Showing posts with label كتب. Show all posts
Showing posts with label كتب. Show all posts

Friday, December 30, 2011

الألتراس .. صوت المشجع الصاخب


تفاصيل متشابكة عن مجموعات أثارت الجدل

كتب – عبدالرحمن مصطفى
في أثناء أحداث شارع محمد محمود الأخيرة كان محمد جمال بشير يتنقل من موقع إلى الآخر في ميدان التحرير حاملا في حقيبته أول أعماله "كتاب الألتراس" الذي تصادف صدوره في 19 نوفمبر الماضي مع بداية الاشتباكات، ورغم الأجواء المصاحبة للطبعة الأولى من الكتاب الصادر عن "دار دوّن" في حوالي 220 صفحة، إلا أن ذلك لم يمنع أن يتصدر الكتاب قوائم الأكثر مبيعا في الأسابيع القليلة الماضية. النظرة الأولى على عنوان "كتاب الألتراس" قد تنقل إلى القارئ إيحاء بأنه سيطالع كتابا مقدسا أو مرجعا تاريخيا عن طائفة خاصة، إلا أن الأقرب إلى الواقع هو ما سجله أحد القراء في مجموعة "كتاب الألتراس" على شبكة فيسبوك الاجتماعية إذ يقول: "دلوقتي بقي لينا مرجع نقدر نتكلم بيه قدام أي حد ". ما يقدمه الكاتب من معلومات حيادية في الكتاب لم تخف تبنيه دورا وسيطا بين ثقافة الألتراس والقارئ العادي، إذ يبدأ الكتاب بمقدمة وضع لها العنوان الآتي: مقدمة متواطئة بعض الشيء ! يقدم فيها تعريفا بروح الألتراس وكيف تحولت إلى أسلوب حياة قائلا: "فرد الألتراس يمشي رافعا رأسه دوما لأنه يدرك أن هناك جيشا خفيا قابعا بداخله يستطيع أن يطلق عنانه في أسوأ الظروف". هذه المقدمة كتبها الكاتب محمد جمال بشير – أو جيمي كما يعرفه رفاقه- في عدد من المواقع الالكترونية في عام 2008، إذ أنه أحد مؤسسي رابطة "الوايت نايتس" ألتراس نادي الزمالك، كما أنه مدون على الانترنت منذ بدايات حركة التدوين المصرية.
وفي عرضه لأفكار الكتاب اختار الكاتب تقسيما سهلا للفصول حتى أنه استغنى عن الفهرس التقليدي للعناوين مفضلا أن يقدم فصولا سريعة أشبه بهتافات حماسية من المدرجات يقدم فيها كما لا بأس به من المعلومات، إذ لا تتجاوز أغلب الفصول الخمس صفحات للواحد. ويبدأ أول فصول الكتاب بعنوان عن "أنواع مشجعي كرة القدم" وصنفهم حسب مواقفهم المختلفة من التشجيع الكروي، وهو ما قد لا يلتفت إليه المشجع العادي، إذ قسمهم إلى: جمهور النتائج الذي يشجع حسب نتائج الفريق، وجماهير التلفاز، والجماهير العادية غير المنتظمة في الحضور إلى الإستاد، ثم ينقلنا الكاتب إلى أنواع أخرى من المجموعات الجماهيرية المنتشرة حول العالم مثل: الهوليجانز، والهولز، والبارابرافا، والتورسيدا، موضحا تفاصيل شيقة عن كل فئة، ولا يخفى هنا أن الكاتب يعرض المشهد بعيون الألتراس، وبخلفية رؤيتهم ومواقفهم من قضية التشجيع الرياضي، خاصة أننا بصدد مجموعات لا تهتم كثيرا بالتواجد الإعلامي، خاصة أنها كانت في مرمى الاتهامات لسنوات إلى أن تحولت إلى أحد أهم عناصر الثورة منذ 25 يناير الماضي.
ينتقل الكاتب إلى فصل "دخول الألتراس إلى الوطن العربي" وهو أطول فصول الكتاب نسبيا، رغم تقسيمه إلى عدة أجزاء أصغر لافتا فيه إلى معلومات قد لا يدركها كثيرون، منها أن أول ظهور للألتراس كان في ليبيا عام 1989 في محاولة جريئة تم قمعها في ذلك الوقت على يد الرئيس السابق القذافي، ثم عرض الكاتب ملامح اختلافات تجارب الألتراس في تونس – خاصة بعد رحيل بن علي- وفي الجزائر والمغرب، وهنا يظهر في عرض الكاتب لهذه التجارب أثر الزيارات التي قام بها إلى بعض هذه الدول، إذ لا يخفي على القارئ منذ البداية ذلك التوقيع الذي دونه الكاتب للمقدمة الثانية للكتاب من الرباط عاصمة المغرب. أما في تناوله لظهور الألتراس في مصر فيظهر تأثير انخراطه المبكر في عالم الانترنت وربطه بين الانترنت وتطور ظهور الألتراس، مفاجئا القارئ بوجود مجموعات للألتراس بعيده عن الأندية المركزية في القاهرة (الأهلي، الزمالك)، مثل (التراس 300) التي تساند وتشجع فريق طنطا في دوري الدرجة الثانية، وكيف تؤثر ثقافة المدينة في عقلية الألتراس مثلما حدث في السويس الذين لقبوا أنفسهم بالفدائيين مستحضرين تاريخ المدينة الباسلة.
على مدار فصول الكتاب القصيرة تتلخص رسالة الكتاب في سؤال: "من هم الألتراس ؟" ولا يتوقف الكاتب كثيرا عند علاقة الألتراس بالثورة، بل يركز بشكل أكبر من خلال عناوين الفصول المتتالية على "عقلية وثقافة الألتراس"، و"هيكل المجموعة"، مؤكدا على الاختلاف بين الألتراس ومجموعات المشجعين الأخرى مثل الهوليجانز الانجليز الأكثر ميلا إلى العنف، ومجموعة البارابرافا اللاتينية التي تعتمد في تمويلها على عصابات المخدرات والدعارة، وهنا يؤكد الكاتب على موقف الألتراس من العنف وكيف يتم الصلح بين مجموعات الألتراس وقت وقوع الخلاف، مع الحفاظ على دأبه في الانتقال بين خارج وداخل مصر لإعطاء أمثلة، مثل الصلح الشهير بين مجموعات الألتراس المنسوبة للأهلي والزمالك، ومجموعات أخرى أوروبية في فترات سابقة.

كل رجال الأمن أوغاد
ومثلما لم يخف "كتاب الألتراس" تبنيه رؤية الألتراس للعالم وكيف يفكرون، فإن مجموعة أخرى من الفصول المتتالية تناولت جانبا آخر يهتم بتحديد الجبهات التي تتبادل العداء مع الألتراس، وفي فصل تحت عنوان "كل رجال الأمن أوغاد" يستعرض الكاتب محمد جمال بشير خلفية هذا الشعار الذي ينظر إلى رجال الأمن في الاستادات على أنهم حائط صد ضد متعة الجماهير واحتفالاتهم وصخبهم عبر السيطرة على حركة الجمهور، أما العداء للإعلام فعبر عنه في فصل آخر يبرز رفض الألتراس لما يقوم به الإعلام من تضليل وتزييف لبعض الحقائق، خاصة أن هذه المجموعات تتعمد الابتعاد عن النجومية والبحث عن الأضواء، وهو ما يجعل تعاملاتهم مع الإعلام مرفوضة أو في أضيق الحدود. أما ثالث أضلاع العداوة فهو ضد الكرة الحديثة، وهنا تبرز عقيدة هامة لدى الألتراس يستعرضها الكاتب في فصل تحت عنوان "ضد الكرة الحديثة"، وهي مواقف ضد غلاء أسعار التذاكر، و ضد دخول فرق الشركات والمؤسسات العسكرية إلى المنافسات الكروية لأنها تقريبا بلا جمهور، وهو ما يرفضه الألتراس الذين يرون أن أحد أهم أهداف كرة القدم هي الحضور إلى الإستاد للتعبير عن الولاء والانتماء للنادي، لأنهم بمثابة اللاعب رقم 12، ولا ينسى الكاتب أن يذكر قصة الألتراس في إيطاليا – مهد حركة الالتراس العالمية- التي نالت تطورها الأول كاحتجاج على غلاء أسعار التذاكر .
وفي طيات الكتاب استعراض للكثير من الأمور الفنية المتعلقة بتشجيع الألتراس منها (الدَخلة) التي تقوم بها مجموعات الألتراس في بدايات وفي منتصف المباريات للاحتفال وتشجيع فريقها، وكذلك بعض الألفاظ ذات الأصل اللاتيني التي تتكرر في الكتاب، وهو ما قد يدفع القارئ إلى الانتقال إلى "قاموس الألتراس" في الجزء الأخير من الكتاب لمطالعة تعريف المصطلحات المستخدمة لدى مجموعات الألتراس التي يتضح للقارئ في ختام الكتاب أنها ليست كيانا واحدا، حتى تلك التي تستقر في مكانها التقليدي في المدرجات. ورغم ابتعاد الكاتب عن التوثيق على طريقة الهوامش التي يسجل فيها المعلومات و تواريخ الحوادث المذكورة في الكتاب، إلا أنه لم ينس أن يضيف ملحقا كبيرا لشعارات مجموعات الألتراس حول العالم، كما لم يفت الكاتب – مثلما أعلن في مجموعة الكتاب على الفيسبوك- أن يخصص مكسبه من الطبعات الأولى كصدقة جارية على روح أخر شهداء الألتراس الذي استشهد في شارع محمد محمود حيث كان الكاتب متواجدا أيضا في تلك الأحداث.



