Showing posts with label السلطة. Show all posts
Showing posts with label السلطة. Show all posts

Sunday, May 8, 2016

الصحفيون والداخلية: مَن يقصف جبهة اﻵخر؟

تحركتُ يوم الأربعاء الماضي من أمام مبنى نقابة الصحفيين في وسط القاهرة، تاركًا خلفي طاقة إيجابية ملأت محيط النقابة، رغم الحصار المحكم لآلاف الصحفيين من رجال الأمن و”المواطنين الشرفاء”. انتهت الجمعية العمومية الطارئة للصحفيين وسط الهتافات والابتسامات والرضا، لكن بمجرد عبوري الجهة الأخرى من الطريق، استوقفني أحد المارة ليسأل عن وقوع اشتباكات بين الصحفيين والأمن، وحين أجبته بالنفي، استطرد: “ما هو ده إعلام (…) يعني هما عايزين إيه يعني؟”

تنتزعك مثل تلك المواقف البائسة من نشوة التفاؤل دون مقدمات، حين تفاجأ بأن ما تعتقد أنه معلوم بالضرورة، لا يعلمه كثيرون. وبعد توالي الأيام على صدور قرارات الجمعية العمومية الأخيرة، اتضح أن داخل الصحفيين أنفسهم، من لا يتبنى هذه القرارات بأكملها، بل إن النقابة نفسها تراجعت عن حماسها الذي ظهر في بياناتها النارية الأولى.


هذا المقال ليس عن هؤلاء الذين يفسدون لحظاتنا السعيدة، ويقطعون نشوتنا ويجهضون النجاحات الصغيرة التي نحققها، ولا عن المواطن التائه بين مبررات الأمن لاقتحام مقر نقابة الصحفيين للقبض على صحفيين مطلوب ضبطهما، وغضب الصحفيين لانتهاك “كرامتهم”.

فالسؤال الصادر بسلامة نية أحيانًا: “هي إيه القصة بالظبط؟”، لا بد أن يدرك الصحفيون أهميته، أن يحددوا إجابات شافية له، تجذب الرأي العام لقضيتهم التي تتجاوز واقعة اقتحام النقابة.

كان هذا سؤالًا ساذجًا، ويتلوه آخر بديهي: “لماذا احتشد آلاف الصحفيين هكذا داخل نقابتهم؟” حين يبحث القارئ العادي عن الإجابة، قد يُفاجأ بعبارات بليغة، من نوعية: “احتشد الصحفيون رفضًا للممارسات الأمنية الغاشمة”، أو “اجتمع الصحفيون دفاعًا عن كرامة المهنة”، أو”عقد الصحفيون جمعية عمومية حفاظًا على قدسية قلعة الحريات”، وكلها إجابات مُرضية جدًا وتعبر عن جزء كبير من الحقيقة. لكن، ونحن الآن في العصر الذي يردد فيه “إعلاميون” قصصًا عن مؤامرات الجيل الرابع والخامس من الحروب، ويتحدثون عن مؤامرات “الإعلام الفاسد”، هل تجدي هذه الجمل البليغة نفعًا وسط الأجواء التحريضية والضبابية؟

لا يمكن إرجاع الأزمة الأخيرة بين نقابة الصحفيين ووزارة الداخلية فقط لواقعة الاقتحام الأمني لمقر النقابة، وما تبع ذلك من مطالبات صحفية بإقالة وزير الداخلية، فقد سبقت ذلك بأسبوع مسيرة إلى مكتب النائب العام لتقديم بلاغ في وزير الداخلية ضد انتهاكات تعرض لها صحفيون أثناء أداء عملهم في ذكرى تحرير سيناء.

وقبلها بأسابيع أعلن نقيب الصحفيين إلغاء قرار أمر ضبط وإحضار صادر ضد خالد البلشي رئيس لجنة الحريات بالنقابة، الذي كان يواجه عدة اتهامات.

كل تلك الضغوط وغيرها من معاناة أصحاب هذه المهنة، قد لا تمثل تهديدًا مباشرًا لبقية المواطنين، بل قد يرى بعضهم هذا الصراع على طريقة مباريات كرة القدم.. من أحرز الهدف الأول؟ وقد يُختصر المشهد في صراع بين الصحفيين والداخلية حول من يقصف جبهة الآخر، دون الالتفات إلى ركام الأزمات والمشاكل التي يواجهها الصحفيون يوميًا في عملهم، وبعضها يتعلق بوزارة الداخلية تحديدًا، وهو ما تجلى أخيرًا في قصة اقتحام النقابة.

دارت برأسي أفكار كثيرة مع بعض الزملاء، حول هذا الحماس الاحتفالي الذي جمع الصحفيين يوم الجمعية العمومية، وما إذا كانت قرارات الجمعية العمومية صدرت تحت تأثير هذا الحماس الزائد، دون التفكير في جدية الالتزام بقرارات نقابة الصحفيين.
***
حققت الجمعية العمومية الأخيرة مكسبًا كبيرًا في حشد آلاف الصحفيين حول مهنتهم، ونقلت روحًا جديدة إلى واجهات الصحف الورقية، كاستخدام صورة “نيجاتيف” لوزير الداخلية، بهدف إثارة تساؤلات القراء، واستخدام شعار جانبي موحد “لا لحظر النشر، لا لتقييد الصحافة”، وهي أفكار قريبة من ممارساتنا اليومية على شبكات التواصل الاجتماعي في استخدام الهاشتاج والبانر وغيرها من الأفكار. ربح الصحفيون محاولتهم الضغط على مجلس النواب كي يفيق من ركوده، وجذبه إلى قضية متعلقة بالحريات، كما حاولت النقابة قطع أي محاولة لتسديد اتهامات إليها بالاستقواء بالخارج ورفضها “أي تدخل أجنبي رسمي في شأن الصحافة المصرية” أو “استغلال أي جماعة أو تيار سياسي بتوظيف الأزمة الراهنة لصالحه”.

تلك بعض المكاسب الذي حققها الصحفيون عبر تلك الأزمة، لكن مع الوقت، لم تكن المكاسب في نفس وزن ما أعتقد أنه خسائر أو تراجع متصاعد في قضية الصحفيين.

في البداية ظهرت الأزمة للرأي العام وكأن القضية مجرد جدل حول مسألة الاقتحام الأمني لمقر نقابة الصحفيين، وهكذا بدا الأمر في صدر البيان الصادر عن نقابة الصحفيين يوم الأربعاء الماضي، وفي كثير من التعليقات الصحفية. بعدها بدأ انسحاب قيادات صحفية، أيًا كانت انتماءاتهم، من حالة الإجماع والحماس الزائد في الجمعية العمومية التاريخية الأسبوع الماضي، وبدأ التراجع يزداد متمثلًا في عدم تنفيذ بعض الصحف ما اتُفق عليه من تصعيد، كتلوين الصفحة الأولى باللون الأسود، وانتهى الأمر في بيان أخير صادر عن مجلس نقابة الصحفيين بعد توضيحات متتالية أن الصحفيين لم يطالبوا باعتذار الرئيس، وهذا نفسه موقف مؤسف، لأن النقابة كانت قد طلبت بالفعل في بيان واضح: “تقديم رئاسة الجمهورية اعتذارًا يحفظ كرامة الصحفيين ومهنتهم ونقابتهم”.

هذا التسلسل في الأحداث، كان يصاحبه دائمًا سؤال من الرأي العام “ما القصة؟”


هناك من هم أكثر مني احترافًا في الشأن النقابي وفي قضايا الحريات، فـ”مَن أنا لأقول لكم ما أقول لكم”، لكن إذا عدنا إلى أزمة مشابهة جرت قبل أشهر بين الأطباء ووزارة الداخلية، سنجد أن الأمور كانت مختلفة بعض الشيء.

أعتقد أن إجابة سؤال “ما القصة؟” كانت أكثر وضوحًا في أزمة الأطباء منها في أزمة الصحفيين الحالية. ففي رأيي الشخصي أن نقابة الأطباء نجحت وقتها في تصدير قضية أبعد من قصة اعتداء الشرطة على أطباء أثناء تأدية عملهم، إذ استغل الأطباء الفرصة وطرحوا على الرأي العام أزماتهم اليومية في العمل، وضغطوا من أجل لفت الأنظار إلى معاناتهم، وأشاروا إلى أن التقصير الأمني جزء من أزمات يواجهونها في عملهم.
***
يواجه الصحفيون تضييقات ورقابة أصبحت تصيب كثيرين بالارتباك، خشية الاضطرار إلى سحب أعداد الجريدة من الأسواق كما حدث مع عدد من الإصدارات، أو مواجهة اتهامات بالعمالة، وما إلى ذلك من مظاهر التضييق.

وفقًا لأرقام التقرير السنوي لمجلس نقابة الصحفيين في مارس 2016، فإن “هناك نحو 29 زميلًا رهن الاحتجاز في قضايا متنوعة، من بينهما قضايا تتعلق بمهنتهم، سواء على ذمة المحاكمة أو محكومين بأحكام غير نهائية، أو باتة أو من دون توجيه أي اتهامات إليهم، وبين هؤلاء من تجاوز احتجازه الحد الأقصى للحبس الاحتياطي”.

هناك مشاهد يومية بائسة في عالم الصحافة، يكاد يتضاءل أمامها مشهد اقتحام النقابة، ولابد أن تتصدر هذه الأزمات المشهد بصورة أكبر في المرحلة المقبلة، بمعنى أن يدرك القراء جيدًا ماذا يخسر المجتمع إذا خسرت الصحافة جراء ضغوط أجهزة الدولة على الإعلام.

أقول هذا خشية أن تتحول الأزمة الحالية إلى حرب حول مَن يقصف جبهة مَن، الداخلية أم نقابة الصحفيين، أو أن ينتهي الأمر إلى ترضية “عرفية” بين الطرفين.

لذا فإن التركيز على الضرر الواقع على المهنة وما يسببه ذلك من ضرر على المجتمع، قد ينقل القضية إلى مساحة أخرى، يبدو فيها مشهد الاقتحام الأمني مجرد حادث في واقع بائس يهدد ويربك العاملين في مجال نقل المعلومات إلى المجتمع.

***
حين يسألني أحدهم:” ما قصة النقابة والداخلية؟” هل أخبره أن الأزمة أني صحفي وعلي راسي ريشة، كما فعل أغلبنا غاضبًا لكرامته على صفحات التواصل الاجتماعي؟ هل أخبره أن قصة النقابة والداخلية تتلخص في أن الأمن تخطى الحواجز واخترق “قدسية النقابة”؟

نحن جميعًا أدرى بأن هناك فواجع أكبر تحدث في هذا البلد. ولعلنا في حاجة إلى مزيد من الشرح والتفسير لقرائنا بخصوص ما يحدث للمهنة وما تواجهه من أخطار، وكيف سيؤثر ذلك على المنتج المقدَّم إلى هؤلاء القراء في المستقبل، وماذا سيخسر القراء إذا خسروا الصحافة.

