Showing posts with label تحليلات. Show all posts
Showing posts with label تحليلات. Show all posts

Thursday, December 15, 2016

الأسد ينفض غبار المعركة.. والمصير الغامض يهدد المستقبل بعد «تحرير حلب»

كتب - عبد الرحمن مصطفى

 خرج الرئيس السوري بشار الأسد، من وسط غبار معركة حلب ليلقي كلمة مصورة بدا فيها مبتسما، وأكثر هدوءا عن ذي قبل، واصفا “انتصار” القوات السورية على الفصائل المعارضة باللحظة التاريخية التي سيتوقف عندها الزمن ليدخل التاريخ «مرحلة ما بعد تحرير حلب»، بحسب وصفه.

تزامن بث فيديو الأسد عبر حساب الرئاسة السورية على تويتر مع عملية إجلاء آلاف المدنيين والمقاتلين من آخر معقل للمعارضة في حلب بعد اتفاق جرى لوقف إطلاق النار.

حلب

 

“ما يحدث اليوم هو كتابة تاريخ يكتبه كل مواطن سوري، لم تبدأ كتابته اليوم، بل بدأت من نحو 6 سنوات عندما بدأت الأزمة والحرب على سوريا”. هذه الكلمات الوائقة من الرئيس السوري، أخفت وضعا بائسا عاشته المدينة مؤخرا، دفعت لجنة تحقيق في جرائم الحرب تابعة للأمم المتحدة، أمس الأربعاء، إلى تحميل الحكومة السورية مسؤولية أساسية كي تمنع أي هجمات أو انتهاكات ضد حقوق الإنسان في حلب من قبل جنودها أو القوات المتحالفة معها. وهي الممارسات التي وصفتها الأمم المتحدة من قبل بأنها “تمثل على الأرجح جرائم حرب”.

انشغل الرئيس السوري بالنصر، وقال في ظهوره الأخير “أعتقد بعد تحرير حلب، سيقول التاريخ، لا السوري ولا الإقليمي فحسب، بل الدولي أيضا: قبل تحرير حلب وبعد تحرير حلب، كما قال من قبل مرحلة ما قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، وبين الحربين العالميين”.

وفي جزء من حديثه عن تأثير نتائج معركة حلب على توازنات القوى في المستقبل، كثير من الصحة، إذ لن يحصد الأسد وحده غنائم الحرب، بقدر ما سيشاركه فيها حلفاء آخرون على رأسهم روسيا الاتحادية التي دعمت بشكل قوي القوات الحكومية، مع اتخاذ تدابير دبلوماسية تضمن تحقيق هذا النصر.


ويطرح ظهور بشار الأسد اليوم سؤالا حول حقيقة هذا “النصر”، في وقت أدان فيه المجتمع الدولي انتهاكات جرت ضد المدنيين في حلب، وأكدت فيه دول غربية كبرى، قبل أسبوع، أنه لن تكون هناك أي حصانة للأفراد المتورطين في جرائم حرب. داعين الأمم المتحدة لجمع الأدلة للمساعدة في مثول الأفراد أمام العدالة.

كذلك بدا موقف الرئيس السوري معزولا أمام الدبلوماسية العربية، إذ نددت دول  في اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، باعتداءات جرت على مدنيين أثناء فرارهم من حلب.

وقال أحمد قطان مندوب السعودية أمام الاجتماع الذي عقد في القاهرة “نجتمع اليوم ونحن نشاهد بأعيننا حجم الدمار الهائل الذي أحدثه النظام السوري وحلفه، (…)، بل أمعنوا واستمروا في قتل الشعب السوري الشقيق بوحشية وبدون أي وازع ديني أو ضمير إنساني”.


حلب

أما جمعة مبارك الجنيبي، مندوب دولة الإمارات الدائم لدى الجامعة العربية، فقال “لا يمكن القول بأن قوات النظام السوري حققت انتصارا بتطهير بلد من سكانه بهذه الطريقة الوحشية، كما أنه لا يمكن تصور هذا الضعف الذي يعاني منه المجتمع الدولي بصمته على تلك الجرائم الإنسانية وجرائم الحرب التي ترتكب يوميا هناك”.

سيواجه الرئيس السوري في المستقبل أزمة مع الانتهاكات التي جرت في مدينة حلب من أجل تحقيق ذلك “النصر”. كما يبقى أمامه أزمة في آلاف النازحين من حلب، وحالة الطوارئ التي دفعت الأمم المتحدة لتجهيز خطط طوارئ لاستقبال 100 ألف شخص في إدلب.

قد تبدو ملامح الرئيس السوري الواثقة في فيديو اليوم، أكثر تعبيرا عن النصر، لكنها قد لا تستمر على هذا المنوال في المستقبل، بعد أن تظهر نتائج أخرى أغفلها بشار الأسد من حساباته. ما يطرح بدوره تساؤلا عن المصير الغامض الذي يهدد مستقبل الأسد  بعد «تحرير حلب»، وهو ما ستكشف عنه مجريات الأحداث خلال الفترة الضبابية المقبلة  في تاريخ البلاد.

Wednesday, May 20, 2015

الدين الذى يسعى إليه المصريون

 التدين الشعبى والتصوف.. التحليق بعيدًا عن صراعات السياسة

يتصدر الشأن الدينى واجهة المشهد السياسى، لارتباط الفكر الدينى المتطرف بأحداث العنف والإرهاب فى مصر، وفى الوقت الذى تتبنى فيه الدولة سياسات جديدة فى مؤسساتها لإحكام القبضة على ملامح الخطاب الدينى، والابتعاد عن التطرف، مازالت شريحة من المصريين تمارس التدين الشعبى عيدا عن الحلول الرسمية
- شحاتة صيام أستاذ علم الاجتماع: الصوفية هى الحاضنة الوحيدة للتدين الشعبى
- منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية: لا نسعى إلى سلطة أو مكسب سياسي
- الشيخ عادل نصر : المصريون معتدلون دينيا أما انحرافات الموالد فليست من الشرع
- خالد عبده الباحث في شؤون التصوف: الصوفية تركت أثرا عميقا في شخصية المصريين
يتواجد الاثنان فى المكان نفسه دون أن يلتقيا، الأول محمد فتحى الموظف بالمعاش الذى جاوز الستين بعامين، والثانى مصطفى رمضان الشاب الذى يبلغ الحادية والعشرين من عمره، كلاهما من أبناء حى السيدة زينب، يحرصان على الوجود وسط أبناء الطرق الصوفية وزوار«السيدة»، ليتحولا إلى جزء من مشهد روحانى يغطى محيط مسجد السيدة زينب.
«مولد السيدة زينب هو فرصة أنضم فيها إلى أبناء الطرق الصوفية، أشاركهم الذكر والانشاد، ثم أعود مطمئنا إلى منزلى.. هذا ما اعتدت عليه منذ سنوات عديدة».
تحدث الحاج محمد فتحى فى أثناء حضوره مولد السيدة زينب الذى أقيم أخيرا، بينما كان الشاب مصطفى رمضان فى سرادق تقيمه عائلته، حيث يوزع الطعام على الفقراء وزوار المسجد. لا يعتبر أى منهما نفسه صوفيا، لكنهما يندمجان بين أبناء الطرق الصوفية الذين تواجدوا فى السرادقات، ويصف مصطفى الشاب سبب مشاركته قائلا: «الهدف من وجودى هو تقديم الخير.. لا شىءآ خر».
فى كتاب (الدين الشعبى فى مصر) للكاتب شحاتة صيام أستاذ علم الاجتماع بجامعة الفيوم، يضع تعريفا للدين الشعبى بأنه «إسلام الطبقات الشعبية الضعيفة، التى تبتعد عن الإطار الرسمى وعن الحياة اليومية، وتنغمس فى الحياة الروحية». قد لا ينطبق هذا القول بشكل كامل على نموذج مثل موظف المعاش المحب لحلقات الذكر، ولا على الشاب الذى يقدم الطعام فى المولد كتقليدى عائلى، بقدر ما ينطبق على عدد غفير من المهمشين المحلقين حول مقامات العارفين بالله، والمؤمنين ببركة الأضرحة وقدرات المشايخ وكراماتهم، أو على حد قول شحاتة صيام فى حديثه لـ«الشروق» : «لنبحث خارج الحضر، ونتعمق فى الريف، ومجتمعات المهمشين سنرى تلك النماذج ما زالت متمسكة بتدينها الشعبى». ويبدأ فى شرح المزيد عن التدين الشعبى فى مصر، واصفا إياه بأنه «تدين خارج إطار المؤسسات، متحرر من أى وصاية، هو منتج شعبى يهدف إلى مقاومة كل سلطة دينية».
بعض المشاهد فى الموالد الصوفية تقدم هذا المعنى، كأن ترقص امرأة على نغمات الذكر الصوفى، أو أن يمر رجل ذى عمامة خضراء يدخن سيجارة فى حلقة للذكر، كلها مشاهد تقوم على التحرر من الشكل الرسمى للتدين أو الالتزام الحرفى بالتعاليم الدينية، وهو مستوى يختلف عن مستوى نماذج مثل محمد فتحى الموظف بالمعاش الذى يحضر دروس وحلقات ذكر صوفية باحثا عن الرضا والأمل، بينما يبدو الأمر أكثر وضوحا مع مصطفى رمضان الشاب الذى يوزع مع أفراد عائلته الطعام فى مولد السيدة زينب كل عام، إذ يروا أن ما يفعلونه ليس تقديم«نفحة» صوفية حتى إن ظن البعض ذلك، بل هو عمل خيرى.
«هناك قيم قدمها التصوف إلى المجتمع المصرى، وأزعم أن المصريين من أشد الناس تأثرا بالتصوف ومحبة آل البيت، لكن هذا لا يمنع من وجود ثغرات ينفذ منها من ينتقدون التصوف». يتحدث مصطفى زايد، منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية، عن الفاصل بين التدين الشعبى المتوغل فى سلوكيات المصريين، والقلق على صورة الصوفى المتدين من بعض السلوكيات «الشعبية». لذا يضيف أن «التصوف منهج حياة وليس مجرد انضمام إلى طريقة صوفية، بل هناك من المتصوفة من أصبحوا يبتعدون عن الصخب والأجواء الاحتفالية».
البديل الصوفى
كان هناك رهان لدى بعض الباحثين والكتاب فى العام الماضى على إمكانية أن تحل الصوفية محل تيار الإسلام السياسى الذى انسحب من المشهد، وحسب حديث منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية فإن الأمر ليس بهذه البساطة، بسبب انكباب قيادات الطرق الصوفية على مشكلاتهم الداخلية دون انفتاح على المجتمع، إلى جانب أمر آخر أهم من وجهة نظره، أنه من الصعب أن تحدث منافسة فى وقت من الأوقات بين التيارات الإسلامية والصوفية، إذ يقوم التصوف على تقديم الخير والدعم والتعبد دون النظر إلى المكسب السياسى، ولا تهدف الصوفية إلى زيادة عدد الأتباع بقدر أهمية تأثيرها على من حولها، أيا كان عدد المريدين.
فى جانب آخر يوضح شحاتة صيام أن نمو التيارات السلفية فى المجتمع المصرى، ليس دليلا على أنها تمثل «تدينا شعبيا»، إذ يؤكد على أن التدين الشعبى قائم على التحرر من السلطة الدينية وسطوة النصوص، وهو الأمر الذى لا تقدمه السلفية أو تيار الاسلام السياسى الذى يسعى إلى فرض سلطة على المجتمع، على عكس الصوفية.
فى هذا الزحام تقع مظاهر التدين الشعبى التى تحتضنها الصوفية فى مرمى النيران لأسباب متنوعة، على سبيل المثال فقد دار جدل فى العام 2009 حول كسوة ضريح مسجد الإمام الحسين التى وضعت باللون الأسود بعد تجديدات جرت فى المسجد، وتم توجيه اتهامات بأن ذلك إشارة على نفوذ الشيعة فى مصر، وتم تغيير لون الكسوة إلى اللون الأخضر بتأييد من بعض مشايخ الصوفية على اعتبار أن اللون الأخضر هو لونهم المفضل. لكن هذه التفاصيل الصغيرة أحيانا ما تطفو مرة أخرى، إذ ما زالت بعض المنتديات السلفية على الإنترنت، تحتفظ بأسئلة عن حكم استخدام الإضاءة باللون الأخضر فى بعض المساجد، وهو ما أزعج بعضهم واعتبره بدعة. تلك الاشتباكات البسيطة تطورت فى الأعوام التالية لثورة 25 يناير إلى تهديدات بمنع الموالد وهدم الأضرحة الصوفية، حتى انسحب تيار الإسلام السياسى من المشهد.
«المصريون فى تدينهم أقرب إلى الاعتدال والوسطية، إما أن نربط بين تدينهم ومظاهر انحرافات عن المنهج الشرعى كالتى تظهر فى الموالد وغيرها، فمن الظلم أن نقول أن هذا هو تدين المصريين، بل هو قلة علم وضعف فى الوعى الدينى لدى البعض».
يرى الشيخ عادل نصر، المتحدث الرسمى للدعوة السلفية، أن هناك مرجعية واحدة شرعية لكل المسلمين، وأن انسحاب تيار الاسلام السياسى من المشهد لا يؤثر على حضور أبناء الدعوة السلفية، ومن الصعب أن يصنع الموقف الراهن منافسا «صوفيا» يكسب مساحات تركوها، وحتى مع سؤاله عن تأثير وجود قيادات دينية مهمة فى الدولة لها خلفية صوفية، فلا يرى ذلك سببا فى صراع، لأن المرجعية الشرعية واحدة، بينما يتعامل مع فكرة «التدين الشعبى» بمبدأ أنه من الواجب أن تتم مراجعة العادات والتقاليد ومقارنتها بالشريعة، ثم تقويم تلك العادات إن احتاج الأمر.
فى دراسة منشورة من العام الماضى لناجح إبراهيم الباحث الإسلامى والخبير فى شئون الجماعات الإسلامية، طرح سؤالا تحت عنوان «هل يرث التصوف السنى الإسلام السياسى المصرى؟!»، لافتا إلى قيادات دينية تتصدر المشهد الإعلامى والدينى من ذوى الخلفية الصوفية، لكنه يطرح عائقا داخل نفس الدراسة أمام التقدم الصوفى حول «انصراف بعض أتباع التصوف للتدين الشعبى الذى تغذيه خطابات الموالد المختلفة، دونما اهتمام بتحصيل العلوم الشرعية، فأكثر الصوفية يتلقون عن مشايخهم العهد وليس العلم، باستثناء حالات محدودة» على حد قوله. وهنا يعود الحديث عن «التصوف العلمى» كنمط تدين بديل، واعتبار «التدين الشعبى» عبئا على تقدم الصوفية.
«الأمر الآن يتوقف إلى حد كبير على موقف الدولة، فنمط التدين الشعبى يمكن أن تتحكم الدولة فى مظاهره، أو أن تسمح به انصياعا لمبدأ حرية الاختيار.. الأمر كله يتوقف على ما يجرى الآن تجاه قضية الدين فى المجتمع». يتحدث خالد محمد عبده الباحث فى الفلسفة الإسلامية والتصوف عن مساحات التغيير الممكنة فى نمط التدين المصرى، ثم ينتقل إلى الجذور الثابتة التى تركها التصوف فى نمط التدين المصرى، قائلا: «يقدم التصوف مساحة من الحرية دون إكراه، نجدها فى المساجد الكبرى مثل السيدة زينب والحسين، وقد تركت الصوفية موروثا يدعم المستضعفين والفقراء، وهو ما زال راسخا لدى المصريين، وتلك الأمور ستظل متواجدة، لكن يظل فوقها حركة الدولة تجاه الدين».
حسبما يتحدث الباحث فى شئون التصوف، فإنه يطرح أن تقدم الدولة دعما لخطاب دينى راق، أيا كان من يتبناه، وهو ما سيرسخ ممارسة أفضل فى نمط التدين الحالى للمصريين.

