Showing posts with label خفيف. Show all posts
Showing posts with label خفيف. Show all posts

Thursday, July 2, 2015

قواعد جديدة لمشاهدة التليفزيون.. وحنين إلى «لمة العيلة»

 
• البعض يلجأ إلى الإنترنت هروبـًا من كثافة الإعلانات
• صفوت العالم: لم يحدث تغير فارق فى عادات المشاهدة
•  داليا الشيمى: على الإعلام أن يراعى نفسية المشاهدين

فى الوقت الذى يتابع فيه الزوجان المُسنان مسلسلا رمضانيا فى الصالة الرئيسية، كان الابن يجلس فى غرفته أمام شاشة الكمبيوتر متابعا حلقات مسلسل أمريكى شهير، وبينما يبدو هذا المشهد غير متوائم مع أجواء رمضان الذى تجتمع فيه الأسرة حول التليفزيون، لكنه نموذج لبعض التغييرات التى جرت على عادات مشاهدة التليفزيون عند الأسرة المصرية.
«لم يعد رمضان مرادفا للمة العائلة حول التليفزيون، لقد أصبح الشباب أكثر انشغالا بهواتفهم الذكية والانترنت». تتحدث ربة الأسرة آمال عبدالله، المحاسبة بالمعاش (61 سنة) أنها اعتادت قبل أكثر من سنة أن تشاهد المسلسلات بعد تحميلها من الانترنت، أما ابنها إسلام فهو من دلها على تلك الوسيلة لمتابعة ما يفوتها من حلقات أو مسلسلات، بينما يتجه الابن لاستخدام موقع يوتيوب لمشاهدة الدراما على الانترنت.
كان هذا المنزل يعيش أجواء رمضانية مختلفة قبل 25 سنة حين كان إسلام طفلا مع أخوين آخرين يجتمعان حول التليفزيون باهتمام لمتابعة مسلسلات بعينها، وما زالت الأم تتذكر الروتين اليومى فى الجلسات العائلية بعد الإفطار، من متابعة مسلسل الأطفال أثناء الافطار، ثم حلقات الكوميديا مع مشروبات بعد الإفطار، ثم حلقات ألف ليلة وليلة التى تتزامن مع فقرة الحلويات والاستعداد لصلاة التراويح، واختلفت هذه الأجواء بعد مرور ربع قرن، وازدياد عدد الفضائيات وكثافة عروض الدراما والبرامج الرمضانية.
يقول محمد أمين رب الأسرة الذى جاوز الرابعة والستين، إنه اعتاد مع زوجته بعد طلوعهما على المعاش أن يقضيا أغلب أوقاتهما أمام شاشة التليفزيون، مكتفيان بالبرامج السياسية وقنوات الأفلام، حتى تبين لهما إمكانية تحميل الأعمال الدرامية عبر الانترنت ثم مشاهدتها عبر شاشة التليفزيون العملاقة فى المنزل. يستكمل المهندس الستينى: «اشتريت جهاز ريسيفر جديدا يسمح لى بعرض فيديوهات على التليفزيون بعد تحميلها على ذاكرة الكترونية ». وتقل هذه العادة تدريجيا فى شهر رمضان حسب آمال عبدالله ربة الأسرة التى تقول: «قمت فى الأسبوع الأول من رمضان بتحميل ثلاث حلقات من مسلسل لم أكن أتابعه جيدا، لمشاهدتها مرة واحدة دون الإعلانات التى تقطع المشاهدة على الفضائيات». ويسند الزوج الستينى إلى زوجته مهمة البحث على الانترنت عن المسلسلات وتحميل الحلقات سواء فى رمضان أو فى غيره.
يرى صفوت العالم أستاذ العلاقات العامة والاعلان فى كلية الاعلام بجامعة القاهرة أن كثافة المادة الإعلانية وما قد تصنعه من تشتيت عن المحتوى الدرامى فى رمضان، لن تدفع بالضرورة إلى المشاهدة عبر الانترنت هروبا من التليفزيون، ويقول: «متابعة وتحميل المسلسلات الدرامية عبر الانترنت لا يلائم جميع الأعمار ولا كل المستويات الاقتصادية حتى نستطيع أن نصفه بتغير فى عادات المشاهدة». وكان بعض مستخدمى مواقع التواصل الاجتماعى مثل فيسبوك وتويتر قد عبروا عن ضيقهم بكثافة المحتوى الاعلانى على الشاشات، بينما يستدرك أستاذ الإعلام قائلا: «فى الأيام الأولى من شهر رمضان تظهر حالة من الفضول والاهتمام من المشاهدين لمتابعة إعلانات رمضان، وأحيانا ما يعوض غياب بعض النجوم عن الدراما أنهم يحضرون فى الاعلانات». ويضيف صفوت العالم أن كثافة الإعلانات الخيرية فى النصف الثانى من الشهر تفسد حالة المشاهدة لما تعرضه من ألم ومعاناة .
انسحاب شريحة من المشاهدين لمتابعة الدراما الرمضانية عبر الانترنت لم يخضع لدراسة ترصد تأثير ذلك على نسبة المشاهدة عبر شاشات التليفزيون، لكن بعض الأرقام الأولية عن عدد مشاهدات الحلقة الأولى فى عدد من المسلسلات الرمضانية على موقع يوتيوب للفيديو يتجاوز 250 ألف مشاهدة فى بعض الأحيان. أى أن ظاهرة متابعة الأعمال الرمضانية عبر الانترنت قد أصبحت تستقطب آلاف المشاهدين، رغم أن هذه الشريحة نفسها تواجه الفواصل الاعلانية أيضا على موقع يوتيوب. فى الوقت الذى أعلن فيه الموقع الأشهر فى عرض لقطات الفيديو عن نيته بث خدمة خالية من الاعلانات تماما فى مقابل اشتراك.
«فتحت شاشة الكمبيوتر أمامى فوجدت عالما واسعا شاهدت من خلاله أفلاما من روائع السينما الأمريكية أنقلها من أصدقائى أو أحملها عبر الانترنت». الحديث لإسلام الشاب العشرينى الذى كان مشغولا مع بداية شهر رمضان الحالى بمتابعة حلقات مسلسل Game Of Thrones الأمريكى التى فاتته مشاهدتها، وخصص لها وقتا قبيل السحور، بينما لا يبدى اهتماما بزحام المسلسلات العربية.
«انسحاب بعض المشاهدين إلى متابعة الدراما عبر الانترنت هو ابتعاد عن إحساسهم بأنهم مجبرون على المشاهدة وفقا لخطة المعلنين، لذا تعزز المشاهدة عبر الانترنت إحساسهم بأنهم من يتحكم فى قواعد المشاهدة، وعلينا أن نتذكر أن إلحاح المعلنين يصاحبه أيضا برامج للمقالب ودراما تحض على العنف، وهو ما يستنفر العدوانية لدى المشاهدين ويهدد ارتباط المشاهدين بالدراما من الأساس». تتحدث داليا الشيمى الخبيرة النفسية عن أن التليفزيون قد دخل فى تحد مع التكنولوجيا واندماج كثيرين فى مواقع التواصل الاجتماعى، وأن المواد التى تستدعى نفور المشاهدين فى فترة رمضان قد تؤثر على ولائهم لشاشة التليفزيون.
«أمام التليفزيون تحديات مثل انشغال الناس بالتكنولوجيا والانترنت وانشغالهم الدينى فى رمضان بصلاة التراويح وقراءة القرآن، وهى أمور يجب على القائمين على الإعلام مراعاتها فى التعامل مع نفسية المشاهدين». تختم الخبيرة النفسية بهذه العبارة.
أما الأسر المصرية التى يتشابه بعضها مع أسرة محمد أمين المهندس بالمعاش، فمازال فى ذهنها كيف كان التليفزيون يجمع الأسرة فى توقيتات محددة فى رمضان ويتحكم فى روتين يومهم، وكيف تطورت علاقة الأسر المصرية مع هذه الشاشة إلى حالة من الجفاء فى أوقات أخرى.

Friday, June 12, 2015

عم حمادة .. 30 سنة في بيع الجيلاتي

كتب - عبدالرحمن مصطفى
فى حارة ضيقة وسط منطقة «المُليحة» بحى حدائق القبة، تمر عربة «الجيلاتى» يقودها عم أحمد محمد عبدالعال «٤٩ سنة» الذى تنحدر جذوره من مركز المراغة فى محافظة سوهاج، مر عليه أكثر من 30 عاما قضاها بين حوارى الحى نفسه يبيع الجيلاتى لأطفال المنطقة، بعضهم أصبح رجالا ونساء يشترى أبناؤهم منه الآن.
«تبدل سكنى فى القاهرة بين عدة مناطق مجاورة حتى استقريت فى منطقة الزاوية الحمراء، فى منتصف المسافة بين مصنع الجيلاتى الذى أعمل لحسابه والمنطقة التى أبيع فيها». يستكمل البيع لأطفال ينادونه بـ«عم حمادة»، ويتحمل شقاوتهم حين يقفزون فوق العربة أو يرشون طريقه بالمياه. يستكمل حديثه: «يبدأ يوم العمل فى السادسة صباحا، أما البيع فيكون بعد الواحدة ظهرا، خاصة فى فترة العطلة الدراسية وإغلاق المدارس، وأظل أعمل حتى الليل وإنهاء الكمية التى معى». يوزع أكواب الجيلاتى التى لا تتجاوز سعرها جنيها واحدا على الزبائن الصغار، ويبدو متحفظا فى حديثه عن ثلاثة أمور، الأمر الأول هو قيمة ما يجنيه يوميا من عمله فى هذه المهنة الموسمية، والأمر الثانى هو قلقه من التناول الإعلامى لعمله، والثالث محاولته التأكيد على نظافة المنتج الذى يقدمه، حتى أنه قدم لى كوبا من الجيلاتى على سبيل التجربة، مؤكدا على أن أى ضرر يصيب طفلا من أطفال الحى قد «يقطع عيشه» من المكان إلى الأبد.
كان الدكتور خالد حنفى وزير التموين والتجارة الداخلية، قد أطلق تحذيرا من شراء السلع الغذائية وغير الغذائية من الباعة الجائلين، خشية عدم مطابقتها المواصفات القياسية أو إضرارها بصحة المواطنين، ويعلم «عم حمادة» عن تلك التصريحات، وهو ما يدفعه إلى مزيد من الدفاع عن موقفه فيقول: «اشترى اللبن من فلاحين يفدون على المنطقة مبكرا، كما اشترى فاكهة رخيصة بالجملة من سوق العبور يستخدمها المصنع فى عمل الجيلاتى ثم يضيف صاحب المصنع ثمنها إلى أجرى اليومى». ويعمل بائع الجيلاتى لحساب مصنع فى منطقة الشرابية تنطلق منه نحو ٤٠ عربة إلى المناطق المجاورة.
«ليس من المفترض أن تحرض الدولة مواطنيها على الامتناع عن التعامل مع الباعة الجائلين، بقدر ما يجب عليها أن تقوم بدورها الرقابى والتأكد من مصدر الأغذية وكيفية إنتاجها، سواء كانت أيس كريم أو غيرها، بل عليها التأكد من صلاحية العبوات المغلقة والمميكنة أيضا.. فما بالك بالمصنوعة يدويا!». يتحدث حسين منصور رئيس وحدة إنشاء جهاز سلامة الغذاء عن مسئولية الرقابة على المواد الغذائية التى تتوزع بين جهات كثيرة ولا تقتصر على جهة واحدة.
يعمل بائعو الجيلاتى فى فترة تمتد بين شهرى مارس ونوفمبر من كل عام، تجمعهم الأساليب نفسها فى الحفاظ على الجيلاتى من حرارة الجو، بوضعه فى طبق كبير من الاستنليس داخل العربة الخشبية حوله ثلج مخلوط بالملح حتى لا يذوب هو الآخر. ولكل واحد منهم منطقة يتحرك فيها بعيدا عن منافسه، وهكذا يفعل «عم حمادة» فى منطقة «المليحة»، أما بقية شهور السنة فيعمل فى مهن أخرى تعتمد على القوة البدنية، تاركا أمله معلقا بأبنائه الذى يحرص على تعليمهم كى يعملوا فى مهن أفضل من بيع الجيلاتى.
PDF

