة فى دبى من مستخدمى موقع تويتر للتدوين القصير، كذلك تم إبلاغ مسئولين فى الاتحاد الأوروبى ومؤسسات حقوقية دولية، وتم كل ذلك فى أقل من ثلاث ساعات لدعم الناشط المحتجز، وكانت الفكرة واضحة: عليك أن تصل إلى شخص مفيد، كى يوصلك إلى شخص أكثر إفادة.

يبدو مثال المعارض السياسى الطاجكستانى بعيدا، لكن فكرة «التشبيك» بين نشطاء على الانترنت، وتبادل الدعم مع آخرين قد تكون عنوان المرحلة القادمة مع ازدياد الضغوط السياسية فى مصر.
كما أن تلك الفكرة لا تقتصر على تيار بعينه، فقد مارسها أبناء التيار الإسلامى من قبل، أحد تلك النماذج كانت فى صفحة شهيرة على فيسبوك تضم أكثر من 300 ألف عضو، عنوانها: «هل تؤيد الوحدة بين الإخوان والسلفيين؟». ويمكن ملاحظة هذا النوع من التشبيك مع مجموعات أخرى إسلامية، مثل حركة «أحرار» الإسلامية التى ترجمت هذا التشبيك إلى مواقف عملية فى فاعليات تقام فى الشارع المصرى مع حركات أخرى إسلامية وغير إسلامية، وهو ما جعل بعض الاسلاميين ينتقدونها فى مواقف نسقت فيها الحركة مع حركات مدنية أخرى لا ترفع الشعارات الدينية.

ممنوع من السفر

هناك ثمن يدفعه من يتبنى هذا النوع من الأنشطة مثل مناصرة نشطاء فى بلدان أخرى على الانترنت، فعلى سبيل المثال تم منع بعض النشطاء العرب من دخول مصر بسبب مواقف سياسية تضامنية، أحد هؤلاء هو اللبنانى عماد بـَـزى الذى منع من دخول مصر بسبب زيارته للمدون مايكل نبيل أثناء قضائه فترة السجن بتهمة إهانة القوات المسلحة فى العام 2011.

«عادة ما يلجأ النشطاء إلى التواصل وتبادل الخبرات ومساندة بعضهم البعض لتكوين شبكات قوية، وهذا الأمر غالبا ما يزعج الأمن فى كل البلدان تقريبا وبشكل خاص فى الدول العربية». الحديث هنا لعماد بزى الذى كان قد انتقل قبل عامين إلى العمل الحقوقى فى تونس، ورصد مؤخرا نوعا من التشبيك بين حركات شبابية فى تونس مع مثيلاتها فى مصر من أجل يوم 30 يونيو القادم فى البلدين، وتوجيه ضربة سياسية لحكم الإخوان المسلمين فى البلدين.
«هناك تكتيكات واضحة تضمن لك الفوز والإقناع، أثناء مناصرتك لقضية، وعلى رأسها الاستعمال السليم لطرق مخاطبة الجمهور والإعلام، مرورا بالتشبيك مع من نسميهم Community Mobilizers أو المحركين الاجتماعيين، وهى شخصيات ذات قدرة على التأثير على شرائح كبيرة من الجمهور فيخدمون قضيتنا المستهدفة»، هكذا يستكمل الناشط اللبنانى عماد بـَـزى حديثه بصفته مدربا فى مجالات الدعم الحقوقى وأحد أوائل المدونين العرب منذ العام 1998.

المستخدم العادى

وسط كل هذه التفاصيل ما الذى يمكن أن يستفاده الفرد العادى من القيام بالتشبيك بين آخرين لدعم قضية ما؟ يعود أحمد حجاب المهتم بشئون الاعلام الاجتماعى، ليجيب: «إيمانك بقضية هو الذى يدفعك للقيام بهذا الدور». ثم يستطرد ضاربا المثال بحالة تكشف أهمية هذه الخطوة: «مؤخرا تم حجب مئات المواقع فى الأردن، هنا يكون دور مستخدم الانترنت فى اتخاذ موقف مضاد من هذا السلوك، حتى لا تنتقل العدوى إلى مصر فيما بعد، خاصة وأن الجميع يترقب ما سيسفر عنه يوم 30 يونيو القادم، لذا على المدونين والنشطاء المصريين أن يعملوا طوال الوقت على رفع الوعى بأهمية حرية التعبير والمعلومات، والتنويه عن حالة التضييق التى جرت فى الأردن، لإدخال آخرين فى دائرة المهتمين بمثل هذه القضايا ورفع الوعى بخطورتها حتى لا تتكرر فى مصر».

هل ما يقوم به نشطاء الانترنت من تشبيك، هو دور المؤسسات الحقوقية فى الأصل؟ يرى حافظ أبوسعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، أنه لا يمكن إنكار دور الأفراد فى دعم الكثير من القضايا، غير أنه يرى أن ذلك يجب أن يكون خطوة تالية لدور المؤسسات، ويقول: «تصدر المؤسسات المعنية ذات المصداقية تقارير عن قضايا وأحداث، لابد أن تكون مرجعا يستند إليه الفرد قبل أن يبادر إلى التشبيك مع آخرين حول قضية، فعليك أن تتأكد عمن وماذا تدافع، وأن تستخدم بيانات سليمة!». ويشير أبو سعدة إلى قضية أخرى قد تكون من الأعراض السلبية لعمليات التشبيك العابر للحدود بين أفراد فى الداخل والخارج، قائلا: «فى أسوأ الأحوال قد يتعرض الفرد لاتهامات جاهزة من الجهات الأمنية، إذا ما كانت القضية ضد رغبات السلطة السياسية، هذا أمر وارد». لكن هذا الواقع لا يوقف نشأة دوائر وشبكات جديدة طوال الوقت.
**
أصول التشبيك
برز مفهوم التشبيك منذ تسعينيات القرن الماضى مع ازدياد دور المجتمع المدنى، وتقوم فكرة التشبيك على دعم مؤسسات المجتمع المدنى بعضها البعض من أجل قضية بعينها. ويرجع متخصصون بداية ظهور فكرة «الشبكات» بشكل عام إلى النصف الثانى من السبعينيات حين تكونت شبكات تضم منظمات غير حكومية فى عدد من الدول النامية للقضاء على الأمية فى العام 1976 بواسطة المجلس الدولى لتعليم الكبار، كما تكررت نماذج أخرى فى بداية الثمانينيات مثل «شبكة العمل الصحى فى آسيا»، حتى أصبحت فكرة الشبكة تقليدا أساسيا فى هذا المجال، ويدعم هذا الاتجاه طوال الوقت المؤتمرات والفاعليات المختلفة لخدمة القضية المستهدفة أيا كانت، حيث تتكون العلاقات التى تنشط فى وقت الحاجة. وتتكرر الفكرة مرة أخرى فى مجالات أخرى مثل، مجال الأعمال، حيث توفر بعض المؤسسات فرصا للشباب وتقوم بتشبيكها مع الحكومة أو مع الجهات الداعمة، كما يلعب التشبيك دورا آخر فى عالم النشطاء السياسيين والحقوقيين، وخاصة مع ازدياد الورش التدريبية أو المؤتمرات وغيرها. ومع صعود مواقع التواصل الاجتماعى على الانترنت، أصبح هناك حضور أكبر لفكرة التشبيك، إذ تحولت إلى طقس يومى، حين يدخل المستخدم إلى شبكة اجتماعية مثل فيسبوك أو تويتر على الانترنت، ويبدأ فى متابعة من لديه فى دائرة معارفه الشبيهة بالشبكة. وهنا تتجلى فكرة التشبيك فى إعادة نشر ما كتبه آخرون، وتشبيكهم مع غيرهم لديهم الاهتمام نفسه، كما نجحت الفكرة بشدة فى عالم التسويق الالكترونى.
**
«تمرد» عدوى ثورية عابرة للحدود