الدين الرسمى للدولة

 - عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن: التجديد الدينى لا يتم إلا بواسطة العلماء

- إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة: عملية التجديد لابد أن تتم بعد مناقشات مفتوحة
قبل عام تقريبا، ظهر المرشح الرئاسى عبدالفتاح السيسى فى أول حوار تليفزيونى يجريه فى أثناء حملته الانتخابية، وقال إن الخطاب الدينى فى العالم الإسلامى أفقد الإسلام إنسانيته أمام الآخرين، وأبدى اهتماما واضحا بقضية الدين وموقعه فى حياة المواطنين، وذكر أنه اجتمع بالعديد من القيادات الدينية والسياسية فى أثناء فترة عمله فى المخابرات العسكرية، وأبلغهم أن خطابهم الدينى لا يصلح لقيادة الدولة. وعلى مدى عام بعد هذه التصريحات وتوليه رئاسة الجمهورية، تكرر المعنى عدة مرات فى مناسبات مختلفة، منها ما ذكره فى كلمته أمام رجال الأزهر وعلماء الدين قائلا: «والله سأحاججكم أمام الله يوم القيامة» مطالبا بثورة دينية لتجديد الخطاب الدينى.
تلك التصريحات تزامن معها استجابة مباشرة من المؤسسات المعنية مثل وزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر ودار الإفتاء، بما يرسم صورة عن موقف رسمى من قضية الدين فى هذه المرحلة.
«يحمل الفقه الإسلامى وسائل تجديده، فهو فقه متجدد بطبعه لكن بقدرات من يتولون تعليمه وتدريسه، أما الذين يبعدون عن التخصص الدقيق، فليس بوسعهم أن يدركوا حقيقة ما يتم فى عملية التجديد». يتحدث عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون فى جامعة الأزهر، عن أن عملية التجديد الدينى يجب أن تتم على أيدى المتخصصين من أبناء الأزهر الشريف.
ويتوافق ذلك مع المادة (7) التى نص عليها الدستور المصرى لعام 2014 فى أن «الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على جميع شئونه، وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم».
وفقا لهذه الرؤية جرت عدة إجراءات كان أشهرها ما تم أخيرا تجاه الباحث إسلام البحيرى، حين أصدر الأزهر بيانا فى الشهر الماضى قال فيه: «إنه فى إطار قيام الأزهر بالحفاظ على الدين الإسلامى من التشكيك والتشويه وعدم السماح بأن ينال أحدهم من صورة الإسلام، أو أن يعبث بعقول الشباب، فقد تقدم الأزهر الشريف بشكوى إلى المنطقة الحرة الإعلامية بالهيئة العامة للاستثمار ضد البرنامج المذكور، لما يمثله من خطورة فى تعمده تشكيك الناس فيما هو معلوم من الدين بالضرورة». كما تقدم شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بدعوى قضائية يطالب فيها بوقف بث برنامج الإعلامى إسلام بحيرى على قناة القاهرة والناس. ذكر فيها أن «جميع النصوص التشريعية أكدت أن الأزهر الشريف وشيخه هو صاحب الحق الأصيل والثابت فى الحفاظ على الثوابت الدينية، والتراث الإسلامى». هكذا كانت حركة الأزهر تستند إلى مرجعية الدستور المصرى فى حماية دوره القانونى.
أما وزارة الأوقاف الأكثر اتصالا بإنتاج الخطاب الدينى بحكم إشرافها على إدارة المساجد، فقد أدركت هذا الدور مبكرا، بأن حاولت اتخاذ عدة إجراءات للسيطرة على المنابر، مثل منع غير الأزهريين من الخطابة، وإعلان الوزارة تدشين غرفة عمليات لمراقبة مخالفات الخطباء فى المساجد المختلفة، ومنع الصلاة فى الزوايا الصغيرة. وبعد مسيرة شهور فى هذا الطريق تلقت وزارة الأوقاف فى ديسمبر الماضى رسالة شكر من مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، على دور غرفة عمليات الوزارة «فى ضبط الخطاب الدعوى بالمساجد»، ما أعطى انطباعا بأن الوزارة على الطريق السليم.
وتشير دراسة أعدها عمرو عزت الباحث فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تحت عنوان «لمن المنابر اليوم؟» إلى نتيجة مفادها أن احتكار الدولة قانونيا لإدارة النشاط الدينى الإسلامى حصريا، ومراقبتها لحدود النشاط الدينى، يقول إن الدولة تتخذ مكانة (الإمام)، وأنها تسعى إلى الحفاظ على مكانتها كممثل لجماعة المسلمين الموحدة، حيث لا ينازعها إمام آخر.
وأخيرا صدر حكما من محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية يؤيد قرار وزير الأوقاف بالامتناع عن تجديد تصريح الخطابة الممنوح لأحد المنتمين إلى التيارات الدينية المتشددة بمحافظة البحيرة، وأوضح بيان صادر عن مكتب الوزير أن الحكم بالنسبة إلى الوزارة بمثابة تأكيد على«اختصاص وزارة الأوقاف بالقيام بالنشاط الدعوى الدينى فى مصر والعالم العربى والإسلامى لتبيان صحيح الدين».
أما بعيدا عن الطريق الذى سلكته مؤسستى الأزهر والأوقاف فى تشكيل التدين الرسمى لهذه المرحلة، فإن مؤسسات أخرى قد استجابت بدورها، ومنها وزارة التربية والتعليم، وهو ما بدا واضحا فى خطتها استبعاد النصوص والموضوعات التى تحض على العنف أو الكراهية من المناهج الدراسية.
«كان هناك بالفعل أجزاء من نصوص يمكن أن تستخدم فى الحض على الكراهية أو تغذية العنف، فتمت مراجعتها من لجنة متخصصة والاستعانة بأكاديميين، تمهيدا لمراجعة شاملة لجميع المناهج الدراسية من لجنة عليا فى وزارة التربية والتعليم». تشرح ثناء جمعة، مديرة مركز تطوير المناهج التابع لوزارة التربية والتعليم، آليات العمل لتطهير المناهج من أى مواد تحض على الكراهية أو التطرف، كما تذكر أن مناهج التربية الدينية، تراجعها مؤسستى الأزهر والكنيسة.
ذلك الموقف الذى تتخذه الدولة من قضية الدين، ومحاولة مؤسساتها تشكيل نمط تدين رسمى يبتعد عن التحريض على العنف والكراهية، ينبئ عن سياسة عامة انخرطت فيها عدد من مؤسسات الدولة فى الشهور الماضية، ويبرز دور الأزهر واضحا مع ما منحه الدستور من سلطات، إلى جانب تأكيدات الرئاسة المصرية الدائمة على أهمية مشايخ الأزهر.
«هناك أزمة فى أن تطلب من مؤسسة محافظة أن تثور على ما حافظت عليه لسنوات، وأقصد أن مؤسسة الأزهر تهتم بقضية الحفاظ على ميراث الدين، فمن الصعب أن نطلب من المؤسسة نفسها أن تثور على جزء من هذا الميراث». الحديث لإبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، الذى يرى أن عملية التجديد من وجهة نظره تعتمد بالأساس على مناقشات حرة ومفتوحة، قد يكون للأحزاب السياسية مشاركة فيها بحكم أن الدين فى النهاية هو شأن عام.

ى دراسة له تحت عنوان «التدين الشعبى لفقراء الحضر فى مصر« يضع الباحث عبدالله شلبى أستاذ علم الاجتماع المساعد بكلية التربية فى جامعة عين شمس ثلاثة تصنيفات لأنماط التدين المتداولة فى مصر:
ــ التدين الرسمى:
ويمثل هذا التدين اختيار الدولة لشكل التدين الذى تسعى لتحقيقه، مستخدمة فى ذلك جميع مؤسساتها الرسمية، ويتم استخدام الخطاب الدينى الرسمى كوسيلة للضبط والسيطرة وإضفاء الشرعية على سياساتها، استنادا إلى احتكار النص الدينى واحتكار تأويله. ويوضح الباحث أن الخطاب الدينى للدولة فى هذا النمط، يعتمد على التأكيد والتشديد على نصوص دينية بعينها، أو إهمال نصوص أخرى حتى يبسط نفوذه بإحكام.
ــ التدين السياسى المعارض:
فى هذا النمط يميّز الباحث بين فريقين، الأول يمثل الجزء المعارض من داخل التدين الرسمى، وهم من ينتمون إلى مؤسسات الدولة ويروجون آراء مخالفة لما تتبناه الدولة، أما النمط الثانى فهو نمط التدين الخارج على التدين الرسمى وعلى مؤسسات الدولة، وأكثر من يعبرون عنه أصحاب النزعة الجهادية والانفصالية، حيث تجمعهم تنظيمات تعبر عن قناعاتهم ويتبنون إجراءات لتطبيق تلك القناعات.
ــ التدين الشعبى:
يمثل هذا التدين هروبا من مواجهة واقع اجتماعى شديد القسوة، ومواجهة الظلم الاجتماعى والاستبداد والقهر السياسى، وينشأ هذا النوع من التدين بعيدا عن التعامل التقليدى مع الدين ونصوصه، بل هو قائم على وعى الناس بالماضى القديم الأسطورى وتراكم الطقوس القديمة فى المجتمع.
ويرى الباحث أن التدين الشعبى المصرى، لا يفرق فى جوهره بين المسيحية والإسلام لأنه قائم على بنية اجتماعية وثقافية واحدة، وظروفا تاريخية متشابهة. ويضيف بعض العناصر الجوهرية فى هذا النمط من التدين، منها: الإيمان بالله وبعالم الغيب، والقضاء والقدر، والقسمة والنصيب، والمقدر والمكتوب، والرزق المحدود والمكفول، واليوم الآخر، والبعث والنشور، والحساب والعقاب، والجنة والنار، وتوقير الموتى واحترامهم وزيارة قبورهم.

Sunday, December 22, 2013

غزة .. سوريا.. أفغانستان.. صور تغزو عقول الإسلاميين وقلوبهم

شباب الإخوان الذين رفعوا لافتة «غزة فى القلب» فى العام الماضى أثناء التصعيد العسكرى الاسرائيلى ضد غزة، اختاروا الآن أن يرفعوا لافتة ذات عنوان شبيه «رابعة فى القلب»، لتنتقل رابعة محل غزة ويتحول شعار «غزة رمز الصمود» إلى «رابعة رمز الصمود»، وعلى هذا المنوال، تتمسك شريحة من شباب التيار الاسلامى بتشبيه تجربتهم بتجربة غزة فى مواجهة القوات الاسرائيلية.
ولا يتوقف الأمر عند حد الاستعارة من غزة فقط، بل يتجه بعضهم أيضا إلى اقتباس مشاهد من تجارب اسلامية أخرى، حتى يتحول الهدف فى النهاية إلى صنع نسخ من صور يقدسها شباب التيار الاسلامى سواء فى غزة أو سوريا أو العراق أو الشيشان أو أفغانستان وغيرها من النماذج الاسلامية.
«هناك عاطفة جارفة بين شباب الإخوان المسلمين تجاه غزة، بسبب طبيعة القضية الفلسطينية نفسها، وبسبب ما كان يحدث من حشد نفسى وعاطفى على مدار سنوات طويلة.. لقد رأيت بعينى كيف كان يتعامل شباب وفتيات الإخوان مع أفراد حماس، وتحديدا مع كتائب القسام.. هناك حالة ولع حقيقية». يتحدث الباحث الشاب عبدالرحمن عياش ــ العضو السابق فى جماعة الإخوان المسلمين ــ عن افتتان شباب الإخوان بتجربة المقاومة المسلحة فى غزة، وهو ما ظهرت أعراضه مؤخرا بشكل واضح، فى استدعاء صور من فلسطين المحتلة ومن غزة ومحاولة ربطها بتجربة اعتصام رابعة العدوية.
ويبرز عالم الانترنت كأحد الخنادق التى عاش فيها بعض شباب التيار الإسلامى متمسكين بنموذج حماس وتشبيه أنفسهم بأهل غزة وفلسطين مؤخرا. على سبيل المثال لم يكن مفاجئا أن تتداول الصفحات الإسلامية على الانترنت صورة، اشتهرت عقب فض اعتصام رابعة، تحمل فى نصفها الأيسر مشهدا لسيدة فلسطينية تقف أمام جرافة يقودها جندى إسرائيلى، وفى النصف الأيمن مشهد شبيه لسيدة مصرية تقف أمام جرافة يقودها جندى مصرى أثناء فض اعتصام رابعة. هكذا كان انغماس كثير من شباب الاخوان المسلمين فى قضية غزة وفلسطين حاضرا بشكل لا إرادى للتعبير عن مشكلتهم مع السلطة الحالية، وعلى مدار الأشهر الماضية استمر هؤلاء الشباب فى طريقهم دون تغيير، إذ تكرر الأمر فى مواقف أخرى، كان آخرها مع الطفل محمد بدوى الذى لقى مصرعه أثناء مسيرة لأنصار جماعة الاخوان المسلمين فى حى العمرانية، فالتقطت الصفحات المناصرة للرئيس السابق صورة الطفل القتيل وهو فى حضن أحد جيرانه، وأدمجوها مع صورة الطفل الفلسطينى محمد الدرة وهو فى حضن والده بعد مقتله على أيدى القوات الاسرائيلية، وهنا تتحول فلسطين إلى رابعة مرة أخرى، والاخوان المسلمون إلى ضحايا فلسطينيين.
وإذا بقينا قليلا فى عالم الانترنت، فقد كان معتادا أن يرفع الشاب الإخوانى صورة قيادى حمساوى على صفحته فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، وفى الجانب المقابل يؤكد الشاب السلفى على انتمائه القريب من الفكر الجهادى بأن يرفع صورة مجاهد إسلامى على حسابه فى الفيسبوك، مثل «خطاب»، الشاب السعودى الذى خاض معارك مسلحة فى أفغانستان والشيشان مع المقاتلين الاسلاميين. لكن الواقع تغير قليلا بعد 30 يونيو، إذ أصبح الشباب الإخوانى أكثر تعايشا مع أصحاب الفكر الجهادى، فأصبح الإخوانى لا يجد غضاضة فى رفع صورة المجاهد خطاب أو التسامح مع شعار القاعدة، فعالم الاعتصامات قد جمع الإخوانى والسلفى والجهادى سويا دفاعا عن «الشرعية» على حد تعبيرهم.
«ما حدث بين شباب الإخوان المسلمين، أنهم كانوا طوال الوقت يميزون أنفسهم عن السلفيين والجهاديين الأكثر تشددا، بحجة أن الاخوان أكثر تفتحا ويدركون معنى الديمقراطية، لذا كنا نجد المساجد والدروس الدينية ومواقع الانترنت التى يسيطر عليها الاخوان، أكثر تبجيلا لقادة حماس، فى حين يتغاضون عن سيرة أسامة بن لادن، وغيره من الجهاديين، والعكس تماما كان فى المعسكر السلفى الأقرب إلى سيرة الجهاديين عن قادة حماس، لكن الأمور اختلفت مؤخرا، وأصبح الشاب الإخوانى لا يمانع فى وضع صورة خطاب المجاهد الشهير على حسابه فى الفيسبوك». هذا الرأى ينقله عمار مطاوع أحد شباب جماعة الاخوان المسلمين، الذى خاض تجربة العمل فى منابر إعلامية إخوانية. وهو يضيف: «لقد اقتربت المسافات وبدأ الجميع يبحث عن رمز اسلامى، بعد سقوط مرسى الذى كان يعول عليه الاسلاميون، كما أن الشاب الإخوانى الآن متهم بالإرهاب، مثله فى ذلك مثل الجهاديين والتكفيريين الرافضين للديمقراطية والمدنية».
تلك الحالة من التقارب بين شباب الاخوان والمفتونين بالفكر الجهادى بحكم التجاور فى الاعتصامات، انعكست على مواقف على الأرض، منها ما جرى فى اعتصام رابعة العدوية بعد تغيير اللافتة الرئيسية فى منصة رابعة من «نحمى الثورة.. نحمى الشرعى»، إلى «مع الديمقراطية.. ضد الانقلاب». وهنا ظهرت انتقادات من تيارات سلفية وأخرى قريبة من الفكر الجهادى، ترفض فكرة الدفاع عن «الديمقراطية»، مؤكدين أن وجودهم فى الاعتصام كان دفاعا عن الشريعة بالأساس. «فى تلك اللحظة على سبيل المثال، حدث جدل بين شباب الاخوان وأصحاب الفكر الجهادى من الرافضين للديمقراطية، واطلعنا على حجتهم الشرعية، ووجهة نظرهم»، حسبما يستكمل عمار مطاوع. ومع الوقت تتكرر مواقف أخرى، كأن تظهر أعلام القاعدة وسط مسيرات أنصار الرئيس السابق مرسى، مثلما حدث فى أحداث مسجد الفتح فى أغسطس الماضى.
وكانت أغلب التيارات الاسلامية قد أيدت الثورة السورية، فالأدبيات السلفية التقليدية تتعامل مع المشهد هناك من زاوية الصراع الطائفى بين السنة والشيعة، فى حين يتعامل الجهادى مع الأزمة السورية على أنها أرض الشام وأرض المحشر، بينما تعامل معها شباب الاخوان وأعضاء حركة «حازمون» من منطلق أنها ثورة إسلامية، هذا الاجماع على تأييد الثورة السورية برز بشكل أكبر فى التفاف كافة تلك الاتجاهات حول الرئيس السابق محمد مرسى فى «مؤتمر الأمة المصرية لدعم الثورة السورية» الشهير فى يونيو الماضى بالصالة المغطاة، لذا لم يكن مستغربا أن تستعير هذه التيارات لفظ «الشبيحة» من التجربة السورية، وهو لفظ يطلق فى سوريا على مؤيدى النظام السورى الحالى، وأطلقوه فى فترة سابقة على مؤيدى 30 يونيو، واصفين إياهم بـ«شبيحة السيسى» ليكتب بعضهم هذا التعبير على الجدران، وتستخدمه كيانات سياسية مؤيدة للرئيس السابق مثل (التحالف الوطنى لدعم الشرعية) فى بيانات رسمية. هل يستمر شباب التيار الاسلامى فى مسار العزلة داخل عالم يستعير من تجارب إسلامية بدءا من القاعدة انتهاء بتجربة حماس فى غزة؟ يجيب عبدالرحمن عياش ــ العضو السابق فى تنظيم الإخوان المسلمين ــ بحكم قربه من شباب الجماعة: «أستبعد وقوع عنف جماعى، لكنى أتوقع ازدياد النزعة الانتقامية فى الفترة القادمة». بينما يعلق عمار مطاوع أحد شباب الجماعة قائلا: «أعيد مع بعض الزملاء قراءة الأدبيات الاخوانية من جديد، كى نخرج من حالة اليأس والكفر بالديمقراطية وبالمجتمع التى أصابت كثير من شباب التيار الاسلامى».