Sunday, May 24, 2015

أنشطة للهروب من التوتر والقلق

بين ركوب الدراجات وجلسات التأمل وتمارين الزومبا.. أنشطة تضم مشاركين يهربون من صخب الحياة واستنزافها إلى مجموعات تتبنى الترفيه والمرح والسعى إلى التغيير، بعضهم تبدلت حياته بعد ممارسة هذه الأنشطة، وآخرون اكتفوا بالمشاركة والحصول على هدنة، ترتاح فيها عقولهم من التوتر والقلق.
..
«جمعة الدراجات» الأسبوعية.. هواية وترفيه ومرح
فى تمام الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الجمعة، فى شارع قريب من ميدان الساعة فى حى مدينة نصر، تتراص الدراجات فى انتظار اكتمال عدد المشاركين فى جولة بين مدينة نصر وباب الفتوح فى منطقة الجمالية، يلتقط بعض الواقفين دراجات لتجربتها فى الوقت الذى ينشغل فيه مؤسسو فريق (يلا عجلة) بتنظيم ترتيبات الفعالية.
«نتطلع إلى تحقيق نجاح فى نشر ثقافة ركوب الدراجات، وأن ننجح كفريق فى جذب رعاة لنشاطنا، وأن نتوسّع بشكل أكبر ويزداد عدد المشاركين، فما زلنا فى بداياتنا الأولى». يتحدث محمود مصطفى المهندس الشاب بإحدى شركات البترول عن تجربته التى خاضها مع زميليه معتز هشام ومحمد صلاح، حين أسسوا فريق (يلا عجلة) الذى بدأ نشاطه مع بداية شهرمايو. فى ذلك اليوم كان الاختيار أن تكون مدينة نصر هى نقطة انطلاقهم بسبب سعة شوارعها، وإمكانية الانتقال إلى العديد من الأماكن الأخرى المجاورة ذات الشوارع الفسيحة.
هناك أسلوبان للمشاركة فى فاعليات الفريق، الأول أن يأتى المشارك بدراجته الشخصية، أما الثانى فأن يؤجر المشارك دراجة فى مقابل 25 جنيها.
«القيمة منخفضة نسبيا عن فرق أخرى، ولا نحصل إلا على ما يغطى نفقات الرحلة الواحدة، مع هامش ربح بسيط يغطى ثمن دراجات الفريق على المدى البعيد». مازال الحديث لمحمود مصطفى الذى بدا مشغولا مع زملائه فى توضيح بعض النقاط للمشاركين، أهمها أن الرحلة ليست سباقا، وأن على كل فرد أن يظل ملتزما بالتحرك خلف زميله دون الانحراف إلى منتصف الشارع.
فى يوم الجمعة من كل أسبوع تنشط عدة مجموعات لقيادة الدراجات صباحا، حيث تنتشر فى مناطق مثل التجمع الخامس، ومصر الجديدة، والزمالك، والمعادى، وغيرها. ففى صباح اليوم نفسه الذى خاض فيه فريق (يلا عجلة) فعاليته، كان أعضاء فريق (فوربايك) قد اجتمعوا من الساعة السابعة صباحا فى حى الزمالك للانطلاق فى جولتهم بين شوارع الحى الهادئ صباحا. وكانت البدايات الأولى لظهور مجموعات ركوب الدراجات مع العام 2008 بين القاهرة والاسكندرية، كان أبرزها مجموعة (سايكل إيجيبت) ومجموعات أخرى ظهرت فى منطقة مصر الجديدة بالقاهرة، حتى توالى ظهور المجموعات المشابهة فى السنوات الأربع الأخيرة. ومع توالى ظهور تلك المجموعات كان محمد سليمان أحد من تابعوا تطورها على مدى تلك السنوات، واختار أن يؤسس فريق (فور بايك) فى العام 2012 للمهتمين بعالم الدراجات، حيث لم يقتصر نشاط الفريق على منطقة محددة، بل انتقل بين المحافظات وخارج القاهرة.
«ما رأيته خلال سنوات قضيتها فى هذا المجال، أن هناك من يتعاملون مع الأمر على أنه وسيلة ترفيه يحتاجها بصورة أسبوعية، وآخرون يعتبرونه نشاطا ينطلقون من خلاله فى شوارع القاهرة بحرية وأمان، هذا بعيدا عن كون قيادة الدراجات وسيلة انتقال نموذجية». هكذا تحدث مؤسس فريق (فور بايك) عن شخصيات شاركت معه على مدى سنوات، خاضوا فيها حب الانطلاق بين أماكن متنوعة، مستكملا حديثه قائلا: «يشارك معنا شخصيات ذات مناصب ومسؤوليات عالية، لكنهم وجدوا فى قيادة الدراجات فرصة للانطلاق والهروب من الضغوط اليومية».
بالعودة إلى ميدان الساعة فى مدينة نصر وفريق (يلا عجلة)، فإن المشاركين قد بدأوا فى الاستعداد للانطلاق بدءا من الساعة الثامنة صباحا. ياسر حلمى وإسراء أحمد طالبة الفنون الجميلة، كانا ضمن المشاركين مع أصدقائهما، وبينما يتذكر ياسر بعض المواقف التى تعرض فيها لسخرية من المارة، وهو ما حدث بشكل سريع أمام بوابة الفتوح فى ذلك اليوم، حين تلقوا عبارات مازحة من المارة، إلا أن زميلته إسراء تتذكر مواقف إيجابية مثل دعم المارة لها كفتاة تنطلق بدراجاتها فى فعاليات سابقة. وفى فعاليات أخرى يعود بعض المشاركين إلى منازلهم ليدونوا انطباعاتهم على صفحة الفريق فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، ويقدموا عبارات من نوعية «لازم أشكركم بجد إنتم شقلبتم يومى كله.. عمر ما كان هيكون كده الا بيكوا. أنا فخووور بيكوووا جدا جدا» هذا ما ذكره أحدهم فى إحدى الفعاليات الأخيرة.
بدأت رحلة فريق (يلا عجلة) فى شارع صلاح سالم، بمشاركة فريق آخر هو (كايرو سبورت)، وهو فريق لا يتخصص فقط فى ركوب الدراجات، بل يهدف إلى تشجيع الرياضات والترفيه بشكل عام، ينظم مباريات فى البولنيج والمشى والتنس وغيرها، وفى ذلك اليوم كانت هناك شراكة بين المجموعتين فى الانطلاق سويا إلى القاهرة الفاطمية، حيث لم يقتصرالأمر على مجرد التحرك بالدراجات، بل أعقبه جولة فى شارع المعز وإفطار جماعى.
تسعى فرق قيادة الدراجات إلى تقديم خدمات أفضل وتحقيق سمعة جيدة لدى المشاركين، ليجنى أكثرها نشاطا فرصة كسب رعاة لفعالياته والحصول على دعم من جهات مهتمة بهذا النشاط.
«ندعم قيادة الدراجات لما يمكنها أن تقدم من حلول لمشاكل التلوث البيئى وتجاوز مشكلة الزحام، لذا نتواصل مع فرق قيادة الدراجات المختلفة، وندعم رسم خطوط أرضية تحدد مسارات الدراجات فى طرق مدينتى شبين الكوم والفيوم». تتحدث ندى طنطاوى الاستشارى الإعلامى لمشروع استدامة النقل فى مصر، الذى ينفذه جهاز شئون البيئة بتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائى ومرفق البيئة العالمية. وترى المستشارة الإعلامية أن على الدولة أن تقدم خدمات تدعم هذا التوجه، بتحديد طرق ومسارات تساعد فى انتشار الفكرة، طامحة أن تتاح الفرصة للمتطوعين بأن يتحركوا لطلاء مسارات فى الطرق للدراجات، وتقول: «انتشار الفرق التى تشجع على قيادة الدراجات هى بداية قبول قيادة الدراجات فى الشارع». ويخصص «مشروع استدامة النقل فى مصر» أماكن قرب الجامعات ومحطات النقل لتخزين الدراجات، على أمل تسهيل الضغوط التى تواجه قائد الدراجة فى الشارع المصرى، على حد قول ندى طنطاوى. أما الهدف الأبعد ذو الطابع الدولى، فهو تخفيض الانبعاثات ودرجة التلوث باللجوء إلى وسائل نقل آلية كالدراجات.
..
«ينشغل عقلنا بتفاصيل الحياة اليومية وأعبائها، لذا نسعى هنا إلى تنشيط العقل الباطن، وأن نعط استراحة لعقلنا من الاستهلاك اليومى». يتحدث مصطفى جاد مؤسس مبادرة سلام الدولية ومدرب التأمل، وهو يجلس فى صالة جانبية من مكتبة البلد فى منطقة وسط البلد القاهرية، حيث يبدأ فى تجهيز المكان لجلسة التأمل الأسبوعية التى تحمل عنوان «التخيل الذهنى على الطريقة الصوفية». يوقد الشموع ويشعل أعواد البخور، وفى خلفية حديثه موسيقى معـَدة خصيصا لجلسات التأمل، ألّفها موسيقيون متخصصون بهدف التحكم فى مزاج الحاضرين بنغمات الموسيقى. يستكمل مصطفى جاد حديثه قائلا: «هناك أنواع عديدة من التأمل، واخترنا التأمل التجاوزى فى هذه الجلسة، حيث نتجاوز التفكير الظاهر بتفكير آخر باطنى، ونفتح مساحات للتخيل والاسترخاء من أجل راحة العقل».
تدرب مصطفى جاد على يد متخصصين عرب وأجانب فى مجال التأمل، مضيفا لمساته على جلسات التأمل التى ينظمها مع الالتزام بالقواعد العامة المتفق عليها فى هذا النوع من الجلسات. وأسس مصطفى جاد فى العام 2013 مبادرة سلام التى تعمل فى العديد من المجالات الفنية، منها الفن الروحانى كالتأمل واليوجا، كما يتم توجيه الحاضرين فى بعض الجلسات إلى الرسم أو العزف أثناء الجلسة.
تبدأ الجلسة وسط رائحة البخور حين يدخل أعضاء الجلسة الذين التقوا لأول مرة إلى الصالة، ويطلب المدرب أن يجلس كل شخص بعيدا عن أصدقائه أو أقربائه حتى يشعر بحرية أكبر فى أثناء الجزء الخاص بالتخيل دون تأثير خارجى، يجلس الجميع فى دائرة تحيط بها رائحة البخور من كل جانب، ويشرح المدرب الأقسام الثلاثة للجلسة، ثم يبدأ الجزء الأول بمجرد إطفاء الأنوار والإبقاء على ضوء الشموع، مع نور بسيط يتسلل أسفل ستارة سوداء فى واجهة الصالة.
من بين نحو 20 فردا جمعتهم الرغبة فى التأمل والسكون فى مكتبة البلد، كان أحمد عز الذى يعمل فى إحدى شركات البترول قد حضر جلسة سابقة، ثم أعاد التجربة مرة أخرى قائلا: «أنا أفكر فى عدة أشياء فى الوقت نفسه، سواء مشاكل شخصية أو مهنية، وأجرى عدة لقاءات فى اليوم الواحد، لذا أبحث عن تجربة أصفى بها ذهنى وأقلل من التوتر». يخوض أحمد عز تلك التجربة، طامحا أن يستمر فى ممارسة التأمل، حتى إن كان ذلك بشكل فردى فى منزله أو فى مكان مفتوح، خاصة أن المدرب قد وعد فى الجلسة بإعطاء إرشادات تساعد الحاضرين فى ممارسة التأمل بشكل حر.
فى الجزء الأول من الجلسة، يؤهل المدرب الحاضرين بطلب الجلوس فى جلسة مريحة، حيث يحركون أصابعهم بشكل دائرى وهم مغمضو الأعين، يستمعون إلى الموسيقى ويميلون رءوسهم فى حركات دائرية لمدة ربع ساعة. بعدها يطمئن المدرب على الجميع، ثم يبدأ الجزء الثانى مع مقطوعة موسيقية ذات طابع صوفى، مطالبا إياهم بإطلاق خيالهم لصنع تصورات عن الموسيقى وإبداع مشاهد أثناء تأملهم الصامت. بعد انتهاء الموسيقى يسأل المدرب عن المشاهد التى تخيلوها، ثم ينتقل الجميع إلى الجزء الثالث مع إنشاد دينى للشيخ نصر الدين طوبار، وفى جلسات أخرى تقوم هذه الجلسة على إبداع الحاضرين فى الرسم أو العزف الموسيقى، والهدف من هذا الجزء هو التأمل الحر والتخلى عن الأفكار التى ينشغل بها العقل الواعى.
كانت ممارسة التأمل أحد الموضوعات التى اهتمت بها الدراسات الطبية فى عدد من الجامعات العالمية، منها ما نشرته مجلة الجمعية الأمريكية لأطباء القلب، إذ توصلت دراسة تعود إلى العام 2012 إلى أن ممارسة التأمل تقلل من احتمالات الوفاة بالسكتة القلبية بنسبة 48% مقارنة بالذين لا يمارسون التأمل. بينما قالت دراسة حديثة صادرة عن جامعة بليموث البريطانية أن ممارسة التأمل يمكنها أن تكون بديلا عن العقاقير الكيميائية المضادة للاكتئاب.
«زيادة القدرة على التركيز هى الهدف الرئيسى من جلسة التأمل، وما نقدمه هنا هو مستوى للمبتدئين، فهناك مستويات أعلى فى جلسات التأمل تقام فى أماكن مفتوحة، كالتى أقمناها فى حديقة الأزهر أخيرا». يوضح المدرب مصطفى جاد أن الهدف الرئيسى من هذا النشاط أن يبتعد المشارك عن ضغوط الحياة والقلق والتوتر.
تنتهى الجلسة بعد أقل من ساعة، بسؤال من المدرب إلى الحاضرين عن تأثير التجربة عليهم، بينما يتوجه الجميع بعد الإجابة إلى الخارج، حيث يواجهون حياتهم بذهن أهدأ.
حين بدأت يمنى محمد الفتاة العشرينية ممارسة تمارين «الزومبا» قبل سنتين، كانت تمر بحالة من السخط بسبب ضغوط الحياة والضيق من دراستها لطب الأسنان، ورغم ممارستها الرياضة فى سنوات سابقة، فإنها اختارت قبل سنتين أن تحضر دروس الزومبا، على أمل أن يعدل ذلك من مزاجها.
«أستطيع القول بأن حياتى قد تغيرت بعد الانتظام فى هذه التمارين، فهى تستهلك الطاقة السلبية التى نتحرك معها على مدى اليوم، وأصبح اليوم الذى أبتعد فيه عن التمرين يوما ناقصا». تتحدث يمنى محمد عن تجربتها التى أثرت فى مجرى حياتها إلى حد كبير.
«الزومبا» برنامج لرفع مستوى اللياقة البدنية، تأسس على يد مدرب كولومبى اسمه بيتو بيريز فى التسعينيات، قائم على مزج الرقص اللاتينى مع حركات الأيروبكس الرياضية، وانتشرت الزومبا بين أكثر من 180 دولة، ويمارسها 15 مليون شخص، وذلك حسب موقع zumba.com، الذى يقدم معلومات عن هذا النشاط، ويسجل المدربين المعتمدين حول العالم.
كما تشير نتائج دراسات منشورة إلى تأثير الزومبا على تنظيم ضربات القلب ومقاومة الاكتئاب وحرق السعرات الحرارية.
أما الطبيبة الشابة يمنى محمد فقد اتخذت قرارا بعد سنة قضتها مع تمارين الزومبا، وحولت إحساسها بالنشاط إلى طاقة دفعتها إلى أن تصبح مدربة معتمدة فى هذا المجال، وأصبح ذلك عملاً إضافياً لا يبعدها عن تخصصها الأصلى فى طب الأسنان.
فى داخل صالات التدريب تبرز ظاهرة تمثيل الفتيات بنسبة أكبر عن الشباب، وهو ما تعلق عليه سالى سلامة المدربة المعتمدة قائلة: «ازدياد اقبال الفتيات عن الرجال هى ظاهرة عالمية، كذلك فإن طبيعة المجتمع تفصل أحيانا بين الرجال والنساء أثناء ممارسة هذه التمرينات». وتوضح المدربة التى تصدرت بعض الفعاليات أخيرا أنها وجدت حين بدأت التدريب فى العام 2007 أن ممارسة هذه التمارين مقتصرة على ثلاثة مراكز رياضية، بينما تلاحظ الآن أن عدد المتقدمين للحصول على تدريب معتمد فى هذا المجال يزيد على 200 متقدم كل شهرين.
خرجت ممارسة تمارين الزومبا أخيرا إلى مساحات أخرى فى الأماكن المفتوحة ضمن فعاليات عامة، مثل استغلالها فى حملة ضد التحرش قبل عام، ورعاية المؤسسة المصرية لمكافحة سرطان الثدى لفعالية أخيرا استغلت الأجواء المرحة للزومبا فى التعبير عن دعم مرضى السرطان. وحسبما تشرح سالى سلامة فإن ممارسة هذا النشاط يزيد من وعى الفرد بجسده، وإحساسه بالقدرة على التحكم، ما يزيد الثقة بالنفس.
وفى الوقت الذى يتكلف فيه الفرد ما يوازى 300 دولار كى يصبح مدربا معتمدا لتمارين الزومبا، فإن العاملين فى هذا المجال ينفون أن يكون هذا النشاط مقتصرا على فئة ميسورى الحال، إذ تقول سالى سلامة إن إحدى الفعاليات لم تكلف الفرد أكثر من 50 جنيها، وأن تلك التمارين قد أصبحت جزءا أساسيا فى العديد من الصالات الرياضية، كما أن هناك مدربين معتمدين خارج القاهرة.
أما الطبيبة الشابة يمنى محمد التى احترفت التدريب على الزومبا قبل سنة، فترى أن أجواء النشاط والمرح والحرية المرتبطة بهذه التمارين، لابد أن يصاحبها مدرب ذو مزاج منفتح، لا تفارقه الابتسامة طول الوقت، لديه اهتمام بالمتدربين، حتى إن اقتصر هدف بعضهم على التخسيس.

Thursday, July 24, 2014

«الدراجة الأحادية» تتجول فى شوارع القاهرة

إذا مر جوارك رجل يتحرك بسرعة منتظمة، كأنه فوق بساط سحرى ينقله من مكان إلى آخر، فهذا الرجل ليس سوى أحمد صلاح فوق دراجته ذات العجلة الواحدة، يمر بها بين شوارع القاهرة.
«رأيت هذه الدراجة للمرة الأولى فى بريطانيا حين كنت مقيما هناك، وقررت قبل شهرين فقط أن أشتريها من الخارج، وأقضى بها مشاويرى فى حى مدينة نصر حيث أسكن».
يتحدث أحمد صلاح، مدير شركة للأجهزة الطبية، عن «الدراجة الأحادية الكهربائية electric unicycle» التى يتنقل بها فى شوارع القاهرة، حيث لا تتجاوز سرعتها 20 كيلومترا فى الساعة، ويقدر سعرها مستوردة من الخارج ما يوازى 6000 إلى 11000 جنيه مصرى.
فى ذلك اليوم كان أحمد صلاح يتنقل من المهندسين إلى غمرة، حيث ترك سيارته هناك، وأثناء حركته تلقى تعليقات طريفة مثل: «برنس والله» أو «عملتها إزاى دى؟». فيكتفى بأن يوجه إليهم ابتسامة، ثم يكمل طريقه. ويؤكد أحمد صلاح أن استخدام تلك العجلة ليس بالصعوبة التى تبدو عليها، إذ يتم ضبط توازنها بتحريك الجسم إلى الأمام أو الخلف، لكن المشكلة التى تواجهه هى مطبات الطريق، أما فى الخارج فهناك ممر مخصص للدراجات، يعطى الراكب مزيدا من الأمان فى استخدامها.