Wednesday, May 20, 2015

الدين الذى يسعى إليه المصريون

 التدين الشعبى والتصوف.. التحليق بعيدًا عن صراعات السياسة

يتصدر الشأن الدينى واجهة المشهد السياسى، لارتباط الفكر الدينى المتطرف بأحداث العنف والإرهاب فى مصر، وفى الوقت الذى تتبنى فيه الدولة سياسات جديدة فى مؤسساتها لإحكام القبضة على ملامح الخطاب الدينى، والابتعاد عن التطرف، مازالت شريحة من المصريين تمارس التدين الشعبى عيدا عن الحلول الرسمية
- شحاتة صيام أستاذ علم الاجتماع: الصوفية هى الحاضنة الوحيدة للتدين الشعبى
- منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية: لا نسعى إلى سلطة أو مكسب سياسي
- الشيخ عادل نصر : المصريون معتدلون دينيا أما انحرافات الموالد فليست من الشرع
- خالد عبده الباحث في شؤون التصوف: الصوفية تركت أثرا عميقا في شخصية المصريين
يتواجد الاثنان فى المكان نفسه دون أن يلتقيا، الأول محمد فتحى الموظف بالمعاش الذى جاوز الستين بعامين، والثانى مصطفى رمضان الشاب الذى يبلغ الحادية والعشرين من عمره، كلاهما من أبناء حى السيدة زينب، يحرصان على الوجود وسط أبناء الطرق الصوفية وزوار«السيدة»، ليتحولا إلى جزء من مشهد روحانى يغطى محيط مسجد السيدة زينب.
«مولد السيدة زينب هو فرصة أنضم فيها إلى أبناء الطرق الصوفية، أشاركهم الذكر والانشاد، ثم أعود مطمئنا إلى منزلى.. هذا ما اعتدت عليه منذ سنوات عديدة».
تحدث الحاج محمد فتحى فى أثناء حضوره مولد السيدة زينب الذى أقيم أخيرا، بينما كان الشاب مصطفى رمضان فى سرادق تقيمه عائلته، حيث يوزع الطعام على الفقراء وزوار المسجد. لا يعتبر أى منهما نفسه صوفيا، لكنهما يندمجان بين أبناء الطرق الصوفية الذين تواجدوا فى السرادقات، ويصف مصطفى الشاب سبب مشاركته قائلا: «الهدف من وجودى هو تقديم الخير.. لا شىءآ خر».
فى كتاب (الدين الشعبى فى مصر) للكاتب شحاتة صيام أستاذ علم الاجتماع بجامعة الفيوم، يضع تعريفا للدين الشعبى بأنه «إسلام الطبقات الشعبية الضعيفة، التى تبتعد عن الإطار الرسمى وعن الحياة اليومية، وتنغمس فى الحياة الروحية». قد لا ينطبق هذا القول بشكل كامل على نموذج مثل موظف المعاش المحب لحلقات الذكر، ولا على الشاب الذى يقدم الطعام فى المولد كتقليدى عائلى، بقدر ما ينطبق على عدد غفير من المهمشين المحلقين حول مقامات العارفين بالله، والمؤمنين ببركة الأضرحة وقدرات المشايخ وكراماتهم، أو على حد قول شحاتة صيام فى حديثه لـ«الشروق» : «لنبحث خارج الحضر، ونتعمق فى الريف، ومجتمعات المهمشين سنرى تلك النماذج ما زالت متمسكة بتدينها الشعبى». ويبدأ فى شرح المزيد عن التدين الشعبى فى مصر، واصفا إياه بأنه «تدين خارج إطار المؤسسات، متحرر من أى وصاية، هو منتج شعبى يهدف إلى مقاومة كل سلطة دينية».
بعض المشاهد فى الموالد الصوفية تقدم هذا المعنى، كأن ترقص امرأة على نغمات الذكر الصوفى، أو أن يمر رجل ذى عمامة خضراء يدخن سيجارة فى حلقة للذكر، كلها مشاهد تقوم على التحرر من الشكل الرسمى للتدين أو الالتزام الحرفى بالتعاليم الدينية، وهو مستوى يختلف عن مستوى نماذج مثل محمد فتحى الموظف بالمعاش الذى يحضر دروس وحلقات ذكر صوفية باحثا عن الرضا والأمل، بينما يبدو الأمر أكثر وضوحا مع مصطفى رمضان الشاب الذى يوزع مع أفراد عائلته الطعام فى مولد السيدة زينب كل عام، إذ يروا أن ما يفعلونه ليس تقديم«نفحة» صوفية حتى إن ظن البعض ذلك، بل هو عمل خيرى.
«هناك قيم قدمها التصوف إلى المجتمع المصرى، وأزعم أن المصريين من أشد الناس تأثرا بالتصوف ومحبة آل البيت، لكن هذا لا يمنع من وجود ثغرات ينفذ منها من ينتقدون التصوف». يتحدث مصطفى زايد، منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية، عن الفاصل بين التدين الشعبى المتوغل فى سلوكيات المصريين، والقلق على صورة الصوفى المتدين من بعض السلوكيات «الشعبية». لذا يضيف أن «التصوف منهج حياة وليس مجرد انضمام إلى طريقة صوفية، بل هناك من المتصوفة من أصبحوا يبتعدون عن الصخب والأجواء الاحتفالية».
البديل الصوفى
كان هناك رهان لدى بعض الباحثين والكتاب فى العام الماضى على إمكانية أن تحل الصوفية محل تيار الإسلام السياسى الذى انسحب من المشهد، وحسب حديث منسق الائتلاف العام للطرق الصوفية فإن الأمر ليس بهذه البساطة، بسبب انكباب قيادات الطرق الصوفية على مشكلاتهم الداخلية دون انفتاح على المجتمع، إلى جانب أمر آخر أهم من وجهة نظره، أنه من الصعب أن تحدث منافسة فى وقت من الأوقات بين التيارات الإسلامية والصوفية، إذ يقوم التصوف على تقديم الخير والدعم والتعبد دون النظر إلى المكسب السياسى، ولا تهدف الصوفية إلى زيادة عدد الأتباع بقدر أهمية تأثيرها على من حولها، أيا كان عدد المريدين.
فى جانب آخر يوضح شحاتة صيام أن نمو التيارات السلفية فى المجتمع المصرى، ليس دليلا على أنها تمثل «تدينا شعبيا»، إذ يؤكد على أن التدين الشعبى قائم على التحرر من السلطة الدينية وسطوة النصوص، وهو الأمر الذى لا تقدمه السلفية أو تيار الاسلام السياسى الذى يسعى إلى فرض سلطة على المجتمع، على عكس الصوفية.
فى هذا الزحام تقع مظاهر التدين الشعبى التى تحتضنها الصوفية فى مرمى النيران لأسباب متنوعة، على سبيل المثال فقد دار جدل فى العام 2009 حول كسوة ضريح مسجد الإمام الحسين التى وضعت باللون الأسود بعد تجديدات جرت فى المسجد، وتم توجيه اتهامات بأن ذلك إشارة على نفوذ الشيعة فى مصر، وتم تغيير لون الكسوة إلى اللون الأخضر بتأييد من بعض مشايخ الصوفية على اعتبار أن اللون الأخضر هو لونهم المفضل. لكن هذه التفاصيل الصغيرة أحيانا ما تطفو مرة أخرى، إذ ما زالت بعض المنتديات السلفية على الإنترنت، تحتفظ بأسئلة عن حكم استخدام الإضاءة باللون الأخضر فى بعض المساجد، وهو ما أزعج بعضهم واعتبره بدعة. تلك الاشتباكات البسيطة تطورت فى الأعوام التالية لثورة 25 يناير إلى تهديدات بمنع الموالد وهدم الأضرحة الصوفية، حتى انسحب تيار الإسلام السياسى من المشهد.
«المصريون فى تدينهم أقرب إلى الاعتدال والوسطية، إما أن نربط بين تدينهم ومظاهر انحرافات عن المنهج الشرعى كالتى تظهر فى الموالد وغيرها، فمن الظلم أن نقول أن هذا هو تدين المصريين، بل هو قلة علم وضعف فى الوعى الدينى لدى البعض».
يرى الشيخ عادل نصر، المتحدث الرسمى للدعوة السلفية، أن هناك مرجعية واحدة شرعية لكل المسلمين، وأن انسحاب تيار الاسلام السياسى من المشهد لا يؤثر على حضور أبناء الدعوة السلفية، ومن الصعب أن يصنع الموقف الراهن منافسا «صوفيا» يكسب مساحات تركوها، وحتى مع سؤاله عن تأثير وجود قيادات دينية مهمة فى الدولة لها خلفية صوفية، فلا يرى ذلك سببا فى صراع، لأن المرجعية الشرعية واحدة، بينما يتعامل مع فكرة «التدين الشعبى» بمبدأ أنه من الواجب أن تتم مراجعة العادات والتقاليد ومقارنتها بالشريعة، ثم تقويم تلك العادات إن احتاج الأمر.
فى دراسة منشورة من العام الماضى لناجح إبراهيم الباحث الإسلامى والخبير فى شئون الجماعات الإسلامية، طرح سؤالا تحت عنوان «هل يرث التصوف السنى الإسلام السياسى المصرى؟!»، لافتا إلى قيادات دينية تتصدر المشهد الإعلامى والدينى من ذوى الخلفية الصوفية، لكنه يطرح عائقا داخل نفس الدراسة أمام التقدم الصوفى حول «انصراف بعض أتباع التصوف للتدين الشعبى الذى تغذيه خطابات الموالد المختلفة، دونما اهتمام بتحصيل العلوم الشرعية، فأكثر الصوفية يتلقون عن مشايخهم العهد وليس العلم، باستثناء حالات محدودة» على حد قوله. وهنا يعود الحديث عن «التصوف العلمى» كنمط تدين بديل، واعتبار «التدين الشعبى» عبئا على تقدم الصوفية.
«الأمر الآن يتوقف إلى حد كبير على موقف الدولة، فنمط التدين الشعبى يمكن أن تتحكم الدولة فى مظاهره، أو أن تسمح به انصياعا لمبدأ حرية الاختيار.. الأمر كله يتوقف على ما يجرى الآن تجاه قضية الدين فى المجتمع». يتحدث خالد محمد عبده الباحث فى الفلسفة الإسلامية والتصوف عن مساحات التغيير الممكنة فى نمط التدين المصرى، ثم ينتقل إلى الجذور الثابتة التى تركها التصوف فى نمط التدين المصرى، قائلا: «يقدم التصوف مساحة من الحرية دون إكراه، نجدها فى المساجد الكبرى مثل السيدة زينب والحسين، وقد تركت الصوفية موروثا يدعم المستضعفين والفقراء، وهو ما زال راسخا لدى المصريين، وتلك الأمور ستظل متواجدة، لكن يظل فوقها حركة الدولة تجاه الدين».
حسبما يتحدث الباحث فى شئون التصوف، فإنه يطرح أن تقدم الدولة دعما لخطاب دينى راق، أيا كان من يتبناه، وهو ما سيرسخ ممارسة أفضل فى نمط التدين الحالى للمصريين.

الدين الرسمى للدولة

 - عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن: التجديد الدينى لا يتم إلا بواسطة العلماء

- إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة: عملية التجديد لابد أن تتم بعد مناقشات مفتوحة
قبل عام تقريبا، ظهر المرشح الرئاسى عبدالفتاح السيسى فى أول حوار تليفزيونى يجريه فى أثناء حملته الانتخابية، وقال إن الخطاب الدينى فى العالم الإسلامى أفقد الإسلام إنسانيته أمام الآخرين، وأبدى اهتماما واضحا بقضية الدين وموقعه فى حياة المواطنين، وذكر أنه اجتمع بالعديد من القيادات الدينية والسياسية فى أثناء فترة عمله فى المخابرات العسكرية، وأبلغهم أن خطابهم الدينى لا يصلح لقيادة الدولة. وعلى مدى عام بعد هذه التصريحات وتوليه رئاسة الجمهورية، تكرر المعنى عدة مرات فى مناسبات مختلفة، منها ما ذكره فى كلمته أمام رجال الأزهر وعلماء الدين قائلا: «والله سأحاججكم أمام الله يوم القيامة» مطالبا بثورة دينية لتجديد الخطاب الدينى.
تلك التصريحات تزامن معها استجابة مباشرة من المؤسسات المعنية مثل وزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر ودار الإفتاء، بما يرسم صورة عن موقف رسمى من قضية الدين فى هذه المرحلة.
«يحمل الفقه الإسلامى وسائل تجديده، فهو فقه متجدد بطبعه لكن بقدرات من يتولون تعليمه وتدريسه، أما الذين يبعدون عن التخصص الدقيق، فليس بوسعهم أن يدركوا حقيقة ما يتم فى عملية التجديد». يتحدث عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون فى جامعة الأزهر، عن أن عملية التجديد الدينى يجب أن تتم على أيدى المتخصصين من أبناء الأزهر الشريف.
ويتوافق ذلك مع المادة (7) التى نص عليها الدستور المصرى لعام 2014 فى أن «الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على جميع شئونه، وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم».
وفقا لهذه الرؤية جرت عدة إجراءات كان أشهرها ما تم أخيرا تجاه الباحث إسلام البحيرى، حين أصدر الأزهر بيانا فى الشهر الماضى قال فيه: «إنه فى إطار قيام الأزهر بالحفاظ على الدين الإسلامى من التشكيك والتشويه وعدم السماح بأن ينال أحدهم من صورة الإسلام، أو أن يعبث بعقول الشباب، فقد تقدم الأزهر الشريف بشكوى إلى المنطقة الحرة الإعلامية بالهيئة العامة للاستثمار ضد البرنامج المذكور، لما يمثله من خطورة فى تعمده تشكيك الناس فيما هو معلوم من الدين بالضرورة». كما تقدم شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بدعوى قضائية يطالب فيها بوقف بث برنامج الإعلامى إسلام بحيرى على قناة القاهرة والناس. ذكر فيها أن «جميع النصوص التشريعية أكدت أن الأزهر الشريف وشيخه هو صاحب الحق الأصيل والثابت فى الحفاظ على الثوابت الدينية، والتراث الإسلامى». هكذا كانت حركة الأزهر تستند إلى مرجعية الدستور المصرى فى حماية دوره القانونى.
أما وزارة الأوقاف الأكثر اتصالا بإنتاج الخطاب الدينى بحكم إشرافها على إدارة المساجد، فقد أدركت هذا الدور مبكرا، بأن حاولت اتخاذ عدة إجراءات للسيطرة على المنابر، مثل منع غير الأزهريين من الخطابة، وإعلان الوزارة تدشين غرفة عمليات لمراقبة مخالفات الخطباء فى المساجد المختلفة، ومنع الصلاة فى الزوايا الصغيرة. وبعد مسيرة شهور فى هذا الطريق تلقت وزارة الأوقاف فى ديسمبر الماضى رسالة شكر من مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، على دور غرفة عمليات الوزارة «فى ضبط الخطاب الدعوى بالمساجد»، ما أعطى انطباعا بأن الوزارة على الطريق السليم.
وتشير دراسة أعدها عمرو عزت الباحث فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تحت عنوان «لمن المنابر اليوم؟» إلى نتيجة مفادها أن احتكار الدولة قانونيا لإدارة النشاط الدينى الإسلامى حصريا، ومراقبتها لحدود النشاط الدينى، يقول إن الدولة تتخذ مكانة (الإمام)، وأنها تسعى إلى الحفاظ على مكانتها كممثل لجماعة المسلمين الموحدة، حيث لا ينازعها إمام آخر.
وأخيرا صدر حكما من محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية يؤيد قرار وزير الأوقاف بالامتناع عن تجديد تصريح الخطابة الممنوح لأحد المنتمين إلى التيارات الدينية المتشددة بمحافظة البحيرة، وأوضح بيان صادر عن مكتب الوزير أن الحكم بالنسبة إلى الوزارة بمثابة تأكيد على«اختصاص وزارة الأوقاف بالقيام بالنشاط الدعوى الدينى فى مصر والعالم العربى والإسلامى لتبيان صحيح الدين».
أما بعيدا عن الطريق الذى سلكته مؤسستى الأزهر والأوقاف فى تشكيل التدين الرسمى لهذه المرحلة، فإن مؤسسات أخرى قد استجابت بدورها، ومنها وزارة التربية والتعليم، وهو ما بدا واضحا فى خطتها استبعاد النصوص والموضوعات التى تحض على العنف أو الكراهية من المناهج الدراسية.
«كان هناك بالفعل أجزاء من نصوص يمكن أن تستخدم فى الحض على الكراهية أو تغذية العنف، فتمت مراجعتها من لجنة متخصصة والاستعانة بأكاديميين، تمهيدا لمراجعة شاملة لجميع المناهج الدراسية من لجنة عليا فى وزارة التربية والتعليم». تشرح ثناء جمعة، مديرة مركز تطوير المناهج التابع لوزارة التربية والتعليم، آليات العمل لتطهير المناهج من أى مواد تحض على الكراهية أو التطرف، كما تذكر أن مناهج التربية الدينية، تراجعها مؤسستى الأزهر والكنيسة.
ذلك الموقف الذى تتخذه الدولة من قضية الدين، ومحاولة مؤسساتها تشكيل نمط تدين رسمى يبتعد عن التحريض على العنف والكراهية، ينبئ عن سياسة عامة انخرطت فيها عدد من مؤسسات الدولة فى الشهور الماضية، ويبرز دور الأزهر واضحا مع ما منحه الدستور من سلطات، إلى جانب تأكيدات الرئاسة المصرية الدائمة على أهمية مشايخ الأزهر.
«هناك أزمة فى أن تطلب من مؤسسة محافظة أن تثور على ما حافظت عليه لسنوات، وأقصد أن مؤسسة الأزهر تهتم بقضية الحفاظ على ميراث الدين، فمن الصعب أن نطلب من المؤسسة نفسها أن تثور على جزء من هذا الميراث». الحديث لإبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، الذى يرى أن عملية التجديد من وجهة نظره تعتمد بالأساس على مناقشات حرة ومفتوحة، قد يكون للأحزاب السياسية مشاركة فيها بحكم أن الدين فى النهاية هو شأن عام.

