Showing posts with label Current.History. Show all posts
Showing posts with label Current.History. Show all posts

Monday, August 1, 2011

فنون صناعة النخبة في مصر



عبد الرحمن مصطفى

«رجل الدولة يؤمن بأنه منتمٍ إلى الدولة، أما رجل السياسة فيؤمن بأن الدولة هى التى تنتمى إليه»، تلخص هذه العبارة الرائجة فى عالم السياسة الفارق بين السياسى صاحب المشروع ورجل الدولة الذى يستمر ضمن النخبة فى أى نظام سياسى. بعض الباحثين سجلوا هذه الملاحظة فى دراساتهم حول النخبة السياسية فى مصر، إذ إن بعض الرموز السياسية ما زالت مستمرة منذ العهد الناصرى فى الستينيات حتى اليوم فى مناصب عليا وداخل حوارات وطنية بعد الثورة. أحد من رصدوا تطور هذه النخبة المستمرة هو القيادى اليسارى عبدالغفار شكر، إذ يقول: «بعد بروز دور الشباب مؤخرا فكرت فى كتابة مقال بعنوان: وداعا جيل السبعينيات، الذى تصدر الحياة السياسية فى الفترة الماضية، لأن هذه الثورة جعلته يبدو قديما.. فما بالك بجيلى الأقدم منه؟!». يعد عبدالغفار شكر أحد شهود تجربتين أنتجتا بعض رموز المشهد طوال العقود الماضية، الأولى تجربة التنظيم الطليعى، والثانية هى منظمة الشباب الاشتراكى. ويعلق قائلا: «بعض من نشأوا سياسيا فى هذه الفترة انقسموا إلى فريقين، الأول انتقل إلى صفوف المعارضة متبنيا القيم العليا للشعب المصرى، أما الفريق الآخر فاختار الالتصاق بالسلطة على مر العصور منذ الستينيات رغم تبدل سياسات الدولة طوال العقود الماضية». ويرجع إنشاء «تنظيم طليعة الاشتراكيين» المعروف بالتنظيم الطليعى إلى العام 1963، وكان الهدف هو تجنيد كوادر داخل الاتحاد الاشتراكى كى تعمل على قيادة الجماهير والترويج لأفكار النظام السياسى آنذاك. وتكفى نظرة على بعض الأسماء المعروفة فى هذا التنظيم السرى الذى تجاوز عدد أعضائه 30 ألف مواطن حتى يتضح أن شريحة من رجال الدولة البارزين اليوم قد كانوا فى يوم من الأيام جزءا من هذا التنظيم واستمروا حتى هذه اللحظة. ويرصد كتاب «عبدالناصر والتنظيم الطليعى السرى» (مكتبة بيروت، 2008) بعض المشاركين فى التنظيم.. أما «منظمة الشباب الاشتراكى» فأنشئت أيضا فى العام 1963 كتنظيم شبابى للنظام الناصرى الحاكم. وتكفى نظرة أخرى على كتاب «تجربة منظمة الشباب الاشتراكى فى إعداد القيادات» (عن مركز دراسات الوحدة العربية، 2004) لعبدالغفار شكر كى تكشف عن جزء آخر من المشهد، إذ كان عبدالغفار شكر أمينا مساعدا لمنظمة الشباب الاشتراكى للتثقيف حتى عام 1969. وفى القسم الرابع من هذا الكتاب أسماء ظهرت فى الفترة الناصرية واستمرت فى عهدى السادات ومبارك بين صفوف المعارضة والسلطة على السواء، وما زال بعضهم موجودا بعد سقوط نظام مبارك. أحد من ذكروا شهاداتهم فى هذا الكتاب كان الدكتور عاصم الدسوقى ــ أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب فى جامعة حلوان ــ أما اليوم فينقد التجربة بعين متخصص فى التاريخ قائلا: «بعض أفراد هذه النخبة السياسية سواء فى منظمة الشباب أو التنظيم الطليعى اختاروا القرب من مركز السلطة حتى مع تبدل الأنظمة، على أن تكون مهمتهم هى إضفاء الشرعية على إجراءات السلطة، وفى ظل معايير اعتمدت فى النظم السابقة على تصعيد المقربين بدلا من معيار الكفاءة، ظلت بعض الأسماء مستمرة حتى بعد الثورة، وهناك من ابتعدوا عن قلب السلطة وظلوا محافظين على توازنهم، إلى جانب من اختاروا المعارضة، خاصة بعد التحول الكبير فى عهد السادات». وفى دراسة للدكتورة ــ مايسة الجمل ــ أستاذة العلوم السياسية فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة منشورة تحت عنوان «النخبة السياسية فى مصر» (عن مركز دراسات الوحدة العربية، 1998) ترصد الباحثة كيف أن النظام السياسى منذ ثورة 52 لم يتنازل عن فكرة إعادة تدوير النخبة ودعم استمرارها، لأنها فى النهاية نخبة مرتبطة بالدولة تؤدى دورها فى خدمة توجيهات الرئيس. والآن فى ظل نظام سياسى بلا رئيس، ما زالت هذه النخبة القديمة مستمرة حتى اليوم. بعض رموز هذه النخبة أثاروا الارتباك فى الأسابيع الأولى بعد الثورة بسبب تصديرهم فى المشهد السياسى، كترشيح الدكتور مصطفى الفقى لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية الذى أثار احتجاجات ضده، وهو أحد نماذج البقاء داخل النخبة منذ أن كان عضوا فى التنظيم الطليعى الخاص بالخارجية المصرية وبقاؤه فى المناصب الرفيعة حتى رحيل مبارك. ومع سقوط نظام الرئيس السابق وخاصة بعد حل الحزب الوطنى الديمقراطى اختفت رموز من النخبة المستمرة من حقبة التنظيم الطليعى كانت لصيقة بالسلطة من خلال الحزب مثل الدكتور مفيد شهاب والدكتور على الدين هلال وغيرهما، وبقيت رموز أخرى كانت جزءا من الدولة فى فترات سابقة وعادت بعد الثورة. وتكفى مطالعة أسماء من المستقلين فى العمل العام مثل وزير الإعلام الأسبق محمد فائق ــ رئيس اللجنة التنسيقية للمجلس الوطنى المشكل خارج إطار مؤسسات الدولة، أو الدكتور عبدالعزيز حجازى رئيس لجنه الحوار الوطنى، أو الدكتور يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء السابق، حتى نجد خيطا يجمع كل هذه الأسماء، فقد كانت تنتمى جميعها إلى التنظيم الطليعى فى عهد جمال عبدالناصر ثم ظهروا فى عصور تالية بمهام مختلفة. وإلى جانب هذا الجيل فهناك جيل السبعينيات الذى يمثل قيادات العمل السياسى الآن، ويوضح أحمد تهامى عبد الحى فى كتاب «الأجيال فى السياسة المصرية (عن هيئة الكتاب، 2009) أن جيل السبعينيات استعاد عافيته السياسية فى التسعينيات وعرف وقتها بجيل الوسط، لكن هذا الجيل أصبح الآن فى الخمسين والستين بينما تحول الجيل السابق عليه إلى جيل الشيوخ ليكوِّن الجيلان معا أساس النخبة السياسية الحالية. «العلاقات القديمة بين أبناء الجيل الواحد تدير الموقف أحيانا، خاصة بين من نشأوا فى تجربة سياسية مشتركة مثل التنظيم الطليعى أو منظمة الشباب»، حسبما يرى عبدالغفار شكر، وفى هذه الأجواء لا يخلو الأمر من صدامات بين جيل الشباب الحالى والنخبة السياسية القديمة داخل جلسات الحوار بسبب اختلاف ثقافة الشباب التى يصفها عبدالغفار شكر بأنها «ثقافة جيل نشأ بعيدا عن التنظيمات السياسية التقليدية للدولة».