الثورة بعيون قيادي سابق انضم إلى الثوار
حزب الكنبة .. رحلتي من الكنبة إلى الميدان

كتب – عبدالرحمن مصطفى
في 22 فبراير الماضي كتب عزت أمين مقالا تحت عنوان "رسالة إلى حزب الكنبة العظيم" ليكون هذا المقال بداية استخدام مصطلح "حزب الكنبة" الذي استمر معنا حتى اليوم، ومؤخرا صدر لعزت أمين كتاب "حزب الكنبة" عن دار الشروق في 175 صفحة، اختار له عنوانا فرعيا هو " رحلتي من الكنبة إلى الميدان " في محاكاة ساخرة للعنوان الأشهر "رحلتي من الشك إلى الإيمان" أحد أهم كتب الراحل الدكتور مصطفى محمود. ويصف الكاتب نفسه في المقدمة بأنه أحد الأعضاء المؤسسين في حزب الكنبة الذي يرمز إلى السلبية وتبرير الأحداث أيا كانت، مع تعريف قصير بظروف أبناء جيله من الشباب الذين تخبطوا كثيرا بين تيارات متعددة مثل قضية "عبدة الشيطان" التي لفقها أمن الدولة لهؤلاء الشباب، ومثل شباب وفتيات آخرين ترنحوا ناحية التشدد الديني، حتى توالت الأحداث ووجد الجميع خلاصه في ثورة 25 يناير.
يعمل مؤلف الكتاب عزت أمين في مجالي التأليف والإخراج بالإضافة إلى التمثيل، كما ساهم في صناعة فيلم قصير بعنوان "أين ودني" وكان البداية الأولى لظهور السلفيين في مجال الأفلام.
وينقسم الكتاب إلى قسمين كبيرين وهو ما يوضحه الكاتب في عبارات خفيفة قبل الفهرس قائلا: "الجزء الأول حكايات عن تجربة شخصية وما لاحظته على المجتمع من تغيرات أدت إلى قيام الثورة، ثم بعض ما شاهدته أثناء الثورة. أما الجزء الثاني هو المقالات التي نشرتها بعد التنحي". ويعرض الكاتب في القسم الأول تجربته وأفكاره على مدار ثمانية فصول بدأها بعنوان ساخر: "ذكرياتي على الكنبة" ثم يتوالى عرضه لمظاهر الحياة الراكدة قبل الثورة وكيف كانت ردود الأفعال تتصاعد حتى يصل في سرده إلى الفصل الخامس، إذ تزداد مساحة التشويق حيث يستعرض تجربته الشخصية وكيف انخرط في أحداث الثورة رغم انه لم تكن له علاقة سابقة بالمظاهرات ، يقول عن ذلك : "قلت لما أكلم أصدقائي أعضاء حزب الكنبة لأحاول أن انتقد مواقفهم السلبية إلا أنني فوجئت أن أحدهم يتظاهر في جامعة الدول العربية، ويقول: ثواني هنكسر الأمن أو نضربهم بالطوب وأجيلك، استناني عند هارديز.. إيه الكلام الجديد ده؟". ولم يلجأ عزت أمين إلى اللهجة العامية إلا حين يضطره الوصف أو الاحتياج إلى نبرة ساخرة في الحديث، كما تعمد ألا يفرط في السخرية على حساب التوثيق سواء من خلال تجارب شخصية أو بتحليله لتطور الأحداث.
في القسم الثاني من الكتاب مجموعة من المقالات والحكايات أغلبها منشور على الانترنت في فترات متتالية كان أولها المقال الأشهر: "رسالة إلى حزب الكنبة" الذي نشر في أعقاب تنحي مبارك بفترة وجيزة. ويتخذ الكاتب في مقالاته عدة طرق في الكتابة، إذ أحيانا ما يطرح أفكاره في المقال من خلال أسئلة وإجاباتها مثلما فعل في حوار متخيل داخل مقال بعنوان "نظرية أم فتحي السياسية"، وأحيانا ما يستعين باللهجة العامية الخالصة، وفي أحيان أخرى يكثف أفكاره في شكل ومضات مثلما فعل في مقال تحت عنوان: مانشيتات الجرائد في الذكري 74 للثورة. وتتوالي المقالات في هذا القسم بشكل متتالي زمنيا يبينه في كل عنوان تاريخ الكتابة والحدث الأبرز المصاحب لهذا التاريخ، وعلى عكس القسم الأول من الكتاب الذي يبرز حالة من التعرف على الثورة، فإن القسم الثاني أكثر تمردا على أحداث ما بعد الثورة، ولذا اختار الكاتب عزت أمين أن يختم كتابه بهذه الروح في صفحتين تحت عنوان خفيف هو : "آخر كلمتين على السلم"، إذ يقول: "لا تكن جزءا من دولة الإجابة النموذجية وتجعلهم يحددون لك دراستك وزواجك". ثم يختم كتابه قائلا: "دي كانت رحلتي من الكنبة إلى الميدان.. لا يوجد فيها ما يميزها، ولا دور للبطولة الزائفة بها، ولكني افتخر أني كنت واحدا على اتناشر مليون من هذا الانجاز.. وكتبت مع الملايين التاريخ".
PDF