Saturday, March 23, 2013

باحثون من أجل الخبز

كتب - عبدالرحمن مصطفى
في معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية بالجيزة ، يتحول رغيف الخبز إلى مجرد "عينة" تتم دراستها تحت المجهر من أجل جودة أفضل، وتتوزع المهام بين عشرات الباحثين والمهندسين والخبراء من أجل تحقيق هذا الهدف، لذا هم الأقرب إلى تفاصيل انتاج الخبز عن صانعيه و آكليه . توجز الدكتورة بثينة عبد اللطيف- مدير قسم بحوث الخبز والعجائن في المعهد- مشكلات رغيف الخبز في قولها: "يمكن تلخيص عيوب الخبز المصري في نقاط محددة، مثل عدم تخمير العجين بشكل جيد، وعدم فرد الرغيف بشكل صحيح، ومشاكل أخرى فنية ذات صلة بطريقة عمل الأفران .. هي في النهاية مشكلة ضمير بعض الخبازين، تجعلنا نرى أرغفة عجيبة الشكل، ذات جودة رديئة ". كان الخبز هو محور إنشاء معهد تكنولوجيا الأغذية، حين بدأ الأمر في العام 1983 كوحدة تجريبية للمخبز التجريبي، ثم تحول إلى المعمل المركزي للصناعات الزراعية عام 1989، ومع انشاء المعهد بشكل مؤسسي في العام 1991 ، أصبح هناك قسم مخصص تحت اسم " قسم بحوث الخبز والعجائن ".
تتراكم الأبحاث التي أنتجت في السنوات العشر الماضية لتتجاوز 160 بحثا في هذا المجال، فهل أسهمت نتائجها في تطوير حالة الخبز المصري ؟ ترى الدكتورة بثينة عبداللطيف أن أهم انجازات الفترة الماضية كان في انتاج خبز من خليط دقيق الذرة بالقمح، ما يمكننا من تقليل استهلاك كميات القمح المستوردة، غير أن هذه التجربة نفسها لم يتم تعميمها، نتيجة انتقادات لها، وظهور نتائج بحثية من جهات أخرى ترفض الفكرة، إذ ترى تلك النتائج أن خلط دقيق الذرة بالقمح أدى إلى تدني جودة الخبز وشكاوى المستهلكين. و ترد الدكتورة بثينة مدافعة عن نتائج أبحاث المركز قائلة: "المشكلة أن هناك حالة فشل في كثير من أجهزة الدولة، على سبيل المثال، إذا أردنا تطبيق تجربة خلط دقيق الذرة بالقمح فهناك أساليب لضمان الجودة، على رأسها استيراد نوعية جيدة من القمح، بدلا من النوعيات الرديئة التي يتم استيرادها ، كذلك فقد لوحظ أن عملية طحن الذرة قد جرت في المطاحن بشكل سيء، وهو ما يترتب عليه اختلاف حجم حبيبات الذرة عن حبيبات القمح، فيصبح لدينا خبزا رديئا .. لكننا ما زلنا في بداية التجربة". بعيدا عن نتائج الأبحاث وإحباطاتها يعمل المركز في مجالات أخرى ذات صلة بالخبز، على رأسها تدريب العاملين في قطاع المخابز على أمل إنتاج أفضل، إذ يشارك الباحث مع الفني في عملية الخبز داخل ورشة تدريبية أمام المتدربين حتى يصل معهم إلى أفضل طريقة للإنتاج، "مع ارتفاع تكلفة الأيدي العاملة في المخابز، أصبح بعض أصحاب المخابز لا يهتمون بعملية الخبز لحساب سرعة الانتاج، وينصاع الخبازين لهذا الاتجاه ، ما يؤثر على الجودة". ما زالت هناك نتائج أبحاث تسعى إلى الحصول على استخلاصات عالية من القمح بنسبة 93% بدلا من 87% وهو ما يفيد في الاستفادة من القمح بأكبر قدر ممكن، غير أن ذلك ما زال يواجه عقبات أخرى تشرحها الدكتورة بثينة عبد اللطيف مدير قسم بحوث الخبز والعجائن بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية: "نحن مجرد جهة بحثية، نرسل نتائج الأبحاث للجهات المختصة، لكن ما زال هناك قيادات في تلك الجهات تبسط نفوذها التقليدي ، ما يعيق تحقيق أهداف أبحاثنا".

Thursday, January 31, 2013

الأرزاق على الله

عبدالرحمن مصطفى
 تتشابه صناديق ماسحي الأحذية على أرصفة شوارع القاهرة، نفس الشكل التقليدي، ونفس أدوات العمل من طلاء وورنيش للتلميع، تخفي الصناديق داخلها العديد من أسرار أصحابها. في أعلى كل صندوق مسند صغير يستقبل أقدام الزبائن، ليبقى الحذاء منتصباً في وجه ماسح الأحذية مقابل جنيه إلى جنيهين، حسب كرم الزبون.
قبل أكثر من تسعين عاماً قام فنان الشعب سيد درويش بتلحين كلمات ساخرة في أغنية «البويجية» عن الخواجة اليوناني الذي اضطرته الأيام إلى مسح الأحذية في فترة ما بعد ثورة 1919 نتيجة سوء الأحوال الاقتصادية، وتقول الكلمات: «مخسوبكو انداس، صَبَّحْ محتاس، مسختوا بابوتسي ياناس، مفيس فلوس، بقيتو منخوس، فقرتو خلاص».. نفس تلك الحالة الاقتصادية المتردية الآن بعد الثورة المصرية رمت بعم أحمد خلف صندوق الورنيش جوار محطة القطار الرئيسية في ميدان رمسيس، يرفض الحديث عن الأسباب الشخصية التي حولته إلى ماسح للأحذية. يتحدث بنبرة متعلمة قائلاً : «كل منا هنا خلف صندوقه، ولا تحدث خلافات إلا في أضيق الحدود.. وإن حدثت فما الغريب في ذلك!؟ حتى بين الأطباء وأرقى المهن تحدث المشاكل..». يبتسم مخفياً قصته خلف صندوق تلميع الأحذية، وفي خلفيته شارع «كلوت بك» حيث يجلس الحاج محمد إمام الذي يعرفه أغلب ماسحي الأحذية في هذه الناحية. «تبدأ أسعار الصناديق من 20 جنيهاً وتنتهى بـ 60 جنيهاً.. الموضوع غير مكلف». في المخزن المجاور للحاج محمد عدد من الصناديق الخشبية، وعلى كل واحد منهم سعره، أما أغلاها فهو المطلي بطبقة لامعة تعطي مظهراً بهياً لحامله. «أنا مجرد وسيط بين صانعي الصناديق والزبائن، يمدني بها ماسح أحذية قديم يعمل الآن في وظيفة حكومية، لكن ذلك لم يمنعه من أن يقضي وقتاً إضافياً في صناعة هذه الصناديق، كي يزيد من دخله». يصف الحاج محمد زبائنه بأن أغلبهم ينتمي إلى محافظات الصعيد، جاؤوا طامحين إلى الاستقرار في القاهرة، على أن تكون البداية بصندوق الورنيش.
 في داخل الصندوق أماكن لزجاجات الطلاء التي لا يزيد سعر الواحدة منها على جنيه واحد، وعلب ورنيش لا يتجاوز سعرها الأربعة جنيهات، ويقتصر دور الحاج محمد هنا على بيع الصناديق لزبائن بسطاء كوكيل عن الصانع الأصلي، دون أن يكون شريكاً حقيقياً في الصفقة البسيطة، وهي مهمة تختلف عن محلات أخرى تبيع صناديق الورنيش على هامش تجارتها في بيع مستلزمات الأحذية.
 يفصل شارع باب البحر بين مخزن الحاج محمد وتلك المتاجر في ميدان باب الشعرية. وفي عمارة زوزو الشهيرة هناك تتجاور محلات بيع مستلزمات الأحذية والمنتجات الجلدية.. يجلس عرفة عبادة أمام المحل، ساندا ذراعه على كومة من الأكياس، تعلوها صناديق ورنيش خشبية، وينقل جلسته إلى المقهى المقابل ثم يبدأ في الحديث: «قبل حوالي 20 سنة، كانت محلات تصليح الأحذية تبيع صناديق الورنيش، لكن مع مرور الوقت، زهدوا في بيعها وتركوا المهمة لنجارين يأتون على فترات متباعدة، أما أنا فأشتري منهم حسب الحاجة».
 في المناطق القريبة من قلب القاهرة مثل العتبة و«وسط البلد» انتشرت في الماضي محلات متخصصة في تصليح وتلميع الأحذية، في تلك المحلات المندثرة كان المشهد مطابقاً للاستعراض الغنائي الشهير الذي أداه الفنان الأميركي فريد إستير في فيلم «عربة الفرقة الموسيقية – إنتاج 1953»، حيث كرسي عال في أسفله موضع قدمين، يسهلان مهمة ماسح الأحذية في عمله، لكن تلك المشاهد اختفت من شوارع القاهرة، وبقيت الصناديق المتجولة مع ماسحي الأحذية.
مازال «عرفة عبادة» يتذكر في جلسته قرب ميدان باب الشعرية، ذلك الشاب العشريني الذي اشترى منه صندوقاً للعمل والهروب من البطالة، يصف ذلك قائلاً: «كان مملوءاً بالخجل والتردد، لم يعرف إلى أين يذهب بعدَّته الجديدة، فأشرت عليه أن يتجه إلى محطات مترو الأنفاق، لكنه عاد بعد ساعتين فقط، كي يعيد الصندوق، ويسترد أمواله».
 كثيرون من ماسحي الأحذية المنتشرين في المسافة بين باب الشعرية حتى منطقة «وسط البلد» القاهرية يدركون هدفهم بالضبط، فهم إما متخفين وراء مهنة تجلب لهم الستر، أو يرون في صندوق الورنيش مجرد عتبة سلم إلى مهنة أخرى، وهو ما سَجَّله عدد من ماسحي الأحذية الوافدين من خارج القاهرة.
في إحدى المجموعات التي انتشرت قرب ميدان رمسيس ذكروا ملمحاً عن حياتهم، إذ تجمعهم غرفة واحدة في حي «الدويقة» ذي الطابع العشوائي تكلفهم 50 جنيهاً في الشهر، بينما قد يتراوح أجر ماسح الأحذية بين 30 وأربعين جنيهاً في اليوم الواحد، وفي أيام أخرى قد لا يحقق ماسح الأحذية خمسة جنيهات على حد قولهم.
 في منطقة «وسط البلد» حيث العديد من المقاهي الشهيرة بالقاهرة، كانت علاقة «همام أحمد» المنتمي إلى محافظة سوهاج واضحة بصندوق الورنيش، بدأ الشاب الذي لم يتجاوز الثامنة عشر سنة قبل أسابيع الطواف في المنطقة من ميدان الإسعاف حتى ميدان باب اللوق، لا يدعمه أحد، وجاءه خاله بالصندوق، على أمل أن يكرر تجربته، إذ يعمل خاله الآن بائعاً متجولاً يبيع الفواكه في حي العمرانية، بعد سنوات من مسح الأحذية. لا يصدق «همام» أن ماسحاً للأحذية نجح في الوصول إلى رئاسة الجمهورية في إحدى الدول النامية كالبرازيل مثل لولا داسيلفا الذي انتخب دورتين متتاليتين، يكتفي بجملة مقتضبة: «الكلام ده ماينفعش عندنا». ولم يكن دا سيلفا الوحيد الذي جلس أمام صندوق خشبي لتلميع الأحذية حتى أصبح من مشاهير العالم، آخرون فعلوا ذلك قبله مثل المغني الأميركي الراحل جيمس براون، والزعيم الأميركي الأسود مالكولم إكس.
 هنا في عالم «وسط البلد» أخرج الكاتب علاء الأسواني نموذجاً لشخصية درامية هي «الحاج عزام» ماسح الأحذية الذي تطورت حياته مع تجارة المخدرات إلى أن وصل إلى البرلمان، واستخدم الأسواني تلك الشخصية في رواية «عمارة يعقوبيان» التي تدور أحداثها في وسط البلد. وفي محيط تلك المنطقة على بعد أمتار من المقهى الذي كان يدير فيه الأسواني صالونه قبل سنوات، يمر أحمد شعيب السبعيني حاملاً صندوق تلميع الأحذية، بعيداً عن عالم الرواية وعن التحولات المفاجئة للبسطاء التي لا تحدث إلا نادراً. اختار الصندوق صديقاً يؤنسه في عامه الثالث والسبعين، يقضي وقته في العمل وقتل الفراغ.
 «كل ما علي هو أن أعمل، وربما يهديني الله برزق من حيث لا أحتسب!». يكمل حديثه مستعرضاً موقفان تعرَّض لهما حين جلس يلمِّع حذاء أحد الزبائن، وتلقى أجرته العادية، وفوقها ورقة بمئتي جنيه، ليتحول صندوق الورنيش إلى فرصة لرزق غير متوقع. هذا التطور الأخير لحياة أحمد شعيب أحد قدامى ماسحي الأحذية في منطقة «وسط البلد» يشبه التطور الأخير للحالة الاقتصادية في مصر، إذ بدأ العمل في مجال تصنيع الأحذية قبل ستين عاماً هنا في السوق القديم في باب اللوق، كما عمل في مصانع مجاورة كانت تصدر إنتاجها إلى الاتحاد السوفيتي في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وقبل 15 سنة فقط صنع صندوقه بنفسه، وظل ملاصقاً له كبديل عن الجلوس بالمنزل دون عمل. «أسمع على المقاهي أحاديث في السياسة، وتذكر أمامي أسماء : خيرت الشاطر، وحمدين صباحي، وغيرهما، فلا أشاركهم في الكلام». ينهي حديثه أمام مقهى الحرية في ميدان باب اللوق منطلقاً بصندوقه على أمل أن تهديه الأيام مبلغاً مجزياً يعوضه عن أيام أخرى يطوف فيها، ولا يجد زبائنه.