فى الفترة التى انتفضت فيها المعارضة التركية قبل أسابيع فى ميدان تقسيم باسطنبول، ظهرت موجة من صفحات الفيسبوك، تدعو إلى التنسيق بين ثلاث دول هى مصر وتونس وتركيا للتمرد على حكم الأحزاب الاسلامية فى 30 يونيو القادم، أغلب تلك الصفحات لم تكمل عملها، عدا مجموعات من الشباب التونسى، يعملون على تكرار تجربة «تمرد» على طريقتهم.
وليد المرداسى أحد الشباب التونسيين الذين بدأوا فى فترة مبكرة تدشين صفحات على فيسبوك للحشد من أجل «تمرد» التونسية، يقول: «أنا مثل بقية الشباب، أطلقت دعوة للقيام بالحملة، واتسعت الفكرة، وثمة شباب ناشط جدا نظموها، وكانت صفحتى دعوة فقط أكثر منها تنظيما». وعلى مدار الأسابيع الماضية كان التحضير يدور من أجل هذه الخطوة، وبدأت تتوزع مهام المتطوعين لتوقيع وجمع الاستمارات. وحسب تصريحات هيثم العونى، الناطق الرسمى باسم الحملة فى تونس، فإن تنسيقا قد حدث بين مجموعة تونس وشباب الناشطين من حملة تمرد فى مصر. لكن هل كان هناك تشبيك واضح المعالم بين نشطاء مصريين وتونسيين؟ تجيب مى وهبة المتحدث الاعلامى لحملة تمرد فى مصر: «الحقيقة.. أننا لم نقم بتنسيق مباشر مع أحد خارج الحدود المصرية لنقل فكرة تمرد، الأمر لا يتجاوز نقاشات بين نشطاء عرب فى البلدين، وكل يكمل الطريق بنفسه».


«أنونيموس».. رفيقك فى الكفاح
«الرسالة إلى جماعة الإخوان المسلمين.. موعدكم 30 يونيو القادم، نحن الأنونيموس ندعم حملة تمرد، وشعارنا: الشعب يختار». تلك الرسالة تضمنها فيديو نشر قبل أسابيع على عادة مجموعة أنونيموس (المجهولين) التى تضم آلافا من محترفى اختراق المواقع الالكترونية بهدف نصرة القضايا العادلة، وتم نشر هذا الفيديو على خلفية الاعتداءات التى تعرضت لها حملة «تمرد» فى مصر. تظهر فيديوهات «أنونيموس» باللغة الانجليزية، وبصوت آلى لا يكشف عن بصمة الصوت. «هناك تنظيم عالمى للمجموعة كان مسئولا عن عدد كبير من العمليات، آخرها وأكثرها شهرة العملية التى جرت ضد آلاف المواقع الالكترونية فى إسرائيل». يشرح أحد أعضاء مجموعة anonymideast كيف دخل إلى هذا العالم، إذ كان قد التقى مع أفراد مجموعته الحالية قبل سنوات فى منتديات الكترونية لتعليم فنون القرصنة واختراق المواقع الالكترونية. وبعد تكوين المجموعة شاركوا فى عمليات ذات طابع عالمى أعلنت عنها مجموعة «أنونيموس» العالمية، من أهمها العملية التى جرت فى إبريل الماضى ضد المواقع الاسرائيلية، عدا ذلك فقد شاركت المجموعة التى ينتمى إليها فى عمليات أخرى منها: اختراق الموقع الالكترونى للمهندس خيرت الشاطر القيادى بجماعة الإخوان المسلمين، ومواقع الحرية والعدالة، بما فى ذلك حساباتهما على موقع تويتر وشبكة فيسبوك، واختراق العديد من المواقع الخاصة بجماعة الإخوان المسلمين. تعد مجموعة أنونيموس من أكثر النماذج التى تعبر عن فكرة التشبيك بين مجموعات مختلفة حول العالم، «هذا التنظيم صعب جدا الوصول إلى القائمين عليه وتتم اجتماعاتهم بسرية شديدة»، هكذا يوضح عضو مجموعة anonymideast التى تعمل بالمنهج نفسه، أما المعتاد والمتعارف عليه لدى مجموعات «أنونيموس» حول العالم أن يتم التواصل بينهم عبر برامج معينة للشات، وفى مساحات مخفية من شبكة الانترنت تعرف باسم «الانترنت العميق» (deep web)، حيث يصعب تتبعهم أو تحديد مواقعهم فى هذه المساحات المخفية من عالم الانترنت، والتى لا يزورها بطبيعة الحال المستخدم العادى للشبكة العنكبوتية.
ويطارد الهاجس الأمنى العديد من الذين اختاروا أن يكونوا «أنونيموس»، لذا تحاورنا معهم عبر حساباتهم المؤقتة على فيسبوك. نشأت النواة الأولى لمجموعة أنونيموس العالمية قبل حوالى عشر سنوات فى منتديات تعلم فنون القرصنة الالكترونية، ويشير لفظ «أنونيموس» فى عالم الانترنت إلى المستخدم المجهول، وهو اللقب الذى اتخذه عدد من القراصنة فى ذلك الوقت، حتى كانت بداياتهم كحركة عالمية فى العام 2008، اتضح خلالها العمل الجماعى المنظم حين قاموا ببعض العمليات الداعمة لموقع تسريب الوثائق السرية «ويكيليكس»، فاخترقوا عددا من المواقع الالكترونية الخاصة بشركات تسديد الأموال عبر الانترنت بعد أن فرضت حظرا اقتصاديا على دعم موقع ويكيليكس. وتحولت «أنونيموس» منذ ذلك الوقت إلى الانتماء لأفكار ومواقف، خاصة بعد أن اتخذت المجموعة مواقف مساندة لثورات الربيع العربى، وكذلك ضد المؤسسات التى تهدد حرية تداول المعلومات، وضد الأنظمة الاستبدادية حول العالم. تلك الرسالة الأخيرة التى وجهتها «أنونيموس» العالمية إلى النظام الحاكم فى مصر، ليست الأولى من نوعها، إذ أن المجموعة العالمية لديها أعضاء مؤسسون فى المنطقة العربية، يطلعونهم على حقيقة الموقف، حتى لا تتبنى المجموعة العالمية عمليات فى غير موضعها، أحدهم اختار أن يتواصل معنا تحت اسمه الحركى «Cyber-Terrorist»، هو مؤسس ومنسق لمجموعة أنونيموس فى الوطن العربى، وكان أحد من حددوا المكان الذى رفع منه الفيديو الخاص بالجنود المصريين أثناء اختطافهم فى شمال سيناء، إذ أن لدى المجموعة من الوسائل ما يمكنها من تحديد الموقع، بل وإرسال البيانات التى توصلوا إليها إلى الجهات المسئولة. لا يفوت «Cyber-Terrorist» أن يختم موضحا قواعد تعامل الأنونيموس قائلا: «نحن على استعداد لمساعدة السلطات فى تتبع أى شخص فى العالم، لكننا لا نقبل التمويل أو المساعدات المالية من أحد، ولا يستخدمنا أحد كأدوات عقاب أو تصفيات شخصية». ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة عمليات جديدة ضد مواقع الكترونية، تخص جماعة الاخوان المسلمين ووزارة الداخلية المصرية، فى حالة وقوفها ضد رغبات المتظاهرين فى 30 يونيو المقبل.