يتحدث عبدالكريم طه بحماس واضح عن أيامه الذهبية التى قضاها فى أمانة التنظيم داخل الحزب الوطنى المنحل قائلا: «كله كان ماشى كويس، وفجأة حصلت الثورة». ولا يبدو قلقا حين يتحدث مع زملائه فى كلية الحقوق عن ماضيه مع الحزب الوطنى. عبدالكريم الذى لم يتجاوز الثانية والعشرين مارس سلطات من خلال ما كان يكلف به من مهام حزبية فى الشارع. يلتقط ورقة وقلما شارحا بعض تلك المهام: «كانت لنا هيبة حين نهبط على إحدى الوحدات الحزبية لاستطلاع آراء أعضاء الوحدة هناك عن مرشحيهم، إذ كانت لدينا من السلطة أن نطرد مرشحا انتخابيا إذا حاول التطفل على عملنا». أما أكثر المهام التى كان يبدو فيها عبدالكريم متألقا فى بدلته الأنيقة فهى أثناء مراقبة أداء مرشحى الحزب الوطنى خلال موسم الانتخابات. حين كان يتابع مع غرفة العمليات فى القاهرة تفاصيل ما يحدث أمامه، أما أكثر ما كان يدعمه وسط الأحداث فهو اللقب الذى كان يحمله هو وزملاؤه فى مثل هذه المهام، فهم إما «رجالة أحمد عز»، أو «شباب جمال مبارك». هذه النخبة التى كان يكونها الحزب الوطنى أصبحت اليوم بلا سند. فعلى حد قوله: «شباب الحزب اختفوا فى ظروف غامضة!». يختلف الدكتور وحيد عبدالمجيد ــ نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ــ مع تعبير «صناعة النخبة» أو أن الحزب الوطنى كان يمارس هذا الدور، ويقول: «فى وضع ديمقراطى لن نسمع مصطلحا مثل تكوين النخب، هذا من أعراض الحكم الشمولى الذى يتعامل مع المواطنين على أنهم أدوات يشكلها حسبما يريد.. فى فرنسا على سبيل المثال هناك المدرسة الوطنية للإدارة التى تخرج فيها الكثير من رموز الدولة، لكنها فى النهاية خارج الحسابات الحزبية وتمارس عملها باستقلال». فى الحالة المصرية لم يكن الحزب يستخدم مجهودات عبدالكريم وزملائه لمجرد تعميق مهاراتهم السياسية، إذ كان العامل الاقتصادى هو أحد دوافع مشاركة هؤلاء الشباب، فقد كانت تلك الأنشطة تتم تحت قيادة مسئول اتصال هو بمثابة «وزير فى منطقته» على حد تعبير عبدالكريم طه، هذا إلى جانب دخل شهرى يتجاوز عدة آلاف ومكاسب أخرى ونفوذ محلى. بعض المهام التى كان يؤديها «شباب أحمد عز» كانت تتم أحيانا عبر مؤسسات مثل الجمعية الوطنية للسياسات الاقتصادية، التى تقوم بدراسات واستبيانات فى الشارع تخدم أمين التنظيم، وكان على كل شاب ألا يشير من قريب أو بعيد أنه ذو صلة بالحزب الوطنى، بل يقدم نفسه للمواطنين على أنه باحث مستقل تابع للجمعية. هذه الخدمات التى كان يقدمها شباب أمانة التنظيم أحيانا ما كانت تتداخل مع نشاط أحمد عز فى مجال الصناعة، وهو ما شارك فيه مدحت الأخ الأكبر لعبدالكريم، إذ كان هو الآخر عضوا فى الحزب الوطنى المنحل، ويصف مدحت هذه التجربة قائلا: «فى مرة تم استدعاؤنا لفيللا أحمد عز فى المنوفية، وانتقلنا فى رعاية الداخلية، وذلك أثناء أزمة غلاء أسعار الحديد قبل سنوات، وجلسنا إليه وعلمنا تفاصيل مهمتنا، وأصدروا لنا كارنيهات فى الحال على أننا عاملون فى مصانع حديد عز».
كانت المهمة التى يتحدث عنها مدحت هى التفتيش على موزعى الحديد فى المحافظات وضبط المغالين فى الأسعار واتخاذ الإجراءات اللازمة ضدهم. يكمل مدحت قائلا: «كنا نعلم نحن أيضا أن علينا رقابة، فأحد زملائنا تم استدعاؤه إلى القاهرة بسبب مخالفة ارتكبها مع أحد الموزعين».الأمر كان بالنسبة للأخوين عبدالكريم ومدحت هو البحث عن فرصة للصعود فى سلم الحزب، وأن ينتقلا إلى موقع مسئول الاتصال والتنظيم فى سن الثلاثين، فيزداد الدخل، وتزداد السلطة. حسب وصف الدكتور وحيد عبدالمجيد فإن «الحزب الوطنى لم يكن حزبا بقدر ما كان تجمعا لأصحاب المصالح وأقرب إلى ميلشيا سياسية». وبعيدا عن شباب أمانة التنظيم فقد كانت هناك طلائع تصعد فى أماكن أخرى عن طريق الحزب، وخاصة فى «جمعية جيل المستقبل» التى ارتبط اسمها بجمال مبارك. ويقوم نشاطها على شباب الخريجين لتطوير مهاراتهم ودعمهم فى الحصول على وظائف، وعلى مجموعة: معا للحفاظ على جمعية جيل المستقبل ورابطة خريجى الجمعية فى شبكة الفيسبوك، يحاول بعض الأعضاء إبراز الجانب الإيجابى فى هذه المؤسسة التى انهارت مع حل الحزب الوطنى، وفى أحد التعليقات يدخل سيد راشد رافعا صورة له مع جمال مبارك قائلا: « كنت شغال فى جمعية جيل المستقبل وأعرف كل صغيرة.. أنا رأيت حاجات والله العظيم أغرب من الخيال، والحمد الله أنى تركتها فى 2007، ياريت الفترة الجاية تفكروا فى مستقبلكم بجد وممكن تستمروا فى الجمعية بس بإيديكم إنتوا مش بتوجيهات من أشخاص فاسدين». ينهى تعليقه رافضا إعطاء مزيد من التفاصيل بعد التواصل معه حول تجربته فى هذا المكان.
هل كانت تلك الكيانات تنمى روح الانتهازية لدى أعضائها من الشباب؟ يرفض عبدالكريم طه ــ أحد شباب أمانة التنظيم - التعميم، قائلا: «لقد قمت أنا وزملائى بجهد كبير فى الانتخابات السابقة، وأقسم أننا كنا نعمل بشفافية وأمانة... نعم لقد كانت النتائج غير منطقية وكان هناك تزوير لكنى لم أشارك فيه». فى ذلك الوقت كتب عبدالكريم وزملاؤه عبارة موحدة على الفيس بوك: «إحنا آسفين يا مصر»، أما اليوم فلا يخفى مشاعره تجاه الثورة التى غيرت موقعه وأنشطته تماما. ويوضح: «رأيت مرشحين ينفقون الملايين لمجرد إرضاء غرور العصبية والقبلية، ماذا ستفعل الثورة مع هذه الأدمغة؟؟». بالنسبة إليه ولأخيه مدحت لم يكن الحزب انتماء بقدر ما كان أسلوب حياة، ففى محافظته الأصلية على مسافة مئات الكيلومترات من القاهرة لا وجود حقيقيا للأحزاب السياسية، وهناك دورات كرة قدم وبطولات ورحلات كان يرعاها الحزب.. يختم قائلا: «كان الحزب هو الحكومة، لا أكثر ولا أقل».
* تم تغيير بعض الأسماء بناء على رغبة المصادر


فى مدونته «الطريق للدولة القوية العادلة» كتب عمرو العجماوى ما اعتبره نقدا لائتلاف شباب الثورة، أحد أهم الائتلافات الشابة حاليا على الساحة، وذكر أن أغلب أعضاء الائتلاف يشاركون فى العمل السياسى «وكأنهم الوحيدون الثائرون أو كأن الثورة هى عنوانهم حصريا». ويضيف قائلا: «أصبحت أشك أن تصديرهم فى مقدمة المشهد إعلاميا هو جزء من محاربة الثورة، إذ إن سلوكهم كفيل بإحداث حالة من نفور الناس من الثورة ومن ينتمى إليها».. هنا توقف عمرو العجماوى وبدأ فى سرد بعض المواقف الداعمة لوجهة نظره. ولم يكن ما كتبه منفردا إنما فى سياق يمكن تتبعه على الإنترنت فى مواقع أخرى، وخاصة على موقع التدوين القصير «تويتر» بواسطة شباب سخروا من فكرة الائتلافات المنتشرة حاليا، خاصة بعد لقاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى أول يونيو الحالى مع مجموعة من الائتلافات المغمورة. من وجهة نظر أستاذ علم الاجتماع السياسى بجامعة القاهرة ــ الدكتور أحمد زايد ــ فإن بروز الشباب بهذا الشكل فى المشهد السياسى يؤكد أننا أمام «نخبة فى طور التكوين». ويشرح قائلا: «من المؤكد أن النخبة السياسية السابقة قد أغلقت قنوات الحراك السياسى بحيث استبعدت الشباب، لكن المشهد الآن لا يوحى بأننا أمام نخبة شابة تستطيع تسلم العمل السياسى بعد الثورة، لن يحدث هذا إلا بعد سنوات من العمل والتجربة».
فى مساحات أخرى، لم تكن هناك طاقة للصبر على ائتلاف شباب الثورة المتهم دائما بأنه احتكر المشهد لحسابه، من ضمن ذلك أن يكتب أحدهم فى صفحة الائتلاف على شبكة فيس بوك تحت عنوان: نصيحة إلى الأستاذ زياد العليمى المتحدث الرسمى باسم الائتلاف، ويكتب تحت هذا العنوان قائلا: «مداخلة برنامج صباح دريم كنت أشعر بالضبط أن المتحدث هو صفوت الشريف وذلك عن طريق نبرة التعالى والكبر فى الحديث مما أشعرنى بالغضب الشديد»، فما كان من مدير صفحة الائتلاف إلا أن أجاب: «نشكر للجميع التواصل والنصيحة.. وإن شاء الله نجتهد فى إيصالها للزميل زياد العليمى». هذه الروح المناهضة لشريحة من السياسيين الشباب يتصدرون واجهة المشهد انتقلت إلى العمل الحركى نفسه، إذ تمسك الائتلاف فى دعوات سابقة للتظاهر والاعتصام يوم الجمعة بميعاد مبكر للرحيل، وفى يوم الجمعة 27/5 «الثورة المصرية الثانية» وقع شباب الائتلاف فى تحدٍ حين طالبوا من تبقى فى ميدان التحرير حتى الساعة الواحدة صباحا بفتح الطرق المؤدية للميدان، وكذلك الاكتفاء ببقاء المعتصمين فى حديقة الميدان. وكان أحد شباب الائتلاف فى ذلك اليوم على اتصال بوزارة الداخلية خشية اقتحامها التحرير كما ورد إليه من مصدر فى الوزارة.. لكن بعض من كانوا فى الميدان لم يستجيبوا فى ذلك اليوم، لرفضهم أن يمارس أحدهم دورا نخبويا وسطهم. كل هذه الصراعات التى تعيشها فئة من شباب الثورة أرادوا استكمال العمل السياسى والحركى معا، وهذه المشكلات يدركها جيدا خالد تليمة ــ عضو المجلس التنفيذى لائتلاف شباب الثورة.. فأحيانا ما توجه إليه اتهامات مباشرة فى الندوات أو الحوارات الوطنية من نوعية: «اشمعنى إنت هنا على المنصة؟! أنا مشوفتكش فى التحرير أيام الثورة..!»، ويعلق خالد على هذه التعليقات قائلا: «بعيدا عن كل هذا.. هناك نخبة سياسية بالفعل تتكون الآن، لكن الإعلام دوره مؤثر بشدة، لأن تركيز الإعلام على مجموعة أسماء بعينها فى الائتلاف أو غيره هو ما يصنع هذا الجدل». لكن بعيدا عن الإعلام فإن هناك أنشطة أخرى يشارك بها أعضاء الائتلاف سواء فى بعثات دبلوماسية ذات طابع خاص، أو فى الندوات والمؤتمرات. ويوضح خالد بهذا الشأن أن أعضاء الائتلاف من الشباب هم فى الأساس نشطاء فى أحزاب وكانت لهم أنشطتهم من قبل، ويكمل فكرته قائلا: «لا يمكن الحكم على الناس كلها بطريقة واحدة.. أنا عن نفسى أفضل أن أجلس مع ناس بسطاء على المقهى أفضل ألف مرة من الجلوس فى المؤتمرات والاحتفاليات الرسمية».


