Showing posts with label تحقيقات. Show all posts
Showing posts with label تحقيقات. Show all posts

Sunday, May 24, 2015

أنشطة للهروب من التوتر والقلق

بين ركوب الدراجات وجلسات التأمل وتمارين الزومبا.. أنشطة تضم مشاركين يهربون من صخب الحياة واستنزافها إلى مجموعات تتبنى الترفيه والمرح والسعى إلى التغيير، بعضهم تبدلت حياته بعد ممارسة هذه الأنشطة، وآخرون اكتفوا بالمشاركة والحصول على هدنة، ترتاح فيها عقولهم من التوتر والقلق.
..
«جمعة الدراجات» الأسبوعية.. هواية وترفيه ومرح
فى تمام الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الجمعة، فى شارع قريب من ميدان الساعة فى حى مدينة نصر، تتراص الدراجات فى انتظار اكتمال عدد المشاركين فى جولة بين مدينة نصر وباب الفتوح فى منطقة الجمالية، يلتقط بعض الواقفين دراجات لتجربتها فى الوقت الذى ينشغل فيه مؤسسو فريق (يلا عجلة) بتنظيم ترتيبات الفعالية.
«نتطلع إلى تحقيق نجاح فى نشر ثقافة ركوب الدراجات، وأن ننجح كفريق فى جذب رعاة لنشاطنا، وأن نتوسّع بشكل أكبر ويزداد عدد المشاركين، فما زلنا فى بداياتنا الأولى». يتحدث محمود مصطفى المهندس الشاب بإحدى شركات البترول عن تجربته التى خاضها مع زميليه معتز هشام ومحمد صلاح، حين أسسوا فريق (يلا عجلة) الذى بدأ نشاطه مع بداية شهرمايو. فى ذلك اليوم كان الاختيار أن تكون مدينة نصر هى نقطة انطلاقهم بسبب سعة شوارعها، وإمكانية الانتقال إلى العديد من الأماكن الأخرى المجاورة ذات الشوارع الفسيحة.
هناك أسلوبان للمشاركة فى فاعليات الفريق، الأول أن يأتى المشارك بدراجته الشخصية، أما الثانى فأن يؤجر المشارك دراجة فى مقابل 25 جنيها.
«القيمة منخفضة نسبيا عن فرق أخرى، ولا نحصل إلا على ما يغطى نفقات الرحلة الواحدة، مع هامش ربح بسيط يغطى ثمن دراجات الفريق على المدى البعيد». مازال الحديث لمحمود مصطفى الذى بدا مشغولا مع زملائه فى توضيح بعض النقاط للمشاركين، أهمها أن الرحلة ليست سباقا، وأن على كل فرد أن يظل ملتزما بالتحرك خلف زميله دون الانحراف إلى منتصف الشارع.
فى يوم الجمعة من كل أسبوع تنشط عدة مجموعات لقيادة الدراجات صباحا، حيث تنتشر فى مناطق مثل التجمع الخامس، ومصر الجديدة، والزمالك، والمعادى، وغيرها. ففى صباح اليوم نفسه الذى خاض فيه فريق (يلا عجلة) فعاليته، كان أعضاء فريق (فوربايك) قد اجتمعوا من الساعة السابعة صباحا فى حى الزمالك للانطلاق فى جولتهم بين شوارع الحى الهادئ صباحا. وكانت البدايات الأولى لظهور مجموعات ركوب الدراجات مع العام 2008 بين القاهرة والاسكندرية، كان أبرزها مجموعة (سايكل إيجيبت) ومجموعات أخرى ظهرت فى منطقة مصر الجديدة بالقاهرة، حتى توالى ظهور المجموعات المشابهة فى السنوات الأربع الأخيرة. ومع توالى ظهور تلك المجموعات كان محمد سليمان أحد من تابعوا تطورها على مدى تلك السنوات، واختار أن يؤسس فريق (فور بايك) فى العام 2012 للمهتمين بعالم الدراجات، حيث لم يقتصر نشاط الفريق على منطقة محددة، بل انتقل بين المحافظات وخارج القاهرة.
«ما رأيته خلال سنوات قضيتها فى هذا المجال، أن هناك من يتعاملون مع الأمر على أنه وسيلة ترفيه يحتاجها بصورة أسبوعية، وآخرون يعتبرونه نشاطا ينطلقون من خلاله فى شوارع القاهرة بحرية وأمان، هذا بعيدا عن كون قيادة الدراجات وسيلة انتقال نموذجية». هكذا تحدث مؤسس فريق (فور بايك) عن شخصيات شاركت معه على مدى سنوات، خاضوا فيها حب الانطلاق بين أماكن متنوعة، مستكملا حديثه قائلا: «يشارك معنا شخصيات ذات مناصب ومسؤوليات عالية، لكنهم وجدوا فى قيادة الدراجات فرصة للانطلاق والهروب من الضغوط اليومية».
بالعودة إلى ميدان الساعة فى مدينة نصر وفريق (يلا عجلة)، فإن المشاركين قد بدأوا فى الاستعداد للانطلاق بدءا من الساعة الثامنة صباحا. ياسر حلمى وإسراء أحمد طالبة الفنون الجميلة، كانا ضمن المشاركين مع أصدقائهما، وبينما يتذكر ياسر بعض المواقف التى تعرض فيها لسخرية من المارة، وهو ما حدث بشكل سريع أمام بوابة الفتوح فى ذلك اليوم، حين تلقوا عبارات مازحة من المارة، إلا أن زميلته إسراء تتذكر مواقف إيجابية مثل دعم المارة لها كفتاة تنطلق بدراجاتها فى فعاليات سابقة. وفى فعاليات أخرى يعود بعض المشاركين إلى منازلهم ليدونوا انطباعاتهم على صفحة الفريق فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، ويقدموا عبارات من نوعية «لازم أشكركم بجد إنتم شقلبتم يومى كله.. عمر ما كان هيكون كده الا بيكوا. أنا فخووور بيكوووا جدا جدا» هذا ما ذكره أحدهم فى إحدى الفعاليات الأخيرة.
بدأت رحلة فريق (يلا عجلة) فى شارع صلاح سالم، بمشاركة فريق آخر هو (كايرو سبورت)، وهو فريق لا يتخصص فقط فى ركوب الدراجات، بل يهدف إلى تشجيع الرياضات والترفيه بشكل عام، ينظم مباريات فى البولنيج والمشى والتنس وغيرها، وفى ذلك اليوم كانت هناك شراكة بين المجموعتين فى الانطلاق سويا إلى القاهرة الفاطمية، حيث لم يقتصرالأمر على مجرد التحرك بالدراجات، بل أعقبه جولة فى شارع المعز وإفطار جماعى.
تسعى فرق قيادة الدراجات إلى تقديم خدمات أفضل وتحقيق سمعة جيدة لدى المشاركين، ليجنى أكثرها نشاطا فرصة كسب رعاة لفعالياته والحصول على دعم من جهات مهتمة بهذا النشاط.
«ندعم قيادة الدراجات لما يمكنها أن تقدم من حلول لمشاكل التلوث البيئى وتجاوز مشكلة الزحام، لذا نتواصل مع فرق قيادة الدراجات المختلفة، وندعم رسم خطوط أرضية تحدد مسارات الدراجات فى طرق مدينتى شبين الكوم والفيوم». تتحدث ندى طنطاوى الاستشارى الإعلامى لمشروع استدامة النقل فى مصر، الذى ينفذه جهاز شئون البيئة بتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائى ومرفق البيئة العالمية. وترى المستشارة الإعلامية أن على الدولة أن تقدم خدمات تدعم هذا التوجه، بتحديد طرق ومسارات تساعد فى انتشار الفكرة، طامحة أن تتاح الفرصة للمتطوعين بأن يتحركوا لطلاء مسارات فى الطرق للدراجات، وتقول: «انتشار الفرق التى تشجع على قيادة الدراجات هى بداية قبول قيادة الدراجات فى الشارع». ويخصص «مشروع استدامة النقل فى مصر» أماكن قرب الجامعات ومحطات النقل لتخزين الدراجات، على أمل تسهيل الضغوط التى تواجه قائد الدراجة فى الشارع المصرى، على حد قول ندى طنطاوى. أما الهدف الأبعد ذو الطابع الدولى، فهو تخفيض الانبعاثات ودرجة التلوث باللجوء إلى وسائل نقل آلية كالدراجات.
..
«ينشغل عقلنا بتفاصيل الحياة اليومية وأعبائها، لذا نسعى هنا إلى تنشيط العقل الباطن، وأن نعط استراحة لعقلنا من الاستهلاك اليومى». يتحدث مصطفى جاد مؤسس مبادرة سلام الدولية ومدرب التأمل، وهو يجلس فى صالة جانبية من مكتبة البلد فى منطقة وسط البلد القاهرية، حيث يبدأ فى تجهيز المكان لجلسة التأمل الأسبوعية التى تحمل عنوان «التخيل الذهنى على الطريقة الصوفية». يوقد الشموع ويشعل أعواد البخور، وفى خلفية حديثه موسيقى معـَدة خصيصا لجلسات التأمل، ألّفها موسيقيون متخصصون بهدف التحكم فى مزاج الحاضرين بنغمات الموسيقى. يستكمل مصطفى جاد حديثه قائلا: «هناك أنواع عديدة من التأمل، واخترنا التأمل التجاوزى فى هذه الجلسة، حيث نتجاوز التفكير الظاهر بتفكير آخر باطنى، ونفتح مساحات للتخيل والاسترخاء من أجل راحة العقل».
تدرب مصطفى جاد على يد متخصصين عرب وأجانب فى مجال التأمل، مضيفا لمساته على جلسات التأمل التى ينظمها مع الالتزام بالقواعد العامة المتفق عليها فى هذا النوع من الجلسات. وأسس مصطفى جاد فى العام 2013 مبادرة سلام التى تعمل فى العديد من المجالات الفنية، منها الفن الروحانى كالتأمل واليوجا، كما يتم توجيه الحاضرين فى بعض الجلسات إلى الرسم أو العزف أثناء الجلسة.
تبدأ الجلسة وسط رائحة البخور حين يدخل أعضاء الجلسة الذين التقوا لأول مرة إلى الصالة، ويطلب المدرب أن يجلس كل شخص بعيدا عن أصدقائه أو أقربائه حتى يشعر بحرية أكبر فى أثناء الجزء الخاص بالتخيل دون تأثير خارجى، يجلس الجميع فى دائرة تحيط بها رائحة البخور من كل جانب، ويشرح المدرب الأقسام الثلاثة للجلسة، ثم يبدأ الجزء الأول بمجرد إطفاء الأنوار والإبقاء على ضوء الشموع، مع نور بسيط يتسلل أسفل ستارة سوداء فى واجهة الصالة.
من بين نحو 20 فردا جمعتهم الرغبة فى التأمل والسكون فى مكتبة البلد، كان أحمد عز الذى يعمل فى إحدى شركات البترول قد حضر جلسة سابقة، ثم أعاد التجربة مرة أخرى قائلا: «أنا أفكر فى عدة أشياء فى الوقت نفسه، سواء مشاكل شخصية أو مهنية، وأجرى عدة لقاءات فى اليوم الواحد، لذا أبحث عن تجربة أصفى بها ذهنى وأقلل من التوتر». يخوض أحمد عز تلك التجربة، طامحا أن يستمر فى ممارسة التأمل، حتى إن كان ذلك بشكل فردى فى منزله أو فى مكان مفتوح، خاصة أن المدرب قد وعد فى الجلسة بإعطاء إرشادات تساعد الحاضرين فى ممارسة التأمل بشكل حر.
فى الجزء الأول من الجلسة، يؤهل المدرب الحاضرين بطلب الجلوس فى جلسة مريحة، حيث يحركون أصابعهم بشكل دائرى وهم مغمضو الأعين، يستمعون إلى الموسيقى ويميلون رءوسهم فى حركات دائرية لمدة ربع ساعة. بعدها يطمئن المدرب على الجميع، ثم يبدأ الجزء الثانى مع مقطوعة موسيقية ذات طابع صوفى، مطالبا إياهم بإطلاق خيالهم لصنع تصورات عن الموسيقى وإبداع مشاهد أثناء تأملهم الصامت. بعد انتهاء الموسيقى يسأل المدرب عن المشاهد التى تخيلوها، ثم ينتقل الجميع إلى الجزء الثالث مع إنشاد دينى للشيخ نصر الدين طوبار، وفى جلسات أخرى تقوم هذه الجلسة على إبداع الحاضرين فى الرسم أو العزف الموسيقى، والهدف من هذا الجزء هو التأمل الحر والتخلى عن الأفكار التى ينشغل بها العقل الواعى.
كانت ممارسة التأمل أحد الموضوعات التى اهتمت بها الدراسات الطبية فى عدد من الجامعات العالمية، منها ما نشرته مجلة الجمعية الأمريكية لأطباء القلب، إذ توصلت دراسة تعود إلى العام 2012 إلى أن ممارسة التأمل تقلل من احتمالات الوفاة بالسكتة القلبية بنسبة 48% مقارنة بالذين لا يمارسون التأمل. بينما قالت دراسة حديثة صادرة عن جامعة بليموث البريطانية أن ممارسة التأمل يمكنها أن تكون بديلا عن العقاقير الكيميائية المضادة للاكتئاب.
«زيادة القدرة على التركيز هى الهدف الرئيسى من جلسة التأمل، وما نقدمه هنا هو مستوى للمبتدئين، فهناك مستويات أعلى فى جلسات التأمل تقام فى أماكن مفتوحة، كالتى أقمناها فى حديقة الأزهر أخيرا». يوضح المدرب مصطفى جاد أن الهدف الرئيسى من هذا النشاط أن يبتعد المشارك عن ضغوط الحياة والقلق والتوتر.
تنتهى الجلسة بعد أقل من ساعة، بسؤال من المدرب إلى الحاضرين عن تأثير التجربة عليهم، بينما يتوجه الجميع بعد الإجابة إلى الخارج، حيث يواجهون حياتهم بذهن أهدأ.
حين بدأت يمنى محمد الفتاة العشرينية ممارسة تمارين «الزومبا» قبل سنتين، كانت تمر بحالة من السخط بسبب ضغوط الحياة والضيق من دراستها لطب الأسنان، ورغم ممارستها الرياضة فى سنوات سابقة، فإنها اختارت قبل سنتين أن تحضر دروس الزومبا، على أمل أن يعدل ذلك من مزاجها.
«أستطيع القول بأن حياتى قد تغيرت بعد الانتظام فى هذه التمارين، فهى تستهلك الطاقة السلبية التى نتحرك معها على مدى اليوم، وأصبح اليوم الذى أبتعد فيه عن التمرين يوما ناقصا». تتحدث يمنى محمد عن تجربتها التى أثرت فى مجرى حياتها إلى حد كبير.
«الزومبا» برنامج لرفع مستوى اللياقة البدنية، تأسس على يد مدرب كولومبى اسمه بيتو بيريز فى التسعينيات، قائم على مزج الرقص اللاتينى مع حركات الأيروبكس الرياضية، وانتشرت الزومبا بين أكثر من 180 دولة، ويمارسها 15 مليون شخص، وذلك حسب موقع zumba.com، الذى يقدم معلومات عن هذا النشاط، ويسجل المدربين المعتمدين حول العالم.
كما تشير نتائج دراسات منشورة إلى تأثير الزومبا على تنظيم ضربات القلب ومقاومة الاكتئاب وحرق السعرات الحرارية.
أما الطبيبة الشابة يمنى محمد فقد اتخذت قرارا بعد سنة قضتها مع تمارين الزومبا، وحولت إحساسها بالنشاط إلى طاقة دفعتها إلى أن تصبح مدربة معتمدة فى هذا المجال، وأصبح ذلك عملاً إضافياً لا يبعدها عن تخصصها الأصلى فى طب الأسنان.
فى داخل صالات التدريب تبرز ظاهرة تمثيل الفتيات بنسبة أكبر عن الشباب، وهو ما تعلق عليه سالى سلامة المدربة المعتمدة قائلة: «ازدياد اقبال الفتيات عن الرجال هى ظاهرة عالمية، كذلك فإن طبيعة المجتمع تفصل أحيانا بين الرجال والنساء أثناء ممارسة هذه التمرينات». وتوضح المدربة التى تصدرت بعض الفعاليات أخيرا أنها وجدت حين بدأت التدريب فى العام 2007 أن ممارسة هذه التمارين مقتصرة على ثلاثة مراكز رياضية، بينما تلاحظ الآن أن عدد المتقدمين للحصول على تدريب معتمد فى هذا المجال يزيد على 200 متقدم كل شهرين.
خرجت ممارسة تمارين الزومبا أخيرا إلى مساحات أخرى فى الأماكن المفتوحة ضمن فعاليات عامة، مثل استغلالها فى حملة ضد التحرش قبل عام، ورعاية المؤسسة المصرية لمكافحة سرطان الثدى لفعالية أخيرا استغلت الأجواء المرحة للزومبا فى التعبير عن دعم مرضى السرطان. وحسبما تشرح سالى سلامة فإن ممارسة هذا النشاط يزيد من وعى الفرد بجسده، وإحساسه بالقدرة على التحكم، ما يزيد الثقة بالنفس.
وفى الوقت الذى يتكلف فيه الفرد ما يوازى 300 دولار كى يصبح مدربا معتمدا لتمارين الزومبا، فإن العاملين فى هذا المجال ينفون أن يكون هذا النشاط مقتصرا على فئة ميسورى الحال، إذ تقول سالى سلامة إن إحدى الفعاليات لم تكلف الفرد أكثر من 50 جنيها، وأن تلك التمارين قد أصبحت جزءا أساسيا فى العديد من الصالات الرياضية، كما أن هناك مدربين معتمدين خارج القاهرة.
أما الطبيبة الشابة يمنى محمد التى احترفت التدريب على الزومبا قبل سنة، فترى أن أجواء النشاط والمرح والحرية المرتبطة بهذه التمارين، لابد أن يصاحبها مدرب ذو مزاج منفتح، لا تفارقه الابتسامة طول الوقت، لديه اهتمام بالمتدربين، حتى إن اقتصر هدف بعضهم على التخسيس.