PDF

Wednesday, June 12, 2013

حكايات الشباب داخل الأحزاب

يقاومون التهميش في عالم السياسة
عبدالرحمن مصطفى
"فى نيتى أنا وعدد من الشباب أن نؤسس كيانا حزبيا جديدا، على أمل أن تكون لنا تجربتنا التى تحكمها عقلية الشباب الثورى، بعيدا عن الشكل التقليدى للأحزاب». لم يختلف حال أحمد الجناينى (36 سنة) هو وزملاؤه عن كثير من الشباب الذين لم يعرفوا طريق السياسة إلا بعد الثورة، ويتبدل حديثه إلى السعادة والفخر حين يتلو سجل مشاركاته فى عشرات الفعاليات التى خرج منها بإصابات واعتقال سابق، حتى توصل مؤخرا إلى قناعة ملخصها أن الشباب الذين اندمجوا داخل الأحزاب لم ينجحوا فى فرض أفكارهم وأسلوبهم على الواقع السياسى الحالى.
لم تكن نسبة الشباب الذى يبدى اهتماما قويا بالسياسة تتعدى 6% فى العام 2010 حسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة تحت عنوان «شباب مصر بناة المستقبل»، أما فى 2013 فقد تكونت شريحة اندمجت فى العمل الحركى بما فيه من فعاليات واشتباكات متتالية مع السلطة، وانتقلوا إلى العمل داخل أحزاب نشأت بعد الثورة، «فى أحداث شارع محمد محمود 2011 كان واضحا أن الشباب المشارك فى الفعاليات والاشتباكات المتتالية قد أنتج مجتمعا صغيرا، قرر أن يجرب طريق الحزبية»، ينقل أحمد الجناينى فى حديثه تلك الحالة من الزهو التى كانت مسيطرة على الشباب آنذاك، تجلت فى هتافات من نوعية «ياللى بتسأل إحنا مين.. إحنا شباب خمسة وعشرين». لكن تلك الحالة واجهت واقعا جديدا داخل الأحزاب ما زالت تداعياته مستمرة حتى اليوم.
بعد انضمامه إلى حملة دعم البرادعى، ثم حركة «حقنا» التى تكونت بعد انسحاب البرادعى من سباق الرئاسة، كان طوق النجاة بالنسبة إليه هو و زملائه فى حزب الدستور برئاسة الدكتور محمد البرادعى. وعلى مدى أكثر من عام كانت الفجوة قد بدأت تتضح بين تلك الشريحة من الشباب الثورى، وشريحة أخرى من السياسيين الأكثر اعتيادا على أجواء العمل الحزبى، «فى الحقيقة لم تظهر داخل الحزب قيادات جديدة من الذين قذفت بهم الثورة إلى العمل السياسى، وظلت نفس النخبة ذات الصلة بالإعلام والعلاقات القديمة بالسياسة فى الواجهة، وهو ما لم يتحمله البعض».
حسبما يكمل أحمد الجناينى العضو السابق فى حزب الدستور، فإن تلك الحالة أقلقت بعض الشباب من أن تكتمل الصورة بدونهم، وأن يظلوا «حطبا» للعمل الحركى والجماهيرى دون تقدير لدورهم فى صنع الحدث، أما الجانب الأوضح فى الصورة فهو أن هذه الشريحة من الشباب ذات الطابع الثورى كانت أكثر تمردا على الطابع التقليدى للمؤسسات الحزبية، هذا ما يتفق معه شاب مثل أحمد الجناينى، الذى لم يعد يحمل مرارة لتركه تجربة حزبية شارك فى بنائها، إذ يختم قائلا: «يارب يكون حزب الدستور أحسن حزب فى العالم، بس أنا عايز أدور دلوقت عن تجربتى الخاصة، وفيه ناس اختاروا معايا نفس الطريق».
فى انتخابات حزب الدستور الأخيرة التى أقيمت فى 31 مايو الماضى، طالب الدكتور محمد البرادعى، رئيس الحزب، الشباب بنبذ الخلاف والبدء فى العمل الاجتماعى والسياسى من خلال الحزب. ووسط تلك الأجواء كان سيد إبراهيم (31 سنة)، عضو أمانة العباسية والظاهر وباب الشعرية، ما زال متمسكا بانتمائه للحزب محاولا تجاوز تلك المرحلة معلقا: «مشكلتنا أننا أسرع من أبناء الجيل السابق الذى احترف العمل الحزبى والسياسى لسنوات، ورؤيتنا أوضح». يضرب سيد مثلا بجمعة كشف الحساب فى أكتوبر من العام الماضى، حين بدأت اشتباكات بين أبناء التيار الإسلامى والتيارات المدنية، إذ يوضح سيد إبراهيم: «كانت تأتينا مكالمات من الحزب أن ننسحب خشية تصاعد الموقف، وكانت القيادات حساباتها سياسية، بينما كانت حساباتنا نحن وشباب القوى الأخرى المتضامنة معنا ثورية تماما».
هذه المساحة التى تتحرك فيها هذه الشريحة من الشباب تجعلهم أحيانا على خلاف مع شباب من أحزاب أخرى إذا لم يعبروا عن مواقفهم الثورية بوضوح، على سبيل المثال فإن سيد إبراهيم نفسه كان عضوا فى حملة دعم الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح لرئاسة الجمهورية، ورغم ذلك لم ينضم بعدها إلى حزب مصر القوية، ويقول: «حتى الآن يدعوننى بعض الأصدقاء فى حزب مصر القوية للانضمام إليهم، وربما يكون هذا الحزب أفضل من ناحية الهيكلة وتمثيل الشباب فى مراكز القيادة، لكن هناك تذبذبا فى مواقفه الثورية والجذرية».