Friday, September 23, 2011

خالد فهمى: نحن من يصنع التاريخ ولن نعود رجالاً للباشا


فى حفل توقيع الطبعة الثانية من (كل رجال الباشا)..ـ
كتب - عبدالرحمن مصطفى
«من حق الشعب والمؤرخ أن يكتب التاريخ من أسفل، عبر التأريخ لفئات فى قاع المجتمع.. وهذا هو مضمون الكتاب الذى بين أيدينا الآن» ــ بهذه العبارة وصف الكاتب جميل مطر عضو مجلس التحرير بجريدة «الشروق» كتاب «كل رجال الباشا» للدكتور خالد فهمى رئيس قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية فى أول حفل توقيع للطبعة الثانية من الكتاب الذى أقيم فى مكتبة الشروق بالزمالك يوم الاثنين الماضى، وقد صدرت الطبعة الثانية هذا العام عن دار الشروق فى حوالى 450 صفحة تناول فيها الكاتب تاريخ مؤسسة الجيش فى عهد محمد على وكيف أثرت على المجتمع المصرى فى ذلك الوقت، هادما بين طيات كتابه بعض الصور التقليدية عن عصر محمد على.
وفى تقديمه للكتاب فى بداية الحفل استعار الكاتب الصحفى جميل مطر بعض المقتطفات التى استوقفته فى مثل وصف الرحالة لمحمد على عن «بريق عينيه اللامعة» وملامحه المهيبة، معلقا على ذلك بقوله: «مثل تلك الصفات كنت أسمعها وأقرأها عن جمال عبدالناصر، وصدام حسين، وكأنها نصوص مكررة تستخدم فى صناعة الزعماء».
فى الطبعة الثانية من الكتاب أضاف خالد فهمى مقدمة جديدة كتبها فى 2010 بنيويورك حين كان يعمل كأستاذ بجامعة نيويورك قبل انتقاله للعمل بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وحسب عبارته يقول: «كتبت تلك المقدمة قبل سقوط مبارك، وكان داخلى قناعة أعلنها الآن بصراحة أننى كنت أعد هذه الدراسة وعيناى على الواقع المصرى، إذ إننى أؤمن بأننا نحن أفراد الشعب المصرى من يصنع التاريخ، وليس محمد على أو مبارك أو غيره، وحتى ما حدث مؤخرا من موقف المؤسسة العسكرية من تأييد الثورة فإن ذلك ليس منحة من أحد، لأن هذا الجيش ما زال جيش المصريين والبسطاء وليس جيش الباشا».
فى داخل كتاب «كل رجال الباشا» يرصد الكاتب علاقة محمد على بالدولة العثمانية وذكر فى تعليقه على سؤال من القاعة حول ما راج عن «سر دهاء محمد على ومكره السياسى»، قائلا: «محمد على كان يدرك منذ البداية أنه جزء من الدولة العثمانية ولديه بُعد عثمانى واضح، فلنا أن نتخيل أن هذا الرجل قد بنى مقبرته فى مصر عام 1809 بعد أعوام قليلة على صدور فرمان توليه مصر عام 1805، وذلك قبل مذبحة القلعة عام 1811 التى قضى فيها على أعتى خصومه المماليك، وهو ما يكشف عن إصرار هذا الرجل وإرادته الصلبة، وأنه كان يدرك مشروعه مبكرا فى أن تتحول مصر إلى ولاية يحكمها هو وعائلته».
يأتى حفل التوقيع بعد أسبوع من زيارة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان بما أثارته من جدل بعدها، وهو ما دفع الكاتب جميل مطر فى تقديمه للحفل أن يعلق على ذلك قائلا: «كشفت زيارة أردوغان الأخيرة عن أننا ما زلنا مرتبطين بالموروث العثمانى على مستوى الشعب والنخبة حتى الآن».
لم يخل مشروع خالد فهمى الذى يستعد الآن لإنهاء كتاب عن محمد على وسيرته من عراقيل بدأت حسب وصفه من غياب وثائق ديوان الفابريقات «المصانع» لتلك الفترة، ثم حين اتجه إلى المتحف الحربى التابع لوزارة الدفاع واضطراره إلى المرور على جهات أمنية كى يوضح موقفه وغرضه من دراسة المؤسسة العسكرية، رغم أنه كان يدرس فترة حكم محمد علي. يقول على ذلك معلقا: «أشكر دار الشروق والمهندس إبراهيم المعلم على عدم تخوفهما من نشر دراسة تاريخية عن الجنود المصريين، وهو ما كان يثير ريبة البعض طوال مشوار جمعى للمادة الوثائقية».
وفى عرضه لقصة كتاب «كل رجال الباشا» الذى كان فى الأصل دراسة للدكتوراه حصل عليها من جامعة أكسفورد عام 1993. لم يخف خالد فهمى حساسية الموضوع لكونه متصلا بدراسة نشأة المؤسسة العسكرية، وشرح كيفية تطور مشروعه البحثى حتى استقر على تلك الفكرة، وذكر موضحا: «الحقيقة أن هذا الموضوع لم يكن هدفى الأول، لكن فى أكسفورد هناك مرونة تختلف تماما عن الجامعات المصرية وكان هدفى هو الإجابة عن سؤال لماذا يتقدم الغرب ونحن نتأخر؟ وهل كان هناك مشروع نهضة حقيقى لمحمد على أجهضته مؤامرة غربية؟ وكان أمامى بدائل متعددة لدراسة مؤسسات الدولة، وقادنى البحث إلى أرشيفات الحروب المصرية فى السودان والحجاز والمورة والشام، والعقوبات التى كانت توقع على الجنود المصريين، وقررت بعد مناقشات دامت سنة مع مشرف الرسالة أن يكون مشروع الدراسة عن الجندى المصرى وأن أدع للجندى المصرى فرصة لأن يذكر روايته للأحداث وألا أقع أسيرا لرواية محمد على عن نفسه من خلال وثائق الدولة».
وجمع حفل التوقيع بعض من شاركوا خالد فهمى فى مشواره البحثى والمتعاونين معه حاليا فى لجنة توثيق الثورة التابعة لدار الوثائق القومية التى يرأسها، ودفع إعلانه عن تأثره بالواقع المصرى الحالى طوال فترة إعداده الكتاب إلى أسئلة من القاعة حول استعداد المصريين للثورة على حاكمهم، وهو ما دفعه إلى دعوة الباحثين إلى إعادة قراءة «هبّات» المصريين ضد الحاكم ذاكرا بعض الأمثلة التى أورد بعضها فى كتابه قائلا: «يجب قراءة حالات مقاومة المصريين فى الصعيد ضد محمد على ونظام التجنيد، وكيف تعرضوا للضرب بالمدافع فى المنوفية نتيجة مقاومتهم وهى مواقف احتجاجية قتل فيها الآلاف». كانت فكرة العقوبات البدنية أحد المقتطفات التى توقف عندها الكاتب جميل مطر فى بداية حفل التوقيع رابطا فكرة علانية العقوبة المطروحة فى الكتاب كأداة للضبط، وبين ما كان يحدث فى عهد مبارك من تسريب فيديوهات للعقوبات البدنية لإشاعة الذعر لدى المواطنين. مستعينا بفقرات تؤكد أن العقوبة البدنية «لم يكن هدفها فقط السيطرة على جسد الفرد فى ذلك الوقت، بل أيضا السيطرة على العقل».
وفى أثناء حفل التوقيع لم يخف خالد فهمى خطته فى التأريخ لمؤسسة الجيش حسب رواية الجندى المصرى دون أن ينكر حضور محمد على فى خلفية الأحداث، إذ يبدأ الكتاب بنقد صورة محمد على التقليدية وكيف تم رسمها فى الكتابات التاريخية ثم رحلة الجندى داخل المؤسسة العسكرية النامية بدءا من مولد الجيش وضم الفلاحين المصريين إليه، ثم كيف تتم السيطرة على الجندى الذى كان يخوض هذه التجربة لأول مرة فى حياته، وبعض تفاصيل حياته العسكرية، خاتما بحالة المقاومة والانسحاب، ثم يختم كتابه بالعودة إلى محمد على مرة أخرى فى ختام الكتاب.
وفى سؤال من «الشروق» حول هل كانت نشأة المؤسسة العسكرية فى تلك الفترة وسطوتها على بقية المؤسسات عنصرا مؤثرا على مسار التاريخ المصرى الحديث؟ خاصة أن هذا الرأى ما زال يروجه البعض الآن عن ضرورة إبقاء المؤسسة العسكرية فى مكانة سيادية فوق بقية المؤسسات. وأجاب خالد فهمى قائلا: «دول العالم الثالث هى التى تروج لفكرة سيادة المؤسسة العسكرية على بقية المؤسسات، ولا أنكر أن حالة الزهو بالمؤسسة العسكرية لمسته فى الولايات المتحدة نفسها، لكن على أرض الواقع فقد كانت هناك العديد من المؤسسات مثل الصحافة والقضاء والتعليم تعمل بقوة طوال التاريخ الحديث رغم تدهور بعضها مؤخرا، الأمر الأهم أن هو أن تجربة الجيش فى عهد محمد على مختلفة تماما عن الجيش اليوم، إذ كانت التركيبة العرقية مختلفة عن تطور الجيش فيما بعد، فقد كان جيش عرابى مختلفا عن الجيش فى ظل الاحتلال البريطانى، وعن جيش ثورة يوليو الذى استمرت ملامحه حتى اليوم». وأنهى خالد فهمى حفل التوقيع مختتما بقوله: «إن هناك تعاقدا بين الشعب و المؤسسات التى لها حق حمل السلاح، ومن حق أفراد الشعب أن يمارسوا نوعا من الرقابة على تلك المؤسسات وأن يتأكدوا من قوتها وحجم إمكانياتها، وهذا ما يزعزع فكرة أن المؤسسة العسكرية هى المؤسسة الوحيدة المستقرة وعليها أن تتسيد على بقية المؤسسات.. لأن هذا الجيش فى النهاية هو جيش الشعب، وليس جيش القادة».
PDF

