Showing posts with label ريبورتاج. Show all posts
Showing posts with label ريبورتاج. Show all posts

Sunday, July 6, 2014

تفاءل .. أنت في رمضان


 
في الوقت الذي تتصدر فيه مشاهد العصبية والتوتر وجوه المصريين في رمضان، ترى الدكتورة هبة العيسوي أستاذ الطب النفسي في جامعة عين شمس، أن هذا الشهر يحمل معه ما يدعو إلى التفاؤل، وتقول: "لننظر إلى الجانب الإيجابي في هذا الشهر الكريم، حيث تنكسر حالة الوحدة إلى حد كبير، بسبب ما يحدث من صلة للرحم، وتقارب بين الناس في وقت الإفطار، وهو ما يمثل دعما نفسيا للانسان". هذه الحالة التي تصفها الدكتورة هبة العيسوي يحتاجها بعض المصابين بأمراض نفسية مثل "الوسواس القهري"، حين يمثل لهم التواصل الانساني في رمضان شيئا من الدعم النفسي.
لكن صورة الصائم المتوتر والعصبي مازالت تسيطر على تفكير كثيرين، وهناك عوامل تقف وراء ذلك، منها امتناع ملايين عن التدخين في نهار رمضان، وامتناع الملايين عن شرب المنبهات وعلى رأسها الشاي والقهوة. كذلك فهناك نظرية أخرى تفسر عصبية بعض الصائمين، وهي أن المخ يعتمد على السكر الموجود في الدم، و أن المخ هو أكثر أعضاء الجسم تأثرا بقلة السكر، وهو ما ينعكس على عصبية الانسان، لكن هبة العيسوي أستاذ الطب النفسي، تطرح رأيا آخر أكثر عملية إذ تقول أن ممارسة الصوم تعمل على تحفيز بعض الهرمونات في الجسم تساعد في الإحتفاظ بالمياه داخل الجسم، وهو ما يساعد على حالة التحفز والانتباه لدى الصائم، وهو ما تدعو هبة العيسوي إلى استغلاله استغلالا جيدا في المذاكرة والعمل.


60 دقيقة في رحاب السيدة زينب .. 

- جولة بين موائد الرحمن وأهل الخير قبل أذان المغرب

كتب – عبدالرحمن مصطفى
في مساحة لا تزيد عن كيلومتر مربع، قرب مسجد السيدة زينب، تبدو أجواء رمضان أقل صخبا عن أعوام سابقة، لكنها ما زالت تحمل الخير في أرجاء المكان، وقبل أذان المغرب بحوالي الساعة، كان المشهد كالتالي، حالة من التوتر أصابت بعض الصائمين وهم يسعون إلى منازلهم، بينما يجلس البسطاء في ساحة المسجد وكلهم ثقة بأن رزقهم سيأتيهم أينما استقروا.
"لو بتسأل عن موائد رحمن أو توزيع أكل، هتلاقيهم بعد القسم .." كانت تلك إجابة إمرأة جالسة في جوار المسجد بعد سؤالها عن وجود "أهل الخير" وموعد ظهورهم، إذ اعتادت الأعين في هذا التوقيت على رؤية المتبرعين وهم يوزعون الأطعمة بين الفقراء، لكن البعض هنا يراهن أن يزداد حضورهم في العشر الأواخر من شهر رمضان. أما أبرز من يتولون المهام الخيرية في محيط المنطقة، فهم أصحاب موائد الرحمن التي تتصدر الطريق، إلى جانب بعض الميسورين من أصحاب المطاعم الذين يوزعون الوجبات على الفقراء.
ومع بداية الساعة الأخيرة قبل الإفطار، يقرر قسم شرطة السيدة زينب إغلاق الشارع، وتحويل المرور إلى الطريق الموازي، تحسبا لأي هجمات تخريبية، بينما يختلف المشهد على بعد حوالي 200 متر، حيث يرص العاملون في "فراشة نصار" طاولات وكراس في مائدة للرحمن كبيرة قرب الشارع الرئيسي، ويقف مصطفى نصار المدير التنفيذي للشركة متابعا عملية تحضير الوجبات باهتمام.
"نقيم هذه المائدة في رمضان من كل سنة، ونجهز حوالي 150 وجبة موزعة على المائدة يوميا، بينما نجهز 50 وجبة أخرى للعاملين والسائقين في المحلات المجاورة، وبحكم خبرة السنوات الماضية في إدارة مائدة الرحمن، أصبحنا نحضر الطعام وفقا لجدول، تتنوع فيه الأطعمة كل يوم". هذا ما يذكره مصطفى نصار، الذي اتجه إلى خارج المتجر لمتابعة المشهد، حيث بدأ يتسلل بعض البسطاء قبل الإفطار بحوالي ساعة إلا ربع الساعة، ليحجزوا أماكنهم مبكرا.
تبدو وجوه البسطاء حول المائدة مألوفة للعاملين هنا، فغالبية الجالسين هم من أبناء حي السيدة زينب ويحضرون إلى المائدة في كل سنة، أما إذا انتقلنا في اتجاه شارع قدري المجاور، فيظهر زحام في منتصف شارع بورسعيد الرئيسي، حيث تقف سيارة ربع نقل يتجمهر حولها المارة، لأخذ نصيبهم من "التمر هندي"، وقد رفض أصحاب السيارة التصوير أو التحدث معللين ذلك بأنه "عمل خيري"، وأنهم يريدون إنهاء المهمة في أسرع وقت.
مر الوقت، وأصبح متبقيا على لحظة إطلاق مدفع رمضان نصف ساعة، وفي تلك الأثناء يبدو شارع بورسعيد المؤدي إلى ميدان السيدة زينب هادئا، حيث يتلاشى الزحام والصخب، عدا ما يسببه أصحاب الميكروباص الذين استغلوا هذا الهدوء للوقوف بحرية والنداء على الركاب حتى لحظة الإفطار، لكن لا يستجيب لهم إلا القليل.
بعد لحظات تبدو المفارقة واضحة، ففي مقابل تجمهر المارة حول سيارة أهل الخير التي توزع "التمر هندي"، يزداد الزحام في الجهة المقابلة أمام محل "سوبيا توتو" الشهير، من أجل شراء التمر هندي والسوبيا، يقول حسام، الشاب الملتحي الذي يعمل في المحل، أنهم يفتحون أبوابهم منذ الصباح، لكن تظل الساعة الأخيرة قبل الإفطار هي ساعة الذروة في البيع. ينهي حديثه سريعا ثم يتابع طلبات الزبائن، على أمل أن تمر النصف ساعة المتبقية بهدوء.
ووسط شوارع خالية من الزحام عدا زوايا قليلة تضم تجمعات من البشر، تفتح بعض المقاهي أبوابها من بعد صلاة العصر يوميا، على أمل استقطاب الشاردين، ولدى أصحاب المقاهي مبرر قوي لفتح أبوابهم مبكرا، إذ تزامنت بعض مباريات كأس العالم مع الإفطار. وكان مقهى المعلم عماد هو أحد تلك المقاهي المطلة على شارع بورسعيد، حيث يجلس عدد من شباب الحي قبل الإفطار لمشاهدة مباراة لكرة القدم في تصفيات كأس العالم، ويعلق صاحب المقهى قائلا: "طبعا صعب أحاسبهم، عشان ماطلبوش مشاريب .. هستنى لما يفطروا في بيوتهم ويرجعوا لي تاني". ولهذا السبب، ينشغل المعلم عماد عن المقهى بأمر أهم، وهو الوقوف على ناصية الشارع لبيع العصائر والتمر هندي للصائمين.
في الربع ساعة الأخيرة قبل أذان المغرب، تبدو موائد الرحمن في ذروة نشاطها، ويبدأ كل مسؤول عن مائدة في دعوة المارة بكل ترحيب حتى يجلسوا حول مائدته، ذكر لنا أحدهم مبتسما أنه ليس لديه استعداد أن يحتفظ بالوجبات مرة أخرى بعد أن قام برصها على المائدة، وكان الرجل يستوقف المارة في الشارع، مصافحا إياهم يدا بيد ويجذبهم إلى الداخل لتناول الإفطار لديه.. ورغم حالة الترحيب التي يبديها أصحاب موائد الرحمن، إلا أن بعض التجار والحرفيين قد اختاروا البقاء في أماكنهم دون اهتمام واضح بما يحدث حولهم. هكذا اختار محمد أبو النور -على سبيل المثال- أن يجلس في صحبة ولديه، داخل سرادق ملاصق لمسجد السيدة زينب، ليمارس حرفته في صنع فوانيس رمضان، ولا يبدي أي ضجر من الجلوس في مواجهة النار، مستخدما أدواته في تجميع فانوس رمضان، وفي اللحظة التي لم يتبقى فيها على الأذان سوى عشر دقائق، كان السؤال الذين وجهناه إليه هو : أين ستفطر؟ يجيب: "سيأتي الطعام إلينا هنا من مائدة مجاورة". وتابع عمله دون اهتمام، بينما يتجول حوله بعض الشباب المفطرين الذين أخرجوا سجائرهم ودخنوها علنا دون اهتمام بانتقادات الآخرين، أما محمد أبو النور، فظل يعمل حتى لحظة الإفطار دون تعب.
قبل الأذان بدقائق، يجتمع المساكين في قلب ساحة مسجد السيدة زينب، وتتراص أمامهم الوجبات الخيرية، ويتشابه المشهد في الجانب الآخر عند مائدة "فراشة نصار" التي زرناها قبل ساعة من الإفطار، حيث تتجاور وجبات الأرز واللحم على الطاولة، ويبدو التوتر على بعض الوجوه التي انتظرت مدة طويلة قبل الإفطار، ووقع شجار خفيف بين شاب وامرأة بسبب الرغبة في تبديل الأماكن حول المائدة، وهنا تدخل مصطفى نصار المشرف على تنظيم المكان لحل الموقف بشكل سريع.
في الساعة السابعة، يعلو صوت الأذان من مسجد السيدة زينب، ويحاول منظمو موائد الرحمن كسر صومهم ببعض العصير، ويزداد هدوء المكان مع غروب الشمس، بينما ينشغل الجميع في طعامه، عدا شباب يوزعون التمر هندي سريعا، انطلقوا بعدها إلى منازلهم لحضور الإفطار مع عائلاتهم.
**