أهل الثورة وأهل الخبرة
نال حزب «مصر القوية» عددا من الانتقادات التى يمكن ملاحظتها بسهولة على حسابات النشطاء فى فيس بوك وتويتر، إذ تكفى جولة بسيطة على الإنترنت حتى نرى تلك الألقاب الساخرة التى نالها الحزب، وأشهرها تلقيبه بـ«مصر الطرية» كبديل عن «مصر القوية»، أو أن تظهر بعض «القفشات» كتلك التى ذكرت أن الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح سيعلن عن تدشين حملة «تردد»، كبديل عن حملتى «تمرد» و«تجرد»، فى إشارة إلى الموقف الوسطى الدائم الذى يتبناه الحزب.
«فيه حالة استقطاب سياسى حادة فى مصر، على طريقة إما معى أو ضدى، والناس مش بتقدر قرارات الحزب إلا بعد وقت». التعليق للمهندس محمد هيكل ــ الأمين العام المساعد فى حزب مصر القوية، الذى يرى أن الحزب يعبر عن قناعاته وليس عن تحالفات وقتية قصيرة المدى، مضيفا أن النقطة الأهم فهى أن ملامح السيرة الذاتية للكثير من قيادات الحزب تكشف عن خلفية مشتركة، إذ مارس كثيرون منهم العمل التطوعى أو الخيرى قبل سنوات وهناك من لهم خلفية تنظيمية سابقة فى جماعة الإخوان المسلمين، فهل أعطى ذلك طابعا جعلهم أكثر اندماجا مع روح العمل المؤسسى داخل الحزب، بما يتبع ذلك من انصياع لنتائج التصويتات أو القرارات الجماعية؟ المهندس محمد هيكل نفسه كان عضوا سابقا فى جماعة الإخوان المسلمين، كما عمل لعامين مع «صناع الحياة»، وانضم إلى الحملة الشعبية لدعم البرادعى، ما يجعله يقول معلقا: «هناك ملامح مشتركة لأعضاء الأمانة العامة فى الحزب، فهناك بالفعل من كانت لهم خبرات فى عمل مؤسسى ذى طابع تنموى أو خدمى، ما أكسبهم أداء أكثر احترافا.
تبدو تلك الحالة من التجانس بين أعضاء حزب «مصر القوية» قريبة من نموذج آخر هو حزب «التحالف الشعبى الاشتراكى»، الذى لا يخلو من صراعات داخلية دون أن تصل إلى حد الاشتباك بين الشباب الثورى والجيل التقليدى الأكبر سنا، لكن ذلك لم يمنع وجود بعض المنغصات التى يواجهها الشباب داخل الحزب، هذا ما ظهر بشكل مستتر بعد انتخابات المكتب السياسى لحزب التحالف الشعبى الاشتراكى، حين لم يجد بعض شباب الحزب متنفسا للتعبير عن قلقهم سوى موقعى فيس بوك وتويتر، حيث اختصر البعض مرارته من نتائج الانتخابات فى أن «التجمعيين المنشقين عن حزب التجمع قد ربحوا فى انتخابات المكتب السياسى لحزب التحالف الشعبى الاشتراكى»، بينما كتب شباب آخر دعوة للتفاؤل مستدلين بالفارق البسيط (5 أصوات) الذى كسب به طلعت فهمى ــ صاحب الخبرة السياسية فى حزب التجمع سابقا ــ منصب الأمين العام، أمام الناشطة الشابة إلهام عيداروس.
«ما من شك أن هناك ضيقا يعيشه بعض الشباب من استمرار تعبيرات من نوعية: القيادة التاريخية، والحنكة السياسية، وهو ما يمثل أمرا محبطا لشباب قضوا أوقات كثيرة فى العمل الجماهيرى، وكلهم رغبة فى جنى حصاد تعبهم، وفرض قواعد جديدة للعمل الحزبى». العبارة للمهندس محمد سند، عضو المؤتمر العام لحزب التحالف الشعبى الاشتراكى الذى انتقل قبل عامين فقط إلى العمل الحزبى، دون خلفية تنظيمية أو سياسية قبل عام 2011، مثله فى ذلك كمثل شريحة واسعة من شباب الحزب الذين اجتذبهم الفكر الاشتراكى.
«ما يحدث حاليا أن الأجيال الأكبر أكثر احترافا فى عالم الانتخابات داخل الأحزاب، لأنهم يجيدون فن التعامل مع الصناديق الانتخابية والتربيطات السياسية طوال الوقت، على عكس الأداء العفوى لأغلب الشباب، وهذا ليس خطأ الشباب، فسيأتى وقت ويفرض الجيل الشاب قواعده فى العمل السياسى والحزبى».
لماذا لا ينفجر الموقف بين الشريحة الأكبر سنا القادمة من حزب التجمع (الأكثر تقليدية) فى مواجهة الجيل الشاب الأكثر ثورية؟ يجيب محمد سند، قائلا: «ببساطة لأننا كلنا اشتراكيون، وهذا ما يوحدنا داخل الحزب ويقلل من روح العداء، إذ إن المرجعية السياسية الواحدة تنظم علاقاتنا داخل الحزب». وتحت ضغوط العمل الحزبى الجديد على شباب أدمنوا الثورة، يظل الخيار مطروحا بين استكمال المسيرة حتى يفرض الشباب أسلوبهم على العمل الحزبى، أو الاكتفاء بنوع آخر من العمل الحركى والجماهيرى فى الشارع.