Thursday, May 7, 2015

كاميرات المراقبة.. عين السلطة والمواطن

 ــ «الكاميرا العطلانة» أزمة تعيق استخدام التسجيلات لضبط الجناة
ــ مدير الأمن الإدارى فى جامعة عين شمس: العدسات ترصد الجميع ولا تستهدف الطلبة
ــ العميد أيمن حلمى: هناك دول تفوقت علينا فى استخدام كاميرات المراقبة
ــ اللواء رفعت عبدالحميد: ما تسجله الكاميرا مجرد قرينة مفيدة وليس دليلا دامغا
ــ الدكتور محمود كبيش: لا خوف على الخصوصية ما دامت الكاميرات فى أماكنها الصحيحة
ــ المتحدث باسم محافظة القاهرة: مشروع الكاميرات سيبدأ عمله فى مايو الحالي
 
فى نهاية العام الماضى، خرج المتحدث الإعلامى السابق لوزارة الداخلية على شاشة إحدى الفضائيات، مؤكدا نية الوزارة تعميم استخدام كاميرات المراقبة للحد من الجرائم فى المجتمع المصرى، وأن العام 2015 سيشهد توسعا فى تركيب كاميرات المراقبة على مستوى مصر بأكملها. لم يكن هذا التصريح بعيدا عن إجراءات اتخذتها العديد من الجهات والمؤسسات لتركيب كاميرات مراقبة لديها، وهو ما انعكس على تكرار استعانة النيابة بتسجيلات تلك الكاميرات فى عدد من القضايا المهمة على مدى الشهور الأخيرة، مثل تفجير دار القضاء العالى واغتيال ضابط الأمن الوطنى محمد مبروك وقتل الناشطة السياسية شيماء الصباغ. تلك الحالة تكشف عن توجه رسمى حكومى نحو التوسع فى المراقبة بواسطة الكاميرات.
«تتبنى وزارة الداخلية موقفا داعما لهذا التوجه حرصا منها على المصلحة العامة، وهناك بعض الدول قد جاوزتنا فى استخدام كاميرات المراقبة التى تساعد بقوة فى ضبط الجناة». يتحدث العميد أيمن حلمى مدير إدارة الإعلام فى وزارة الداخلية عن أهمية التوسع فى استخدام كاميرات المراقبة، موضحا أن إلزام المنشآت والمحال لا يتم عن طريق وزارة الداخلية، بل عن طريق جهات أخرى مثل المحليات والمحافظات، بينما تفرض الداخلية سلطاتها بشكل واضح على كاميرات مراقبة المرور التى تديرها عبر غرف عمليات خاصة بهذا الغرض، وكل ما تسعى إليه الوزارة هو «الحث والدعم» على حد قوله.
الصورة تبدو مختلفة لدى بعض أصحاب المحال التجارية، فحسب مدير محل مواجه لمبنى دار القضاء العالى فى منطقة وسط البلد، فإنه قد تلقى طلبات واضحة من حى عابدين ومن ضباط فى قسم شرطة قصر النيل، بأن يضع كاميرات مراقبة فى أعقاب التفجير الذى أصاب تلك المنطقة فى شهر أكتوبر الماضى، وحين تكرر الحادث مرة أخرى فى شهر مارس الماضى، استعانت أجهزة الأمن بتسجيلات كاميرات هذا المحل وغيره من الكاميرات التى رصدت الحادث .
وهنا لا يقتصر دعم مشروع تثبيت كاميرات المراقبة فى الشوارع والميادين العامة على وزارة الداخلية وحدها، إذ كان محافظ القاهرة قد أعلن قبل عام عن مشروع تبنته محافظة القاهرة لمراقبة الشوارع والميادين المهمة فى العاصمة، ويعتمد المشروع على تثبيت كاميرات فى 250 نقطة داخل المدينة للمراقبة الأمنية ومتابعة حركة المرور.
ما استلزم تنسيقا مع الأجهزة الأمنية المعنية، وتم إسناد تنفيذ المشروع إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة. من المتوقع أن تعلن نهاية المشروع فى شهر مايو الحالى حسب تصريح خالد مصطفى المتحدث الإعلامى باسم محافظة القاهرة لـ «الشروق»، إذ يقول «تتيح هذه المنظومة الجديدة أن يتم الاحتفاظ بتسجيلات الكاميرات لمدة 90 يوما، ما يجعل هناك إمكانية للاستفادة منها فى ضبط الجناة والمخالفين والاستعانة بها فى تحقيقات النيابة حسب الاجراءات القانونية المتبعة».
لم يكن موقف وزارة الداخلية أو محافظة القاهرة من المواقف المنفردة ضمن هذا التوجه الرسمى، بل كشف تصريح وزير الداخلية السابق أثناء زيارته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة فى يناير الماضى، عن نية الدولة تطبيق قانون يلزم أصحاب المحال التجارية بتركيب كاميرات للمراقبة، وألا يتم تجديد رخصة أى محل تجارى إلا بعد التأكد من عمل هذه الكاميرات.
فى هذا السياق، اتخذت مؤسسات وجهات حكومية قرارات فى الفترة الماضية لنشر كاميرات المراقبة، ومنها القرار الذى أصدره وزير السياحة بإلزام جميع الشركات السياحية وشركات النقل السياحى بتركيب كاميرات مراقبة فى حافلاتها، وأن يكون ذلك أحد شروط الترخيص، كما أعلن عدد من المستشفيات الحكومية الانتهاء من تركيب كاميرات مراقبة فى مبانيها، بينما تظل مؤسسات التعليم الجامعى من أبرز الجهات التى استجابت لهذا التوجه الرسمى من الدولة، بعد إعلان عدد من الجامعات خلال العام الماضى انتهائه من تركيب كاميرات للمراقبة لدعم المنظومة الأمنية التى تؤمن الجامعة، كما تكررت الاستعانة بتسجيلاتها فى بعض قضايا التفجيرات والعنف الطلابى.
«لا يجرى تفريغ محتوى تسجيلات كاميرات الجامعة وتقديمه لأى جهة أمنية إلا بعد إجراءات قانونية، ولا يتم ذلك إلا بموافقة رئيس الجامعة نفسه». يتحدث الدكتور سيد على مدير الأمن الإدارى فى جامعة عين شمس عن إجراءات التعامل مع تسجيلات كاميرات الجامعة، إذ يعتبرها بمثابة دليل على أى خرق للقانون يتم داخل الجامعة، ويعقبها ملاحقة المخالفين بواسطة عناصر الأمن الإدارى، وعلى حد قوله فإن الكاميرات ليست موجهة ضد الطلبة تحديدا.
بل هى جزء من منظومة أمنية تغطى جميع المتواجدين داخل المؤسسة، يضيف قائلا: «المحاسبة ليست إجراء موجها ضد الطلبة فقط، فإذا تم ضبط مخالفة قام بها أحد أفراد الأمن على سبيل المثال، وتقدم أحد الطلبة ضده بشكوى قانونية، قد تكون الكاميرات سندا لهذه الشكوى». ويوضح مدير الأمن الإدارى فى جامعة عين شمس، أن كاميرات المراقبة ليست إلا جزءا بسيطا من منظومة أمنية أوسع، تشمل وجود بوابات الكترونية، ونظام عمل لأفراد الأمن، وأجهزة للكشف عن المفرقعات.
 