رمضان .. ذكرى الإقلاع عن التدخين

- د.عصام المغازي: الإفطار على السجائر يزيد من احتمالات الأزمة القلبية

بينما يقاوم المدخنون حاجتهم إلى تدخين سيجارة في نهار رمضان، يحتفل أسامة يوسف بالذكرى السنوية الرابعة لإقلاعه عن التدخين، ومع مجئ شهر رمضان من كل عام، يتذكر كيف استغل فترة الصيام لانتشال نفسه من إدمان السجائر.
"كان أول أسبوعين في رمضان هما الأشد وطأة وصعوبة حين قررت الامتناع نهائيا عن التدخين، ولم تنحصر الصعوبة فقط في احتياج الجسم إلى النيكوتين، بل في تغيير عاداتي المرتبطة بشرب السجائر بشكل مفاجيء". هذا ما يصفه أسامة يوسف - مصمم الجرافيك في التلفزيون المصري - عن تجربته في استغلال شهر رمضان للاقلاع عن التدخين، لكنه بعد نجاحه لسنوات، عاد في اليوم الأول من رمضان الحالي ليكتب على حسابه في موقع تويتر للتدوين القصير قائلا: "النهاردة الذكرى السنوية الرابعة لتبطيلي السجاير .. اللهم دمها نعمة". وتأتي عبارته وسط فيض من الكتابات الساخرة على الانترنت، تعبر عن عجز المدخنين في التعامل مع رمضان. كأن يكرر بعضهم نفس الجملة التي تقول :"ﻳﺎ ﺳﺎﻣﻊ ﺍﻻﻏﺎﻧﻲ، ﻭﻳﺎ ﻣﺪﻣﻦ ﺍﻟﺴﺠﺎﻳﺮ، ﻭﻳﺎ ﻋﺎﺷﻖ ﺍﻟﺰﻣﺎﻟﻚ، ﺭﻣﻀﺎﻥ ﻓﺮﺻﺘﻚ ﻟﺘﺮﻙ ﻛﻞ ﻫﺬﺓ ﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺴﻴﺌﺔ". وآخر يكتب: "مشكلتي مش حتبقى مع السجاير في رمضان نهائي .. مشكلتي حتبقى مع الحشيش".
يقدر عدد المدخنين في مصر بحوالي 14 مليون نسمة، ينفقون حوالي ١٨ مليار جنيه على التدخين سنويا، وذلك حسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بينما يصنف الدكتور عصام المغازي، رئيس جمعية مكافحة التدخين والدرن وأمراض الصدر، شرائح المدخنين كالتالي : 82% يدخنون السجائر، و14% يدخنون الشيشة، و4% يدخنون السجائر إلى جانب الشيشة.
وبينما لا يرى كثير من المدخنين في رمضان فرصة للإقلاع عن التدخين، إلا أن قواعد الشهر الكريم تجبر المدخنين على تخفيض استهلاكهم عن الأيام العادية، وهو ما يلاحظه بقوة بعض العاملين في أكشاك بيع السجائر الذين رجح سبعة منهم استطلعت الشروق أراءهم، أن المبيعات تنخفض ما بين 50-75% من حجم المبيعات الأصلي في الأيام العادية . أو على حد قول عرفة محمد الذي يعمل في كشك مطل على شارع القصر العيني بالقاهرة "لا أملأ الأرفف بالسجائر في وردية الليل، بل أبيع ما تبقى من النهار".
ويرى الدكتور عصام المغازي في رمضان فرصة مثالية للإقلاع عن التدخين، إذ أن المدخن الصائم يخوض تجربة الإقلاع الإجباري عن التدخين لأكثر من 16 ساعة، موضحا أن الأعراض الانسحابية التي تصاحب الامتناع عن التدخين تندمج مع الأعراض العادية للإمتناع عن الصيام، ويوضح المغازي أن أعراض الانسحاب من إدمان التدخين ليست خطيرة أو صعبة كما يعتقد البعض، بل أنها لا تظهر عند كل المدخنين.
تلك الأعراض عاشها أسامة يوسف مصمم الجرافيك الذي أقلع عن التدخين قبل سنوات، لكنه تخطاها سريعا بعد أن خاص التجربة بكافة تفاصيلها، وهو ما يوجزه في التالي قائلا: "كنت معتادا على تدخين سيجارة صباحية أمام الكمبيوتر، فغيرت تلك العادة تماما، وبقيت لفترة أتجنب التواجد مع أصدقائي المدخنين، أو الجلوس في أماكن مليئة بالدخان، لقد كانت نيتي الابتعاد التام عن كل ما هو مرتبط بالسجائر".
وفي رحلة إقلاعه عن التدخين، اتخذ أسامة خطوات بينه وبين نفسه، تقاطعت مع برنامج علاج الإدمان الشهير "12 خطوة للتخلص من الإدمان"، مثل الاعتراف بأخطاء تجربة التدخين، والاعتراف بأن هناك من تأذوا من هذه التجربة، خاصة أنه كان مقبل على الزواج في الفترة التي أقلع فيها عن التدخين.
وفي جانب آخر يمارس المدخنون في رمضان عادات أسوأ من عاداتهم في الأيام العادية، وهو ما يحدث مع البعض عقب لحظة الإفطار حين يعقبوا إفطارهم بتدخين السجائر، بل أحيانا ما يتجه البعض إلى أن يكون أول ما يدخل جوفه هو دخان السجائر قبل تناول الطعام . ويحذر الدكتور عصام المغازى، رئيس جمعية مكافحة التدخين من هذا السلوك قائلا: "التدخين بعد الإفطار مباشرة يتسبب في زيادة احتمال الإصابة بأزمات قلبية. كما أن التدخين المتواصل بعد الإفطار يزيد من نسبة أول أكسيد الكربون في الدم، وهذا بدوره أيضا يتسبب في زيادة إحتمالية الإصابة بأزمات قلبية" .
ويستكمل الدكتور عصام المغازي موضحا أنه تحدث فى مصر 170 ألف حالة وفاة سنويا بسبب التدخين، كما يبلغ حجم الانفاق السنوى لعلاج الامراض المترتبة على التدخين ما يقرب من 2.4 مليار جنيه. ثم يختم قائلا: "بما أن المدخن يستطيع ترك السيجارة طوال فترة الصيام، فهذا دليل على أن الإنسان يستطيع توديع هذه العادة القاتلة".
 **
بين الكافيه الراقي والمقهى شعبي .. زبائن تحت تهديد الكهرباء

ما أن بدأت لحظة الإفطار في الكافيه الشهير قرب ميدان لبنان في المهندسين، حتى انقطعت الكهرباء عن الحي تماما، لكن إضاءة هذا الكافيه تحديدا لم تختلف بسبب وجود مولد كهربائي للطواريء أنقذ ما يمكن إنقاذه.
"ليس من العادي أن تنقطع الكهرباء أثناء وجبة الإفطار بهذا الشكل.." العبارة لخالد زكي مدير كافيه ومطعم كارين في المهندسين، الذي لا يخفي نبرة الضيق في حديثه، خاصة فيما يخص انقطاع الكهرباء. ثم يستكمل قائلا:  "بشكل عام، أنا لا أراهن على كثافة الزبائن في وقت الإفطار، خاصة في الأسبوع الأول من رمضان، بل أراهن على تواجد الزبائن في الفترة من بعد الإفطار حتى قبل السحور ".
يمر الوقت داخل الكافيه بشكل عادي بسبب وجود محول الكهرباء الاحتياطي، بينما تبدو الشوارع مظلمة في الخارج وسط أجواء رطبة وارتفاع في درجة الحرارة، وبعد مرور ساعة على الإفطار، ورحيل عدد من الزبائن، تعود الكهرباء من جديد، ليبدأ العاملون في تشغيل التكييفات وزيادة الإضاءة.
لا يتوافر هذا المولد الكهربائي في غالبية الكافيهات، إذ تتراوح أسعاره بين 1500 جنية و 4500 جنية، ولا يتصدى لشرائه سوى كافيهات ومطاعم ذات مستوى راق. ورغم أن هذا الكافيه قد بدأ العمل منذ العام 2003، إلا أن ملامح العمل نفسها قد تغيرت تماما عن ذي قبل، إذ كانت السنوات السابقة على العام 2011 تعتمد على السياحة العربية إلى جانب الزبائن المصريين، أما اليوم فيقتصر الأمر على المصريين فقط.
"كانت الأحوال صعبة في العام الماضي أثناء أعتصامي النهضة ورابعة العدوية، خاصة مع تصاعد اشتباكات الإخوان المسلمين، لكننا الآن بعد عام، نرى الأمور لم تتغير إلى الأفضل، بل أضيف على المشهد مسألة التفجيرات .." يتوقف خالد زكي مدير الكافيه عن حديثه، وينقل الجلسة إلى طاولة أخرى، تاركا المكان لأحد الزبائن المميزين في المكان، ويعلق قائلا: "رهاننا على زبائننا الدائمين".
وبمجرد الخروج من الكافيه إلى ميدان لبنان، ثم السير بمحاذاة منطقة ميت عقبة المجاورة، يظهر تحول واضح في المشاهد، حيث المقاهي البسيطة، التي يغزوها أبناء الحي مع قلة من الغرباء، وفي أحد هذه المقاهي كانت الجلسة مختلفة تماما، إذ تصدر بعض شيوخ الحي الجلسة على أريكة خشبية في واجهة المقهى.
"المشهد هاديء كما ترى، ولا يفسده سوى الألعاب النارية التي يشعلها أطفال الحي". يصف أحد العاملين في مقهى ابن البلد في حي ميت عقبة أجواء الأسبوع الأول من رمضان. وعلى شاشة التلفزيون يتنقل الريموت كنترول بين المحطات الإخبارية، حتى يستقر على أحد المسلسلات الرمضانية. ويفتح المقهى أبوابه من قبل الإفطار بقليل، على أمل أن تعوض فترة العمل الليلي غياب الزبائن الصائمين في فترة النهار، لكن الزبائن يقتصرون هنا على أبناء الحي، إلى جانب بعض العمال الغرباء الذين يستقرون قرب سور نادي الزمالك المجاور.
" أعرض مباريات كأس العام لجذب مزيد من الزبائن، لكن مجئ الزبائن قبل الإفطار بساعة لحضور بعض المباريات، لم يعوض تكاليف المقهى، وفي أول أسبوع في رمضان لا يتحمس كثيرون لقضاء لحظات الإفطار على المقهى، حتى إن تزامن ذلك مع مباريات كأس العالم.". الحديث هنا لمحمود بدر (الشهير بظأطط) مدير مقهى ابن البلد في ميت عقبة. وسواء كان الإفطار في كافيه فخم في حي المهندسين أو في مقهى شعبي في ميت عقبة المجاورة، تظل أزمة انقطاع الكهرباء تلاحق الزبائن، أينما جلسوا.

Saturday, January 11, 2014

الناس والدستور في بولاق الدكرور

- في الشارع مواطنون اختاروا "نعم" دون قراءة وآخرون اعتزلوا السياسة
- السؤال الشهير : هل ستتغير حياتنا بعد الاستفتاء ؟

بإمكانك أن تخوض التجربة مع من حولك، أن تختار مادة من مواد الدستور الجديد الذي سيستفتى عليه في 14 و15 يناير الجاري، ثم تبدأ في المناقشة، و تتلقي ردود الأفعال .. قد تجد من بدأ في الأهتمام، وآخر يطلب منك نسخة من الدستور لقراءتها، وهناك من سيواجهك بإحباط ولا مبالاة . ذلك ما حدث في هذه الجولة بين شوارع حي بولاق الدكرور، على اختلاف الشرائح التي تقطن هذا الحي.