الحكم بعد العمل
فى الأول من يونيو اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بنحو 153 ائتلافا من مختلف المحافظات، بينما قاطع نحو 35 من الائتلافات والقوى السياسية الشهيرة هذا اللقاء، وكان ائتلاف 19 مارس (الأغلبية الصامتة) أحد هذه الائتلافات المغمورة التى التقت المجلس العسكرى، وتكفى زيارة إلى صفحة الائتلاف على الفيس بوك كى تتضح الملامح العامة لهذا الائتلاف. فهم مجموعة نشأت بتأثير لحظة الاستفتاء الأخير فى 19 مارس وخروجهم من الصمت والسلبية السياسية إلى الإدلاء بأصواتهم مع الجماهير المصرية. ويقول عبدالفتاح نصار ــ عضو ائتلاف الأغلبية الصامتة: «إحنا مع الثورة لحد يوم التنحى.. لكن مش ممكن نفضل فى مظاهرات على طول واعتصامات، لأن كل المطالب ممكن تتحقق مع الوقت، وكمان المحاكمات أكيد هتاخد وقتها». لا يخفى عبدالفتاح نصار غياب خبرته السياسية السابقة، إذ كانت المرة الأولى التى يشارك فيها سياسيا فى يوم استفتاء مارس الشهير رغم تجاوزه الأربعين وعمله محاميا، ولا يختلف الأمر عن بقية المجموعة الأساسية لهذا الائتلاف الذين يصفون أنفسهم بأنهم : «طلبة جامعيون ومدرسون وصيادلة ومحامون ومهندسون وأعمال حرة وربات بيوت وغيرها من الوظائف، ليس بينهم شخصية معروفة أو مشهورة، ولم يجمعهم سوى خوفهم على ما يحدث بمصر حاليا». ينفى نصار أن يكون بينهم تيار سياسى معين. ويضيف: «لقد أراد المجلس العسكرى عرض نماذج أخرى مختلفة عن القوى السياسية التى احتكرت المشهد من الشباب بعد الثورة، ونحن بشكل عام مؤيدون للمجلس العسكرى كحاكم الآن حتى نجتاز هذه المرحلة بسلام». ورغم المشهد المزدحم حاليا بانقسامات وتضارب فى وجهات النظر فإن الدكتور أحمد زايد ــ أستاذ علم الاجتماع السياسى ــ يجد رؤية أكثر واقعية لما يحدث الآن ضاربا المثل بالحركات الشبابية التى اجتاحت العالم فى عام 1968، ويقول: «كان يقال على ألسنة الشباب وقتها.. لا تثق فى أحد تجاوز الثلاثين، والمفارقة أن دراسات أجريت فيما بعد على من شاركوا فى هذه الانتفاضة فوجدوهم قد تبدلت أحوالهم إلى موظفين تقليديين ورجال أعمال.. إذن فالفيصل هنا هو أن ممارسة السياسة على أرض الواقع هى التى ستنتج نخبة المستقبل». ما يراه زايد من واقع حالى هو مجرد محاولات للحفاظ على المظهر الثورى بطرق مختلفة. لكن يبقى «الحكم بعد الممارسة السياسية» حسبما قال. وفى خضم الانتقادات التى يوجهها البعض إلى الائتلافات الشبابية المعارضة على الساحة وعلى رأسها ائتلاف شباب الثورة ما زال البعض فى المعسكر الآخر يجد فى كل ما يحدث الآن جانبا إيجابيا، أما خالد تليمة عضو المجلس التنفيذى لائتلاف شباب الثورة فيقول: «لن ننسلخ عن الشباب.. فنحن الخاسرون إن فعلنا هذا. نحن تحت أمر الشارع، لكن يجب أن يتذكر كثيرون أن أغلبنا كان يواجه الأمن المركزى طوال السنوات الماضية.. وكنا وحدنا، لذا فلنتفرغ لفرصة العمل الآن».

Thursday, February 10, 2011

هيكل: المؤسسة العسكرية هي الضامن الوحيد لنقل الروح الجديدة للفترة المقبلة

استكمل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل طرح رؤيته عن الفترة الحالية بعد 25 يناير الماضي في حوار مع الكاتب الصحفي فهمي هويدي أذاعته قناة الجزيرة الفضائية مساء أمس الأربعاء. وبدأ هيكل حديثه بالتعليق على انهيار النظام الذي كان موجودا قبل 25 يناير رغم تأكيدات أصحاب الشأن قبلها بأن هناك قبضة قوية من أجهزة الدولة والبوليس والحزب الحاكم وهو ما اتضح انه كان مجرد أكذوبة. وذكر أن "كل وسائل القمع قد ذابت حين واجه النظام حركة تفوق قدرته". وفي تفسيره لما حدث بعد يوم 25 يناير ذكر أن كل الذين خرجوا في اليوم الأول كانوا بين 60 إلى 70 ألف من الشباب الذين تجاسروا في حركتهم لكن المفاجأة كانت حين انضمت لهم كتلة كبيرة من الجماهير تقدر بالملايين وانضم الشعب المصري لهذه الإرادة لإتمام عمل ثوري كامل.
واستبعد الكاتب الكبير أن يتم تغيير خطاب السلطة بشكل حاد بعد هذه الأحداث، إذ يرى أنها ليست مفاوضات بين طرف منتصر وآخر مستسلم ومن الصعب مطالبة نظام كامل أن يرحل فيستجيب، بل هناك مسيرة تعمل لإنضاج الثورة قائلا: "نحن في أوائل مسيرة طويلة شاقة للشباب، والعالم كله أدرك هذا" كما نوه إلى أن العالم العربي ما في ترقب ومتابعة لنظام فقد ادعاءاته في أنه مسيطر تماما على الموقف، ويجب أن يعترف بقوط النظام الجديد.
وأكد أن الشباب لن يعود عن ثورته إلا إذا شعر أن روح عصره هي المسيطرة وان هناك إجراءات لتنفيذ رغباته مستبعدا أن يكون الحديث عن تشكيل لجان لوضع صياغات قانونية أو تأسيس لجان من متطوعين للوساطة هو الحل، لأنه لم يعد هناك مجال لترميم النظام الماضي.
وعوّل الكاتب الكبير على من اسماهم بالرباعي العسكري وهم السيد عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية والفريق احمد شفيق رئيس الوزراء والمشير محمد حسين طنطاوي القائد العام للقوات المسلحة المصرية والفريق سامي عنان رئيس الأركان الجيش مشددا على أن المؤسسة العسكرية هي الضامن الوحيد الآن لنقل الروح الجديدة إلى الفترة القادمة.
وفي تفسيره لحالة الفوضى التي أصابت مصر في الفترة الماضية وإن كانت متعمدة أم لا، رأى الكاتب الكبير أن النظام قد تعمد إذاعة الفوضى على أمل التأثير في الأغلبية الصامتة، لكن مع الانفلات الذي صاحب هذه الفوضى لم يعد هناك مجال للسيطرة على الموقف بشكل كامل مع اختلال النظام لأن كل طرف يتصرف حسبما يعرف.
وفي سؤال من الكاتب فهمي هويدي حول إن كان النظام قد سقط بالفعل مع فقد أدواته من شرطة وحزب حاكم أم انه سيستمر بأشكال أخرى، وأجاب الكاتب الكبير أنه حين انهارت أدوات النظام لم تبقى في مصر قوة سوى قوة الشباب والكتل المتضامنة معه من الجماهير، وأضاف أنه في تاريخ الثورات يبدأ الحدث في مشهد أشبه بإشعال عود كبريت لكن التحول المتوقع هو "عملية تاريخية كبرى" ضاربا المثل بالثورة الفرنسية التي استمرت "تفاعلاتها الثورية" لسبع سنوات مؤكدا على أن ما سيحدث في المرحلة القادمة هو عملية نضج وإنضاج للثورة لأن ما مضي لا يمكن ترميمه، مع الأخذ في الاعتبار أن إيقاع الزمن أصبح أسرع بكثير .
وحذر الكاتب الكبير من أن تطل الأحزاب القديمة على المشهد وان تقحم الأجيال الكبير نفسها في هذه الثورة التي قادها الشباب بروح العصر رغم أنهم كانوا يعرفون ما سيلاقونه، في مفارقة مع أن الشرطة نفسها كانت تستخدم نفس الأدوات لكن بمفهوم آخر يعتمد على الخطف والقبض على الشباب، وأضاف أن عبقرية ثورة الشباب أنها تصرفت بتلقائية شدت اهتمام العالم كله.
وذكر هيكل أنه كان قبل 25 يناير بأيام قليلة يواجه بعبارات في حق الشعب المصري من نوعية "مفيش أمل فينا" وان البعض كان يرفع من شأن الثورة التونسية على أنها نتجت عن ذهن يعتنق انه "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر" بينما نردد هنا في مصر "مدد مدد .. شدي حيلك يا بلد" وأن الصحف والدوائر الرسمية كانت تردد "نحن مختلفون عن تونس"،وأوضح أن ما حدث في تونس هو ضغطة زناد لما حدث في مصر، وان الاختلاف في مصر هو أنها بلد ذات تأثير اكبر وأن العالم يتابع ما يحدث فيها.
PDF

Wednesday, October 18, 2006

الحقبة الناصرساداتية

الفجوة الواسعة بين سياسات الراحلين جمال عبدالناصر وأنور السادات، كانت سببا في تقديم مصطلحي الناصرية والساداتية على أنهما مصطلحين متضادين، إلا هذا لم يمنع أن هناك فترة مقتطعة من مدتي حكم كل منهما عبرت عن مرحلة انتقالية مابين السياسات الناصرية والسياسات الساداتية، وهي الفترة الواقعة بين هزيمة يونيو 1967 حتى نصر أكتوبر 1973، حيث كانت أشبه بمرحلة انتقالية بين عهد الثورة العربية وعهد السلام مع العدو.