حركة «تمرد».. طوق النجاة للحركات الثورية
عبدالرحمن مصطفى
لا يخفى سامح حسن زهده فى الانضمام لأحزاب سياسية قائلا: «تهدف الأحزاب إلى الوصول إلى السلطة ودخول البرلمان، أما أنا فليس لدىّ طموح سياسى، لذا اخترت البقاء فى العمل الحركى، بحيث أدير أى فعالية أو أشارك فى أى حملة وأنا حر من أى قيود». هذا الاختيار الذى ذكره سامح، عضو «جبهة ثوار حدائق القبة»، له ضريبة يدفعها من لا يملك شرعية الأحزاب أو توافر المقر الدائم، فحسبما يصف سامح حسن (34 سنة)، فإن ضعف الإمكانات وغياب المقر، دفعا أعضاء جبهة ثوار حدائق القبة فى بداية عملهم إلى الاجتماع فى الحديقة العامة أمام القصر الجمهورى بالقبة.
وعلى مدى أكثر من عامين ماضيين، كانت المهمة تتنوع، بدءا من المشاركة فى حملة توعية «امسك فلول» التى تكشف عن أعضاء الحزب الوطنى السابقين لمنعهم من المشاركة السياسية، وحملات «عسكر كاذبون»، والتنسيق بين المسيرات وتأمينها، ورسم الجرافيتى داخل نطاق الحى، حتى تطور الأمر مع أبناء الحركة أن شاركوا فى التنسيق لجمعة «كش ملك» التى أقيمت فى فبراير الماضى أمام القصر الجمهورى بكوبرى القبة، وسط عشرات الحركات الثورية. يوضح سامح حسن: «اندماجك فى العمل الحركى على فترات متباعدة، يعرضك لمشاكل وإحساس بالعجز أحيانا، حين يتكرر معك نفس السيناريو دون جدوى، فتجد أحدهم يبدأ بإلقاء المولوتوف، ثم تبدأ الاشتباكات العنيفة مع الأمن، لذا فقد كانت حملة تمرد بطابعها السلمى طوق نجاة لكثير من الحركات الثورية التى عاشت ركودا فى الأسابيع الماضية».
هناك بين زملاء سامح حسن فى جبهة ثوار حدائق القبة، أعضاء فى أحزاب، منهم شريف حفنى أحد المؤسسين وعضو حزب الدستور، ورغم أن فكرة جمع توقيعات رافضة لوجود الرئيس محمد مرسى تعود إلى أحد القيادات الشابة بحزب الدستور، والتى تحولت إلى حملة «تمرد» فى وقت لاحق، فإن تنفيذها كان بالدرجة الأولى معتمدا على الحركات الثورية والمستقلين الذين عملوا فى مناطقهم الجغرافية. ويعلق شريف حفنى، العضو المؤسس فى جبهة ثوار حدائق القبة، قائلا: «حين نتحرك كحركة ثورية، فبإمكاننا أن نمر بين الحارات لجمع التوقيعات، بل وطرق أبواب المنازل إذا أردنا.
ولأن مثل تلك المجموعات تواجه ضعفا فى تمويلها وانتظام اجتماعاتها، إلى جانب غياب التفرغ، فلا سبيل لها سوى فى التحالف مع حركات شبيهة، على سبيل المثال فإن أقرب الحركات جغرافيا لجبهة ثوار الحدائق هى حركة «العباسية مش تكية»، ومؤخرا كوّن عدد من الشباب مجموعة «درع الزاوية» فى منطقة الزاوية الحمراء المجاورة. وتكفى زيارة إلى صفحتهم على فيس بوك للكشف عن تفاصيل وصراعات داخل نطاق جغرافى ضيق يواجهونها فى مواجهة أنصار جماعة الإخوان المسلمين، وذلك بسبب توزيع استمارات «تمرد» فى الحى. هذه البساطة والعفوية نفسها هى ما يميز حملة «تمرد بصفة عامة، فهى لا تهتم بالكيانات الكبرى، كما يقول إسلام همام، عضو اللجنة المركزية لحملة «تمرد»: «نتعامل منذ بداية الحملة مع المتعاونين معنا على أنهم كيانات، أيا كان الاسم، لأننا نستهدف جميع المصريين كمتعاونين سواء كانوا أفرادا أو حركات ثورية أو أحزابا سياسية». تلك الروح تظهر فى استمارة «تمرد» نفسها، إذ يتعهد الموقع بالتمسك بأهداف الثورة والعمل على تحقيقها.
PDF

Thursday, May 23, 2013

فى عالم الشباب.. لايأس مع الغناء.. ولا غناء بدون سياسة

 «احنا الصوت ساعة لما تحبوا الدنيا سكوت».. جملة تحولت إلى جرافيتى وهتاف وأغنية !