Tuesday, May 31, 2011

كل رجال الباشا - كتاب يواجه أسطورة محمـد عـلى وجيشـه



لا يَخفى على رواد ندوات الدكتور خالد فهمى رئيس قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ــ تأثره بأطروحته الأولى عن جيش محمد على، التى حطم فيها أسطورة محمد على باشا وجيشه «الوطنى». وفى الطبعة الثانية من الكتاب الصادرة مؤخرا عن دار «الشروق» يصبح لهذه الأطروحة مذاق آخر، إذ تصبح القراءة عن تحطيم أسطورة محمد على أكثر إثارة فى زمن الثورة التى حطمت هى الأخرى أسطورة حاكم سابق استخدم دعايته وخلفيته العسكرية فى صنع أسطورته الخاصة. وبالمرور على فصول «كل رجال الباشا» تبدأ بعض القناعات فى التغير تدريجيا.. ليس فقط على مستوى موضوع الكتاب، بل أيضا ــ وهو الأهم ــ على مستوى رؤيتنا للتاريخ وكيف تم تقديمه لنا طوال العقود الماضية.
كتاب «كل رجال الباشا» هو ثمرة جهد عشر سنوات قضاها الكاتب مع موضوعه أثناء إعداد رسالة الدكتوراه فى جامعة أكسفورد البريطانية، وصدرت طبعته العربية الأولى عن دار الشروق فى عام 2001 بترجمة الدكتور شريف يونس أستاذ التاريخ بجامعة حلوان، ولم يخشَ خالد فهمى من أن يذكر أنه عجز عن إقامة علاقة مودة مع محمد على باشا، خاصة حين تيقن أن الفظائع التى ارتكبت فى عهده لم تكن بسبب «الحاشية الفاسدة، التى تحيط بالحاكم العادل»، بل كانت سياسات عامة قهرت السكان البسطاء كى يحقق محمد على أطماعه التوسعية. وتبرز لدى خالد فهمى قضيتان يمكن ملاحظتهما على مدى أكثر 450 صفحة، الأولى: هى اهتمامه بنقد الكتابات التاريخية التى كرست صورة عظيمة لمحمد على وعصره، أما الثانية: فهى البحث عن صوت المصرى المهمَّش من خلال دراسة مؤسسة الجيش والبحث عن الجندى المستضعف داخلها، معتمدا على فكرة «التأريخ من أسفل».
فى بداية مقدمة الطبعة العربية الثانية للكتاب يعرض فهمى حالة نموذجية للكتابات التاريخية المفخخة، التى تناولت عهد محمد على، ضاربا المثل برسالة من محمد على إلى أحد موظفيه أوردها أمين سامى باشا مؤلف كتاب «تقويم النيل»، وتم استخدام هذه الرسالة وقتها للتأكيد على فكرة «الحاكم المهموم بمصالح شعبه»، لكن خالد فهمى، الذى أطلع على أصل الرسالة المدونة بالتركية وجدها ذات معنى آخر تماما، بل وجد أنها تتضمن إهانات للمصريين. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل رصد فهمى أنه قد كان لتدخل الملك فؤاد الأول فى عملية التأريخ لجده الكبير وعملية الأرشفة أثرا على حركة الكتابة التاريخية فيما بعد، إذ تم اعتبار محمد على الكبير مؤسس مصر الحديثة.
كيف يصل خالد فهمى إلى صوت الجندى الغائب فى الوثائق التاريخية؟ كانت خطته تعتمد على أدوات كشفها مبكرا فى مقدمة الكتاب. إذ استعان أولا بالفيلسوف والمؤرخ الفرنسى ميشيل فوكو الذى لعب من قبل اللعبة نفسها مع التاريخ الأوروبى الحديث وتحديدا فى نقد مؤسسات الدولة الحديثة. لذا كانت المهمة واضحة أمام خالد فهمى فى نقده لمؤسسة الجيش وعلاقتها بالأفراد، كذلك استعان بمنهج «مجموعة دراسات التابع»، التى ركز مؤرخوها على دراسة من هم خارج النخبة السياسية، وهو منهج يصلح استخدامه فى حالتنا هنا مع جنود محمد على. تبقى قضية مهمة يطرحها خالد فهمى عن مدى وعى هؤلاء الجنود بفكرة الوطنية. بل فوق هذا يطرح سؤالا عن هل كان الباشا محمد على نفسه يؤسس جيشا وطنيا «مصريا» على اعتبار أنه يبنى دولة حديثة؟ هذه الفكرة الأخيرة كانت محركا لكثير من كتابات المؤرخين، الذين رأوا فى محمد على بانيا لمصر الحديثة مثل عبدالرحمن الرافعى الذى كتب فى كتابه «عصر محمد على» واصفا التجنيد فى الجيش بأنه «الدعامة الأولى التى شاد عليها كيان مصر المستقلة». لذا كان على خالد فهمى أن يشتبك مع هذه المسلمات التى راجت لعقود طويلة، أو حسب عبارة الدكتور شريف يونس ــ المترجم ــ فى مقدمته فإن «خالد فهمى يقوض جدرانا بأكملها من صرح النمط الوطنى السائد فى الكتابة التاريخية المصرية ومسلماتها». هذه الخطة تجعل لهذا الكتاب نوعا من الخصوصية، ورغم أن المؤلف يدرس أحوال جيش خاض حروبا ومعارك ضارية فإنه على القارئ ألا يتوقع قراءة مسلية عن فتوحات وانتصارات.. فالهدف هنا مختلف.

مواجهة مع الباشا
يشعر القارئ فى بعض الأوقات أن محمد على قد اقتطع مساحات كبيرة من الكتاب قد توازى حضور جنوده، ورغم أن العنوان الكبير هو: كل رجال الباشا، فإن خالد فهمى استهدف محمد على بقوة، لذا كان العنوان الفرعى للكتاب أكثر واقعية وهو: محمد على وجيشه وبناء مصر الحديثة. وفى مسيرة المؤلف يبدأ بنقد الأسباب التى صاغها المؤرخون أثناء تفسيرهم لحملات جيش محمد على العسكرية إلى الجزيرة العربية والسودان واليونان وسوريا، ويعرض من خلال الوثائق التى توصل إليها وجها آخر للعمليات العسكرية حين يروى قصة ضابط هارب من المعركة، مقارنا كيف تم عرض نفس القصة فى كتاب لمؤرخ عسكرى مثل عبدالرحمن زكى ذكر أن ذلك اللواء «تاه فى الضباب» وهى الرواية الوطنية، التى تصر دوما على الحفاظ على الكبرياء العسكرى للجيش المصرى. وبعيدا عن التأريخ للضباط والقادة يبحث خالد فهمى فى كتابه عن الجندى المهمش، بادئا بعرض البدايات الأولى لإلحاق المصريين بجيش الباشا، وذلك ما تكشفه رسالة من محمد على إلى مدير مديرية جرجا آنذاك عن رغبة الوالى فى تجنيد سكان محليين لتغطية مشاكل جنوده الأتراك فى السودان، لم تكن النية إنشاء «جيش وطنى» لتحقيق طموحات الوطن والاستقلال، لكنها كانت أسبابا أخرى. ويستمر خالد فهمى فى خطته بحثا عن الجندى فى زحام الأحداث، من خلال رصد العلاقة بين المؤسسة العسكرية والفرد، ليكشف عن «فرد» مقهور يتحول إلى رقم فى ملفات المؤسسة، لا يدرك دوره فى طموحات الباشا الكبير، يحاول الهرب والفرار من «الجهادية» حتى إن اضطر إلى تشويه جسده، أو تحمل المرض والقهر وهو مكره. هذه النقطة الأخيرة تغاضى عنها كثير من مؤرخى الوطنية الذين رأوا فى محمد على رمزا لمشروعهم الوطنى. ولا يكتفى الكاتب بذلك بل يضع محمد على فى إطاره العثمانى كوالٍ جاء إلى الحكم على غير رغبة كاملة من السلطنة، واستمر فى ولايته محاولا الحفاظ عليها مطيعا للسلطنة أحيانا، وعاصيا لها فى أحيان أخرى، متأثرا بنجم تلك المرحلة نابليون بونابرت ذى السمعة العسكرية الشهيرة. وبعد رحلة فى الوثائق يرى خالد فهمى أنه لم يكن من طموحات محمد على باشا فى يوم من الأيام أن يؤسس دولة مصرية حرة مستقلة، لكنه أراد حكما أسريا يرثه أبناؤه من بعده.
بعد الانتهاء من قراءة «كل رجال الباشا» قد تعلق فى الأذهان أمثلة ساقها الكاتب تضيء علامات استفهام فى رأس القارئ، حتى أن كان قد أجاب عنها الكتاب فى صفحاته، مثل تمسك محمد على بالتحدث بالتركية دون تعلم العربية حتى وفاته أو إبقائه على الجنود المصريين «أولاد العرب» فى درجة أقل من ضباطه المتحدثين بالتركية، أو عن شعور الجندى المصرى وهو يواجه عسكر السلطان العثمانى «المسلمين» فى المعركة، هل كان ذلك جهاد فى سبيل الله أم فى سبيل الباشا؟ لقد كانت الراية التى يحملها الجند أثناء مواجهات محمد على مع السلطان العثمانى كاشفة لحقيقة الموقف، لم تكن راية إسلامية، ولا ذات صبغة مصرية وطنية، كانت راية عليها شعار واحد.. هو اسم الباشا، محمد على.