من أهم ملامح تلك الفترة:

1- تغير موقف مصر من قوى (الرجعية) العربية

كان تاريخ الخامس من يونيو 1967 نقطة تحول في سياسات جمال عبدالناصر، فبعد أن كان الهدف الرئيسي في علاقاته العربية هو القضاء على النظم الرجعية – وهي القوى العربية المؤيدة للغرب الاستعماري حسب تعبير الثورة المصرية وقتها – تحول هذا الهدف إلى تعبئة الموارد العربية من أجل استعادة الأراضي التي احتلت عام 1967، ويقول الرئيس الراحل أنور السادات في كتابه "البحث عن الذات" كشاهد على الأحداث أن جمال عبدالناصر " قد أخذ درسا حين رأي أن الذي وقف إلى جانبه بعد الهزيمة سنة 1967 كانوا من ظل طوال حياته يصفهم بالرجعية مثل السعودية والكويت والملك السنوسي ملك ليبيا.فهم الذين دعموه بالمال بعد الهزيمة..".
إذن فنحن هنا بصدد تحول في تعامل جمال عبدالناصر مع النظم العربية، فقبل عام 1967 كان التعامل مع النظم العربية تعاملا انتقائيا، ثم تبدل الحال، وبدأ التعاون يجد سبله مع جميع الأطراف العربية دون تمييز، وذلك من أجل دعم المعركة، فلم يكن هناك مجال لتبديد الطاقات العربية في صراعات من أي نوع، وتلك السياسة هي التي سار عليها خليفته السادات حتى تحقق النصر في معركة العبور عام 1973، وهو ما مهد له فيما بعد أن يرسخ سياسات ساداتية مستقلة في النصف الثاني من فترة حكمه.

2- الدخول في مشروعات وحدوية دعما للمعركة

كان من ملامح تلك المرحلة أن دخل الرئيس جمال عبدالناصر في اتفاقات وحدوية مع الثورات والأنظمة العربية الشابة، وذلك رغم ما وقع سابقا من إخفاق في مشروع الوحدة العربية الشهير مع سوريا (1958 – 1961)، إلا أن توقيع مصر لاتفاقات وحدوية جديدة كان لهدف آخر.. فقد أصبح جمال عبدالناصر مضطرا لتوقيع تلك الاتفاقات بغرض الحصول على دعم للمعركة المقبلة، وتهيئة للجبهة العربية بشكل عام. على سبيل المثال وتحديدا على صعيد العلاقات الوحدوية مع الثورة الليبية كان من المتوقع أن يكون في ليبيا أسراب من طائرات الميراج الفرنسية جاهزة للاستخدام بحلول عام 1973، وهي الصفقة التي تمت تحت أعين الحكومة المصرية في ختام عهد جمال عبدالناصر، وبالفعل شاركت بعض هذه الطائرات في حرب اكتوبر على عهد الرئيس السادات 1973، وهو ما يفسر لنا استمرار الرئيس السادات بعد وفاة جمال عبدالناصر عام 1970 في نفس المشروع الوحدوي رغم عدم التوافق مع الجانب الليبي الذي بدأ في التأفف من عدم وجود وحدة شاملة بين البلدين، وهو ما مثل بداية للتدهور في العلاقات، وانتهى بإعلان الرئيس القذافي اعتراضه على حرب أكتوبر أثناء دوران المعارك.
إذن فقد كان لتلك الاتفاقات الوحدوية أهدافا استراتيجة وعسكرية لدعم المعركة، كذلك كان الأمر مع الاتفاقات الوحدوية مع السودان، أو سوريا حيث كان لها أهدافا عسكرية تسبق الأهداف السياسية التي أعلنها عبدالناصر في البداية عن "تجديد دماء الثورة العربية"، أو التي كان يقدمها السادات على أنها دعم للعمل الوحدوي العربي، فهي في حقيقة الأمر كانت خدمة للمعركة.

3- قبول التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية

ملمح جديد في سياسة الرئيس جمال عبدالناصر ظهر عقب هزيمة يونيو 1967، وتحديدا في ختام حرب الاستنزاف. وهو قبوله فكرة التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك عند تعامله مع مبادرة روجرز وزير الخارجية الأمريكي وما أعقب ذلك من وقف لإطلاق النار على الجبهة الشرقية، وهو الملمح الذي امتد في فترة حكم الرئيس الراحل السادات عندما تعاون مع دول عربية ذات صلات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، إضافة إلى اتجاهه إلى عدم الاعتماد الكامل على الاتحاد السوفيتي، وطرد الخبراء السوفيت من مراكزهم الحساسة في البلاد، بعد أن تيقن أنهم لن يقدموا له الدعم المطلوب في المعركة، هذا إلى جانب اعترافه بدور الولايات المتحدة الهام في الشرق الأوسط.
لقد كانت المعركة والحرب الفاصلة هي المحرك الرئيسي لسياسات كل من الرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات في تلك المرحلة. ومع انتهاء حرب أكتوبر 1973، ووقف إطلاق النار، وبدء مفاوضات سيناء العسكرية، والتقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية، ثم توقيع اتفاقيات السلام، تبدأ مرحلة تعبر بحق عن سياسات ساداتية جديدة اختلفت عن السياسات القديمة، وهو ما أسفر عن انقلاب العديد من الحكومات العربية على الرئيس السادات تدريجيا كلما اتضحت سياساته الجديدة، فنتج عن ذلك صدامات مع أصدقاء المرحلة (الناصرساداتية) كليبيا وسوريا والعراق والدول التي تحولت إلى "جبهة الصمود والتصدي"، والتي نجحت في إخراج "مصر الساداتية" من جامعة الدول العربية.

لذا فإن الفترة من عام 1967 – 1973 هي بحق فترة انتقالية بين العهد الناصري قبل هزيمة يونيو 1967، والعهد الساداتي عقب نصر أكتوبر 1973، ففي تلك الحقبة تخلى جمال عبدالناصر عن سياساته ضد الإمارات والممالك والحكومات العربية التي كان يصفها بالرجعية، وتخلى عن فكرة عدم التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفي تلك الحقبة أيضا حاول السادات صنع توازن في العلاقات بين الدول العربية التي كانت توصف بالرجعية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ونظم عسكرية وثورية عربية، وذلك كاستمرار في سياسة التعاون مع جميع الأطراف العربية خدمة للمعركة المقبلة ضد إسرائيل، ولم يعلن السادات عن ميله نحو الولايات المتحدة أو ولا عن قبوله فكرة التفاوض الجدي إلا متأخرا، واستمر فيما تركه له جمال عبدالناصر من ميراث، حتى أظهر سياساته (الساداتية) الخالصة في النصف الثاني من مدة حكمه بعد أن تحقق نصر أكتوبر1973.

إن نهاية عهد جمال عبدالناصر، وبداية عهد أنور السادات، مابين الهزيمة والنصر، هي مرحلة وسط بين المرحلة الناصرية والمرحلة الساداتية، والتي يصح أن نسميها (الحقبة الناصرساداتية)ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيلاف، 2، 3، 4

Sunday, February 12, 2006

بين الحزب السياسي والتنظيم الإسلامي

من ضمن تعريفات الحزب السياسي تعريف يراه مجرد تنظيم يقدم مرشحين للانتخابات، أو هو جماعة تتقدم إلى الانتخابات التشريعية، وقد اعترض الكثيرون من علماء السياسة على هذا التعريف الذي يجعل من الدخول إلى الانتخابات معيارا لنيل الصفة الحزبية، فحسب هذا التعريف فإن الهيئات الدينية أو المؤسسة العسكرية مؤهلة لاتخاذ الصفة الحزبية إذا ما دخلت الانتخابات.. وهو أمر غير مقبول في النظم الديمقراطية . لعلنا الآن نعيش عهد الانتصار لهذا التعريف، بعدما أثبتت لنا نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخرا في وطننا العربي في مصر والعراق والأراضي الفلسطينية أن بدائل أخرى غير الأحزاب السياسية قد تقدمت إلى الانتخابات واكتسحت الأحزاب التقليدية المطابقة للمواصفات الأكاديمية .