  الألتراس الغنائى.. آخر تجليات الثورة

عبد الرحمن مصطفى:
حين دشن الشاب إسلام عثمان صفحة ألتراس فريق كايروكى الغنائى U.C Ultras Cairokee قبل أسابيع، اكتشف هو وزملاؤه أن هناك عدة صفحات بالاسم نفسه، لكنهم اختاروا طريقا آخر يميز صفحتهم، وهو نقل عملهم من الانترنت إلى الأرض، والتعبير عن إيمانهم بفريقهم الغنائى على طريقة الألتراس الرياضى.
«ببساطة اجتمعنا كمؤسسين للصفحة مع بعض الأعضاء، وقررنا طباعة قمصان عليها كلمات أشهر أغنيات فريق كايروكى، على أن يكون هدفنا هو تكوين تجمع يشبه الألتراس، لكن دون إطلاق شماريخ أو صدامات من أى نوع».
 تلك التجربة التى يشرحها إسلام عثمان، أحد مديرى الصفحة، تعكس ذوبان العديد من التجارب والأفكار فى نموذج واحد، فقبل الثورة كان العالم السفلى (الأندرجراوند) فى الغناء أو التشجيع الرياضى أو الحركات السياسية يكافح من أجل موضع قدم حسب قواعد فرضها النظام السابق، لكن تلك المساحات تداخلت معا الآن بين السياسة والموسيقى والتشجيع الرياضى، وأصبح صخب الحفلات يشبه صخب المظاهرات، ومن هنا تبدأ تجربة جديدة هى الألتراس الغنائى، كنموذج لتلك الحالة.
 فى حفلة فريق كايروكى الأخيرة بساقية الصاوى فى الزمالك، ارتدى الشباب تيشيرتات عليها: احنا الصوت ساعة اما تحبوا الدنيا سكوت. هى نفس الكلمات التى كتبها الشاعر عبدالرحمن الأبنودى فى قصيدة «الأحزان العادية» التى منعت من الإذاعة قبل أكثر من 30 سنة، وأعادت فرقة كايروكى إحياءها فى أغنية: «إحنا الشعب»، وفى الحفلة الأخيرة طبعت تلك الكلمات على قمصان هؤلاء الشباب الذين مازالوا يرون أنهم فى أجواء عالم الهامش الذى لم يسود بعد.
 ينشط مع إسلام عثمان فى إدارة الصفحة زميله عبدالرحمن سعيد ــ فى كلية التكنولوجيا بجامعة حلوان ــ الذى تخطى حاجز الإعجاب بالفريق الغنائى إلى محاولة العزف على آلة الكمان حبا فى موسيقى الفريق الذى يطمح أن يكون عازفا فيه فى يوم من الأيام.
 لذا ليس غريبا أن يكون هو نفسه متطوعا فى مشروع «بيت الرصيف بالمعادي» حتى يظل فى دائرة الفرق الغنائية الشابة التى تنتمى للتيار نفسه ، ويعلق قائلا: «أغانى العالم السفلى (الأندرجراوند) تعبر عن قناعات وأسلوب حياة كامل، هى فن التعبير عن الواقع والغضب والطموحات، بعيدا عن زيف ما يقدمه الغناء التقليدى من موضوعات مستهلكة».
 ذلك الصراع من أجل التغيير فى الموسيقى والتشجيع الرياضى والواقع السياسى يمتزج تماما لدى شريحة الشباب الوافدة على هذا النوع من الحفلات، فإسلام عثمان احتك بألتراس الوايت نايتس، وهى رابطة من مشجعى النادى الزمالك، واقترب من أسلوب فرحتهم، وأدرك مع زملائه صخب المظاهرات وهتافات التغيير، لذا كانت المحصلة إظهار التقدير لفريقهم الغنائى بأسلوب جديد.
 هذه الملامح لا تفاجئ آخرين عاشوا وسط هذا العالم لسنوات طويلة من قبل الثورة، وما زالوا على صلة بكثير من الفرق الشبابية التى خرجت من هذه الثقافة، أحد هؤلاء هو عصام نصر مدير إحدى شركات إدارة حفلات كما يدير أعمال بعض الفرق الغنائية المستقلة، و هو يعلق قائلا: «أعرف بعض الفرق التى دخلت إلى مجال الموسيقى وحققوا حضورا ملموسا، بسبب تأثرهم ببعض الفرق الشهيرة مثل وسط البلد، مسار إجبارى، وبلاك تيما، وغيرهم، لقد كانوا جزءا من جمهور حفلات تلك الفرق الكبيرة».
 هذه العبارة المتفائلة تخفى وراءها متاعب وعوائق يواجهها من اختاروا العيش فى العالم السفلى للغناء، أو من اختاروا تكوين فرقة بعيدا عن النمط التجارى ــ التقليدى، يكمل عصام نصر الذى عمل من قبل فى ساقية الصاوى كمسئول عن الورش الموسيقية وفى لجنة الاستماع: «هذا النوع من الغناء مازال مرتبطا بأماكن بعينها، ويجتذب شرائح معينة لديها وعى أكبر بمشاكل المجتمع والواقع من حولهم، لذا لا بد على المغنى أو الفريق أن يكون لديه مشروعا يعمل عليه، وهو ما حدث مع الفرق الكبيرة التى بدأت فى التحرك مؤخرا بعيدا عن الهامش نحو مزيد من الجماهيرية والشعبية».
 ولأن هذا العالم يعمل بشكل مستقل، فلا توجد إدارة فنية تدفع بمشروعات شباب الهواة، أو تمدهم بالخبرة كى ينتقلوا إلى عالم الاحتراف، حسبما يوضح عصام نصر.

«خلى السعادة عادة»
فى هذا العالم تتقارب المسافات بين المغنى القادم من عالم بديل عن الغناء التقليدى، وبين جمهور مازال يبحث عن التغيير، وتتحول الكلمات هنا إلى شعارات، والأشعار إلى هتافات، وهو ما جذب فنانو الجرافيتى المنتمين بطبيعة الحالة إلى نفس هذا الهامش كى يستعيروا أشعارا وكلمات غناها فنانون مستقلون وأخرى غناها فنانون قريبون من هذا المزاج مثل الشيخ إمام وبعض أغانى محمد منير.
 وهى منطقة أخرى بين امتزاج الفنون التى مازالت فى الهامش ، لذا لم يكن من الغريب أن يرسم أحد فنانى الجرافيتى رسما مستخدما فيه جملة: «خلى السعادة عادة»، لفنان الراب المصرى ــ زاب ثروت ــ الذى كون معجبوه أيضا ألتراس» يحضر حفلاته، أو أن يستخدم فنان جرافيتى آخر فى شارع محمد محمود كلمات من أشعار أحمد فؤاد نجم التى غناها الشيخ إمام.
 وحتى فى عالم الحركات السياسية الشابة، التى مازالت هى الأخرى بعيدة عن السلطة والتى لاتزال على هامش العمل السياسى التقليدى، حدث ذلك التزاوج بين فنون مختلفة بهدف خدمة حالة المقاومة الشبابية، كأن تستخدم حركة 6 أبريل فى العام الماضى نفس الجملة التى استخدمها فريق كايروكى من قبل لعبدالرحمن الأبنودى... كما ألف أحد أعضاء الحركة آنذاك أغنية بعنوان: «احنا الصوت ساعة لما تحبوا الدنيا سكوت»، وكانت هى النشيد الرسمى لحركة 6 أبريل.
 «استخدمنا هذه الجملة أيضا من قصيدة عبدالرحمن الأبنودى وطبعناها على قمصاننا فى بعض الفعاليات، وهو ما دفعنى إلى أن أجعلها عنوانا لأغنية الحركة فى ذلك الوقت قبل عام من الآن». الحديث هنا لحسام الهكارى العضو السابق فى حركة 6 أبريل، أما الأغنية نفسها ، فكانت من تلحين مصطفى عزت من أعضاء الحركة، وقريبة من مزاج أغانى الألتراس الرياضى، ورغم أنهما أعدا أغنيات أخرى باسم الحركة، لكن «احنا الصوت ساعة لما تحبوا الدنيا سكوت» كانت الأكثر تعبيرا عن تلك الحالة التى تمتزج فيها روح الألتراس مع الحركة السياسية المقاومة.
 «كل ما فعلته أن استعرت الجملة عنوانا، وأكملت الأغنية من تأليفى أنا، وهى مجرد هواية أمارسها لنفسى، ووجدت الفرصة لاستغلالها فى ذلك الوقت».
 تلك الحالة يتشابه فيها مزاج الألتراس المُعادى للحس التجارى فى الرياضة، مع الغناء الداعم للتغيير الاجتماعى، وتتحول الأشعار إلى هتافات سياسية أو إلى جرافيتى، كل ذلك فى محاولة لنيل مساحة جديدة بعيدا عن التهميش وتوصيل طموحات لم تنجح الثورة فى تحقيقها.