Thursday, October 7, 2010

رحلة التعرف على الآخر .. بين الحوار والاشتباك

كتب - عبدالرحمن مصطفى
رغم أنهما لم يلتقيا من قبل فإن قناعتهما حول قضية العلاقات بين المسلمين والمسيحيين تكاد تكون متقاربة، الاختلاف بينهما فى طريقة البحث عن التسامح ونبذ التعصب، بينما ينتمى مينا ناجى (23 سنة) طالب الهندسة إلى مبادرة «عيش وملح» التى تتخذ من قضية المسلمين والمسيحيين محورا رئيسيا لها، فعلى الجانب الآخر يؤمن أحمد النيال عضو مبادرة «جلفى» لخريجى مدارس اللغات بأن أنشطة أخرى مجتمعية يمكنها أن تؤثر فى الإنسان وتجعله أكثر تسامحا دون أن يكون محورها قضية العلاقات بين المسلمين والمسيحيين.
تختلف المبادرتان فى قضية جوهرية لكن الهدف واحد، مينا ناجى ذكر أحد دوافعه لتأسيس مبادرة «عيش وملح» مع زملائه قائلا: «بدأت فى التعامل مع هذه القضية مع اللجنة المصرية للعدالة والسلام المهتمة بفكرة الحوار لكن دائما ما كنت أشعر أن هذه القضية دائما ما تنحصر داخل مناقشات الندوات والمؤتمرات، ولم تشتبك مع الحياة اليومية للناس، سواء فى الشارع أو حتى فى مجتمع الإنترنت». التقى مينا قبل أقل من عام زميله محمد شرف عن طريق تعليق عابر فى إحدى مجموعات شبكة فيس بوك الاجتماعية. وكانت قراءة المقالات والتعليقات المتبادلة بداية التعارف والنقاش ومن خلال ذلك انضم صديقان جديدان هما هشام حسن ثم رامى صبرى لتتسع حلقة النقاش وينتقل إلى لقاءات حية. وقررت هذه المجموعة تدشين مبادرة تحت عنوان «عيش وملح» للتعبير عن فكرة تقول: إن الحياة اليومية بين المصريين أبقى من أى مشاكل طائفية، وعلى الفيس بوك كتب أعضاء المبادرة رؤيتهم وأهدافهم مما استغرق منهم شهرين من اللقاءات والمتتابعة حتى تحددت رؤيتهم حول «إقامة عمل اجتماعى وثقافى ينهض بالمجتمع». وعلى مدى عدة أشهر بعدها عملت المجموعة على عملية البناء الداخلى بين أعضائها لتعزيز الثقة بينهم، من خلال مناقشات دورية بين الأعضاء المؤسسين، ويعلق مينا قائلا: «كنا نحاول ضبط أنفسنا على موجة واحدة، ربما جمعنا نبذ التعصب لكن كنا نبحث عن كيفية تحقيق هذا، كنا نناقش بعض الأحداث والتوترات التى تحدث بين الطرفين بحثا عن الأسباب، ووجدنا أن الجهل بعقيدة الطرف الآخر ووصول معلومات مغلوطة هو أحد الأسباب الرئيسية، وبعد أن كنا فى البداية نحاول تنحية الدين والعقيدة عن مناقشاتنا، وجدنا أنه لا بد أن يكون الدين هو الأرضية المشتركة لهذا العمل، خاصة أننا جميعا ملتزمون دينيا سواء من المسلمين أو المسيحيين». لا تخفى مجموعة «عيش وملح» أن قضيتها الأساسية هى العلاقات بين المسلمين والمسيحيين.. لكن على الجانب الآخر يرى البعض أن الأنشطة الاجتماعية التى تتسع للجميع دون النظر إلى مسألة الدين هى خير من يزرع داخل الفرد فكرة التسامح. أحد المؤمنين بهذه الفكرة هو المهندس أحمد النيال (30 سنة) عضو مبادرة «جلفى» التى تصدى لإنشائها أحد طلبة كلية الهندسة فى العام 92 وظلت حكرا على طلبة كلية الهندسة بالإسكندرية من خريجى مدارس اللغات الكبرى.
وعلى مدى هذه السنوات جمعتهم أنشطة تطوعية وخدمية على فترات متقطعة، يقول أحمد الذى انضم إليها عام 99: «كانت مبادرة (جلفى) هى امتداد للأنشطة التطوعية والخدمية التى عشناها فى مدارسنا ذات الأصل الكاثوليكى، ولم تشغلنا أبدا قضية العلاقات بين المسلم والمسيحى لأن المدرسة كانت تضم الطرفين وننهمك يوميا فى أنشطة ودراسة ولم يكن هناك مبرر للانشغال بهذا الأمر، أما تأسيس هذه المبادرة فكان الهدف منه هو الحفاظ على هذه الروح التى افتقدناها بعد دخول الجامعة والانخراط فى واقع المجتمع». تضم مبادرة «جلفى» اليوم ما بين 50 إلى 60 من خريجى هذه المدارس، لكن أنشط الأعضاء هم من ما زالوا طلابا فى هندسة الإسكندرية، أما أهم الأنشطة التى خاضوها سويا فى السنوات السابقة فكانت بين رعاية الأطفال المعاقين ليوم كامل بما يتبع ذلك من تحمل مسئولية الطفل وتغذيته، أو عمل مشروعات ترفيهية فى إحدى المناطق الفقيرة، وهو ما تعتبره المجموعة تكريسا للإحساس بالآخر أيا كان، يعلق أحمد النيال قائلا: «أحيانا ما أتعرض لمواقف أجد فيها إساءة أو تداول صور مشوهة عن المسيحيين، فى هذا الموقف أرد لا إراديا بهدوء إن كان الأمر يحتمل النقاش.
هذا التصرف ليس تصرفا شخصيا، أعضاء (جلفى) كلهم على الشاكلة نفسها، لأننا نشأنا على فكرة التسامح مع الآخر أيا كان، منذ سنوات الطفولة ومن خلال أنشطة (جلفى)، فالتسامح لا يقتصر على علاقة المسلم بالمسيحى فقط». يذكر أحمد أن تجربة «جلفى» أحيانا ما عانت من انشغال أعضائها عن هذه الأنشطة، بل إن بعض المحاولات الشبيهة لإقامة مبادرات فى كليات الطب والتجارة بجامعة الإسكندرية لم تكلل بنفس النجاح الذى حققته «جلفى» فى كلية الهندسة.