كتب – عبدالرحمن مصطفى

المشهد الأول
مواطن امام بالوعة

في موقع قريب من نهاية شارع ناهيا في حي بولاق الدكرور، وبمحاذاة الطريق الدائري مباشرة، كان المشهد كالتالي، شاب يجلس جوار تل من القمامة، وأمامه حفرة واسعة يتضح فيما بعد أنها بالوعة تم إنشاءها قبل أيام، جلس الشاب في هذا المكان في انتظار تجهيز "غطا البلاعة"، تحسبا من أن يقع طفل صغير في هذه الحفرة . "التفاصيل كلها عند ورشة الحدادة اللي في الشارع الجاي ..". وبكل زهد يرفض الشاب التحدث عن الدستور أو عن الاستفتاء القادم، إذ كان لديه أمور أخرى تشغله على رأسها انتظار "غطا البلاعة".
تأسست هذه الناحية من بولاق الدكرور بشكل عشوائي دون الالتزام بقواعد في البناء أو بخطط في تقسيم الحي، وهو ما نتج عنه مشاكل في خدمات الصرف الصحي، تزداد كلما ازداد عدد المنازل المتجاورة، وطوال السنوات الماضية كان المشهد التقليدي هو ظهور برك من مياه الصرف الصحي، ما أضر سكان هذه الناحية .. ورغم هذه الظروف البائسة التي مروا بها، إلا أن عددا منهم لم يبد اهتماما حين قرأت لهم المادة رقم 46 التي جاء فيها : "لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة، وحمايتها واجب وطني. وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها، وعدم الإضرار بها .." .

المشهد الثاني
عند ورشة الحدادة

في شارع أنور صديق المتفرع من شارع جمال عبدالناصر حيث تقع ورشة الحدادة التي تحدث عنها الشاب المنتظر جوار بالوعة الصرف، كان العمال يجهزون "غطا البلاعة" المرتقب، لإنهاء مشروع تصدى له الأهالي لتجديد شبكة الصرف الصحي هناك.
"ببساطة اجتمع سكان الشارع بعد صلاة الجمعة قبل شهور، وقرروا تجديد الصرف الصحي، وتكلف كل بيت حوالي 3000 جنيه، وكلفوا مقاول خاص بهذه المهمة ". الحديث هنا لمحمود الصادق الذي جاوز السادسة والستين و يشرف على العمال في تلك الورشة، وحين عدنا إلى المادة 46 الخاص الخاصة بالبيئة الصحية السليمة وعن موقفه من الاستفتاء على الدستور القادم، قال : "سأنزل وأصوت بنعم .. "، لم يكن ذلك نتيجة اهتمامه بمواد الدستور، فوجهة نظره أن اكتمال مؤسسات الدولة هو البداية، وفي النهاية يمكن للناس محاسبة الدولة.
في طريق العودة إلى شارع ناهيا بمحاذاة الطريق الدائري، ينخرط عمال الصرف الصحي الحكوميين في محاولة أخرى لتحسين وضع النفق أسفل الدائري الذي امتزجت فيه القمامة بمياه الصرف.. فيما مضى كانت هذه المنطقة تنقسم إلى مزارع ذات طابع قروي، قبل أن تتلاشى الأراضي الزراعية، ولا يتبقى سوى مساحات خضراء نادرة، في مربع مزدحم بالسكان.
المشهد الثالث
المزرعة المحاصرة

على بعد حوالي 300 متر من تقاطع شارع ناهيا مع الطريق الدائري السريع، تقع مزرعة وحيدة وسط حصار من المنازل المبنية بالطوب الأحمر والعمارات السكنية الكبيرة، حيث يجلس إبراهيم فوزي الشاب العشريني وسط هذه المزرعة الباقية، ويبدأ حديثه قائلا: " لم أقرأ الدستور، معك نسخة ..؟" كانت أقرب المواد إلى مجاله في الزراعة هي المادة رقم 29 التي جاء ضمنها أن : " تلتزم الدولة بحماية الرقعة الزراعية وزيادتها، وتجريم الاعتداء عليها، كما تلتزم بتنمية الريف ورفع مستوي معيشة سكانه وحمايتهم من المخاطر البيئية، وتعمل على تنمية الإنتاج الزراعى والحيوانى، وتشجيع الصناعات التي تقوم عليهما. وتلتزم الدولة بتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعى والحيوانى".
بعد أن اطلع على نسخة من الدستور وقرأ المادة باهتمام عاد ليعلق قائلا: "هذه الأرض لا تحصل على سماد مدعم لها، والسبب بسيط وهو أن الجمعية الزراعية التي كانت تتبعها هذه الأرض قد أغلقت أبوابها منذ فترة طويلة، حيث كانت في منطقة زنين المجاورة، التي تحولت هي الأخرى إلى منطقة سكنية، لذا نشترى المستلزمات الزراعية بسعر السوق". هذه الأرض الزراعية باقية بناء على رغبة مالكها، بينما يعمل أحمد فوزي كعامل يزرع أنواع مختلفة من الخضروات، خس ،جرجير ، لفت، وتباع لتجار السوق المجاور.
تأسست منطقة بولاق الدكرور في الأساس كغيرها من المناطق ذات الأصول الزراعية بفكرة البناء فوق الأراضي الزراعية، وحسب بيانات محافظة الجيزة فقد زاد عدد سكان بولاق الدكرور من 197000 نسمة سنة 1976 إلى أكثر من 500000 نسمة سنة 2003، وهي الفترة التي تضخم فيها الحي بسبب البناء العشوائي، أما الآن فيصل عدد السكان إلى حوالي 850 ألف نسمة، وقد تتكرر نفس تلك القصة في أماكن أخرى خارج محيط العاصمة، إذ سجلت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في تقرير نشر لها مؤخرا أن ارتفاع إجمالى حالات التعدى على الأراضى الزراعية منذ 25 يناير 2011 وحتى 9 ديسمبر 2013 وصل إلى معدل 942 ألفا و790 حالة تشمل مساحة 40 ألفا و354 فدان ، وذلك في كافة انحاء الجمهورية.
أما بالعودة لأحمد فوزي العامل الزراعي الذي اختار العمل في هذه المزرعة المتبقية في بولاق الدكرور، فهو يعلم بحكم انتمائه إلى قرية "قنبرة" المجاورة أن الفلاح لا يكتفي فقط بما يحصل عليه من مستلزمات زراعية مدعومة من الحكومة وأن الأمر مكلف، والزراعة أحيانا ما تكون مغامرة.
يشير إلى أطراف المزرعة الصغيرة حيث بقايا أشجار تهاوت بعد أن تسربت إليها مياه الصرف الصحي من إحدى العمارات السكنية المجاورة، وهو ما دفع مالك المزرعة إلى بناء سور محكم حول أرضه، التي تقاوم وسط مجتمع رفض الزراعة قبل سنوات طويلة.
وأثناء الحديث مع العامل الزراعي أحمد فوزي حول الدستور، كان صديقه أحمد الشريف الذي يعمل في ورشة النجارة المجاورة قد أعجبته فكرة البحث عن مادة قريبة من عمله، فسأل : "هل فيه مادة تخص التأمين على العاملين؟". يعمل احمد الشريف بلا عقد أو ضمان اجتماعي، وهي الحالة التي تعرضت لها المادة 17 في نص يقول "لكل مواطن لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعى الحق فى الضمان الاجتماعى، بما يضمن له حياة كريمة، إذا لم يكن قادرًا على إعالة نفسه وأسرته، وفى حالات العجز عن العمل والشيخوخة والبطالة. وتعمل الدولة على توفير معاش مناسب لصغار الفلاحين، والعمال الزراعيين والصيادين، والعمالة غير المنتظمة، وفقًا للقانون". ورغم وجاهة هذه المادة إلا أن ما تذكره هنا من نصوص قد لا يوفر لهذه الفئات إلا معاش لا يجاوز 200 جنيه في أقصى تقدير.
المشهد الرابع
شارع زحمة
حين نترك هذه الناحية من بولاق الدكرور ونسير مع شارع ناهيا في اتجاه شريط القطار، تزداد كثافة الباعة الجائلين، وعربات "التوك توك"، ووسط هذا الزحام تتبدل ردود أفعال الباعة عند الحديث معهم عن الاستفتاء على الدستور، بين من يقول "هو الدستور بيقول إيه؟ كله حبر على ورق" و آخر يرى أن السيسي سيضبط إيقاع البلد بعد الاستفتاء على الدستور، وهناك من اعتبر أن مجرد الحديث عن الدستور وسط شارع مزدحم وصخب المارة هو نوع من الاستهزاء به.
كانت هذه المنطقة تحديدا قد شهد قبل سبعة أشهر تقريبا، قيام مديرية أمن الجيزة بحملة علي شارع ناهيا ما زال بعض الباعة يتذكرونها حتى اليوم، حين كان الهدف إزالة تواجد الباعة الجائلين تماما من المنطقة، لكن الأمور عادت إلى طبيعتها فيما بعد.
"أذكر أننا حاولنا وقتها النزول لإقناع الباعة الجائلين بضرورة إيجاد حل لمشكلة تضييقهم الشارع، وكانت ردود الأفعال عنيفة، وغير متوقعة .. وللآسف أن التواصل مع السلطات لم يكن مفيدا في أي مبادرة نطرحها". الحديث هنا لمحمد مجدى أمين حزب مصر القوية في بولاق الدكرور، الذي كان يتابع قبل أيام حادث القبض على عدد من أعضاء حزبه أثناء توزيعهم منشورات تدعو المواطنين للتصويت بلا على استفتاء الدستور.
لا تبدو الصورة متفائلة في حديثه، إذ أن مجرد فتح النقاش حول المادة 244 من مشروع الدستور التي تتعرض لفئة السياسيين الشباب، تنقلنا إلى مشاهد أخرى قد يعانيها الناشط السياسي في حي مثل بولاق الدكرور، وتنص المادة 244 على أن تعمل الدولة على تمثيل الشباب تمثيلاً ملائماً في أول مجلس للنواب يُنتخب بعد إقرار هذا الدستور وفقا للقانون. هذه المادة لم تكن مبهرة لعدد من النشطاء السياسيين المنتمين إلى حي بولاق الدكرور، إذ اعتذر أحد المنتمين إلى حزب الدستور عن التعليق على الدستور أو هذه المادة تحديدا، معللا ذلك بأنه قد ابتعد عن السياسة مؤخرا، وآخر منتمي إلى حركة 6 إبريل رفض التعليق على أي من مواد الدستور، في حين يرى محمد مجدي الذي تبنى حزبه -مصر القوية- مقاطعة الاستفتاء ، أن الحالة في هذه المادة، قد تخدم النظام القديم بشكل أو بآخر، كيف ؟ يعرض ذلك قائلا: "أذكر في الانتخابات البرلمانية السابقة كيف حاول أعضاء الحزب الوطني المنحل أن يصنعوا تحالفات وبدائل لهم ، أعتقد أن التزام الدولة بتمثيل الشباب قد تفيد شاب له ولاء لبرلماني سابق في الحزب الوطني". يتحدث محمد مجدي دون أن يخفي أن منطقته تكاد تكون خالية لعودة أعضاء برلمان 2010 ، وغياب شباب الثورة من المشهد.
المشهد الخامس
المقر السابق لحزب النور
تكفي جولة بين الشوارع الرئيسية في بولاق الدكرور، حتى نتفهم نبرة الإحباط التي يتحدث بها بعض النشطاء الشباب داخل الحي، ففي الناحية الأخرى من الكوبري الخشب، كان يقع حزب النور السلفي، اليوم حين تسأل المواطنين من أبناء نفس المربع، تجدهم لا يعرفون أين انتقل المقر الجديد، بل إن بعضهم لم يكن يعلم مكانه القديم قبل أن يخلي مقره قبل عدة شهور، في حين أن هناك لافتة تتصدر الشارع الرئيسي لعضو سابق في الحزب الوطني، وقد ظلت تلك اللافتة على حالها وكأن انتخابات العام 2010 كانت بالأمس، أما إذا انتقلنا مرة أخرى في منطقة شارع 6 أكتوبر قرب نهاية شارع ناهيا، سنجد مقرا لخدمة المواطنين لسيد المناعي أحد الوجوه المعروفة التي كانت تنفق بذخ على انتخابات 2010. كل هذه المشاهد تجعل المادة 244 التي تخص الشباب العاملين في السياسة غير ذات قيمة في مجتمع بولاق الدكرور التي يتوقع أن يعود إلى قبضة أبناء النظام القديم.
أما في الطريق أسفل محور صفط اللبن، فتبرز بقايا لافتات لمتنافسين من عهد الحزب الوطني، ما زالت كما هي، دون تغيير، وفي الجهة الأخرى تقع منطقة أبو قتادة التي تدخل هي الآخرى في زمام بولاق الدكرور، هناك شريحة أخرى من الشباب السلفي وقد اعتزلوا الشأن السياسي بأكمله، أحدهم ينتمي فكريا إلى الدعوة السلفية، وهي نفس مرجعية حزب النور السلفي، أكد أنه لم يقرأ الدستور، بل يرفض الحديث عنه، لكن حين عرضت عليه المادة رقم 7 التي يمكن لها أن تكون مهمة بالنسبة إليه بحكم نشاطه الدعوي، كان رده أنه سيعمل بالدعوة في الحدود المسموح بها، حتى لو فرض عليه أن يدعو آل بيته فقط، وكانت المادة 7 تنص على أن الأزهر الشريف هو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم . وهو ما قد يهم أحد العاملين في مجال الدعوة بعيدا عن الأزهر ومنهجه.
في الناحية المقابلة من عزبة أبو قتادة تقع مستشفى بولاق الدكرور العام، في داخلها يعيش مجتمع صغير من الأطباء، يواجه مواقف يومية بعضها يصل إلى درجة أن يتعرض لاعتداء أهالي المرضى بسبب تدهور الخدمة، أو ظنونهم حول أن الأطباء يتكاسلون في خدمتهم. وفي يومي 1 و 8 يناير الماضيين شارك أطباء هذه المستشفى مع مستشفيات عديدة حول الجمهورية في إضراب جزئي، ما كان له ردود أفعال لدى بعض المواطنين في المناطق المجاورة من بولاق الدكرور.
المشهد السادس
المستشفى العام
وفي إحدى ساحات المستشفى تقف مجموعة من الأطباء في نقاش جانبي، شاركوا في الإضراب الأخير، بعضهم موافق على مواد الدستور وآخرون يرفضون المشاركة في الاستفتاء بسبب احباطهم من الحالة العامة في البلاد. على سبيل المثال فإن الطبيب الشاب عزت عطية من قسم الأطفال، قد بدأ حديثه قائلا: "المشكلة ليست في الدستور، المشكلة في تطبيق القوانين التي تخرج من عباءة الدستور، ثم هل تكفي نسبة 3 % من الناتج القومى فقط لإنفاقها على الصحة حسب هذا الدستور؟". يقضي أغلب هؤلاء الأطباء سنوات العمل الأولى من أجل الحصول على لقب أخصائي، على أمل افتتاح عيادة خاصة ، أو حتى السفر إلى الخارج .. ومن أحد أسباب الإضراب هو تدني أجور الأطباء الشبان، إلى جانب غياب المستلزمات الطبية في بعض حالات الطواريء، ما يستدعي نقل المريض إلى مستشفى أخرى . "أحيانا ما يأتينا مريض وهو يحتضر بعد جولة على مستشفيات عاجزة عن تقديم الخدمة الطبية.. إضرابنا من أجل المريض والطبيب معا". يستكمل الدكتور عزت عطية وزملائه الحديث. وحين أنقل إليهم عبارة من نص المادة 18 تقولأنه : " يجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان فى حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة.". يأتي الرد سريعا من الجميع، الاضراب ليس امتناعا عن تقديم خدمة الطواريء أو ما تمثل خطرا على الحياة، كافة الأقسام من هذا النوع تعمل طوال فترة الاضراب. وفي خارج المستشفى مدرعة وجنود متراصين لحماية المكان، أما في بقية بولاق الدكرور، فتسير الأمور كما اعتاد أهلها أن تسير، إما بالحلول الجماعية أو بالإنصياع لصوت السلطة أحيانا، وتبقى مواد الدستور حائرة، بين من لم يقرأ وقرر أن يصوت بنعم، ومن اختار المقاطعة، وآخر متحمس لاستكمال خطوات خارطة الطريق.