الوطنية والسياسة والواقعية.. خلطة لها سحرها

عبد الرحمن مصطفى

أثناء البروفات الغنائية لأعضاء فريق «حكايات» فى حفلهم الأخير بمركز مكان للثقافة والفنون، ينتقل الغناء بين موال وأغنية للشيخ إمام ، والشيخ سيد درويش.
ويقتطع شادى مؤنس ــ مؤسس الفريق ــ دقائق قبل انتهاء البروفات للحديث قائلا: «منذ سنوات تمت استعادة أغنيات الشيخ إمام وسيد درويش، لأنهما كانا من أشهر النماذج التى عبرت عن المقاومة بالغناء، وطرحا أفكارا خارج الإطار التقليدى والسائد فى زمنهما، وهو ما جعلهما ضيفين دائمين على غناء العديد من الفرق الشبابية، التى تتخذ نفس النهج».
شارك شادى مؤنس فى تأسيس فريق «اسكندريلا» الذى سلك نفس الطريق منذ العام 2005 ، فى أغنيات تتأرجح بين السياسة والوطنية ومعايشة الواقع.
 وفى العام 2009 أسس شادى مؤنس فرقة «حكايات» من نفس المدرسة، ومع ازدياد عدد الفرق والمشروعات الغنائية التى تنتهج نفس النهج، أصبح السؤال: هل تلك الخلطة بين الوطنية والسياسة أكثر جذبا للشباب مثلما يبدو الحال خلال الحفلات الشبابية ؟
 قبل بداية الحفل بقليل انضم إلى الحديث الفنان الشاب محمد محسن، الذى اعتمد فى مشواره الغنائى على موروث سيد درويش والشيخ إمام، وعلق قائلا: «الموضوع ليس عن أغانى سياسية أو وطنية، القصة ذات صلة بحياة الناس، وأن تكون أفكار الأغانى من قضايا المجتمع، هذا ما يجذب شريحة من الشباب لا تجد ذلك فى الغناء التقليدى، وما فعله الشيخ إمام أو سيد درويش أن سارا فى هذا الطريق، حتى إن كان ذلك بلغة المقاومة أحيانا، وأوضح مثال على ذلك أن الشباب لم يجد أكثر صدقا من الشيخ إمام ليعبر عنه فى ميدان التحرير».
 هل يظل الشباب أسيرا للأماكن نفسها التى تقدم هذا النوع من الفن داخل المراكز الثقافية وبعض الفعاليات الحكومية النادرة؟
 هنا يجيب شادى مؤنس قائلا: «دعنا نرى الأمر بشكل أكثر تفاؤلا، فإن فرقة مثل (اسكندريلا) كانت تغنى داخل الاعتصامات وفى المراكز الثقافية وغيرها، وفى الوقت نفسه غنت فى مهرجان جرش وفى دار الأوبرا المصرية.. وعرضت فنها على شريحة جديدة من الجمهور». تلك التفاصيل تدور فى خلفياتها العديد من التغيرات، إذ إن حالة الثورة والتغيير والانخراط السياسى لشريحة من الشباب، دفع الاعلام إلى البحث عن الفنون التى تعبر عن أفكارهم وتسجل غضبهم، كذلك فإن بروز نماذج جاءت من الهامش ودخلت فى عالم النجومية مثل باسم يوسف الذى بدأ من مساحة غير تقليدية فى برنامج على الانترنت، جعلته ذلك الهامش يتحرك، كأن يحمل برنامجه فقرات غنائية ثابتة تعبر عن تلك الثقافة، وهو ما تكرر فى برامج تليفزيونية أخرى، ما جعل هناك خطوة إلى الأمام فى تعويد شريحة أكبر من الجمهور على هذا النوع من الفن، وألا يقتصر الأمر على تلك الصورة النمطية لجمهور الشباب الثائر والغناء المستقل.
 فى أثناء حفل فرقة «حكايات» بمركز «مكان» الثقافى، كان الدكتور أحمد المغربى ــ مدير المركز ــ يجلس جوار مهندس الصوت، ويرى المغربى أن المراكز الثقافية قد أتاحت بدائل قبل سنوات طويلة لجمهور يرغب فى سماع كلمات وألحان تناقش قضايا حياته، أو نوع آخر من الموسيقى، وتقاوم الواقع البائس والمكرر.
 ويقول: «بعد أكثر من عامين على الثورة، وسقوط الهواجس الأمنية القديمة، مازال الطموح الأكبر هو فتح المجال أمام قصور الثقافة لتحتوى كافة أنواع الغناء دون خوف، وأن يجد الشباب من يجسد رؤيته فى الحياة بأقل تكاليف». داخل المراكز الثقافية المستقلة بإمكان الشباب سماع أغنية متهكمة على الواقع السياسى، أو أن يهتف الجمهور هتافات معارضة، فهل تنتهج تلك المراكز سياسة تتعمد إتاحة هذه الأجواء داخل قاعاتها؟
 يجيب الدكتور أحمد المغربى: «المراكز الثقافية هى التى تضع سياساتها حتى إن حصلت على دعم خارجى، فإذا اطلعنا على شروط أى منحة لدعم مشروعات ثقافية، نجدها عامة، ويقدم المركز أفكاره للحصول على الدعم، وأنا هنا على سبيل المثال أهتم بنوع آخر من الفنون: مثل الحضرة والزار والانشاد الدينى، وهو ما جعل تصميم المكان نفسه قائم على الحميمية، والجمهور هنا من نوع خاص، فهو مهتم بالموسيقى والتعرف على الجديد، على عكس أماكن أخرى تركز على أغانى الفرق المستقلة تحديدا».
 فى أثناء حديثه تغنى فرقة «حكايات» أغنية بعنوان «مصرستان»، تبدأ كلماتها: «مصرستان يا مصرستان إحنا خلاص جالنا الإخوان».
 مثل هذه الأغنية التى لاقت صدى لدى الجمهور الحاضر، سواء حين غنتها الفرقة فى مركز مكان الثقافى أو فى أماكن أخرى تظل بعيدة عن السائد والتقليدى، فهل هناك نوعين من الفن، سائد وهامشى؟ .. يجيب الدكتور أحمد المغربى: «فكرة الغناء المستقل والأندرجراوند أو فنون الهامش، تحتاج إلى مراجعة، فالسائد ليس فقط ذلك الفن التقليدى والتجارى الذى تديره شركات ورجال أعمال ويعرض على الفضائيات، فبالنسبة لى أجد شيخا مثل المنشد الدينى ياسين التهامى هو الذى يعبر عن الفن السائد، وله مساحات انتشار لا يرها الإعلام .. لقد أصبحت كلمات الهامش والاستقلال فى حاجة إلى مراجعة مع تلك التغييرات التى نعيشها منذ الثورة».