في مصر - مع استثناء النتائج الانتخابية للحزب الحاكم - نجد أن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قد حققت تواجدا في المجلس التشريعي المصري يفوق خمسة أضعاف حجم التواجد الحزبي لبقية الأحزاب المصرية كافة، علما بأن جماعة الإخوان المسلمين جماعة دينية وليست حزبا سياسيا تقليديا.. أما في العراق فقد كانت بعض القوائم الانتخابية تحمل ملمحا طائفيا ومذهبيا فجـا نال الحظوة على حساب الفكر الحزبي التقليدي، ومؤخرا كان التقدم في الأراضي الفلسطينية لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" على حساب "فتح" مصنع القيادات الفلسطينية . وبعيدا عن الأسباب الداخلية التي دفعت إلى ظهور مثل تلك النتائج، وما قد يقال عن أن بعض تلك النتائج - كما في مصر والأراضي الفلسطينية - قد جاءت نكاية في السلطة الحاكمة، فما نلاحظه هنا هو ذلك الخطاب السياسي ذو الطابع الديني الدعوي الذي حقق مكاسب سياسية كبيرة، وتلك الظاهرة تستحق البحث في جذورها كمحاولة لطرح البديل. ولعل مفهوم الحزب السياسي حديث نسبيا على الفكر السياسي، فقد أرجعه البعض إلى منتصف القرن التاسع عشر، غير أنه كان قد استمد جذوره من ميراث حضاري أوروبي إنساني قديم... أما الظاهرة الحزبية في وطننا العربي فأزمتها أنها لم تستمد جذورها من ميراث عربي أو إسلامي، بل انتقلت الفكرة من الغرب إلى عالمنا العربي ضمن حزمة من القوانين والتشريعات نعمل بها حتى اليوم، ذلك في الوقت الذي نجد فيه الجماعة أو الحركة أو التنظيم الإسلامي لديه من ميراثنا الحضاري ما يستطيع أن يخاطب به الجماهير التي أصبح بعضها يطرب لسماع العبارات التراثية والألفاظ الدينية داخل الخطاب السياسي. وكما نرى فإن انتقال التجربة الحزبية إلى ديارنا كان أشبه بانتقال ثمرة نبتت في أرض أوروبية إلى بطون آكليها في المشرق دون تعب أو اجتهاد منهم.. مما جعل التنظيمات الإسلامية هنا أوفر حظا بصفتها وريثة لفكرة الفرقة أو الجماعة التي ظهرت في الحضارة الإسلامية والتي كانت تحمل في طياتها أبعادا اجتماعية وثقافية لم تخف عن أي مؤرخ... وهنا يظهر سؤال هام حول مستقبل الحزبية في بلادنا.. هل هي إلى زوال..؟؟ بعض دولنا العربية بالفعل لا تعترف بالحزبية، والبعض الآخر يناهضها.. فهل نحن في حاجة إلى بديل ..؟؟ العديد من الثورات قامت في وطننا العربي وأقصت الحزبية من الوجود، وبعض النظم العربية قد أعادت الحزبية مرة أخرى لأسباب سياسية.. وهنا نلاحظ أن الإقصاء الأول كان لعدم وجود قناعة بدور الأحزاب السياسية، بل إن بعض الثورات وعلى رأسها الثورة المصرية كان من ضمن أسباب قيامها هو فشل النظام الحزبي، والآن يتشابه الموقف.. ولكن البديل ليس ثورة بقدر ما هو ظهور كيانات ذات ملامح تراثية تتمثل في التنظيمات الإسلامية التي أوجدت لها صلة بالماضي، وتزعم قدرتها على إعادة النهضة الإسلامية إلى الحياة مرة أخرى .

إذن ما الحل ..؟؟
لعل المشترك في الظاهرة السياسية الإسلامية التي برزت خلال سلسلة الانتخابات العربية الأخيرة هو وجود خطاب مشترك يجمع بينها جميعا، وإن اختلفت طريقة تناولها للقضايا الداخلية، إذا فلعل الحل يكمن لدى المنظمات والمؤسسات التي تجمع الكيانات العربية الرسمية، كجامعة الدول العربية على سبيل المثال، فهي مؤهلة أن ترعى فكرة مشروع عربي يهدف إلى وضع تصور لنظام سياسي عربي يراعي التجربة الحضارية المشتركة بين الشعوب العربية، ويراعي الفروقات الثقافية والجغرافية بين الدول والأقاليم العربية المختلفة، ليكون هناك نظام عام يراعي خصوصية كل قطر . لقد عملت الحضارة الغربية واجتهدت لقرون طويلة منذ عهد الإغريق وحتى الآن لوضع نظم سياسية للحكم، فنتجت أفكار عديدة، منها النظام الديمقراطي والذي كان رغم عمومية أفكاره وإنسانيتها قد أتاح الفرصة لكل قطر غربي أن يضع لمساته على هذا النظام، فجاءت الديمقراطية الفرنسية مختلفة عن البريطانية وعن الأمريكية.. لذا فنحن في انتظار من يتبنى الدعوة لهذا المشروع الفكري الذي يؤسس لمرحلة حضارية جديدة تطمح في استقرار سياسي لبلادنا .
فربما يكون قد آن الأوان أن يكون لنا تجربتنا الخاصة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, October 11, 2005

لا تكفروا بالعروبة

بين الحين والحين يخرج علينا من يزعم أن هوية مصر الفرعونية هي الهوية الوحيدة الواجب على كل مصري أن يعتنقها بعيدا عن هويته العربية, و هذا الرأي لا يعتنقه إلا شريحة قد لا تمثل نقطة في بحر إذا ما قورنت بعدد سكان مصر الذي تجاوز السبعين مليونا.. وعموما فدعاوى إنكار العروبة قديمة ومتجددة وأصابت الكثير من دولنا العربية أيضا.
في البداية..علينا أن نعترف أن صدمة قوية قد أصابت المجتمع المصري عقب هزيمة يونيو 1967, فتحولت معها مصر من دولة داعمة إلى دولة مدعومة, ليكتشف الكثير من أبناء مصر أن ما كان يُتلى عليهم ليل نهار من حديث عن العروبة ودعم حركات التحرر في العالم, لم يفدهم في شيء وقت سقوط بلادهم مهزومة ذليلة. فكانت الهزيمة وما تبعها من سياسات ساداتية سببا في جعل علاقات مصر العربية في حالة من الترهل بعد أن سقطت مصر في بحر الوحدة والإذلال, وكأنها تورطت في الأمر وحدها, فأوجد ذلك مرارة لدى العرب والمصريين معا, فجاءت العودة إلى العرب بعد ذلك في شكل علاقات لا بد منها.. ولعل الكثير من الدول العربية قد مرت بمثل هذا الموقف وأخذت تعيد حساباتها مع العروبة. كل تلك العوامل كانت دافعا لظهور تيار ساخط في مصر يذهب إلى التفكير في البعد عن العرب وقضاياهم, على أساس أن الأذى لن يأتي إلا من القريب, وأن مصر قد تحملت الكثير, ويكفيها ما قد حدث لها. ولما كانت مصر مرتبطة ثقافيا مع العرب, فكان منطقيا أن تعود الدعوة الفرعونية إلى الظهور مرة أخرى كي تطالب بفك هذا الارتباط الثقافي وإنكار البعد العرقي فيه, امتدادا لمجموعة من الآراء التي حاولت من قبل إظهار التاريخ المصري على أنه فترة إذلال وقهر, سواء كان رومانيا أو عربيا آو مملوكيا أو عثمانيا... وكأننا بانسلاخنا عن ارتباطاتنا الثقافية السابقة, سنسقط ما حدث وجرى في تاريخنا القديم أو الحديث.
وهنا.. لابد أن ندون بعض الأسئلة أولا. هل عروبتنا مساوية لرومانيتنا أو عثمانيتنا؟ هل انتهت صلاحية العروبة وثبت فشلها..؟ هل كان العصر المصري القديم, وعهد حكم الفراعنة هو الحقبة المثالية في تاريخنا ..؟
قد لا يعلم البعض أن علاقات مصر مع الدول المجاورة لها الممثلة للوطن العربي الحالي أقدم من الإسلام والمسيحية.. فعلاقات مصر القديمة مع الشام أو العراق أو السودان أو الجزيرة العربية قد تضمنت اختلاطا عرقيا وثقافيا قديما, فعلى سبيل المثال نجد قبل أكثر من 3000 عام و تحديدا في عهد الأسرة 19, أن نحو 10في المئة - في بعض التقديرات- من سكان مصر كانوا من الأجانب.. خصوصا من الآسيويين الساميين.
ونجد استرابون المؤرخ الإغريقي الذي ولد قبل ميلاد المسيح بعشرات السنين, يصف لنا مدينة قفط في صعيد مصر بأنها مدينة "نصف عربية"... هذا قبل الإسلام و نزوح القبائل العربية إلى مصر, تلك القبائل التي ذكر عنها المقريزي فيما بعد أن من قبائلها اليمنية الكبيرة ما قد انصهر تماما في مصر وأضحى من نسيج شعبها. وكذلك كان الأمر مع بعض القبائل البربرية المغربية التي وفدت على مصر في العصر الفاطمي, و التي ما زالت شوارع حي الدرب الأحمر بالقاهرة تحمل بعض أسمائها, كقبيلة زويلة التي سكنت بجوار البوابة الشهيرة التي مازالت تحمل اسمها حتى الآن, و قبيلة كتامة التي مازالت هناك حارة باسمها حتى الآن قرب باب الوزير بجوار قلعة الجبل بالقاهرة.
تلك هي مصر... وإذا كنا سنستنكر ما قد حدث للمصريين من ظلم في عهود الرومان أو العرب أو الترك و غيرهم, فعلينا أن ندرس الشخصية المصرية التي لم تتفاعل جيدا مع الأحداث و لم تسهم في تحريكها.
ففي عهد ملوك الفراعنة الوطنيين أيضا قد حدثت تجاوزات في حق الشعب المصري مثلما قد يحدث الآن, إذا فعلينا التعرض للشخصية المصرية بدراسة سلوكياتها للنهوض بها, لا لنفيها عن انتماءاتها الثقافية والعرقية التي أصبحت جزءا منها. فبُعدنا عن العروبة تحت دعوى أن مصر كانت (مصرية) وقت حكم الفراعنة قد يأخذنا إلى طريق مسدود, فقد جاءت العروبة بمفهومها الحديث لترسخ ما قد كان موجودا بالفعل.. ولعل البعض من إخواننا العرب قد يفهم مثل تلك الدعاوى المنكرة للعروبة على أنها تعال على العرب, وذلك في الوقت الذي نجد فيه للأسف تواجدا لمثل تلك الدعوات داخل بعض أقطارنا العربية الأخرى.. وكأن كل فريق له فرعونيته الخاصة به..!
ليكن المصريون أكثر فهما لمن حولهم من الشعوب العربية, وليعلموا أن هنالك هيبة ما تجاه مصر.. تلك الهيبة التي قد يشعر بها المواطن المصري نفسه تجاه بلده فيسعد بمصريته فيفهمها البعض على أنها فخر, وهي الهيبة التي قد تدفع بالمواطن العربي إلى الهجوم أو التفاخر بهويته الوطنية فقط لإثبات وجوده وكيانه, وكأنه يريد إثبات أنه ليس مضطرا لمجاملة تلك الدولة المهابة, لذا فعلى دعاة هذا الفكر المتجني على العروبة ألا يزيدوا الأمور سوءا.
في النهاية نتمنى أن يصل للعرب أن مصر لنا ولهم, بل سنزعم أن اهتمام العرب بمصر قد يكون أكثر من اهتمامهم بالمصريين, لذا فلا مبرر لدعوات لاحتكار مصر وإسقاط عروبتها وكأننا في عصر الكفر بالعروبة, فمصر كانت وما زالت وستظل عربية إلى الأبد.
ــــــــــــــــــــــــ