Thursday, August 16, 2012

من الهامش إلى قلب الأحداث سيناء.. أطياف من التدين وواقع لا يتغير

فى الشيخ زويد أهل السنة والجماعة: ليس كل صاحب لحية تكفيريًا
يمر الشيخ هانى محلاب بين المعتكفين فى مسجد التوحيد بمدينة الشيخ زويد، مستقبلا استفساراتهم ومحاولا طمأنتهم بعد حملة اعتقالات داهمت منازل عدد من السلفيين فى المدينة قبل أيام، يبدأ حديثه ساخرا عن الصورة النمطية التى تلاحق السلفيين هنا، فكانت عبارته: «مرحبا بك فى معقل الإرهابيين.. ألا يرانا البعض هكذا؟!». فى جنبات المسجد الذى يعد من أهم مراكز السلفية فى شمال سيناء، يجلس بعض من تعرضوا للاعتقال والمساءلة فى السنوات الماضية قبل الثورة، أما تصنيف رواد المسجد لأنفسهم فهم «جماعة أهل السنة والجماعة»، ويتبعون «مشايخ مثل محمد حسان وأبو إسحق الحوينى»، حسب أحد أفراد الجماعة.
تستغرق المسافة من مسجد التوحيد إلى بوابات المدينة نحو خمس دقائق بالسيارة، حيث الموعد المحدد مع الشيخ حمدين أبوفيصل أحد القيادات السلفية فى شمال سيناء، وهو من تعرض للاعتقال أيضا بعد تفجيرات طابا فى عام 2004 لمدة 18 شهرا، وازداد اهتمامه بعدها بالعلوم الشرعية حتى أصبح مقصدا للمشورة، وعلى اتصال بمشايخ آخرين خارج سيناء.
فى الطريق من مسجد التوحيد إلى منزل القيادى السلفى الشيخ أبو فيصل، اتجهنا بسيارة حمدان أحد الشباب السلفى من أبناء المدينة، ولم يخف حمدان سخريته من التناول الإعلامى للإسلاميين فى سيناء، معلقا: «فى أحد الدروب الجبلية الوعرة اتجهنا إلى منزل أحد كبار المتطرفين الدينيين.. أليس كذلك يكتب بعض الصحفيين؟». يطلق حمدان الجملة الساخرة دون أن يخلو الأمر من مرارة وقلق، هذه المرارة نفسها التى دفعت الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد أن يرفض لقاء بعض الفضائيات خشية «الإفك الإعلامى، وتحريف الأقوال»، على حد قوله.
تقع مدينة الشيخ زويد على مسافة 35 كيلومترا شرق مدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء، من هنا مر أحد مجاهدى الفتوحات الإسلامية فى عهد عمر بن الخطاب ويعتبره المتصوفة من أولياء الله الصالحين ويتبرك به بعض سكان المنطقة. ولم تشفع تلك السيرة الجهادية من أن يتم تخريب ضريحه فى عدة محاولات بعد الثورة، وتتوارد الأقوال حول إن كان الفاعل سلفيا متحمسا أم تكفيريا من خارج المدينة التى يقدر عدد سكانها بما يتبعها من قرى أكثر من 50 ألف نسمة، ويتبنى السلفيون هنا آراء تدين زيارة المقابر والتبرك بها وأنها عقيدة الضلال. وفى منزل بسيط يقتطع مساحة من أرض صحراوية يجلس الشيخ حمدين أبو فيصل أمام جهاز الكمبيوتر الشخصى «اللابتوب» متوجسا من تصاعد الأحداث فى الأيام الماضية، «قبل الثورة كان ضابط أمن الدولة يدخل السوق وينادى على من معه قائلا: (لم التكفير دول). أخشى أن تعود هذه الأيام، وتبدأ حملات اعتقالات عشوائية ضد الإسلاميين، لأن هذا سيصنع أعداء جدد للسلطة، وقد يتحول المعتدل إلى معتدى.. أملى ألا يحدث ذلك». هذه الحالة القلقة بين السلفيين فى المدينة هى حصاد صورة رسمتها الأحداث لمنطقة شمال سيناء على مدى أكثر من عام ونصف مضت منذ ثورة 25 يناير، بعد أن ترددت بكثافة تعبيرات مثل «الإمارة الاسلامية فى سيناء» بين وسائل الإعلام المختلفة، نتيجة العمليات التخريبية المتكررة، ورغم إنكار تنظيمات معروفة بنهجها الجهادى مثل «مجلس شورى المجاهدين» و«جند الإسلام» أى صلة بهجوم رفح المسلح، إلا أن الجميع هنا يؤكد وجود مجموعات تتبنى النهج المسلح، وليس لأحد عليها سلطان، يجمع أفرادها علاقات الجوار والقبلية والفكر الواحد، سواء كان جهاديا أو تكفيريا. فى ظل هذا التشابك المعقد يخشى السلفيون فى المدينة من «أهل الجماعة والسنة» أن يتحولوا إلى كبش فداء أو أن يتعرضوا لاعتقالات واسعة على يد الجهات الأمنية الباحثة عن معلومات جديدة، ليس هذا ما يخشاه «أهل السنة والجماعة» فقط، بل إن بروزهم فى المشهد يجعلهم فى مرمى النيران، خصوصا بعد مشروع مهم لفت أنظار شمال سيناء والمهتمين بالمنطقة، هو «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء»، التى تضم الشيخ حمدين أبو فيصل والشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد، وتعتمد تجربة «اللجنة الشرعية» على فكرة تطبيق القضاء الشرعى كبديل عن القضاء العرفى القبلى فى سيناء.

لسنا بديلا عن الدولة..
على صفحة «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء» فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، بعض الفيديوهات لمجاهدين فى أفغانستان ولأسامة بن لادن، قد لا يكون ذلك دليلا على دعم مباشر من أهل السنة والجماعة لأنشطة جهادية أو تكفيرية، فالتكفيريون لن يقبلوا إمامة شيخ يعمل لدى الحكومة، كما لن يقبلوا موقف أهل السنة والجماعة من تأييد الدكتور محمد مرسى منذ فترة الانتخابات حتى الآن، ولن يهتموا بمشروع مثل اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء، لكن هل تمثل هذه اللجنة الشرعية منازعة للدولة فى سلطانها؟ أو هى بمثابة تكوين نخبة سلفية تدير المجتمع، تمهيدا لشريحة أخرى تستخدم السلاح فى إقصاء الدولة تماما ؟ يعتدل الشيخ حمدين أبو فيصل فى جلسته دون أن يخفى ضيقه بالسؤال، مجيبا بلهجة بدوية ممزوجة بالفصحى: «لسنا بديلا عن الدولة، لكن يجب أن نفهم طبيعة المجتمع هنا، لقد كان هناك قضاء عرفى لا يستند إلى أحكام شرعية واضحة، وهناك ملتزمون دينيا يريدون بديلا أكثر انضباطا، فاتخذنا هذا الطريق، وذلك فى الوقت الذى انهارت فيه أجهزة الدولة بعد الثورة مباشرة.. نحن لا ننازع الدولة، هذه فى النهاية مبادرات».
يأتى هذا الحديث بعد أيام من عودة قسم شرطة الشيخ زويد إلى العمل للمرة الأولى منذ يناير 2011 الماضى. يدرك أبو فيصل تماما أن البعض يعتبره متطرفا رغم أنه لا يعتبر نفسه كذلك موضحا وجهة نظره: «أنا متطرف بالنسبة لشريحة من الإسلاميين، أو هكذا يروننى، لكنى فى الوقت نفسه معتدل بالنسبة لإسلاميين آخرين».
وفى مجتمع تحكمه القبلية مع الصعود الإسلامى فى هذه الناحية من سيناء تدور أفكار وهواجس عن فئات أخرى أهم من الجماعات الجهادية أو التكفيرية، وتحديدا فى ذلك الحضور القديم لأمن الدولة وحلفاء الحزب الوطنى المنحل وتجار السلاح والمخدرات، فالقلق الدائم لدى السلفيين هنا هو أن يكون تصدرهم المشهد سببا فى صدام مع قوى قديمة. وسط هذا الزحام، لا بد للفرد أن يستند إلى تجمع واضح بين قبيلة أو جماعة.. أو كليهما، وهو ما يدفع البعض إلى التقليل من شأن الجماعات المسلحة ويرونها مجموعات صغيرة لكن صخبها عال وضررها أعلى.
قبل توديع الشيخ أبو فيصل والعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى يشرح الشيخ بعض مواقفه مع رجال الأمن وكيف قدم إليهم بعض التوصيات التى كان من ضمنها أنه رأى عدم عودة الشرطة إلى المدينة قبل عدة أشهر، إذ رأى بحكم تواجده فى المجتمع انتشارا للسلاح وموجات من العنف بين الأفراد والقبائل فى شمال سيناء أغلبها بعيد عن التطرف الدينى، «لقد استحسنت القيادات رأيى فيما بعد، وأدركوا إخلاصى فى رأيى حول تلك المسألة»، حسبما ينقل الشيخ أبو فيصل. أما فى طريق العودة فقد أصبح مشهد العربات المجنزرة وسيارات الشرطة والجيش وصوت الرصاص أمرا مألوفا فى الشيخ زويد كحال بقية بقاع أخرى فى سيناء. لم يعد أحد يتوقع مفاجآت جديدة، إذ أصبحت هناك ألفة مع التفجيرات المتكررة وأصوات إطلاق النار، وهو ما دفع شيخا مثل هانى محلاب أن يصدر فتوى قبل عدة أشهر بتحريم « إطلاق النار لأنه يؤدى إلى ترويع الآمنين وقتل النفس على جهة الخطأ».