أهمية الكاميرات
يتجه الحديث مع من يتصل عملهم بقضية استخدام كاميرات المراقبة، إلى نقطة أخرى حول مدى تأثير انتشار كاميرات المراقبة على خصوصية المواطنين، إذ قلّل أحد المصادر السابقة من تأثير الكاميرات على خصوصية المواطنين، استنادا إلى أن أغلب هذه الكاميرات يتم تركيبها فى أماكن عامة، بينما نبـّه مصدر آخر إلى أن استخدام تسجيلات الكاميرات لا يتم إلا فى إطار قانونى، كما أن التسجيلات تحفظها الأجهزة لفترة محدودة.
وينص الدستور المصرى فى المادة 57 على أن «للحياة الخاصة حـُرمة، وهى مصونة لا تمس»، فهل يمكن للكاميرات أن تنتهك خصوصية المواطنين؟ يحدد محمود كبيش أستاذ القانون الجنائى فى كلية الحقوق بجامعة القاهرة مساحات الخصوصية فى أنها الأماكن التى لا يصرّح للجمهور التواجد فيها، أو على حد تعبيره فهى الأماكن التى تعد «مستودعا للسر». ويشرح ذلك قائلا: «القانون لا يحدد الأماكن التى تعد مستودعا للسر، ومن يحدد ذلك هو القضاء، كما أن تركيب الكاميرات بشكل عام لا يخترق قواعد الخصوصية ما دام فى أماكن يمر بها أناس مختلفون ولا تنتهك الكاميرات سِتر أحد من المتواجدين».
ومع محاولات تعزيز فكرة المراقبة بالكاميرات داخل المجتمع المصرى على مدى الفترة الماضية، يبرز سؤال حول فعالية الكاميرات فى ضبط الجناة واستخدام تسجيلاتها قانونيا، إذ تبرز بعض العوائق التى كشفت عنها تحقيقات بعض القضايا الأخيرة، مثل تحقيقات حادث التفجير الذى وقع فى مارس الماضى أمام جامعة القاهرة، حين تبين عدم التقاط الكاميرات صورا للتفجير، كذلك تكرر الأمر بصورة مختلفة فى الحادث الذى وقع قبل أسابيع فى مدينة كفر الشيخ وأدى إلى استشهاد 3 من طلاب الكلية الحربية وإصابة آخرين، فقد أثار تعطل كاميرات نادى كفرالشيخ الرياضى ــ الملاصق لموقع الحادث ــ جدلا حول وجود كاميرات للمراقبة لا تعمل فى بعض الأماكن، وهو ما نفته إدارة النادى فيما بعد، ودافعت بأن كاميرات النادى الرياضى ما زالت تحت التجربة ولم يتم تفعيلها بشكل نهائى، وأن مداها فى التصوير لم يكن ليغطى موقع الحادث فى حالة عملها.
مثل تلك المواقف ليست جديدة فى التعامل مع مشاكل استخدام كاميرات المراقبة، إذ إن حادثة شهيرة قد وقعت فى العام 2010 جرى فيها سرقة لوحة الخشخاش لفان جوخ من متحف محمود خليل بالجيزة، قد حدث فيها أمر مشابه، حين صرح النائب العام ــ فى ذلك الوقت ــ بأن معاينة النيابة قد كشفت عن أن سبع كاميرات فقط هى التى كانت صالحة للعمل من أصل 43 كاميرا للمراقبة موجودة فى المتحف.
«إن استخدام كاميرات المراقبة لتحقيق مسار العدالة قد يكون محمودا، إذ تساعد التسجيلات بنسبة كبيرة فى تسهيل مهمة الأمن، لكن علينا أن نتذكر أن تسجيلات الفيديو والصوت والصور تستخدم كقرينة، وليست دليلا دامغا أمام القضاء». يتحدث اللواء رفعت عبدالحميد ــ الخبير فى العلوم الجنائية ومسرح الجريمة ــ عن استخدام تسجيلات كاميرات المراقبة فى العملية القضائية، إذ ترجع السلطة التقديرية فى النهاية إلى القاضى الذى يقدر وزن وأهمية التسجيلات التى بين يديه، إذ يوصف القاضى بأنه الخبير الأعلى فى كل ما يستدعى خبرة فنية.
ومع وضوح التوجه الرسمى يوما بعد يوم نحو الاعتماد على كاميرات المراقبة بشكل واسع، تظل هناك بعض التحديات التى تواجه هذه النية، منها أن يتحول تركيب الكاميرات إلى إجراء شكلى يتخذه البعض انصياعا للتوجه الحكومى دون اهتمام بالمواصفات أو بالصيانة، إلى جانب تحد آخر فى كيفية الاستفادة القانونية من تسجيلات كاميرات المراقبة أكبر استفادة ممكنة.
 
 • تاريخ المراقبة حول العالم
تكررت محاولات استخدام التصوير فى المتابعة والمراقبة فى أربعينيات القرن الماضى، وكانت البدايات فى ألمانيا عام 1942 مع التجارب الأولى لصنع دائرة تربط مجموعة من الكاميرات بشاشات وأجهزة للتسجيل، وهى التجربة التى استفادت منها الولايات المتحدة الأمريكية أثناء متابعة تجربة التفجير النووى فى منتصف الأربعينيات، بينما تسجل الكتابات التوثيقية لهذا المجال أن العام 1951 قد شهد تطورا بتصوير أول تسجيل فيديو بواسطة كاميرات تليفزيونية فى الولايات المتحدة الأمريكية، أما فى العام 1960 فتم استخدام كاميرات المراقبة لأهداف أمنية فى المملكة المتحدة تزامنا مع زيارة العائلة المالكة التايلاندية، وتم تركيب كاميرات فى ميدان الطرف الأغر (ترافالجار) الشهير بمدينة لندن البريطانية.
وتعد المملكة المتحدة إحدى الدول الأكثر اهتماما بعملية الرقابة عبر الكاميرات، وهو ما جعلها تخوض عدة تجارب فى فترة الستينات لتركيب كاميرات مراقبة فى الميادين العامة ومحطات القطار، بينما كانت السبعينات بداية لانتشار فكرة المراقبة بالكاميرات فى الحياة العامة وظهور تطور جديد بابتكار كاميرات تعمل برقاقة صغيرة، ومع مرور الوقت ظهرت كاميرات المراقبة فى التسعينيات فوق ماكينات (الصراف الآلى) فى عدد من العواصم ضمن استخدام جديد يهدف إلى تسجيل هوية المستخدمين، وظهر فى الولايات المتحدة الأمريكية ابتكار كاميرا المراقبة المنزلية المعروفة باسم (NannyــCam).
ومع البدء فى استخدام الإنترنت انطلقت الكاميرات إلى فضاء أوسع حين تم ابتكار كاميرا متصلة بالإنترنت للمراقبة ونقل الصورة عن بعد، فى الوقت الذى اتسع فيه سوق كاميرات المراقبة بشكل أوسع فى نهاية التسعينيات.
ارتبط انتشار كاميرات المراقبة مع موجات الإرهاب التى تضرب البلدان المختلفة، على سبيل المثال، فقد دعا جون ميجور رئيس الوزراء البريطانى الأسبق لتعميم المراقبة بالكاميرات فى المناطق الهامة بعد تعرض العاصمة البريطانية لهجمات الجيش الجمهورى الإيرلندى، وتكرر الأمر نفسه مع الولايات المتحدة الأمريكية فى أعقاب أحداث الحادى عشر من سبتمبر من العام 2001 وإعلان «الحرب على الإرهاب»، وهو الحادث الذى فرض توسعا فى استخدام كاميرات المراقبة فى الحياة الأمريكية.
وحسب تقديرات مؤسسة IMS لدراسات السوق، فإن الفترة بين العام 2001 و2011 قد شهدت بيع نحو 30 مليون كاميرا مراقبة داخل الولايات المتحدة الأمريكية على مدى السنوات العشر التالية لأحداث تفجير برجى التجارة العالمى، أما بريطانيا التى تعد من أهم الدول المهتمة باستخدام كاميرات المراقبة فى الحياة العامة، فهناك تقديرات نشرتها وسائل إعلام غربية عن أن 20% من كاميرات المراقبة فى العالم موجودة فى بريطانيا، وأن هناك كاميرا لكل 14 مواطنا يعيش فى بريطانيا.
لم يخلُ الأمر من انتقادات متتالية داخل الدول الغربية لاستخدام كاميرات المراقبة، إذ ظهرت تلك الانتقادات فى دول مثل ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، حول مدى جدواها، وإن كانت بعض التسجيلات تخترق خصوصية المواطنين، أو أن يكون هناك استهداف لطوائف ومجموعات بعينها فى المجتمع بحيث يتم تسليط الكاميرات عليهم بشكل مكثف، وهو ما جرى فى بريطانيا عام 2010 بعد إعلان الحكومة هناك نيتها نشر أكثر من 200 كاميرا فى أحياء ذات أغلبية مسلمة.
أما فى الدول العربية فقط فازداد الإقبال على استخدام كاميرات المراقبة فى السنوات الأخيرة، وبدأت الحكومات العربية فى تبنى سياسات وقوانين داعمة لهذا التوجه، فعلى سبيل المثال تنتظر دولة الكويت إصدار قانون لتنظيم تركيب الكاميرات وأجهزة المراقبة فى المنشآت، وتحديد المواصفات الفنية والضوابط التى ينبغى أن تتوافر فى هذه الأجهزة وأماكن تركيبها، وإلزامها بعمل الصيانة الدورية لها واستمرارية مطابقتها للمواصفات الفنية.
ويتعرض مشروع القانون لجانب حماية الخصوصية الشخصية للمواطنين، بفرضه حظرا على تركيب كاميرات وأجهزة المراقبة الأمنية فى غرف النوم وغرف العلاج الطبيعى ودورات المياه وغرف تغيير الملابس، ووجوب الإشارة إلى وجود كاميرات وأجهزة مراقبة فى المنشآت والأماكن العامة، بلوحة واضحة.
وفى تونس برز اهتمام الدولة بهذا المجال فى أعقاب تفجير إرهابى بمنطقة سياحية فى ولاية سوسة التونسية، وأعلنت وزارة السياحة التونسية «موازنة خاصة» لتجهيز كامل فنادق البلاد بكاميرات مراقبة، ويخضع استعمال وسائل المراقبة البصرية إلى الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، ويعاقب بالسجن وبغرامة مالية كل من يخالف فصول القانون المنظم بحماية المعطيات الشخصية التونسى.
أما فى الإمارات العربية المتحدة، فتبدو أكثر تقدما فى مجال استخدام كاميرات المراقبة، إذ أعلن مسئولون حكوميون فى إمارة دبى أن الكاميرات تغطى غالبية أنحاء الإمارة، بينما تدعم بقية الإمارات نشر كاميرات المراقبة فى الشوارع والميادين أو فى المتاجر.
• قضايا وكاميرات
• مقتل سوزان تميم
تعود القضية إلى العام 2008 حين اكتشفت السلطات فى إمارة دبى مصرع الفنانة الراحلة، وحامت الشبهات حول رجل ظهر فى تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بالبرج السكنى الذى كانت تقيم فيه المجنى عليها، وارتدى المشتبه به حذاء رياضيا وكابا فوق رأسه، وبعد إجراء تحريات عن بطاقة الائتمان المستخدمة فى شراء السكين الذى ارتكبت فى الجريمة، اتضح أن المتهم هو ضابط الشرطة السابق محسن السكرى، وتمت مطابقة ملامحه مع ملامح الرجل الذى ظهر فى التسجيلات.

• اغتيال محمود المبحوح
تعرض القيادى الفلسطينى فى «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة حماس، لعملية اغتيال فى أحد فنادق دبى عام 2010، إذ اقتحم مجهولون غرفته، وقتلوه فى غرفته، وكان ظن السلطات فى البداية أن الوفاة طبيعية نتيجة جلطةٍ دماغية، حسب تقرير المستشفى الأولى، بسبب احترافية عملية القتل، وحين تم الاعلان عن اغتيال القيادى الحمساوى، تم فتح التحقيقات والاستعانة بكاميرات المراقبة، التى صورت الحادث، وتم تحديد المتهمين فى وقت لاحق.

• حادث الطفل السورى
شهدت العاصمة التركية حادث اعتداء على طفل سورى فى يناير الماضى، أثار جدلاً فى وسائل الاعلام وبعض الأوساط السياسية التركية، إذ بدأت القصة حين حاول الطفل تناول ما تبقى من أحد زبائن مطعم «برجر كينج»، فانفعل مدير الفرع وبدأ فى الاعتداء عليه بعنف، وهو ما سجلته كاميرات المراقبة فى المطعم، وتم طرد مدير الفرع من عمله، وأثارت تلك اللقطات موجة من السخط تجاه المطعم الذى يملكه أحد السياسيين الأتراك، كما فتحت ملف أحوال اللاجئين السوريين فى تركيا.
 