صالون «العيش والملح»
هذا القلق الدائم لمن يخوض تجربة العمل التطوعى يسيطر أيضا على أعضاء مبادرة «عيش وملح» رغم أنها ما زالت فى البدايات، لكن ذلك القلق مبعثه تجارب سابقة لمبادرات قريبة من المضمون نفسه انتهت إلى التوقف، لماذا لا تحقق المبادرات الاجتماعية الشبابية نفس نجاح غيرها من الحركات السياسية؟ ترى الدكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع والخبيرة بالمركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية أن ضعف انتشار مثل هذه المبادرات مقارنة بتأثير حركات الاحتجاج السياسية التى ظهر بعضها على الإنترنت مثل حركة 6 أبريل وغيرها يرتبط بطبيعة الشباب أنفسهم، إذ تقول: «هذا العمل الطيب هو خارج سياق اتجاهات الشباب، إذ تزيد فى هذه المرحلة الرغبة فى التعصب والحماس الزائد لقضية ما، سواء كانت دينية أو سياسية، وهو ما ينذر بخطورة استغلال هذه الطاقة استغلالا سيئا، لذا فإن مثل هذه المبادرات الطيبة تعانى صعوبة أثناء سعيها لنشر أفكارها المتسامحة، خاصة فى مجتمع يحفز على التعصب». وترى الدكتورة عزة كريم أيضا أن غياب القائد أو القدوة على مستوى المجتمع أصبح يمثل كارثة حقيقية، وتوضح ذلك بمثال: «حين ظهر البرادعى التف حوله كثير من الشباب المتحمس ورفعوا صوره، لكن ذلك الحماس انحصر فى السياسة دون تناول القضايا المجتمعية اليومية، بل حتى قبل التعرف على هذا القائد المأمول.. أما المشكلة الأهم فهى أن الدولة نفسها عليها أن توجد مناخا يشيع هذا النوع من المبادرات، وهو ما لم تقم به الدولة أو الأحزاب». فى مبادرة «عيش وملح» اختارت المجموعة آليات الاستمرار من خلال الاعتماد على الفيس بوك فى التعريف بفكرتهم، بالإضافة إلى الترشيح الشخصى لأعضاء جدد من الأربعة المؤسسين، وذلك لتوسيع المبادرة وإدماج «جيل ثانى Second Wave» حسب تعبير مينا ناجى.
وأخيرًا كانت هناك خطوة إلى الأمام من خلال إقامة الصالون الأول للمبادرة حيث كان الموضوع الرئيسى هو الخوف من الآخر، يقول مينا ناجى: «نعلم أننا ما زلنا فى البدايات، لكن هذا لا يمنع طموحنا من أن نقيم محاضرات مستقبلية للنقاش على سبيل المثال حول المفاهيم الغامضة لدى الطرفين، خاصة أننى أنا وصديقى رامى درسنا لاهوتا، أما زميلاى هشام حسن ومحمد شرف فقد درسا العلوم الشرعية الإسلامية وهو ما يتيح لنا التعامل مع الأديان وإدارة الجلسات بشكل مقبول، وتنسيق أنشطة خدمية على الأرض». تطمح «عيش وملح» على المدى البعيد فى العمل داخل إطار مؤسسى، وذلك بهدف توسيع أنشطتها التى ما زالت قائمة على التطوع. على الجانب الآخر يرى أحمد النيال عضو مبادرة «جلفى» أن الزمن قد تغير كثيرا عن وقت مشاركته فى «جلفى»، لاحظ هذا عبر تضاؤل أعداد المسيحيين فى السنوات الأخيرة داخل المبادرة.
ورغم أن أعضاء هذه المبادرة لا يرون داعيا لإبراز عناوين عن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين فى أى عمل مشترك، ويصرون على الاكتفاء بالعمل الخدمى لذاته، إلا أن أحمد النيال نفسه وجد أن هناك تغيرات تحدث من حوله لابد من التعامل معها، ويشرح ذلك بقوله: «تحدثت مع زملائى ذات مرة داخل (جلفى) وخارجها عن أننا فى حاجة إلى النزول إلى الشارع عبر عمل تطوعى لإبراز روح التعاون بين الطرفين المسلم والمسيحى، بالطبع لن يكون الهدف بأى حال المباهاة أو تكريس الطائفية فى المناخ الحالى.. هذه الفكرة طرحت لكنها لم تنفذ بعد». عن نفسه يرى أحمد النيال أن «جلفى» صنعت روحا وبثتها فى أعضائها حين دفعتهم إلى العمل المشترك وترسيخ ما عاشوه فى مدارسهم من تعود على نبذ التعصب، أما مينا ناجى أحد مؤسسى مبادرة «عيش وملح» فيطمح هو الآخر إلى نشر فكر المبادرة على مستوى أوسع ويؤكد أن «العيش والملح» والحياة اليومية أبقى من الخلافات، وأننا فى حاجة إلى مزيد من الجهد للتعرف على بعضنا البعض والمزيد من الحوار لنبذ التعصب.