«أبو عبيدة» لتنمية المجتمع
بالعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى كان هناك لقاء آخر فى جمعية أبو عبيدة بن الجراح لتنمية المجتمع المحلى المجاورة، حيث جلسة كبيرة بعد صلاة العصر، تضم أكثر من عشرين فردا من «أهل السنة والجماعة» انضم إليهم بعض رواد المسجد، ودار سؤال فى بداية الجلسة أخذ يطوف على الحاضرين: من يقوم بهذه الهجمات؟ ولماذا يربط البعض حتى فى العريش المجاورة بين أهل الجماعة والسنة وعمليات التفجير المتكررة ؟ القصة قديمة حين أثيرت الأسئلة نفسها فى نهاية يوليو من العام الماضى، وقتها أقيمت فى ميدان التحرير ما عرف بجمعة تطبيق الشريعة، أما فى شمال سيناء فقد خرجت مسيرة باتجاه مدينة العريش مطالبة بتطبيق الشريعة، أعقبتها اعتداءات على قسم للشرطة بمدينة العريش، وعلى تمثال الرئيس أنور السادات فى ميدان الحرية وسط مدينة العريش. وفى نفس اليوم وقع اعتداء على خط لأنابيب الغاز فى سيناء، وحتى اليوم تظهر فيديوهات هذه المسيرة حين يأتى ذكر الإرهاب فى سيناء، يرد الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد: «كنت هناك وقتها، وجاءتنا مكالمة من ضابط فى جهة أمنية رفيعة يخبرنا عن تلك الاعتداءات على قسم الشرطة، واتصل وقتها حتى نأخذ حذرنا من بعض المتهورين، لكن أخذنا الإعلام والعامة بذنب هؤلاء، رغم أن من قام بها هم مجموعة من المغامرين غير المحسوبين علينا».
«من يقوم بهذه العمليات ليسوا أشباحا خفية، فهم معروفون للأمن جيدا»... تتكرر الجملة على ألسنة السلفيين وغيرهم بحكم تشابك العلاقات القبلية وما تفرضه تجارة الأنفاق من تبادل معلومات، لكن لا توجه الاتهامات إلى أشخاص محددين، ومع اتساع نطاق «عملية النسر» الأمنية للقضاء على المسلحين فى سيناء، يتخذ البعض نبرة الاستبشار بإنهاء الموقف، مع خشية الاستجواب أو الاعتقال القسرى مثلما كان يتم قبل الثورة. يقطع الحديث الشيخ هانى محلاب إمام الأوقاف ذى النهج السلفى، مؤكدا: «نحن ندين اعتداءات رفح وما تبعها من اعتداءات تهدد الآمنين، لكننا أيضا ندين اعتقال أتباعنا ومن نعلم أنه بعيد عن الارهاب».
قبل إفطار المغرب بوقت قليل تبدو مدينة الشيخ زويد كمدينة يختلط فيها هدوء الصائم وجمود المذهول مما حوله من أحداث، فى طريق العودة إلى العريش تلتقى مرة أخرى فى طريقك بعض السلفيين الذين كانوا قبل دقائق فقط فى مسجد التوحيد، فى الطريق إلى منازلهم، وهم على حذر من المستقبل.
حزب النور.. ساعة للسياسة وساعة للاعتكاف

يتقدم من بين المعتكفين داخل مسجد عمر بن الخطاب فى مدينة العريش شاب ملتح ذو جلباب أبيض، بادئا حديثه: «دعنا نتفق على أن التيار الاسلامى ذو أطياف متعددة، بين تميع وتشدد، بين إسلامى يصافح النساء ويسمع الأغانى، وآخر منعزل عن المجتمع ويكفر من حوله، نحن أبناء الدعوة السلفية وحزب النور نحسب أنفسنا وسطا بين ذلك وذاك». الحديث لضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء، الذى انضم إلى اعتكاف قيادات حزب النور بالمحافظة، حيث يوزعون أوقاتهم بين العبادة وشئون السياسة.
لا يبدو المشهد مختلفا عن مساجد سلفية أخرى فى المحافظات المصرية، إلا أن صعود حزب النور التابع فكريا لمدرسة «الدعوة السلفية بالإسكندرية» يحمل قصة ذات مذاق مختلف، فليست مفارقة غريبة أن يكون تاريخ تأسيس صفحة «الدعوة السلفية بسيناء» على شبكة فيسبوك الاجتماعية هو نفسه تاريخ تنحى الرئيس السابق مبارك 11 فبراير 2011، إذ كانت الثورة بداية رفع التضييق عليهم. «قبل الثورة أبلغت قيادات أمن الدولة عن أن سيناء فى مأزق، وطلبت منهم أن يتركوا لى فرصة الدعوة فى الأماكن النائية التى يزهد الناس فى الاهتمام بأهلها، لكنهم كانوا يمنعوننا من التحرك شبرا واحدا خارج العريش»، هكذا يعرض شاب آخر من قيادات حزب النور تطور الوصول السلفى إلى السياسة، هو مصطفى عبدالرحمن أمين الحزب بشمال سيناء.
سريعا، ينتقل الحديث إلى الطابق الثانى من المسجد حتى لا ينزعج بقية المعتكفين، وينضم إلى الجلسة قيادات حزب النور الواحد تلو الآخر، بعضهم من ذوى الأصول العريشية، وآخرون من ذوى الأصول العربية القبلية، إلى جانب من تعود أصولهم إلى محافظات وادى النيل. بدأ النقاش بسؤال طاف على جميع الحاضرين عما إذا كان وصول السلفيين إلى السياسة قد مهد الطريق إلى تيارات أخرى أكثر تشددا تحاول هى أيضا أخذ نصيبها من السلطة؟ «وجود الإسلاميين فى السياسة هو صمام أمان حتى لا تختطف السلطة من جماعات متطرفة أو من رجال النظام القديم فى سيناء». هذه الإجابة التى طرحها ضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء تلقى قبولا لدى الجميع، لكنها لا تكشف عن المسافة بين أنماط السلفية الكبرى الموجودة فى المحافظة، فبعيدا عن القطيعة التى يعلنها أتباع حزب النور والدعوة السلفية مع النمط الجهادى إذا ما ارتكبت باسمه أعمال تخريبية، إلا أن مساحة العلاقات بين الدين والسياسة تجعله فى طرف آخر من المعادلة السياسية بشكل عام إذا ما قورن بتيارات أخرى ليبرالية أو اشتراكية، لكن غياب مثل تلك التيارات على أرض الواقع فى سيناء ينتج عنه أن يكون حزب النور وسطا بين جهادى وإخوانى، فى حين يكون الإخوانى وسطا بين سلفى وليبرالى فى محافظات أخرى، وخصوصا فى العاصمة، تلك الملامح قد ظهرت فى نتائج الانتخابات الرئاسية بشكل واضح.. إذ دائما ما كان يلاحق محمد مرسى فى شمال سيناء أحد ممثلى فترة ما قبل الثورة، مثلا تقدم عمرو موسى إلى المركز الثانى من المرحلة الأولى للانتخابات الرئاسية حاصدا آلاف الأصوات، وفى انتخابات الإعادة كانت نسبة ثلث الأصوات تقريبا من نصيب أحمد شفيق، وهذا ما يطرح سؤالا عن هل لا يمثل القوى السياسية المدنية سوى رموز فترة ما قبل الثورة؟ «لا تقلق القوى السياسية فى سيناء من منافس سوى رجال النظام القديم والحزب الوطنى»، هذا ما تردد على ألسنة عدد من الإسلاميين فى مدينة العريش. ويطرح مصطفى عبدالرحمن أمين حزب النور بشمال سيناء تحليلا آخر: «للأسف.. فالواقع الحالى لم يختلف كثيرا عن الماضى، إذ ما زال التهميش يحيط بأهالى سيناء، وهو ما انعكس على غياب روافد فكرية أخرى منافسة». على هذه الأرضية يمارس حزب النور السياسة فى بيئة قد تختلف قليلا عن بقية المحافظات، وفى أثناء الحديث ينضم إلى الجلسة كمال الأهتم من قيادات حزب النور فى شمال سيناء، وهو ضابط شرطة سابق استقال فى العام 2007 بعد اعتكاف مع الشيخ حازم شومان، وأنهى خدمته فى 2009. بدأ حديثه بأن لا فصل بين الدين والسياسة، فأسس اختيار القيادات قائمة على منهج الدعوة السلفية، ويشرح موضحا: «هناك منهج وتربية للفرد وهو ما يمنع أن يقع أحدنا على سبيل المثال فى بئر التطرف المسلح، وذلك رغم انتشار السلاح من حولنا بشكل بالغ». هذا الواقع لا ينفى تعددية من نوع آخر بدت ملامحها داخل المسجد، وفى هذا الجلسة نفسها نجد ذى الأصول العربية القبلية يرتدى القميص والبنطلون، والذى تنتمى أصوله إلى أهل وادى النيل يرتدى زيا عربيا، بل قد لا يعبر الزى نفسه عن هوية دينية، «ليس كل نقاب أو جلباب هو سلفية أو تدينا»، حسبما يقول أمين الحزب. فى الدور السفلى حيث ساحة المسجد، أكثرية من الملتحين إلى جانب ذوى المظهر العربى البدوى التقليدى، لا تبدو الاختلافات قوية، أما المشهد فى منطقة وسط المدينة «البلد»، فيحمل شكلا آخر من التعددية، اللهجات الصعيدية والبدوية والفلسطينية، إلى جانب لهجة العريش، وتقل تلك أجواء التعددية على أطراف المدينة، وتكاد تتلاشى فى بقية مدن شمال سيناء الأخرى.
صناعة الحياة فى زمن الرصاص
فى أرض صحراوية تتخللها زروع خفيفة داخل مدينة العريش، جلس شباب متطوعون فى سن صغيرة يعبئون حقائب بلاستيكية بالأرز والمكرونة والسكر وغيرها من المواد الغذائية، «هؤلاء فى المرحلة الثانوية، ورغم الاعتداءات المتكررة داخل العريش وخارجها، والعمليات العسكرية بين قوات الأمن والمسلحين إلا أن قرارنا واحد، وهو أن تصل حقائب الخير إلى المدن والقرى المجاورة». يشرح جهاد سليمان (23 سنة) الضغوط التى يتعرض لها فريق «صناع الحياة» فى شمال سيناء، أثناء تنسيقه إرسال الحقائب الرمضانية إلى زملائه كى يوزعوها فى (بير العبد، الشيخ زويد، رفح). هذه الحالة الطارئة لا يراها جهاد كذلك، بل يرى أن «الموقف دائما فى صعوبة داخل سيناء».
عمل جهاد بعد تخرجه مباشرة مدرسا للحاسب الآلى فى مدرسة «بئر معين» ناحية وسط سيناء، حيث يهرب الكثيرون من العمل فى قرى وسط الصحراء، وفى هذه المناطق لمس حالة التهميش مقارنة بالوضع فى مدينته العريش، فلجأ إلى أعمال تطوعية مع زملاء له، يتذكر منها زيارتهم إلى مدرسة «المغارة» فى وسط سيناء، التى لا تبعد كثيرا عن جبل «الحلال» الشهير بأنه مأوى المسلحين، يقول عن ذلك: «قمنا بطلاء المدرسة وتركيب شبابيك جديدة، وأذكر الموقف حين تاه أحد أصدقائنا، وفقدنا الاتصال بسبب غياب شبكات المحمول، فأتى به أحد البدو من سكان المغارة، هذه الأجواء الصعبة لم تنعكس بشدة على الأهالى، إذ أنهم رحبوا بمبادرتنا، وكلهم أمل فى التواصل مع العالم». فى تلك الزيارة التى يتحدث عنها جهاد كان قد توجه إلى أهل القرية الصحراوية مرتديا «تيشيرتات» عليها صور شهداء 25 يناير، «كانت رسالة واضحة إليهم أن يندمجوا مع المتطوعين دون أن يكون هناك أى غرض دعائى أو سياسى».
بحكم تلك الأنشطة الموزعة بين مدن وقرى شمال ووسط سيناء تتعدد المخاطر، «الجميع الآن يتحدث عن التكفيريين والمتطرفين المسلحين، ونسوا الواقع خارج مدن سيناء، بل وداخل بعض الأجزاء فى مدينة كبيرة مثل العريش، ستجد قصة مكررة فى كثير من القرى الصحراوية، لإمام جامع معادى للدولة، يخطب فى الناس بقوة أنصاره، ولا يذهب إلى تلك البقاع أحد من الدولة أو حتى متطوعا، ومثل هذا الإمام هو محسوب على قبيلة، ما يجعل الأمور أكثر تعقيدا». مثل تلك النوعية من الحالات رغم عدم شيوعها تثير قلق من يعمل فى مجال التطوع. أما عن مجموعة صناع الحياة فى شمال سيناء التى يقدر عدد أعضائها بخمسين متطوعا، فحتى اليوم لم يحصلوا على مقر ثابت منذ أن بدأوا نشاطهم فى 2004 بعد طرح الفكرة بواسطة الداعية عمرو خالد، وتصدت لها إلهام أبو حية من مدينة العريش. وعلى مدى تلك السنوات ظلت هذه المجموعة المتجددة من الشباب المتطوع، تمر على جمعيات أخرى وداخل معاهدهم وكلياتهم، وأحيانا ما اختطف الحزب الوطنى مجهوداتهم ونسبها إلى نفسه، تعلق الهام أبو حية: «بعض الجمعيات اجتذبت الشباب بالمقابل المالى، وهى فكرة غربية لا تتواءم مع موروثنا الاسلامى، ولا أخلاقنا العربية التى تحض على البذل والكرم، أنا أتحدث عن تجارة مع الله». هذه المواقف يضاف عليها بعض العوامل الثقافية التقليدية، مثل مشاركة الفتيات فى العمل التطوعى، وتوضح ذلك قائلة: «حين أردنا أن ندعم حملة (إوعى) المناهضة للإدمان شتتنا الأحداث المتتالية من التفجيرات، وأعلنت لزملائى خارج العريش أننا فى شمال سيناء نواجه ظروفا صعبة تمنعنى من المغامرة بالفتيات فى أى عمل تطوعى.. لقد أصبح الوضع يذكرنى بغزة التى اعتاد أهلها صوت إطلاق النار». تنتمى إلهام أبو حية إلى أصول فلسطينية، ما جعلها ترى جانبا سيئا من الأحداث الأخيرة حين تعرض بعض الفلسطينيين المقيمين فى العريش إلى التضييق وجرى اتهامهم بأنهم وراء أعمال التخريب المتتالية فى سيناء.
تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو الهام في عملهم الميداني، يروي جهاد أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا له: "كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة .."، يعلق جهاد الذي ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه : "هذه الأنماط المتشددة موجودة في كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا في سيناء هي المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة، وضعف المبادرات التطوعية".
**
من أقوال العابرين
● أنا آخذ الأجرة مضاعفة من الفلسطينيين مقارنة بالمصريين، فأنا لا أحب التعامل معهم
(سائق أجرة أمام منفذ رفح البرى)
● الفرق بين القاهرة وما يحدث هنا فى شمال سيناء من اشتباكات وعمليات مسلحة، هى أن هناك من كانوا مشاركين فى أحداث ومواجهات عند ميدان التحرير ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية، أما هنا فى شمال سيناء فمساحة الاعتراض والاشتباك محدودة، ولا يمارسها سوى الإرهابيين والجماعات المسلحة.
(شاب من مدينة العريش فى وسط المدينة)

● لا أرى شيئا جديدا، اشتباكات، ومحاولات تطهير شمال سيناء، لكن لا أحد يبحث فى الأسباب.
(شاب من العريش ذو أصول بدوية)

● «لماذا يعتبر البعض تجارة الأنفاق أمرا غير مشروع؟ لقد كانت تتم فى أجواء علنية ونظام معروف.. ليست كل الأنفاق لتجارة المسروقات وتهريب اللاجئين».
(شاب سلفى عمل فى تجارة الأنفاق)
**
هاجس التجربة البورسعيدية يخترق الأذهان