Thursday, November 7, 2013

رحلة الطماطم .. من المزرعة إلى المستهلك

- قانون السوق: بين كل موسمين للحصاد هناك موسم غلاء
- أصلحوا حال المزارع ينصلح حال السلعة

تستيقظ "أم رجب" بعد صلاة الفجر مباشرة كي تستعد لرحلتها اليومية إلى سوق العبور، و تعود من هناك ومعها كل ما تحتاجه من خضروات، أما في بقية اليوم ، فتجلس أمام لافتة متجرها الصغير "الصابح" في الحي التاسع في مدينة نصر حيث تنتظر الزبائن . تشير بيدها إلى أقفاص الطماطم قائلة : "كيلو الطماطم اللي بأبيعه بأربعة جنيه انهارده، كان من شهر بس بجنيه واحد و بأقل من كده كمان .. محدش عارف بعد أسبوعين تلاتة هيبقى بكام ".
في رحلتها الصباحية إلى سوق العبور، تستأجر سيارة (ربع نقل)، ثم تقوم بجولة سريعة بين عنابر الخضار لدراسة أسعار السوق. في الأيام الماضية كان سعر قفص الطماطم يتحرك بين 35 جنيها إلى 80 جنيها، حسب جودة الصنف و ظروف البيع ، علما بأن حمولة القفص الواحد تتراوح بين 18 إلى 20 كيلوجرام . في زيارتها الأخيرة إلى سوق العبور اشترت قفص الطماطم (العداية حسب لغة السوق) بحوالي 40 جنيها . و بحسبة بسيطة قد يظن البعض أن ثمن الكيلوجرام من الطماطم حسب هذه الأسعار سيتكلف جنيهان فقط، فلماذا تبيعه "أم رجب" بأربعة جنيهات ؟ تجيب على ذلك قائلة : "هناك مصاريف لا يراها أحد، مثل أجرة سيارة النقل يوميا، وقيمة تأمين القفص بـ 6 جنيهات ، كما أن التاجر يضيف وزن القفص -حوالي 2 كيلوجرام – إلى الحمولة الاجمالية، كذلك فإن هناك نسبة من الطماطم تفسد يوميا لدى كل بائعي الخضروات، والأهم من كل ذلك هو إيجار المحل الذي يتكلف 1200 جنيه شهريا".
في أسواق الجملة الكبرى مثل سوق 6 أكتوبر أو سوق العبور، أحيانا ما تكون العلاقات المباشرة بين تجار هذه الأسواق و صغار البائعين هي الفيصل، حيث يتم الاتفاق على الطلبيات عبر الهاتف على عكس المجهود اليومي الذي تقوم به "أم رجب". و في طريق مصر/الاسماعيلية الصحراوي حيث يقع سوق العبور لتجارة الخضروات والفاكهة، تبرز شاحنات محمّلة بأقفاص الطماطم قادمة رأسا من المزرعة، تتجه إلى عنابر الخضار حيث تجار الجملة، مهمتهم الوساطة بين المزرعة والأسواق الصغيرة أوالمحلات، لذا يقدم بعض التجار أنفسهم بوصفهم "قوموسيونجي". وفي داخل أحد العنابر الكبرى، وقف المعلم أبوعلي فرغلي جوار شاحنة كبيرة تبلغ حمولتها 240 قفص طماطم .. في انتظار البيع. هناك وسيلة شهيرة للبيع وهي المزاد، خاصة في المواسم الشحيحة، حين ينتظر التاجر تجمع المشترين حول شاحنة الطماطم القادمة من المزرعة، ثم يبيع لأعلى سعر. أما في حالة المعلم أبوعلي فرغلي فقد جلس إلى جوار ابنه جلال على دكة خشبية محاولا بيع "حمولة الطماطم" بهدوء ، منتظرا الزبون المناسب .. وهناك بين أغلب التجار كلمتان خفيفتان على لسان كل تاجر منهم، يرددونها كل حين : "السوق عرض وطلب، ماينفعش حد يتحكم في الأسعار، خصوصا مع الطماطم".
تتم زراعة الطماطم على مدار السنة، في مناطق مختلفة من الجمهورية، وفي أثناء الفترات الفارغة بين كل فترة حصاد يقل المعروض تدريجيا في السوق، وبالتالي تزيد الأسعار. هذا بعيدا عن لعبة التجارة نفسها التي قد يحدث فيها تذبذب في الأسعار على مدار اليوم الواحد : "في يوم بعت القفص بسعر 65 جنيه ، وبقية البضاعة بعتها آخر النهار على 45 جنيه". هكذا يحاول كل من جلال ووالده أبوعلي فرغلي تشبيه عملية التجارة في سوق العبور على أنها أشبه بالبورصة أو المقامرة .
وبسبب تقلبات السوق، يعمل كثير من التجار على تأمين أنفسهم مبكرا، بأن يدفعوا أموالا للمزارعين قبل زراعة الطماطم، بل و يضخوا أموالا في شكل أقساط للمزارع الذي يحتاج هذه الأموال للإنفاق على الأرض الزراعية و على أسرته، وبهذه الطريقة يضمن تاجر الجملة أن يحصل على المحصول بسهولة في وقت الحصاد، وكأنه شريك في الأرض. "كل ذلك حتى نضمن أن نحصل على الطماطم، بدلا من أن نجدها في أسواق الشلايش (السوق السوداء) غير الرسمية، لذا فإن من يتحدث عن تثبيت الأسعار يبتعد عن الواقع، وأي محاولة في هذا الاتجاه ستفتح سوقا سوداء للمزارعين تقضي على أسواق الجملة، الوضع السليم أن نترك السوق يحدد الأسعار حسب العرض والطلب" . يختم جلال أبوعلي تاجر الجملة في سوق العبور بتلك العبارة.
من المنتظر في الأيام القادمة أن تطرح أسواق بني سويف والجيزة ومناطق متفرقة في غرب الدلتا كميات من الطماطم مع بدء موسم حصادها، أما في الأسابيع الماضية فكانت هناك مناطق أخرى هي التي تمد الأسواق بحصادها، منها أراضي وادي النطرون المجاورة لطريق مصر/الاسكندرية الصحراوي.
وبصورة عامة ، تبلغ المساحة المزروعة بالطماطم في مصر سنويا حوالي 550-600 ألف فدان ، تنتج حوالي 10 مليون طن سنويا، وذلك حسب أرقام مركز البحوث الزراعية، التابع لوزارة الزراعة . على مسافة نصف ساعة بالسيارة من مدخل مدينة وادي النطرون، تتوزع حقول الموالح والفاكهة، إلى جانب الطماطم، أما محصول الطماطم قد تم بيع أغلبه في الأسابيع الماضية، عدا مساحات ضئيلة مازالت تنتظر الحصاد، ومن المتوقع أن يحصل أصحاب هذه المساحات الضئيلة المتبقية على مقابل جيد، بعد أن قلَّ ضخ الطماطم في الأسواق الكبرى .
"المسألة حظ، و أشبه بالقمار" حسبما يصف السائق الذي يقودنا إلى مزرعة المعلم علاء هاشم ذي الجذور الصعيدية، الذي كان يجلس في غرفة حجرية مع عدد من العمال الزراعيين المقيمين معه في الأرض، وبدأ في الحديث قائلا: "بإمكاننا أن نزرع الأرض في ثلاث تواريخ هي أول يونيو، أو أول يوليو، أو في منتصف يوليو تقريبا، وبالتالي سيختلف موعد حصاد أصحاب المزارع، وأيضا سينعكس ذلك على الكمية المطروحة في سوق الجملة، وهو ما سيؤثر على تجار التجزئة، ثم المستهلك العادي". في هذه الأرض الصحراوية يستأجر كثيرون مثل المعلم علاء أراض هنا ويزرعونها، وهناك من حقق أرباحا خيالية، وهناك من أصابته لوثة بعد أن فسد محصوله ولم يستطع بيعه بعد أن أصيبت الطماطم بداء قضى على أغلبها، وفي مثل هذه الحالات حين يفسد جزء كبير من محصول الطماطم في منطقة، فإن الفرقة الناجية من المزارعين هي التي تحقق أكبر الأرباح.
في وادي النطرون على بعد أكثر من 90 كيلو متر من القاهرة يمر المعلم علاء هاشم بين الحقول المجاورة، لمزرعته، حيث مازال البعض لم يجن ثمار الطماطم بعد، فهل سيحقق هؤلاء أرباحا أكثر من التي حققها هو في الأسابيع الماضية أثناء فترة رواج الطماطم؟ يجيب علاء هاشم سريعا :" من يضمن ذلك !؟ قد يتزامن ذلك مع نضج محصول في منطقة أخرى مثل العامرية، ما سيقلل من فرص هؤلاء.. لا شيء مضمون" . يصمت قليلا ثم يردد مثلا شهيرا يعرفه أغلب المزارعين :"حـُسن السوق ، ولا حــُسن البضاعة".
يخرج المعلم علاء من جيبه فواتير يعود تاريخها إلى أول الشهر الماضي، وتكشف فاتورتان لعمليتي بيع في نفس اليوم، أنه باع لتاجر في سوق الجملة في مدينة 6أكتوبر 40 قفص طماطم بسعر 10 جنيهات للقفص الواحد، وفي اليوم نفسه أيضا باع بقية الكمية لتاجر آخر بسعر 17 جنيه للقفص الواحد، هذا عدا نسبة العمولة التي تصل إلى 10% من المبلغ، في حين كان متوسط التسعيرة المعلنة على موقع سوق العبور على الانترنت هو 25 جنيها، "الأسعار تتبدل في نفس اليوم، وتختلف من تاجر لآخر .. نصيب" هكذا يختم المزارع الصعيدي.
قد تختلف الأسعار بين الأسواق الكبرى مثل السادس من أكتوبر وسوق العبور، كذلك قد يتباين سعر نقل المحصول حسب طول المسافة، أما الأهم فهو ما يتكلفه المزارع من مصاريف أثناء عملية الزراعة، "يتكلف الفدان أثناء الزراعة على الأقل 10 ألاف جنيه في الموسم". حسبما أكد عدد من المزارعين، لكن تتلخص رحلة الطماطم في حظ المزارع أثناء عملية البيع، وذكاء تاجر الجملة كوسيط، و نشاط تاجر التجزئة في البحث عن السعر الأفضل، أما الزبون العادي فليس أمامه سوى الشراء دون مقاومة.