ى دراسة له تحت عنوان «التدين الشعبى لفقراء الحضر فى مصر« يضع الباحث عبدالله شلبى أستاذ علم الاجتماع المساعد بكلية التربية فى جامعة عين شمس ثلاثة تصنيفات لأنماط التدين المتداولة فى مصر:
ــ التدين الرسمى:
ويمثل هذا التدين اختيار الدولة لشكل التدين الذى تسعى لتحقيقه، مستخدمة فى ذلك جميع مؤسساتها الرسمية، ويتم استخدام الخطاب الدينى الرسمى كوسيلة للضبط والسيطرة وإضفاء الشرعية على سياساتها، استنادا إلى احتكار النص الدينى واحتكار تأويله. ويوضح الباحث أن الخطاب الدينى للدولة فى هذا النمط، يعتمد على التأكيد والتشديد على نصوص دينية بعينها، أو إهمال نصوص أخرى حتى يبسط نفوذه بإحكام.
ــ التدين السياسى المعارض:
فى هذا النمط يميّز الباحث بين فريقين، الأول يمثل الجزء المعارض من داخل التدين الرسمى، وهم من ينتمون إلى مؤسسات الدولة ويروجون آراء مخالفة لما تتبناه الدولة، أما النمط الثانى فهو نمط التدين الخارج على التدين الرسمى وعلى مؤسسات الدولة، وأكثر من يعبرون عنه أصحاب النزعة الجهادية والانفصالية، حيث تجمعهم تنظيمات تعبر عن قناعاتهم ويتبنون إجراءات لتطبيق تلك القناعات.
ــ التدين الشعبى:
يمثل هذا التدين هروبا من مواجهة واقع اجتماعى شديد القسوة، ومواجهة الظلم الاجتماعى والاستبداد والقهر السياسى، وينشأ هذا النوع من التدين بعيدا عن التعامل التقليدى مع الدين ونصوصه، بل هو قائم على وعى الناس بالماضى القديم الأسطورى وتراكم الطقوس القديمة فى المجتمع.
ويرى الباحث أن التدين الشعبى المصرى، لا يفرق فى جوهره بين المسيحية والإسلام لأنه قائم على بنية اجتماعية وثقافية واحدة، وظروفا تاريخية متشابهة. ويضيف بعض العناصر الجوهرية فى هذا النمط من التدين، منها: الإيمان بالله وبعالم الغيب، والقضاء والقدر، والقسمة والنصيب، والمقدر والمكتوب، والرزق المحدود والمكفول، واليوم الآخر، والبعث والنشور، والحساب والعقاب، والجنة والنار، وتوقير الموتى واحترامهم وزيارة قبورهم.

Friday, November 21, 2014

توبة مسجل خطر .. الوجه الآخر لعالم الجريمة



• قسوة المجتمع ورفاق السوء أهم أسباب العودة إلى طريق الانحراف
• رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائى: يجب تغيير الفلسفة العقابية فى مصر
• اللواء محمد نجيب: معتادو الإجرام ينخرطون فى مظاهرات الإخوان بحثًا عن المال
تلاشت آثار العلامات التى تركتها المشاجرات على وجه رجب السريع، بعد أن أتم عامه الستين، لتحل محلها تجاعيد الشيخوخة، يجلس حيث اعتاد جوار أقفاص الطماطم التى يبيعها فى كشكه الخشبى داخل حى ميت عقبة، بعد أن قضى نصف عمره مطاردا من الأمن كمسجل خطر.
«كنت واحد من الناس اللى بتاخد السكة رايح جاى على السجن». يطلق جملته ثم يتذكر ما ارتكبه فى الماضى، من قتل وسرقة ومشاجرات.
ليس لديه مصدر رزق سوى ذلك الكشك الذى حصل على ترخيصه بمساعدة من وزارة الداخلية ضمن إجراءات الرعاية اللاحقة للمساجين آنذاك، إلى جانب مصادر رزق موسمية كاستئجاره المراجيح فى الأعياد فى ميدان ميت عقبة، وتأجير عربة الكارو للأطفال.
لا يخجل «السريع» الذى اشتهر بهذا اللقب لكونه خفيف الحركة وخفيف اليد، من النبش فى ماضيه، بينما لا يعرف أبناء حى ميت عقبة عنه سوى أنه مسجل تائب.
هرب رجب السريع من مصير حوالى 92 ألف مسجل خطر مقيدين لدى وزارة الداخلية المصرية، حسب دراسة منشورة فى العام 2012 عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، تحت عنوان «المعاملة الجنائية للمسجلين الخطرين».
وينقسم تصنيف المسجلين خطر إلى ثلاث فئات، هى الفئة (أ)، والفئة (ب)، والفئة (جـ)، تبعا لخطورة الجرائم، وكى ينتقل المسجل من فئة إلى الفئة الأقل خطورة، يشترط أن يمر عليه ما بين سنة وثلاث سنوات، دون مزاولة أى نشاط إجرامى، مع الخضوع لكافة إجراءات المراقبة، والحصول على تقارير تفيد حصوله على عمل يتكسب منه، ولا يرفع المسجل خطر من سجلات الخطرين إلا فى حالات الوفاة، أو العجز الكلى، أو التوقف عن نشاطه الاجرامى، مع وجود استثناء أخير فى يد مدير قطاع الأمن العام فى وزارة الداخلية، برفع «مجرم خطر» من السجلات دون الالتزام بالشروط السابقة، إذا أبدى خدمات جليلة للأمن، وهذا حسب اللوائح المنظمة للتعامل مع المسجلين خطر فى وزارة الداخلية المصرية. أما رجب السريع، فقد دخل السجن لأول بعد أن قتل أمين شرطة فى مشاجرة داخل سوق روض الفرج القديم، فى منتصف السبعينيات، ثم انخرط فى عدد من الجرائم بعد أن سلك «كار النشالين» لخفة حركته، وقضى آخر عقوبة فى العام 2004 بتهمة السرقة، ثم أسقط صحيفة سوابقه بعدها، وتم تصنيفه لدى وزارة الداخلية كمسجل تائب، لكن القصة لم تنته، بل ظل تاريخه يلاحقه حتى وقت قريب.
ربما ساعده إسقاط سوابقه فى التخلص مؤقتا من إلحاح رجال المباحث فى استجوابه عن أى واقعة تحدث فى محيط منطقته، وهو العرف السائد فى الاستعانة بالمسجلين خطر كمصادر سرية فى تحرياتهم.
«توقعت مبكرا أن يكون حصولى على الكشك ثمنا فى مقابل التعاون مع رجال المباحث، وتقديم المعلومات فى تحرياتهم، لكنى تمردت على هذه الإجراءات بعد سقوط السوابق عنى، ففوجئت بضباط قسم العجوزة قبل سنة يريدون أن اساعد فى تحرياتهم، وبعد تظلمى أثبتت التحريات أنى مسجل تائب بالفعل، ومتوقف عن النشاط الإجرامى، وأن من حقى أن أعيش حياتى دون أن يستخدمنى أحد لحسابه».
كان انخراطه فى دوائر أصدقاء الجريمة هو ما أسقطه فى السجن كل مرة، حتى اختار اعتزال الإجرام مع وصوله إلى سن الخمسين، بعد تقدم عمره، وعدم قدرته على الاستمرار فى هذا الطريق، وأصبحت غايته الآن هى تعليم أصغر أبنائه وستر حاجة بيته.
العودة إلى الجريمة
ورغم ما يبدو على هذه الإجراءات من سهولة، إلا أن الظروف البائسة تدفع البعض إلى العودة إلى الطريق نفسه من جديد، على سبيل المثال فإن حسام أحمد الشاب ذى السادسة والعشرين سنة، قد تم تصنيفه كمسجل خطر (أ) متعدد الجرائم، بعد أن قضى ما يقرب من ثلاث سنوات فى السجن، على ذمة قضيتى تعاطى المخدرات وبلطجة، الأولى قضى فيها 6 أشهر فى سجن المرج، والثانية 24 شهرا فى سجن الاستئناف؛ لتعديه على أمناء شرطة قسم مصر القديمة حين كان يعمل سائسا لأحد الجراجات، وبعد أن خرج من السجن، لجأ إلى العمل فى المدابغ، حيث لم يسأله أحد عن «صحيفة الحالة الجنائية».
«لما تلاقى نفسك محبوس 6 شهور فى سيجارة حشيش، واللى جنبك بيتاجر فى الصنف وعامل بيزنس، يبقى التجارة أرحم، مادام الحبس واحد.. جوا السجن يا تبقى وحش، يا إما تبقى جبان ومدبوح، أنا طلعت من السجن عايز انتقم من ناس كتير..».
يلخص حسام حكايته فى عبارات عفوية، أثناء حديثه فى منطقة المدابغ، خلف سور مجرى العيون، وسط رائحة فضلات الجلود، والممرات الضيقة المغطاة بمياه صرف المدابغ، حيث يعمل مقابل 50 جنيها فى اليوم، وعليه أن يدبر حاجة أسرته، وحاجة أسرتى شقيقيه اللذين يقضيان عقوبة السجن ثلاث سنوات، وهو ما دفعه إلى قرار آخر، إذ بدأ فى ممارسة نشاط غير مشروع، يراه حلا لأزمته.
وتشير دراسة ميدانية أجريت فى عدد من السجون المصرية للدكتور السيد عوض أستاذ علم الاجتماع فى جامعة جنوب الوادى، أن جرائم المخدرات تحتل المرتبة الأولى فى جميع السجون التى اعتمدت عليها الدراسة، كما تشير الدراسة التى حملت عنوان «جرائم المخدرات بين الرجل والمرأة»، وصدرت عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية فى العام 2011، أن 44.6 % من الذين أجريت عليهم الدراسة، كانوا فى مهن غير مستقرة، فليس هناك عمل ثابت يخشون فقدانه فى حالة القبض عليهم، وأن حوالى 25% من الذين تناولتهم الدراسة، أكدوا أن العائد من ارتكاب جرائم المخدرات يفوق العقوبة عليها.
فوق ذلك فإن شابا مثل حسام المتأرجح بين العمل فى المدابغ واللجوء إلى طريق الاجرام، لم يسلم من محاولات تجنيده كى يصبح مصدرا سريا لدى وزارة الداخلية، وهو ما ابتعد عنه، ولم تحدث عقوبة الحبس تغييرا إيجابيا فى حياة الشاب، فالمجرم الصغير خرج إلى العالم بعد أن تعرف على شرائح أكثر إجراما، وهو ما يصفه فى كلمات تحمل المرارة: «عشت بين 50 سجينا فى مكان يكاد يتسع لعشرين سجينا، وعلى كل فرد أن يحمى نفسه، كى لا يصاب بالأمراض، سواء عبر الاختلاط الجنسى، أو بالعدوى الجلدية، لأنه قد يتعرض للإهمال».
داخل عالم السجن ملامح أخرى للمعيشة، تكشفها مؤشرات دراسة الدكتورة وفاء أبوشهبة عن «المعاملة الجنائية للمسجلين الخطرين»، منها أن حوالى 67% من فئة المسجلين خطر هم فى سن بين 20 ــ 40 سنة، و73% منهم لا يعمل داخل السجون أو يتعلم حرفة جديدة، وأن 82,2% منهم لا يمارسون الرياضة، بينما تصل نسبة الأميين إلى 66,5% من الفئة التى أجريت عليها الدراسة، هذا فى الوقت الذى انتقد فيه تقريرا صدر قبل عدة اشهر، حالة الأوضاع الصحية فى 16 سجنا ومركزا للشرطة، وذكر التقرير الصادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن هناك غيابا لعنصر الصحة النفسية عن منظومة الخدمات الصحية فى أماكن الاحتجاز، وأن التكدس الشديد، وغياب النظافة والصيانة للعنابر والزنازين ودورات المياه، كان لها دور سلبى فى التأثير على صحة السجناء.
فى جانب آخر صرح مصدر مسئول فى قطاع السجون بوزارة الداخلية لـ«الشروق»، أن قطاع السجون يوفر أطباء نفسيين للسجناء، نافيا أن يكون هناك سوء فى الخدمات الصحية التابعة للقطاع، مضيفا: «بالنسبة لفئة المسجلين خطر، فيخضعون لما يخضع له مجتمع السجناء، وهناك فرص للعمل داخل السجن، إذا ما أراد السجين ذلك».
وفى هذه الأجواء تتكرر محاولات إدخال المخدرات إلى داخل السجون، لتلبى احتياجا داخل هذا المجتمع، وهو ما تترصد له الأجهزة الأمنية طوال الوقت، أما ما يصل إلى داخل السجن، فيصبح له تبريرات لدى المتعاطين، بسبب كون بعضهم مدمنين فى الأصل، أو بسبب الفراغ وقلة العمل والرغبة فى النوم، وهو ما كان رصده الدكتور عبدالله غانم أستاذ علم الاجتماع فى دراسة شهيرة تحت عنوان «المخدرات فى السجون».
الدفاع عن المسجلين
وفى دوائر المسجلين خطر، يبرز دور المحامى الذى يتصدى للدفاع عن هذه الفئة، وهو ما يتبناه سيد حنفى المحامى أمام محكمة النقض، وفى مكتبه الذى يقع فى حى مصر القديمة، يجلس متابعا لعدد من ملفات القضايا التى تباشرها النيابة العامة، وتتنوع بين السرقة والبلطجة والمخدرات، لكنه يعلم جيدا المخرج القانونى لكل قضية، وهو ما حقق له شهرة بين معتادى هذا النوع من الجرائم، ويصف ذلك قائلا: «أصبحت أعرف مسار القضية من إجراءات الضبط القضائى، لأنها لا تخلو من الخلل القانونى، لذا أصبح من السهل أن أتوقع ما ستفسر عنه جلسات التحقيق». ولا يجد المحامى الخمسينى غضاضة فى الوصف الذى أطلقه عليه البعض بأنه «محامى المسجلين خطر»، إذ تعتمد عليه شريحة من أبناء منطقة مصر القديمة، فى كثير من قضاياهم.
وبخبرة سنوات قضاها فى الدفاع عن المنتمين لفئة المسجلين خطر يقول: «1 % فقط من المسجلين هم التائبون؛ لكرههم السجن وخوفهم من تكرار التجربة، وتبقى الـ99% ممن تعودوا على السجن والبيزنس والتجارة، ولم يجدوا مفرا من مزاولة الأعمال غير المشروعة»، هذا ما خلص إليه المحامى سيد حنفى فى خضم تعامله مع شريحة المسجلين الخطر.
ثم يضيف بثقة: «وجدت فى ملكاتى القانونية أن أعمل على قضايا المسجلين، لخبرتى فى أحوالهم والإجراءات القانونية المتعلقة بهم».
ويكاد يكون دور هؤلاء المحامين، هو الوسيط بين أبناء هذه الفئة والمؤسسات القضائية والأمنية، بينما يضعف دور الدعم الخارجى فى خارج هذا الأطار. وعن هذه النقطة تحديدا يتحدث محمد زارع، رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائى، بادئا عما وصفه بوجود أزمة فى «الفلسفة العقابية» السائدة فى السجون المصرية، وأنها تتبنى أفكارا قديمة تعتمد على الزجر والتحفظ على المساجين دون حلول جذرية لأزماتهم، بينما تتجه «الفلسفة العقابية» الحديثة إلى إعادة التأهيل من الناحية المهنية والسلوكية، ويعلق على ذلك قائلا: «الأزمة الأكبر أنه لا توجد سلطة رقابية حقيقية على أحوال المساجين أو المفرج عنهم، فحتى زيارات المجلس القومى لحقوق الانسان، تتم بشكل معد سلفا». ويتجاوز الأمر ذلك فى رأيه إلى صعوبة انتقاد أمور مهمة مثل التعديل الأخير فى لائحة السجون»، ويشرح ذلك قائلا: «فى أحد بنود اللائحة تم رفع أجر المسجون إلى 7 جنيهات، كحد أدنى عن عمله اليومى، أو منحه أجرا أعلى مقابل قيامه بأعمال فنية ممتازة أو تحقيقه حجم إنتاج أكبر.. وهذا هذا تطور إيجابى، لكنى أراه مخالفا لما أقرته محكمة القضاء الإدارى بإلزام رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه شهريا، أى ما يوازى 40 جنيها فى مقابل اليوم الواحد».
مخبر سرى
لا يتفق اللواء محمد نجيب، الرئيس الأسبق لمصلحة السجون، مع شهادات السجناء حول طبيعة المعاملة وفشل الدولة فى تأهيلهم داخل السجن وخارجه، إذ يقول إن الدولة تتعامل معهم حسب الإمكانات المتاحة لديها، مُحمِّلا المجتمع مسئولية رفض التعامل مع المسجلين.
«عملية التأهيل تتم عبر مراحل، بدءا من تعليمه الحرف، وتهيئته للعدول عن السلوك الإجرامى، والرعاية الصحية، وتقديم الدعم الاجتماعى للسجين بحالته وأسرته، بل وصرف مكآفات شهرية، كما يتم مراعاة الاعفاء من مصاريف المدارس ورعاية المسجون». على حد قوله.
يعدد نجيب من مراحل التأهيل التى يخضع لها السجين من لحظة دخوله إلى خروجه، ويضيف إلى ذلك دور الرعاية اللاحقة للسجناء عبر وسائل مختلفة منها تيسير فرص العمل ودعم الأسرة وتوفير الضمان الاجتماعى عقب خروجه؛ كى لا يعود إلى الجريمة مرة أخرى.
فى حين لم ينف الرئيس الأسبق لمصلحة السجون اعتماد إدارة البحث الجنائى بوزارة الداخلية على قدامى المسجلين، فى تسهيل اختراق المناطق الشعبية التى تزيد فيها الأعمال الإجرامية، إذ يقول: «الاعتماد عليهم أمر عادى كمخبرين سريين، ضمن مصادر متنوعة تعتمد عليها المباحث، ويسبق ذلك التأكد من حالة المسجل اذا كان منحرفا أم تائبا، ويشترط الا يكون مصدرا أساسيا للضابط».
وفى نقطة أخرى يشير اللواء محمد نجيب إلى استخدام جماعة الاخوان المسلمين مجموعات من المسجلين فى المظاهرات، التى اعتادت تنظيمها منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسى فى يوليو من العام الفائت وما تلاها من تجمعات متناثرة. قائلا: «يوفرون لهم الأجور والوجبات، ويقيم جهد كل فرد منهم على مدى عمله من التخريب والهتافات ورشق المؤسسات».
ورصدت «الشروق» فى لقاءاتها مع عدد من المسجلين الجنائيين، أن بعضهم يبدى فى حديثه عدم الاهتمام بالتخلص من ماضيه فى سجلات الدولة، إلى جانب ما يبدونه من يأس سريع بسبب ما يلاقونه من المجتمع بعد تجربة السجن، هذا ما برز مع محمود ابراهيم، الذى بلغ سن الواحدة والستين دون أن يشغل باله أن يحول «السابقة الجنائية» التى اقترفها إلى «مسجل تائب» فى ملفات وزارة الداخلية، وهو ما يفعله المسجلون بعد التوبة نهائيا، فقد قضى 17 عاما من عمره فى السجن تنفيذا لعقوبة المؤبد الصادرة بحقه فى عام 1972، حين شارك أصدقاءه فى جريمة قتل، وكان عمره لا يتعدى الـ16 سنة، وهكذا ظلت صحيفة حالته الجنائية التى تحمل «سابقة جرائم النفس» مصاحبة للرجل الستينى مثل ظله، ما ساهم فى تعزيز رغبته فى الانزواء عن الحياة الجديدة دون التعرض لماضيه.
وبعد حصوله على ليسانس الآداب أثناء تقضية فترة عقوبته، لم يجد مساندة من أحد، وأصبح يدير محل جوار منزله، لكن ظل العامل النفسى للتجربة متحكما فيه طوال الوقت، إذ يقول «البيئة المحيطة لا تقف فى صفك إطلاقا».
• تم تغيير بعض الأسماء بناء على رغبة المصادر