تصنع شبكة الانترنت مفارقة لدى مستخدميها حين تصلهم رسائل متعصبة يمرون بها إلى جوار رسائل أخرى أكثر تسامحا، تكفى بضع ضربات على أزرار «الكيبورد» حتى تظهر نتائج لمواقع بعضها ضم مكتبات وأرشيفات لكتب مسيئة إلى الأديان تحض على التعصب. وسط هذه الأجواء اختار شمعى أسعد الموظف بوزارة الاتصالات أن يراقب من بعيد، مكتفيا بمساحته التى يعبر فيها عن نبذة للتعصب والكراهية.. فى مدونته «قصاقيص ورق» سجل تعليقات على الأحداث لكنها لم تكن كافية لنقل مبادرته إلى شريحة أكبر. «ظل الأمر هكذا حتى تحدثنا أنا والناشر(دار دون) فى فكرة كتاب ينقل صوت المسيحى إلى المسلم مع عرض مشاهد يومية من الحياة والتعرض للقضايا الشائعة فى هذا المجال».استغل شعمى الفرصة فى طرح كتابه «حارة النصارى» الذى يعتبره بمثابة مبادرة شخصية، محاولا عرض المعاناة اليومية الخاصة بشريحة كبيرة من المسيحيين من خلال مشاهدات وذكريات ومقالات، إلى جانب القسم الثانى من الكتاب حيث يحاول الإجابة عن أسئلة الطرف المسلم التى لا يجد هذا الأخير من يحاوره فيها بسبب تحفظ البعض فى التحدث مع المسلمين عن الدين المسيحى، كأن يتناول مفاهيم مسيحية مثل: الصليب، والرهبنة، والكنيسة، والثالوث بل وبعض أصول الأسماء المسيحية.
فى آخر موضوع على «قصاقيص ورق» تعرض شمعى أسعد لموقف قرر طرحه أمام زوار مدونته، حول مناقشة دارت بينه وبين أحد المعلقين فى المواقع الإخبارية، ونقل الحوار كما هو محذر من مستقبل مصر فى ظل التعصب، تلك «الدردشة الالكترونية» التى نقلها شمعى إلى مدونته كانت تحمل كما كبيرا من الصور النمطية والمغالطات فى حق الأقباط، بعضها تناوله شمعى أسعد فى كتابه، مثل علاقة المسيحيين المصريين بأمريكا وغير ذلك من عبارات الوصم التى يستخدمها المتعصبون. هذا الجدل والتحمس أحيانا ما يؤدى بالبعض إلى مشاكل أكبر، ففى الوقت الذى كان يحتفل به شمعى بإصدار الطبعة الثانية من كتابه، كان قد أفرج قبلها بأسابيع قليلة عن المدون هانى نظير الذى اعتقل على خلفية نشر إعلان لكتاب الكترونى على مدونته فى العام 2008.أما إعلان الكتاب الذى تسبب فى اعتقال المدون القبطى حسبما تفضل وصفه بعض المواقع الإخبارية فكان لكتاب «تيس عزازيل» الذى كتبه «الأب يوتا» ردا على رواية «عزازيل» للدكتور يوسف زيدان، حتى هذه اللحظة هناك تتضارب آراء حول الشخصية الحقيقية للأب يوتا الذى يكتب باسم مستعار ضد الإسلام على بعض المواقع الإلكترونية، لكن الأكثر واقعية هو ما تعرض له المدون هانى نظير من اعتقال ثم تلاشى موضوعات مدونته التى كانت صاخبة طوال الوقت. يقول شمعى أسعد إنه اختار منذ البداية أن يوجه رسالته إلى الآخر بأسلوب واحد سواء فى المدونة أو فى الكتاب، ويعلق قائلا: «قررت أن أعرض الفكرة بهدوء بعيدا عن صخب مواقع أقباط المهجر، لأن المشكلة أن بعض نشطاء المهجر اهتموا بقضايا سياسية على حساب القضايا المجتمعية والحياة اليومية التى يعيشها المسلم مع المسيحى، ما زاد الأمر سوءا».
رواية «تيس عزازيل» التى ظهرت فى العام 2008 للمؤلف ذى الاسم المستعار تبدأ مقدمتها كالتالى: «إننا أمام حقيقة مؤكدة وهى أن المسلمين يعانون حالة مرضية مزمنة تؤذى غير المسلمين وتسبب أضرارا جسيمة للبشرية جمعاء»، مثل هذه العبارات ليست فقط فى مقدمة الرواية الضعيفة حسب رأى عدد من المتخصصين، بل التعليقات المماثلة تكثر على العديد من المواقع وتتحول إلى رسائل تحتاج إلى الرد، وهكذا تدور كرة الثلج حتى تتضخم وتتسع دائرة التعصب.. فى هذه الأجواء يجد شمعى أسعد أن تخوفه الوحيد هو من الطرف الثالث فى المعادلة، ويشرح ذلك موضحا: «بعض الأجيال لم تعِ وجود فترات ازدهار فى العلاقة بين المسلمين والمسيحيين قبل الأحداث التى أصبحت تتوالى أخيرًا، فلا يصل إليهم سوى المحصلة النهائية، فيتأثر بعضهم بأى تشنيع على الطرف الآخر وينعكس هذا على الحياة اليومية».
فى مقدمة كتابه يقول شمعى أسعد: «عزيزى المسلم.. إذا كانوا قد قالوا لك إن (المسيحيين ريحتهم وحشة) حتى أقنعوك، وإذا كان أحدهم قد أخبرك بيقين أن الأديرة تعج بالأسود والنمور لتأديب المرتدين عن المسيحية وصدقت أنت ذلك، وإذا كانوا قد رددوا كثيرا على مسمعك أن الكنائس لم تعد كنائس بل صارت مخازن أسلحة وذخيرة حتى صرت تنزعج من وجود الكنائس، إذا كنت صدقت أن (الأقباط خونة) أو أن رجال الدين المسيحى يلبسون ملابس الحداد حزنا على وجودك أنت شخصيا.. فأنت تحتاج لقراءة هذا الكتاب». هذه الرسالة التى أراد توجيهها إلى قرائه ربما لن تكون الوحيدة طالما ما زال الانترنت يعج بالمتسامحين، لكن المفارقة أيضا تكمن فى أن ديمقراطية الانترنت ستتيح الفرصة أمام كتب الكترونية تحض على التعصب، وذلك دون بوصلة تحدد الاتجاه للقارئ سوى نواياه الطيبة ووعيه المسبق.
تكملة الملف : عمرو عزت يرصد الاشتباكات

Tuesday, September 13, 2005

قراءة في كتاب القرآن وكفي مصدرا لتشريع الاسلامي

عبدالرحمن مصطفى ـ مصر

أتيحت لي فرصة الاطلاع على كتاب ( القرآن وكفى مصدرا للتشريع الإسلامي) للدكتور أحمد صبحي منصور، والذي يدعو فيه إلى هجر الأحاديث النبوية، بعدما اعتبرها ليست بالأقوال التي يؤخذ بها، فدعا إلى الاكتفاء بالقرآن الكريم مرجعا وحيدا للتشريع، والابتعاد عن متابعة أقوال وأفعال نبي الاسلام محمد عليه الصلاة والسلام. مراجعة هذا الكتاب كانت محاولة مني لفهم منطق د. منصور وهو يحاول إثبات رأيه، وقد قدم د. منصور في كتابه أفكارا جديدة زينها بكم كبير من الآيات، غير أن المتابع لاستخدام الدكتور منصور لتلك الأيات قد يجد بعض الثغرات فيما ذهب إليه.

يبدأ الكتاب بمدخل يسرد فيه الكاتب بأسلوب ملحمي قصة نشره هذا الكتاب.. ثم ينتقل إلى الفصل الأول الذي أعطاه عنوان (القرآن الكريم هو المصدر الوحيد للإسلام)، وحاول الكاتب من خلال عدد من النصوص القرآنية تأكيد فكرة أن القرآن كتاب جامع مانع لا يحتاج إلى أي كتاب معه، والحقيقة أن هذا أمر متفق عليه، بل نستطيع اختصار الطريق على الكاتب ونعلن أن القرآن قد أنزله الله على رسوله، دون أن ينزِّل معه صحيح البخاري أو مسلم أو أي من كتب التفسير...!
وفي أول فصوله تمجيد القرآن تمهيدا لعرض فكرته الأصلية عن كتب الحديث التي يراها بلا فائدة، فيعرض علينا كما كبيرا من النصوص القرآنية التي ترهب من يفكر في الاستعانة بأي كتاب آخر بجانب القرآن... فكانت تلك البداية إشارة من الكاتب بأسلوب غير مباشر إلى أن الاستعانة بكتب الحديث هي ضلال وبعد عن كتاب الله.. على أساس أن القرآن قد نزل } تبياناً لكل شىء{ (89) النحل ، ولا حاجة لأي حديث بعده } فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون{ (6) الجاثية .

وهنا نتوقف لنتساءل.. هل كانت تزكية الله لقرآنه الكريم مبررا في أن نبتعد عن كتب الحديث التي جَمَعت لنا أقوال وأفعال الرسول..؟؟ وإذا كان الأمر كذلك.. فكيف لم يتعرض القرآن لهذا الأمر من خلال نص صريح ومباشر..؟! لماذا لم يصرح القرآن بأن نبتعد عن تتبع أقوال وأفعال محمد عليه الصلاة والسلام...؟؟ أكان الله ليتركنا في ضلال..؟! الكاتب لم يأت بنص قرآني صريح مباشر يدعونا للابتعاد عن تتبع أقوال وأفعال محمد عليه الصلاة والسلام.

ولعل ما ذهب إليه الكاتب في رأيه هذا ما يعارض القرآن نفسه.. خصوصا مع نص قرآني كقوله تعالى: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " (44) النحل، فالنص كما هو واضح دعوة من الله إلى رسوله كي يبين للناس ما نزل إليهم من قرآن، وبالتالي يصبح الناس في حاجة إلى أقوال وأفعال الرسول.. غير أننا نجد د.منصور يأول النص – مخالفا لأراء المفسرين- بقوله أن كلمة }الناس{ في الآية السابقة مقصود بها أهل الكتاب فقط، وذلك اعتمادا على تفسيره للآية السابقة عليها: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ " (43) النحل، وهذا التفسير أو التأويل من الكاتب فيه تكلف شديد.. فكما هو معلوم أن محمد عليه الصلاة والسلام قد أرسل للناس كافة، مصداقا لقوله تعالى " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ " (28) سبأ، كما أن الْقُرْآن قد أنزله الله تعالى للناس كافة }إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ{ (27) التكوير.