عالم الحفلات بعيون مهندس صوت


«الحقيقة.. بقيت باشوف حاجات كتير فى الحفلات ماكنتش باشوفها زمان، تقريبا جمهور الكورة بقى ضيف على حفلات المزيكا بنفس طريقة التشجيع، يعنى ممكن تلاقى شماريخ بتولع، و حد قلع قميصه من الاندماج .. يعنى الفرفشة مش للدرجة دى!».
 العبارة لمحمد حسن مهندس الصوت الذى عمل قبل سنوات فى ساقية الصاوى، ويعمل الآن بشكل حر فى عدد من الأماكن، وبحكم انخراطه مع عالم الفرق الشبابية قبل وبعد الثورة، أصبحت لديه انطباعات عن تغييرات حدثت فى علاقة الشباب بالموسيقى.
 «بعض الشباب قد تأثروا بفرق ظلت تعمل على مشروعها الفنى لسنوات طويلة مثل مسار إجبارى أو بلاك تيما أو وسط البلد، ما أجده الآن أن هناك جرأة من الشباب لخوض تجربة إقامة فرقة موسيقية، لكن هل سيكون لديهم الصبر حتى يستمروا لسنوات من أجل تحقيق مشروعهم الغنائى؟. هناك فرق أجدها نسخا من فرق سابقة عليها».
 خلال الحفلة يستقر محمد حسن خلف جهاز الصوت، ويعمل على مرحلتين، إذ يبدأ قبل الحفلة فى ضبط الصوت، ثم يكمل عمله أثناء الحفلة.
 «بعض الفرق لا تهتم بمرحلة ضبط الصوت قبل الحفلة، نتيجة الاستعجال، ونقص الخبرة، أو لأن بعضهم يرى أن فى ذلك إهانة له، رغم أن فنانين عالميين يديرون بروفات لعدة ساعات، ويتجولون فى المسرح قبلها بوقت طويل حتى يعتادوا الأجواء».
 يستكمل محمد حسن حديثه، مبرزا بعض ملاحظاته حول تطور علاقة الشباب بالموسيقى بحكم وظيفته، ويضيف ساخرا: «مهندس الصوت فى الحفلة مش بتاع فراشة أو كهربائى، اللى عايز يغنى لازم يحاول يتعرف على كل مراحل الغنا».
 لم تكن تلك الملاحظة الوحيدة التى يسجلها محبو الفرق الشابة الجديدة، حين يصطدمون بفرق غنائية تكاد تكون استنساخا لتجربة ناجحة من قبل، أو حين يجدوا أجواء الحفلات لا تتعمق فى فهم رسالة الفريق، وهو ما يظهر فى تعليقات زوار على مواقع الانترنت مثل يوتيوب أو ساوند كلاود، يسجلون فيها استنكارهم لصخب الجمهور فى مواضع ليست مواضع صخب، كالتصفيق والصراخ فى لحظات العزف المنفرد من أحد أعضاء الفرقة، أو التشويش على موال يغنيه المطرب.
 لم يكن محمد حسن بعيدا عن تجربة تكوين فرقة غنائية، إذ حدث ذلك مع أصدقائه المقربين، لكن لم تكتمل التجربة، ويصف ذلك قائلا: «فيه فرق بتتكون على القهوة، ويكون وراها فكرة، بس ده ما يخليهاش تكمل». أمور مثل عدم التفرغ، والانشغال بأعمال أخرى تفكك العديد من الطموحات، وقتها يعود أفراد تلك الفرق إلى صفوف الجماهير، أما محمد حسن ففى موقعه محاولا إبراز صوت المغنين والعازفين فى أفضل صورة.

شعراء الجيل

عبدالرحمن مصطفى:

«أنده عليها وأقول سيّد أيا درويش والشيخ إمام يهتف شيّد قصورك.. عيش و أنا نفسى أموتلك شهيد حتى ف طابور العيش لو تفرحى»..
هذه الأبيات للشاعر مايكل عادل تبرز حضور سيد درويش والشيخ إمام فى أشعار جيل جديد ارتبطت أعماله وأفكاره بمحيط التحرير وأحداث الثورة، وحتى من قبلها كانت تلك النبرة الثورية موجودة بقوة فى أعمال الجيل نفسه، غير أنها كانت ممزوجة بالعاطفة.
 لا يخفى شاعر شاب مثل مايكل عادل تأثره بشاعر من نوع خاص هو مجدى نجيب، لكن تلك النبرة الثورية برزت أكثر فى عنوان ديوان مايكل الأخير «س 28» فى إشارة إلى مجمع النيابات العسكرية الذى مر عليه عدد من المتظاهرين فى العامين الماضيين.
 ذلك الوفاء إلى جيل سابق يظهر لدى شاعر آخر هو مصطفى إبراهيم الذى صدر له مؤخرا ديوان «المانيفستو»، ولم يخف فى ديوانه السابق «ويسترن يونيون فرع الهرم»، الذى سجل فيه إهداءات لشخصيات تأثر بها، منهم الشاعر أحمد فؤاد نجم، حين ذكر فى مقدمة كتابه: «إهداء لعم نجم الوحيد اللى مبعش».
 كل من مايكل عادل ومصطفى إبراهيم يقدمان أغانيهما إلى المغنين الشباب والفرق المستقلة، ضمن شريحة من الشعراء ، تعتمد طرح موضوعات ذات صلة بالواقع، ويلعبون حسب قواعد أبناء جيلهم باستخدام التدوين والتسجيلات الصوتية والفيديو والفيسبوك لإتاحة أعمالهم، وهو ما يصنع رواجا من نوع خاص لا يعتمد فقط على الظهور الاعلامى و الأداء التقليدى.