• خبرة سنوات بين الكاميرات
«كان عملى فى بداية فترة انتشار كاميرات المراقبة فى مصر يتوجه ناحية من يطلبون تثبيت كاميرات فى منازلهم، أما اليوم فأغلب الزبائن هم الذين يعملون فى الأنشطة التجارية». يتحدث المهندس محمد جابر الذى قضى نحو 9 سنوات من العمل فى تركيب كاميرات للمراقبة فى مناطق وأحياء مختلفة، وأصبح يميز بين صاحب المنزل القلق بسبب حادث سابق، وبين صاحب المصنع الذى يسعى لمتابعة العاملين لديه.
يتراوح متوسط أسعار الكاميرات فى السوق المصرية بين 250 جنيها إلى 4 آلاف جنيه، أما متوسط أسعار تركيب الكاميرات فى فيللا فقد يصل إلى 3500 جنيه تشمل تركيب 4 كاميرات بمستلزماتها، وقد ينخفض السعر إلى 2800 جنيه إذا ما اقتصر الأمر على كاميرتين فى محل تجارى.
ورغم اتساع سوق بيع كاميرات المراقبة حسب تأكيدات خليل حسن خليل رئيس الشعبة العامة للحاسبات الآلية والبرمجيات بالاتحاد العام للغرف التجارية، إلا أنه لا يوجد حصر دقيق لحركة هذا السوق، بينما تعمل بعض شركات توظيف الأمن فى تركيب أنظمة أمنية بالتعاقد مع أفراد من الخارج لتركيب الكاميرات ضمن الأنظمة الأمنية، كى ترفع عن نفسها أعباء الصيانة الدورية، لتتركها إلى آخرين.
«أحيانا ما أتجه إلى عميل لتركيب كاميرات المراقبة، وأكتشف أخطاء ارتكبها من سبقونى فى محاولاتهم تركيب الكاميرات نفسها، فالمجال حاليا به انتعاش، لكن ليس به انضباط». وبحكم عمله السابق فى المجال نفسه فى دولة الامارات العربية المتحدة، اكتشف محمد جابر أن هناك معايير لابد من الالتزام بها فى تركيب الكاميرات، على رأسها زاوية التركيب وأماكنها ومدى قدرة الأجهزة على تخزين التسجيلات، وهى المواصفات التى وضعتها السلطات الإماراتية.
عمل محمد جابر لعدة سنوات ضمن شركة متخصصة فى هذا المجال فى مصر، حتى تمت سرقة مقر الشركة فى أثناء الانفلات الأمنى المصاحب لثورة 25 يناير، وهو ما اضطره إلى العمل بشكل حر مع زبائن متنوعين. وأصبح فى كل مرة يدخل مصنعا كبيرا لعمل نظام مراقبة عال الجودة، ومرة أخرى يثبت كاميرتين فى «ميزان بسكول» لمراقبة وزن الشاحنات، وعلى موقعه الشخصى يضع بعض الوصايا لمن يرغبون فى تركيب كاميرات المراقبة، وكيفية اختيار أفضل المعدات المناسبة لكل عميل.

Friday, April 10, 2015

الصالون الثقافى.. تجربة تتحدى الزمن

صالون علاء الأسوانى يحقق معادلة الاستمرار والحفاظ على الجمهور
- أسامة البر: الإدارة الديمقراطية وشخصية صاحب الصالون هما الضمان الوحيد للبقاء
- فاطمة ناعوت: أدعو مفكرى مصر إلى العودة إلى جمهورهم وألا يخذلوا من طلبهم
- العاملون فى النشاط الثقافى يفضلون الأنشطة التفاعلية على الندوات التقليدية

قبل دقائق من بدء فعاليات صالونه الأسبوعى، جلس الكاتب علاء الأسوانى وسط مجموعة من الأصدقاء الذين واظبوا على حضور صالونه الثقافى منذ سنوات، إذ كانت البداية الأولى فى عام 1998 فى مقهى «ستراند» فى منطقة باب اللوق وبوسط القاهرة، حيث كانت النواة الأولى لصالون الأسوانى، ثم تنقل بعدها بين عدد من المقاهى والمؤسسات الثقافية على مدى 17 سنة، حتى استقر أخيرا فى فيللا الدكتور ممدوح حمزة، المهندس والناشط السياسى المعروف.
«على مدى تلك السنوات، كان هناك منتج لهذا الصالون، قدمنا عددا من الأسماء الشابة فى الأدب والفن، وناقشنا العديد من القضايا السياسية المهمة فى مراحل زمنية مختلفة». هذا ما يشير إليه الكاتب علاء الأسوانى أثناء حديثه عن تجربة الصالون الثقافى الذى تعرض للتضييق فى فترات مختلفة. أما أولئك الذين واظبوا على الحضور منذ سنوات، فقد شهدوا جانبا من تطورات هذا الصالون. هذا ما ينقله الكاتب والأكاديمى جلال الشايب المواظب دائما على حضور الصالون منذ عام 2007، يلخص تلك التجربة أثناء حديثه، قائلاً: «تطور المشهد داخل الصالون يشبه الحالة السياسية المصرية نفسها، فقبل ثورة 25 يناير كان يحدث تضييق أمنى على الصالون، فانتقلنا إلى مقر حزب الكرامة كبديل عن التنقل بين المقاهى، ومع البروز الإعلامى لعلاء الأسوانى بعد الثورة، انتقل الصالون إلى دار الأوبرا ثم معهد إعداد القادة، لكن الوضع تغير أخيرا مع تغير الحالة العامة». هذا المشهد الذى يلخصه أحد رواد صالون الأسوانى ليس من السهل تعميمه على تجارب الصالونات الثقافية الأخرى، إذ امتازت ندوة الأسوانى الأسبوعية بمناقشة الشأن العام بشكل مفتوح، على عكس صالونات أخرى تتحرك فى مساحات أدبية وفكرية محددة.
وتمتد فكرة الصالون الأدبى بشكلها التقليدى إلى تجارب أوروبية قديمة، كان أشهرها فى إيطاليا وفرنسا بين الأسر الأرستقراطية والملوك المهتمين بالفن والأدب، ويعيد بعض الباحثين جذور تلك الصالونات إلى تجارب أقدم فى الحضارة العربية الإسلامية، حين كان الأمراء والخلفاء يديرون مجالس العلم والأدب فى حضرتهم. بينما قدمت التجربة الفرنسية نموذجا أبرز فى تحويل المقاهى إلى تجمعات للفنانين، والمفكرين والسياسيين، وظهر دورها إبان الثورة الفرنسية عام 1789.
أما فى مصر فقد ظهر نمطين من الصالونات الثقافية، نمط احتضنته بيوت المفكرين والأدباء والنبلاء، من أشهرها صالون الشاعرة مى زيادة الذى ازدهر فى فترة العشرينيات، وصالون العقاد الذى برز نشاطه فى أربعينيات القرن الماضى، بينما كان هناك نمط آخر من الصالونات احتضنته المقاهى، بدأ مع صالون جمال الدين الأفغانى فى مقهى متاتيا الذى ضم إليه شخصيات تحولت إلى رموز فى العمل الوطنى فيما بعد، مثل عبدالله النديم، وسعد زغلول، كما كان من أشهر صالونات المقاهى صالون نجيب محفوظ الذى تبدل بين عدة مقاهٍ، أشهرها مقهى ريش فى منطقة وسط البلد القاهرية.

استعادة المفكرين

تلك الأجواء المزدهرة بالتجمعات الثقافية أخذت فى الانحسار تدريجيا، وهو ما دفع البعض إلى محاولة إحيائها مرة أخرى، وتذكر الكاتبة فاطمة ناعوت أنها سعت لدى الشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى كى يقيم صالونا فى مقهى ريش، وأقيم الصالون الشهرى بالفعل فى يناير الماضى، لكنه توقف فجأة. ترجع الكاتبة أسباب ذلك إلى قلة الحضور، والاضطرابات الأمنية التى أصابت البلاد فى تلك الفترة، تستطرد، قائلة: «أيا كانت الأعذار فأنا ألوم أستاذى أحمد عبدالمعطى حجازى على عدم استكمال الصالون، وأعتقد أنه فرض على رموز هذا الجيل العظيم أن يجلسوا بيننا، وينقلوا إلينا رؤيتهم، وأنا أعاتبهم جميعا على غيابهم». تبدى فاطمة ناعوت اهتماما بفكرة الصالونات الثقافية فى عدد من المقالات المنشورة لها، لكنها فى الوقت نفسه تتحدث عن أزمة حالية تواجه فكرة الصالون الثقافى بسبب فقدان قيمة الثقافة لدى الشباب، مع وجود مغريات مثل الإنترنت والمقاهى، وهى أهم أسباب توقف مشروع صالونها الثقافى، الذى لم تتحمس للاستمرار فيه مقارنة بحماسها أن تكون معاونة فى تدشين صالون أحمد عبدالمعطى حجازى.
يرى بعض العاملين فى مجال الأنشطة الثقافية أن فكرة الصالون الثقافى قد تجاوزها الزمن إلى نماذج أخرى من الأنشطة الثقافية، وأن الصالونات الباقية حاليا مرتبطة بقيمة أصحابها وسعة ثقافتهم وتأثيرهم، على سبيل المثال أقامت مكتبة (أ) صالونا ثقافيا يستضيف ضيفا شهريا، لكن مع مرور الوقت اتجه القائمون على النشاط الثقافى إلى أنشطة أخرى أكثر فاعلية، هذا ما يوضحه عماد العدل، المستشار الثقافى لمجموعة مكتبات (أ)، إذ يقول: «الشكل التقليدى للصالون بطابعه الذى يعود إلى القرن الماضى سيندثر مع الوقت، ولن تستمر سوى الصالونات التى تتمحور حول شخصية مؤثرة، خاصة أن بعض الصالونات منغلقة على مجموعات بعينها، وهى روح لا يقبلها الزمن الآن». يتحدث عماد العدل من خلال خبرته السابقة فى إدارة صالون ثقافى للمكتبة، وكيف وجد لاحقا أن الأنشطة الثقافية التفاعلية هى الأكثر جذبا للزوار، على رأسها حفلات توقيع ومناقشة الكتب، فحسب رأيه أنها توفر مساحة لمن قرأ كتابا أن يناقش المؤلف، ويوقع نسخته وأن يلتقط صورا للذكرى، وهو ما يصنع خبرات وتفاعل بين الشخصية محور الحفل والجمهور.

مواجهة الكلاسيكية

على عكس الشائع فى ضرورة أن يكون الصالون الثقافى مرتبط بشخصية محورية، فإن بعض التجارب الشبابية الأخيرة قد حولت فكرة الصالون إلى ما يشبه «أندية القراءة» أو «عروض الأفلام» أو حتى «المجموعات الأدبية». وقد مرت تلك النماذج بأحمد رجائى، أحد مؤسسى مركز «بيت الرصيف» الثقافى، بسبب إتاحة المركز مساحات لأى تجربة أو مبادرة واعدة، وكان ضمن تلك المبادرات صالونا ثقافيا لم يكتمل نشاطه، وذلك للأسباب التى يذكرها رجائى، قائلاً: «لقد توقف نشاطنا فى بيت الرصيف لفترة، وهو ما أثـّر على المبادرات التى كانت تعمل معنا، كذلك تكمن مشكلة الصالونات الثقافية فى اعتمادها على جهود شخص واحد وهو ما يهدد مستقبلها».
يضع بيت الرصيف كغيره من المراكز الثقافية والمكتبات قواعد عامة لممارسة الأنشطة، على رأسها الابتعاد عن العنصرية، وتجنب الخلافات السياسية، بينما يضيف أحمد رجائى المسئول الإعلامى لبيت الرصيف أنه أحيانا ما يجرى يقترح أفكارا على بعض المجموعات الشبابية لتطوير أدائها، ويشرح ذلك بمثال: «دشن بعض الشباب فى مساحة لدينا ما يشبه الصالون الأدبى، وكانت الأجواء شديدة الكلاسيكية، ما جعلنا نقترح عليهم بشكل ودى أن يضيفوا أجواء تفاعلية، بتنظيم مسابقات أو حتى أن يطلقوا على هذا النشاط تعبير قعدة شعر، وكانت اقتراحات غير إجبارية». تلك هى وجهة النظر التى يتبناها بعض العاملين فى إدارة الأنشطة الثقافية، مع تأكيدهم على أن الأجواء الكلاسيكية التى يحتفظ بها نموذج «الصالون الثقافى» لن يدعمها سوى اسم وقيمة الشخصية المحورية للصالون.
«الصالون الثقافى الناجح لابد أن يكون لشخص واسع الاطلاع ولديه أسلوب لبق فى الإدارة وكسب الجمهور». هذه المعايير هى التى يضعها الكاتب أسامة البحر الذى شارك فى إدارة صالون علاء الأسوانى لسنوات، بعد أن تم انتخابه من رواد الصالون قبل أكثر من 10 سنوات لتولى تلك المهمة. لم يكن سهلاً على صالون له طابع سياسى أن يستمر دون مشكلات، فيذكر قائلا: «تلقيت اتصالات فى بعض الفترات من أشخاص لا أعرفهم يشتبكون معى فى الهاتف، لأنهم مختلفون سياسيا مع علاء الأسوانى، لكنى كنت أتقبل ذلك بصدر رحب». وبعيدا عما تقدمه الصالونات الثقافية من دعم معنوى للمواهب الجديدة، فإنها أيضا تؤسس روابط قوية بين زوارها، كأن يعود أحد زوار الصالون بعد سنوات كاتبا لمناقشة أعماله، أو أن تنشأ روابط أعمق على المستوى الإنسانى تدوم لسنوات. وتبقى المهمة الأعظم لإدارة أى صالون فى احتواء الجميع، والإدارة الديمقراطية وتعويد الجمهور على هذه الروح. على حد قول الكاتب أسامة البحر مدير صالون الأسوانى.