السجناء ينتظرون مجتمعًا أكثر تسامحًا
كتب ــ عبدالرحمن مصطفى
يرى الدكتور طريف شوقى أستاذ علم النفس الاجتماعى، ونائب رئيس جامعة بنى سويف، أن الأزمة الكبرى التى تواجه السجناء المطلق سراحهم، تتلخص فى حالة الاستبعاد التى يتعرضون لها من المجتمع، وما يعانونه من وصم اجتماعى، ما يدفع بعضهم إلى الاندماج مرة أخرى فى مجتمع الجريمة الذى يرحب بهم من جديد.
«الموضوع ليس له علاقة بمؤسسة السجن فقط، بل فى منظومة كاملة، وأطراف عديدة لابد أن تتعاون من أجل احتواء هذه الشريحة، وخصوصا فئة المسجلين خطر، الذين يحتاجون إلى معاملة خاصة، لإدماجهم فى المجتمع». يتحدث الدكتور طريف شوقى أستاذ علم النفس مشيرا إلى أن مؤسسة السجن لم تعد الحل الناجع أو الوحيد، وكان فى دراسة سابقة له تحت عنوان: «الآثار النفسية للعقوبات سالبة الحرية»، قد أشار مبكرا إلى تأثير الاعتداءات التى يتعرض لها السجين من أقرانه على سلوكه، وكيف قد تقوده إلى ممارسة الشىء نفسه تجاه آخرين.
لذا يشدد أستاذ علم النفس الاجتماعى على ضرورة إعداد السجين لمرحلة ما بعد السجن، بمجرد أن يخطو أولى خطواته داخل السجن.
وتصدت بعض الجمعيات للدخول فى مشروعات تهدف إلى إعادة تأهيل السجناء، ودعمهم بما يكفل لهم إقامة مشروعات صغيرة فى المستقبل، وهو ما تبنته مؤسسة «مصر الخير» فى برتوكول تعاون مع مصلحة السجون بوزارة الداخلية، لهذا الغرض.
«تقوم المؤسسات بالأساس على دعم فئة الغارمين، من الذين أوقعتهم ديونهم فى السجن، وهؤلاء هم الأولى بالرعاية فى المرحلة الحالية». حسبما تذكر هالة السيد المستشار الإعلامي لمؤسسة مصر الخير.
وهنا يبقى السؤال حول فئة المسجلين خطر تحديدا وسبل دعمها، خاصة أن الجهة التى تكاد تكون الوحيدة أمامهم هى إدارة شرطة الرعاية اللاحقة فى وزارة الداخلية، التى تقدم دعما عينيا لأسر السجناء، وتسهل فرص عمل لبعض المفرج عنهم، لكنها فرص لا تكفى لتغطية جميع أعداد المفرج عنهم حديثا، حسبما ذكر عدد منهم، وتحديدا من فئة المسجلين خطر.
وفى تجربة أخرى يروى تفاصيلها أكرم فوزى مدير مؤسسة عبدالله النديم للتنمية فى محافظة المنيا، أنه المؤسسة قد تبنت مشروعا بشراكة مع مديرية أمن المنيا، ووزارة التضامن الاجتماعى، بتمويل من مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية، يستهدف تدريب وتأهيل 150رجلا و150 سيدة من المفرج عنهم من سجن المنيا العمومى، من أجل تعليمهم حرفا يدوية، ثم مساعدتهم فى ترويج منتجاتهم فيما بعد.
«خضنا التجربة من قبل فى مشروعات مشابهة، وكانت التجربة مثمرة، ويبدى المفرج عنهم حديثا استعدادا لتغيير حياتهم، لكننا لا نقدم هذه الفرصة سوى بعد دراسة وافية، واختيار الأنسب منهم للمشروع». هذا ما يصفه مدير المؤسسة. لكن تظل الأزمة فى هذه التجارب، أن فئات أخرى من المفرج عنهم حديثا، تورطوا فى جنايات قتل أو تم تصنيفهم كمسجلين خطر، مازالوا خارج هذه التجارب حتى الآن.

Thursday, July 3, 2014

«طائفية» المالكى تدمر وحدة العراق.. «ملف كامل»



يبدو المشهد السياسى فى العراق متأزما بعد سنوات من سياسات التهميش ضد الطائفة السنية، التى انتهجها رئيس الوزراء العراقى نورى المالكى.
واليوم.. تتصاعد الاحتجاجات ضد استمراره فى الحكم، خاصة بعد إخفاقه فى التصدى لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، الذى أعلن الخلافة الإسلامية أخيرًا، ووسط كل تلك الأجواء، يصر المالكى على تمسكه بالوضع الحالى دون تغيير، وهو ما يهدد وحدة العراق، وفى داخل هذا الملف، تحاول «الشروق» فهم ملامح هذه الأزمة وتعقيداتها المختلفة.