«أنا أخشى أن ترتبط سيناء فى أذهان المصريين بأنها المكان الذى قتل فيه جنودنا فى رمضان»، هذه العبارة يقولها حسن شعبان الذى يعمل فى إدارة موقف العريش، إذ لاحظ منذ الليالى الأولى لاعتداءات رفح والعريش وقوع اعتداءات على سيارات تعمل على خط العريش إلى المحافظات، وإن لم تكن اعتداءات عنيفة فقد واجه بعض السائقين نظرات الازدراء خارج سيناء، رغم أن هذه الحالة من العداء قد خفت مع مرور الوقت. يخشى حسن شعبان الذى يعمل فى موقف أجرة العريش منذ 30 سنة من أن تواجه المدينة ما واجهته بورسعيد، بعد حادث مقتل لاعبى النادى الأهلى فى ستاد المدينة: «نحن هنا نرتبط بمصالح وعلاقات مع جميع المحافظات، ولا أحد يريد أن تتغير صورته أو أن يرتبط فى الأذهان باعتداءات أو بالإرهاب». ذلك ما يتمناه حسن شعبان، أما عن الخطاب السائد فى شوارع المدينة، فهو أن إسرائيل هى من وراء هذا الحادث، وأنه من المستحيل أن يعادى أحد الجيش المصرى. هذه الحالة من الإنكار لا تستسلم أمام ما تسفر عنه العمليات من نتائج تثبت صلات أفراد من الداخل بالحوادث المتكررة فى شمال سيناء. أما الفئة التى تعرضت هى الأخرى للوصم هنا، فهم الفلسطينيون المقيمون فى العريش، وخصوصا بعد إغلاق معبر رفح البرى، إذ أسند بعض العامة التهمة إلى جماعات فلسطينية مسلحة، وهو ما أثار نقاشات حادة ضد الفلسطينيين. ورغم هذه النبرة المتداولة والتى بدأت فى الزوال تدريجيا من مدينة العريش، فإن الحياة تبدو طبيعية فى أغلب الأوقات، حتى داخل أجزاء المدينة شهد اشتباكات بين قوات الأمن والمجموعات المسلحة. يجلس الحاج حسن شعبان نفسه فى كافيه شهير على البحر ومن حوله أجواء ترفيهية على الشاطئ ليلا، وصبية يركبون الخيل محدثين ضجة من حوله. أما فى مكان عمله الذى يبعد بمسافة طويلة عن هنا، فيدير موقف السيارات وعلاقات السائقين بشكل مختلف عن كثير من مواقف السيارات فى المحافظات الأخرى، «هنا ما زالت للعائلة والقبيلة سلطة على أفرادها، فكل من يعصى له كبير نعود إليه». ينتمى إلى أصول عريشية من المدينة، لكن الحديث عن سطوة العائلة على أفرادها، جلب معه حديثا آخر عن الجانب السيئ حين يتحول الأمر إلى نزاعات بين العائلات، «أصبح السلاح فى يد الجميع، ويطوفون به فى الشوارع، هذا ما زاد من حس التمرد والعنف، لقد أصبحت جلسات الصلح أمرا مألوفا، وأتمنى أن تكون المرحلة التالية للحرب على الإرهاب هى ضبط العلاقات بين الناس، بدلا من يدير الناس علاقاتهم بأنفسهم».
**
عاصمة شمال سيناء
تمتد أصول مدينة العريش إلى العهد المصرى القديم حين اتخذت موقعا على طريق حورس الذى اتخذه الجيش المصرى قبل آلاف السنين طريقا فى تحركاته داخل تلك الناحية من مصر، واستمر هذا الموقع المميز ضاغطا على المدينة فى أن تتلقى الصدمات والغزوات القادمة من الشرق أو من الشمال، لذا تعد قلعة العريش من أهم آثار المدينة، أما بقايا طريق القطار القديم الذى كان يعبر سيناء فما تزال بعض الملامح موجودة فى لافتات كانت فى يوم من الأيام مستخدمة كلافتة فى محطة قطار. ويقدر سكان المدينة بما تضمه من قرى مجاورة نحو 160 ألف نسمة (عام 2011)، وتعود أصول أهل العريش إلى ثلاثة روافد، الأول هو هجرة أبناء القبائل العربية التى استوطنت سيناء وتواجدت داخل المدينة، أما الرافد الثانى فهم أبناء المدينة الذين تشكلوا على مدى العصور من هجرات مختلفة فلسطينية وشامية وغيرها، كذلك فقد شهدت العريش فى الفترة العثمانية هجرات من البلقان والأرنؤوط، أما الرافد الأخير فهو ما ازداد بعد تحرير سيناء من هجرات قادمة من وادى النيل.
جبل الحلال.. الخير حين يحتوى الشر
 
يقلل عدد من أبناء قبائل شمال سيناء من شأن الاهتمام الزائد «بجبل الحلال»، وتصويره على أنه أرض الشرور فى سيناء وأن القضاء على ساكنيه سيوفر الأمن والأمان. «إن لم يتم القضاء على الأسباب المؤدية إلى الهروب إلى الجبل، سيظل جبل الحلال عامرا بالهاربين إلى يوم الدين»، هذا ما أكده أحد المتواصلين مع سكان الجبل. تبدأ أسطورة جبل «الحلال» مع بدايات الألفية الثانية بعد أن انتشرت فى سيناء أنواع جديدة من الجرائم، مثل تهريب الأجانب إلى إسرائيل، وازدياد مساحة الاشتباك بين أبناء القبائل والشرطة وتوالى العمليات الإرهابية والتفجيرات. تحول هذا المكان إلى ملجأ للفارين من الأحكام والهاربين من الاعتقالات، وكانت البداية القوية مع تفجيرات طابا ونويبع فى 2004، إذ جرت وقتها حملة أمنية واسعة تعرض فيها الآلاف من أبناء سيناء إلى الاعتقال، قدرتهم المصادر الحقوقية ب3000 مواطن، وتعرضت شريحة منهم للاعتقال التعسفى والتعذيب على يد الشرطة، ولجأ بعض الفارين منهم إلى الجبل.. وهناك تدير «القبلية» الموقف فى أغلب الأوقات، ويتحول ذلك التجمع فى جبل «الحلال» إلى جماعة ضاغطة تظهر نفوذها فى بعض المواقف. ويقدر بعض خبراء الأمن وجود آلاف المسلحين فى الجبل، بينما يؤكد عدد من أبناء القبائل العربية المحيطة أن العدد يحمل الكثير من المبالغة. هذا التقليل من شأن جبل «الحلال» ودوره فى احتواء الجماعات المسلحة على اختلاف انتماءاتها، يناقضه تلك السمعة التى حظى بها بين المنتديات الداعمة للجهاديين على الإنترنت، إذ يلفت نظر الزائر لشبكة «أنصار المجاهدين» موضوعا تحت عنوان: «اللهم احفظ مجاهدى جبل الحلال»، وبعدها يتلقى ردودا متفاعلة، أحدها تظهر فيه النبرة التكفيرية بجدارة، ويقول أحدهم معلقا على هجمات الجيش على الجبل: (لعنة الله على هذا الجيش المجرم المرتد). ما يعبر عن مكانة عظيمة لهذا الجبل فى نفوس المتمردين والتكفيريين، خصوصا مع إخفاق السلطات خلال السنوات السابقة فى تطهير هذا الجبل من الجماعات المسلحة، إذ وصل التقدم بهذه الجماعات أن زرعت ألغاما أرضية لمنع تقدم قوات العمليات الخاصة داخل جبل الحلال فى العام 2005 على خلفية تفجيرات شرم الشيخ. حين تحول جبل «الحلال» إلى رمز الإجرام والعنف، أخفى ذلك العديد من الجوانب الإيجابية فى سيرته، على رأسها كم المعادن والثروات الموجودة فى هذه المنطقة، مثل الرمال البيضاء المستخدمة فى صناعة الزجاج والسيراميك والأسمنت الأبيض، وكذلك بعض الخامات الأساسية الأخرى منها الزلط والحجر الجيرى. ويقع جبل «الحلال» على بعد نحو 60 كلم جنوب العريش باتجاه وسط سيناء، حيث تضعف القبضة الأمنية ووتغيب الأنشطة المهمة التى تجتذب الهجرات إليها على عكس منطقتى شمال وجنوب سيناء، وقد اقترح عدد من مشايخ القبائل والقيادات المحلية فى هذه المنطقة أن تقام محافظة لوسط سيناء، كى يتوافر لها النهوض واستغلال ما بها من موارد، وعلى رأسها سياحة الجبال والطبيعة، إذ مازال عالقا فى أذهان بعض أهالى سيناء ذكريات عن جبل «الحلال» قبل تحويله إلى فندق للهاربين، أحد هؤلاء كان الشاعر السيناوى أشرف العنانى الذى سجل فى مدونته على الإنترنت وصفا لهذا الجبل وكيف كان مساحة للتأمل ومغازلة الطبيعة، يقول عن ذلك: «هذا المكان الذى يظنه البعض موحشا فى حين أنه على الأقل بالنسبة لمن يعرفونه جيدا هو قطعة من جنان الصحارى، نعم قاسية دروبه ولكن ليس على من أحبه، نعم وعرة مسالكه، ولكن ليس على من تنفس هواءه بلا تذمر، وشرب سكونه الفادح دون خوف». ويستطرد أن ذلك كان فى سنوات مضت قبل أن يكتسب المكان سمعته الحالية، ثم تلاشت سيرته المحببة إلى سكان تلك الناحية، كما فقد البعض أملهم بعد التأكد من أوهام ما كان يتداول إعلاميا عن تعمير وسط سيناء، ويختم أشرف العنانى قائلا: «هذا هو جبل (الحلال) الذى أعرفه ويعرفه أبناؤه كمرادف الخير، الربيع، جنان الصحارى، لكن المفارقة أن تتحول هذه الجنان إلى جحيم! أن يرتبط اسم جبل الحلال بالعنف والقتل والمطاردة». تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو إلهام فى عملهم الميدانى، يروى جهاد مثلا أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا: «كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة..»، يعلق جهاد الذى ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه: «هذه الأنماط المتشددة موجودة فى كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا فى سيناء هى المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة وضعف المبادرات التطوعية».

Wednesday, August 9, 2006

من يفتح باب الجهاد..؟!

منذ أيام صرح المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين بمصر لوكالة الأنباء الفرنسية انه على استعداد أن يرسل عشرة آلاف شاب “مقاتل”، للقتال بجوار حزب الله اللبناني، وكرر السيد المرشد العام نفس الدعوة في أحد المؤتمرات الحاشدة بنقابة المحامين المصرية، وأكد أن الجهاد ليس عبثا أو لهوا وأنه يحتاج إلى تكنولوجيا متطورة وأن الإخوان مستعدون لذلك..!! فهل في دعوته تلك رسالة خفية بأن الإخوان لديهم التكنولوجيا المتطورة لتسليح شبابهم..؟ وإذا كان الجهاد ليس عبثا أو لهوا كما يرى السيد المرشد العام..فهل لديه بعض الأجوبة على الأسئلة المشروعة حول دعوته العبثية..؟ أول هذه الأسئلة على يد من سيتم تدريب هؤلاء الشباب..؟ ثم أين ستكون مواقع التدريب..؟ وما هو موقف الجيش المصري من هؤلاء الشباب..؟ كما أنه أليس غريبا أن تسمح دولة لديها جيش كامل كمصر بإعداد ميليشيات مسلحة للحرب..؟ ثم ما هو مستقبل شباب تدرب على السلاح خارج النطاق العسكري الحكومي.. في دولة بها بطالة وفساد واحتقان داخلي..؟؟ ، ألا تستحق تلك الأسئلة الإجابة عليها وهي متعلقة بمستقبل مصر ومصيرها ..؟
كان المرشد العام قد طالب الحكومات أن تسمح بهذه الإعدادات العسكرية الشعبية أو على الأقل أن «تغض الطرف» عنها، ومن العجيب أن تأتي مثل تلك العبارة المبهمة في قضية مصيرية، مع ما تحمله من تحييد كامل للحكومات واستغلال لموقفها العاجز الحالي بدلا من تحريكها سياسيا من داخل النظام عن طريق مقترحات عملية، وتظل الخطورة الحقيقية هنا كامنة في طرح فكرة تسليح شرائح مدنية من المجتمع في مجتمعات لا تتصف بالعدالة، مما يجعلنا نتوقع ما قد تسفر عنه مثل تلك المقترحات مستقبلا، وما تحمله من نوايا لإسقاط الشرعية عن الحكومات عمليا، بحيث يحل من يحارب ويحمي محل من اكتفى “بغض الطرف” وجلس هو الجيش النظامي يتابع الموقف. ومن المؤسف أن نجد من يؤيد تلك الاقتراحات أو يزايد عليها بين ممثلي القوى المصرية الأخرى. القوى التي تحاول أن تتجاوز دورها المقتصر على جلسات توبيخ الحكام العرب ومحاولات التحفيز ضدهم إلى خطوات أكثر جاذبية، فعلى ما يبدو أن دعاوى تسليح قطاع من الشباب من أجل الجهاد قد لاقت استجابة لدى البعض، كأحد ممثلي التيار الناصري الأستاذ سامح عاشور نقيب المحامين المصريين الذي طالب بفتح باب الجهاد ضد العدو الصهيوني. لاعبا على نفس النغمة المرتجلة التي بدأها المرشد العام للإخوان، أما بين الأوساط الشبابية فليس من المستغرب أن تجد أحد شباب التيار الإسلامي من طلبة المرحلة الجامعية يطالب في إحدى التظاهرات الأخيرة أن تتحول الجامعات إلى أماكن تدريب للمقاومة، وحدث أيضا أن قام بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين – منذ أيام قلائل – بتوزيع منشورات للحض على الجهاد مثلما حدث في محافظة أسيوط الأمر الذي تسبب بعدها في حالة تحفز لدى الأمن وصدام مع المتظاهرين في أحد المساجد ثم اعتقال الكثيرين منهم هناك. حاول المرشد العام مؤخرا تعديل الموقف بعد الانتقادات تعرض لها من قبل بعض الخبثاء – على حد قوله- الذين حرفوا كلامه، وأكد في حديثه لقناة العربية الفضائية أنه لو تم فتح باب الجهاد فالرقم سيتجاوز العشرة آلاف إلى المائة ألف متطوع، لكنه أكد أن ذلك لن يتم إلا تحت أعين الحكومات، مثلما كانت المقاومة في الأربعينات والخمسينات قبل الثورة المصرية، ورغم محاولات المرشد العام تعديل الموقف إلا أنه لم يتناول أثر دعوته لفتح باب الجهاد. على الصعيد السياسي الدولي أو الإقليمي، أو حتى على الصعيد الداخلي عقب إنشاء طبقة مارست فنون القتال ولها ولاءها لجماعة ذات طابع سياسي كجماعة الإخوان المسلمين.
لقد بدأ حزب الله حربه وحده، وهو يقاتل الآن وحده والأضواء كلها مسلطة عليه، وعلى ما يبدو أن هناك من يريد مشاركته الأضواء تحت دعوى فتح باب الجهاد. إن سعي البعض إلى الجهاد وحده وعلى مسئوليته الخاصة، دليل على أننا لسنا على قلب رجل واحد، وأن قلوبنا شتى… لنتعرف أننا امة تحتاج إلى إعادة بناء .
ــــــــــــــــــــــــــ

Thursday, July 27, 2006

مواقف على هامش الأزمة اللبنانية

يقاتل حزب الله وحده ويتلقى لبنان كله الضربات الإسرائيلية، هكذا هو المشهد الحالي لما يحدث في الأراضي اللبنانية، ولعل المأزق الحقيقي أن الأمور قد سارت منذ البداية على عكس المنطق الطبيعي في خوض الحروب، بأن تتوحد الجهود الشعبية والحكومية وراء جيش موحد يواجه العدوان تحت قيادة واحدة تنسق مع من حولها من حلفاء ودول المجاورة، و هذا ما لم يحدث في العمليات العسكرية الدائرة في لبنان الآن. وامتدادا لتلك الأجواء، ظهرت على هامش الحرب مواقف أخرى خارج لبنان، عبرت هي الأخرى عن مأزق عربي يعيشه أبناء الأمة الواحدة، في نزاعاتهم فيما بينهم.