إذن فالرسول ما كان لينزِّل الله عليه قرآنا فيبينه لقسم من الناس كأهل الكتاب دون الآخرين كما ذكر الكاتب، وإذا كنا سننساق مع قول الكاتب، فسنجد أنه سيكون على الرسول أيضا أن يبين للمسلمين (ما نزل إليهم) ، فكون القرآن قد نزل لكل الناس، وكون محمد رسول لكل الناس، فهذا يجعل مهمة الرسول هي أن يبين للناس كافة ما نزل إليهم، وهذا ما أوضحه الطبري في تفسيره لقوله تعالى { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } بقوله: لتعرفهم – يا محمد- ما أنزل إليهم من ذلك، و ذكر القرطبي في تفسيره أن: الرسول صلى الله عليه وسلم مبين عن الله عز وجل مراده، مما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة، وغير ذلك مما لم يفصله. إذا فنحن في حاجة لمتابعة أقوال وأفعال محمد عليه الصلاة السلام التي (تبين) لنا ديننا، كي تكتمل الصورة مثلما أوضح لنا القرآن.

وهكذا نرى الأمور قد بدأت تتواءم مع طبيعة المنطق، بل إننا نجد ما يؤيد هذا في قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا " (59) النساء، وحسبما جاء في تفسير الجلالين أن الآية دعوة إلى رد الأمور الخلافية إلى "الله" أي كتابه القرآن، "والرسول" أي في مدة حياته.. و بعده باتباع سنته، وذلك خير من التنازع والأخذ بالرأي. لكننا نجد الكاتب يحاول أن يدور على المعنى مرة أخرى، ويأتي بفكرة جديدة تسعى إلى التفريق بين محمد الرسول، ومحمد النبي... فالكاتب يذهب إلى أن الله يدعونا إلى طاعة محمد (الرسول)، على أساس أن الله–في رأي الكاتب- لم يأمر المسلمين في أي موضع من القرآن بأن " يطيعوا النبي"..!

وحجة الكاتب في ذلك كم كبير من الآيات حاول أن يوضح من خلاله أن لفظ النبي دائما ما يأت مع حياة محمد الاجتماعية والإنسانية، أو عند ارتكابه لخطأ ما، فيأت القرآن ليقومه بعد ذلك، واستشهد في ذلك – على سبيل المثال- بما وقع للرسول من خداع على يد بعض المنافقين، عندما ناداه القرآن مخاطبا: " إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا" (105) النساء.. هذا كان مع محمد النبي، بينما محمد الرسول – عند الكاتب - هو ناقل للقرآن الذي تعهد الله بحمايته من أي سوء أو خطأ.. ويدعونا الكاتب إلى إتباع ما قام به محمد سواء كان النبي أوالرسول من خلال ما ذكر عنه داخل القرآن فقط، بل جعل الكاتب أحاديث الرسول هي ما قاله الرسول ضمن نصوص القرآن، فالسنة القولية للرسول عند أحمد صبحي منصور هي في القرآن وحديث القرآن، وما تكرر فيه من كلمة "قل" الموجهة لمحمد عليه الصلاة والسلام.
وعليه.. فيصبح تتـبُّع أفعال النبي وأقواله خارج النص القرآني أمر غير مطلوب، بل هو أمر منهي عنه على أساس أن المرجعية الوحيدة للمسلم هي القرآن.. إذن فالكاتب يذهب إلى أن أقوال وأفعال محمد رسول الله هي –فقط- ما جاء في القرآن، وهي المطلوب منا أن نتبعها من خلال الآيات..

ولعل ما ذكرناه سابقا عن قوله تعالى: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " (44) النحل، يرد على ما ذكره الكاتب هنا.. فلكي يبين الرسول ما نزل إلى الناس فعليه أن يواجههم ويتحاور معهم، ويقترح عليهم حتى }يتفكرون{، فيأتي من يعقبه من أجيال تالية فيجمع هذه (النبويات) كي لاتكون حكرا على من سبقهم فقط.

ورغم إعجابنا بفكرة الكاتب حول التفريق بين شخصية النبي وشخصية الرسول، إلا أننا لا نتفق معه فيما ذهب إليه من أن شخصية النبي محمد لا يجب البحث وراءها واتباعها إلا من خلال ما ورد عنها في القرآن، على أساس أنها خارج سياق الوحي... لأن الكاتب برأيه هذا حول الرسول إلى مجرد موظف لدى الإله، يترك وظيفته في ميعاد محدد فيتحول إلى نبي لا علاقة له بالسماء والوحي..!
والرد على هذا الأمر موجود في القرآن أيضا.. ويؤكد ما ذهبنا إليه من قبل في أن من واجبات محمد (الرسول والنبي) أن يبيِّن { لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ }.. فلا فرق في هذا الأمر بين محمد الرسول و محمد النبي ، فكلاهما هو محمد عليه الصلاة والسلام..

يقول تعالى: " إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا " (163) النساء، وهنا يوضح الله تعالى أن الأنبياء كان يوحى إليهم.. و منهم أنبياء فقط، وليسوا برسل، أو أصحاب رسالات وكتب سماوية.

وقد وُصف محمد عليه الصلاة والسلام بالنبي والرسول في مواضع عديدة من القرآن، كقوله تعالى: " قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ" تَهْتَدُونَ " (158) الأعراف.. إذا فمحمد هو رسول ونبي، وكما رأينا منذ قليل في الآية (163) من سورة النساء أن الأنبياء أيضا في كانوا حالة وحي حتى لو كانوا بدون رسالة، فعلى هذا...لا يمكن لنا أن نهجر أفعال النبي محمد وأقواله التي لم تذكر في النص القرآني، بل إن علينا أن نتتبعها لأن فيها وحيا لكنه غير مكتوب داخل رسالة أو نص كتابي.

وعموما.. فعلى ما يبدو أن ما يدعو إليه د. أحمد صبحي منصور لا يصلح من الناحية العقائدية، أما من ناحية المنطق، فكيف نقبل بآراء الفقهاء والمفسرين والمجتهدين، ونهمل ما كان يقال على لسان رسول الله بين أصحابه وفي مجالسه..؟؟ ثم إن محمدا هو نبي القرآن، وليس كنبي الله عيسى أو موسى أو أي من الأنبياء الذين نكتفي بالقراءة عنهم في القرآن.. إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يفسر القرآن ويوضح للناس ما جاء فيه، وأقدم للقاريء هذا الحديث الذي قد يوضح لنا أهمية الحديث النبوي للقرآن: في صحيح البخاري : ‏حدثنا ‏ ‏قتيبة بن سعيد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏جرير ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏عن ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏عن ‏ ‏علقمة ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله ‏ ‏رضي الله عنه ‏ قال: لما نزلت " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله " إنه ليس بذلك... ألا تسمع لقول لقمان: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم "

يوضح الحديث السابق أهمية الحديث في تفسير القرآن، وكيف أن الرسول قد أوضح أمرا كان غائبا عن الصحابة من داخل النص القرآني، ليضع بذلك أسوة لمن يجتهد في النص الديني، وما هذا الحديث إلا مثالا فقط... فكثير من الأحاديث الأخرى توضح أسباب نزول الآيات وملابسات نزولها، ولا أدري كيف هو الأمر مع الدكتور صبحي منصور..؟؟ هل لديه البديل عن تلك الأحاديث النبوية كي يوضح لنا ملابسات نزول الآيات..؟! أظن أنه من الصعب علينا أن نهمل تاريخ نزول القرآن و الخلفية التاريخية لنزول آياته.

ربما جاء هذا الكتاب تعبيرا عن روح جديدة ساخطة وسط مجتمع الشيوخ والفقهاء المصاب بالركود، غير أن صاحب الكتاب على ما يبدو قد تطرف بعض الشيء واستخدم التأويل كثيرا في تفسيراته، وقد عبر هذا التطرف عن عجز حقيقي في وضع أسس منهجية للتعامل مع كتب من نوعية كتاب البخاري وغيره، فكانت النتيجة أن أنكر البخاري وكتب السنة تماما، بدلا من العمل على إصلاح الخطأ الذي نواجهه.. ومهما حوت تلك الكتب من أحاديث لم نعد نقبلها الآن-وهي التي ركز عليها الكاتب في فصله الأخير- إلا أن هذا ليس مبررا لهجر الحديث النبوي كله والبعد عن أفعال الرسول.. ولعل الكاتب لم يوضح لنا إلى ما نستند في معرفة كيفية الصلاة أو الزكاة أو الحج و غيرها من العبادات..!

* في النهاية.. يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران.