Showing posts with label فكر. Show all posts
Showing posts with label فكر. Show all posts

Tuesday, January 24, 2012

الشعار الخفى للثائرين: معا ضد الأبوية


«زي والدك» آخر قشرة تحمى الديكتاتور فى مواجهة «الأبناء الثائرين» .. إن كنت «إخوانيا».. فلا تجادل ولا تناقش .. وإن كنت طالبـًا جامعيـًا «لا تغضب من أستاذك حين يستعيلك».. وحين تكون فى الكنيسة «لا تهتف ضد العسكرى»

فى مساء 10 فبراير من عام 2011 ألقى مبارك خطابه الأخير، مفتتحا عباراته بقوله: «أتوجه إليكم جميعا بحديث من القلب، حديث الأب لأبنائه وبناته». ورغم أنه تنحى عن الحكم فى اليوم التالى إلا أن تلك النبرة الأبوية مازالت أصداؤها مستمرة على مدى عام كامل فى الإعلام والسياسة، فبعد أن اختفى مبارك ظهر إعلاميون وسياسيون تحدثوا بنبرة أبوية غليظة وصفت الشباب المتظاهر بسوء التربية وقلة الأدب، وفى مواضع أخرى استخدموا النبرة الأبوية نفسها بشكل مختلف ليصبح الشباب هم الجيل الذى شرفنا. «هذه الحالة ليست جديدة.. فكل من يبحث عن الهيمنة وعن تدعيم سلطته يمارس دور الأب، لتبرير تجاوزاته وقمع أى محاولة تضعه فى إطاره الصحيح»، هذا التفسير من الدكتور أحمد زايد ــ أستاذ علم الاجتماعى السياسى بجامعة القاهرةــ يدعمه بأمثلة أخرى، منها لغة الرئيس الراحل السادات الذى أصر على استخدام ألفاظ مثل «العيب»، و«العائلة»، و«أولادى»، وكلها تحوله من رئيس إلى أب يهذب ويربى بعيدا عن تقييم إدارته لمؤسسات الدولة.
هذه الحالة الأبوية التى استمرت بعد الثورة واجهت مقاومة شبابية فى العديد من المؤسسات، وعلى رأسها مؤسسة الجامعة. «كل ما كنا نطلبه هو أن يكون لدينا صوت وتقدير لدى الإدارة، وألا يتم الاستهانة بنا فى أى وقت «، هكذا عبرت مى عزت، الطالبة بكلية الإعلام فى جامعة القاهرة، والتى انضمت لمجموعة من الطلبة فى مارس الماضى، للتعبير عن رافضهم لعميد كليتهم الذى أهان شباب الثورة قبيل التنحى، مشيرة إلى «خلفيته المنتمية إلى الحزب الوطنى المنحل».. كلها أمور دفعتهم إلى مطالبته بالرحيل مستعيرين النموذج الأكبر فى رحيل مبارك.
تقول مى: «كان يأتى بعض زملائنا ليتساءلوا: إنتوا عايزين إيه منه؟.. ده برضو راجل كبير ومحترم.. ما ينفعش تهتفوا ضده، وكنت أشعر أننا فى الموقف نفسه مع مبارك، وبعد أن جرت انتخابات العمادة فى الكلية وأتت بعميد جديد، احترمنا نتائجها.. كل ما نطلبه أن يتحقق التغيير لتدار البلد بشكل مؤسسى نزيه، وألا يتم تهميشنا فنحن من يتعلم هنا!».
مظاهر الأبوية فى الجامعة لا تتوقف على مواجهات بين الطلبة والإدارة فى ظرف سياسى، بل لها مظاهر أخرى فى العلاقة اليومية، كأن يطلب أستاذ من طلبته الحضور إلى إحدى الفاعليات التى يديرها خارج الجامعة ويلومهم بأسلوب أبوى إذا ما تهربوا من الحضور، لكن الثورة غيرت ملامح الجامعة فى العامين الدراسيين الأخيرين مع ازدياد النبرة الاحتجاجية الحقوقية بين الطلبة.. تعلق مى عزت طالبة الإعلام قائلة: «كل ما حدث لم يذهب هباء، فمجموعة الاعتصام الأولى تطورت إلى جبهة جديدة هدفها إرساء مناخ ديمقراطى بين الطلاب والأساتذة».
فى مجال التعليم يبرز الخطاب الأبوى فى ألفاظ واضحة مثل «تعالى يلا»، أو فى عبارات الشكوى من الطالب كثير الأسئلة، والهدف هو هيمنة الأستاذ وإعطاؤه سلطة مطلقة بعيدا عن المهنية، وذلك حسبما يرى الدكتور أحمد زايد ــ أستاذ علم الاجتماع السياسى ــ إذ يرى أيضا أن ضعف المؤسسات أوجد علاقة «التابع والمتبوع» داخل المؤسسات بعيدا عن اللوائح والقواعد».


لا تجادل ولا تناقش
على مدى العام الماضى أتيح المجال بشكل أكبر لتأسيس أحزاب سياسية، لكن داخل كثير من تلك الأحزاب الجديدة كان هناك هاجس من تكرار ظهور «أقطاب»، و«رموز» ينفردون بالقرار والمشهد، أحد تلك الأحزاب هو حزب «التيار المصرى» الذى صاحب تأسيسه صخبا وعناوين من نوعية: «شباب الإخوان يخالفون قرار المرشد ويؤسسون حزب التيار المصرى». وكانت الصورة وقتها عن محاولة للهروب من أبوية قيادات الجماعة إلى كيان مؤسسى يدار بشكل مختلف بين مجموعات من الشباب. «الحزب فى مجمله يضم شبابا متآلفين مع خط الثورة والتغيير، القصة بدأت فقط بمجموعة أغلبها من شباب الإخوان. لكن على أرض الواقع فأغلب أعضاء الحزب من الشباب ولأنهم مع الثورة فهم بالضرورة ضد التسلط الأبوى الذى نواجهه فى السياسة، الأمر ليس له علاقة بالإخوان فقط!»، هذا ما يراه أحد الأعضاء المؤسسين فى حزب «التيار المصرى»، أما عن التجارب الحزبية الأخرى الناشئة فرغم وجود أسماء لامعة داخلها فإن الحالة العامة مع غياب «القائد، الأب، الرئيس» قد انعكست على الأحزاب وعلى السياسة.
وفى تجارب قريبة من نموذج «التيار المصرى»، يأبى أعضاء الحزب من الشباب تقديم مشروعهم عن طريق رموز أو مشاهير. وحسب المصدر نفسه من حزب «التيار المصرى» فإن هناك هاجسا دائما من أن يحاول البعض ممارسة الدور الأبوى فى الوصاية وقمع الآراء نتيجة نشأته فى بيئة تمارس هذه السلوكيات، ويعلق على ذلك قائلا: «ليس أمامنا من حلول سوى الالتزام بفكر الحزب القريب من تطبيق الديمقراطية التشاركية ولائحة الحزب، كما أننا مستفيدون من التشبيك عبر (فيس بوك) للتواصل بين كل الأعضاء، والأهم من هذا أننا نمارس رقابة على أنفسنا، فنحن قد رأينا ما كان فى عالم السياسة قبل الثورة، ولا نريد رؤيته مرة أخرى، كذلك استوعبنا درس الانتخابات التى أثبتت لشباب الثورة أن السياسة لها قواعد أخرى بعيدا عن شهرة الشخص أو إخلاصه فقط لقضيته..».
الأمر أكثر اختلافا داخل كيانات أخرى ذات بنية مختلفة مثل جماعة الإخوان المسلمين، إذ تزايدت رهانات فى كتابات وتحليلات المعلقين على تزايد حالات انسحاب الشباب هروبا من الحس الأبوى داخل الجماعة، إذ تستمد القيادات سلطتها من تاريخها النضالى على الأصغر سنا. بعض المجموعات من شباب الجماعة دخلت فى هذا الصراع مع الأبوية وانتهى الأمر إما إلى الانسحاب أو محاولة الإصلاح من الداخل، أشهر تلك الحالات نجدها على (فيس بوك) فى مجموعة «لا تجادل ولا تناقش.. أنت إخوانجى»، يصفون أنفسهم قائلين: نحن مجموعة من شباب الإخوان المسلمين «الحاليين والسابقين» من جميع المستويات داخل الجماعة، نستهدف التغيير والإصلاح من داخل الجماعة. وفى صدر صفحتهم كتبوا: «ينبغى أن يكون الأخ بين يدى مرشده أو نقيبه أو مسئوله كالميت بين يدى من يغسله يقلبه كيف يشاء»، وهذا فى سخرية من سطوة العلاقات داخل الجماعة التى يرغب البعض فى أن تقوم على السمع والطاعة.
يرى الكاتب الصحفى عبدالجليل الشرنوبى ــ العضو السابق بجماعة الإخوان المسلمين ــ أن أزمة الأبوية قادمة من داخل تنظيم الجماعة نفسه، إذ كانت تلك السلطة الأبوية مقبولة حين كان التنظيم ملاحقا أمنيا، فكانت إطاعة الأوامر مهمة للحفاظ على تماسك الجماعة وعلى أسرارها، ويقول: «بعض شباب الإخوان يبحث عن مساحة يطور فيها فكره، لكن الأمل فى الإصلاح من الداخل، إذ نرغب فى يوم ما أن نرى نقيب الأسرة فى الإخوان عنصرا فاعلا فى مجتمعه وليس وصيا على أحد».

فى قداس عيد الميلاد
إحدى المؤسسات التى واجهت صعودا لتيار شبابى مناهض لفكر الأبوية داخلها هى الكنيسة القبطية، إذ كان أبرز آخر تلك المشاهد هو صوت بيشوى تمرى وهو يهتف «يسقط حكم العسكر» داخل الكاتدرائية خلال احتفالات عيد الميلاد المجيد الأخيرة، وذلك فى خلفية احتجاجات على دعوة أعضاء من المجلس العسكرى للحضور دون مراعاة مشاعر الحزن على شهداء ماسبيرو وأغلبهم من الأقباط.
بيشوى تمرى هو عضو المكتب السياسى لاتحاد شباب ماسبيرو، فهل الاتحاد أحد مظاهر الخروج على النزعة الأبوية لسلطة الكنيسة؟ يجيب: «أحد أهم أهداف الاتحاد هو إيجاد مجال حركة للأقباط للتعبير عن احتجاجاتهم ومطالبهم بعيدا عن السلبية، ولم يأت هذا إلا بعد الثورة التى أعطت المصريين فرصة للتعبير والتضحية من أجل هدف»، ويضيف قائلا: «هناك متضامنون مع أفكارنا من رجال الدين، هم ليسوا أعضاء فى الاتحاد بقدر ما هم مستشارون، لكن لا مجال لوصاية أو أبوية من أحد منهم.. لأنهم ببساطة أيضا فارون من هذه الأبوية». تلك المحاولات لا تهدف إلى الصدام مع السلطة الروحية للكنيسة، بل إلى رفض احتكار الكنيسة للمشهد القبطى.