ــ فتوى ابن جبرين

خرج الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين في السعودية بفتوى تحرم التعاون مع حزب الله (الرافضي) أو دعمه ولو حتى بالدعاء، ويطالب الشيخ أهل السنة بالتبرؤ من كل من يفكر في الانضمام للواء تلك الجماعة أو التعاون معها، وكان رد الفعل أن خرجت بعض الأصوات تهجو الشيخ (الوهابي)، وتتهمه بالخيانة. غير أنه قد فات من انتقدوه.. أن فتواه تلك لم تكن نشازا عن سياق فتاواه السابقة، عندما أفتى بحرمة مناداة الشيعة بالأخ أو الأخت، وبعدم جواز أكل ذبائحهم، أو عندما اعتبر أن كثيرا من أهل الصوفية هم أهل شرك وضلال، إلى جانب فتواه الشهيرة بتحريم التعامل مع غير المسلمين أو توظيفهم، وفتوى مقاطعة صحيفة الوطن السعودية بحجة نشرها صور نساء كاشفات يطلبن حضور مباريات الكرة (!)، إذا فتلك الفتوى الأخيرة منطقية ولا تحمل معها أي مفاجأة. غير أن موعدها وسط كل تلك الأخبار السيئة هو ما دفع البعض إلى الإحساس بخيبة الأمل والصدمة. لكن ما الذي يمكن أن يحرك شيخا "كابن جبرين" ومن على نهجه في هذا الاتجاه..؟ عوامل كثيرة أهمها فكرة التوحد مع تجربة قديمة عاشها أحد شيوخ القرن الثامن عشر وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما كان أتباعه يجولون لتنقية عقول أهل الجزيرة العربية مما علق بها من مظاهر إيمانية فاسدة، حيث يروي الشيخ ابن جبرين عن تجربة شخصية مر بها عندما أمره الملك سعود –رحمه الله- بالخروج في رحلة دامت لأربعة أشهر إلى أهل البدو والصحاري قرب الحدود الشمالية للمملكة، واعتبرها رحلة ناجحة حيث قام فيها هو ومرافقوه بهداية الكثيرين إلى صحيح الدين بعد أن كانت كل معلوماتهم عن الإسلام ضحلة وضئيلة. إذا فلعل ما يدفع شخص كالشيخ ابن جبرين في هذا الاتجاه هو الوسوسة من أن تتبدل عقائد العرب بعقائد فاسدة، وربما يكون ما دفعه إلى ذلك أيضا هو اعتباره أن طريق لإصلاح الوحيد هو طريق التوحد وتقليد نهج "الموحدين" أتباع الشيخ محمد ابن عبد الوهاب. قد يكون ما حركه أيضا هو ما يحرك غيره من الشيوخ، عندما تأتيهم أسئلة المريدين تبحث عن إجابات بعينها تثير حماستهم، وتعلي من شأنهم، فإذا ما قدَّم لهم أحد الشيوخ الإجابات المنتظرة كان شيخهم وتاج رؤوسهم، وإن اعترض صار عدوهم. وهنا كان واجب الشيخ المتصدر للفتوى ألا يقع في هذا الفخ، وأن يقرأ طموحات مريديه من صيغة أسئلتهم، بدلا من أن يعطيهم مبررا لكراهية واحتقار الآخرين. من واجبه أن يكون أكثر جرأة في مواجهة طموحات الجماهير، التي تبحث عن تحويل المذهب إلى قبيلة بديلة، تغني لها أناشيد الفخر والحماسة، وتهجو وتلعن بقية المذاهب.
كانت أهم أصداء هذه الفتوى أن قامت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بنشرها على صفحاتها، لتعطي مزيدا من التحريض ضد صاحب الفتوى وأهل مدرسته الفقهية.. لتؤكد لنا تلك القصة أن كل ما كان يتم بيننا من فرقة ونزاع وحض على كراهية في أوقات السلم، قد امتد ليمارس أيضا وقت الحرب.

ـــ شيخ الأزهر.. السيناريو المكرر

شيخ آخر كان في مأزق.. فمشكلته الأبدية أن أقواله ومواقفه لا ترضي الجماهير أبدا ولا تثير حماستهم، مصيبته الكبرى أن بعض التيارات ترغب في منصبه الغالي كي تتحكم في البلاد. هو شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي. فمنذ مدة والاتهامات توجه له وتتهمه بأنه رجل الحكومة، وأنه لا إرادة له.. فالجميع كان ينتظر أن يكون أعلى صوتا وأكثر حدة وقت الأزمات ليتخذوه شيخا ورمزا، ويتزامن هذا مع دعوة متجددة لأن يكون منصب شيخ الأزهر بالانتخاب، وبالطبع فهناك تيارات تطمح في هذه الفرصة ليتكرر ما حدث في النقابات المصرية التي سيطرت عليها الصراعات السياسية، فبعض التيارات الدينية – والسياسية - تطمح أن تجد لها ممثلا في منصب شيخ الأزهر، كبديل عن بقاء المنصب ممثلا لإرادة الحكومة المصرية. وطوال الفترة الماضية كان البعض يتصيد المواقف والأخطاء لشيخ الأزهر، ضمن مخطط الحرب على الحكومة، وكثيرا ما تم تأويل تصريحاته إلى معان أخرى، مثلما حدث وقت أزمة الرسوم الدنمركية المسيئة، عندما اتهمه البعض بأنه قد ذكر لأحد الوفود الغربية أنه لا يصح الإساءة إلى محمد - صل الله عليه وسلم – لأنه الآن رجل ميت (!) فثارت عليه الأقلام، واضطر الرجل إلى أن يقود مظاهرة احتجاج ضد الرسوم المسيئة لتحسين صورته، ورغم أن تصريحه الأصلي لم يحمل تلك المعاني الساذجة، إلا أن البعض قام بتأويل تصريحاته وصدقها كثيرون، فوقع الرجل ضحية كونه موظف حكومي كبير. اليوم.. وامتدادا لهذا المأزق الداخلي، تم اتهام شيخ الجامع الأزهر من قبل أحد المواقع الصحفية المعروفة بميلها إلى جماعة الإخوان المسلمين، ضمن سيناريو الحرب على شيخ الأزهر الدائر منذ مدة.. بأنه قد وصف السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني بأنه رجل مريض بجنون العظمة ومتقمص لشخصية صلاح الدين الأيوبي، وذكر محرر الخبر أن مصدر المعلومة من داخل الأزهر الشريف، وإمعانا في إضفاء روح الدقة على الخبر، قام المحرر بتأويل إحدى فقرات خطاب لشيخ الأزهر الداعمة للرئيس مبارك وفسرها على أنها هجاء لحزب الله.
حتى الآن لم يؤكد أي مصدر آخر هذا الخبر، ولم يقم شيخ الأزهر بنفيه... غير أنه من غير المستبعد أن يكون هذا الخبر قد تم تفصيله استغلالا للحدث واستمرارا في مسلسل تخوين شيخ الأزهر واتهامه بالاتهامات الحادة في وطنيته، ليتأكد بهذا أننا نستمر وقت أزماتنا الكبرى على نفس ما تعودنا عليه وقت الهدوء والسلم من مشاحنات وبغضاء وحسابات سياسية أو مذهبية.

ـــ النهايات المنطقية

لعل تلك الحادثتين وغيرهما من الحوادث الهامشية التي صاحبت الاعتداءات الأخيرة على لبنان، قد أكدت أن ما تعودنا عليه طوال السنوات الماضية لم ولن يتغير وقت الحرب أو الأزمة، بل ستظل صراعاتنا كما هي تحركها الأطراف المختلفة وفقا لمصالحها الخاصة.. إذا فان كنا لا نريد هزائم قادمة، فلنحاول تدريب أنفسنا على منع روح البغضاء والكراهية وقت السلم قبل أن تمزقنا الفرقة وقت الحروب والأزمات.
ــــــــــــــــــ

Saturday, March 4, 2006

هل نقل الإساءة إساءة؟

سؤال أثارته الأزمة الدنماركية

وسط حالة الغليان التي أصابت الشارع العربي بسبب الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية المسيئة للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم- قامت بعض الصحف ووسائل الإعلام العربية بإعادة نشر تلك الكاريكاتيرات المسيئة ضمن مادة صحفية أو إخبارية، فأدى هذا في بعض تلك الحالات إلى حبس وإقالة عدد من الصحفيين والإعلاميين المسئولين عن النشر، وتم إيقاف عدد من المطبوعات في حالات أخرى... ومازال هذا الموقف قابل للتكرار في الفترة المقبلة.

ـــ إقالات وحبس

لعل جهاد المؤمني رئيس تحرير صحيفة "شيحان" الأردنية من أوائل ضحايا تلك المجزرة عندما تم إيقافه عن العمل من قبل الشركة مالكة الصحيفة بعد نشر الكاريكاتيرات المسيئة، وقد تم اعتقاله بتهمة "إهانة الشعور الديني" رغم قوله بأن النشر كان بغرض تعريف الجماهير بتلك الصور، ولم يكن المؤمني الصحفي الأردني الوحيد الذي تم التنكيل به لهذا السبب، بل كان معه زميله الصحفي هاشم الخالدي رئيس تحرير "المحور" الذي تم حبسه مع المؤمني بتهمة جديدة وهي "إطالة اللسان على أرباب الشرائع من الأنبياء" بعد أن تم توبيخه من قبل نقابة الصحفيين الأردنية.
وفي اليمن تم حبس ثلاثة رؤساء تحرير يمنيين قاموا بإعادة نشر الكاريكاتيرات الدنماركية المسيئة بصحفهم "يمن أوبزرفر"، و"الرأي العام"، و"الحرية"، وقامت وزارة الإعلام اليمنية بإلغاء تراخيص تلك الصحف رغم تأكيد الصحفيين الثلاثة على أن النشر قد جاء كضرورة صحفية، و جاء في بيان صادر عن جريدة "يمن أوبزرفر" أن النشر قد جاء بطريقة لا توضح معالم الصور بأن وضعت علامة (إكس) كبيرة عليها تعبيرا عن موقف الجريدة من تلك الصور.
وتكررت مشاهد الحبس لرؤساء تحرير في الجزائر.. فأقيل رئيسي تحرير جريدتي "إقرأ" و"الرسالة" الصحفيان كاحل بوسعد و بركان بودربالة اللذان أكدا على أن النشر كان بغرض التوضيح للقراء.. في الوقت الذي لم تسلم فيه بعض القيادات الإعلامية في التلفاز الجزائري من الإقالة، فقد أقيل مدير "قناة الجزائر" الحكومية الناطقة بالفرنسية والموجهة إلى أوروبا و معه بعض العاملين بعد عرض الصور المسيئة ضمن نشرة الأخبار.
ومازال هذا المسلسل دائرا بين الأقطار العربية حتى وصل إلى السعودية فأصاب جريدة "شمس" السعودية التي تم إيقافها لأجل غير مسمى بسبب إعادة نشر نفس الكاريكاتيرات رغم استنادها في ذلك لفتاوى دينية ترفع عنها هذا الحرج.

ـــ نظرة سياسية

إن النظرة إلى إعادة نشر الصور المسيئة للأنبياء على أنها تكرار للإساءة هي نظرة سياسية بحتة، والدليل على ذلك أن مصر التي تعرض فيها رئيس تحرير جريدة الأخبار اليومية محمد بركات للتوبيخ من قبل مسئولين في الدولة ونواب برلمانيين بسبب إعادته نشر تلك الكاريكاتيرات المسيئة، لم نر فيها تلك الإجراءات عندما نشرت نفس تلك الرسوم الكاريكاتيرية في جريدة الفجر الأسبوعية في فترة مبكرة من الأزمة وقبل توهج مشاعر المسلمين. بل إن جريدة الأهرام المصرية قد نشرت منذ مدة هي ومعها صحف عربية أخرى صورا ورسوما مسيئة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - والسيدة مريم العذراء والتي قام بها مستوطنون إسرائيليون ولم يحدث اعتراض وقتها على نشر تلك الصور، ولم يحدث أن تدخل الأمن لجمع أعداد الجريدة مثلما حدث مع يومية الأخبار السابق ذكرها والتي رجحت بعض المصادر أن رئيس تحريرها قد يتعرض للعقاب عما قريب.. خصوصا وأن قطاع الصحافة في مصر خاضع بطريقة ما لسلطان الحكومة المصرية والتي تتحكم في اختيار قياداته.

ـــ كبش فداء

كان عدد من الصحف الغربية قد أعاد نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم تضامنا مع الجريدة الدنماركية بدعوى مساندة حرية الرأي الأمر الذي زاد من استفزاز مشاعر المسلمين، وكانت التظاهرات تزداد سخونة في العالم العربي والإسلامي في الوقت الذي لم تستطع فيه الحكومات العربية اتخاذ أي إجراء ضد تلك الصحف الغربية، مما جعل إعادة نشر تلك الصور في المطبوعات العربية يمثل مثيرا شرطيا للعجز العربي، لذا كان الإجراء الوحيد الذي من الممكن أن يتخذ يقتصر فقط على الصعيد الداخلي.. ورغم أن كل من تعرضوا للحبس أو الإقالة من الصحفيين أو الإعلاميين العرب كانوا قد أكدوا أن النشر جاء ضمن مادة صحفية لا أكثر، بل إن بعض تلك الصحف عملت ضمن حملة التنديد بالرسوم الكاريكاتيرية و(نصرة الرسول).. إلا أن هذا لم يشفع لها، بل وجدنا على سبيل المثال أن الديوان الملكي الأردني يصف إعادة النشر بأنها " إفساد في الأرض لا يمكن قبوله"، ووزارة الإعلام اليمنية تسارع في إلغاء تصاريح ثلاث صحف، والأمن المصري يتدخل لسحب أعداد من جريدة احتوت على تلك الرسوم المسيئة.. مما يوضح أن كل تلك الإجراءات كانت خشية انتشار الصور بين الناس وزيادة انفعالهم وأن ينعكس ذلك على الأوضاع الأمنية الداخلية في توقيت اتضحت فيه عدم قدرة الحكومات على مواجهة الاستفزازات الإعلامية الخارجية.
لكن مثل تلك الإجراءات ضد الصحفيين العرب قد أثارت المدافعين عن حرية الصحافة فقد طالبت منظمة هيومان رايتس ووتش حكومات كل من الأردن واليمن والجزائر أن تسقط فوراً التهم الجنائية الموجّهة إلى المحررين والصحفيين اللذين أعادوا نشر الرسوم الكاريكاتيرية للنبي محمد في صحفهم.. إلا أن مثل تلك الدعاوى والمطالبات قد خفت صوتها وسط صخب التظاهرات وموجات الغضب الشعبية.