Thursday, September 12, 2013

امسح وهكتب تانى .. نزاعات تسجلها جدران الشوارع

لم يعد أحد يتذكر متى كتبت تلك العبارات على جدران مسجد حسان بن ثابت، المجاور لقصر القبة الجمهورى، فقد اعتادوا رؤيتها يوميا منذ 17 رمضان الماضى حين خرجت مظاهرات حاشدة للإسلاميين فى ذلك اليوم، من كتبها تحديدا ؟ «الجماعة السنِّية هما اللى كتبوها» هذا أقصى ما يقدمه الباعة المستندون بظهورهم إلى نفس الجدار، أما الكتابات نفسها فتستهدف الاساءة إلى الفريق عبد الفتاح السيسى، وزير الدفاع، وتمجيد الرئيس المعزول محمد مرسى، لكن كان هناك من له رأى آخر.. إذ قرر أحدهم مؤخرا تغيير المشهد قليلا، وجاء بدهان (رش) وشطب الاساءات الموجهة إلى الفريق السيسى باللون الأسود، ثم كتب تحتها عبارات دعم وتأييد له.
على بعد حوالى 200 متر من هذا المشهد يقع قصر القبة الجمهورى الذى تم طلاء جدرانه مؤخرا لإزالة الكتابات المسيئة من النوعية نفسها، وفى الجهة المقابلة للبوابة الرئيسية يتوزع عدد من عمال هيئة نظافة وتجميل القاهرة، بعضهم اعتاد على هذه المهمة منذ فترة: «أساس عملنا هو الجانب الميدانى، لذا نرصد بسهولة بعض الكتابات المسيئة والبذيئة على جدران منشآت عامة مثل القصر الجمهورى بالقبة، ومهمتنا إزالة تلك الكتابات». يعلق المهندس عمر منير ــ مدير فرع هيئة نظافة وتجميل القاهرة بحدائق القبة ــ على تلك الكتابات، حيث يقع مكتبه على مسافة غير بعيدة من رسومات جرافيتى على سور مترو الأنفاق المواجه لقصر القبة، ما زالت كما هى دون إزالة. ويقول رئيس هيئة نظافة وتجميل القاهرة، المهندس حافظ السعيد: «تعرضنا لانتقادات حين أزيلت رسومات الجرافيتى فى شارع محمد محمود العام الماضى، أما الآن فنحن لا نزيل رسومات الجرافيتى الفنية، إنما نزيل كتابات مهينة او بذيئة من على الجدران، أيا كان من يكتبها».
بعض المشاكل التى تواجه العاملين فى هيئة النظافة تزداد حين تكون تلك الكتابات فوق تمثال أو مبنى ذى طابع أثرى، حيث يتم إشراك أثريين وفنيين متخصصين فى مثل تلك الحالات.
ما زال السؤال مستمرا حول من يكتبون عبارات اعتادتها الأعين مثل : «CC قاتل»، أو «مرسى هو رئيسي». بعض هؤلاء كانوا يستغلون خروج المسيرات المؤيدة للرئيس السابق ويقومون بطلاء الكتابات السابقة على 30 يونيو بطلاء أبيض، ثم يكتبون فوقها كتابات جديدة تستهدف الفريق أول عبدالفتاح السيسى أو تأييد الرئيس السابق محمد مرسى. وبعيدا عن هؤلاء فهناك مجموعات شبابية تكونت فى اعتصامى رابعة العدوية ونهضة مصر، ونشطت مؤخرا بعد فض هذين الاعتصامين. من هذه المجموعات «حركة شباب 18» التى كانت قد اختارت أن تقيم أغلب فعالياتها داخل مترو الأنفاق، ويترك أعضاء الحركة خلفهم أحيانا كتابات على الجدران مثل : «لا للانقلاب»، أو «يسقط حكم العسكر»، وكتابات أخرى ضد الفريق عبدالفتاح السيسى أو رسم لكف رابعة الشهير. مؤسس هذه الحركة شاب فى الثانية والعشرين اسمه عبد الرحمن عاطف، تعرض للاعتقال قبل أيام أثناء وقفة كانت تجهزها الحركة داخل مترو الأنفاق، ثم أخلى سبيله، وذكر وقتها أن كتابات الحركة تستهدف فئات محددة، مثل قادة الجيش الذين يرى أنصار الرئيس السابق أنهم قاموا بانقلاب على الشرعية، كما تستهدف الرموز الوطنية التى شاركت فى دعم 30 يونيو، وقال : «نعم.. بعض الكتابات أو الشعارات تعتبر بالفعل إساءة، ولكن يجب أن نراها من وجهة نظر أخرى، هى وجهة نظر بعض الشباب المتحمس الذى يعبر عن غضبه بهذه الوسيلة». هذه بعض كلمات عبدالرحمن عارف مؤسس «حركة شباب 18» التى عاش أعضاؤها أجواء اعتصام رابعة وصعدوا على منصة اعتصام نهضة مصر قبل فضه بأيام.

سياسة وطائفية
أحيانا ما تتعدى الكتابات حد الاتهامات أو الانتقادات إلى السب أو التحريض، هذا ما تكرر على جدران الكثير من الكنائس التى تلقت نصيبا من كتابات طائفية على جدرانها. على سبيل المثال تعرضت كنيسة سانت فاتيما فى مصر الجديدة لكتابات طائفية، وتداول مستخدمو الانترنت صورا من قاموا بتشويهها على أمل القبض عليهم، وسجلت بعدها بيوم واحد نيرمين نجيب، إحدى رواد هذه الكنيسة شهادة لها تداولها آلاف من مستخدمى الانترنت ذكرت فيها : «دخلت الكنيسة وأنا حزينة على ما وصلنا إليه، وصليت إلى ربى من قلبى لمصر.. وبعد انتهاء الصلاة خرجت لأجد فتاة محجبة تدهن سور كنيستي!».
كان هذا هو الحل الوحيد الذى قدمته إحدى فتيات مصر الجديدة لمواجهة الموقف، بأن تعيد طلاء السور مرة أخرى لإزالة الكتابات الطائفية أو المسيئة.
«لا يمكن أن يدخل ما يحدث من تشويه الجدران الذى يتخذه الاسلاميون فى مقارنة مع رسومات الجرافيتى التى كنا نراها فى شارع محمد محمود، وغيره من الأماكن، فما يحدث الآن هو مجرد كتابات خالية من أى إبداع». هذا الرأى يتبناه الكاتب والفنان شريف عبدالمجيد الذى قضى شهورا من العام 2011 فى دراسة وتوثيق الجرافيتى بمصر، وجمع ذلك فى كتابين، ويستعد لإنتاج الثالث عن الجرافيتى قبل 30 يونيو. وفى رحلته لفتت نظره حالات النزاع التى كانت تنشب على الجدران، واتخذت شكلا تدريجيا بين جرافيتى فنى يبدعه شباب ذوو صلة بالثورة، وبين محاولات الطمس التى تبناها الاسلاميون، إذ يشرح شريف عبدالمجيد أن البدايات الأولى كانت فى مدينة الاسكندرية، حين بدأ بعض الشباب الاسلامى فى الكتابة على المربعات الخرسانية المتواجدة قرب البحر، فى عبارات مثل «أترضاه لأختك» و«جمالك فى عفافك».. وكان بعض المارة يكتبون ردودا ساخرة على هذه العبارات، ومع الوقت ازدادت مساحة الاشتباك حين كان بدأ الاسلاميون ــ حسبما يصف شريف عبدالمجيد ــ فى كتابة عبارات مجاورة للجرافيتى مثل «و ما النصر إلا من عند الله»، بينما كانت المرحلة الأخيرة هى مرحلة الاشتباك الكامل. حين تقدم الاسلاميون إلى شارع محمد محمود وطمسوا بعض الرسومات ووضعوا «شعار القاعدة» على جرافيتى شهير هناك.
«الحرب كانت تدريجية على الجدران»، حسبما يرى شريف عبدالمجيد. وهو يلخص الفرق بين ما يكتبه مؤيدو الرئيس السابق وبين ما يبدعه رسامو الجرافيتى فى قوله: «كان رسامو الجرافيتى يكتبون طوال الوقت، امسح وهارسم تانى، بينما يكتب الاخوان الآن: امسح وهاكتب تانى، فالموضوع بالنسبة لهم مجرد كتابة على الجدران، وليست رسما أو إبداعا».
بعض المجموعات المحسوبة على التيار الاسلامى تركت رسومات للجرافيتى فى عدة أماكن، ولها طابع قريب من جرافيتى مجموعات الألتراس الرياضية، مثل حركة «أحرار» التى ما زالت رسوماتها متاحة فى عدة أماكن حتى يومنا هذا.