مظالم السُنة واحتجاج العشائر.. بداية الأزمة مع «المالكي»

اقرأ المزيد هنا: http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=03072014&id=38644fb6-0f29-4d27-82fb-c1f1925f4dd4
 مظالم السُنة واحتجاج العشائر.. بداية الأزمة مع «المالكي» 

داعش.. قصة صعود فى أرض الرافدين وحلم «الخلافة»


متهمون بدعم داعش ولا دليل ضدهم

 

هل يتحول العراق إلى ساحة للحرب بالوگالة؟ 

 

بروفايل: أبو بكر البغدادى.. «زعيم داعش.. وأمير المؤمنين»

 

بروفايل: نورى المالكى.. حاكم على حافة الهاوية

 

مكونات الثورة السنية

 

سيناريوهات المستقبـل 


PDF

Wednesday, October 9, 2013

عام جامعى ساخـن..الزمالة أفسدتها السياسة


يعلم أحمد إبراهيم، طالب الفرقة الثانية فى كلية التجارة وعضو حركة 6 إبريل، أنه سيواجه عاما دراسيا مشحونا، بدا ذلك واضحا من حديثه أمام قصر الزعفران، حيث المقر الإدارى لجامعة عين شمس، فعلى بعد أمتار من هذا المكان تكررت المناوشات بين طلاب مؤيدين للرئيس السابق محمد مرسى وآخرين يعلنون تأييدهم للفريق أول عبدالفتاح السيسى. وكانت أعنف تلك المواجهات هى التى جرت فى بداية الأسبوع الثانى من الدراسة، بما أسفرت عنه من خسائر مادية.
«بالطبع سيستغل الأمن هذه الأجواء فى التضييق على النشاط الطلابى، أنا عن نفسى واجهت تضييقا حين حاولت التحرك من كلية لأخرى للتنسيق بين أبناء أسرتنا المركزية، على عكس العام الماضى حين كنا نقيم فعالياتنا بمجرد الإخطار، لقد امتدت تلك الحالة إلى بعض زملائنا فى الاتحادات الطلابية، فهم أيضا يقفون ضدنا ويخشون من أى مسيرة أو فاعلية نقيمها حتى إن كانت لهدف طلابى بحت، خوفا من الاشتباكات».
يتحدث أحمد إبراهيم طالب التجارة ومنسق العمل الجماهيرى فى أسرة «عيون الحرية» بقلق عن أجواء العام الجامعى الجديد، رغم أنه كان محاطا بزملائه أثناء تنظيمهم وقفة احتجاجية فى ذلك اليوم، رفعوا فيها لافتات من نوعية «أول محاضرة هنا فى الجامعة، أنا مش ههتف سيسى ورابعة» و«هاتوا اخواتنا من الزنازين». ومع الوقت ازداد قلقهم بشكل واضح، خشية أن تتسبب وقفتهم فى اشتباكات جديدة، إذ أصبح الصوت الأعلى داخل الجامعة لطلاب آخرين.. فى تلك اللحظة، تبادلوا عبارات مثل «الاخوان هيعملوا مسيرة دلوقت، كفاية كده يا شباب، بلاش نكلم حد تانى من زمايلنا»، وتنتهى الوقفة سريعا، ومن بعيد يظهر صوت هتاف آخر «يسقط حكم العسكر»، قادم من وقفة احتجاجية نظمها «طلاب ضد الانقلاب» الموالين للرئيس السابق محمد مرسى.
ينتمى أحمد إبراهيم وزملاؤه إلى كيان رمزى تحت اسم «طلاب تنسيقية يناير»، يضم فى داخله طلابا من حركات «6 إبريل» التى ينتمى إليها أحمد، إلى جانب حركتى «مصر القوية» و«مقاومة». ويعترف أغلب أبناء هذه الشريحة المحسوبة على الحركات السياسية والثورية أنهم فى مأزق، إذ أن الاحتجاجات قد ازدادت كثافتها من طلبة الإخوان المسلمين وزملائهم الرافضين لـ 30 يونيو، وكثيرا ما يختلط الأمر على بقية الطلاب.. يشرح أحمد قائلا: «على سبيل المثال نحن نرفع شعارات ضد اعتقال الطلاب لأى سبب سياسى، ونطالب الافراج عن المعتقلين، وقد يتشابه ذلك مع بعض مطالب مؤيدى مرسى الذين يدافعون عن معتقليهم، والمأزق أننا لا نريد أن نحسب على أحد، ولا نريد أن نواجه بمن يتشاجر معنا ظنا أننا تابعون للإخوان».
من يمكنه أن يعتدى على مسيرة «لطلاب ضد الانقلاب»؟ ولماذا يخشى بعض طلبة القوى السياسية من اتساع دائرة العنف داخل الجامعة؟ الاجابة كما يرويها عدد من طلاب القوى السياسية ينتمون إلى 6 إبريل وحزب الدستور والاشتراكيين الثوريين، أن هناك مجموعات من الطلبة، وخاصة فى الكليات النظرية مثل تجارة وآداب وحقوق، ورثوا أسرا طلابية كانت تخدم النظام القديم فى عهد مبارك وذات صلة بالأجهزة الأمنية. هؤلاء الطلاب ما زالوا يديرونها بنفس الفكر الذى يخدم سلطة إدارة الجامعة، فهم اعتادوا تأييد مبارك فى الماضى ضد المعارضين، واليوم يطمحون أن يكون الفريق عبدالفتاح السيسى محل مبارك وتعود الأجواء إلى العام 2010 مرة أخرى. يصف الاعلام هؤلاء الطلاب «بمؤيدى السيسى»، لكن هذه الكتلة الطلابية الموالية لإدارة الجامعة، والتى اعتادت إسكات المعارضة داخل الجامعة أحيانا ما تجذب إليها طلبة عاديين فتتسع دائرة القتال.
صور السيسى ومرسى ممنوعة
فى الطريق من قصر الزعفران إلى كلية الحقوق فى جامعة عين شمس، أعلنت بعض الأسر الطلابية عن نفسها عبر مكبرات الصوت، وعبر الغناء والصخب، وأحيانا ما تتحول مكبرات الصوت إلى وسيلة أخرى للاشتباك، كأن تذيع إحدى الأسر الطلابية أغنية «تسلم الأيادي» فى مواجهة مسيرة إخوانية، لذا أصدرت إدارة الجامعة مؤخرا تعليمات بمنع استخدام مكبرات الصوت ومنع دخول صور كل من الفريق أول عبدالفتاح السيسى، والرئيس السابق محمد مرسى إلى الحرم الجامعى.
فى العام الجامعى الماضى تم حل أسرة «نيو فيجن» فى كلية حقوق عين شمس، إحدى أقدم الأسر التى تعبر عن النظام الجامعى القديم، حين كانت هناك تدخلات أمنية شديدة فى الجامعة أثناء حكم مبارك. وجاء قرار الحل بعد معركة شرسة بين طلبة القوى السياسية ومشاغبين من هذه الأسرة، واختفت بعض هذه الوجوه من المشهد، لكن مع بدء العام الدراسى الحالى ووقوع اشتباكات فى الأسبوع الثانى من الدراسة داخل جامعة عين شمس، عاد الحديث عن طلبة «نيو فيجن» التى انقسمت بعد حلها إلى أسرتين إحداهما تحت اسم أسرة «فيسبوك».
«نعم، كانت هناك عناصر مشاغبة فى أسرة «نيو فيجن» القديمة ذات السمعة السيئة، لكن بعد حل الأسرة فى إبريل الماضى أسسنا أسرة جديدة بعض أعضائها من «نيو فيجن» القديمة وآخرون اتجهوا إلى أسرة أخرى باسم «تحدي». الحديث هنا لأسامة مصطفى، طالب الفرقة الرابعة ونائب الأخ الأكبر داخل الأسرة، عاش الحياة الجامعية داخل جامعة عين شمس منذ العام 2009، وحين يتم سؤاله عن فترة قبل ثورة 25 يناير، يجيب بوضوح: «هذه أيام لن تعود، كان الأمن متدخلا فى كل حركة داخل الجامعة، وكان المقربون من الحزب الوطنى هم الأفضل فى الوصول إلى كراسى الاتحاد، والحصول على خدمات للطلبة». يتحدث أسامة وحوله طلبة ما زالوا فى السنة الأولى فى الجامعة، لم يروا تلك المرحلة، لذا هو يرفض بشدة أن يتهم هو أو أسرته الجديدة أنهم امتداد للفلول والنظام القديم فى الجامعة، لكن لماذا دار الصدام العنيف بين طلاب وصفوا بأنهم «مؤيدو السيسي»، ضد طلبة موالين للرئيس السابق محمد مرسى؟ يجيب أسامة «الصراع القديم بين الأسرة المنحلة والإخوان ليس هو السبب. هناك طلبة مشاغبون فى الجامعة سواء كانوا معنا فى أسرة (نيو فيجن) القديمة أو لا».
على أرض الواقع فإن لجوء الطلبة المعادين للإخوان المسلمين بالزجاجات الفارغة وملصقات «السيسي»، يكشف عن استعداد سابق، كما أن تكرار هذه الحوادث يكشف عن نية لممارسة شريحة من الطلاب ذلك الدور القديم فى قمع المعارضة السياسية داخل الجامعة.
ويكشف تقرير «مؤشر الديمقراطية»، الصادر عن المركز التنموى الدولى، أن الأسبوع الأول من الدراسة فى الجامعات شهد 146 احتجاجا، وتصدرت جامعتا القاهرة وعين شمس عدد الاحتجاجات، وأشار التقرير إلى أن 60% من أسباب الاحتجاج كانت سياسية.