ـــ رأي الدين

ومما يجعل من تلك القضية قضية مثيرة للجدل أن بعض رجال الدين الـثـقاة قد ذهبوا إلى أن إعادة نشر تلك الصور بغرض التوضيح فقط لا يُحمِّـل من يعيد نشرها أي ذنب، بل والأكثر من هذا أن بعض القنوات الفضائية ذات الطابع الدعوي مثل قناة المجد الفضائية قد عرضت تلك الصور المسيئة للجماهير ضمن أحد برامجها، هذا إلى جانب إعادة نشرها في عدد من القنوات التلفزيونية ضمن برامج تلفزيونية شهيرة تناولت قضية الرسوم الدنماركية ومرت الأمور بسلام. وحتى الآن لم تظهر فتاوى بارزة لمناهضة إعادة نشر تلك الكاريكاتيرات سوى فتوى نــُسبت للشيخ عبدالرحمن السحيم الداعية بوزارة الشؤون الإسلامية و الأوقاف السعودية وعضو مركز الدعوة والإرشاد بالرياض قال فيها بعدم جواز تكرار نشر تلك الصور حتى لو كان الأمر بغرض التعريف، واستدل الشيخ على ذلك بأن ضرب مثلا بأنه لا يجوز تحذير الناس من الزنا بعرض صور إباحية (!).. وعموما فالرؤية الدينية للقضية لم تكن سببا وراء ما جرى من حبس أو إقالات لعدد من الصحفيين والإعلاميين العرب.
فعلى جانب آخر أكثر أهمية نجد أن السيرة النبوية قد ضمت نصوصها بعض أقوال مناهضي الدعوة المحمدية وفيها إساءة للرسول محمد - صل الله عليه وسلم - وحوتها لنا الكتب إلى يومنا هذا، بل وعرض القرآن الكريم وجهات نظر مناهضي النبي بما تحوي من افتراءات وإساءات له، كقوله تعالى : وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) الصافات، أو كقوله أيضا : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) الفرقان.. وكل تلك الآيات تنقل إساءات تعرّض لها الرسول، فكانت الآيات ناقلة لأقوال مناهضي الرسول بغرض التوضيح وليس الإساءة.
إن ما حدث طوال الفترة الماضية – وما قد يحدث لاحقا – من تضييق على الصحافة وإسقاط لمشاكل داخلية على بعض الصحفيين والإعلاميين ممن تم حبسهم أو إقالتهم لم يستند إلى مرجعية دينية أو حتى أخلاقية بقدر ما كان ممارسات سياسية نتمنى ألا تتكرر وأن يتم رفع الظلم عمن ظلموا ضمن تلك "المجزرة الدنماركية" للصحافة العربية
ــــــــــــــــــــــــــــ

Monday, January 9, 2006

سودانيون.. إسلاميون.. أقباط

لم يبد الكثيرون في مصر اهتماما عندما تزايدت أعداد اللاجئين السودانيين تدريجيا منذ أشهر قرب مقر المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في القاهرة, فقد كان الكل مشغولا بمتابعة الانتخابات البرلمانية وما حملته معها من مفاجآت, ورغم أن تجمهر اللاجئين وقتها على تلك الشاكلة كان مخالفا لقوانين الطوارئ التي تسير عليها البلاد والتي استند إليها الأمن في الكثير من إجراءاته ضد بعض التظاهرات, إلا أنه من الواضح أن الأمن لم يرد أن يثير مزيدا من الجدل حول ممارساته, خصوصا بعد النقد الذي قد تعرض له حول ممارساته أثناء الانتخابات البرلمانية المصرية .
موقف الأمن من الانتخابات البرلمانية الأخيرة أوجد له بعض العداءات مع أبناء المجتمع المدني وهيئاته وقوى المعارضة ممن انفعلوا مرة أخرى بعد عملية إجلاء اللاجئين السودانيين بتلك الطريقة السيئة, فمازالت الدعاوى تتصاعد من أجل معاقبة المسؤولين عن مقتل خمسة وعشرين لاجئا سودانيا وما أعقب ذلك من انتقادات دولية, غير أننا بعد كل هذا يتبقى لدينا تجربة سودانية مريرة أعطت بعض الدلالات على حالة المجتمع المصري وما هو مؤهل له في الفترة القادمة.
فقد برز في تجربة اللاجئين السودانيين ثلاثة ملامح واضحة, أولها وجود تاريخ مشترك وتجارب متشابهة بين هؤلاء اللاجئين مما قوى اتحادهم طوال فترة الاعتصام التي زادت عن ثلاثة الاشهر, أما ثاني تلك الملامح فهو وجود معاناة تجمع بينهم بسبب ما لاقوه في مصر من مشقة أثناء فترة إقامتهم أو حتى قبل مجيئهم إليها, أما الملمح الأخير فهو إحساسهم بالاغتراب نتيجة نظرتهم إلى مصر منذ البداية على أنها مجرد محطة يعبرون منها إلى دار الهجرة والمستقر في العالم الغربي, أما عن الخطر الذي قد يواجه المجتمع المصري في الفترة القادمة فهو عن ذلك التشابه بين ملامح تجربة أولئك اللاجئين مع ملامح تجارب أخرى لبعض العناصر الداخلية في المجتمع المصري, ونقصد هنا التيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين, إلى جانب بعض العناصر المسيحية القبطية المتطرفة.
فإذا كنا قد تحدثنا عن ملمح التاريخ المشترك بين اللاجئين السودانيين في مصر.. فإن جماعة كجماعة الإخوان المسلمين نجد بين أعضائها تلك القناعة نفسها بوجود تاريخ مشترك بينهم, وهو الأمر الذي ترسَّخ عبر سنوات طوال فدفع بعض أفرادها أن يحفظوا سير مناضليهم وأفكار رموزهم عن ظهر قلب, أما على الجانب المسيحي فنجد بعض الكتابات التي تتحدث عن نضالات (الشعب القبطي) وكأنها تؤرخ خارج سياق التاريخ الإسلامي والحديث لمصر, فبعضها يصف الأقباط وكأنهم جماعة منفصلة بذاتها لها تاريخها المشترك والمتفرد, أما عن الملمح الثاني وهو عنصر المعاناة الذي لمسناه في التجربة السودانية, فنجده متوافرا في خطاب التيار الإسلامي وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين التي قد تعرضت للكثير من المشكلات أو الاضطهادات من قبل أجهزة الأمن طوال حقبة طويلة من الزمان.. و أيضا لدى بعض النشطاء الأقباط من يحاول أيضا إضفاء ملمح المعاناة على الجماعة القبطية بأسرها فيتحدث عن اضطهاد للمسيحيين وإجبار على الدخول في الإسلام.. !
أما الملمح الأخير فهو ملمح الاغتراب, فمثلما تناولنا أسبابه في التجربة السودانية السابقة فإننا نجده ملموسا أيضا في بعض أدبيات التيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين وخصوصا عند استخدام البعض للنصوص الدينية التي تتحدث عن غربة الإسلام وأزمة المتدينين القابضين على دينهم كما يقبض على الجمر, إلى جانب ما تحمله تلك الأدبيات من إدانة للمجتمع والدولة, أما داخل الجماعة القبطية فهنالك بعض العوامل التي قد تدفع للشعور بالاغتراب سواء كان ذلك بسبب فوضى الدعاية الإسلامية, بسبب بعض التصرفات السياسية والمجتمعية الخاطئة, أو حتى بسبب انتشار فكرة الهجرة إلى خارج مصر وصعود دور الكنيسة في الوسط المسيحي .
تلك ثلاثة ملامح وجدناها مشتركة بين تجربة اللاجئين السودانيين وتجربتي التيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين و تجربة بعض العناصر القبطية المتطرفة في مصر, وربما تكون التجربة السودانية هي الأعمق والأعنف.. وهو ما يدفعنا هنا إلى التساؤل عما سيكون عليه حال أصحاب التجربتين الإسلامية والمسيحية إذا ما اشتدت عليهم الظروف.. هل سيلجأ بعضهم أيضا إلى اتخاذ نفس تصرف اللاجئين السودانيين ..؟ وهل ستكون النهاية واحدة..؟
أظن أنه على الحكومة المصرية الجديدة ألا ترث سياسات من قبلها, وأن تعيد حساباتها من جديد فتتخذ المبادأة في حل المشكلات المجتمعية بدلا من أن تحولها إلى ملفات أمنية... فليس لكل مشكلات المجتمع حلول لدى السلطات الأمنية
ــــــــــــــــــ

Thursday, September 29, 2005

مبارك المستقل

جاء أداء الرئيس المصري محمد حسني مبارك لليمين الدستورية بمثابة إغلاق لملف الانتخابات الرئاسية المصرية لعام 2005, ولم يعد أمامنا الآن سوى التعليق عليها ومحاولة تقييمها, لكننا سنسلك اليوم مسلكا آخر نطرح من خلاله أحد السيناريوهات التي لم يلتفت إليها رئيسنا الفائز محمد حسني مبارك, ويتلخص هذا السيناريو في تساؤل واحد: ماذا لو كان تقدم المرشح الرئاسي محمد حسني مبارك إلى الانتخابات الرئاسية كمرشح مستقل بعيدا عن حزبه الوطني الديمقراطي ..؟
الحقيقة أن فرضية دخول مبارك كمرشح مستقل إلى الانتخابات الرئاسية الماضية كانت ستجلب الكثير من المنافع لمسيرة الديمقراطية في البلاد وللعملية الانتخابية, بل وله شخصيا كمرشح رئاسي.. فعمليا لم يستطع أحد من المرشحين المستقلين الحصول على تأييد 250 عضوا من أعضاء مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية للمحافظات, لذا.. فإن تقدم مبارك كمرشح مستقل كان سيكون بمثابة اختبار حقيقي لشعبيته بين رجال السياسة والحكم في البلاد الذين كانوا سيجدون أنفسهم مطالبين بالوقوف إلى جانب مبارك المرشح الرئاسي, وليس مبارك الرئيس.
ولعل نزول مبارك كمستقل إلى حلبة المنافسة على منصب رئاسة الدولة كان سيعطي حزبه الوطني الديمقراطي فرصة كي يدير نفسه أمام وضع جديد لا يستند فيه إلى زعامة الرئيس مبارك وشخصه.. خصوصا وأن الحزب قد يواجه بالفعل هذا الموقف في الانتخابات الرئاسية القادمة في حال عدم وجود الرئيس مبارك في الانتخابات الرئاسية القادمة لأي سبب من الأسباب.
علينا أن نعترف أن من انتخب مبارك في الانتخابات الرئاسية الماضية إنما انتخبه لشخصه, وليس لأيديولوجية أو فكر الحزب الوطني الديمقراطي الذي يرأسه مبارك, وقد اعترفت بهذا الأمر قيادات الأحزاب الأخرى وأحد قيادات الحزب الوطني الديمقراطي.
وقد يتساءل البعض هنا عن أهمية عرض هذا السيناريو الآن بعد أن انتهاء الانتخابات الرئاسية وأداء مبارك لليمين الدستورية.
الحقيقة إنها فكرة نطرحها الآن على أمل الاستفادة منها في الانتخابات الرئاسية القادمة, خصوصا وأن البعض يرجح أن الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم قد يدفع بالسيد جمال مبارك نجل الرئيس الحالي للترشيح في الانتخابات الرئاسية القادمة كممثل للحزب بدلا من ترشيح أبيه مرة أخرى.
ربما ليس من حقنا التدخل في سياسات الحزب الوطني, لكن ما يهمنا هنا هو صورة بلادنا التي قبض فيها حزب واحد على مقاليد السلطة في مخالفة لتقاليد الديمقراطيات في العالم, لذا. نتمنى أن نرى السيد جمال مبارك كمرشح مستقل في الانتخابات الرئاسية القادمة إذا ما تم ترشيحه لمنصب الرئاسة, كي يثبت لمعارضيه أنه يرشح نفسه إلى منصب الرئاسة بجماهيريته بين الناس وبين السياسيين, ليخلف وراءه الحزب الوطني كي يمارس السياسة كأي حزب من أحزاب الدولة فتتحقق العدالة بين الأحزاب.
ربما في تلك الحالة قد تُجرى بعض التعديلات الدستورية لضبط الأوضاع حيال وجود رئيس مستقل على كرسي الحكم.. ولعلنا قد نجد وقتها رئيسا مصريا مستقلا فوق الحزبية فتتغير بذلك الأجواء السياسية في البلاد, وهذا كله فقط, إذا ما تخلى المرشح الرئاسي للحزب الوطني عن حزبه وتقدم كمرشح مستقل إلى انتخابات الرئاسة المصرية محاولا تجميع الحد المطلوب من أصوات الجماهير المصرية.
صحيح أن كلمة "لو" الافتراضية تفتح الباب لشيطان الخيال.. غير أن افتراضاتها قد تدفعنا لتأمل المستقبل
ـــــــــــــــــ

Monday, February 28, 2005

في انتظار ثورة

عبدالرحمن مصطفى ـ مصر

تعيش مجتمعاتنا العربية الآن حالة من الركود، نتيجة إحساسها بالحيرة والعجز تجاه العديد من القضايا على الصعيدين الداخلي و الخارجي.. و يبدو أن للوجود الأمريكي القوي بمنطقتنا دور هام في إيجاد مثل تلك الحالة، بعد أن نجحت أمريكا في تحييد المجتمعات العربية عندما أصبحت لدى العرب بمثابة العدو و الصديق في آن واحد. خطر خارجي، وركود داخلي.

و دون أن نعول هنا على الأسباب الخارجية التي أدت إلى نشأة مثل تلك الحالة التي تعيشها مجتمعاتنا، فما يهمنا في مسألة الوجود الأمريكي القوي في منطقتنا، أن أداء أمريكا لدور العدو والصديق في آن واحد قد انعكست آثاره على الساحة الداخلية لمجتمعاتنا العربية الراكدة.. فجاء نتيجة ذلك محاولات لتحريك هذا الركود، بأن لجأ البعض إلى أن تحديد علاقته مع أمريكا بوصفها العدو الأكبر للأمة، لاعبا على وتر المشاعر الدينية والقومية، في الوقت الذي وجدنا فيه قلة أخرى قد حددت علاقتها مع أمريكا بوصفها الصديق. وتلك الثنائية ليست جديدة على منطقتنا، فدائما ما نجدها أمامنا عندما يظهر التدخل الأجنبي (القوي) مصاحبا للضعف الداخلي .أما غالبية الجماهير فنجدها في حيرة من أمرها مترددة في اتخاذ المواقف، في وقت وجدنا فيه من يتخذ المواقف، يتخذها بأسلوب متطرف لا يعالج ضعف المجتمعات الداخلي.

ــــ ما قبل الثورة

في تلك الفترات التي ينتظر فيها الناس مسيحا مخلِّصا أو مهديا منتظرا يقوم بإصلاح مجتمعاتهم بقواه الخارقة وأفكاره المعدة سلفا، بعد أن ضعفت قدرتهم على الابتكار والاجتهاد، نجد أن الأوضاع السائدة تكون في حاجة إلى عمل ثوري يحرك الراكد، ويجدد للأمة شبابها.. ولما كانت الثورات لا تأتي إلا عقب ظهور الأفكار والنظريات والمباديء، فلنا أن نتوقع لأي عمل ثوري في تلك المرحلة أن يكون عملا ارتجاليا غير منظم. ولكن.. هل من أمل ..؟! نعم، فظهور قوى أجنبية قوية بيننا، قد قسمنا إلى مفتونين بها و حاقدين على نجاحاتها، وفرض ذلك علينا حالة الضعف والاستكانة الحالية نتيجة حيرتنا في التعامل مع تلك القوى، و قد أوجب ذلك تلك الحاجة إلى إحداث عمل ثوري، يثور على الأوضاع السائدة، ويبدأ في التنظير لعصر جديد. وهنا.. نحن نتحدث عن عمل يكون بداية لمجموعة من الاجتهادات والأفكار التي تعالج حالة الضعف والركود الحالية، بتسلسل منطقي، لا بمنطق الانقلابات العسكرية.
إننا في حاجة إلى أفكار ونظريات تعمل عمل المقويات لجسد الأمة الهزيل .

ــــ بداية ثورة؟

دعونا الآن نتأمل قرار السيد الرئيس محمد حسني مبارك السماح لأكثر من مرشح بدخول الانتخابات الرئاسية، إن هذا القرار لابد أن يكون له أثره على الشعب المصري الذي سيصدم في الانتخابات القادمة، عندما يجد حاكمه "المقدس" وقد أصبح له منافسون في الانتخابات الرئاسية، قد تكون الفكرة مبهرة لأول وهلة، وباعثة على التفاؤل، إلا أنها أيضا قد تكون بداية انهيار لدولة –مصر- من أهم دول الشرق، ففشل الشعب المصري – بفئاته السياسية وغير السياسية- في التعامل مع تلك الفكرة الطارئة على تاريخه الطويل، سيعد نهاية لمرحلة الركود والسكون، وبداية لمرحلة جديدة من الأحداث والحركة، ولكنها-دون مبالغة- ستكون حركة قد تفكك الدولة تماما. ففشل الشعب في التعامل مع تلك الفكرة الجديدة قد يكون مدخلا لفتنة وأطماع فردية، وقد يكون بداية لتدخل خارجي نتيجة إخفاق المجتمع في التعامل مع أدوات الممارسة الديمقراطية السليمة.
ولما كان الشعب خارجا لتوه من فترة ركود وجمود، فلنا أن نتوقع الهزيمة عند أي مواجهة خارجية.