من الشعب وإلى الشعب
هل المستقبل فى المرحلة القادمة لجدران تحمل كتابات حادة تتم إزالتها كل فترة، مقابل انسحاب رسومات الجرافيتى الفنية؟ بعض الفنانين تحدثوا فى الفترة الماضية بعد 30 يونيو عن أن الجرافيتى فن مرتبط بالأزمات، وآخرون رأوا أن هناك حالة انسحاب للجرافيتى الفنى بسبب ارتباك الرؤية الحالية.
«لم ننسحب من العمل، لكن ربما نريد الظهور بصورة جديدة كفنانين فى المرحلة القادمة»، هذا ما يقوله رسام الجرافيتى الفنان عمار أبو بكر فى تعليقه عن ضعف حركة الجرافيتى فى الفترة الماضية لصالح جدران داعمة للرئيس السابق محمد مرسى. ويضيف أن ما يراه من عبارات حادة أو عفوية على الجدران من أبناء التيار الاسلامى أو مؤيدى الرئيس السابق هى أيضا «جرافيتي»، ويشرح ذلك قائلا: «كانت هناك كتابات شبيهة قبل 30 يونيو مثل «الإخوان خرفان» وغيرها من العبارات التى يمكن للبعض اعتبارها مسيئة، لكن فى النهاية الجرافيتى هو استخدام الجدران من الشعب وإلى الشعب، بأدوات المواطنين على اختلاف أفكارهم، كما أن الكتابة بهذه الصورة فعل تلقائى يكشف صاحبها أمام الجميع».
من وجهة نظر عمار أبو بكر، الذى اشتهر بالعمل مع مجموعات الشباب على رسم الجرافيتى فى شارع محمد محمود، أن استغلال الجدران بهذا الشكل هو امتداد لمحاولة السطو على الثورة ومحاولات استخدام أدواتها وشعاراتها. وهو ما اتضح بشكل كبير فى استخدام اللونين الأصفر والأسود الذى كان يستخدم فى شعارات حملة «لا للمحاكمات العسكرية»، وإعادة استخدامه فى شعار «كف رابعة».
لا يقلق عمار ورفاقه من شدة القبضة الأمنية فى الفترة الحالية، إذ أنهم يعتنقون فكرة غايتها أن الجرافيتى هو إبداع الناس وبأدواتهم، وحتى إن تمت إزالته ففى النهاية ستكون الرسالة قد وصلت، أما أكثر ما يطمئنهم هو أنهم لم يؤيدوا مرسى فى يوم من الأيام، ولم يدعموا 30 يونيو، ليكونوا أحرارا من أى أعباء أو انحياز.

Sunday, September 1, 2013

موسيقـى تتحدى الـحظـــر

 البعض يعـزف ليــلا هروبًـا مـن الإحبــاط والـملل

قبل الساعة التاسعة مساء بدقائق قليلة يبدأ الجميع فى الدخول إلى القاعة الرئيسية فى مركز «مكان» للثقافة والفنون، تمهيدا لإغلاق البوابة الرئيسية قبل موعد حظر التجول حسب التوقيت المحلى لمدينة القاهرة.
«الهدف من تواجدنا هنا هو كسر حالة الإحباط التى نعيشها بعد تسلسل الأحداث فى الفترة الأخيرة بشكل درامى، نحاول أن نقاوم حالة الجمود التى أصابت كافة الأنشطة الفنية والثقافية». العبارة للدكتور أحمد المغربى مدير مركز «مكان» الذى جلس فى الطابق العلوى لتحضير أنشطة اليوم الذى يستمر حتى الساعة السادسة صباحا. ويجتمع هنا عدد من الموسيقيين ارتبطوا بالمكان منذ سنوات، وآخرون تقدموا بطلب المشاركة فى العزف معهم لأول مرة، وجاءوا اليوم للتعرف على التجربة. بعض العازفين المتواجدين فى القاعة الرئيسية أصابهم ما أصاب المراكز الثقافية والفنية والأماكن الترفيهية والسياحية، إذ تعطلت هذه الشريحة من الموسيقيين تماما، وأغلب المتواجدين هنا جاءوا بحثا عما افتقدوه فى الأسابيع الماضية من تعطل واحساس بالإحباط.
بعد التاسعة بنصف ساعة تقريبا، بدأ صوت آلة الساكسفون يملأ المكان بتقاسيم شرقية خالصة، فى حين كان مهندس الصوت ينسق مع الجميع لضبط الأجهزة، قابعا فى مكانه بالطابق العلوى، الذى يكشف مساحة المسرح بأكملها، ومن هذا الموقع الكاشف تبدو حالة التفاهم التى تجمع الحاضرين سواء فى أثناء العمل الموسيقى أوفى كافة الأحاديث الجانبية، حتى إن انتقلت إلى السياسة أحيانا.
«الفكرة كانت مبادرة فردية منى، لتجميع الموسيقيين والفنانين المرتبطين بالمكان للعمل سويا بدلا من الجلوس فى المنزل». الحديث ما زال للدكتور أحمد المغربى مدير مركز «مكان»، ولأن المركز يفسح المجال الأوسع للموسيقى الشعبية والتراث، فقد كانت تركيبة الموسيقيين أغلبها من هذه الشريحة الفنية.
عدد الحضور قد يتجاوز العشرين فردا بقليل، وبينما تنتقل التقاسيم الشرقية من آلة الساكسفون إلى الترومبيت، كان أمين شاهين عازف الناى والأرغول فى حوار جانبى مع المغنية الشابة هند الراوى عن تصورات لبقية الليلة، ثم ينتقل قائلا: «أعرف الدكتور أحمد المغربى قبل عشر سنوات، كما تربطنا بالمركز هنا عروض دورية، توقفت تماما بعد ازدياد أحداث العنف، ثم فرض حظر التجول». كذلك كان الحال مع هند الراوى الفتاة العشرينية السمراء، التى أفادها انخراطها فى أنشطة المركز لتعلم المزيد من الخبرة فى الغناء الشعبى، ينهيان حديثهما ثم يهبطان أسفل وسط بقية الموسيقيين، ووسط اشتباك أصوات الترومبيت والساكسفون والايقاع، يدور سؤال فى رأس الزائر لهذه التجربة فى أول مرة، ما هو المنتج الذى يمكن أن يخرج من اجتماع هؤلاء الفنانين حتى ينتهى الحظر؟
فى البداية بدأ الأمر خلال جلسة لتبادل العزف والارتجال، لكن الأمر تطور فيما بعد إلى مشروع موسيقى، وتحولت تلك الجلسات إلى ورشة عمل، حتى يظهر منتجا حقيقيا يسجل مزاج هؤلاء الموسيقيين فى وقت الحظر.
«على فكرة أنا انتخبت مرسى!!» بهذه الجملة يبدأ إبراهيم عبدالبارى، عازف الساكسفون الخمسينى، موضحا أنه كلما ارتفع سقف طموحاته، كان الواقع يؤثر بشكل سلبى فى مهنته التى اختارها قبل أكثر من 30 سنة. «ربما أنا هنا بحكم علاقتى القديمة بالمكان وما ينتجه من مشروعات فنية، اختلطنا فيها مع أنواع موسيقية أخرى، لكن فى الحقيقة أنا أعمل أيضا مصاحبا لفنانين شعبيين فى الكازينوهات السياحية بشارع الهرم، وكل هذا توقف تماما الآن». ينهى ابراهيم عبدالبارى حديثه، ليأخذ استراحة من العزف تاركا المجال لآلات أخرى.
بعد الساعة العاشرة مساءً بقليل كان الجميع قد بدأ فى العزف الذى سيستمر حتى السادسة صباحا... يبدأ الترومبيت، ثم الأرغول، وطبول فرقة مزاهر للزار... جملة موسيقية تتكرر، وتعاد بشكل مختلف، وتتسارع الايقاعات، مع الوقت.. كان آخر من جاءوا للمشاركة، طارق الأزهرى مع زميله عبدالله أبوذكرى عازف آلة (الساز) الوترية، الشبيهة بالعود.
«كانت مغامرة أن نأت اليوم بعد ميعاد الحظر، لكن وصلنا فى وقت معقول»، يتحدث طارق الذى يدرس آلة العود فى «بيت العود»، إلى جانب دراسته للحقوق. كان من المفترض أن ينهى دراسته للعود فى هذا الشهر قبل ازدياد أحداث العنف فى الشارع قبل أسابيع، وينتظر العودة فى سبتمبر القادم.
«حاولت مع أصدقاء من العازفين أن نجتمع فى شقة صديق لنا وقت الحظر حتى نتدرب، لكن الأجواء كانت تزداد صعوبة، وحين سمعت بالفكرة هنا تقدمت بطلب وبدأت فى التعاون مع بقية العازفين المشاركين فى الورشة».
لم يقتصر الأمر على مجرد المشاركة مثلما يشرح طارق، فعلى سبيل المثال، صديقه الشاب عبد الله قد أتى بلحن من تأليفه أسمعه لبقية الفرقة حتى يبدأ معهم التنويع عليه والخروج بمقطوعة موسيقية بمزاج الحظر.