عنف كرة الثلج
توضح الأرقام ازدياد نسبة الاحتجاجات داخل جامعتى القاهرة وعين شمس حيث تتشابه الملامح قليلا، فى تكرار المناوشات بين «طلاب ضد الانقلاب» والطلبة المؤيدين للفريق السيسى، مثلما حدث فى كلية التجارة بجامعة القاهرة، عندئذ تطور الأمر إلى تحد بين اتحاد الطلبة بكلية التجارة الذى يسعى لإقالة عميد الكلية، وفى الطرف الآخر يدافع طلاب الاخوان المسلمون عن العميد بضراوة. يقول أحمد عبدالعال، رئيس اتحاد الطلبة فى كلية التجارة بجامعة القاهرة: «يشيع الطلاب الإخوان أن من يخرجون بصور السيسى هم من الطلبة الفلول وعملاء أمن الدولة أو إدارة الجامعة، وهذا غير حقيقى، هؤلاء طلبة مدرجات، وليسوا دخلاء على الجامعة.. وهذا حقهم فى التعبير عن رأيهم، المشكلة التى نواجهها هى تحول الأمر إلى العنف، لذا يعمل الاتحاد على الابتعاد عن فعاليات الإخوان قدر الإمكان». وحتى الآن ينحصر الصراع ــ حسبما تشير الحوادث المتكررة ــ بين طلبة الإخوان المسلمين أو حركة «طلاب ضد الانقلاب» المؤيدة للرئيس السابق، وفى الطرف الآخر من المواجهة «مؤيدو السيسي»، وهؤلاء هم خليط من طلاب مستقلين وطلاب ينتمون إلى «أسر طلابية قديمة تعيش بعقلية النظام الجامعى أيام مبارك، يمجدون الحاكم تقربا من مكتب رعاية الشباب التى اعتادت على هذه الشريحة من الطلبة»، على حد وصف سيد عبدالرحمن ــ عضو حزب الدستور والعضو السابق فى أسرة «الميدان» بكلية التجارة فى جامعة القاهرة.
أما الوضع، كما يصفه رئيس اتحاد كلية التجارة بجامعة القاهرة، فهو شبيه بكرة الثلج التى تتدحرج فيتسع قطرها، قد تبدأ مسيرة بثلاثة أفراد، ثم تنتهى إلى اشتباكات واسعة، وهو ما يؤكد أن طلبة هذا العام مقبلون على عام دراسى ساخن.
.
معتقلون فى انتظار المساندة
.
أنس سلام وفاطمة رجب يخدمان القضية نفسها، وهى مناصرة الطلبة المعتقلين بهدف تسهيل خروجهم ومتابعة دراستهم الجامعية، وبينما كان أنس سلام ــ نائب رئيس اتحاد طلاب جامعة قناة السويس ــ أحد أولئك الشباب الذين قضوا أسابيع فى اعتصام رابعة العدوية، فإن فاطمة رجب ــ أمين اللجنة السياسية والثقافية باتحاد طلاب جامعة القاهرة ــ قد اختارت دعم قضية المعتقلين رغم اختلافها فكريا معهم، إذ ينتمى أغلبهم إلى أنصار الرئيس السابق محمد مرسى.
يعمل أنس بشكل فردى تماما، وقد خصص مساحات دائمة من وقته لتوثيق أسماء المعتقلين والمتوفين منذ فض اعتصامى رابعة العدوية ونهضة مصر، وهو مستمر فى مهمته حتى الآن، رغم ازدياد أعداد المعتقلين والقتلى بعد كل اشتباك.
«الحقيقة أنا أعتمد على علاقاتى مع القواعد والأسر الطلابية، وهناك من يتعاون معى من طلبة الاتحادات فى مختلف جامعات مصر، ولا أعتمد بشكل مباشر على دعم المراكز الحقوقية». يستطيع أنس أن يوثق تلك الأرقام منفردا بمساعدة أصدقائه، مستغلا قدرته على الوصول السريع إلى الطرف الأكثر تضررا من أبناء جماعة الإخوان والمتضامنين معهم، رغم تأكيده على حياده وأنه ليس جزءا من حركة «طلاب ضد الانقلاب».
تشير آخر التقديرات أن عدد الطلاب المعتقلين يتجاوز المائة طالب، ويزداد الرقم مع تجدد أحداث العنف، وتكمن صعوبة حقيقية فى رصد من تم الافراج عنهم، بسبب تعنت الأجهزة الأمنية أحيانا، على حد قوله.
يرى أنس سلام أن من حق حركة مثل «طلاب ضد الانقلاب» المعادية لكافة إجراءات ما بعد 30 يونيو أن تعبر عن رأيها، ما أن من حقهم الدفاع عن زملائهم دون تضييق. وعلى الجانب الآخر ترى فاطمة رجب، بحكم تواجدها فى جامعة القاهرة الأنشط فى العمل على ملف المعتقلين، أن كثافة الاحتجاجات التى تتبناها حركة مثل «طلاب ضد الانقلاب» تمثل عبئا ثقيلا على أزمة الطلاب، إذ تكتفى تلك المسيرات بالصخب دون الاحتكاك المباشر مع المسئولين والتفاوض معهم. وتعلق على ذلك قائلة: «تحدثت مع بعضهم فى الجامعة، وحاولت توضيح وجهة نظرى فى أن هذا العمل الاحتجاجى الذى يتسبب أحيانا فى اشتباكات مع بقية الطلاب لن يخدم القضية، ويمثل تشويشا عليها، فى حين أننا داخل اتحاد طلاب مصر واتحاد جامعة القاهرة نمارس ضغطا على الادارة الجامعية، والمسئولين خارجها مثل وزير الداخلية أو النائب العام».
تلك المحاولات التى تشرحها فاطمة، لا يصاحبها مبادرات واضحة المعالم بين الطلاب أنفسهم من أجل خدمة هذه القضية، أو على حد قولها: «الأزمة أن هذه القضية مسيسة تماما، فالطلاب الإخوان ومؤيدوهم قد اعتنقوا فكرة التظاهر، أما القيادات الطلابية من الطرف الآخر فأحيانا ما نسمع منهم عبارات مثل: ليأخذ القانون مجراه، دون أن يدافع عن زملائه، ويظهر هذا واضحا حين يجتمع الطرفان فى أى مبادرة، فنجد اتهامات متبادلة وأجواء مشحونة دون فائدة».
فى خلفية كل هذه المحاولات التى تبدو فردية أحيانا، وفى حالات أخرى ترعاها إدارة الجامعة، يبدو واضحا تأثير الانشقاق الذى أصاب المكتب التنفيذى لاتحاد طلاب مصر، حين صدر قرار بفصل خمسة أعضاء مؤيدين للرئيس السابق محمد مرسى، ظهروا فى وقت سابق على منصة رابعة العدوية، وتحدثوا باسم الاتحاد ودعم الرئيس المعزول.
على سبيل المثال تلقى أنس سلام إخطارا بتحويله للتحقيق، وإسقاط عضويته فى اتحاد طلاب مصر، لكنه يرفض هذا القرار، فهل تؤثر هذه الأجواء بشكل مباشر على خدمة قضية المعتقلين؟ إجابة أنس: «هناك تقصير فى مثل هذا النوع من التنسيق، لكن السبب الرئيسى أن الطلبة يرون أن الرافضين لـ 30 يونيو هم فقط من الإخوان، وأنا أرى أن هناك شريحة أكبر ترى هذا التاريخ بداية لانقلاب عسكرى».
الصورة ليست تعيسة كما تبدو، إذ تبنت إدارة جامعة القاهرة فى وقت سابق هذه القضية، وكذلك فعلت جامعة الأزهر، إذ أعلن الدكتور أسامة العبد ــ رئيس جامعة الأزهر ــ عن تشكيل لجنة للدفاع عن طلابها المعتقلين فى أحداث سياسية، رغم أن الدراسة لم تبدأ بعد فى جامعة الأزهر.
وتختم فاطمة رجب حديثها: «بإمكانك أن تنجح فى تحسين وضع زملائك داخل السجون بعد زيارة إلى وزير الداخلية، أو أن تنجح فى متابعة حالاتهم وتوفير فرصة لطالب ينتظر الامتحان، لماذا نخسر مثل هذه الفرصة؟». حتى الآن ليس هناك جهد موحد لنفس القضية، بل ما زال كل يعمل بطريقته.
.
 خريطة المستقبل للانتخابات الطلابية
.
تكشف نتائج انتخابات الاتحادات الطلابية بالجامعات فى العام الماضى عن ثلاث كتل رئيسية هى التى تتصدر المشهد، وتنقسم بين «مستقلين»، و«إخوان مسلمين وأنصارهم»، و«تيارات سياسية وقوى ثورية». وحتى هذه اللحظة لم تطرأ تغييرات على هذه الاتحادات، عدا ما تعرض له بعض طلبة الإخوان المسلمين من فصل وتحقيقات إدارية. وفى الوقت الذى يجرى فيه العمل على تعديل اللائحة الطلابية تمهيدا لإقامة انتخابات طلابية قريبا، فإن موقف طلبة الإخوان المسلمين يبدو فى وضع أسوأ من العام الماضى. على سبيل المثال صدر العام الماضى تقرير من «مؤسسة حرية الفكر والتعبير» تحت عنوان «تراجع الإخوان وصعود قوى طلابية جديدة حول الانتخابات الطلابية 2013»، أشار التقرير إلى تراجع كبير وغير متوقع لطلاب الإخوان المسلمين فى نتائج الانتخابات النهائية، وتقدم الطلاب المستقلون وطلاب القوى السياسية عليهم، أما الآن فإن عددا من القيادات الطلابية الإخوانية قد تعرض للاعتقال وآخرون اندمجوا فى حركة «طلاب ضد الانقلاب»، ما قد يجعل كتلة الإخوان وأنصارهم خارج المنافسة تماما.
«لو أجريت الانتخابات الجامعية الآن سيواجه طلبة الإخوان المسلمين وأنصارهم أزمة حقيقية، ومن الواضح أن المنافسة القادمة ستكون بين المستقلين وتيار القوى السياسية». التحليل هنا لمحمد ناجى محمد ناجى، الباحـــــــــث ببرنامـــــــــج الحــــــــرية الأكاديمية بمؤسسة الحرية الفكر والتعبير». ويصف ناجى مصطلح «الطلاب المستقلين» بأنه غير دقيق، فهذه الشريحة ليست مستقلة تماما، إذ أنها أحيانا ما تدخل فى تحالفات سواء مع التيار الإسلامى أو مع الحركات السياسية. كذلك فإن هناك شريحة تنتمى إلى أسر طلابية ذات سمعة سيئة معروفة بصلاتها الأمنية خلال فترة حكم مبارك، وهى نفسها الشريحة التى تصف نفسها بأنها مستقلة، لكن لها حسابات مع إدارة الجامعة وشديدة الصدام مع الطلبة المسيسين. ويستكمل محمد ناجى قائلا: «نتوقع استبعادا سيحدث لطلبة الإخوان المسلمين تحت دعوى الخروج على السلوك القويم، أو بسبب تعرض قياداتهم الطلابية للتحقيق أو الاعتقال، وربما يكون ذلك أيضا حسب اللائحة الطلابية».
ووفقا للخطة المعلنة فإن اللائحة الطلابية سيتم الانتهاء منها فى شهر أكتوبر الحالى، على أن تجرى الانتخابات الطلابية فى شهر نوفمبر المقبل، غير أن عددا من القيادات الطلابية قد توقع أن يتم تأجيل الانتخابات حتى تهدأ الجامعات من الاشتباكات.
وسط هذا المشهد فإن الطلبة المحسوبين على الحركات السياسية والثورية، سيواجهون معركة صعبة فى الانتخابات المقبلة أيا كان موعدها، إذ يعيش بعضهم حالة من العجز عن المشاركة الكاملة فى الجامعة بسبب التوترات المتتالية، وحتى إذا ما تبنوا قضايا مثل مساندة الطلبة المعتقلين، ورفض التدخلات الأمنية فى الحياة الجامعية فإنهم قد يواجهون باتهامات بأنهم موالون لطلبة الإخوان المسلمين، ويتم تصنيفهم فى معسكر واحد مع طلبة الإخوان.
يختم الباحث محمد ناجى قائلا: «المهرب الوحيد أمام القوى السياسية فى الجامعات أن يركزوا على القضايا الطلابية البحتة، مثل دعم طلبة المدن الجامعية فى مشاكلهم المتكررة، أو مواجهة ازدياد مصروفات بعض الكليات وغيرها من المطالب، وهذا ما يعمل عليه بعضهم الآن».

Thursday, September 12, 2013

امسح وهكتب تانى .. نزاعات تسجلها جدران الشوارع

لم يعد أحد يتذكر متى كتبت تلك العبارات على جدران مسجد حسان بن ثابت، المجاور لقصر القبة الجمهورى، فقد اعتادوا رؤيتها يوميا منذ 17 رمضان الماضى حين خرجت مظاهرات حاشدة للإسلاميين فى ذلك اليوم، من كتبها تحديدا ؟ «الجماعة السنِّية هما اللى كتبوها» هذا أقصى ما يقدمه الباعة المستندون بظهورهم إلى نفس الجدار، أما الكتابات نفسها فتستهدف الاساءة إلى الفريق عبد الفتاح السيسى، وزير الدفاع، وتمجيد الرئيس المعزول محمد مرسى، لكن كان هناك من له رأى آخر.. إذ قرر أحدهم مؤخرا تغيير المشهد قليلا، وجاء بدهان (رش) وشطب الاساءات الموجهة إلى الفريق السيسى باللون الأسود، ثم كتب تحتها عبارات دعم وتأييد له.
على بعد حوالى 200 متر من هذا المشهد يقع قصر القبة الجمهورى الذى تم طلاء جدرانه مؤخرا لإزالة الكتابات المسيئة من النوعية نفسها، وفى الجهة المقابلة للبوابة الرئيسية يتوزع عدد من عمال هيئة نظافة وتجميل القاهرة، بعضهم اعتاد على هذه المهمة منذ فترة: «أساس عملنا هو الجانب الميدانى، لذا نرصد بسهولة بعض الكتابات المسيئة والبذيئة على جدران منشآت عامة مثل القصر الجمهورى بالقبة، ومهمتنا إزالة تلك الكتابات». يعلق المهندس عمر منير ــ مدير فرع هيئة نظافة وتجميل القاهرة بحدائق القبة ــ على تلك الكتابات، حيث يقع مكتبه على مسافة غير بعيدة من رسومات جرافيتى على سور مترو الأنفاق المواجه لقصر القبة، ما زالت كما هى دون إزالة. ويقول رئيس هيئة نظافة وتجميل القاهرة، المهندس حافظ السعيد: «تعرضنا لانتقادات حين أزيلت رسومات الجرافيتى فى شارع محمد محمود العام الماضى، أما الآن فنحن لا نزيل رسومات الجرافيتى الفنية، إنما نزيل كتابات مهينة او بذيئة من على الجدران، أيا كان من يكتبها».
بعض المشاكل التى تواجه العاملين فى هيئة النظافة تزداد حين تكون تلك الكتابات فوق تمثال أو مبنى ذى طابع أثرى، حيث يتم إشراك أثريين وفنيين متخصصين فى مثل تلك الحالات.
ما زال السؤال مستمرا حول من يكتبون عبارات اعتادتها الأعين مثل : «CC قاتل»، أو «مرسى هو رئيسي». بعض هؤلاء كانوا يستغلون خروج المسيرات المؤيدة للرئيس السابق ويقومون بطلاء الكتابات السابقة على 30 يونيو بطلاء أبيض، ثم يكتبون فوقها كتابات جديدة تستهدف الفريق أول عبدالفتاح السيسى أو تأييد الرئيس السابق محمد مرسى. وبعيدا عن هؤلاء فهناك مجموعات شبابية تكونت فى اعتصامى رابعة العدوية ونهضة مصر، ونشطت مؤخرا بعد فض هذين الاعتصامين. من هذه المجموعات «حركة شباب 18» التى كانت قد اختارت أن تقيم أغلب فعالياتها داخل مترو الأنفاق، ويترك أعضاء الحركة خلفهم أحيانا كتابات على الجدران مثل : «لا للانقلاب»، أو «يسقط حكم العسكر»، وكتابات أخرى ضد الفريق عبدالفتاح السيسى أو رسم لكف رابعة الشهير. مؤسس هذه الحركة شاب فى الثانية والعشرين اسمه عبد الرحمن عاطف، تعرض للاعتقال قبل أيام أثناء وقفة كانت تجهزها الحركة داخل مترو الأنفاق، ثم أخلى سبيله، وذكر وقتها أن كتابات الحركة تستهدف فئات محددة، مثل قادة الجيش الذين يرى أنصار الرئيس السابق أنهم قاموا بانقلاب على الشرعية، كما تستهدف الرموز الوطنية التى شاركت فى دعم 30 يونيو، وقال : «نعم.. بعض الكتابات أو الشعارات تعتبر بالفعل إساءة، ولكن يجب أن نراها من وجهة نظر أخرى، هى وجهة نظر بعض الشباب المتحمس الذى يعبر عن غضبه بهذه الوسيلة». هذه بعض كلمات عبدالرحمن عارف مؤسس «حركة شباب 18» التى عاش أعضاؤها أجواء اعتصام رابعة وصعدوا على منصة اعتصام نهضة مصر قبل فضه بأيام.