سنة أولى صالون

بشير عياد: الموسيقى والنغم هى نقطة القوة فى تجربتنا

سلوى علوان: علينا استغلال تعطش المصريين للأنشطة الثقافية والفنية
«فى هذا الشهر سيكون قد مر عام كامل على بدء فعاليات هذا الصالون». يتحدث الشاعر بشير عياد بفخر عن تجربة صالونه الثقافى الذى يحمل اسمه، مستعيدا كيف كانت البداية الأولى قبل عام. يقول: «هدفى الأساسى تهذيب الذوق، وتنقيته فى جميع مناحى الفن والإبداع».
يجلس الشاعر بشير عياد فى مكتبة بورصة الكتب حيث يقام صالونه يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وقد اختار هذا اليوم تحديدا، وفاء لأستاذه محسن الخياط الشاعر والصحفى فى جريدة الجمهورية، الذى كان يقيم صالونا فى اليوم نفسه، وقدم من خلاله عددا من المواهب، ويصف عياد نفسه قائلاً: «أنا كوكتيل من دعم الصالونات الثقافية والتبنى من رموز أدبية وفنية».
يتفق عياد مع آراء بعض المواظبين على الحضور كل ثلاثاء، أن هناك نقاط قوة أسهمت فى استمرار التجربة، ومنها أسلوب الإدارة الذى يصفه بشير عياد بعبارة حاسمة: «ليس هناك مكان للاستعراضيين، أو لمن يتسببون فى إفساد أجواء هذا المجلس.. فالمكان يتحول إلى ما يشبه الحضرة الصوفية بين العلم والنغم». تكمن نقطة القوة الأخرى فى جلسات الإستماع وتحليل النص الشعرى لأغانى أم كلثوم تحديدا، ويتكفل الكاتب الصحفى هيثم أبوزيد فيها بالجانب الفنى فى تحليل المقامات الموسيقية.
كان هذا الصالون مجرد فكرة تعود إلى العام 2012 أجهضتها ظروف مرض الشاعر بشير عياد، حتى عاد فى العام الماضى بجلسات النغم، وإقامة تكريمات للمساهمين فى الحقل الأدبى، وظل المحتوى الموسيقى فى الصالون هو ما يراهن عليه قائلاً: «رأيت فى عيون من حضروا عصر أم كلثوم، كيف استعادوها حين عرفوا معلومات جديدة مرتبطة بالأغنية، وتحليلها موسيقيا.. كذلك أسعدنى تواصل الشباب مع الصالون بعد مرور عام من العمل».
تجارب جديدة
ظهرت على مدى العام الماضى صالونات ثقافية جديدة دشنها أصحابها بعد انخراطهم السابق فى عالم الثقافة والإبداع، منها صالون أركان الثقافى فى مدينة الإسكندرية، الذى تديره الشاعرة والصحفية جيهان حسين منذ تم تدشينه فى شهر أكتوبر الماضى، تصف ذلك قائلة: «اقتربت من صالونات ثقافية متميزة فى الأسكندرية، منها صالون التذوق الثقافى لأميرة مجاهد، وصالون زمرة الثقافى فى مركز الجيزويت، ففكرت فى إقامة صالون ثقافى شهرى». تلك التجارب دفعتها إلى المحاولة، واتخذت من مركز أركان للإبداع بكاتدرائية القديس مرقس الأسقفية مقرا لها، حيث كانت تعمل بالتدريب الصحفى فى نفس المركز من قبل.
«لا أخفى سرا أننى أحاول شحذ طاقتى باستمرار حتى لا أفقد حماسى من الظروف التى قد لا تكون مواتية، مثل ضعف الحضور فى بعض الأحيان، فأنا مازلت فى البدايات ولا أمتلك اسما رنانا بعد فى دنيا الأدب، لكنى أسير بخطوات ثابتة «. تستكمل الشاعرة جيهان حسين حديثها محاولة تجاوز ما قد تواجهه من عوائق، باستغلال مواقع التواصل الاجتماعى للتعريف بالصالون والوصول إلى الشريحة المستهدفة، أما أسلوب الإدارة فتلخصه فى جملة واحدة: «أهم نقطة هى مذاكرة موضوع الجلسة الشهرية وضيف الصالون مذاكرة جيدة قبل اللقاء».
فى الجمعة الأخيرة من الشهر الماضى، خاضت الكاتبة الصحفية سلوى علوان التجربة نفسها، حين دشنت صالونها بمكتبة البلد فى وسط القاهرة، مراهنة على تعطش الكثيرين للأدب والثقافة على حد تعبيرها، أما الهدف الذى تسعى إلى تحقيقه فهو أن يكون صالونها وسيطا بين ثقافة النخبة وغير المتخصصين. «فوجئت بعدد الحضور الكبير فى حفل تدشين الصالون، الذى جاوز المساحة المخصصة لنا فى مكتبة البلد، وتلقيت عروض استضافة فى أماكن أخرى، ما جعلنى اتفاءل باستمرار التجربة». تستكمل سلوى علوان حديثها عن المشكلات التى تصاحب تأسيس صالون ثقافى فى مصر، على رأسها تكريس حالة النخبوية بين صاحب الصالون وزواره، ما يصنع فجوة مع الزوار الجدد.
لا يُخفى أصحاب هذه التجارب السابقة فى إدارة صالونات ثقافية حرصهم على أن تظهر تلك التجارب بشكل لائق، حتى لايضر ذلك بسمعتهم فى المستقبل، ما جعلهم يوضحون فى حديثهم أنهم لم يدشنوا تلك التجارب سوى بعد تفكير، وبعد التأكد من كيفية إدارتها، مع نسبة معقولة من المغامرة، على سبيل المثال توضح الكاتبة سلوى علوان ذلك بقولها: «كانت هناك إشارات تدفعنى إلى تجربة تدشين الصالون، كأن أجد إخلاصا من جمهور ندوتى فى معرض القاهرة للكتاب الأخير، والتى تزامنت مع زيارة بوتين إلى القاهرة وازدحام الشوارع بشكل غير مسبوق، وفى هذا الظرف وجدت إخلاصا من الحضور الذين انتظرونى رغم ارتباك مواعيد الندوات فى ذلك اليوم». وقد أعطاها هذا الموقف إشارة إلى إمكانية أن تخطو خطوة أكبر تختبر فيها قدرتها على جذب آخرين حول عمل ثقافى، وهو ما تخوضه فى تجربة صالونها الناشئ.

«قهوة مانو».. أمسيات تتجاوز التقليدية


على مدى ثلاث سنوات يدير محمد جادالله الكاتب والباحث صالونا فى ساقية الصاوى بالزمالك، حيث يقدم أشكالًا متنوعة من طرق التواصل مع الجمهور فى كل أمسية شهرية يقيمها، بدءا من استخدام صيغة المحاضرة التى يستعين فيها بشرائح عرض على شاشة ضخمة، أو أن يعزف للجمهور موسيقى فى فترة استراحة، أو أن يستضيف أحد الضيوف المتصلين بموضوع الأمسية، والهدف النهائى هو الحديث عن الهوية المصرية ومحاولة فهمها مع الجمهور.
«بدأت القصة فى العام 2011 مع تأسيس صفحة تحت اسم صالون ماعت الحضارى على فيسبوك مع مجموعة من الأصدقاء، واخترنا اسم ماعت لأنها رمز العدالة لدى قدماء المصريين، ثم تم تدشين مبادرة صناع الوعى الحضارى التى انتشرت فى المحافظات، بينما ظهرت لدىّ فكرة أخرى أن أقيم أمسيات تناقش القضية نفسها، وهو ما أنتج صالونا له طابع مختلف». يتحدث محمد جادالله عن استغلاله جميع الأدوات التى يجيدها فى التواصل مع الجمهور حول قضية الهوية المصرية، إذ يذكر أنه قد لاحظ فى فترة مبكرة بعد ثورة 25 يناير، ومن خلال النقاشات فى صفحة «صالون ماعت الحضارى» أن هناك بوادر لأزمة مجتمعية بسبب الصراع على فكرة الهوية، فهناك من يرى أن مصر فرعونية، وآخر يراها إسلامية، وغيرها من التصنيفات، بينما يرى هو هوية مصر نتاج كل ذلك.
«فى أمسيات قهوة مانو، أقدم نماذج من الفن المصرى، محاولاً ربطها بجذورها التاريخية، فهدفى أن أظهر الصلة بين الموروث المصرى القديم، وكيفية استمراره فى حياتنا وثقافتنا اليومية». هكذا يتحدث عن تلك الأمسيات مستغلاً فيها خبرته السابقة فى مجال الإرشاد السياحى ومعرفته بالتاريخ المصرى القديم، وكذلك اهتمامه بالعمل
المسرحى والموسيقى، ودراسته لقواعد فض النزاعات المجتمعية فى الخارج، وهى أدوات يستخدمها فى نقاشاته داخل تلك الأمسيات، سواء كان الموضوع عن الفن المصرى، أو كان موضوعا عن القيم الدينية ــ العابرة للعصورــ التى ما زالت فى وجدان الإنسان المصرى المعاصر.
«هنا أحاول كسر شكل الصالون الكلاسيكى القديم، وتقديم عروض تجمع بين الندوة والتدريب والحكى، مستخدما فنون المسرح والموسيقى، من أجل جذب الجمهور حول قضية الهوية المصرية، والتأكيد على أنها غير قابلة للقرصنة أو حصرها فى بعد واحد، بل هى شاملة خبرة آلاف السنوات».
مر محمد جادالله كزائر بصالونات ذات شكل كلاسيكى، ورغم استفادته الشخصية منها، لكنه يرى أنه لابد من تطوير فى أداء الصالونات الثقافية بشكل عام، حتى تستطيع أن تدخل مجال المنافسة مع جاذبية الإعلام والإنترنت الأكثر تسلية وإبهارا، لذا يقول إنه يسعى أن تكون تلك الأمسيات فى صالونه لأن تكون أشبه ببرنامج يحمل جانبا ترفيهيا، حتى يظل محافظا على جمهوره طول الوقت، أما الأهم بالنسبة إليه، فهو إثارة قضيته الأساسية، وهى الهوية المصرية.