 استراحة منتصف الليل
قرب منتصف الليل، يأخذ الجميع استراحة، فى تلك الأثناء كان خميس البابلى قد اختار استراحته أمام شاشات الكمبيوتر بجانب مهندس الصوت فى الطابق العلوى. ينتقل من حديث إلى آخر، من قصة تعارفه على الراحل سامى البابلى عازف الترومبيت الأول، الذى اقتبس اسمه، إلى الأعمال التى شارك فيها مع حسن الأسمر وحكيم وعبد الباسط حمودة : «دى أول حفلة أحضرها من أسابيع وأعزف وسط زمايلي». يستكمل خميس البابلى حديثه موضحا أهمية الاستراحة لعازف الترومبيت بسبب اعتماده على النفس الطويل، والتحكم فى الشفاه. يتدخل الدكتور المغربى بجملة: «عم خميس، عايزين منك جملة نشتغل عليها، وقول لبقية الناس تحت هيتعاملوا معاها ازاي». هنا يحاول مدير المركز القيام بدوره الأصلى فى إدارة هذه الورشة.
بدأت الأغانى تزداد حماسا مع مشاركة الفنان الجنوبى سيد الركابى مع هند الراوى فى الغناء على إيقاعات شعبية، وقرب الساعة الواحدة، تبدأ هدنة أخرى هى استراحة الطعام.. بعض الساندويتشات، ثم تتطوع هند بتقديم الشاى إلى زملائها، بينما يبدو المشهد خارج مركز «مكان»، قرب ضريح سعد زغلول هادئا، وكأن حفلة لم تقم على بُعد عشرات الأمتار.
أحد الشباب الحاضرين يعزف أغنية أجنبية داخل الصالة الفسيحة، ويرتجل معه سيد الركابى تنويعات موسيقية على طريقته الجنوبية. وقرب باب الخروج من المركز، يقف الدكتور أحمد المغربى مازحا لمن حوله: «أنا حدودى خلف هذا الباب، والحظر خارج هذا الباب.. لو تحركت خطوة إلى الخارج فليحاسبنى أحد».
تزداد حالة المرح مع الوقت، سواء للزوار فى أول مرة أو لمن يعرفون بعضهم من قبل، وتختم الليلة بعرض بين فيلم كلاسيكى، والاستمرار فى الحديث والغناء، حتى السادسة صباحا، فى ذلك التوقيت يبدأ الكثيرون يومهم، بينما يتجه من كانوا فى «مكان» لإنهاء ليلة صاخبة وإحساس بأداء عملهم الذى تعودوه لسنوات.

الغناء الثورى فى هدنة

على صفحة الفنان الشاب محمد محسن فى شبكة فيسبوك الاجتماعية اعتذار مكتوب فى نفس اليوم الذى تم فيه فض اعتصامى «رابعة العدوية» و«نهضة مصر»، يقول فيه: «نظرا للأحداث المؤسفة التى تمر بها البلاد تم تأجيل حفل محسن اللى كان مفروض يتعمل الجمعة الجاية للمرة الرابعة على التوالي! بنعتذر لكم للمرة الألف وإن شاء الله تُفرج وتتعوض قريب».
كان محمد محسن أحد الأسماء التى برزت بشكل أكبر فى الأجواء الثورية بسبب اختياراته لكلمات شعراء ثوريين، والتواجد فى كثير من الفعاليات الثورية منذ 25 يناير 2011، ذلك التوضيح لم يعقبه أى تحديث حتى الآن، وعلى عكس الصورة التقليدية التى كان يشارك فيها العديد من المغنين والفرق الشابة داخل الاعتصامات المتتالية على مدار عامين ونصف، اختفى صوت هؤلاء إلى أجل غير مسمى.. البعض يبدى إحساسه بالقلق، مثلما فعل المغنى الشاب رامى عصام الذى كتب بيانا يعبر عن موقفه بشكل واضح، جاء فيه: «نحن كثوار مستقلين لم نشترك فى هذه المعركة بسبب رفضنا للإخوان والعسكر وخيانتهم للثورة.. نحن فقط ننتظر من سينتصر فى هذه المعركة حتى نعلم ضد من سنناضل سواء كان عسكر أو إخوان، ولن نسمح لفلول النظام أن يعودوا إلا فوق جثثنا».
فى هذه الأثناء تختفى المشاركة القوية للفنانين فى الفعاليات السياسية بسبب انحصار الأحداث فى الاشتباكات بين الاسلاميين والأمن، أو بين الاسلاميين والأهالى. وبعد أن كانت الأغانى مندمجة بالكلمات والحضور فى فعاليات خطرة مثل أحداث محمد محمود وخلافه، لم يجد أعضاء فرقة «اسكندريلا» سوى الحنين إلى زمن مشاركاتهم فى تلك الأحداث، إذ تعيد صفحتهم نشر صور حفلة لهم فى اعتصام مجلس الوزراء من العام 2011، وهى الحفلة التى غنوا فيها دون استخدام ميكروفونات أو تجهيزات صوتية تقليدية، فى حين كانت آخر مشاركة غنائية لهم فى معرض «أدنبره» للكتاب بإسكتلندا، حيث ألقى أمين حداد أشعاره عن الثورة، وكذلك فعلت الفرقة الغنائية بتقديم أغانيها الشهيرة. هنا تقل درجة المقاومة لحظر التجول بسبب الأجواء السياسية الضبابية، ولم تبتعد تلك الحالة كثيرا عن دول عربية أخرى من أشهرها لبنان، إذ تعانى هذه الأخيرة من قلاقل سياسية ووقوع تفجيرات، ورغم ذلك أحيا مؤخرا الفنان مارسيل خليفة حفلا غنائيا ببيروت، رغم القلق من تكرار التفجيرات والنداءات بفرض حظر فى بعض الأماكن خشية التصعيد. أحد الأسباب التى دفعت مارسيل خليفة إلى الغناء والدعوة إلى السلام أنه خاض تجارب أعنف مع الحرب الأهلية اللبنانية التى دامت حوالى 16 سنة، وحصدت أرواح عشرات الآلاف.

السمسمية تبحث عن مقاومة جديدة

فى الوقت الذى واجهت فيه بورسعيد حظرا للتجول وأعمال عنف فى شهر يناير الماضى، كانت أغلب محافظات الجمهورية عدا مدن القناة تعيش بصورة طبيعية، وفى تلك الفترة تعمدت مدن القناة وعلى رأسها بورسعيد اختراق حظر التجول، وكانت الموسيقى وأغانى السمسمية إحدى أهم أدوات المقاومة ضد الحظر آنذاك. أما اليوم، فالآية معكوسة، إذ انصاعت 14 محافظة لحظر التجول دون مقاومة، بينما تعيش بورسعيد حرة من حظر التجول، لكن الصورة ليست وردية تماما.
«أوقفنا حفلتنا الأسبوعية فى محافظة بورسعيد لمدة أسبوعين بعد فض اعتصامى رابعة العدوية وميدان النهضة فى القاهرة، هناك حالة من الارتباك أصابتنا جميعا، فالفن يحتاج إلى قدر معقول من الهدوء والأمان». يتحدث هنا زكريا ابراهيم مؤسس فرقة الطنبورة البورسعيدية، ويوضح كذلك صعوبة انتقال الفرقة إلى مسرح الضمة فى حى عابدين بالقاهرة الذى اعتادوا إقامة حفلاتهم عليه، بسبب الحظر.
على مدار 25 سنة من عمل فرقة الطنبورة البورسعيدية وغيرها من فرق السمسمية فى مدن القناة، كانت هناك مناسبات متجددة تشارك فيها السمسمية بشكل وطنى، ارتباطا بموروث ما زال يعتنقه عازفو السمسمية منذ أن كانت رفيقة لرجال المقاومة فى معارك مدن القناة ضد المحتلين، لذا ظهرت السمسمية فى ميدان التحرير، وفى ميادين مدن القنال، لدعم ثورة 25 يناير. وتجدد الأمر قبل 30 يونيو الماضى من مشاركات فى الميادين، بل وتأليف أغان خاصة لهذه المناسبة ومن ذلك ما ألفه زكريا ابراهيم عن «تمرد». أما فى الفترة التى كانت فيها بورسعيد تعانى من العزلة ومن المواجهات العنيفة مع الأمن بعد صدور حكم إعدام لعدد من أهالى المدينة فى قضية قتل ألتراس أهلاوى بإستاد بورسعيد، وهو ما اعتبره الأهالى تضحية بالمدينة إرضاء للألتراس. بدأت أحداث بورسعيد يوم 26 يناير 2013 وفى تلك الأجواء المحمومة بالغضب، لم ينصع أحد لحظر التجول، بل شاركت السمسمية فى مقاومة الحظر، وتبدلت كلمات الكثير من الأغانى التراثية بكلمات ساخطة على حكم الرئيس المعزول محمد مرسى. «فرقة الطنبورة على سبيل المثال ألفت أغنية عن يوم 26 يناير»، حسب عبارة زكريا إبراهيم.
لماذا لم يبرز صوت السمسمية كأداة للمقاومة فى الفترة الماضية؟ يوضح زكريا أن الصورة ليست واضحة، والهدف الذى يمكن أن تقوم ضده السمسمية ما زال ضبابيا، «فكرت أنا وزميلى محسن العشرى أن نكتب عن هذه الفترة، لكن علينا أن نصبر ونفهم»، يصمت قليلا ثم يضيف: «صعب تغنى وجنبك ناس بتموت».

Thursday, August 8, 2013

شبح السياسة يحاصر العمل الخيرى

 