سياسة وطائفية
أحيانا ما تتعدى الكتابات حد الاتهامات أو الانتقادات إلى السب أو التحريض، هذا ما تكرر على جدران الكثير من الكنائس التى تلقت نصيبا من كتابات طائفية على جدرانها. على سبيل المثال تعرضت كنيسة سانت فاتيما فى مصر الجديدة لكتابات طائفية، وتداول مستخدمو الانترنت صورا من قاموا بتشويهها على أمل القبض عليهم، وسجلت بعدها بيوم واحد نيرمين نجيب، إحدى رواد هذه الكنيسة شهادة لها تداولها آلاف من مستخدمى الانترنت ذكرت فيها : «دخلت الكنيسة وأنا حزينة على ما وصلنا إليه، وصليت إلى ربى من قلبى لمصر.. وبعد انتهاء الصلاة خرجت لأجد فتاة محجبة تدهن سور كنيستي!».
كان هذا هو الحل الوحيد الذى قدمته إحدى فتيات مصر الجديدة لمواجهة الموقف، بأن تعيد طلاء السور مرة أخرى لإزالة الكتابات الطائفية أو المسيئة.
«لا يمكن أن يدخل ما يحدث من تشويه الجدران الذى يتخذه الاسلاميون فى مقارنة مع رسومات الجرافيتى التى كنا نراها فى شارع محمد محمود، وغيره من الأماكن، فما يحدث الآن هو مجرد كتابات خالية من أى إبداع». هذا الرأى يتبناه الكاتب والفنان شريف عبدالمجيد الذى قضى شهورا من العام 2011 فى دراسة وتوثيق الجرافيتى بمصر، وجمع ذلك فى كتابين، ويستعد لإنتاج الثالث عن الجرافيتى قبل 30 يونيو. وفى رحلته لفتت نظره حالات النزاع التى كانت تنشب على الجدران، واتخذت شكلا تدريجيا بين جرافيتى فنى يبدعه شباب ذوو صلة بالثورة، وبين محاولات الطمس التى تبناها الاسلاميون، إذ يشرح شريف عبدالمجيد أن البدايات الأولى كانت فى مدينة الاسكندرية، حين بدأ بعض الشباب الاسلامى فى الكتابة على المربعات الخرسانية المتواجدة قرب البحر، فى عبارات مثل «أترضاه لأختك» و«جمالك فى عفافك».. وكان بعض المارة يكتبون ردودا ساخرة على هذه العبارات، ومع الوقت ازدادت مساحة الاشتباك حين كان بدأ الاسلاميون ــ حسبما يصف شريف عبدالمجيد ــ فى كتابة عبارات مجاورة للجرافيتى مثل «و ما النصر إلا من عند الله»، بينما كانت المرحلة الأخيرة هى مرحلة الاشتباك الكامل. حين تقدم الاسلاميون إلى شارع محمد محمود وطمسوا بعض الرسومات ووضعوا «شعار القاعدة» على جرافيتى شهير هناك.
«الحرب كانت تدريجية على الجدران»، حسبما يرى شريف عبدالمجيد. وهو يلخص الفرق بين ما يكتبه مؤيدو الرئيس السابق وبين ما يبدعه رسامو الجرافيتى فى قوله: «كان رسامو الجرافيتى يكتبون طوال الوقت، امسح وهارسم تانى، بينما يكتب الاخوان الآن: امسح وهاكتب تانى، فالموضوع بالنسبة لهم مجرد كتابة على الجدران، وليست رسما أو إبداعا».
بعض المجموعات المحسوبة على التيار الاسلامى تركت رسومات للجرافيتى فى عدة أماكن، ولها طابع قريب من جرافيتى مجموعات الألتراس الرياضية، مثل حركة «أحرار» التى ما زالت رسوماتها متاحة فى عدة أماكن حتى يومنا هذا.

من الشعب وإلى الشعب
هل المستقبل فى المرحلة القادمة لجدران تحمل كتابات حادة تتم إزالتها كل فترة، مقابل انسحاب رسومات الجرافيتى الفنية؟ بعض الفنانين تحدثوا فى الفترة الماضية بعد 30 يونيو عن أن الجرافيتى فن مرتبط بالأزمات، وآخرون رأوا أن هناك حالة انسحاب للجرافيتى الفنى بسبب ارتباك الرؤية الحالية.
«لم ننسحب من العمل، لكن ربما نريد الظهور بصورة جديدة كفنانين فى المرحلة القادمة»، هذا ما يقوله رسام الجرافيتى الفنان عمار أبو بكر فى تعليقه عن ضعف حركة الجرافيتى فى الفترة الماضية لصالح جدران داعمة للرئيس السابق محمد مرسى. ويضيف أن ما يراه من عبارات حادة أو عفوية على الجدران من أبناء التيار الاسلامى أو مؤيدى الرئيس السابق هى أيضا «جرافيتي»، ويشرح ذلك قائلا: «كانت هناك كتابات شبيهة قبل 30 يونيو مثل «الإخوان خرفان» وغيرها من العبارات التى يمكن للبعض اعتبارها مسيئة، لكن فى النهاية الجرافيتى هو استخدام الجدران من الشعب وإلى الشعب، بأدوات المواطنين على اختلاف أفكارهم، كما أن الكتابة بهذه الصورة فعل تلقائى يكشف صاحبها أمام الجميع».
من وجهة نظر عمار أبو بكر، الذى اشتهر بالعمل مع مجموعات الشباب على رسم الجرافيتى فى شارع محمد محمود، أن استغلال الجدران بهذا الشكل هو امتداد لمحاولة السطو على الثورة ومحاولات استخدام أدواتها وشعاراتها. وهو ما اتضح بشكل كبير فى استخدام اللونين الأصفر والأسود الذى كان يستخدم فى شعارات حملة «لا للمحاكمات العسكرية»، وإعادة استخدامه فى شعار «كف رابعة».
لا يقلق عمار ورفاقه من شدة القبضة الأمنية فى الفترة الحالية، إذ أنهم يعتنقون فكرة غايتها أن الجرافيتى هو إبداع الناس وبأدواتهم، وحتى إن تمت إزالته ففى النهاية ستكون الرسالة قد وصلت، أما أكثر ما يطمئنهم هو أنهم لم يؤيدوا مرسى فى يوم من الأيام، ولم يدعموا 30 يونيو، ليكونوا أحرارا من أى أعباء أو انحياز.

Thursday, May 23, 2013

فى عالم الشباب.. لايأس مع الغناء.. ولا غناء بدون سياسة

 «احنا الصوت ساعة لما تحبوا الدنيا سكوت».. جملة تحولت إلى جرافيتى وهتاف وأغنية !

  الألتراس الغنائى.. آخر تجليات الثورة

عبد الرحمن مصطفى:
حين دشن الشاب إسلام عثمان صفحة ألتراس فريق كايروكى الغنائى U.C Ultras Cairokee قبل أسابيع، اكتشف هو وزملاؤه أن هناك عدة صفحات بالاسم نفسه، لكنهم اختاروا طريقا آخر يميز صفحتهم، وهو نقل عملهم من الانترنت إلى الأرض، والتعبير عن إيمانهم بفريقهم الغنائى على طريقة الألتراس الرياضى.
«ببساطة اجتمعنا كمؤسسين للصفحة مع بعض الأعضاء، وقررنا طباعة قمصان عليها كلمات أشهر أغنيات فريق كايروكى، على أن يكون هدفنا هو تكوين تجمع يشبه الألتراس، لكن دون إطلاق شماريخ أو صدامات من أى نوع».
 تلك التجربة التى يشرحها إسلام عثمان، أحد مديرى الصفحة، تعكس ذوبان العديد من التجارب والأفكار فى نموذج واحد، فقبل الثورة كان العالم السفلى (الأندرجراوند) فى الغناء أو التشجيع الرياضى أو الحركات السياسية يكافح من أجل موضع قدم حسب قواعد فرضها النظام السابق، لكن تلك المساحات تداخلت معا الآن بين السياسة والموسيقى والتشجيع الرياضى، وأصبح صخب الحفلات يشبه صخب المظاهرات، ومن هنا تبدأ تجربة جديدة هى الألتراس الغنائى، كنموذج لتلك الحالة.
 فى حفلة فريق كايروكى الأخيرة بساقية الصاوى فى الزمالك، ارتدى الشباب تيشيرتات عليها: احنا الصوت ساعة اما تحبوا الدنيا سكوت. هى نفس الكلمات التى كتبها الشاعر عبدالرحمن الأبنودى فى قصيدة «الأحزان العادية» التى منعت من الإذاعة قبل أكثر من 30 سنة، وأعادت فرقة كايروكى إحياءها فى أغنية: «إحنا الشعب»، وفى الحفلة الأخيرة طبعت تلك الكلمات على قمصان هؤلاء الشباب الذين مازالوا يرون أنهم فى أجواء عالم الهامش الذى لم يسود بعد.
 ينشط مع إسلام عثمان فى إدارة الصفحة زميله عبدالرحمن سعيد ــ فى كلية التكنولوجيا بجامعة حلوان ــ الذى تخطى حاجز الإعجاب بالفريق الغنائى إلى محاولة العزف على آلة الكمان حبا فى موسيقى الفريق الذى يطمح أن يكون عازفا فيه فى يوم من الأيام.
 لذا ليس غريبا أن يكون هو نفسه متطوعا فى مشروع «بيت الرصيف بالمعادي» حتى يظل فى دائرة الفرق الغنائية الشابة التى تنتمى للتيار نفسه ، ويعلق قائلا: «أغانى العالم السفلى (الأندرجراوند) تعبر عن قناعات وأسلوب حياة كامل، هى فن التعبير عن الواقع والغضب والطموحات، بعيدا عن زيف ما يقدمه الغناء التقليدى من موضوعات مستهلكة».
 ذلك الصراع من أجل التغيير فى الموسيقى والتشجيع الرياضى والواقع السياسى يمتزج تماما لدى شريحة الشباب الوافدة على هذا النوع من الحفلات، فإسلام عثمان احتك بألتراس الوايت نايتس، وهى رابطة من مشجعى النادى الزمالك، واقترب من أسلوب فرحتهم، وأدرك مع زملائه صخب المظاهرات وهتافات التغيير، لذا كانت المحصلة إظهار التقدير لفريقهم الغنائى بأسلوب جديد.
 هذه الملامح لا تفاجئ آخرين عاشوا وسط هذا العالم لسنوات طويلة من قبل الثورة، وما زالوا على صلة بكثير من الفرق الشبابية التى خرجت من هذه الثقافة، أحد هؤلاء هو عصام نصر مدير إحدى شركات إدارة حفلات كما يدير أعمال بعض الفرق الغنائية المستقلة، و هو يعلق قائلا: «أعرف بعض الفرق التى دخلت إلى مجال الموسيقى وحققوا حضورا ملموسا، بسبب تأثرهم ببعض الفرق الشهيرة مثل وسط البلد، مسار إجبارى، وبلاك تيما، وغيرهم، لقد كانوا جزءا من جمهور حفلات تلك الفرق الكبيرة».
 هذه العبارة المتفائلة تخفى وراءها متاعب وعوائق يواجهها من اختاروا العيش فى العالم السفلى للغناء، أو من اختاروا تكوين فرقة بعيدا عن النمط التجارى ــ التقليدى، يكمل عصام نصر الذى عمل من قبل فى ساقية الصاوى كمسئول عن الورش الموسيقية وفى لجنة الاستماع: «هذا النوع من الغناء مازال مرتبطا بأماكن بعينها، ويجتذب شرائح معينة لديها وعى أكبر بمشاكل المجتمع والواقع من حولهم، لذا لا بد على المغنى أو الفريق أن يكون لديه مشروعا يعمل عليه، وهو ما حدث مع الفرق الكبيرة التى بدأت فى التحرك مؤخرا بعيدا عن الهامش نحو مزيد من الجماهيرية والشعبية».
 ولأن هذا العالم يعمل بشكل مستقل، فلا توجد إدارة فنية تدفع بمشروعات شباب الهواة، أو تمدهم بالخبرة كى ينتقلوا إلى عالم الاحتراف، حسبما يوضح عصام نصر.

«خلى السعادة عادة»
فى هذا العالم تتقارب المسافات بين المغنى القادم من عالم بديل عن الغناء التقليدى، وبين جمهور مازال يبحث عن التغيير، وتتحول الكلمات هنا إلى شعارات، والأشعار إلى هتافات، وهو ما جذب فنانو الجرافيتى المنتمين بطبيعة الحالة إلى نفس هذا الهامش كى يستعيروا أشعارا وكلمات غناها فنانون مستقلون وأخرى غناها فنانون قريبون من هذا المزاج مثل الشيخ إمام وبعض أغانى محمد منير.
 وهى منطقة أخرى بين امتزاج الفنون التى مازالت فى الهامش ، لذا لم يكن من الغريب أن يرسم أحد فنانى الجرافيتى رسما مستخدما فيه جملة: «خلى السعادة عادة»، لفنان الراب المصرى ــ زاب ثروت ــ الذى كون معجبوه أيضا ألتراس» يحضر حفلاته، أو أن يستخدم فنان جرافيتى آخر فى شارع محمد محمود كلمات من أشعار أحمد فؤاد نجم التى غناها الشيخ إمام.
 وحتى فى عالم الحركات السياسية الشابة، التى مازالت هى الأخرى بعيدة عن السلطة والتى لاتزال على هامش العمل السياسى التقليدى، حدث ذلك التزاوج بين فنون مختلفة بهدف خدمة حالة المقاومة الشبابية، كأن تستخدم حركة 6 أبريل فى العام الماضى نفس الجملة التى استخدمها فريق كايروكى من قبل لعبدالرحمن الأبنودى... كما ألف أحد أعضاء الحركة آنذاك أغنية بعنوان: «احنا الصوت ساعة لما تحبوا الدنيا سكوت»، وكانت هى النشيد الرسمى لحركة 6 أبريل.
 «استخدمنا هذه الجملة أيضا من قصيدة عبدالرحمن الأبنودى وطبعناها على قمصاننا فى بعض الفعاليات، وهو ما دفعنى إلى أن أجعلها عنوانا لأغنية الحركة فى ذلك الوقت قبل عام من الآن». الحديث هنا لحسام الهكارى العضو السابق فى حركة 6 أبريل، أما الأغنية نفسها ، فكانت من تلحين مصطفى عزت من أعضاء الحركة، وقريبة من مزاج أغانى الألتراس الرياضى، ورغم أنهما أعدا أغنيات أخرى باسم الحركة، لكن «احنا الصوت ساعة لما تحبوا الدنيا سكوت» كانت الأكثر تعبيرا عن تلك الحالة التى تمتزج فيها روح الألتراس مع الحركة السياسية المقاومة.
 «كل ما فعلته أن استعرت الجملة عنوانا، وأكملت الأغنية من تأليفى أنا، وهى مجرد هواية أمارسها لنفسى، ووجدت الفرصة لاستغلالها فى ذلك الوقت».
 تلك الحالة يتشابه فيها مزاج الألتراس المُعادى للحس التجارى فى الرياضة، مع الغناء الداعم للتغيير الاجتماعى، وتتحول الأشعار إلى هتافات سياسية أو إلى جرافيتى، كل ذلك فى محاولة لنيل مساحة جديدة بعيدا عن التهميش وتوصيل طموحات لم تنجح الثورة فى تحقيقها.

الوطنية والسياسة والواقعية.. خلطة لها سحرها

عبد الرحمن مصطفى

أثناء البروفات الغنائية لأعضاء فريق «حكايات» فى حفلهم الأخير بمركز مكان للثقافة والفنون، ينتقل الغناء بين موال وأغنية للشيخ إمام ، والشيخ سيد درويش.
ويقتطع شادى مؤنس ــ مؤسس الفريق ــ دقائق قبل انتهاء البروفات للحديث قائلا: «منذ سنوات تمت استعادة أغنيات الشيخ إمام وسيد درويش، لأنهما كانا من أشهر النماذج التى عبرت عن المقاومة بالغناء، وطرحا أفكارا خارج الإطار التقليدى والسائد فى زمنهما، وهو ما جعلهما ضيفين دائمين على غناء العديد من الفرق الشبابية، التى تتخذ نفس النهج».
شارك شادى مؤنس فى تأسيس فريق «اسكندريلا» الذى سلك نفس الطريق منذ العام 2005 ، فى أغنيات تتأرجح بين السياسة والوطنية ومعايشة الواقع.
 وفى العام 2009 أسس شادى مؤنس فرقة «حكايات» من نفس المدرسة، ومع ازدياد عدد الفرق والمشروعات الغنائية التى تنتهج نفس النهج، أصبح السؤال: هل تلك الخلطة بين الوطنية والسياسة أكثر جذبا للشباب مثلما يبدو الحال خلال الحفلات الشبابية ؟
 قبل بداية الحفل بقليل انضم إلى الحديث الفنان الشاب محمد محسن، الذى اعتمد فى مشواره الغنائى على موروث سيد درويش والشيخ إمام، وعلق قائلا: «الموضوع ليس عن أغانى سياسية أو وطنية، القصة ذات صلة بحياة الناس، وأن تكون أفكار الأغانى من قضايا المجتمع، هذا ما يجذب شريحة من الشباب لا تجد ذلك فى الغناء التقليدى، وما فعله الشيخ إمام أو سيد درويش أن سارا فى هذا الطريق، حتى إن كان ذلك بلغة المقاومة أحيانا، وأوضح مثال على ذلك أن الشباب لم يجد أكثر صدقا من الشيخ إمام ليعبر عنه فى ميدان التحرير».
 هل يظل الشباب أسيرا للأماكن نفسها التى تقدم هذا النوع من الفن داخل المراكز الثقافية وبعض الفعاليات الحكومية النادرة؟
 هنا يجيب شادى مؤنس قائلا: «دعنا نرى الأمر بشكل أكثر تفاؤلا، فإن فرقة مثل (اسكندريلا) كانت تغنى داخل الاعتصامات وفى المراكز الثقافية وغيرها، وفى الوقت نفسه غنت فى مهرجان جرش وفى دار الأوبرا المصرية.. وعرضت فنها على شريحة جديدة من الجمهور». تلك التفاصيل تدور فى خلفياتها العديد من التغيرات، إذ إن حالة الثورة والتغيير والانخراط السياسى لشريحة من الشباب، دفع الاعلام إلى البحث عن الفنون التى تعبر عن أفكارهم وتسجل غضبهم، كذلك فإن بروز نماذج جاءت من الهامش ودخلت فى عالم النجومية مثل باسم يوسف الذى بدأ من مساحة غير تقليدية فى برنامج على الانترنت، جعلته ذلك الهامش يتحرك، كأن يحمل برنامجه فقرات غنائية ثابتة تعبر عن تلك الثقافة، وهو ما تكرر فى برامج تليفزيونية أخرى، ما جعل هناك خطوة إلى الأمام فى تعويد شريحة أكبر من الجمهور على هذا النوع من الفن، وألا يقتصر الأمر على تلك الصورة النمطية لجمهور الشباب الثائر والغناء المستقل.
 فى أثناء حفل فرقة «حكايات» بمركز «مكان» الثقافى، كان الدكتور أحمد المغربى ــ مدير المركز ــ يجلس جوار مهندس الصوت، ويرى المغربى أن المراكز الثقافية قد أتاحت بدائل قبل سنوات طويلة لجمهور يرغب فى سماع كلمات وألحان تناقش قضايا حياته، أو نوع آخر من الموسيقى، وتقاوم الواقع البائس والمكرر.
 ويقول: «بعد أكثر من عامين على الثورة، وسقوط الهواجس الأمنية القديمة، مازال الطموح الأكبر هو فتح المجال أمام قصور الثقافة لتحتوى كافة أنواع الغناء دون خوف، وأن يجد الشباب من يجسد رؤيته فى الحياة بأقل تكاليف». داخل المراكز الثقافية المستقلة بإمكان الشباب سماع أغنية متهكمة على الواقع السياسى، أو أن يهتف الجمهور هتافات معارضة، فهل تنتهج تلك المراكز سياسة تتعمد إتاحة هذه الأجواء داخل قاعاتها؟
 يجيب الدكتور أحمد المغربى: «المراكز الثقافية هى التى تضع سياساتها حتى إن حصلت على دعم خارجى، فإذا اطلعنا على شروط أى منحة لدعم مشروعات ثقافية، نجدها عامة، ويقدم المركز أفكاره للحصول على الدعم، وأنا هنا على سبيل المثال أهتم بنوع آخر من الفنون: مثل الحضرة والزار والانشاد الدينى، وهو ما جعل تصميم المكان نفسه قائم على الحميمية، والجمهور هنا من نوع خاص، فهو مهتم بالموسيقى والتعرف على الجديد، على عكس أماكن أخرى تركز على أغانى الفرق المستقلة تحديدا».
 فى أثناء حديثه تغنى فرقة «حكايات» أغنية بعنوان «مصرستان»، تبدأ كلماتها: «مصرستان يا مصرستان إحنا خلاص جالنا الإخوان».
 مثل هذه الأغنية التى لاقت صدى لدى الجمهور الحاضر، سواء حين غنتها الفرقة فى مركز مكان الثقافى أو فى أماكن أخرى تظل بعيدة عن السائد والتقليدى، فهل هناك نوعين من الفن، سائد وهامشى؟ .. يجيب الدكتور أحمد المغربى: «فكرة الغناء المستقل والأندرجراوند أو فنون الهامش، تحتاج إلى مراجعة، فالسائد ليس فقط ذلك الفن التقليدى والتجارى الذى تديره شركات ورجال أعمال ويعرض على الفضائيات، فبالنسبة لى أجد شيخا مثل المنشد الدينى ياسين التهامى هو الذى يعبر عن الفن السائد، وله مساحات انتشار لا يرها الإعلام .. لقد أصبحت كلمات الهامش والاستقلال فى حاجة إلى مراجعة مع تلك التغييرات التى نعيشها منذ الثورة».

عالم الحفلات بعيون مهندس صوت


«الحقيقة.. بقيت باشوف حاجات كتير فى الحفلات ماكنتش باشوفها زمان، تقريبا جمهور الكورة بقى ضيف على حفلات المزيكا بنفس طريقة التشجيع، يعنى ممكن تلاقى شماريخ بتولع، و حد قلع قميصه من الاندماج .. يعنى الفرفشة مش للدرجة دى!».
 العبارة لمحمد حسن مهندس الصوت الذى عمل قبل سنوات فى ساقية الصاوى، ويعمل الآن بشكل حر فى عدد من الأماكن، وبحكم انخراطه مع عالم الفرق الشبابية قبل وبعد الثورة، أصبحت لديه انطباعات عن تغييرات حدثت فى علاقة الشباب بالموسيقى.
 «بعض الشباب قد تأثروا بفرق ظلت تعمل على مشروعها الفنى لسنوات طويلة مثل مسار إجبارى أو بلاك تيما أو وسط البلد، ما أجده الآن أن هناك جرأة من الشباب لخوض تجربة إقامة فرقة موسيقية، لكن هل سيكون لديهم الصبر حتى يستمروا لسنوات من أجل تحقيق مشروعهم الغنائى؟. هناك فرق أجدها نسخا من فرق سابقة عليها».
 خلال الحفلة يستقر محمد حسن خلف جهاز الصوت، ويعمل على مرحلتين، إذ يبدأ قبل الحفلة فى ضبط الصوت، ثم يكمل عمله أثناء الحفلة.
 «بعض الفرق لا تهتم بمرحلة ضبط الصوت قبل الحفلة، نتيجة الاستعجال، ونقص الخبرة، أو لأن بعضهم يرى أن فى ذلك إهانة له، رغم أن فنانين عالميين يديرون بروفات لعدة ساعات، ويتجولون فى المسرح قبلها بوقت طويل حتى يعتادوا الأجواء».
 يستكمل محمد حسن حديثه، مبرزا بعض ملاحظاته حول تطور علاقة الشباب بالموسيقى بحكم وظيفته، ويضيف ساخرا: «مهندس الصوت فى الحفلة مش بتاع فراشة أو كهربائى، اللى عايز يغنى لازم يحاول يتعرف على كل مراحل الغنا».
 لم تكن تلك الملاحظة الوحيدة التى يسجلها محبو الفرق الشابة الجديدة، حين يصطدمون بفرق غنائية تكاد تكون استنساخا لتجربة ناجحة من قبل، أو حين يجدوا أجواء الحفلات لا تتعمق فى فهم رسالة الفريق، وهو ما يظهر فى تعليقات زوار على مواقع الانترنت مثل يوتيوب أو ساوند كلاود، يسجلون فيها استنكارهم لصخب الجمهور فى مواضع ليست مواضع صخب، كالتصفيق والصراخ فى لحظات العزف المنفرد من أحد أعضاء الفرقة، أو التشويش على موال يغنيه المطرب.
 لم يكن محمد حسن بعيدا عن تجربة تكوين فرقة غنائية، إذ حدث ذلك مع أصدقائه المقربين، لكن لم تكتمل التجربة، ويصف ذلك قائلا: «فيه فرق بتتكون على القهوة، ويكون وراها فكرة، بس ده ما يخليهاش تكمل». أمور مثل عدم التفرغ، والانشغال بأعمال أخرى تفكك العديد من الطموحات، وقتها يعود أفراد تلك الفرق إلى صفوف الجماهير، أما محمد حسن ففى موقعه محاولا إبراز صوت المغنين والعازفين فى أفضل صورة.

شعراء الجيل

عبدالرحمن مصطفى:

«أنده عليها وأقول سيّد أيا درويش والشيخ إمام يهتف شيّد قصورك.. عيش و أنا نفسى أموتلك شهيد حتى ف طابور العيش لو تفرحى»..
هذه الأبيات للشاعر مايكل عادل تبرز حضور سيد درويش والشيخ إمام فى أشعار جيل جديد ارتبطت أعماله وأفكاره بمحيط التحرير وأحداث الثورة، وحتى من قبلها كانت تلك النبرة الثورية موجودة بقوة فى أعمال الجيل نفسه، غير أنها كانت ممزوجة بالعاطفة.
 لا يخفى شاعر شاب مثل مايكل عادل تأثره بشاعر من نوع خاص هو مجدى نجيب، لكن تلك النبرة الثورية برزت أكثر فى عنوان ديوان مايكل الأخير «س 28» فى إشارة إلى مجمع النيابات العسكرية الذى مر عليه عدد من المتظاهرين فى العامين الماضيين.
 ذلك الوفاء إلى جيل سابق يظهر لدى شاعر آخر هو مصطفى إبراهيم الذى صدر له مؤخرا ديوان «المانيفستو»، ولم يخف فى ديوانه السابق «ويسترن يونيون فرع الهرم»، الذى سجل فيه إهداءات لشخصيات تأثر بها، منهم الشاعر أحمد فؤاد نجم، حين ذكر فى مقدمة كتابه: «إهداء لعم نجم الوحيد اللى مبعش».
 كل من مايكل عادل ومصطفى إبراهيم يقدمان أغانيهما إلى المغنين الشباب والفرق المستقلة، ضمن شريحة من الشعراء ، تعتمد طرح موضوعات ذات صلة بالواقع، ويلعبون حسب قواعد أبناء جيلهم باستخدام التدوين والتسجيلات الصوتية والفيديو والفيسبوك لإتاحة أعمالهم، وهو ما يصنع رواجا من نوع خاص لا يعتمد فقط على الظهور الاعلامى و الأداء التقليدى.