Saturday, January 10, 2015

الهائمون فى برد الشتاء.. الشارع لهم والطقس عليهم

- التضامن الاجتماعى: لدينا دور للمسنين والمتسولين وليس دورنا جذب المشردين إليها
- حملة مكافحة البرد: خطوط ساخنة لتلقى البلاغات عن حالات تحتاج الدعم
- محمد الدويك: مواقع التواصل الاجتماعى تحولت إلى إحدى أدوات العمل الأهلى
- جمعية رسالة نور على نور: إجراءات التأكد ضرورية قبل الدعم واحذروا المحتالين
- المجلس القومى للصحة النفسية: القانون ينظم التعامل مع المشرد المريض
- الدكتــور أحمد عبدالله: الفصام والزهايمر والصدمات أهم مشاكلهم
قبل سنوات قليلة، لم يكن «حمدى الرُبع» سوى شاب ثلاثينى، يسكن فى شارع القدسى بمنطقة حدائق القبة، لديه سكن مستقر ويعمل فنى سيارات، ثم تغير كل شئ قبل حوالى عام. «أنا كنت شقى وبتاع مشاكل، لكن المرض وقلة الفلوس وصلتنى للحالة دى». يتحدث حمدى الربع ــ كما هو معروف فى تلك الناحية ــ عن ماضيه الذى تغير تماما، يجلس فوق مرتبة وبطانية أصابهما غبار الشارع، حيث يحتمى من برد الشتاء القارس خلف كشك للسجائر. وعلى مدى الشهور الماضية كانت الحديقة المطلة على نهاية شارع مصر والسودان هى المأوى الوحيد لحمدى، الذى أتم عامه الأربعين مؤخرا.
أحيانا ما تتحرك حوله الكلاب الضالة، وفى أوقات النهار ينبهه عمال هيئة تجميل القاهرة حين يبدأوا فى رى الحديقة بالمياه، ولا يتحرك من مكانه سوى بعكاز معدنى قديم أصابه الصدأ.
يتحدث قائلا «أصبت بجلطة فى الساق أقعدتنى عن العمل، وتزامن هذا مع أزمة مالية تسببت فى طردى من المنزل الإيجار الذى سكنته قبل سنوات طويلة، واستلمه المالك الأصلى.. منذ ذلك الوقت وأنا مقيم هنا فى الشارع، وليس لدى من يسأل عنى أو يهتم».
ليس هناك إحصاء لمن يتخذون الرصيف سكنا لهم مثلما يفعل حمدى، أما أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فقد انحصرت فى تحديد نسبة الأطفال الفقراء المحرومين من المأوى والتى بلغت نسبتهم 13.5% من الأطفال الفقراء، بينما يقدر الجهاز نسبة الأطفال الفقراء بـ 26.4% من مجمل الأطفال المصريين، أما المشردون من الشباب والمسنين، فلا يوجد إحصاء رسمى لهم.
يعود حمدى الربع ليتحدث باقتضاب عن أزمته الحالية قائلا: «كل ما أطلبه من الحياة الآن، هو سكن بحمام، على أمل استعادة حياتى مرة أخرى». لا يرغب فى الحديث عن تفاصيل المساعدات التى يتلقاها بشكل عفوى من أهل الخير، محاولا إخفاء انكساره حين يتذكر ماضيه كشخص مثير للمشاكل، بينما لا يجد ما يسلى وقته سوى متابعة حركة الشارع من بعيد، أو أن يتلقى تحية عابرة من جار قديم، وفى اوقات احتياجه لاستخدام الحمام، فليس أمامه سوى دورة المياه العمومية التى يتصادف وجودها فى الجانب الآخر من الطريق.
ومع غياب وجود أرقام عن عدد المشردين فى شوارع مصر، تبدو خطط وزارة التضامن الاجتماعى محدودة، وعاجزة عن تعريف أبناء هذه الشريحة بحقوقهم، ويقول كمال الشريف، رئيس الإدارة المركزية لمكتب الوزيرة، إن هناك دورا للمسنين والمتسولين تابعة للوزارة، وأنه بإمكان المشردين الالتحاق بها قبل أن يضيف «المشكلة هى من الذى سيأتى بهم من الشارع إلى الوزارة؟». يطرح المسئول الحكومى سؤاله، مستبعدا أى دور للوزارة فى جذب المشردين للالتحاق بهذه الدور أو عمل قوافل طبية بين الحين والآخر لهم، إذ يرى أن تقديم أغطية ومساعدات لهؤلاء تأتى عن طريق منظمات المجتمع المدنى، إلى جانب ما يراه من أن تنقل هؤلاء المشردين من مكان لآخر، يزيد من صعوبة حصرهم مستقبليا.
أما الجمعيات الخيرية، فهى أيضا تواجه أزمة فى التعامل مع أبناء هذه الشريحة، فبينما تتخصص بعض الجمعيات فى متابعة قضية أبناء الشوارع من صغار السن، يغيب عن برامجها من يقطنون الشارع من الشباب والمسنين، وهو ما تشرحه رينيه لاشين مسئولة العلاقات العامة فى جمعية رسالة نور على نور، التى تخصص برامج خيرية لدعم الأسر الفقيرة التى تقطن العشش والبيوت المتهالكة. وتشرح ذلك «هذه الشريحة من المشردين الفرادى لا تدخل فى نطاق عملنا، فلا توجد إحصائيات عنهم ولا توجد وسيلة لحصرهم أوالتعامل المنهجى أو المؤسسى معهم، لكننا نتعامل بشكل فردى مع هذه الحالات.
وتشير إلى أن الجمعية ترسل باحثا اجتماعيا إلى أماكن وجود المشردين، وكتابة تقرير عن المطلوب للحالة سواء كان علاجا شهريا أو عملية جراحية أو معاشا شهريا». ولا تخفى مسئولة العلاقات العامة فى جمعية رسالة نور على نور وجود بعض الحالات التى تحترف الحصول على إعانات من الجمعيات الخيرية، للدرجة التى تدفع بعضهم إلى استئجار مكان متهالك فى منطقة مثل منشية ناصر، لإثبات مدى استحقاقهم.. وهو ما تصفه بالاحتيال والنصب.
وتختم حديثها «الإجراءات المتبعة مع المشردين، هى أن يتقدم المتبرع بدعم إحدى الحالات إلى الجمعية، وأن يقدم مبلغ تبرعه مع الإبلاغ عن مكان تواجد الشخص المراد مساعدته، وعلى الجمعية أن تتأكد من مدى استحقاق المشرد للإعانة».

مضايقات المارة
ليست وحدها مشاكل البرد القارس ولا العيش دون مأوى هى ما يواجهه المشردون فى حياتهم اليومية، بل هناك مشاكل من نوع آخر يتعرضون لها من المارة، تمر سريعا فى ذاكرتهم محاولين نسيانها، هذا ما تعرض له «على»، الرجل الأربعينى المستتر أسفل عدد من البطانيات فى شارع قصر العينى، قد لا يلفت نظر كثيرين وهو نائم خلف محطة للأتوبيس على أول الشارع، فهو لا يظهر سوى ليلا، محاولا النوم حتى الصباح.
يروى «على» الذى اكتفى بذكر اسمه الأول، أنه قدم من محافظة بنى سويف قبل سنوات، مخفيا سبب ابتعاده عن أهله، قائلا «هناك مشاكل تمنعنى من استمرار الحياة معهم». وفى هذا المكان لا يستطيع ان يحمى نفسه بشكل كامل، إذ أحيانا ما يضايقه بعض المارة من المراهقين بأساليب مختلفة، لكنه يتناسى ذلك محاولا استكمال نومه.
«كنت أسكن الرصيف فى شارع مجاور لشارع قصر العينى، لكننى تعرضت لمضايقات من مجهولين، أخذوا كل ما معى، حتى أنهم أخذوا بطاقتى الشخصية أيضا». يتحدث بمرارة، محاولا عدم الاستطراد فى الكلام، إذ إن أمامه وقت قصير من منتصف الليل حتى ضوء الفجر كى يستطيع النوم.
عمل فى مخبز فى منطقة السيدة زينب، لكنه سرعان ما تركه، مبررا ذلك بقوله «كانت شروط البيات داخل المخبز أن يتم استغلالى فى أعمال شاقة، فتركت العمل إلى عمل جديد». أحيانا ما يستيقظ «على» ليفاجأ بأن هناك من ترك جواره وجبة إفطار، لكنه نجح مؤخرا فى الحصول على عمل من نوع مختلف، إذ تتلخص مهمته اليومية فى جمع علب المياه الغازية الفارغة، وبيعها إلى تجار متخصصين فى هذا النوع من النفايات، وبإمكانه أن يحصل فى أفضل الظروف على 30 جنيها عن اليوم.. لكنها مهنة غير مضمونة على حد قوله.

تفاؤل ومساندة
ما هو مستقبل أبناء هذه الشريحة إذا ما أصابهم المرض؟ هذا ما ترويه قصة شهيرة تداولها مستخدمو موقع فيس بوك فى الشتاء الماضى، عن المواطن محمد حسن يوسف الذى نقل قصته بالصورة أحد مستخدمى الموقع على صفحته الشخصية، إذ كان قد تعرض هذا المشرد المريض للطرد من مستشفى إمبابة العام، وظل يعانى المرض على رصيف مجاور للمستشفى قبل أن يموت.
ليست كل القصص المتداولة عن المشردين فى مواقع التواصل الاجتماعى بهذه المأساوية، فهناك قصة أخرى كتبها الكاتب والباحث محمد الدويك على صفحته تعود إلى الشتاء الماضى هى الأخرى، عن «عم عادل» الرجل الستينى الذى كان يقضى الشتاء على الرصيف، مستخدما أحد أجولة الدقيق فى حماية نفسه من البرد، ويروى محمد الدويك عن محاولاته مساعدة هذا الرجل بعد أن نشر قصته على فيس بوك، إذ تلقى الكثير من عروض المساعدة، لكنها لم تكن على درجة كافية من الجدية، ويستكمل قائلا «المفاجأة أن الذى قدم المساعدة لعم عادل، كان أحد المصريين العاملين فى الخارج، دفع إيجار سنة مقدما فى شقة سكنية، حتى يسكن الرجل المشرد». ويبدى الدويك تفاؤلا فى جدوى استخدام مواقع التواصل الاجتماعى فى مساندة الفقراء والمهمشين بشكل عام، ضاربا المثل بقصة أخرى عن طفلة صغيرة نشر قصتها عبر صفحته، كانت فى حاجة إلى إجراء عملية جراحية دقيقة، وساهم بعض من قرأوا القصة فى دعمها، حتى تمت استضافتها فى مستشفى تابع للقوات المسلحة. وهو ما يدفعه إلى أن يقول «لقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعى إلى إحدى أدوات العمل الأهلى.. وهو ما يجب أن يظل فعالا فى الفترة المقبلة».

سرقة مشرد
بعض الحالات لم تصل إلى فيس بوك، ولم تجد من يدعمها بشكل منظم، ففى حى الزمالك الراقى، قصة أخرى لم تجد من يدعمها لسنوات، هى قصة محسن محمد، الرجل الخمسينى القاطن فوق رصيف شارع 26 يوليو فى الزمالك، وفى ليلة بلغت فيها درجة الحرارة حوالى 11 درجة مئوية، وبينما الساعة تقترب من العاشرة مساء، أعلن صوت المذيع من تليفزيون مقهى مجاور عن موجة صقيع قادمة، قليل من المارة دفعهم البرد للاحتماء بالكثير من الملابس، بينما يجلس الرجل الخمسينى، تحت كوبرى 15 مايو ملتحفا بالأغطية، واضعا لفافة على رأسه بالكاد تطل منها عيناه.
يتذكر، الحاج محسن محمد، الذى تكسو التجاعيد وجهه، كيف لم يبرح مكانه هذا منذ خمس سنوات، محتملا نهارا شديد الحرارة فى الصيف، وليلا قارس البرودة فى الشتاء، ما زال يذكر كيف أجبرته إدارة محطة مصر على مغادرة مصدر رزقه، كبائع متجول وقامت بتهشيم كشكه، ليخرج إلى الشارع هو وبناته الخمس وتتفرق بهم السبل، وتتركه زوجته كى تتزوج بآخر، بعدما لم يستطع دفع 250 جنيها هى إيجار شقته بالكيت كات، ويبقى رصيف أحد الشوارع بحى الزمالك مأواه الدائم منذ خمسة أعوام.
الأغطية الخشنة التى يلتحف بها الحاج محسن أعطاها له بعض المارة، لكنه تعرض لسرقات من مشردين آخرين، يصفها باقتضاب «ممكن يكونوا محتاجين يناموا أو بيضايقونى» يقول معقبا قبل أن يشير إلى أنه تمت سرقته مرات عدة، ويضيف «معى نقود قليلة، أحصل عليها من اهل الخير، كلها أنفقها فى الطعام والعلاج».
يعانى محسن من كسر بإحدى فقرات العمود الفقرى، لذا يحاول أن يدخر مبلغا ضئيلا كل فترة من أجل العلاج، لكنه فى الوقت ذاته لا يمانع فى أن يعمل.
قد تبدو هذه القصص كحالات فردية قليلة، لكن الدخول على صفحة جمعية رسالة للأعمال الخيرية، تكشف عن وجود آخرين قد أجبرتهم الظروف على اختيار الشارع مأوى لهم، ومؤخرا تبنت الجمعية حملة تحت اسم «مكافحة البرد» لتوزيع الاحتياجات على المشردين فى الشوارع، وتلقت الصفحة على فيس بوك عددا من البلاغات عن حالات خارج القاهرة وداخلها، كما خصصت الجمعية خطا ساخنا لتلقى البلاغات تليفونيا.
يقول صلاح الجمل، مسئول مبادرة مكافحة البرد التى اطلقتها جمعية رسالة، أنهم خصصوا قوافل طبية لرعاية المشردين فى شوارع القاهرة وتقديم العلاج لهم، وذلك قبل أن يجروا بعض الأبحاث فى حلوان والسيدة زينب من أجل رصد أعداد المشردين وتقديم أغطية وملابس شتوية لهم.
ويشير مسئول الحملة إلى أن مبادرة «مكافحة البرد» ليست الوحيدة التى اطلقتها الجمعية ولكنهم لديهم مبادرة أخرى حملت اسم «ستر ودفا» للمساعدة بشكل عاجل فى تقديم الأغطية الكافية لمن ليس لهم مأوى مع الانخفاض الشديد فى درجات الحرارة.