غياب ملحوظ للمتطوعين الإسلاميين.. والجمعيات الإخوانية الأكثر تضررًا


لم يكن هو المشهد الرمضانى المعتاد أمام ساحة جمعية رسالة للأعمال الخيرية بمدينة نصر، فكثير من الشباب المتطوعين فى نشاط تعبئة الشنط الغذائية يدركون أن عددهم أقل من العام الماضى. «كان عدد المتطوعين فى رمضان الماضى ضعف هذا العدد المشارك الآن، وذلك بسبب الأحداث السياسية والاشتباكات المتلاحقة، التى لم تنقطع عن حى مدينة نصر». هنا لا يخفى هشام مجدى ــ قائد فريق الفرسان للعمل التطوعى ــ ضيقه من تأثير الأحداث السياسية على العمل الخيرى، ورغم أن فريق الفرسان يعمل بشكل مستقل عن جمعية رسالة منذ سنوات، إلا أنهم يحرصون فى كل رمضان على أن يشاركوا كمتطوعين فى تعبئة الشنط الغذائية. وفى العام الحالى بالذات قد أدركوا أهمية حضورهم، «هناك شباب يقطنون فى العباسية، وفى الناحية الأخرى من مدينة نصر، أصبح من الصعب ان نجدهم معنا، بسبب صعوبة المواصلات عليهم، وقلق أسرهم من مشاركتهم»، حسبما يصف أحد المتطوعين.
فى أحد الشوارع الخلفية لشارع عباس العقاد، تقع جمعية «رسالة» فى مدينة نصر، وهناك اجتمع عشرات الشباب وسط مئات الأجولة والمواد الغذائية، ليفرغوا محتوياتها فى أكياس بلاستيكية، وذلك على مسافة غير بعيدة من اعتصام رابعة العدوية، حيث جرت العديد من الاشتباكات والفعاليات والمسيرات على مدار شهر رمضان الحالى.
تلك الأزمة لا تخص المتطوعين العاملين فى حى مدينة نصر وحدهم، حسبما يصف هشام مجدى ــ قائد فريق الفرسان ــ قائلا: «على سبيل المثال فإن فريقنا يعمل منذ سنوات على فئة متحدى الاعاقة، وبسبب الأحداث المتتالية كنا نؤجل بعض الفعاليات خارج القاهرة، بسبب حالة القلق التى كانت تصيب بعض المتطوعين من السفر فى ظروف غير آمنة أو اشتباكات داخل المحافظات». فى المسافة بين مبنى الجمعية والساحة المقابلة لها يتحدث هشام مجدى واصفا موقف لم يكن ليتعرض له من قبل: «رفض والد أحد المتطوعين مشاركة نجله معنا، ظنا منه أننا سنوجه مساعداتنا لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما اتهمنا به أيضا بعض المارة أثناء عبورهم من أمام ساحة تعبئة الشنط الرمضانية، وهو أمر جديد علينا، لم نقابله فى السنوات الماضية».
أصدرت «رسالة» فى نهاية العام الماضى بيانا تنفى فيه انتماءها لأى حزب أو تيار سياسى، وذلك ردا على اتهامات بأنها جمعية داعمة لجماعة الإخوان المسلمين، وتجددت الشائعات مرة أخرى بكثافة بعد 30 يونيو، ما اضطر الجمعية إلى مواجهة الأمر بحملة دعائية. وأقام شباب الجمعية سلاسل بشرية للتأكيد على أنهم لا ينتمون إلى التيار الاسلامى، وفى هذه الأجواء، لم يقتصر الأمر على جمعية رسالة للأعمال الخيرية وحدها، بل امتدت إلى مؤسسات أخرى مثل بنك الطعام وجمعية الأورمان.
ويكشف أرشيف الموقع الالكترونى لجمعية رسالة عن عدد من الأخبار توضح وجود تعاون بين فروع جمعية «رسالة» وحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين. كما تكشف بعض الفعاليات التى أقامتها الجمعية عن تنسيق بين الحرية والعدالة والجمعية فى فعاليات خيرية أو تنموية، تلك الأنشطة لا تعبر بشكل كامل عن وجود انحياز ناحية جماعة الإخوان المسلمين أو التيار الاسلامى، إذ نسقت الجمعية نفسها فعاليات مع كيانات أخرى ليس لها صلة بالتيار الاسلامى، على سبيل المثال فقد تعاونت «رسالة» فى إبريل الماضى مع حزب الدستور لإقامة «كرنفال الدقى ليوم اليتيم»، وحضره فى ذلك الوقت الدكتور محمد البرادعى.
أما فى ساحة تعبئة الشنط الرمضانية، فيعمل الجميع على كسر تلك الأجواء، كأن تقوم متطوعة بمتابعة المجموعات المشاركة، وتقييمهم على لوحة بيضاء، ويتم تكريم المجموعة الأكثر نشاطا، حتى ينسى الجميع من كان يداوم على زيارة اعتصام رابعة العدوية، أو كان من زوار ميدان التحرير.
ضحايا الأزمة
وفى الوقت الذى كانت تذيع فيه جمعية رسالة إعلانات تنفى صلتها بأى تيار أو فصيل سياسى، كانت هناك جمعيات ومؤسسات أخرى تبث إعلاناتها على نفس النمط الرمضانى فى كل عام، دون أن تقع فى دائرة أى اتهامات، فهل تأثرت هذه الجمعيات بالأزمة السياسية الحالية؟ تجيب الدكتورة أنيسة حسونة المدير التنفيذى لمؤسسة مجدى يعقوب للقلب بأسوان، بأنها لا تستطيع أن تقيم مدى تأثير الحالة السياسية على حجم التبرعات، سوى بعد عملية التقييم التى تجريها الجمعيات الخيرية بعد انتهاء الموسم الرمضانى، وتقول: «لن أفاجأ إن كشفت الأرقام أن العمل الخيرى قد تأثر بسبب الأحداث السياسية، لكننى متأكدة من أن المصريين الذين اعتادوا على العمل الخيرى فى كل عام، لن يوقفهم شىء، وسيقدمون تبرعاتهم بأى وسيلة».
قد لا يكون حجم الضرر الذى تعرضت له الجمعيات الكبرى بحجم الضرر الذى تعرضت له الجمعيات الخيرية الصغيرة والمعتمدة بشكل مباشر على دعم جماعة الإخوان المسلمين، سواء فى إقامة أسواق خيرية أو معارض ملابس أو غيرها من الفعاليات. بعض هذه الجمعيات كانت ترد الجميل للجماعة وحزبها فى ندوات تستضيف أعضاء مجلس الشعب السابق من جماعة الإخوان، كما حاولت التأثير سياسيا على المستفيدين من خدماتها، وكل ذلك مازال محفوظا فى صفحات هذه الجمعيات على الفيسبوك. أما فى حالة التواصل وطلب الاستفسار من قيادات هذه الجمعيات، التى يقتصر عملها فى الغالب على نطاق حى أو قرية، فينتهى الأمر بإجابة واحدة: «نعتذر عن الحديث بسبب الظروف السياسية الراهنة».
 يوضح مثلا عضو مجلس إدارة جمعية خيرية فى حى الزيتون بالقاهرة، أسباب حساسية الحديث عن هذا الموضوع، خاصة أنه قد تعاون سابقا مع حزب الحرية والعدالة، قائلا: «قمت مع زملائى منذ فترة بتعليق أنشطة مثل السوق الخيرى أو معرض الملابس، خشية أن نفاجأ ببلطجية يدمرون عملنا تحت دعوى أننا ننتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، وخشية استهداف مقر الجمعية أثناء أى اشتباكات أو خلاف سياسى فى الحى».
لا يخفى عضو مجلس إدارة الجمعية التى تعمل على نطاق ضيق أن أنشطتها تأثرت بشدة بسبب انشغال العاملين بها فى أزمة التيار الاسلامى، إلى جانب تضرر الجمعية من غياب المتطوعين الذين كانت تعتمد عليهم الجمعية، وأغلبهم من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، الذين انسحبوا من النشاط العام فى الحى.
بين «رسالة» ورابعة
بالعودة إلى جمعية «رسالة» فى مدينة نصر، أمام ساحة تعبئة المواد الغذائية، كان يقف محمود عاشور، طالب الصف الثانوى، وأحد شباب الإخوان المسلمين... يستعد لخطوة جديدة فى العمل مع فريق المتطوعين، بعد أن قضى أغلب وقته فى شهر رمضان، موزعا بين التطوع فى جمعية رسالة وزيارة اعتصام رابعة العدوية. يعلق على ذلك قائلا: «هناك جمعيات خيرية تحت إدارة أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، وقد عرض على البعض أن أوجه عملى التطوعى إلى هناك خشية أن أتعرض لمضايقات من المتطوعين فى رسالة، لكنى تشبثت بأن أظل متطوعا ضمن فريق رسالة، وأواجه الموقف دون قلق، وفى النهاية الهدف هو العمل الخيري». وحسبما يذكر محمود فإنه لا يمثل الجمعية بأى شكل داخل الاعتصام، بينما تساهم بعض الجمعيات الخيرية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين بشكل مباشر فى تقديم الإفطار للمعتصمين عن طريق متبرعين لديهم الرغبة فى «إفطار الصائمين».
تقف مروة زهدى مسئولة الاطعام فى جمعية رسالة بمدينة نصر كى تنظم مجموعات المتطوعين داخل عدد من الميكروباصات، حيث يبدأون نشاط توزيع الطعام على المحتاجين المسجلين لدى الجمعية. وهى تروى أن أحد معتصمى رابعة العدوية قد قدم لفرع رسالة حوالى 600 وجبة فاضت لديه ولم يوزعها داخل الاعتصام، وأراد إنقاذ ما تبقى لديه بأن يرسلها إلى جمعية رسالة، التى يمكنها حفظ تلك الوجبات وإعادة توزيعها بمعرفتها، وتقول مروة: «بعد أن وجدناه يكرر العرض مرة أخرى بتقديم حوالى 2000 وجبة، اعتذرنا له منعا للحرج، حتى لا نكون موضع شبهات أو نحسب على تيار سياسى بعينه».
الصورة ليست قاتمة بأى حال، حسبما ترى الدكتورة إقبال السمالوطى ــ أستاذ ورئيس قسم التخطيط بالمعهد العالى للخدمة الاجتماعية بالقاهرة، وعضو الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية ــ فرغم تأثر النشاط الخيرى بحالة التوتر السياسى فى الشارع المصرى، إلا أن هناك ملامح جديدة قد أضيفت هذا العام إلى العمل الخيرى. وتوضح الدكتورة إقبال السمالوطى: «هناك جمعيات تعمل فى مجال التنمية أخضعت إمكانياتها لتقديم أعمال خيرية فى رمضان لهذا العام، نتيجة ضغوط من أعضائها، خاصة أن بعض الجمعيات الخيرية التابعة للإخوان المسلمين قد تأثر بعضها فى الفترة الماضية، وأعتقد أن هذا يعبر عن روح مبادرة جيدة تؤكد حرص المصريين على العمل الخيرى بشكل عام». فى الوقت الحالى تبدو صورة العمل الخيرى خاضعة لتأثير الظروف السياسية الداخلية، من انشغال أبناء التيار الاسلامى بالسياسة عن نشاطهم التقليدى فى العمل الخيرى، إلى خشية بعض المتطوعين من العمل فى ظل حالة حادة من الاستقطاب والاحتقان السياسى .
**
الدين والخير والسياسة.. علاقات قديمة
منذ فترات مبكرة من عمل الجمعيات الخيرية فى مصر،  امتزج العمل الخيرى بالسياسة والدين فى كثير من الأحيان، فعندما ظهرت الجمعيات الخيرية الدينية فى نهاية القرن 19، كانت البداية بتأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية فى العام 1878، وكان من أهم رجالها الإمام محمد عبده والزعيم مصطفى كامل. ورغم أن هناك أهدافا خدمية وخيرية لهذه الجمعية مثل إنشاء المدارس للفقراء ومساعدة المحتاجين، إلا أنه كان هناك هدف آخر ذو بعد سياسى هو مواجهة الجمعيات الأجنبية والتبشيرية، التى كانت تعمل فى مصر آنذاك. ولم يقتصر الأمر على الجمعيات الإسلامية فقط،  بل إن شخصيات وطنية مثل عبدالله النديم قد دعمت تأسيس جمعيات مسيحية، مثل «جمعية المساعى الخيرية» فى 1881، وذلك لمواجهة الجمعيات الأجنبية والتبشيرية ولتكريس فكرة الوحدة الوطنية.
وكان تأسيس هذه الجمعيات الخيرية متأخرا نسبيا عن تأسيس جمعيات من نوع آخر، مثل الجمعيات الثقافية والعلمية فى مصر، وذلك لسبب يرجعه باحثون إلى اعتماد النشاط الخيرى قبلها على دور المسجد والأوقاف، هذا إلى جانب دور الطرق الصوفية. وبعد تأسيس دستور 1923 أصبح تشكيل الجمعيات الأهلية التطوعية حق يكفله الدستور للمواطنين، وهو ما زاد من عدد الجمعيات الأهلية بشكل عام. ثم برز فى عام 1928 دور جمعية «الإخوان المسلمين»،  التى حملت وجها جديدا يمزج بين العمل الدعوى والدور السياسى، وكانت القضية الفلسطينية بداية مجال حركة لجمعية الإخوان المسلمين آنذاك منذ الثورة الفلسطينية فى الثلاثينيات، ثم مشاركتها فى مجال الإغاثة ورعاية اللاجئين.