قد تكون الصورة كئيبة عند الإخفاق في التعامل مع هذا القرار الجديد، ولكن الصورة قد تكون أفضل بكثير عندما يصبح هذا الاقتراح الرئاسي، بداية لحركة ثورية على الأوضاع الحالية بما فيها من ركود وضعف وعجز، فهذا الطرح الذي قدمه "مبارك" بما له من تأثير الصدمة والإبهار، نحلم أن يكون بداية لأطروحات وأفكار جديدة تخرج بالشعب من ركوده وجموده، واعتماده على الارتجال في اتخاذ القرارات، إلى مرحلة جديدة تنشط فيها الأفكار الجديدة والاجتهادات البناءة.

ــــ سيدي الرئيس

نتمنى يا سيادة الرئيس أن تلقي بالحمل على الجماهير، فتضعها في اختبار حقيقي أمام أنفسها، بعد أن تُغير حالة الركود التي يعيشها المجتمع بقرارت واقتراحات تستثير الجماهير وتحفزهم للوقوف إلى جانبك، وإلى جانب من يأتي من بعدك، حتى يجيء اليوم الذي يصبح فيه الشعب هو من يقترح ويقدم الأفكار الجديدة، بنية صافية من أجل الوطن. وقتها فقط، سيكون الشعب هو من قاد الثورة في هذه المرة، بعد أن مهَّدت الحكومة له الطريق. فيثور على سلبياته وما يعيشه من ضعف وجمود.
نتمنى أن يكون القرار الأخير الخاص بترشيح أكثر من فرد لرئاسة الجمهورية بداية لثورة حقيقة، أشعلت فتيلها. ونتمنى أن يكون بداية تغيير حقيقي، بدلا من أن يكون بداية لعصر من الفتن والتدخل الأجنبي نتيجة استمرار الشعب في ركوده وجموده.

ـــ في النهاية

أرى أن الشعوب غالبا ما تتمنى أن يقوم الحاكم بالثورة قبل أن تبدأها هي.. فلنحاول جاهدين استغلال ما يحدث حولنا من تغيرات لصالح بلادنا، ولصالح أنفسنا
ــــــــــــــــــــــ

Tuesday, July 27, 2004

عفوا.. فلنكتف بهذا القدر

بقلم : عبد الرحمن مصطفى حسن ـ مصر
كنت وقتها طفلا صغيرا يصطحبه والده إلى المسجد الجامع لصلاة الجمعة, ولم نكن ندري أنه كان يصلي معنا في نفس المسجد, وقبل إقامة الصلاة مباشرة, تقدمت الصفوف لرؤيته, وبالفعل, نظر إلي وتبسم, فلم أصدق أنه هو, ففرت إلى جانب والدي و أدينا الصلاة, ثم رأيت تجمهر الناس من حوله بعد الصلاة فتأكدت أنه هو, وذكرت لكل أقراني وقتها أن ياسر عرفات كان يصلي معنا في نفس المسجد, وأنه تبسم لي. كانت تلك الحادثة في نهاية الثمانينيات, وكان ياسر عرفات قد عُرف وقتها كزعيم وممثل للشعب الفلسطيني, و رغم ذلك فقد كان عليه الكثير كي يتحول إلى شخصية دولية مقبولة عالميا, وقد تم ذلك بعد قبول التفاوض مع الإسرائيليين.

ــــ رجل سلام في زي عسكري

يخوض عرفات بعد ذلك طريق السلام الذي رفض خوضه من قبل مع الرئيس السادات, فتبدأ مباحثات مدريد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, ثم يلي ذلك توقيع اتفاقية أوسلو في عام 1993, فيكون انسحاب إسرائيل من غزة و أريحا في العام التالي, وتزدهر الأمور أكثر لعرفات بأن ينال جائزة نوبل للسلام في نفس العام, ليتحول إلى بطل للسلام برغم ماضيه كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية, التي كان البعض يعتبرها منظمة إرهابية. وبعد اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995, و برغم مقتل رايبن شريكه في جائزة نوبل للسلام، يصبح عرفات في يناير 1996 أول رئيس للسلطة الفلسطينية بعد انتخابه بنسبة تفوق 88 % من الأصوات.

ــــ زعيم و رئيس حتى النهاية

و هنا يصبح عرفات أكثر الشخصيات الفلسطينية شهرة دولية و قبولا إعلاميا, إضافة إلى ذلك فهو لم يتخذ الصفة الإسلامية الجهادية لنفسه, مما أعطاه تميزا, هذا إلى جانب تاريخه النضالي الطويل. ولكن, وعلى الرغم من عدم استقرار الأمور مع إسرائيل و تعثر المفاوضات معها, إلا أن نوعا من الاستقرار قد حدث بين الفلسطينيين, وأقصد هنا ذلك الاتفاق غير المعلن على أن عرفات هو الزعيم الأبدي للفلسطينيين, وأنه قد تحول إلى تلك الحالة التي عليها أقرانه من الرؤساء في مصر وسوريا و ليبيا, أي أن يبقى في منصبه حتى يتوفاه الله. ولكن على ما يبدو أن ذلك الأمر قد دعا الرجل إلى أن يركن إلى الراحة, فيدب الفساد في الإدارة الفلسطينية, حتى يصل إلى الأجهزة الأمنية, بل إن حوادث الفساد لم تقتصر على الجانب المالي فحسب, بل امتدت إلى الجانب الأخلاقي, فنجد على سبيل المثال في الفترة الواقعة قبل انتفاضة الأقصى, أنه يتم معاقبة ثلاثة من كبار ضباط جهاز الشرطة الفلسطينية, بعد اتهامهم بإدارة شبكة للدعارة و ممارستهم للابتزاز.

ـــــ عرفات و الفساد

لعل التنظيم الإداري للأجهزة الأمنية الفلسطينية يساعد أكثر على الفساد, نظرا لضعف السيطرة المركزية عليه, حيث أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تتسم بالكثرة, وقد كان ذلك متعمدا منذ البداية حتى لا يتحول أفراد الأمن الفلسطينيين يوما ما إلى قوة عسكرية لها القدرة على مواجهة إسرائيل, ومن ثمَّ دخلت المحسوبية مع الفساد كردِ فعلٍ لضعف السلطة المركزية, وكنتيجة أيضا لسياسة عرفات الخاطئة في التعامل مع الفاسدين, فنجده منذ عدة أعوام (عام 2001) يفرج عن أحد المتهمين في قضايا الاختلاس, والذي اختلس أموالا من الصندوق القومي الفلسطيني الذي كان يرأسه, وقد جاء قرار الإفراج دون إبداء أسباب واضحة. ولعل مثل تلك الأمور قد دفعت البعض إلى تصديق الشكوك حول فساد عرفات نفسه, وبالنسبة للمتابع فقد يتخطى الأمر مرحلة الشكوك.
فوكالات الأنباء العالمية تتناقل أخبار السيدة سهى عرفات, والتي ذكرت بعض التقارير عنها أنها تتلقى أموالا من زوجها تقدر بالملايين وتحوَّل إلى حسابها في باريس, فمنذ عدة أشهر أثيرت قضية السيدة سهى حين أكد مكتب المدعي العام في باريس أنه يريد فحص تحويلات من مؤسسة سويسرية إلى حسابين منفصلين لسهى في باريس خلال الفترة الواقعة بين يوليو 2002 إلى يوليو 2003.
وتصف السيدة سهى تلك التقارير التي تتحدث عن تحويل 9 ملايين يورو لحسابات باسمها بأنها كاذبة و مجنونة, و أن شارون يسعى لتشويه صورة زوجها عن طريقها, و ليغطي أيضا على فضائحه هو و أسرته, ورغم ما تذكره السيدة سهى عرفات, إلا أن تقريرا أصدره صندوق النقد الدولي يتحدث عن 900 مليون دولار قد نقلت من حسابات السلطة الفلسطينية إلى الخارج, في الفترة الواقعة بين عامي 1997إلى 2003. حتى قريع رئيس الوزراء الفلسطيني (المستقيل), كان اسم عائلته ضمن قضية أثيرت منذ عدة أشهر داخل أروقة المجلس التشريعي, عن قيام البعض بتهريب أسمنت مصري إلى الإسرائيليين, و استخدامه في بناء المستوطنات و الجدار العازل, ولم تتضح صحة هذا الأمر من عدمه!
واتخذت مسألة الفساد داخل السلطة الفلسطينية بعدا دوليا, فها هو الرئيس الأمريكي بوش يطالب في تصريح له منذ أكثر من عامين بتغيير القيادة الفلسطينية, ويصف المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع فاسد ولا يتمتع بالشفافية. ويؤكد وزير خارجيته كولن باول رأي بوش, بأن قال وقتها " نريد قيادة فلسطينية جديدة نستطيع التعامل معها", وكان رد فعل السلطة حينذاك أن أمريكا تريد عميلا لها في الأراضي الفلسطينية. ورغم كل تلك الأمور يظل عرفات في منصبه, ويجدد انتخابه رئيسا. ولكن في نفس الوقت يتزامن مع كل تلك الأمور, قيام المنظمات الفلسطينية- ذات الطابع الجهادي - بعملياتها من تفجير و ما إلى ذلك, مما يجعلها تصطدم أحيانا مع السلطة التي لا تريد للأمور أن تخرج أكثر عن سيطرتها, حيث أن تلك الفصائل قد حازت على التعاطف والتأييد الشعبي, و خصوصا بعد ما قامت به إسرائيل من اغتيال لقادتها. ويبدو أنه سيقدر لتلك الفصائل المسلحة تشكيل مرحلة جديدة في حياة عرفات (المحاصر).

ــــ الإحلال

لما كان البقاء للأقوى, ولما كانت الفصائل الفلسطينية المسلحة كحماس و كتائب شهداء الأقصى و غيرها, هي التي تمارس الفعل الوحيد الذي يقوم به الفلسطينيين, في الوقت الذي ظهر فيه عرفات عاجزا حتى عن مواجهة الفساد الذي دب في الأجهزة الأمنية و الإدارية التي تقع تحت سلطانه, كان من الواجب على الأقوى أن يحل محل الأضعف, وقد بدأت مظاهر ذلك الأمر تظهر بالفعل, وبدأ التجرؤ على السلطة, وإن لم يكن الأمر موجها لشخص عرفات, حيث أنه الآن قد أصبح لدى شعبه أحد هؤلاء الرؤساء الذين لا يتركون مناصبهم إلا بموتهم. فها هي حركة (حماس) تسعى - في شهر إبريل الماضي- إلى أن تقوم هي على إدارة قطاع غزة في حالة انسحاب الجيش الإسرائيلي منه, وقد قوبل طلبها بالرفض من جانب السلطة الفلسطينية التي تعللت بأن لها مؤسساتها و أجهزتها الأمنية التي تستطيع أن تؤدي واجبها بكفاءة. ثم نجد بعض الجماعات الفلسطينية المسلحة تنتقد عرض مصر المساعدة في تسيير أمن غزة, من حيث إعادة الهيكلة والتدريب, ونجد كتائب شهداء الأقصى المنبثقة عن حركة فتح – التي يرأسها عرفات –­­ تقوم بالتعامل الفردي مع بعض المعروفين بالفساد, سواء بالخطف أو بغيره, بالإضافة إلى الإعدام مع المتعاونين مع الاحتلال, هذا فضلا عن انتقادها العلني للسلطة الفلسطينية على ما تغلغل فيها من فساد ومحسوبية. إذا فلدينا الآن عددا من الفصائل الفلسطينية وقد ضج بأخبار الفساد الموجود داخل أجهزة السلطة الفلسطينية, و خصوصا الأمنية منها.

ـــــ الصِدام الأخير.. ليس الأخير !!

لعل مسألة عدم توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية تثير حفيظة الكثير من الفلسطينيين, فكما ذكرنا من قبل أن تفرق الأجهزة الأمنية الفلسطينية و كثرتها, و عدم إحكام قبضة السلطة الفلسطينية عليها, قد جعلها أوكارا للفساد والمحسوبية و الشللية, وقد جاء تعدد تلك الأجهزة نظرا لنشأتها الأولى هكذا, حتى لا تتحول في يوم من الأيام إلى جيش في وجه إسرائيل. أما اليوم, فقد أصبح هذا الوضع يمثل خطرا على إسرائيل نفسها, فالأفضل لإسرائيل أن تحكم السلطة الفلسطينية قبضتها على الأمن الفلسطيني بدلا أن يقوم غيرها بذلك, ولن يتم ذلك إلا بأن يتم توحيد أجهزة الأمن الفلسطيني وتقليص عددها, وخصوصا بعد قيام عناصر فلسطينية مسلحة الأسبوع الماضي, باختطاف مجموعة من الفرنسيين للفت الأنظار, إلى جانب اختطاف عدد من المسئولين الفلسطينيين, وحرق المنشآت الحكومية وذلك بغرض الضغط كي يتم الإصلاح. لذا كان قرار عرفات بأن يتم توحيد تلك الأجهزة الأمنية ليصبح عددها ثلاثة فقط, بعد أن أصبحت مسألة الانفلات الأمني تمثل مشكلة حقيقية, وخصوصا أن هنالك ضغوطا خارجية على عرفات كي يقوم بنقل مزيدا من الصلاحيات الأمنية إلى رئيس وزرائه. ولكن جاء إخفاق عرفات دليلا على حالة الانهيار التي يعيشها, وذلك في الوقت الذي تعلو فيه أسهم الفصائل المسلحة. فكان الصدام. حيث أن ياسرعرفات قد اختار قريبه اللواء موسى عرفات لمنصب مدير الأمن الفلسطيني, وكأنه يؤكد للجميع أن المحسوبية قد أضحت قانونا في داخل السلطة الفلسطينية, والأكثر من ذلك أن موسى هذا تعتبره الفصائل الفلسطينية المسلحة عدوا للمقاومة, فكانت المواجهات المسلحة بين اللواء موسى و العناصر الفلسطينية المسلحة, والتي كان منها قيام كتائب شهداء الأقصى بالسيطرة على مقر الاستخبارات في خان يونس ثم إحراقه. وقبلها بقليل نجد عددا من الاستقالات يقدم وعلى رأسها استقالة رئيس الوزراء, التي لا ندري هل قدمها لكسب الصلاحيات الأمنية التي حثت عليها العديد من الأطراف خارج فلسطين, أم أن تلك الاستقالة تهربا من المسئولية ؟! ورغم الهدوء النسبي للأوضاع حاليا, إلا أن السبب الأساسي لتلك الفتنة لم يزل حتى الآن, ألا وهو وجود الفساد و المحسوبية في داخل السلطة الفلسطينية.

ــــ رسالة إلى عرفات

سيدي الرئيس عرفات.. إنك لست مثل حسني مبارك أو القذافي أو الأسد, فهؤلاء جميعا في دول مستقرة نسبيا, أما أنت فمن السهل الانقلاب عليك لولا الخوف من الفتنة, فقد تركت الفساد يرعى من حولك, مع ازدياد قوة الفصائل الفلسطينية من حولك أيضا, وأظن أنه قد آن الأوان كي تنسحب في هدوء, وأن تستقيل من منصبك هذا, بدلا من أن تقضي بقية عمرك منفيا بواسطة الإسرائيليين, أو أن تقتل على يد أحد المتهورين من أبناء شعبك, وفي كلا الحالتين, سيكون الضياع مصير الفلسطينيين إلى أن يشاء الله.
سيدي الرئيس.. فلنكتف بهذا القدر, ولتترك الأمر لمن هو أصح منك و أجدر منك بالحكم.