Monday, September 26, 2005

هل يعيد التاريخ نفسه؟

عبدالرحمن مصطفى
عندما أعلن أبو مصعب الزرقاوي حربه على شيعة العراق اتجه البعض إلى التساؤل: هل يعيد التاريخ نفسه؟! هل الصدام حتمي بين فكر محمد بن عبد الوهاب و أبناء المذهب الشيعي..؟! خصوصا عندما نعلم أن فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعد أحد مرجعيات الزرقاوي وأتباعه.
قديما.. قام آل سعود منذ أكثر من قرنين من الزمان بتبني فكر ومنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب والعمل على تطبيقه، وأدى ذلك في وقت من الأوقات إلى تصادمات مع بعض أبناء المذاهب الأخرى.. مثلما جرى مع شيعة العراق في حادثة كربلاء الشهيرة عام 1801مـ ، عندما اقتحم معتنقو فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب المدينة وحطموا مسجد الحسين بن علي رضي الله عنه واصطدموا مع السكان هناك، فكانت تلك الحادثة أحد أسباب مقتل الأمير عبد العزيز بن سعود على يد أحد الشيعة بمدينته الدرعية عام 1803مـ.
أما اليوم.. فدولة آل سعود تعلن رفضها لأي عنف يستهدف المدنيين . سواء كان للمدنيين من الشيعة أو من السنة، وذلك رغم أنها لم تتخل بَعد عن أفكار الشيخ محمد بن عبد الوهاب. لكن يبدو أن آخرين غيرها ممن آمنوا أيضا بفكر الشيخ مازالوا يؤمنون بحتمية الصدام مع الشيعة، مثلما فعل أبو مصعب الزرقاوي و أتباعه - ذوي الخلفية الوهابية – الذين أعلنوا الحرب على الشيعة أبناء العراق المحتل.
قد نذهب هنا استنادا لموقف آل سعود الحالي الرافض للعنف المذهبي إلى أن التاريخ لا يصنف لنا شكل العلاقة بين معتنقي فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب و الشيعة المخالفين لأصول منهجه على أنها علاقة عدائية. فالنموذج السعودي الحالي مختلف تماما عما كان عليه الأمر منذ قرنين من الزمان، إذا فالعيب ليس في المنهج، ولا توجد حتمية تفرض علينا صداما بين الفريقين.أما إذا خرجنا من مسألة البحث في العلاقة بين أتباع الفكر الوهابي والشيعة إلى فضاء أوسع نقارن فيه بين الوضع الإقليمي وقت وقوع حادثة كربلاء عام 1803مـ التي مثلت أول صدام حقيقي بين أتباع محمد بن عبد الوهاب وشيعة العراق، وبين الوضع الإقليمي الحالي الذي أعلن فيه الزرقاوي- أحد ممثلي الفكر الوهابي ـ حربه على الشيعة. فسنجد أن الوضع الأول كانت تسيطر فيه الدولة العثمانية اسميا على العديد من دول منطقتنا العربية،غير أنها كانت أيضا مدركة لضعفها وعدم قدرتها على قمع حركة آل سعود الوهابية بعد نجاح تلك الأخيرة في اختراق حدود العراق و إحكام سيطرتها على الحرمين الشريفين، فألحت الدولة العثمانية على واليها محمد علي في مصر كي ينطلق لدحض تلك الحركة، ونجح الوالي محمد علي في مهمته، خدمة ً لسلطانه القابع في الآستانة، وتم القضاء – مؤقتا- على الحركة الوهابية السعودية.
أما اليوم.. فدولة آل سعود خارج حساباتنا. فهي رافضة لما يقوم به من ينسبون أنفسهم لفكر محمد بن عبد الوهاب، وليس لدينا من يمارس الفكر الوهابي بالعنف داخل العراق سوى الزرقاوي ورجاله، كما أنه ليس لدينا اليوم في منطقتنا العربية تلك الدولة التي تستطيع أن تتدخل لمنع ما يحدث على أرض العراق من قتل وتفجير. ليس لدينا إلا الولايات المتحدة الأمريكية كدولة مسيطرة على مقاليد الأمور داخل العراق، رغم أنها ليس لديها قاعدة شعبية بين الجماهير العراقية أو العربية، مما يجعلنا نستبعد أن نجد من يهرع إلى نجدتها مثلما فعل محمد علي مع الدولة العثمانية، فليس لأمريكا ولاة (رسميون) بيننا. إذن.. فلنا أن نتوقع من أمريكا أن تحاول إيجاد طبقة تكون حاجزا بينها وبين الجماعات المسلحة ذات الخلفية الوهابية، ليس خدمة للشيعة بقدر ما هو حفاظا على صورتها كمسيطرة على الأمور في العراق، مثلما كان الأمر مع الدولة العثمانية التي هدفت من قهر الحركة الوهابية السعودية أن تثبت وجودها وإمرتها على أقاليم المنطقة.
إن استخدام أمريكا لطبقة مصطنعة كي تجابه التهديد الزرقاوي ليس بالأمر الجديد في عالم الاستعمار، فقد اعتمدت بريطانيا في إدارة مستعمراتها قديما على طبقة تدين لها بالولاء، حتى لو كانت تلك الطبقة غير محبوبة لدى الجماهير، رغم أن بعض أبناء تلك الطبقة قد أصبحوا فيما بعد من أهم زعماء التحرر في بلادهم كما حدث في إفريقيا، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى هذا الأسلوب، ولعل مساعديها سيكونون من أبناء العراق، وهو ما قد يخيفنا على مستقبل العراق من أن توجد طبقة متعاونة مع القوات الأمريكية لأجل غرض ظاهره نبيل يتمثل في دحض القوى المتطرفة في البلاد، فتتحول تلك الطبقة فيما بعد إلى طبقة وريثة للبعثيين و منتفعي الحكم القديم المتسلط الذي ولت أيامهم، ربما يكون أمل العراق في استقلالية أجهزته الأمنية والعسكرية تماما عن الوجود الأجنبي في بلاده و اتحاد العراقيين حول حكومتهم من اجل تقويتها، فتقوي بذلك استقلالية الحكومة، على أمل يوم يتحرر فيه العراق من الوجود الأجنبي في بلاده. فالأمل هنا في حكومة لها مزيد من السيطرة على إداريات البلاد. وقد يقترب حديثنا هنا من المثالية، لكن قوة الحكومة بشعبها، ستبعد عنا فكرة تسلطها عليهم في يوم من الأيام كما حدث في الحكم السابق. كما أن تحالف الشعب العراقي مع حكومته سيمنع فكرة أن يتحول أي من فئات المجتمع إلى مجرد (وال) لدى قوات الاحتلال.
إن عناصر التاريخ إنسان وزمان ومكان.. ومن المستحيل أن تتكرر العناصر الثلاثة، وفي حالتنا. فلا أتباع فكر محمد بن عبد الوهاب هم أنفسهم، ولا الشعب العراقي هو شعب الأمس، ولم يعد هناك دولة عثمانية و لا والي يدعي محمد علي. إلا أنه قد تتشابه بعض عناصر التاريخ مع مثيلتها في واقعنا المعاصر. لكن أفضل ما في صورة اليوم أن هنالك شعب قد أصبح نجما في الأحداث، وعليه أن يستغل تلك الفرصة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ، 2

Monday, February 28, 2005

في انتظار ثورة

عبدالرحمن مصطفى ـ مصر

تعيش مجتمعاتنا العربية الآن حالة من الركود، نتيجة إحساسها بالحيرة والعجز تجاه العديد من القضايا على الصعيدين الداخلي و الخارجي.. و يبدو أن للوجود الأمريكي القوي بمنطقتنا دور هام في إيجاد مثل تلك الحالة، بعد أن نجحت أمريكا في تحييد المجتمعات العربية عندما أصبحت لدى العرب بمثابة العدو و الصديق في آن واحد. خطر خارجي، وركود داخلي.

و دون أن نعول هنا على الأسباب الخارجية التي أدت إلى نشأة مثل تلك الحالة التي تعيشها مجتمعاتنا، فما يهمنا في مسألة الوجود الأمريكي القوي في منطقتنا، أن أداء أمريكا لدور العدو والصديق في آن واحد قد انعكست آثاره على الساحة الداخلية لمجتمعاتنا العربية الراكدة.. فجاء نتيجة ذلك محاولات لتحريك هذا الركود، بأن لجأ البعض إلى أن تحديد علاقته مع أمريكا بوصفها العدو الأكبر للأمة، لاعبا على وتر المشاعر الدينية والقومية، في الوقت الذي وجدنا فيه قلة أخرى قد حددت علاقتها مع أمريكا بوصفها الصديق. وتلك الثنائية ليست جديدة على منطقتنا، فدائما ما نجدها أمامنا عندما يظهر التدخل الأجنبي (القوي) مصاحبا للضعف الداخلي .أما غالبية الجماهير فنجدها في حيرة من أمرها مترددة في اتخاذ المواقف، في وقت وجدنا فيه من يتخذ المواقف، يتخذها بأسلوب متطرف لا يعالج ضعف المجتمعات الداخلي.

ــــ ما قبل الثورة

في تلك الفترات التي ينتظر فيها الناس مسيحا مخلِّصا أو مهديا منتظرا يقوم بإصلاح مجتمعاتهم بقواه الخارقة وأفكاره المعدة سلفا، بعد أن ضعفت قدرتهم على الابتكار والاجتهاد، نجد أن الأوضاع السائدة تكون في حاجة إلى عمل ثوري يحرك الراكد، ويجدد للأمة شبابها.. ولما كانت الثورات لا تأتي إلا عقب ظهور الأفكار والنظريات والمباديء، فلنا أن نتوقع لأي عمل ثوري في تلك المرحلة أن يكون عملا ارتجاليا غير منظم. ولكن.. هل من أمل ..؟! نعم، فظهور قوى أجنبية قوية بيننا، قد قسمنا إلى مفتونين بها و حاقدين على نجاحاتها، وفرض ذلك علينا حالة الضعف والاستكانة الحالية نتيجة حيرتنا في التعامل مع تلك القوى، و قد أوجب ذلك تلك الحاجة إلى إحداث عمل ثوري، يثور على الأوضاع السائدة، ويبدأ في التنظير لعصر جديد. وهنا.. نحن نتحدث عن عمل يكون بداية لمجموعة من الاجتهادات والأفكار التي تعالج حالة الضعف والركود الحالية، بتسلسل منطقي، لا بمنطق الانقلابات العسكرية.
إننا في حاجة إلى أفكار ونظريات تعمل عمل المقويات لجسد الأمة الهزيل .

ــــ بداية ثورة؟

دعونا الآن نتأمل قرار السيد الرئيس محمد حسني مبارك السماح لأكثر من مرشح بدخول الانتخابات الرئاسية، إن هذا القرار لابد أن يكون له أثره على الشعب المصري الذي سيصدم في الانتخابات القادمة، عندما يجد حاكمه "المقدس" وقد أصبح له منافسون في الانتخابات الرئاسية، قد تكون الفكرة مبهرة لأول وهلة، وباعثة على التفاؤل، إلا أنها أيضا قد تكون بداية انهيار لدولة –مصر- من أهم دول الشرق، ففشل الشعب المصري – بفئاته السياسية وغير السياسية- في التعامل مع تلك الفكرة الطارئة على تاريخه الطويل، سيعد نهاية لمرحلة الركود والسكون، وبداية لمرحلة جديدة من الأحداث والحركة، ولكنها-دون مبالغة- ستكون حركة قد تفكك الدولة تماما. ففشل الشعب في التعامل مع تلك الفكرة الجديدة قد يكون مدخلا لفتنة وأطماع فردية، وقد يكون بداية لتدخل خارجي نتيجة إخفاق المجتمع في التعامل مع أدوات الممارسة الديمقراطية السليمة.
ولما كان الشعب خارجا لتوه من فترة ركود وجمود، فلنا أن نتوقع الهزيمة عند أي مواجهة خارجية.

قد تكون الصورة كئيبة عند الإخفاق في التعامل مع هذا القرار الجديد، ولكن الصورة قد تكون أفضل بكثير عندما يصبح هذا الاقتراح الرئاسي، بداية لحركة ثورية على الأوضاع الحالية بما فيها من ركود وضعف وعجز، فهذا الطرح الذي قدمه "مبارك" بما له من تأثير الصدمة والإبهار، نحلم أن يكون بداية لأطروحات وأفكار جديدة تخرج بالشعب من ركوده وجموده، واعتماده على الارتجال في اتخاذ القرارات، إلى مرحلة جديدة تنشط فيها الأفكار الجديدة والاجتهادات البناءة.

ــــ سيدي الرئيس

نتمنى يا سيادة الرئيس أن تلقي بالحمل على الجماهير، فتضعها في اختبار حقيقي أمام أنفسها، بعد أن تُغير حالة الركود التي يعيشها المجتمع بقرارت واقتراحات تستثير الجماهير وتحفزهم للوقوف إلى جانبك، وإلى جانب من يأتي من بعدك، حتى يجيء اليوم الذي يصبح فيه الشعب هو من يقترح ويقدم الأفكار الجديدة، بنية صافية من أجل الوطن. وقتها فقط، سيكون الشعب هو من قاد الثورة في هذه المرة، بعد أن مهَّدت الحكومة له الطريق. فيثور على سلبياته وما يعيشه من ضعف وجمود.
نتمنى أن يكون القرار الأخير الخاص بترشيح أكثر من فرد لرئاسة الجمهورية بداية لثورة حقيقة، أشعلت فتيلها. ونتمنى أن يكون بداية تغيير حقيقي، بدلا من أن يكون بداية لعصر من الفتن والتدخل الأجنبي نتيجة استمرار الشعب في ركوده وجموده.

ـــ في النهاية

أرى أن الشعوب غالبا ما تتمنى أن يقوم الحاكم بالثورة قبل أن تبدأها هي.. فلنحاول جاهدين استغلال ما يحدث حولنا من تغيرات لصالح بلادنا، ولصالح أنفسنا
ــــــــــــــــــــــ

Tuesday, July 27, 2004

عفوا.. فلنكتف بهذا القدر

بقلم : عبد الرحمن مصطفى حسن ـ مصر
كنت وقتها طفلا صغيرا يصطحبه والده إلى المسجد الجامع لصلاة الجمعة, ولم نكن ندري أنه كان يصلي معنا في نفس المسجد, وقبل إقامة الصلاة مباشرة, تقدمت الصفوف لرؤيته, وبالفعل, نظر إلي وتبسم, فلم أصدق أنه هو, ففرت إلى جانب والدي و أدينا الصلاة, ثم رأيت تجمهر الناس من حوله بعد الصلاة فتأكدت أنه هو, وذكرت لكل أقراني وقتها أن ياسر عرفات كان يصلي معنا في نفس المسجد, وأنه تبسم لي. كانت تلك الحادثة في نهاية الثمانينيات, وكان ياسر عرفات قد عُرف وقتها كزعيم وممثل للشعب الفلسطيني, و رغم ذلك فقد كان عليه الكثير كي يتحول إلى شخصية دولية مقبولة عالميا, وقد تم ذلك بعد قبول التفاوض مع الإسرائيليين.

ــــ رجل سلام في زي عسكري

يخوض عرفات بعد ذلك طريق السلام الذي رفض خوضه من قبل مع الرئيس السادات, فتبدأ مباحثات مدريد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, ثم يلي ذلك توقيع اتفاقية أوسلو في عام 1993, فيكون انسحاب إسرائيل من غزة و أريحا في العام التالي, وتزدهر الأمور أكثر لعرفات بأن ينال جائزة نوبل للسلام في نفس العام, ليتحول إلى بطل للسلام برغم ماضيه كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية, التي كان البعض يعتبرها منظمة إرهابية. وبعد اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995, و برغم مقتل رايبن شريكه في جائزة نوبل للسلام، يصبح عرفات في يناير 1996 أول رئيس للسلطة الفلسطينية بعد انتخابه بنسبة تفوق 88 % من الأصوات.

ــــ زعيم و رئيس حتى النهاية

و هنا يصبح عرفات أكثر الشخصيات الفلسطينية شهرة دولية و قبولا إعلاميا, إضافة إلى ذلك فهو لم يتخذ الصفة الإسلامية الجهادية لنفسه, مما أعطاه تميزا, هذا إلى جانب تاريخه النضالي الطويل. ولكن, وعلى الرغم من عدم استقرار الأمور مع إسرائيل و تعثر المفاوضات معها, إلا أن نوعا من الاستقرار قد حدث بين الفلسطينيين, وأقصد هنا ذلك الاتفاق غير المعلن على أن عرفات هو الزعيم الأبدي للفلسطينيين, وأنه قد تحول إلى تلك الحالة التي عليها أقرانه من الرؤساء في مصر وسوريا و ليبيا, أي أن يبقى في منصبه حتى يتوفاه الله. ولكن على ما يبدو أن ذلك الأمر قد دعا الرجل إلى أن يركن إلى الراحة, فيدب الفساد في الإدارة الفلسطينية, حتى يصل إلى الأجهزة الأمنية, بل إن حوادث الفساد لم تقتصر على الجانب المالي فحسب, بل امتدت إلى الجانب الأخلاقي, فنجد على سبيل المثال في الفترة الواقعة قبل انتفاضة الأقصى, أنه يتم معاقبة ثلاثة من كبار ضباط جهاز الشرطة الفلسطينية, بعد اتهامهم بإدارة شبكة للدعارة و ممارستهم للابتزاز.

ـــــ عرفات و الفساد

لعل التنظيم الإداري للأجهزة الأمنية الفلسطينية يساعد أكثر على الفساد, نظرا لضعف السيطرة المركزية عليه, حيث أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تتسم بالكثرة, وقد كان ذلك متعمدا منذ البداية حتى لا يتحول أفراد الأمن الفلسطينيين يوما ما إلى قوة عسكرية لها القدرة على مواجهة إسرائيل, ومن ثمَّ دخلت المحسوبية مع الفساد كردِ فعلٍ لضعف السلطة المركزية, وكنتيجة أيضا لسياسة عرفات الخاطئة في التعامل مع الفاسدين, فنجده منذ عدة أعوام (عام 2001) يفرج عن أحد المتهمين في قضايا الاختلاس, والذي اختلس أموالا من الصندوق القومي الفلسطيني الذي كان يرأسه, وقد جاء قرار الإفراج دون إبداء أسباب واضحة. ولعل مثل تلك الأمور قد دفعت البعض إلى تصديق الشكوك حول فساد عرفات نفسه, وبالنسبة للمتابع فقد يتخطى الأمر مرحلة الشكوك.
فوكالات الأنباء العالمية تتناقل أخبار السيدة سهى عرفات, والتي ذكرت بعض التقارير عنها أنها تتلقى أموالا من زوجها تقدر بالملايين وتحوَّل إلى حسابها في باريس, فمنذ عدة أشهر أثيرت قضية السيدة سهى حين أكد مكتب المدعي العام في باريس أنه يريد فحص تحويلات من مؤسسة سويسرية إلى حسابين منفصلين لسهى في باريس خلال الفترة الواقعة بين يوليو 2002 إلى يوليو 2003.
وتصف السيدة سهى تلك التقارير التي تتحدث عن تحويل 9 ملايين يورو لحسابات باسمها بأنها كاذبة و مجنونة, و أن شارون يسعى لتشويه صورة زوجها عن طريقها, و ليغطي أيضا على فضائحه هو و أسرته, ورغم ما تذكره السيدة سهى عرفات, إلا أن تقريرا أصدره صندوق النقد الدولي يتحدث عن 900 مليون دولار قد نقلت من حسابات السلطة الفلسطينية إلى الخارج, في الفترة الواقعة بين عامي 1997إلى 2003. حتى قريع رئيس الوزراء الفلسطيني (المستقيل), كان اسم عائلته ضمن قضية أثيرت منذ عدة أشهر داخل أروقة المجلس التشريعي, عن قيام البعض بتهريب أسمنت مصري إلى الإسرائيليين, و استخدامه في بناء المستوطنات و الجدار العازل, ولم تتضح صحة هذا الأمر من عدمه!
واتخذت مسألة الفساد داخل السلطة الفلسطينية بعدا دوليا, فها هو الرئيس الأمريكي بوش يطالب في تصريح له منذ أكثر من عامين بتغيير القيادة الفلسطينية, ويصف المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع فاسد ولا يتمتع بالشفافية. ويؤكد وزير خارجيته كولن باول رأي بوش, بأن قال وقتها " نريد قيادة فلسطينية جديدة نستطيع التعامل معها", وكان رد فعل السلطة حينذاك أن أمريكا تريد عميلا لها في الأراضي الفلسطينية. ورغم كل تلك الأمور يظل عرفات في منصبه, ويجدد انتخابه رئيسا. ولكن في نفس الوقت يتزامن مع كل تلك الأمور, قيام المنظمات الفلسطينية- ذات الطابع الجهادي - بعملياتها من تفجير و ما إلى ذلك, مما يجعلها تصطدم أحيانا مع السلطة التي لا تريد للأمور أن تخرج أكثر عن سيطرتها, حيث أن تلك الفصائل قد حازت على التعاطف والتأييد الشعبي, و خصوصا بعد ما قامت به إسرائيل من اغتيال لقادتها. ويبدو أنه سيقدر لتلك الفصائل المسلحة تشكيل مرحلة جديدة في حياة عرفات (المحاصر).

ــــ الإحلال

لما كان البقاء للأقوى, ولما كانت الفصائل الفلسطينية المسلحة كحماس و كتائب شهداء الأقصى و غيرها, هي التي تمارس الفعل الوحيد الذي يقوم به الفلسطينيين, في الوقت الذي ظهر فيه عرفات عاجزا حتى عن مواجهة الفساد الذي دب في الأجهزة الأمنية و الإدارية التي تقع تحت سلطانه, كان من الواجب على الأقوى أن يحل محل الأضعف, وقد بدأت مظاهر ذلك الأمر تظهر بالفعل, وبدأ التجرؤ على السلطة, وإن لم يكن الأمر موجها لشخص عرفات, حيث أنه الآن قد أصبح لدى شعبه أحد هؤلاء الرؤساء الذين لا يتركون مناصبهم إلا بموتهم. فها هي حركة (حماس) تسعى - في شهر إبريل الماضي- إلى أن تقوم هي على إدارة قطاع غزة في حالة انسحاب الجيش الإسرائيلي منه, وقد قوبل طلبها بالرفض من جانب السلطة الفلسطينية التي تعللت بأن لها مؤسساتها و أجهزتها الأمنية التي تستطيع أن تؤدي واجبها بكفاءة. ثم نجد بعض الجماعات الفلسطينية المسلحة تنتقد عرض مصر المساعدة في تسيير أمن غزة, من حيث إعادة الهيكلة والتدريب, ونجد كتائب شهداء الأقصى المنبثقة عن حركة فتح – التي يرأسها عرفات –­­ تقوم بالتعامل الفردي مع بعض المعروفين بالفساد, سواء بالخطف أو بغيره, بالإضافة إلى الإعدام مع المتعاونين مع الاحتلال, هذا فضلا عن انتقادها العلني للسلطة الفلسطينية على ما تغلغل فيها من فساد ومحسوبية. إذا فلدينا الآن عددا من الفصائل الفلسطينية وقد ضج بأخبار الفساد الموجود داخل أجهزة السلطة الفلسطينية, و خصوصا الأمنية منها.

ـــــ الصِدام الأخير.. ليس الأخير !!

لعل مسألة عدم توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية تثير حفيظة الكثير من الفلسطينيين, فكما ذكرنا من قبل أن تفرق الأجهزة الأمنية الفلسطينية و كثرتها, و عدم إحكام قبضة السلطة الفلسطينية عليها, قد جعلها أوكارا للفساد والمحسوبية و الشللية, وقد جاء تعدد تلك الأجهزة نظرا لنشأتها الأولى هكذا, حتى لا تتحول في يوم من الأيام إلى جيش في وجه إسرائيل. أما اليوم, فقد أصبح هذا الوضع يمثل خطرا على إسرائيل نفسها, فالأفضل لإسرائيل أن تحكم السلطة الفلسطينية قبضتها على الأمن الفلسطيني بدلا أن يقوم غيرها بذلك, ولن يتم ذلك إلا بأن يتم توحيد أجهزة الأمن الفلسطيني وتقليص عددها, وخصوصا بعد قيام عناصر فلسطينية مسلحة الأسبوع الماضي, باختطاف مجموعة من الفرنسيين للفت الأنظار, إلى جانب اختطاف عدد من المسئولين الفلسطينيين, وحرق المنشآت الحكومية وذلك بغرض الضغط كي يتم الإصلاح. لذا كان قرار عرفات بأن يتم توحيد تلك الأجهزة الأمنية ليصبح عددها ثلاثة فقط, بعد أن أصبحت مسألة الانفلات الأمني تمثل مشكلة حقيقية, وخصوصا أن هنالك ضغوطا خارجية على عرفات كي يقوم بنقل مزيدا من الصلاحيات الأمنية إلى رئيس وزرائه. ولكن جاء إخفاق عرفات دليلا على حالة الانهيار التي يعيشها, وذلك في الوقت الذي تعلو فيه أسهم الفصائل المسلحة. فكان الصدام. حيث أن ياسرعرفات قد اختار قريبه اللواء موسى عرفات لمنصب مدير الأمن الفلسطيني, وكأنه يؤكد للجميع أن المحسوبية قد أضحت قانونا في داخل السلطة الفلسطينية, والأكثر من ذلك أن موسى هذا تعتبره الفصائل الفلسطينية المسلحة عدوا للمقاومة, فكانت المواجهات المسلحة بين اللواء موسى و العناصر الفلسطينية المسلحة, والتي كان منها قيام كتائب شهداء الأقصى بالسيطرة على مقر الاستخبارات في خان يونس ثم إحراقه. وقبلها بقليل نجد عددا من الاستقالات يقدم وعلى رأسها استقالة رئيس الوزراء, التي لا ندري هل قدمها لكسب الصلاحيات الأمنية التي حثت عليها العديد من الأطراف خارج فلسطين, أم أن تلك الاستقالة تهربا من المسئولية ؟! ورغم الهدوء النسبي للأوضاع حاليا, إلا أن السبب الأساسي لتلك الفتنة لم يزل حتى الآن, ألا وهو وجود الفساد و المحسوبية في داخل السلطة الفلسطينية.

ــــ رسالة إلى عرفات

سيدي الرئيس عرفات.. إنك لست مثل حسني مبارك أو القذافي أو الأسد, فهؤلاء جميعا في دول مستقرة نسبيا, أما أنت فمن السهل الانقلاب عليك لولا الخوف من الفتنة, فقد تركت الفساد يرعى من حولك, مع ازدياد قوة الفصائل الفلسطينية من حولك أيضا, وأظن أنه قد آن الأوان كي تنسحب في هدوء, وأن تستقيل من منصبك هذا, بدلا من أن تقضي بقية عمرك منفيا بواسطة الإسرائيليين, أو أن تقتل على يد أحد المتهورين من أبناء شعبك, وفي كلا الحالتين, سيكون الضياع مصير الفلسطينيين إلى أن يشاء الله.
سيدي الرئيس.. فلنكتف بهذا القدر, ولتترك الأمر لمن هو أصح منك و أجدر منك بالحكم.