مرضى نفسيون ينتظرون علاجـًا لا يأتى
يحرك الرجل يديه فى الهواء بعصبية، مطلقا صيحات غير مفهومة للمارة، يسير وفى يده حقيبة بلاستيكية كبيرة، وفى يده الأخرى عصا غليظة، بينما يبدو وجهه متسخا من أثر الحياة فى الشارع.
الاقتراب من الرجل العصبى لا يسفر عن الكثير، إذ يستمر فى التلويح بيديه مطالبا الابتعاد عنه، ما يمنع أى محاولة للاستفسار منه عن قصته أو كيفية حصوله على الطعام.
لا يوجد إثبات أو دليل على إصابة الرجل بمرض نفسى أو عقلى، سوى ما يظهره من حركات غير مفهومة للمارة، ومع محاولة متابعته فى أثناء حركته فى محيط ميدان التحرير، بدأ بعض المارة فى إطلاق التحذيرات من محاولة تتبعه، بينما واصل هو تحركه من مكان لآخر، حتى استقر فى ركن مجاور للميدان.
«لا يمكن التأكد من إصابة إنسان بمرض نفسى أو عقلى سوى بعد إجراء الكشف الطبى، وليس كل مشرد مصاب بمرض نفسى مكانه مستشفى الصحة النفسية والعقلية، فهناك من يمكنه متابعة العلاج دون إقامة فى المستشفى». الحديث هنا للدكتور تامر زغلول مدير العلاقات العامة فى المجلس القومى للصحة النفسية، الذى يؤكد على أن هناك إجراءات ينظمها القانون رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسى، والهدف منه هو إغلاق باب الشكاوى الكيدية فى حق المريض النفسى، وضمان حمايته.
تنص المادة رقم 13 من قانون رعاية المريض النفسى على عدم إمكانية إيداع أحد المرضى بأحد مستشفيات الصحة النفسية، سوى بعد عدد من الاجراءات، إذ تنص هذه المادة على أنه «لا يجوز إدخال أى شخص إلزاميا للعلاج بإحدى منشآت الصحة النفسية إلا بموافقة طبيب متخصص فى الطب النفسى، وذلك عند وجود علامات واضة تدل على وجود مرض نفسى شديد، وعند وجود احتمال لتدهور شديد ووشيك للحالة النفسية، أو إذا كانت أعراض المرض النفسى تمثل تهديدا جديا ووشيكا لسلامة المريض النفسى أو سلامة من حوله».
هنا يعود السؤال مرة أخرى عن كيفية مساندة المشردين المصابين بأمراض نفسية، وهنا يعود الحديث إلى الدكتور تامر زغلول الذى يذكر عددا من الاجراءات التى ينظمها القانون، فى حالة وجوب إيداع مريض بالمستشفى، أن يتم ذلك بناء على طلب مكتوب، من أحد أقارب المريض حتى الدرجه الثانية، أو من أحد ضباط قسم الشرطة، أو الإخصائى الاجتماعى التابع لوزارة التضامن الاجتماعى بالمنطقة، أو عن طريق مفتش الصحة المختص.
ويشير زغلول إلى أنه فى حالة كون المريض غير حامل للجنسية المصرية، فتقع مهمة تقديم الطلب عن طريق قنصل الدولة التى ينتمى إليها المريض الأجنبى، وتتيح هذه الإجراءات التى ينظمها قانون رعاية المريض النفسى، أن يتم تطبيقها مع المشردين المصابين بأمراض نفسية.
وبعيدا عن هذه الاجراءات يبدو صوت هذه الفئة من المشردين خافتا، وتصعب محاولات التواصل معهم، على سبيل المثال، أجرينا محاولات للتواصل مع أحدهم فى الحديقة المجاورة لنفق أبو حشيش قرب حى العباسية، حيث جلس الشاب ذو الملامح الثلاثينية ليدخن سيجارة فى هدوء، بعد فترة من تحدثه مع نفسه، «محمد» الذى نطق اسمه بعد محاولات متكررة للتواصل معه، رد مجيبا عن الأسئلة بعبارات بسيطة، مبديا رفضه العودة إلى المنزل، وطلب مالا يشترى به ما يأكله، ومع تكرار بعض الأسئلة عن أحواله المعيشية رفض الحديث، وطلب مغادرتى من المنطقة المحيطة به.
«نسبة كبيرة من المشردين الكبار، قد يكون لديهم اضطراب نفسى جسيم ناتج عن صدمات تعرضوا لها، وبعضهم يكون لديهم فصام أو زهايمر، ونسبة كبيرة منهم ليس لديهم مقر للإقامة فيضطرون للجوء إلى الشارع».. الحديث هنا للدكتور أحمد عبدالله مدرس الطب النفسى بجامعة الزقازيق، الذى يرى ضرورة أن يتعامل الأهالى بشكل جيد مع المشردين، وأن يحاولوا مساعدتهم بتقديم بعض الأغذية أو الأغطية لتقيهم من برد الشتاء، لكنه فى الوقت ذاته يشير إلى ضرورة اهتمام العديد من منظمات المجتمع المدنى بقضية المشردين من كبار السن، مثلما يجرى الاهتمام بقضية الأطفال الذين بلا مأوى.
PDF

Friday, November 21, 2014

توبة مسجل خطر .. الوجه الآخر لعالم الجريمة



• قسوة المجتمع ورفاق السوء أهم أسباب العودة إلى طريق الانحراف
• رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائى: يجب تغيير الفلسفة العقابية فى مصر
• اللواء محمد نجيب: معتادو الإجرام ينخرطون فى مظاهرات الإخوان بحثًا عن المال
تلاشت آثار العلامات التى تركتها المشاجرات على وجه رجب السريع، بعد أن أتم عامه الستين، لتحل محلها تجاعيد الشيخوخة، يجلس حيث اعتاد جوار أقفاص الطماطم التى يبيعها فى كشكه الخشبى داخل حى ميت عقبة، بعد أن قضى نصف عمره مطاردا من الأمن كمسجل خطر.
«كنت واحد من الناس اللى بتاخد السكة رايح جاى على السجن». يطلق جملته ثم يتذكر ما ارتكبه فى الماضى، من قتل وسرقة ومشاجرات.
ليس لديه مصدر رزق سوى ذلك الكشك الذى حصل على ترخيصه بمساعدة من وزارة الداخلية ضمن إجراءات الرعاية اللاحقة للمساجين آنذاك، إلى جانب مصادر رزق موسمية كاستئجاره المراجيح فى الأعياد فى ميدان ميت عقبة، وتأجير عربة الكارو للأطفال.
لا يخجل «السريع» الذى اشتهر بهذا اللقب لكونه خفيف الحركة وخفيف اليد، من النبش فى ماضيه، بينما لا يعرف أبناء حى ميت عقبة عنه سوى أنه مسجل تائب.
هرب رجب السريع من مصير حوالى 92 ألف مسجل خطر مقيدين لدى وزارة الداخلية المصرية، حسب دراسة منشورة فى العام 2012 عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، تحت عنوان «المعاملة الجنائية للمسجلين الخطرين».
وينقسم تصنيف المسجلين خطر إلى ثلاث فئات، هى الفئة (أ)، والفئة (ب)، والفئة (جـ)، تبعا لخطورة الجرائم، وكى ينتقل المسجل من فئة إلى الفئة الأقل خطورة، يشترط أن يمر عليه ما بين سنة وثلاث سنوات، دون مزاولة أى نشاط إجرامى، مع الخضوع لكافة إجراءات المراقبة، والحصول على تقارير تفيد حصوله على عمل يتكسب منه، ولا يرفع المسجل خطر من سجلات الخطرين إلا فى حالات الوفاة، أو العجز الكلى، أو التوقف عن نشاطه الاجرامى، مع وجود استثناء أخير فى يد مدير قطاع الأمن العام فى وزارة الداخلية، برفع «مجرم خطر» من السجلات دون الالتزام بالشروط السابقة، إذا أبدى خدمات جليلة للأمن، وهذا حسب اللوائح المنظمة للتعامل مع المسجلين خطر فى وزارة الداخلية المصرية. أما رجب السريع، فقد دخل السجن لأول بعد أن قتل أمين شرطة فى مشاجرة داخل سوق روض الفرج القديم، فى منتصف السبعينيات، ثم انخرط فى عدد من الجرائم بعد أن سلك «كار النشالين» لخفة حركته، وقضى آخر عقوبة فى العام 2004 بتهمة السرقة، ثم أسقط صحيفة سوابقه بعدها، وتم تصنيفه لدى وزارة الداخلية كمسجل تائب، لكن القصة لم تنته، بل ظل تاريخه يلاحقه حتى وقت قريب.
ربما ساعده إسقاط سوابقه فى التخلص مؤقتا من إلحاح رجال المباحث فى استجوابه عن أى واقعة تحدث فى محيط منطقته، وهو العرف السائد فى الاستعانة بالمسجلين خطر كمصادر سرية فى تحرياتهم.
«توقعت مبكرا أن يكون حصولى على الكشك ثمنا فى مقابل التعاون مع رجال المباحث، وتقديم المعلومات فى تحرياتهم، لكنى تمردت على هذه الإجراءات بعد سقوط السوابق عنى، ففوجئت بضباط قسم العجوزة قبل سنة يريدون أن اساعد فى تحرياتهم، وبعد تظلمى أثبتت التحريات أنى مسجل تائب بالفعل، ومتوقف عن النشاط الإجرامى، وأن من حقى أن أعيش حياتى دون أن يستخدمنى أحد لحسابه».
كان انخراطه فى دوائر أصدقاء الجريمة هو ما أسقطه فى السجن كل مرة، حتى اختار اعتزال الإجرام مع وصوله إلى سن الخمسين، بعد تقدم عمره، وعدم قدرته على الاستمرار فى هذا الطريق، وأصبحت غايته الآن هى تعليم أصغر أبنائه وستر حاجة بيته.
العودة إلى الجريمة
ورغم ما يبدو على هذه الإجراءات من سهولة، إلا أن الظروف البائسة تدفع البعض إلى العودة إلى الطريق نفسه من جديد، على سبيل المثال فإن حسام أحمد الشاب ذى السادسة والعشرين سنة، قد تم تصنيفه كمسجل خطر (أ) متعدد الجرائم، بعد أن قضى ما يقرب من ثلاث سنوات فى السجن، على ذمة قضيتى تعاطى المخدرات وبلطجة، الأولى قضى فيها 6 أشهر فى سجن المرج، والثانية 24 شهرا فى سجن الاستئناف؛ لتعديه على أمناء شرطة قسم مصر القديمة حين كان يعمل سائسا لأحد الجراجات، وبعد أن خرج من السجن، لجأ إلى العمل فى المدابغ، حيث لم يسأله أحد عن «صحيفة الحالة الجنائية».
«لما تلاقى نفسك محبوس 6 شهور فى سيجارة حشيش، واللى جنبك بيتاجر فى الصنف وعامل بيزنس، يبقى التجارة أرحم، مادام الحبس واحد.. جوا السجن يا تبقى وحش، يا إما تبقى جبان ومدبوح، أنا طلعت من السجن عايز انتقم من ناس كتير..».
يلخص حسام حكايته فى عبارات عفوية، أثناء حديثه فى منطقة المدابغ، خلف سور مجرى العيون، وسط رائحة فضلات الجلود، والممرات الضيقة المغطاة بمياه صرف المدابغ، حيث يعمل مقابل 50 جنيها فى اليوم، وعليه أن يدبر حاجة أسرته، وحاجة أسرتى شقيقيه اللذين يقضيان عقوبة السجن ثلاث سنوات، وهو ما دفعه إلى قرار آخر، إذ بدأ فى ممارسة نشاط غير مشروع، يراه حلا لأزمته.
وتشير دراسة ميدانية أجريت فى عدد من السجون المصرية للدكتور السيد عوض أستاذ علم الاجتماع فى جامعة جنوب الوادى، أن جرائم المخدرات تحتل المرتبة الأولى فى جميع السجون التى اعتمدت عليها الدراسة، كما تشير الدراسة التى حملت عنوان «جرائم المخدرات بين الرجل والمرأة»، وصدرت عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية فى العام 2011، أن 44.6 % من الذين أجريت عليهم الدراسة، كانوا فى مهن غير مستقرة، فليس هناك عمل ثابت يخشون فقدانه فى حالة القبض عليهم، وأن حوالى 25% من الذين تناولتهم الدراسة، أكدوا أن العائد من ارتكاب جرائم المخدرات يفوق العقوبة عليها.
فوق ذلك فإن شابا مثل حسام المتأرجح بين العمل فى المدابغ واللجوء إلى طريق الاجرام، لم يسلم من محاولات تجنيده كى يصبح مصدرا سريا لدى وزارة الداخلية، وهو ما ابتعد عنه، ولم تحدث عقوبة الحبس تغييرا إيجابيا فى حياة الشاب، فالمجرم الصغير خرج إلى العالم بعد أن تعرف على شرائح أكثر إجراما، وهو ما يصفه فى كلمات تحمل المرارة: «عشت بين 50 سجينا فى مكان يكاد يتسع لعشرين سجينا، وعلى كل فرد أن يحمى نفسه، كى لا يصاب بالأمراض، سواء عبر الاختلاط الجنسى، أو بالعدوى الجلدية، لأنه قد يتعرض للإهمال».
داخل عالم السجن ملامح أخرى للمعيشة، تكشفها مؤشرات دراسة الدكتورة وفاء أبوشهبة عن «المعاملة الجنائية للمسجلين الخطرين»، منها أن حوالى 67% من فئة المسجلين خطر هم فى سن بين 20 ــ 40 سنة، و73% منهم لا يعمل داخل السجون أو يتعلم حرفة جديدة، وأن 82,2% منهم لا يمارسون الرياضة، بينما تصل نسبة الأميين إلى 66,5% من الفئة التى أجريت عليها الدراسة، هذا فى الوقت الذى انتقد فيه تقريرا صدر قبل عدة اشهر، حالة الأوضاع الصحية فى 16 سجنا ومركزا للشرطة، وذكر التقرير الصادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن هناك غيابا لعنصر الصحة النفسية عن منظومة الخدمات الصحية فى أماكن الاحتجاز، وأن التكدس الشديد، وغياب النظافة والصيانة للعنابر والزنازين ودورات المياه، كان لها دور سلبى فى التأثير على صحة السجناء.
فى جانب آخر صرح مصدر مسئول فى قطاع السجون بوزارة الداخلية لـ«الشروق»، أن قطاع السجون يوفر أطباء نفسيين للسجناء، نافيا أن يكون هناك سوء فى الخدمات الصحية التابعة للقطاع، مضيفا: «بالنسبة لفئة المسجلين خطر، فيخضعون لما يخضع له مجتمع السجناء، وهناك فرص للعمل داخل السجن، إذا ما أراد السجين ذلك».
وفى هذه الأجواء تتكرر محاولات إدخال المخدرات إلى داخل السجون، لتلبى احتياجا داخل هذا المجتمع، وهو ما تترصد له الأجهزة الأمنية طوال الوقت، أما ما يصل إلى داخل السجن، فيصبح له تبريرات لدى المتعاطين، بسبب كون بعضهم مدمنين فى الأصل، أو بسبب الفراغ وقلة العمل والرغبة فى النوم، وهو ما كان رصده الدكتور عبدالله غانم أستاذ علم الاجتماع فى دراسة شهيرة تحت عنوان «المخدرات فى السجون».
الدفاع عن المسجلين
وفى دوائر المسجلين خطر، يبرز دور المحامى الذى يتصدى للدفاع عن هذه الفئة، وهو ما يتبناه سيد حنفى المحامى أمام محكمة النقض، وفى مكتبه الذى يقع فى حى مصر القديمة، يجلس متابعا لعدد من ملفات القضايا التى تباشرها النيابة العامة، وتتنوع بين السرقة والبلطجة والمخدرات، لكنه يعلم جيدا المخرج القانونى لكل قضية، وهو ما حقق له شهرة بين معتادى هذا النوع من الجرائم، ويصف ذلك قائلا: «أصبحت أعرف مسار القضية من إجراءات الضبط القضائى، لأنها لا تخلو من الخلل القانونى، لذا أصبح من السهل أن أتوقع ما ستفسر عنه جلسات التحقيق». ولا يجد المحامى الخمسينى غضاضة فى الوصف الذى أطلقه عليه البعض بأنه «محامى المسجلين خطر»، إذ تعتمد عليه شريحة من أبناء منطقة مصر القديمة، فى كثير من قضاياهم.
وبخبرة سنوات قضاها فى الدفاع عن المنتمين لفئة المسجلين خطر يقول: «1 % فقط من المسجلين هم التائبون؛ لكرههم السجن وخوفهم من تكرار التجربة، وتبقى الـ99% ممن تعودوا على السجن والبيزنس والتجارة، ولم يجدوا مفرا من مزاولة الأعمال غير المشروعة»، هذا ما خلص إليه المحامى سيد حنفى فى خضم تعامله مع شريحة المسجلين الخطر.
ثم يضيف بثقة: «وجدت فى ملكاتى القانونية أن أعمل على قضايا المسجلين، لخبرتى فى أحوالهم والإجراءات القانونية المتعلقة بهم».
ويكاد يكون دور هؤلاء المحامين، هو الوسيط بين أبناء هذه الفئة والمؤسسات القضائية والأمنية، بينما يضعف دور الدعم الخارجى فى خارج هذا الأطار. وعن هذه النقطة تحديدا يتحدث محمد زارع، رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائى، بادئا عما وصفه بوجود أزمة فى «الفلسفة العقابية» السائدة فى السجون المصرية، وأنها تتبنى أفكارا قديمة تعتمد على الزجر والتحفظ على المساجين دون حلول جذرية لأزماتهم، بينما تتجه «الفلسفة العقابية» الحديثة إلى إعادة التأهيل من الناحية المهنية والسلوكية، ويعلق على ذلك قائلا: «الأزمة الأكبر أنه لا توجد سلطة رقابية حقيقية على أحوال المساجين أو المفرج عنهم، فحتى زيارات المجلس القومى لحقوق الانسان، تتم بشكل معد سلفا». ويتجاوز الأمر ذلك فى رأيه إلى صعوبة انتقاد أمور مهمة مثل التعديل الأخير فى لائحة السجون»، ويشرح ذلك قائلا: «فى أحد بنود اللائحة تم رفع أجر المسجون إلى 7 جنيهات، كحد أدنى عن عمله اليومى، أو منحه أجرا أعلى مقابل قيامه بأعمال فنية ممتازة أو تحقيقه حجم إنتاج أكبر.. وهذا هذا تطور إيجابى، لكنى أراه مخالفا لما أقرته محكمة القضاء الإدارى بإلزام رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه شهريا، أى ما يوازى 40 جنيها فى مقابل اليوم الواحد».
مخبر سرى
لا يتفق اللواء محمد نجيب، الرئيس الأسبق لمصلحة السجون، مع شهادات السجناء حول طبيعة المعاملة وفشل الدولة فى تأهيلهم داخل السجن وخارجه، إذ يقول إن الدولة تتعامل معهم حسب الإمكانات المتاحة لديها، مُحمِّلا المجتمع مسئولية رفض التعامل مع المسجلين.
«عملية التأهيل تتم عبر مراحل، بدءا من تعليمه الحرف، وتهيئته للعدول عن السلوك الإجرامى، والرعاية الصحية، وتقديم الدعم الاجتماعى للسجين بحالته وأسرته، بل وصرف مكآفات شهرية، كما يتم مراعاة الاعفاء من مصاريف المدارس ورعاية المسجون». على حد قوله.
يعدد نجيب من مراحل التأهيل التى يخضع لها السجين من لحظة دخوله إلى خروجه، ويضيف إلى ذلك دور الرعاية اللاحقة للسجناء عبر وسائل مختلفة منها تيسير فرص العمل ودعم الأسرة وتوفير الضمان الاجتماعى عقب خروجه؛ كى لا يعود إلى الجريمة مرة أخرى.
فى حين لم ينف الرئيس الأسبق لمصلحة السجون اعتماد إدارة البحث الجنائى بوزارة الداخلية على قدامى المسجلين، فى تسهيل اختراق المناطق الشعبية التى تزيد فيها الأعمال الإجرامية، إذ يقول: «الاعتماد عليهم أمر عادى كمخبرين سريين، ضمن مصادر متنوعة تعتمد عليها المباحث، ويسبق ذلك التأكد من حالة المسجل اذا كان منحرفا أم تائبا، ويشترط الا يكون مصدرا أساسيا للضابط».
وفى نقطة أخرى يشير اللواء محمد نجيب إلى استخدام جماعة الاخوان المسلمين مجموعات من المسجلين فى المظاهرات، التى اعتادت تنظيمها منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسى فى يوليو من العام الفائت وما تلاها من تجمعات متناثرة. قائلا: «يوفرون لهم الأجور والوجبات، ويقيم جهد كل فرد منهم على مدى عمله من التخريب والهتافات ورشق المؤسسات».
ورصدت «الشروق» فى لقاءاتها مع عدد من المسجلين الجنائيين، أن بعضهم يبدى فى حديثه عدم الاهتمام بالتخلص من ماضيه فى سجلات الدولة، إلى جانب ما يبدونه من يأس سريع بسبب ما يلاقونه من المجتمع بعد تجربة السجن، هذا ما برز مع محمود ابراهيم، الذى بلغ سن الواحدة والستين دون أن يشغل باله أن يحول «السابقة الجنائية» التى اقترفها إلى «مسجل تائب» فى ملفات وزارة الداخلية، وهو ما يفعله المسجلون بعد التوبة نهائيا، فقد قضى 17 عاما من عمره فى السجن تنفيذا لعقوبة المؤبد الصادرة بحقه فى عام 1972، حين شارك أصدقاءه فى جريمة قتل، وكان عمره لا يتعدى الـ16 سنة، وهكذا ظلت صحيفة حالته الجنائية التى تحمل «سابقة جرائم النفس» مصاحبة للرجل الستينى مثل ظله، ما ساهم فى تعزيز رغبته فى الانزواء عن الحياة الجديدة دون التعرض لماضيه.
وبعد حصوله على ليسانس الآداب أثناء تقضية فترة عقوبته، لم يجد مساندة من أحد، وأصبح يدير محل جوار منزله، لكن ظل العامل النفسى للتجربة متحكما فيه طوال الوقت، إذ يقول «البيئة المحيطة لا تقف فى صفك إطلاقا».
• تم تغيير بعض الأسماء بناء على رغبة المصادر

السجناء ينتظرون مجتمعًا أكثر تسامحًا
كتب ــ عبدالرحمن مصطفى
يرى الدكتور طريف شوقى أستاذ علم النفس الاجتماعى، ونائب رئيس جامعة بنى سويف، أن الأزمة الكبرى التى تواجه السجناء المطلق سراحهم، تتلخص فى حالة الاستبعاد التى يتعرضون لها من المجتمع، وما يعانونه من وصم اجتماعى، ما يدفع بعضهم إلى الاندماج مرة أخرى فى مجتمع الجريمة الذى يرحب بهم من جديد.
«الموضوع ليس له علاقة بمؤسسة السجن فقط، بل فى منظومة كاملة، وأطراف عديدة لابد أن تتعاون من أجل احتواء هذه الشريحة، وخصوصا فئة المسجلين خطر، الذين يحتاجون إلى معاملة خاصة، لإدماجهم فى المجتمع». يتحدث الدكتور طريف شوقى أستاذ علم النفس مشيرا إلى أن مؤسسة السجن لم تعد الحل الناجع أو الوحيد، وكان فى دراسة سابقة له تحت عنوان: «الآثار النفسية للعقوبات سالبة الحرية»، قد أشار مبكرا إلى تأثير الاعتداءات التى يتعرض لها السجين من أقرانه على سلوكه، وكيف قد تقوده إلى ممارسة الشىء نفسه تجاه آخرين.
لذا يشدد أستاذ علم النفس الاجتماعى على ضرورة إعداد السجين لمرحلة ما بعد السجن، بمجرد أن يخطو أولى خطواته داخل السجن.
وتصدت بعض الجمعيات للدخول فى مشروعات تهدف إلى إعادة تأهيل السجناء، ودعمهم بما يكفل لهم إقامة مشروعات صغيرة فى المستقبل، وهو ما تبنته مؤسسة «مصر الخير» فى برتوكول تعاون مع مصلحة السجون بوزارة الداخلية، لهذا الغرض.
«تقوم المؤسسات بالأساس على دعم فئة الغارمين، من الذين أوقعتهم ديونهم فى السجن، وهؤلاء هم الأولى بالرعاية فى المرحلة الحالية». حسبما تذكر هالة السيد المستشار الإعلامي لمؤسسة مصر الخير.
وهنا يبقى السؤال حول فئة المسجلين خطر تحديدا وسبل دعمها، خاصة أن الجهة التى تكاد تكون الوحيدة أمامهم هى إدارة شرطة الرعاية اللاحقة فى وزارة الداخلية، التى تقدم دعما عينيا لأسر السجناء، وتسهل فرص عمل لبعض المفرج عنهم، لكنها فرص لا تكفى لتغطية جميع أعداد المفرج عنهم حديثا، حسبما ذكر عدد منهم، وتحديدا من فئة المسجلين خطر.
وفى تجربة أخرى يروى تفاصيلها أكرم فوزى مدير مؤسسة عبدالله النديم للتنمية فى محافظة المنيا، أنه المؤسسة قد تبنت مشروعا بشراكة مع مديرية أمن المنيا، ووزارة التضامن الاجتماعى، بتمويل من مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية، يستهدف تدريب وتأهيل 150رجلا و150 سيدة من المفرج عنهم من سجن المنيا العمومى، من أجل تعليمهم حرفا يدوية، ثم مساعدتهم فى ترويج منتجاتهم فيما بعد.
«خضنا التجربة من قبل فى مشروعات مشابهة، وكانت التجربة مثمرة، ويبدى المفرج عنهم حديثا استعدادا لتغيير حياتهم، لكننا لا نقدم هذه الفرصة سوى بعد دراسة وافية، واختيار الأنسب منهم للمشروع». هذا ما يصفه مدير المؤسسة. لكن تظل الأزمة فى هذه التجارب، أن فئات أخرى من المفرج عنهم حديثا، تورطوا فى جنايات قتل أو تم تصنيفهم كمسجلين خطر، مازالوا خارج هذه التجارب حتى الآن.