Thursday, January 24, 2013

عين صوفية و عين سلفية على المناسبات الدينية

سؤال المولد: كيف نحتفل بذكرى الحبيب ؟
كتب – عبدالرحمن مصطفى
يقدم الشاعر والباحث سيد سليم نفسه قائلا: "أنا خدّام آل البيت"، ثم يستكمل وصف عالمه الصغير في قرية عرب مطير بمحافظة أسيوط أثناء المولد النبوي من كل عام، بين الذكر الصوفي، والدروس الدينية، وتبادل "الواجب العائلي" بين أهالي القرية. يستكمل قائلا: " ما أراه الآن بحكم انتمائي الصوفي أن هناك حالة استبعاد لآل البيت، و رفض إحياء ذكراهم وعلى رأس ذلك إحياء ذكرى الرسول، وربط كل ذلك بالشيعة..  على السلفيين ألا يقفوا ضد الفرحة التي نبحث عنها في هذه المناسبات ".
في عدد من المواقع السلفية فتاوى تدين الاحتفال بالمولد النبوي وتصفه بأنه "بدعة"، وتظهر تلك الفتاوى تحت أسماء قيادات سلفية حالية، كما تزداد حدة الاشتباك بين التيارات السلفية و المتصوفة حين ينتقل الحديث من إحياء ذكرى الرسول إلى إحياء ذكرى آل البيت. أما من اختاروا أن يكون عنوان حياتهم هو "محبة آل البيت"، فالأمر أقرب إلى نمط حياة يومي، و يلخص الباحث الإسلامي سيد سليم حياة محبي آل البيت في مراحل: أولها السعي إلى تحصيل العلم و مطالعة سيرة علماء آل البيت ، فتتحرك عاطفة المحب نحوهم، ما يجعله يجتهد في إحياء ذكراهم بين الناس. وما يزيد من مكانة بعض الشخصيات عند المتصوفة هو أن يجمعوا بين النسب الشريف و تحصيل العلم وهو ما يتمثل في نماذج قديمة من أئمة آل البيت ينتمون إلى نسل الرسول، ونماذج آخري معاصرة مثل الشيخ صالح الجعفري، والشيخ محمد متولي الشعراوي، لذا يتم تبجيلهم حتى اليوم في ذكرى مولدهم بسرادقات وفعاليات سنوية.  يستكمل سيد سليم قائلا: "في العام الماضي أجاز أحد شيوخ السلفية إحياء ذكرى ثورة 25 يناير، على اعتبار أنه يوم يشبه انتصار موقعة بدر، فكيف يجيز ذلك ولا يزكي الاحتفال بذكرى الرسول الحبيب وآل بيته الكرام ؟". كان الشيخ السلفي عبد الرحمن عبد الخالق هو من أصدر هذا الرأي قبل عام في ذكرى الثورة.
أما داخل مجالس العلم و قنوات التلفزيون ومواقع الانترنت التي تنتهج الفكر السلفي، فيقل الحديث عن إحياء ذكرى المولد النبوي، واقتفاء أثر آل البيت، و يرتبط ذلك بتحذيرات من الشيعة والتشيع. قبل أيام ذكر أحد المواقع تصريحا على لسان القيادي الشاب أحمد مولانا، عضو الجبهة السلفية عن أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة شيعية، لكنه ينفي ذلك التصريح قائلا : "بعض المنابر الإعلامية تتعامل مع السلفيين على أنهم معادون لآل البيت ولا يقبلون عادات الآخرين ، هذا التصريح لم أقله، بل وأتحدى أن يأت أحد برأي لشيخ سلفي يقلل من شأن آل البيت". يعيد المؤرخ المقريزي تاريخ الاحتفال بذكرى المولد النبوي إلى الدولة الفاطمية، وهي المعلومة التي تقدمها الأدبيات السلفية كدليل على أن هذه المناسبة ذات نشأة شيعية فاطمية، بما يتبعها من مظاهر، يعلق أحمد مولانا قائلا: "نعم .. هناك تقصير في الحديث عن آل البيت وفضائلهم داخل الأوساط السلفية، وربما بالفعل هناك من يحفظ سيرة أئمة السلفية عن سير آل البيت، لكن هذا ليس عداء، إنما يكون العداء لما يصاحب هذه المناسبات من تجاوزات ، فإحياء الذكرى ليس بالغناء أو حتى بالحضرة في الموالد، نحن نتبع ما قاله الشرع".
تأتي ذكرى مولد الرسول كغيرها من المناسبات، حين يكتفي الشيخ السلفي بكلمة في مسجد، أو بإشارة في خطبة الجمعة، "الأمر له علاقة بتجسيد أفعال الرسول في الواقع، وليس العيش في عالم الاحتفالات والوهم ". حسبما يذكر أحمد مولانا القيادي السلفي.
كانت دار الإفتاء المصرية قد أعلنت في فتوى لها أن الاحتفال بذكرى مولد الرسول الكريم هو : "من أقرب القربات وأفضل الأعمال" ، وأن الحكم في الاحتفال بموالد آل البيت وأولياء الله الصالحين وإحياء ذكراهم هو : "أمر مرغـَّب فيه شرعا". هل تتغير تلك القواعد إذا ما ازداد عدد أبناء التيار السلفي في البرلمان القادم، فتواجه تلك الاحتفالات بتشريعات تحد منها؟ يجيب أحمد مولانا المتحدث الرسمي باسم حزب الشعب ، التابع للجبهة السلفية، قائلا: "دعنا نتذكر قبل 100 سنة حين كانت تلك الاحتفالات بما يصاحبها من مخالفات شرعية هي السائدة، لقد تغير الوضع الآن بفضل التعليم، وازدياد الوعي الديني، وحتى إذا ما ازداد وجود السلفيين في البرلمان أو السلطة، فإن مثل هذه الاحتفالات التي لا نؤيدها ستواجه بالعلم الشرعي، فليست مهمتنا مطاردة الناس داخل المساجد، والتضييق عليهم".

Saturday, August 11, 2012

الإتيكيت الإسلامى.. فن الذوق وإرضاء الرب

حين ألقت المهندسة إيمان مجدى أول ورشة تدريبية لها قبل عامين، اختارت أن يكون موضوعها عن «الاتيكيت الإسلامى»، وهى تصف ذلك قائلة : «كانت تشغلنى الاتهامات الموجهة إلى الملتزمين دينيا، عن أن بعضهم يفتقد اللباقة واللياقة، فاستخدمت ما لدى من خبرة فى العلوم الشرعية، ووجدت ضالتى فى أن أقدم تدريبا عن فن الذوق والإتيكيت حسب تعاليم الإسلام، فى شكل تدريب دون وعظ». تعمل إيمان مجدى مهندسة معمارية منذ سنوات، وقبل عامين، بدأت العمل مع فريق (أنوار رسالة-المهندسين)، وهو فريق ذو صلة بجمعية رسالة الخيرية، وهدفه تقديم ورش تدريبية للشباب من الجنسين فى مجالات متعددة. وترى إيمان مجدى أن «الإتيكيت ليس بعيدا عن الدين، فكثيرا من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية توضح كيفية التعامل فى كل الحركات والسكنات». بعض هذه النصوص استخدمتها فى ورشتها التدريبية عن الإتيكيت الإسلامى، منها نصوص تتعرض تفصيلا لضوابط الأكل والشرب والضيافة وغيرها من الممارسات اليومية، وتضرب مثالا بكتاب «الأدب المفرد» الذى جمع فيه الإمام البخارى ما يخص الآداب الإسلامية من أحاديث نبوية تشكل نمط حياة الفرد المؤمن، كدليل على اهتمام علماء المسلمين قديما بهذا المجال.
خاضت إيمان مجدى تجربة الدعوة الدينية، والتدريس فى المساجد، حتى انضمت قبل عامين، إلى فريق أنوار رسالة، الذى ساعدها على أن تحصل على دورة تدريبية فى كيفية إعداد المدربين (TOT)، قبل أن تبدأ خطوتها الأولى. وبعيدا عن تجربتها فقد أصبح «الإتيكيت الإسلامى» ضيفا على مراكز تدريبية أخرى تقدمه فى شكل ورش تدريبية، خاصة مع الطلبة الصغار الذين لا يتوافر لديهم التعرف الكافى على الدين الإسلامى، بسبب نمط دراستهم فى مدارس دولية. ورغم ارتباط كلمتى الإتيكيت والبروتوكول فى الأذهان بعالم كبار الساسة والدبلوماسيين، إلا أن هناك تعريفات أكثر شمولا من ذلك.. «نستطيع أن نوجز الإتيكيت فى أنه علاقة الإنسان بنفسه عن طريق حركات الجسد، أما البروتوكول فهو علاقة الإنسان بالآخرين .. وهنا يجب التأكيد أن الإتيكيت علم سلوكى وليس كما يتصور البعض مجرد عرض طرق الأكل بالشوكة والسكين»، هذا التعريف يقدمه الدكتور رفعت الضبع، أستاذ الإعلام وخبير البروتوكول الدولى، الذى أمضى قرابة 20 سنة فى تدريب قيادات بأجهزة الدولة المختلفة على البروتوكول، وكذلك فى تدريب البعثات الدبلوماسية المقيمة فى مصر على البروتوكول والإتيكيت فى البلدان العربية، ومؤخرا اتجه اهتمامه إلى دراسة العلاقة بين الدين والإتيكيت وأصدر كتابا بعنوان «الإتيكيت وفقا للأديان السماوية»، ويشرح سبب ذلك: «كنت أبحث عن أصل تلك القواعد والضوابط التى تلجأ إليها الشعوب فى مواقف معينة، وكان الدين هو أهم تلك المصادر، أما الأهم فهو أن اتباع هذا الإتيكيت وما تمليه القواعد الدينية، يرفع معنويات الإنسان المؤمن ويرضيه عن علاقته بربه، وعن نفسى أطمح أن يؤثر هذا الاتجاه فى مجتمعنا الذى أصبح يفتقد فن الذوق وتطبيق ما جاءت به الأديان من سلوكيات حميدة». يرفض الدكتور رفعت الضبع ممارسة التدريب على الإتيكيت إلا بواسطة خبراء، واضعا شروطا صارمة فى هذا المجال، منها: «العمل فى التخصص أكثر من 20 سنة أو الدراسة الأكاديمية بكليات متخصصة وأغلبها فى خارج الوطن العربى». كذلك يتحفظ الدكتور رفعت الضبع على أن يكون المدرب حاصلا فقط على دورة إعداد مدربين حتى يدرب على الإتيكيت قائلا: «بعد 20 سنة من التدريب، ما زلت أحضر الورش التدريبية فى الخارج كمتدرب، كى أستفيد من كل جديد». وعلى الجانب الآخر تسعى إيمان مجدى وغيرها من المدربين إلى نشر هدفهم وهذا النوع من المعرفة عبر ما يقدمونه من ورش على أمل التغيير فى المجتمع. كيف تنتشر المعرفة حول الاتيكيت الإسلامى ؟ هل نموذج المدربين مثل إيمان مجدى وفريق «أنوار رسالة» هو الحل ؟ تعلق إيمان قائلة : «أعد الآن مع فريق (أنوار رسالة) لمشروع بعنوان (سبيلى)، هدفه إعداد دعاة ومدرسين على العديد من المهارات، وفى هذه الحالة ستكون ورشة مثل الاتيكيت الإسلامى التى تعيد كل تحركاتنا إلى أصل دينى أمر يمكن أن يستخدمه الداعية الشاب فى عمله، وكذلك المعلمين فى مدارسهم، والأهم هو طريقة تدريبهم التى تختلف عن التلقين التقليدى، على أمل أن نسهم فى تطوير الخطاب الدينى فى المجتمع».
يعمل فريق «أنوار رسالة» فى منظومة أكبر تضم ورشا تدريبية أخرى مهتمة بالأخلاق، حسبما تشرح ماهيتاب محمد مسئولة الورش التدريبية، قائلة: «هناك على سبيل المثال مشروع ثورة الأخلاق الذى بدأناه قبل 3 سنوات، وساهم فيه الشباب المتطوع بالتوعية عن أهمية الالتزام الأخلاقى فى المعاملات داخل مواقف الميكروباصات، وكانت هناك حملة فى بداية الثورة هدفها الحفاظ على أخلاقيات ميدان التحرير». أما الدكتور رفعت الضبع فيرى أن نشر الاتيكيت بين المواطنين، يجب أن يتم عن طريق الكتب والتوعية الإعلامية، وكذلك أن تعد الدولة كوادر فى وزارات الأوقاف والتعليم لنقل تلك المعرفة إلى المواطنين، بل ويجب تدريس الاتيكيت الإسلامى للطلبة فى المدارس، يكمل: «من ضمن ما أطمح إليه أن أنجح فى تأسيس شعبة لدراسة الاتيكيت والبروتوكول فى إحدى الجامعات الخاصة، لأننا فى حاجة إلى متخصصين، خاصة أن الجامعات فى الخارج هى من يحتكر هذا النوع من العلوم».

Sunday, July 8, 2012

الزعماء في مرآة الانترنت

كتب – عبدالرحمن مصطفى

"من "البوب " الي شباب تويتر و فيس بوك: أزداد شبابًا بكم"، هذه الجملة التي كتبها الدكتور محمد البرادعي على حسابه في موقع تويتر للتدوينات القصيرة "تويتر"، هي التطور الأخير لصورته على الانترنت، وطوال الفترة الماضية أطلق عليه مديرو الصفحات الداعمة له على الانترنت هذا اللقب المتداول بين الشباب، في إشارة إلى زعامته.. ورغم هذه الروح الساخرة إلا أن رصانة البرادعي لم تتلاشى في التدوينات القصيرة التالية، بل لم يعد غريبا على شخصية مثل محمد يسري سلامة أحد مؤسسي حزب الدستور والمستقيل من حزب النور السلفي، أن يكتب هو الأخر على تويتر قبل أيام جملة مثل " بس البوب جامد، هو ريس لوحده كده من غير رئاسة". وبعيدا عن هذه التعبيرات الطريفة التي استخدمها مؤيدو البرادعي فهناك صورة أخرى تتكرر في المجموعات الداعمة له على شبكة فيسبوك الاجتماعية، عن "الزعيم الذي لم تسمع الأمة أراؤه"، ويتكرر ذلك بنقل مساهمات أعضاء هذه الصفحات مثل صفحة "أنا البرادعي" التي نقلت مؤخرا عن أحد أعضائها : البرادعي مش لازم ينزل اعتصام عشان يقول موقفه..الراجل موقفه معلن من بعد الثورة بأيام واظن الأيام أثبتت صحة موقفه..". وإمعانا في التأكيد على ذلك يتبادل مستخدمو الانترنت أقوالا قديمة للبرادعي في مواقف سياسية للتأكيد على نظرته الثاقبة. هذا الاهتمام بتأكيد الأنصار على قوة أراء السياسي الذي يدعمونه يتكررأيضا مع الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل فمن بين عشرات الصفحات الداعمة له على فيسبوك تتفرغ صفحة كاملة لجمع أقوال الشيخ حازم، ويجد الزائر نفس النبرة في ملصقات الكترونية، إحداها يقول: "العسكر ثعالب وذئاب" وأسفلها "ياريتنا سمعنا كلامك". وكذلك يتشابه التعامل مع النبرة الشبابية والشعبية مثلما هو الحال مع البرادعي، إذ لا تستنكر شريحة من أنصار الشيخ حازم استخدام لقب "ولاد أبو اسماعيل" رغم أنه مستعار من فيلم بوحة الشهير. وتعد إحدى أهم الأدوات التي يستخدمها مؤيدو القادة السياسيين لإشاعة فكرة كثرة عددهم، هو نسبهم إلى اسم السياسي، مثل : البرادعوية، حازمون، فاتحون، ما يعطي زخما لهذه الزعامات على الانترنت.
وفي الجهة الأخرى تلعب الصفحات المؤيدة للرئيس المخلوع مبارك نفس اللعبة حين تستعير بعض أقواله وتنشرها في ملصقات الكترونية بين الصفحات المؤيدة له، الا أن الاهتمام الأكبر في مجموعات مثل "انا آسف يا ريس"، "الأغلبية الصامتة" ينصب على نشر الأخبار بصورة أكبر.
PDF


Thursday, October 28, 2010

ملف : موسيقى الشارع


وسط الشوارع أنواع مختلفة من الموسيقى والغناء، بعضها أعلن عن نفسه فى أفراح ومهرجانات شعبية، والبعض الآخر تلاشت نغماته بين الزحام.. حالة خاصة يختلط فيها الإبداع مع الاستعراض والتجريب مع الاحتراف لا تظهر تجلياتها إلا فى الشارع.
كتب - عبدالرحمن مصطفى

تصوير : محمود خالد، هبة خليفة

الأغنية التى يعرضها أحمد سمير على جهاز الكمبيوتر فى غرفته الصغيرة هى نفسها التى قد يسمعها غيره فى التوك توك أو المترو أو مواقع الانترنت، الفارق الوحيد أن أحمد سمير هو أحد صانعى هذه الأغانى التى تحمل تصنيف «مهرجان». والمهرجان فى مفهوم هؤلاء الشباب المنتمين لأحياء شعبية هو: سرادق ومسرح ودى جيه وعدد غفير من الشباب الراقص، سواء كانت المناسبة هى ليلة حنة أم مجرد احتفالية بهدف «الفرحة». يجلس أحمد سمير فى غرفته مع مجموعة من أصدقائه المنخرطين فى عالم المهرجانات الشعبية، لكل واحد منهم اسم شهرة.. أما هو فلقبه «فيفتى يانو »، يدير كليبا يصورهم وهم يرقصون فى آخر مهرجان أحيوه، ويعلق أحد الجالسين قائلا: «المهرجان ده الدنيا ولعت فيه، لحد النهارده الناس فاكرينا هناك». هؤلاء الشباب بمثابة نجوم بالنسبة لمحبى المهرجانات الشعبية وخاصة فى هذه الناحية من حى عين شمس، يعيشون فى مجتمع صغير مهووس بالموسيقى. لأحمد فيفتى يانو وضع خاص بين هذه المجموعة الكبيرة، فهو زعيم فرقة «عفاريت الاستيفا» للرقص فى المهرجانات، أغلب أصدقائه الجالسين حوله كانوا أيضا من الاستيفا، عدا آخرين متصلين بدنيا المهرجانات فى مجالات أخرى.
حسبما أكدوا جميعا فإنهم ليسوا على درجة واحدة من التفرغ، على سبيل المثال فيفتى يانو الذى يلقبه البعض بزعيم الشمساوية (نسبة لحى عين شمس) هو شاب فى الواحدة والعشرين من عمره يتوزع يومه بين ورديات العمل فى المطار، إلى جانب ما يقوم به من رقص وإعداد موسيقى فى بقية اليوم. وهكذا حال كثيرين حوله، يقول معلقا: «الحكاية إنى كنت حابب المزيكا دى قوى، ودربت نفسى عليها لوحدى». يصمت قليلا ثم يكمل شارحا، «هاوريك حاجة كنت عاملها زمان بس ماتضحكش!». يشغل أغنية ألفها قبل أربع سنوات حين بدأت صلته بهذا النوع من الموسيقى، الأغنية كانت بائسة إلى حد كبير وقريبة من إيقاع موسيقى الراب الغربية.. يكمل قائلا: «أنا غير إنى برقص مع الاستيفا، كمان باعمل مزيكا». أذاع أحدث أعماله التى حملت اختلافا كبيرا وحرفية أكبر، وبدأ فى توضيح كيفية استخدام برنامج التوزيع وإضافة الإيقاعات المختلفة لصنع هذا النوع من الموسيقى الذى تنتظره كل المهرجانات. هذا هو التطور النهائى لموسيقى شباب اتصلوا بالموسيقى الغربية دون أن يبتعدوا عن الأغانى الشعبية التقليدية. فقبل أكثر من عشر سنوات بدأ انتشار مهنة الدى جيه D.J فى حفلات ورحلات الشباب، وحتى داخل الجامعة.. استعار الشباب وقتها الفكرة الغربية التى كانت مقتصرة على قاعات الديسكوتيك والحفلات الكبرى، حيث يقف الديه جيه متصدرا الحفل كى يلعب الأغانى التى يحبها الشباب مطلقا عباراته الحماسية لتسخين أجواء الاحتفال والرقص، ومع الوقت بدأ الاعتماد على الدى جيه فى حفلات الأفراح وافتتاح المحال، حيث يقف وسط أجهزته كى يدير الموقف تماما، الآن قررت مجموعة من الشباب تأثروا بالفكرة أن «يمصرونها» مستخدمين أجواء الإبهار نفسها مع وضع لمساتهم الخاصة عبر برامج أصبحت متاحة على الانترنت. تجاوز هؤلاء الشباب الصورة التقليدية لحفل افتتاح محل تجارى يتصدر واجهته بالون ضخم يحمل لافتة «مهرجان»، ونقلوا إلى الشارع موسيقى ورقصا مختلفين، سواء فى ليلة حنة قبل الزفاف أو لمجرد التعبير عن أنفسهم. هكذا حال فيفتى يانو وأصدقائه الذين اعتمدوا على الشارع فى وجودهم، من هناك اتخذوا شرعيتهم ووجدهم، ومن الشارع انتشرت موسيقى المهرجانات.

عيشتى حرام فى حرام
يتدخل بعض الحضور موضحين أن الأمر أكثر تعقيدا فى تقسيم العمل وتوزيع الأدوار، أحمد فيفتى يانو أساس مهامه فى المهرجان هو الرقص إلى جانب ما يقوم به من توزيع موسيقى أحيانا، لكن الأمر بالنسبة لآخرين مختلف تماما حسبما يوضح «محمد بلية» 23 سنة: «أنا فى الأصل ديه جيه .. أذهب للعمل فى حفلات يتعاقد عليها المكتب الذى أعمل لحسابه، أحب الموسيقى وأغنى من صغرى، ومن خلال إمساكى بالميكروفون لتسخين الحفلات، أصبح لدى رغبة فى تسجيل أغنية كاملة على طريقة الراب الشعبى». المهمة التى يقوم بها بلية داخل المهرجان الشعبى فى الشارع اسمها «مايك مان»، إذ يمسك بالميكروفون مطلقا عباراته لتحميس الشباب، فى بداية هذا العام فجر بلية قنبلة المهرجانات.. المعروفة بمهرجان العشرين والأغنية الأشهر «أنا اللى عيشتى حرام فى حرام» التى انتشرت بين كل المهرجانات الشعبية، وداخل عربات التوك توك وفى رنات الموبايل. يقول بلية: «أنا ألفت الكلام وروحت لعمرو حاحا أشهر موزع فى عين شمس وسجلها لي».هذه الأغنية تحديدا تعد نموذجا لأغانى المهرجان أو ما اعتبره البعض فيما بعد «راب شعبى». الأغنية عبارة عن إيقاع متكرر، ويغنى فيها بلية بطريقة أقرب إلى ترديد الجمل. أما المضمون فهو حالة خاصة تعبر عما وصل إليه أهل المهرجانات من حقائق تعبر عن عالمهم.. يقتطع بعض الجمل من أغانٍ شعبية قديمة مثل «أنا اللى عيشتى حرام فى حرام» التى هى فى الأصل أغنية لمطرب شعبى لم ينل نصيبه من الشهرة اسمه سيد إمام، ويضيف جملا أخرى من أغنية كتاب حياتى للمطرب حسن الأسمر، لكن بإيقاع مختلف. وأضاف «بلية» جملا أخرى تذكرك بالعبارات المكتوبة على خلفيات الميكروباص، وعبارات أخرى ساخرة مثل: «العب وريهم.. اصحى وصحيهم، راكب المرجيحة.. عايز اركبها لوحدى».
يتدخل أحمد نجيب الملقب وسط هذه المجموعة بشبح عين شمس. قائلا: « الكلام ده كنا بنقوله عادى فى المهرجانات، ونقول الجمل دى على مزيكا، لكن بعد كده المزيكا أصبحت متسجلة على اسطوانات وتتذاع فى مهرجانات تانية حتى لو صاحبها مش موجود». فى الشارع تعرض هذه الموسيقى جنبا إلى جنب مع الأغانى الشعبية التقليدية، وفى الشارع يرقص عليها من يرقص من الشباب، وسواء سميت الموسيقى «مهرجانا»، أو «فرحة»، لكن الأذن تعى ذلك المزيج الجديد بين الشرقى والغربى، حسب عبارة محمد بلية فقد لقبها ب«الراب الشعبى». وهو ما يجعلها مختلفة إلى حد ما عما يقدمه مغنو الراب المصريون الذين لمع منهم نجوم من نوعية الفنان أحمد مكى أو الفنان أحمد الفيشاوى. ورغم أن غناء الراب المصرى يسبق «الراب الشعبى» بسنوات، لكن ذلك الأخير أصبح أكثر رواجا فى عربات التوك توك والمحال وعلى الانترنت.وأصبحت له أقسام خاصة داخل المنتديات الموسيقية، كما أنه أعاد بهاء مهنة الدى جيه. وكوّن طقوسا خاصة مرتبطة بالمهرجان الشعبى. حسب أغلب العاملين فى هذا المجال فإن رائد هذه الموسيقى هو أحمد فيجو «شبح السلام»، هكذا يردد كثيرون لأنه كان الأكثر انتشارا فى البداية، ووزع العديد من المهرجانات الشهيرة، وتكفى زيارة إلى موقع يوتيوب لرفع لقطات الفيديو التى توضح حالة النجومية التى يعيشها هؤلاء الشباب بوصفهم صانع الفرحة، أسماؤهم تتردد فى كل مهرجان على سبيل التحية، ويتردد اسم «عمرو حاحا» بعد فيجو خاصة فى منطقته بحى عين شمس حيث ينال شهرة كبيرة. العديد من الأسماء تظهر فى أحياء أخرى مثل الزيتون والمطرية والأميرية، ولم تعد المهرجانات حكرا على حى واحد، بل أصبح مؤلفو هذه الموسيقى مطلوين بالاسم، سواء بصفتهم «ديجيهات» أو حتى «مايك مان» يدير المسرح. هذا العالم الذى بدأ يظهر بقوة إلى الأضواء بدأ يرسى قواعد المنافسة، تجلى هذا واضحا فى التوتر الذى شب بين قطبى المهرجانات الشعبية «فيجو وعمرو حاحا»، حين بدأ كل منهما فى تأليف أغانٍ تسخر من الآخر، وفى هذه الأزمة ظهر صوت جديد هو مغنو الراب التقليدى.

راب شعبى
على موقع يوتيوب لتحميل لقطات الفيديو رفع أحد الشباب من مغنى الراب التقليدى ذى الحس الغربى كليبا تحت عنوان «طظ فى دى جى فيجو وحاحا»، وكتب تحتها هذا التعليق: «كل البلد بتعمل مهرجانات وقرف.. وحاجات غريبة وكلام حشاشين وعربجية، بلا نيلة.. والأغنية دى أقل رد»! داخل محتوى الأغنية تتضح وجهة نظر تتعالى على الطبقات الشعبية، لكنها من وجهة نظر أخرى انتقاد «للراب الشعبى» الذى حطم القواعد التقليدية للراب، حيث المضمون الواضح للأغانى والقواعد الموسيقية المعروفة. بعد نشره هذا الكليب تلقى تعليقا يوضح الصراع الثقافى، حين كتب أحدهم: «المهرجانات أرحم من أغانى السيس بتاعتك». تلك النزاعات الثقافية التقليدية بين ما هو غربى وما هو شعبى، حاول البعض معالجتها، على سبيل المثال أفصح فريق مكون من شباب اشتهروا فى حى الأميرية عن وجهة نظرهم فى المسألة داخل مجموعتهم على شبكة فيسبوك الاجتماعية قائلين: «نشأنا فى الأميرية من زمان أوى من صغرنا وإحنا بنحب الراب المصرى الجميل وبنحب نغنى ونفسنا تبقى الناس كلها بتحب الراب المحترم واللى كلامه يتفهم والناس تحس بيه لان الراب ينقل نظرتنا للشارع وليس لغة الشارع». انتهى كلام الفريق الذى يلقب نفسه باسم «فرقة 8%»، ورغم محاولتهم لتقريب بين المذاهب الموسيقية فإنهم فى النهاية محسوبون على دنيا المهرجانات الشعبية.
كل هذه الأجواء يحاول شباب الشمساوية أبناء عين شمس أن يظهروا داخلها بوضع متميز وهو ما يدفع أحمد فيفتى يانو جنرال الشمساوية إلى أن يقول: «احنا هنا كلنا إيد واحدة، وميزتنا إننا بنجامل بعض، وعلى طول مع بعض». يستحسن أصدقاؤه الجالسون من حوله هذه العبارات، ثم يتدخل على وزة الذى يعمل ديه جيه قائلا: «بالمناسبة أغلبنا جامعيون، ولنا حياة أخرى فى المهن التى نعمل بها، بالنسبة لى أنا ومحمد بلية الموضوع مختلف.. لأننا نعمل فى مكتب متعهد حفلات، وعملنا الأساسى هو الحفلات سواء فى شرم الشيخ أو فى أى مكان آخر».يحزن بعض الحضور حين يجد نفسه عرضة للنقد الحاد أو سخرية الآخرين، يتدخل أحمد نجيب شبح عين شمس موضحا: «فى رمضان فوجئنا ببرنامج (ضحكنى شكرا) يتهكم على أغنية (عيشتى حرام فى حرام) وعلى مؤلفيها دون أن يعلم من هم، والغريب أن أحد المهرجانات الذى ألفناه بأنفسنا وجدناه مذاعا على إحدى الفضائيات الشهيرة دون إشارة إلينا بالطبع». ينهى نجيب حديثه منبها الحاضرين فى منزل فيفتى يانو إلى أنهم قد تأخروا على مهرجان ناحية شارع العشرين المجاور فى عين شمس، يعلق أحمد سمير الذى يتحول إلى فيفتى يانو داخل المهرجانات قائلا: «لازم أكون موجود فى كل واجب». وينطلق الجميع بحماس إلى المهرجان.

كان يكفى السؤال عن الدى جى «عمرو حاحا» أو عن «فرقة الاستيفا» للتأكد من أن العنوان سليم.. شباب المنطقة فى هذه الناحية من حى عين شمس يعرفون الكثير من التفاصيل، يجيب أحدهم: «عمرو حاحا فى فرح ناحية شارع أحمد عرابى، مش هتلاقيه هنا، إنما الاستيفا هتلاقيهم فى المهرجان اللى فى آخر الشارع». فى ذلك اليوم كان الاستيفا متألقين فى «مونديال» أو حسب التعبير الشائع فى «مهرجان» وسط الشارع، تظهر جمل على لسان الشاب الممسك بالميكروفون فوق المسرح «فرحة اورتيجا.. صوت مزيكا»، كلما اقتربت من السرادق المنصوب كلما ازداد الصوت صخبا، وتتكرر كلمات غير مفهومة على إيقاع راقص مثل «برولوم» أو «جوجوجوجوجو». المعانى غائبة وغير مطلوبة. فجأة ينشط راقصو «الاستيفا» ويتدخل صاحب الميكروفون على المسرح قائلا: «اللى يحب الاستيفا يدخل جوا». نداءات الدى جيه هدفها أن يتوزع الشباب الراقص بطول السرادق ولا يقفون فقط قرب المسرح، كى يعطوا فرصة للاستيفا.
«على برشلونة» هو أحد أعضاء فرقة الاستيفا الراقصة، يوضح فى البداية سبب التسمية: «الكلمة جاية من حجز الاستيفا اللى فى أقسام الشرطة، كانت الفرقة زمان فيها شباب جامدين، لكن مع الوقت سابوا كل حاجة وضاعوا مننا، لكن دلوقت الفريق اتغير ودخل شباب جديد حالتهم أحسن، ومالهومش فى الشرب ولا المخدرات».
الرقص فى الشارع لا يثير قلق الشباب، حسب كلام محمود عرفة أحد أعضاء الاستيفا فإن مهمتهم هى تسخين أجواء الرقص.. يشرح ذلك قائلا: «لو رأينا أحدهم محبطا أو مكتفيا بالمشاهدة نشاركه ونجذبه كى يرقص معنا». وبعيدا عن تفاصيل العمل فإن الملمح الرئيسى للمكان هو أنه للشباب فقط. بعضهم أدوا رقصا جماعيا على شكل مربعات ثم داروا سويا فى أماكنهم على الإيقاع الراقص، وهناك من اكتفى بالمراقبة أو التصوير. فى هذا الزحام يمر أحد المسنين فيلكزه شاب عن غير عمد، ويبدأ الشباب فى الاعتذار غير المسموع. فى هذه الأجواء يعيش الاستيفا الذين يديرون المهرجان حالة قلق من شكوى الجيران أو أسئلة الشرطة التقليدية. يبدأ المهرجان فى العاشرة وينتهى فى الواحدة صباحا، وأثناء ازدياد الحماس يخلع بعض الشباب ملابسه العلوية ويبدأ فى الرقص.
وسط هذا الزحام من الصعب التركيز على ما يقال فوق المسرح، فليس هناك اهتمام من الديه جيه بالغناء لقضية بعينها، الأهم هو صنع حالة من خلال جمل أقرب للإفيه، وكذلك تكرار التحيات للموزعين الموسيقيين الذين ألفوا الموسيقى المذاعة فوق المسرح، وتتردد أسماء الأحياء المجاورة لعين شمس مثل «المطرية، الأميرية، الزيتون». وقرب انتهاء المهرجان يحاول البعض إعادة وضع الستائر الجانبية الحاجبة التى تغطى المسافة بين السرادق والمسرح، أما فى الداخل فيبدأ بعضهم فى «التشكيل»، أحد هؤلاء كان محمود عرفة الذى تحدث قبل قليل عن دور الاستيفا فى «الفرح»، بدأ هو خطته بافتعال معركة افتراضية راقصة مع زملائه، هدفها لفت انتباه الجمهور الراقص وتحميسه. بعد انتهاء الحفل يأت بعض الجيران كى يسألوا أحمد فيفتى يانو زعيم الاستيفا عن سبب هذا المهرجان. فيشرح لهم أنه كان ليلة حنة وتم إلغاؤها. البعض يصدق والبعض لا يهتم، لكن بعيدا عن هذا المهرجان ففى أوقات أخرى تقام هذه الاحتفاليات الشعبية لمجرد الفرحة.

قد يختلف شحتة كاريكا عن بعض نجوم المهرجانات الشعبية فى أنه توصل لقناعات خاصة تجعله أكثر عملية وواقعية فى التعامل مع عمله، يوضح باختصار: «أنا باقدم شعبى.. مش راب». بهذه العبارة تخلص من عبء اختلاف الجمهور الذى يتبدل مع كل فرح، فقد يتوافر الشباب الذى يجيد الرقص الغربى، وقد لا يتوافر ذلك فى فرح آخر، لذا يعتمد شحتة على نفسه كلية فى إدارة الفرح ويلعب فى المساحة التى لا يختلف عليها أحد وهى الغناء الشعبى. يقف على المسرح وإلى جواره «المايك مان». وخلفهما لاعب الاسطوانات الذى يغير ويضبط الموسيقى، فى تلك الأجواء قليلة الإضاءة يتواصل شحتة مع الدى جيه المرافق له بقلم ليزر كى ينبهه لتغيير الاسطوانات.
فى هذا الفرح بالذات الذى أقيم فى حى المطرية حيث نفوذ منطقة شحتة كاريكا، كانت الأجواء عائلية بدرجة كبيرة، لم يكن هناك شباب يجيدون الرقص على إيقاعات موسيقى الراب الغربية مثلما يحدث عادة مع أغانى المهرجانات، يعلق شحتة: «تغيير الموسيقى يتم بالاتفاق مع الدى جيه المرافق لى، حين تحتاج الأجواء أن ندخل لمسات غربية للشباب الذى يجيد الرقص نفعل هذا، لكن فى الأجواء التقليدية نركز على الشعبى». بعد أكثر من عشر سنوات قضاها شحتة مساعدا للصوت فى كثير من الأماكن خارج القاهرة وداخلها، اعتادت أذناه على أنواع الموسيقى الغربية المختلفة، أما الموسيقى التى يقدمها الآن فهى غناء يجمع بين النداءات والترديد لجمل شهيرة، وأحيانا ما تتقارب الحالة العامة مع موسيقى الزار، رغم ما يغلفها من إيقاعات حديثة. بعض ما يذيعه شحته هنا من تأليفه وتنفيذ موزعين آخرين. على المسرح الوضع مختلف، وحين وجد شحتة الحضور قد بدأوا فى التوقف عن الرقص نزل إليهم مستعينا بميكروفون معلق بالرأس كى يدير السرادق ويتواصل مع الحضور، رغم ما يقوم به شحتة من إدارة كاملة للموقف فإنه يرفض فكرة ربطه «بنوبتجى» الفرح الذى يحيى القادمين بالاسم ويجمع «النقطة»، لكنه يوضح: «أنا دى جيه بعمل مزيكا، والأهم من كده إن البنوبتجى بيتعامل مع النقطة فى الفرح، ودى حاجات مش بنتعامل فيها». كل ما عليه هو أن يأتى بأجهزة الصوت التابعة لمكتب حفلات يتعامل معه، ويقام السرادق، وتبدأ الحفلة بأدائه الذى له جمهوره فى الشوارع أو فى مواقع الانترنت.
حتى اليوم ما زال شحتة يحتفظ فى هاتفه المحمول بلقطات من الفرح الذى أقيم فى إطار برنامج «الفن فى شوارع القاهرة» الذى نظمه المعهد الدنماركى للحوار فى مصر. وفى أثناء غنائه على المسرح ردد عبارات من نوعية «من المطرية.. للعالمية»، ويعلق متذكرا: «أهم ما أبحث عنه فى هذه المهنة هو التقدير، رغم الحروب التى قد يتعرض لها من يعمل فى هذا المجال، بدء من إلغاء الفرح أو الاحتفال، انتهاء بأن يدخل أحد المنافسين بسعر أقل.. لكن فى النهاية دى أرزاق، لكن فى تجربة التعامل مع الأجانب شعرت بتقدير عال لهذه الموسيقى». يحاول شحتة أن يقدم خلطة متكاملة مقدرا كل الأذواق، فى بداية المهرجان أو الفرح يغنى الأغانى التى ارتبطت بموسيقى المهرجانات الشعبية، خصوصا التى ألفها هو أو شارك فيها أحد زملائه، ثم يدع مساحة بعد ذلك كى يتواصل مع الجمهور أسفل المسرح. وهى فرصة يتيحها لأصحاب المزاج التقليدى الذين ما زالوا لم يألفوا أجواء الراب الشعبى ولا موسيقى المهرجانات.
ص2
مهند ناصف وبدوى إبراهيم وبدرى حسين، ثلاثة طلاب فى المرحلة الإعدادية تجمعهم الجيرة كما تجمعهم هواية لا تظهر إلا فى الشارع فقط، وهى الرقص على أنغام موسيقى الراب والهيب هوب الغربية. يقول مهند: «بنييجى هنا كل خميس وجمعة عند مجمع التحرير نتدرب على الرقص». يقول مهند عبارته بحماس رغم تأخر بعض أصدقائه عن موعدهم، تبدأ الأحداث حين يدير أحد الرفاق المصاحبين لهم موسيقى الهيب هوب على الهاتف المحمول، لا يختلف المشهد فى بدايته عن أى تدريب إحماء رياضى آخر، لكن ما يفسر ذلك هو أن مهند بطل الجمهورية فى رياضة الكونغ فو التى يمارسها منذ أن كان فى سن العاشرة، يقول: «أنا باجى هنا مش بس للرقص.. أنا الرقص بالنسبة لى أقرب للرياضة، وبيخلى نفسيتى كويسة». يستطيع المشاهد أن يتفهم عبارة مهند الأخيرة حول علاقة الرياضة بالرقص الذى يؤدونه، فالصورة تبرز ثلاثة شباب صغار يؤدون حركات بهلوانية غير مفهومة، لكن الواقع أن هذا النوع من الرقص يسمى (بريك دانس ) يمارسه الشباب فى شوارع العالم على أنغام إيقاعات موسيقى الهيب هوب والراب. يسمى الراقص فى هذه الحالة بريكر أو B-Boy، وتعود جذور هذا النوع من الرقص إلى السبعينيات حين ازدهر مرتبطا بموسيقى السود الأمريكيين وموسيقاهم مثل الهيب هوب والراب، وكل من الموسيقى والرقص مرتبطان بشكل كبير بالشارع.
فى حديقة مجمع التحرير يمر الموظفون من أمام الشباب الراقص ليلقوا ابتسامات عابرة ونظرات دهشة وتعجب، وهو ما يجعل مهند ورفاقه يشعرون بالفخر، خاصة حين يقف البعض خصيصا للمشاهدة، البعض الآخر يلقى تعليقات طريفة كأن تقول موظفة لزميلها «تعرف تعمل زى العيال دول؟»، أو أن يمر رجل مسن فى لحيته البيضاء مطلقا تحذيرا فى الهواء «يا بنى رقبتك هتتكسر !!»، وفى هذه المساحة يختبر الأصدقاء كل ردود الأفعال، لكنهم يتعاملون معها ببراءة رغم غرابة فكرة الرقص فى شوارع القاهرة.نفس تلك الرقصات التى يؤدونها يحترفها شباب آخرون يرقصون فى مولات كبرى مكونين فرقا ذات أسماء مميزة، حين يوجه السؤال إلى بدوى «ما هو اسم فرقتكم؟» يصمت قليلا ثم يعلق ضاحكا: «هقولك كذا اسم، وابقى اختار منهم اللى يعجبك». حسبما يقول مهند فإن هناك عددا أكبر من الشباب يمارس هذه الهواية ولا يجدون متنفسا، ويوضح قائلا: «أنا مثلا أتعلمت عن طريق أصحابى، وبعرف كل حركة جديدة من الانترنت وموقع يوتيوب، وبعدها نييجى نتدرب عليها هنا».
المفارقة أن رقص البريك دانس قد وصل إلى مرحلة من الرسوخ فى عدد من الدول بحيث تقام له المسابقات العالمية فى الشوارع، بينما هنا قد يظهر بعض المتطفلين الذين يحاولون التضييق على مهند ورفاقه، لكن انتصار الراقصين الصغار سببه إعجاب المارة بأدائهم العفوى، حتى إن بعض المارة من الشباب وقفوا خصيصا للتصوير عبر هواتفهم المحمولة، بعد كل عدة تراكات من الأغانى التى يرقصون عليها يسترخى الأصدقاء فى الحديقة مع رفاقهم الذين اكتفوا بالمشاهدة والاستماع، وبدأ كل منهم فى طرح طموحه الشخصى، كانت الصورة واضحة لمهند الذى رفع حلمه الرياضى عاليا خاصة أن مدربه كان أحد أبطال العالم فى الكونغ فو، أما زميله بدوى فأحيانا ما يفكر فى أنه قد يمكنه احتراف الرقص فيما بعد، لكن الأمر كان واضحا بالنسبة لزميلهم الثالث بدرى الذى قال: «أخوالى يعملون فى مجال الرقص النوبى بالسياحة وقالوا لى أنه بمجرد إنهاء دراستى فى الدبلوم يمكننى أن أذهب معهم للعمل فى هذا المجال».بمجرد أن ينهى بدرى عبارته يعود الجميع إلى الرقص مرة أخرى، وفى خلفيتهم بائع عرقسوس يصنع موسيقاه المختلفة عن موسيقاهم، بينما يستمر ميدان التحرير فى بث صخبه التقليدى تاركا مساحة لشباب اختاروا المشاركة فى صنع موسيقى الشارع
.
من الصعب المرور على مصطفى وزميليه دون الانتباه إلى أدائهما فى عرض منتجاتهما على الزبائن، يقف مصطفى فوق سيارة ربع نقل أمام مجموعة من الدكاكين التى أقامتها المحافظة فى سوق المنيرة بحى إمبابة. يعرض ملابس الأطفال ضاربا على الدف الكبير مناديا بعشرة وبس، فيرد عليه زميلاه موجهان نداءهما إلى المارة تعالى. يكرر مصطفى النداء الذى يتوقف كل بضع دقائق، ثم يعود النداء من جديد: «بعشرة وبس.. تعالى»، حتى يصمت الجميع وتبدأ صفقات الزبائن وتلقى الأسئلة والفصال فى السعر.. مصطفى الذى تحدث باختصار نيابة عن زميليه ينتمى إلى الجيل الثانى من أسرة سوهاجية هاجرت إلى إمبابة قبل أكثر من عشرين سنة، حين كان طفلا صغيرا، يغير النداء «هدوم العيل.. تعالى»، «البس جديد.. تعالى». ويجذب النداء بعض الأطفال الذين وقفوا يتابعون الأداء الأسبوعى الذى يقدمه تجار السوق، إذ لا يظهر مصطفى وزميلاه فى هذه المساحة سوى أيام الجمعة، أما الدف الكبير الذى يضرب عليه بيده فله مهام أخرى تظهر فى الاستاد أثناء مباريات المنتخب المصرى والنادى الأهلى. لوقت طويل كانت نداءات الباعة مادة خصبة استمد منها كبار الموسيقيين أفكارا يسجلونها فى أعمالهم، أحدهم كان الملحن الراحل سيد مكاوى الذى أعد أعمالا غنائية كان إحداها تحت عنوان «البياعين»... سجل فيه أكثر من 30 نداء ملحنا فى عمل موسيقى كامل، وبعد أعوام من اختفاء هذا العمل، عاد مرة أخرى إلى الجمهور عبر أحد منتديات الانترنت. مثل هذه الأعمال التى اقترنت بنداءات الباعة انحسرت بشدة لعدة عوامل، كما يرى الدكتور إبراهيم عبد الحافظ الأستاذ المساعد بالمعهد العالى للفنون الشعبية: كان هناك توجه شعبى فى الماضى نحو طبقات الحرفيين والبسطاء ظهر فى أعمال الموسيقيين أمثال سيد درويش وسيد مكاوى، لكن الأمر لم يكن يستند فقط إلى اهتمام هؤلاء الموسيقيين بهذه النداءات بل أيضا إلى اختلاف نوعية النداء وجاذبيته، حين كان البائع يغنى جملا موسيقية أقرب للموال.. لقد اختلف الحال ولم يعد منطقيا أن نقارن بين بائع يحمل بضاعته على عربة كارو أو حمار ويتجول حرا دون قلق، وبائع اليوم الذى يعيش الصخب اليومى والزحام.. لابد أن يكون النداء متماشيا مع المناخ العام.
فى مؤتمر الموسيقى العربية الأول بالقاهرة عام 1932 الذى كان يعد حدثا فى تاريخ الموسيقى العربية كان الجميع يهدف آنذاك إلى وضع نظم لتدوين الموسيقى الشرقية، وتم تداول قضايا كبيرة منها تسجيل المقامات العربية حسب القواعد العالمية، لكن المفاجأة أن نداءات الباعة الجائلين ظهرت أثناء المناقشات للاستدلال بها على استخدام الشارع للمقامات الشرقية. استمر وجود نداءات الباعة الجائلين فى الحياة الموسيقية بعدها لعقود، ما دفع عددا من المغنيين الشعبيين لتداول جمل تنادى على فواكه بعينها مثل يا خوخ خانونا الحبايب لشفيق جلال، وعلى بياعين العنب لمحمد رشدى (وهى مأخوذة عن الفلكلور). أما اليوم فتكفى زيارة إلى أسواق من نمط سوق المنيرة ذات الطابع العشوائى كى يتأكد المار أنه لم يعد هناك مكان لجمل لحنية بقدر ما هناك عبارات بها سجع وقافية واحدة.. وذلك فى أفضل الأحوال. بدا هذا واضحا لدى صاحب عربة الروبابيكيا حين حاول تقليد الأداء الصاخب الذى يمارسه مصطفى وأصدقاؤه على أطراف السوق، لكنه لم يواصل. وعلى عكس الجميع يمثل مصطفى وزميلاه حالة فريدة من الأداء قد يلاحظها المار بين أماكن أخرى متفرقة مثل أسواق العتبة، وليلا فى شارع طلعت حرب فى وسط القاهرة، لكن الغالبية اختارت نداءات مقتضبة مثلما يفعل باعة الخضار والفواكه.البحث عن جمل لحنية لدى الباعة الجائلين لن يسفر عن الكثير، الغالبية ذات مزاج واقعى يتعامل مع الزبائن كهدف صعب الوصول إليه... البديل هو استخدام كل وسائل لفت الانتباه، هذا ما يؤكده الدكتور إبراهيم عبدالحافظ الذى أشرف على أبحاث تصدى بعضها إلى جمع نداءات الباعة الجائلين، مضيفا: انظر إلى ما يقوم به البائع فى الأتوبيس حين يصعد لافتا انتباه الزبائن بعبارات ذات قافية واحدة وحين يقلل السعر تدريجيا أثناء ندائه. يعبر هذا المثال عن التطور النهائى فى نداءات الباعة، يصعد البائع قائلا: سعد وسعيد ومسعد واللى يصلى على النبى يسعد، مؤكدا أن هذه البضاعة فى المحال تساوى ثلاثة جنيهات، لن يبيعها بجنيهين ونصف الجنيه، ولا جنيهين وربع، ولا جنيه ونصف الجنيه.. سيبيعها بجنيه.أما فى سوق من نوعية سوق المنيرة حيث زحام باعة الهواتف المحمولة المستخدمة وباعة الطيور، لا مكان لموال أو صوت عذب مثلما كان الحال قبل عقود طويلة.. لا تظهر الموسيقى اليوم فى نداءات الباعة سوى لدى باعة الربابة المتجولين فى القاهرة، لا يستخدمون أصواتهم، بل استعاضوا عن ذلك بالربابة نفسها، التى لا يزيد ثمنها على الجنيهين. يكشف أحدهم أثناء حديثه أنها ليست مهنة يمتهنها، بل نشاط يمارسه فى أوقات التعطل بين عمل وآخر، إذ يبيع ما يصنعه أخوه الأكبر الذى يعمل فى تصنيع أقفاص الفاكهة. يبدأ عازفا بمقدمة مسلسل العار الذى عرض فى رمضان الماضى، ثم يعرض مهاراته فى جمل موسيقية أخرى من أغانى مثل البت بيضا للريس متقال، عدا هؤلاء فتبدو نداءات العامة جافة وزاعقة. حسبما يقول الدكتور إبراهيم عبدالحافظ فإن دراسة مثل هذه النداءات قد تعطى ملمحا عن التطورات التى أصابت المجتمع المصرى: تحليل مضمون هذه النداءات بعد البحث فى عدة ميادين لجمع المادة من الأسواق الشعبية ونداءات أصحاب العربات والباعة المتجولين فى الشوارع والمواصلات العامة، يعطى لنا ملامح عامة لهذا التطور، فالاعتماد على الفهلوة لجذب الانتباه أصبحت أمرا ملحا فى نداءات الباعة وليس جمال الصوت، كما أن الزحام قد فرض حدة فى التنافسية ومزايدة على التجار الآخرين مثل استخدام الميكروفونات العالية والزعيق بدلا من النداء ومحاولة جذب الانتباه بحيل كثيرة.
قد لا يجد النجار أو الحداد فى عمله موسيقى متكاملة عدا تلك الإيقاعات المنتظمة التى يكسر بها رتابة العمل، لكن استغلال تلك الإيقاعات أو استخدام أدوات الحرفيين فى صنع عمل فنى هى مغامرة استهوت بعض الفنانين، خاصة فى الغرب حيث لمع مصطلح موسيقى الشارع، مؤخرا خاض الموسيقار فتحى سلامة تجربة اعتمد فيها على مشاركة الحرفيين والعمال بأنفسهم فى صنع عرض موسيقى كامل. يقول فتحى سلامة عن هذه التجربة: «هناك أهداف أعمق من هذه التجارب، أهمها أن تكون هذه الفئات المهمشة متصدرة العرض الموسيقى، إلى جانب ذلك فهناك هدف آخر يتمثل فى أن يعتاد الجمهور إيقاعاتهم، وأن ينمو داخل هذه الفئة من الحرفيين الحس الموسيقى». موسيقى الشارع التى ظهرت فى الغرب ولمعت فيها بعض الأسماء مثل فريق «ستومب» البريطانى يتم الاعتماد فيها على أدوات من الشارع مثل البراميل، الجرادل، المواسير،..إلخ. ثم يقام عرض موسيقى كامل من تآلف إيقاعات القرع على هذه الأدوات. وفى مصر تبنى فريق «المصنع» هذا الأداء مستخدما أدوات من الشارع يصاحبها الغناء أحيانا حول قضايا مثل المحبة وأطفال الشوارع والشباب والإدمان والسلام. لكن أغلب عروض موسيقى الشارع تعتمد حسب فتحى سلامة على «موسيقيين محترفين». الأمر هنا مختلف فى العرض الذى أقيم مؤخرا فى حى الفجالة، أحدهم إسحق أديب العامل فى أحد مقاهى حى الفجالة، الذى شارك مع زميله محمود الفولى العامل فى أحد مقاهى الجمالية ضمن مجموعة كبيرة من الحرفيين فى صنع العرض الموسيقى. رأى كل منهما الأمر بشكل مختلف، يقول محمود الفولى: «لأنى من أسرة ذات صلة بالموسيقى فقد تفهمت الفكرة منذ البداية وصبرت على العمل الجماعى فى تنظيم إيقاعاتنا سويا حسبما حدد لنا الأستاذ فتحى سلامة». أما بالنسبة لإسحق فيقول: «لم أكن أتصور أن العرض سيخرج إلى النور، ولم أتصور أن تخرج موسيقى مقبولة من قرع البراميل والخبط على أكواب الشاى.. كانت تجربة ممتعة». ما زال اسحق فخورا بهذه التجربة خاصة أنها أقيمت فى مقهى شكرى بالفجالة الذى عمل فيه لسنوات، أما سبب سعادته الرئيسى فهو الإحساس بقيمة عمله كقهوجى حين يكون مطلوبا خارج عمله التقليدى. هذه الحالة انتقلت فيها الإيقاعات مرة أخرى إلى الشارع مع معالجة موسيقية وراءها أهداف أخرى لدى فتحى سلامة على رأسها كسر حالة التصنع التى تسيطر على الوسط الثقافى والموسيقى، يوضح ذلك قائلا: «بعض الفرق الغنائية على سبيل المثال تلعب على ألوان مضمونة النجاح، مثل إعادة غناء سيد درويش أو اللعب على أوتار السياسة دون تقديم أى جديد أو شىء يعبر عن شخصية مستقلة، والأغرب أن نجد البعض يقدم إنشادا دينيا بأداء غربى خالص قريب من موسيقى الكنائس الأمريكية تحديدا، هنا أتساءل أين شخصية الفنان من كل هذا؟» رحلة البحث فى الشارع ليست الطريق الوحيد للتعرف على الموسيقى المصرية، بل هناك أفكار موسيقية نشأت فى الشارع وبدأت فى الانتشار مثل الراب الشعبى، ويعلق فتحى سلامة على ذلك قائلا: «أكثر ما يستهوينى مؤخرا فى الموسيقى المصرية هو الراب الشعبى، لأنه صادق، الشباب يغنون بأدائهم التلقائى، ورغم أن موسيقى الراب قدمت بالعربية فى مصر منذ فترة إلا أن بعض مغنيها يؤدونها بلكنة وكأنهم غربيون. هذا ما أحاول أن أنبه إليه من خلال ورشة قادمة للفرق الغنائية الشابة». من خلال هاتين التجربتين سواء فى التعامل مع الحرفيين وتقديم عرض من أدواتهم، أو الورشة المقبلة للتعامل مع فرق غنائية جديدة أكثر تأثرا بروح الشارع المصرى، تستمر رحلة الفنان فى البحث عن موسيقى جديدة صنعها الشارع.
«أكثر ما يستهوينى مؤخرا فى الموسيقى المصرية هو الراب الشعبى، لأنه صادق، الشباب يغنون بأدائهم التلقائى، ورغم أن موسيقى الراب قدمت بالعربية فى مصر منذ فترة إلا أن بعض مغنيها يؤدونها بلكنة وكأنهم غربيون. هذا ما أحاول أن أنبه إليه من خلال ورشة قادمة للفرق الغنائية الشابة».

Wednesday, September 15, 2010

في المنصورية.. لهو جريء وآخر بريء

على ضفتى ترعة المنصورية القديمة ناحية منطقة الأهرامات الأثرية يزدهر ركوب الخيل والجمال لدى أصحاب الاسطبلات الخاصة وداخل الأماكن الترفيهية ذات الخدمات المتنوعة يختلف الطابع فى كل جهة وكأنهما عالمان منفصلان، كما تختلف نوعية الزبائن والمشكلات التى تواجه أصحاب تلك الأنشطة الترفيهية رغم بقاء الحصان رمزا لأهم أنشطة المنطقة هناك.

يسأل السائق الشاب بعفوية: «هتركب خيل؟!»، الجميع هنا يبحث عن زبون، بعض الاسطبلات أرسلت مندوبين إلى مشارف منطقة نزلة السمان لرصد السيارات قرب مدخل أبوالهول السياحى على أمل اقتناص سائح من الطريق. أما السائق الشاب فلا تشغله تلك التفاصيل، يتابع أنشطتهم من بعيد كواحد من سكان المنطقة معلقا على ما رآه صباحا من بعض زبائن الخيل، يقول: «الشغل زيادة اليومين دول عشان فيه عرب جايين يركبوا خيل، لكن الصبح كان فيه لا مؤاخذة بنات مبسوطين زيادة وبيصرخوا وهما راكبين الخيل عشان الشباب يتفرج عليهم». لا يخفى فى حديثه نبرة الحسد من أجواء شارع جمال عبدالناصر طريق الاسطبلات حيث تتضاعف الأسعار أحيانا وتزيد المكاسب - حسب قوله. ينهى مشواره ثم يعود إلى شارع الهرم حيث يوجد الزبائن التقليديون. فى منطقة الاسطبلات التى لا يفصلها عن الأهرامات سوى سور عال، بدت الصورة أكثر ازدحاما بين حركة راكبى الخيل وانشغال أصحاب الجمال بتأديبها، أمام اسطبل (FG) انشغل عم محمد (الجمّال) مع رفاقه فى خوض معركة لغسل أحد الجمال المتمردة، ينهى مهمته ثم يجلس إلى جوار أحمد حسام احد مالكى الاسطبل، ويدور الحديث حول مستقبل المهنة، يشرح عم محمد تطور الموقف قائلا: «قبل أكثر من ستين عاما كان آباؤنا يعملون بحُرية حول الأهرامات وكنا نتعامل مباشرة مع السائحين وإرشادهم، ثم تطور الوضع مع بداية السبعينيات وظهور مهنة الإرشاد السياحى والشركات الكبرى، وأجرَّنا اسطبلات، ثم حدث قبل سنوات أن أنشئ هذا السور حول المنطقة منعا لنا من دخول المنطقة الأثرية بخيولنا، ولم يبق لنا إلا منفذ واحد». تأتى تلك الإجراءات ضمن مشروع تطوير الأهرامات الذى انتهت مرحلته الأولى العام الماضى وتقرر على أثره منع وجود الباعة الجائلين وقائدى الخيل والجمال من الوجود بجوار الأهرامات، تكفى زيارة إلى داخل الموقع كى تكشف عن استمرار هذا الوجود، رغم النجاح فى القضاء على وجود المتسولين داخل المنطقة، يذكر صاحب أحد الاسطبلات الذى تجرى خيوله حول الهرم أن العاملين فى هذا المجال قد حطموا جزءا من البوابات المانعة المجاورة كى يوجدوا مع الزبائن فى الداخل بجوار الأهرامات، وحاليا تتم الموافقة على دخولهم مقابل تذكرة مع الاطلاع على هوية الخيّال، لكن أزمة الخيّالة والجمّالة الكبرى تكمن فى خطة نقلهم جميعا ناحية طريق الفيوم، يعلق عم محمد: «لما ييجى أمر الله.. يحلها الله»، لا يقبل أحمد حسام (26 سنة) أحد مالكى الاسطبل تلك العبارة التى أطلقها عم محمد سائس الاسطبل معلقا: «هذا هو منطق كثير من العاملين هنا، بعضهم لا تشغله قضية مثل نقل مصدر رزقهم من خيل وجمال بعيدا عن أماكن عملهم وسكنهم».
بالنسبة لأحمد الذى أكمل دراسته حتى السنة الثانية فى إحدى الأكاديميات الخاصة فالأمر يستدعى القلق.. يلتقط ورقة وقلما ويبدأ فى رسم مخطط لمنطقة أبوالهول الأثرية، مشيرا إلى الموقع الذى تقترح الجهات المسئولة نقل الخيول والجمال إليه ناحية طريق الفيوم، ثم يقول بانفعال: «إيه اللى هيودينا الناحية دى؟»، يتابع قائلا: «مئات العاملين وآلاف الأسر من منطقتى نزلة السمان وكفر الجبل المجاورة يعملون فى تقديم خدمة ركوب الدواب حول الهرم، هل من السهولة نقلهم بهذه البساطة إلى مكان يبعد عشرات الكيلومترات بعد أن استقر عملهم هنا منذ عشرات السنوات». فى داخل المنطقة الأثرية تقل أعداد المصريين مقارنة بالسائحين الأجانب، أما المصريون فلهم أماكن أخرى يزدهر وجودهم فيها، خاصة فى الشتاء مع ازدياد أعداد الزبائن. يعود أحمد حسام إلى المخطط الذى رسمه للمنطقة قائلا: «هناك منطقة أغلب زبائنها من المصريين بعيدا عن المنطقة الأثرية، وأغلبهم من محترفى قيادة الخيل، حيث ينطلقون ليلا بحرية بعد الواحدة صباحا أنا عن نفسى أفضل التعامل مع الأجانب».
يتوقف الحديث وتبدأ النداءات لإنذار أحد الجمال المتمردة، ثم يتجه عم محمد بعصاه لتأديبه، فى إحدى تلك المرات التى حاول فيها تأديب الجمال تلقى عم محمد ضربة غادرة من أحد الجمال نتج عنها عملية جراحية كبيرة بعد تهتك الطحال، يعود مشغولا عن الحديث ثم يقول: «اللى بياخد القرارات دى بمنع دخول الخيل والجمال الهرم ميعرفش حاجة عن شغلنا». أما أحمد حسام فيعتقد أن ردود أفعال الخيّالة والجمّالة ستكون عنيفة إذا ما وجدوا أنفسهم بعيدين عن السائح أو منطقة الأهرامات، أما الهدوء الحالى فسببه الانشغال بالرزق، يقول: «فى داخل منطقة الهرم بإمكانى ممارسة بعض الحيل لإقناع الزبون بركوب الخيل وأن الطريق طويل بالداخل وانه مضطر للركوب، ثم أتفاوض معه على السعر.. هذا ما اعتدنا عليه طوال حياتنا». فى المستقبل القريب - حسب تصريحات مسئولى الآثار - سيُمنع وجود الدواب داخل المنطقة الأثرية، وفى الداخل ستكون وسيلة المواصلات هى العربات الكهربائية، حياة الخيّالة والجمّالة التى اعتادوها فى التعامل المباشر مع السائح ستنتقل إلى نمط آخر لا يستطيع البعض تفهمه، يعلق عبدالناصر الجابرى نائب الحزب الوطنى عن دائرة الهرم وأحد أبناء نزلة السمان، بأن الوضع يبدو غامضا لكثير من أصحاب الاسطبلات ولا يتفهمون فكرة النقل التى يراها غير عملية على أرض الواقع وإن كانت ستوفر مزيدا من التنظيم للمكان، ويقول: «هذه التطويرات لم تكن تشغل كثيرا من أصحاب الخيول لأن الجميع يلهث وراء رزقه فى حين كان الأثريون ينطلقون لإتمام مشروعهم، أما على أرض الواقع الآن فهناك محاولات لتوفيق الأوضاع المستقبلية للمكان وأهله على المخطط الجديد، وعن نفسى أستبعد وقوع تمرد أو أعمال عنف، لأنه على أرض الواقع أيضا حتى الآن لم يتم منع أحد من العاملين من ممارسة عمله داخل منطقة الهرم».
فكرة تنظيم عمل أصحاب الاسطبلات كانت إحدى دواعى إقامة المشروع نتيجة الإحساس بعدم الرقابة على هذا النشاط حسب تصريحات المسئولين، أما أحمد حسام فيدرك جيدا الاتهامات الموجهة إلى العاملين فى المجال باستغلال السائحين والزوار وتغاضيهم عن تجاوزات بعض الشباب، يجيب أحمد: «هناك شرطة السياحة لتلقى الشكاوى، أما من يتحدث عن تجاوزات من الشباب فهناك أيضا الشرطة، ليست مسئوليتى انتقاء الزبائن، أنا أتعامل مع جميع الملل والجنسيات». يصمت قليلا ثم يكمل حديثه قائلا: «على فكرة أنا أيضا أتعرض لاستغلال وأحيانا ما أدفع أموالا كى أنهى عملى، كما أن شركات السياحة تحصل على نسبة تتجاوز 50% من أى صفقة تتم، إلى جانب عمولات السائقين الذين يأتون بزبائنهم، كل هذا لا يره أحد، أقول لك فلسفة بعض الخيّالة عن فكرة تحديد أسعار الركوب، أنا لدى تقييم للزبون، والمسألة تفاوض، فحتى شركات السياحة ليست أسعارها واحدة، وخدماتها متنوعة، لذا فإذا استطعت أن أتفاوض للحصول على أجر كبير مع أحد الزبائن فبإمكانى أن أعوض أياما أخرى لا أعمل فيها». ينهى حديثه ثم يستقبل زوارا مصريين من الشباب والفتيات جاءوا للانطلاق بالخيول فى مجموعة، يستقبلهم بابتسامة على وجهه بينما يخفى داخله قلقا يوميا على حجم الزبائن وعلى مستقبل هذه المهنة بأكمله.
أجواء عائلية مع الخيول
يلخص عصام خليل المدير المالى فى قرية الخيول العربية رؤية المشروع فى عبارة قصيرة قائلا: «قبل تسع سنوات تقريبا دارت الفكرة برأس الحاج أحمد القبانى صاحب مشروعات دار الأورمان لرعاية الأيتام والذى فكّر فى مشروع سياحى يستهدف الطفل والعائلة». لا يخفى عصام أن الفكرة فى البداية كانت تستهدف أجواء مختلفة عن فكرة ركوب الخيل الحر ناحية نزلة السمان وعلى جانبى طريق المنصورية. لكن فى أشهر الصيف تقل أعداد الزوار نتيجة اتجاه الأسر إلى المصايف فى ذلك الوقت وغياب رحلات المدارس، وهو ما دفع القرية إلى الاعتماد على تنظيم الأفراح التى تزيد فى الصيف لتعويض قلة الحركة فى القرية مقارنة بالشتاء.
بإمكان الزائر إدراك الأجواء العائلية للمكان منذ الوهلة الأولى، أما رهان العاملين فى القرية فكان على لافتة كبيرة قرب الطريق الدائرى تشير إلى الخدمات التى يمكن للزبون أن يتلقاها مقابل عشرة جنيهات فقط، ويستثنى منها وجبة الطعام ونزول حمام السباحة، فى تلك الأجواء الصيفية قد تتحول رحلة عائلية إلى حدث مهم، يتابع عصام خليل قوله: «حين تدير مشروعا كهذا أنت تعلم أنك لن تستهدف الربح الكبير، خاصة فى مواسم مثل الصيف، لكن فى نفس الوقت عليك أن تكون من الذكاء بحيث تستغل ما لديك فى تقديم خدمات أخرى، وتخفيض التكلفة مثل استخدام ألعاب لا تستهلك الكهرباء، واستغلال حمام السباحة مساء فى إقامة الأفراح.. وهكذا». فى الجوار كانت هناك مجموعة تتجاوز الثلاثين فردا قد انشغلوا مع الفقرة الترفيهية للعبة الكراسى الموسيقية، بينما انشغل آخرون بلعب البلياردو والبينج بونج، وهذا بعد أن خاضوا تجربة ركوب الخيل فى بداية اليوم الذى بدأ فى الساعة العاشرة صباحا، يقول إميل إبراهيم منظم تلك الرحلة: «نداوم على المجىء إلى هنا منذ أربع سنوات ولهذا عدة أسباب أهمها السعر، كذلك فمن الصعب أن أتجه لركوب الخيل ناحية الهرم، حيث لا أعرف النظام أو الأسعار، كما أننا نبحث عن مكان آمن للأسرة والفتيات». يكمل لعب البلياردو بينما كان محمد السائس يعد لفقرة رقص الخيول، بعدها يجلس داخل الاسطبل فى انتظار من يريد إعادة تجربة ركوب الخيل، هكذا تطور عمله منذ بداية نشأة القرية حين بدأ طفلا صغيرا بها، وحتى الآن ما زال متمسكا بالعمل فى نفس النظام رغم انتمائه إلى نزلة السمان وإلى عائلة تعمل فى مجال الخيل والجمال، يقول: «الفرق بين ما أقدمه هنا وهناك هو نوعية الزبون، أغلبهم هنا من الأطفال الصغار، ودورى هو التوجيه، خاصة فى الشتاء مع ازدياد رحلات المدارس، كذلك فالمساحة هنا مهما اتسعت فهى محدودة مقارنة بما يحدث فى نزلة السمان حين نصعد التلال الصحراوية جوار الهرم، وهنا الرقابة أعلى».
تلك النقطة الأخيرة التى تحدث عنها محمد اجتذبت عصام خليل المدير المالى كى يعلق عليها: «أهم شىء فى مشروع كهذا أن أظل محافظا على الرؤية، بعض الأنشطة أقمناها ثم تخلينا عنها، كى نبقى على نفس الدرب». يذكر عصام أنه لا يعتمد على عروض الشركات السياحية بسبب اشتراط بعضها تقديم مشروبات روحية فى خدمته، الأكثر من هذا أنه قد لا يقبل تجاوزات من الزوار ويقول: «البعض يأتى إلى منطقة الهرم لركوب الخيل بغرض مشاهدة الفتيات وسماع صراخ من لم يركبن خيلا من قبل، كذلك هناك من يسعى إلى الانطلاق والتحرر بشكل قد يؤذى العائلات.. هذا ما لا نقبله هنا تماما». يشير بيده إلى أحد الأركان التى أغلقها فى فترة الصيف شارحا ذلك بقوله: «هذا المكان أستغله فى الشتاء مع ازدحام الزوار، أما فى الصيف فأغلقه، حتى يكون الوضع تحت السيطرة». رغم هذه القواعد التى قد تبدو صارمة، إلا أن ذلك لم يمنع زوار الرحلة فى ذلك اليوم من الرقص والانطلاق مع الموسيقى فى المطعم.
فى تلك الأجواء قد تصبح الخيل ضيفا على المكان، وهى النقطة التى يعلق عليها محمد سائس الخيل، بأنه لديه مهام يومية بعيدا عن نشاط القرية فى ترييض الخيل والاهتمام بها ومتابعتها، أما الأهم فهو خدمة التدريب، يقول: «هناك تدريب لمرة واحدة مقابل 25 جنيها، وهناك كورس يستمر لعدة أسابيع مقابل 200 جنيه، وهذه إحدى مهامى». مع توديع الزوار للمكان فى الساعة الخامسة، ينشط العاملون للتفكير فى أفراح المساء الصيفية، بينما يتجه محمد إلى نزلة السمان حيث يقطن، ليعيش مفارقة بين عالمين مختلفين يجمعهما حب الخيل.

* أساطير نزلة السمان
يقطن المنطقة المجاورة لأهرامات الجيزة جماعات من الأعراب منذ مئات السنين، وعرفت المنطقة في فترة سابقة باسم "بركة السمان" حيث كانت هناك بركة يجتمع حولها طائر السمان بينما يعيد البعض الآخر التسمية إلى الشيخ الصوفي "حمد السمان" الذي ما زال هناك ميدانا باسمه في المنطقة، وحسب قواعد تسمية الأماكن التي تسكنها القبائل العربية يطلق لفظ "نزلة" كدليل على فرض السطوة على مساحات من الأراضي نتيجة نزال. وينقل موقع touregypt.net المتخصص في المصريات والسياحة قصة أخرى عن المنطقة نقلا عن بعض قدامى المكان، حيث قصة أسطورية تحكي عن أحد أمراء الأسرة المالكة الذي كان يستقبل ضيوفه في خيمته جوار الهرم، وأنه وعد أحد كبار شيوخ المنطقة بأن يملكه وعشيرته تلك الأراضي المحيطة بعد ان لمس ضيق الشيخ المسن من غربته في ارضه دون ملكية موثقة امام الحكومة، مرت الأيام وعاد الأمير إلى التريض في نفس المكان، فاعترضه الشيخ مذكرا إيه بوعده الذي أخلفه، فتم توثيق الأراضي للسكان العرب في هذه الناحية جوار الأهرامات، وتذكر القصة أن الشيخ كان أحد أفراد عائلة الجابري إحدى أكبر عائلات المنطقة حاليا، و حتى اليوم ما زالت تقطن "نزلة السمان" عائلات ذات حضور تاريخي قديم يعمل كثير من أبنائها الآن في مجال السياحة ويمتلكون مزارع الخيول والإسطبلات جوار الأهرامات. حسب أرقام آخر تعداد للسكان في عام 2006 فإن عدد سكان نزلة السمان حوالي 26 ألف مواطن، بينما يسكن كفر الجبل المجاورة التي تشارك في العمل بقطاع السياحة حول منطقة الأهرامات حوالي 14 ألف مواطن.
خيل وأشياء أخرى
• الطريق إلى سقارة
"لا أرز الهرم إلا في الشتاء، في الصيف.. الأجواء غير مناسبة تماما" يصف عمرو أحد محبي ركوب الخيل في منطقة الهرم الرحلات التي اعتاد عليها كل شتاء حيث تصاحبه مجموعة من أصدقائه وسائس الخيل، تنطلق الرحلة في الليالي المقمرة بعد الواحدة صباحا في مقابل 30 جنيه حسب السعر الذي اعتادته المجموعة، ينطلقون في الصحراء إلى جوار المنطقة الأثرية ناحية صحاري سيتي، يتابع قائلا : "في الاستراحات على الطريق تستقر المجموعة وأحيانا ما نشرب ما نجلبه معنا من مشروبات، ثم نتابع الرحلة". ليست كل المشروبات بريئة حسبما يصف، غالبا ما يكون مشروبهم الرسمي هو الخمور، و لا تثير هذه الأجواء قلق بعض المجموعات المجاورة التي تضم فتيات من الصعود إلى التل في تلك الأوقات المتأخرة. أما بالنسبة إليه فكان أهم ما يبحث عنه هناك هو الهدوء والتأمل حسب تعبيره.

• سنة أولى خيل
في فيلم "عسل أسود" يطلب بطل الفيلم "مصري سيد العربي" ركوب أحد الخيول، فيظن السائس لأول مرة أنه أجنبي وحين يعلم أنه مصري يتركه مع فرس هزيلة وعنيدة، تلك الصورة الكوميدية قد لا تنطبق تفاصيلها تماما مع الواقع، شريف حسن الذي جاء مع أقاربه الشباب لركوب الخيل لا يجد حريته في الانطلاق بالفرس دون تدخلات السائس وتعليقاته المتكررة، يقول شريف الطالب بإحدى الجامعات الخاصة : "هذه ثاني زيارة لي للمكان، المرة السابقة كانت قبل سنوات طويلة مع أسرتي ولم تكن مرضية بعد الدخول في مفاوضات مع السائس داخل منطقة الهرم، ولم أستمتع". في هذه المرة يتجول شريف بحرية أكبر لولا تدخلات السائس الذي يدير الموقف تماما مراعيا الحركة المحدودة في شارع الاسطبلات، مكتفيا بنصف ساعة مقابل 25 جنيها، يقول شريف : "في البداية دربنا السائس على كيفية قيادة الخيل، لكن ما زال امامنا وقت طويل". لا يزد من إحباطه سوى الصبية الصغار الذي ينطلقون بجواره مندفعين كفرسان حقيقيين مسددين نظرات الزهو إلى من حولهم، إلى جانب ارتفاع السعر مقارنة بما كان يتوقعه، خاصة أنه لا يعرف التمييز بين الخيل الأصيلة وغيرها وهو ما يؤثر في الأسعار.

• نزهة مع المدام
في منتدى "العرب المسافرون" على الانترنت طرح أحد الأعضاء الخليجيين هذا السؤال: أين أجد إسطبل خيل بالقاهرة؟ وتلقى إجابات من خاضوا التجربة قبله.. إحدى الإجابات دونتها عضوة خليجية قائلة : "أبدا لا تفكر تروح على منطقة نزلة السمان اللي في الهرم، مكان ما هو نظيف .. وتلاقي فيها كل المستويات"، لكن الإجابة الأكثر إنصافا لنزلة السمان جاءته من عضوة أخرى قالت : " الاسطبلات موجودة بالهرم بنزلة السمان ولها دخلة خاصة يعرفها كل سائقين التاكسي، أهم شيء تكاسرهم – تتفاوض على السعر- والافضل إنك تروح بالصباح الباكر يعني الساعة 5 والجو رايق تقدر تاخذ راحتك مع زوجتك ". لم يسجل العضو بعدها تفاصيل تجربته في القاهرة، لكن على ارض الواقع تجتذب قيادة الخيول شريحة كبيرة من الزوار العرب من الجنسين.

• السمانيون يتحدثون
داخل مجموعة (proud to be a sammanian – فخور بأني من نزلة السمان) في شبكة فيسبوك الاجتماعية شارك مجموعة من شباب عائلات المنطقة في كتابة أرائهم حول فكرة طرحها أحد الأعضاء باللغة الانجليزية تحت عنوان : " That's why I hate nazlet el samman ! - لهذا أكره نزلة السمان !"، كتب مصطفى قاسم خطاب عن كرهه لاتجاه شريحة من الشباب للعمل بالسياحة وأنشطة مرتبطة بهذا قائلا: "ألم نسأل أنفسنا لماذا يقل عدد المهندسين والدكاترة لدينا في المنطقة؟"، يمر مصطفى ايضا بنقطة سلبية أخرى تثير ضجره وهي عن ضرورة أن يكون شباب المنطقة أكثر إيجابية في مواجهة مشكلة يتسبب فيها العاملون في إسطبلات الخيول وإلحاحهم على اصطياد الزبائن من الطريق وأبدى في تعليقه تأييد فكرة تجميع الإسطبلات في مكان واحد، أما يمنى الجابري ترى أن أجمل ما في نزلة السمان هو التقارب بين العائلات رغم اتساع المنطقة وانتقال غرباء إليها، وتقول : "أحيانا بيكون الواحد في نص هدومه لما حد يزوره من قلة نظافة الحي، لكن كفاية لما يبص الضيف من البلكونة على مشهد أبو الهول.. بينسى كل حاجة".
PDF