Tuesday, October 4, 2011

تغيير الفكر أولا.. ملامح الثورة تتسلل إلى الورش التدريبية



ترى سارة الشريف ــ صحفية وناشطة مصرية ــ أن ازدياد نشاط ورش ومحاضرات التوعية السياسية والحقوقية فى السنوات الأخيرة قد أثر فى وعى الشباب وربما مثل جزءا من عملية التغيير التى شهدتها مصر والدول العربية مؤخرا، وتوضح ذلك بقولها: «نظام مبارك المخلوع، كان يترك مساحة للعاملين فى مجال الحريات وللنشطاء كى يظهر أمام العالم وكأنه مع الديمقراطية، لكن هذه المساحة ساهمت بشكل ما فى نشر مبادئ الحرية والتغيير والثورة». هذا الرأى يتبناه أيضا عدد من المعلقين على تأثير الوعى السياسى وحركة المجتمع المدنى فى ازدهار الربيع العربى وتغيير النظم فى المنطقة.
وفى داخل الورش التدريبية ومحاضرات التوعية تتكون علاقات جديدة بين الناشطين والإعلاميين، وهذا من أحد الأسباب التى دفعت سارة للمشاركة للمرة الأولى فى فعاليات «الجامعة الصيفية لمنبر الحرية» التى أقيمت مؤخرا فى القاهرة. تم اختيار سارة بناء على سيرتها الذاتية وأنشطتها السابقة فى مجال الحريات، ووسط قاعة المحاضرة كان النقاش ساخنا حول تصورات «ما بعد الثورات العربية» بين شباب من جنسيات عربية مختلفة، وكان المحاضر هو الدكتور شفيق الغبرا أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت، الذى لم يخف ملاحظته عن اختلاف أجواء قاعة المحاضرة هذا العام بالقاهرة تماما عن أجواء أول نشاط للجامعة الصيفية فى العام 2009.
ويقول معلقا: «اختلفت حالة المشاركين عن ذى قبل، خاصة مع المشاركين من مصر، إذ أصبحوا يتحدثون بحماس أكبر لبلدهم وفى تفاصيل لم تكن مطروحة من قبل. «تقوم فكرة الجامعة الصيفية التى تنظمها منظمة المنبر الحر على اختيار بلدين فى كل صيف يستضيفان موسمين دراسيين، أحدهما يكون فى المشرق العربى والآخر فى المغرب العربى، ويقام النشاط على هيئة ورش ومحاضرات مكثفة، وتهدف المحاضرات فى مجملها إلى تكريس قيمة الحرية لدى الشباب من خلال مناقشات فكرية وسياسية.
وتكفى نظرة على قاعة المحاضرة كى تكشف عن تنوع جنسيات الحاضرين من الدول العربية المختلفة رغم ما يجمعهم من تشابه فى أن أغلبهم ناشطون حقوقيون أو إعلاميون ولهم ماض فى حضور مثل هذه الأنشطة. محمد البلاّوى إعلامى مغربى شاب، كان ضمن طلبة دفعة العام 2009 ببيروت، وجاء للحضور مرة أخرى فى دفعة هذا العام 2011 فى القاهرة، يقول: «من المؤكد أن الاختلافات الثقافية أحيانا ما تظهر داخل نقاشات المحاضرة، لكنها تكون فى إطار مقبول، لأن الجميع تم اختياره بعناية، وفق سيرته الذاتية».
وفى رأى بلاوى أن حضور الفعاليات والأنشطة المتعددة يزيد من فرص الفوز فى عند التقديم للحصول على منح أو تدريب، ويضرب بنفسه مثلا إذ يشارك فى أنشطة الجمعيات الأهلية منذ سن السابعة عشرة، مما جعله يصنع تراكما فى سيرته الذاتية، رشحه للحصول على منحة تدريبية فى الولايات المتحدة قبل مشاركته مباشرة فى الجامعة الصيفية هذا العام. ويضيف قائلا: «الأجواء هذا العام أصبحت مختلفة قليلا.. فألاحظ على المصريين أنهم أصبحوا أكثر حماسة عن ذى قبل، ومنهم من يتحدث بقلق عن تجربة الثورة فى بلده».
أحد أهم الملامح التى طرأت على هذه الأنشطة التى تجمع شبابا من دول عربية مختلفة هو تأثير الثورات العربية فى نقاشاتهم، إذ كانت القاعة تضم دولا ملكية وجمهورية ودولا ما زالت تشهد معارك ضد نظامها السياسى، وأحيانا ما كانت تثار أسئلة أكثر حماسا فى القاعة من نوعية: «متى نرى الملكيات العربية وقد تحولت إلى جمهوريات؟». فى هذه الحالة على الجميع ــ خاصة من الدول الملكية ــ أن يتسم بالمرونة وقبول الرأى الآخر.
وفى أثناء محاضرة الدكتور شفيق الغبرا عن الثورات العربية كانت تدور اشتباكات حوارية حول هل تؤدى الثورات إلى فوضى؟ وهل واجب علينا احترام رؤسائنا وعدم عزلهم حتى إن كانوا مستبدين؟ سارة الشريف من مصر تصدت للدفاع عن الثورة وعن فكرة عزل مبارك، فى مواجهة زميلة يمنية رفضت التحريض على الرؤساء. لكن هذا النقاش الساخن لم يخرج فكرة الجامعة من مضمونها الأساسى المهتم بالفكر الديمقراطى الليبرالى والعمل التنويرى، بل كانت المحاضرة السابقة على تلك المحاضرة على سبيل المثال عن: «مسألة الحرية فى الفكر القومى العربى» وعن أدوار الطهطاوى وجمال الدين الأفغانى ومن تبعهما من المفكرين.
لا يخفى منظمو فعالية الجامعة الصيفية الطابع الليبرالى الذى يغلف النقاش وموضوعات المحاضرات، هذا الطابع الليبرالى الذى يغلف المشروع قد يجعل وجود شاب ملتحى مثل محمد عبده سالم ــ مصرى الجنسية ــ غريبا للوهلة الأولى على قاعة المحاضرة، وهو ما يوضحه قائلا: «هذه ليست المرة الأولى التى أحضر فيها الجامعة الصيفية، بل حضرت فى العام 2009 ببيروت وكان مظهرى المتدين مربكا للكثيرين ومثيرا لشكوك الأمن لمجرد أنى ملتح». فى داخل القاعة لا يخفى محمد عبده سالم هويته أو انتماءه إلى حزب النور السلفى، ويعلن بوضوح أنه مع تطبيق الشريعة فى المستقبل، لكنه يعلن تلك الآراء دون أن يحدث صداما مع أحد، حسب القواعد الليبرالية للمكان، ويعلق قائلا: «المشكلة أن بعض الجهات التى تنظم ورشا تدريبية تستبعد السلفيين والإسلاميين أحيانا، وأقول بصراحة إن هناك ليبراليين يدّعون وقوفهم إلى جانب الحريات لكنهم يتخذون مواقف متشددة ضد من يخالفهم.. أما هنا فأجد مناخا يتيح لى أن أسأل وأن أرفض وأن أتعرف على الفكر الليبرالى بحرية، وأؤمن بأفكار وأتحفظ على أخرى، وهذا ما وفره الدكتور نوح الهرموزى مدير برنامج منبر الحرية كنموذج لشخص يعى معنى الحرية والليبرالية فعلا وقولا».
رغم ذلك فإن الجامعة الصيفية أحيانا ما تواجه صعوبات مع بعض الدول العربية، إذ تعرض اثنان من المشاركين السعوديين فى الجامعة الصيفية عام 2009 لمضايقات أمنية عند عودتهم من بيروت إلى السعودية، كما رفضت السلطات السورية استقبال الجامعة الصيفية دون إبداء أسباب. ويقول الأكاديمى المغربى الدكتور نوح الهرموزى ومدير برنامج منبر الحرية: «وجدنا هذا العام صعوبة فى استضافة الشباب السورى رغم موافقتنا على طلبات التحاقهم، ولم يحضر إلا واحدا بعد عمليات تمويه.. وهذه هى مشكلات الدول التى تتخوف من فكر الحرية والليبرالية».
ويذكر الدكتور الهرموزى أن هناك مشاكل تواجه لفظ الحرية والليبرالية فى مجتمعاتنا إذ يجرى ربطهما بمعان سيئة مثل التفسخ الأخلاقى أو سيادة الشركات العملاقة والرأسماليين، وهذه أمور لها علاقة بمشكلات مجتمعية وليست مشكلة الحرية. وحسب عبارته: «التغيير القادم عليه أن يكون عبر الفكر لبناء المجتمعات وتكوين شبكات من الباحثين وأصحاب الفكر من الشباب.. وهذا ما نطمح إليه».



جامعة صيفية بدون قاعات دراسة


تقوم فكرة الجامعة الصيفية على استغلال فترة الصيف فى تكوين برامج تدريبية وتعليمية للشباب، وهو ما تقوم به أيضا بعض مؤسسات ومنظمات المجتمع المدنى، وقد بدأت فكرة الجامعة الصيفية ضمن مشروع منبر الحرية فى العام 2009، إذ تقام الجامعة مرتين، الأولى فى بداية الصيف والمرة الثانية فى نهاية الصيف، على أن يستضيف فعاليات الجامعة فى المرتين بلد مشرقى، وآخر مغاربى.
ويقول نوح الهرموزى مدير منبر الحرية «نشأت فكرة مشروع منبر الحرية قبل سنوات، حين بدأنا بموقع الكترونى ينشر ويترجم مقالات وأمهات الأعمال عن الحرية والديمقراطية والأدبيات الإنسانية، ثم تطورت الفكرة بمجموعة من الباحثين العرب، حتى انتهينا بالجامعة الصيفية قبل عامين». ونشأت الفكرة فى البداية كمشروع تثقيفى يتبنى أن العقل هو محك الفكر والعمل، وفى خلفية تقف ضد الهيمنة الأمريكية ونزعتها العنيفة فى المنطقة، إذ كان الهدف من هذا المشروع هو استهداف الشباب ذوى الثقافة الجيدة والمهتمين بقضايا الحرية فى الوطن العربى لتطويرهم وفتح مجالات فكرية جديدة أمامهم واستكتابهم فى موقع المنبر على الانترنت، وتأتى فكرة الجامعة الصيفية بهدف تكوين علاقات بين الشباب الناشط فى مجتمعه وتعريفه بالمزيد عن قضايا الحريات والليبرالية وجذورها فى المجتمعات العربية. ولا تنتمى الجامعة الصيفية ولا منظمة منبر الحرية إلى أى انتماء سياسى سوى قضية دعم الحريات، وموقعها على الانترنت:

minbaralhurriyya.org

Friday, September 23, 2011

خالد فهمى: نحن من يصنع التاريخ ولن نعود رجالاً للباشا


فى حفل توقيع الطبعة الثانية من (كل رجال الباشا)..ـ
كتب - عبدالرحمن مصطفى
«من حق الشعب والمؤرخ أن يكتب التاريخ من أسفل، عبر التأريخ لفئات فى قاع المجتمع.. وهذا هو مضمون الكتاب الذى بين أيدينا الآن» ــ بهذه العبارة وصف الكاتب جميل مطر عضو مجلس التحرير بجريدة «الشروق» كتاب «كل رجال الباشا» للدكتور خالد فهمى رئيس قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية فى أول حفل توقيع للطبعة الثانية من الكتاب الذى أقيم فى مكتبة الشروق بالزمالك يوم الاثنين الماضى، وقد صدرت الطبعة الثانية هذا العام عن دار الشروق فى حوالى 450 صفحة تناول فيها الكاتب تاريخ مؤسسة الجيش فى عهد محمد على وكيف أثرت على المجتمع المصرى فى ذلك الوقت، هادما بين طيات كتابه بعض الصور التقليدية عن عصر محمد على.
وفى تقديمه للكتاب فى بداية الحفل استعار الكاتب الصحفى جميل مطر بعض المقتطفات التى استوقفته فى مثل وصف الرحالة لمحمد على عن «بريق عينيه اللامعة» وملامحه المهيبة، معلقا على ذلك بقوله: «مثل تلك الصفات كنت أسمعها وأقرأها عن جمال عبدالناصر، وصدام حسين، وكأنها نصوص مكررة تستخدم فى صناعة الزعماء».
فى الطبعة الثانية من الكتاب أضاف خالد فهمى مقدمة جديدة كتبها فى 2010 بنيويورك حين كان يعمل كأستاذ بجامعة نيويورك قبل انتقاله للعمل بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وحسب عبارته يقول: «كتبت تلك المقدمة قبل سقوط مبارك، وكان داخلى قناعة أعلنها الآن بصراحة أننى كنت أعد هذه الدراسة وعيناى على الواقع المصرى، إذ إننى أؤمن بأننا نحن أفراد الشعب المصرى من يصنع التاريخ، وليس محمد على أو مبارك أو غيره، وحتى ما حدث مؤخرا من موقف المؤسسة العسكرية من تأييد الثورة فإن ذلك ليس منحة من أحد، لأن هذا الجيش ما زال جيش المصريين والبسطاء وليس جيش الباشا».
فى داخل كتاب «كل رجال الباشا» يرصد الكاتب علاقة محمد على بالدولة العثمانية وذكر فى تعليقه على سؤال من القاعة حول ما راج عن «سر دهاء محمد على ومكره السياسى»، قائلا: «محمد على كان يدرك منذ البداية أنه جزء من الدولة العثمانية ولديه بُعد عثمانى واضح، فلنا أن نتخيل أن هذا الرجل قد بنى مقبرته فى مصر عام 1809 بعد أعوام قليلة على صدور فرمان توليه مصر عام 1805، وذلك قبل مذبحة القلعة عام 1811 التى قضى فيها على أعتى خصومه المماليك، وهو ما يكشف عن إصرار هذا الرجل وإرادته الصلبة، وأنه كان يدرك مشروعه مبكرا فى أن تتحول مصر إلى ولاية يحكمها هو وعائلته».
يأتى حفل التوقيع بعد أسبوع من زيارة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان بما أثارته من جدل بعدها، وهو ما دفع الكاتب جميل مطر فى تقديمه للحفل أن يعلق على ذلك قائلا: «كشفت زيارة أردوغان الأخيرة عن أننا ما زلنا مرتبطين بالموروث العثمانى على مستوى الشعب والنخبة حتى الآن».
لم يخل مشروع خالد فهمى الذى يستعد الآن لإنهاء كتاب عن محمد على وسيرته من عراقيل بدأت حسب وصفه من غياب وثائق ديوان الفابريقات «المصانع» لتلك الفترة، ثم حين اتجه إلى المتحف الحربى التابع لوزارة الدفاع واضطراره إلى المرور على جهات أمنية كى يوضح موقفه وغرضه من دراسة المؤسسة العسكرية، رغم أنه كان يدرس فترة حكم محمد علي. يقول على ذلك معلقا: «أشكر دار الشروق والمهندس إبراهيم المعلم على عدم تخوفهما من نشر دراسة تاريخية عن الجنود المصريين، وهو ما كان يثير ريبة البعض طوال مشوار جمعى للمادة الوثائقية».
وفى عرضه لقصة كتاب «كل رجال الباشا» الذى كان فى الأصل دراسة للدكتوراه حصل عليها من جامعة أكسفورد عام 1993. لم يخف خالد فهمى حساسية الموضوع لكونه متصلا بدراسة نشأة المؤسسة العسكرية، وشرح كيفية تطور مشروعه البحثى حتى استقر على تلك الفكرة، وذكر موضحا: «الحقيقة أن هذا الموضوع لم يكن هدفى الأول، لكن فى أكسفورد هناك مرونة تختلف تماما عن الجامعات المصرية وكان هدفى هو الإجابة عن سؤال لماذا يتقدم الغرب ونحن نتأخر؟ وهل كان هناك مشروع نهضة حقيقى لمحمد على أجهضته مؤامرة غربية؟ وكان أمامى بدائل متعددة لدراسة مؤسسات الدولة، وقادنى البحث إلى أرشيفات الحروب المصرية فى السودان والحجاز والمورة والشام، والعقوبات التى كانت توقع على الجنود المصريين، وقررت بعد مناقشات دامت سنة مع مشرف الرسالة أن يكون مشروع الدراسة عن الجندى المصرى وأن أدع للجندى المصرى فرصة لأن يذكر روايته للأحداث وألا أقع أسيرا لرواية محمد على عن نفسه من خلال وثائق الدولة».
وجمع حفل التوقيع بعض من شاركوا خالد فهمى فى مشواره البحثى والمتعاونين معه حاليا فى لجنة توثيق الثورة التابعة لدار الوثائق القومية التى يرأسها، ودفع إعلانه عن تأثره بالواقع المصرى الحالى طوال فترة إعداده الكتاب إلى أسئلة من القاعة حول استعداد المصريين للثورة على حاكمهم، وهو ما دفعه إلى دعوة الباحثين إلى إعادة قراءة «هبّات» المصريين ضد الحاكم ذاكرا بعض الأمثلة التى أورد بعضها فى كتابه قائلا: «يجب قراءة حالات مقاومة المصريين فى الصعيد ضد محمد على ونظام التجنيد، وكيف تعرضوا للضرب بالمدافع فى المنوفية نتيجة مقاومتهم وهى مواقف احتجاجية قتل فيها الآلاف». كانت فكرة العقوبات البدنية أحد المقتطفات التى توقف عندها الكاتب جميل مطر فى بداية حفل التوقيع رابطا فكرة علانية العقوبة المطروحة فى الكتاب كأداة للضبط، وبين ما كان يحدث فى عهد مبارك من تسريب فيديوهات للعقوبات البدنية لإشاعة الذعر لدى المواطنين. مستعينا بفقرات تؤكد أن العقوبة البدنية «لم يكن هدفها فقط السيطرة على جسد الفرد فى ذلك الوقت، بل أيضا السيطرة على العقل».
وفى أثناء حفل التوقيع لم يخف خالد فهمى خطته فى التأريخ لمؤسسة الجيش حسب رواية الجندى المصرى دون أن ينكر حضور محمد على فى خلفية الأحداث، إذ يبدأ الكتاب بنقد صورة محمد على التقليدية وكيف تم رسمها فى الكتابات التاريخية ثم رحلة الجندى داخل المؤسسة العسكرية النامية بدءا من مولد الجيش وضم الفلاحين المصريين إليه، ثم كيف تتم السيطرة على الجندى الذى كان يخوض هذه التجربة لأول مرة فى حياته، وبعض تفاصيل حياته العسكرية، خاتما بحالة المقاومة والانسحاب، ثم يختم كتابه بالعودة إلى محمد على مرة أخرى فى ختام الكتاب.
وفى سؤال من «الشروق» حول هل كانت نشأة المؤسسة العسكرية فى تلك الفترة وسطوتها على بقية المؤسسات عنصرا مؤثرا على مسار التاريخ المصرى الحديث؟ خاصة أن هذا الرأى ما زال يروجه البعض الآن عن ضرورة إبقاء المؤسسة العسكرية فى مكانة سيادية فوق بقية المؤسسات. وأجاب خالد فهمى قائلا: «دول العالم الثالث هى التى تروج لفكرة سيادة المؤسسة العسكرية على بقية المؤسسات، ولا أنكر أن حالة الزهو بالمؤسسة العسكرية لمسته فى الولايات المتحدة نفسها، لكن على أرض الواقع فقد كانت هناك العديد من المؤسسات مثل الصحافة والقضاء والتعليم تعمل بقوة طوال التاريخ الحديث رغم تدهور بعضها مؤخرا، الأمر الأهم أن هو أن تجربة الجيش فى عهد محمد على مختلفة تماما عن الجيش اليوم، إذ كانت التركيبة العرقية مختلفة عن تطور الجيش فيما بعد، فقد كان جيش عرابى مختلفا عن الجيش فى ظل الاحتلال البريطانى، وعن جيش ثورة يوليو الذى استمرت ملامحه حتى اليوم». وأنهى خالد فهمى حفل التوقيع مختتما بقوله: «إن هناك تعاقدا بين الشعب و المؤسسات التى لها حق حمل السلاح، ومن حق أفراد الشعب أن يمارسوا نوعا من الرقابة على تلك المؤسسات وأن يتأكدوا من قوتها وحجم إمكانياتها، وهذا ما يزعزع فكرة أن المؤسسة العسكرية هى المؤسسة الوحيدة المستقرة وعليها أن تتسيد على بقية المؤسسات.. لأن هذا الجيش فى النهاية هو جيش الشعب، وليس جيش القادة».
PDF

Monday, March 1, 2010

الدكتور أحمد زايد : الحرية البحثية خاضعة للصدفة والأهواء الشخصية




عميد أداب القاهرة السابق ينفى تدخل الدولة في الجامعة
الدكتور أحمد زايد : الحرية البحثية خاضعة للصدفة والأهواء الشخصية


من خلال خبرته الأكاديمية داخل كلية الأداب بجامعة القاهرة وتوليه منصب العمادة في فترة سابقة يبدو الدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع قريبا من معوقات الحرية البحثية في الجامعة، أرجع تلك المعوقات إلى الرقابة الذاتية التي يمارسها الأكاديميون على أنفسهم إلى جانب تمسك المجتمع داخل وخارج الجامعة بتقاليد تعيق التطور، نافيا أن يكون الانتماء للحزب الوطني الحاكم أفضلية، أو أن تكون هناك تدخلات مباشرة من الدولة في الأداء الأكاديمي. وطرح حلولا أخرى للهروب من القيود الفكرية على الطلاب والأكاديميين.
حوار: عبدالرحمن مصطفى

• هناك سقف يضعه بعض الأكاديميين أمام أفكار الرسائل الجامعية في مرحلة ما قبل التسجيل، ما أسباب هذا النوع من الرقابة؟
- المفترض في الجامعة أن تعمل ضمن خطة بحثية، بحيث يتم التعامل مع الموضوعات في إطار هذه الخطة، وأن يتاح لكل أستاذ قبول الموضوعات المتفقة مع اتجاهاته البحثية وتراكم معرفته إلى جانب مع تفرضه حاجات المجتمع، وهذا ما يجب أن يعلمه الباحث قبل اختيار مشكلة بحثه ومناقشتها مع اساتذته، لكن المشكلة أن بعض الأساتذة ليس لديهم هذه الأجندة البحثية، مما يعطي للصورة أبعاد أخرى.

• ألا توجد بعض المحاذير التي يراعيها الأستاذ عند التعامل مع أفكار الباحثين الشباب؟
- ليس هناك مثل هذه المحاذير إلا في بعض الحالات الصارخة في موضوعات متعلقة بالجنس والدين على سبيل المثال.

• هل ما زالت التابوهات الشهيرة (الدين، الجنس، السياسة) هي ما يحكم الحركة البحثية في مصر..؟
- نعم .. ما زالت هذه التابوهات الشهيرة مؤثرة على الحركة البحثية، لكن على الجانب الآخر يجب أن نذكر أن الباحثين أنفسهم لا يقدمون على التعامل مع الموضوعات الحساسة بشكل جاد، على سبيل المثال: سجل أحد الباحثين معي موضوعا عن "العنف الجنسي"، لكنه للأسف لم يكمل بحثه، ومثل هذا المثال يطرح فكرة أن الجامعة لا تمارس قيودا في هذه المناطق الحساسة من الموضوعات البحثية.

• لكن احيانا ما يكون هناك قيودا على تناول الموضوعات السياسية، وهو ما يدفع المؤسسة الأكاديمية إلى إعادة صياغة البحوث؟!
- لنتحدث بمثال واضح عن هذه الحالة، حين قمت بإعداد رسالتي للماجستير، تناولت موضوعات حرجة ومثيرة في هذا الوقت عن الحركة الطلابية في فرنسا عام 68 وتناولت فكر اليسار الجديد، وتأثير ذلك على الحركات الاجتماعية في الغرب، ولم أتعرض للتضييق عليّ في أي مرحلة من مراحل البحث، لكن.. لأذكر لك ما يحدث أحيانا لدينا في الجامعة، وهو أن يراجع أحد الأكاديميين عنوان البحث، وقد يصل الأمر إلى تصنيف الباحث بسبب اتجاهاته أو اختياراته، وهذا في النهاية يعود إلى الاستاذ وليست سياسة من الجامعة.

• ماذا عن بعض الموضوعات الحرجة التي أهملت دراستها مثل الجماعات الاسلامية، والمشاكل الطائفية، ويتم تغييرها بعد النقاش مع الأكاديميين قبل إعداد الرسائل الجامعية؟
- بعض الأساتذة في مثل هذه الموضوعات يقلقون من ردود أفعال المجتمع تجاههم، ويمارسون بدورهم رقابة ذاتية على أنفسهم تمنعهم من مناقشة بعض الموضوعات، هذه الموضوعات يجب أن تدرس في إطار نظري رصين، ولنقل بصراحة ان بعض الباحثين لا يهدفون من دراسة هذه الموضوعات تقديم بحث جاد بقدر ما يهدفون إلى إدخال السياسة إلى البحث في موضوعات صحافية لا بحثية. دعني أقول وأؤكد أنه لا توجد رقابة في الجامعة، بل نحن من يخلق هذه الرقابة على أنفسنا.


• لكن هناك ردود أفعال من الادارة الأكاديمية تمارس إرهابا فكريا على الباحثين أحيانا؟
- سأحدثك عن موقف حدث مؤخرا في جامعة حلوان حين أرسل عميد إحدى الكليات بحثا إلى الأزهر لمراجعته، وكان بحثا لأحد الاساتذة يتناول النصوص الاسلامية، ولما رفضه الأزهر أثير جدلا حول هذه الحادثة، في واقع الأمر أن مثل هذا عميد الكلية لم يمثل الجامعة، بل استهجنت الادارة هذا التصرف، لأن مثل هذه البحوث عليها أن تناقش داخل الجامعة في إطار بحثي محترم.

• وماذا عن التصاريح الأمنية التي يحتاجها الباحثون في بحوثهم الميدانية.. ألا تحدد مثل هذه الاجراءات شكل البحوث الاجتماعية في مصر.؟
- حسب القانون فإن دخول أي جهة أجنبية في اعداد البحوث الميدانية يستلزم موافقة من الدولة، وهذه الجهة بالمناسبة هي وزارة الخارجية، ولا أعلم إن كانت تراجع جهات أمنية أخرى أم لا، وهذا النظام موجود في أنحاء العالم، بالذات في العينات البحثية الكبيرة، وبشكل عام فإن الجهة الأساسية التي علينا استصدار موافقة منها هي الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء وذلك في كل البحوث ذات العينات الكبيرة، وانا مع اتخاذ هذه الاجراءات خاصة في حالة وجود جهة أجنبية مشاركة في البحوث لأننا لا نعرف إن كانت هذه المعلومات ستخدم أغراض استخباراتية أم لا.

• هل هذه الاجراءات ترسم ملامح البحوث الاجتماعية؟
- في رسائل الماجستير والدكتوراة الجامعية لا نأخذ تصريحات أو إذن، لأننا نتعامل مع عينات بسيطة من داخل الجامعة، وباستخدام مناهج كيفية.. أن طلاب الرسائل الجامعية ليس باستطاعتهم العمل على عينات كبيرة لافتقادهم للتكاليف اللازمة، أما موافقات الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء فلا تتعدى مدتها 15 يوما، كما أن هناك قانون يتم مناقشته الآن عن تداول حرية المعلومات وأتمنى أن يحقق طفرة في هذا المجال، لكن بشكل عام فالقانون لا يصنع الأجندة البحثية.

• إذا عدنا إلى بعض الموضوعات ذات الطابع السياسي مثل العنف داخل السجون وأقسام الشرطة، والعنف الطائفي.. نجدها غير مطروحة للبحث..!!؟
كل أساليب السلوك يجب ان تكون مطروحة للبحث، وهناك دراسات تمت في المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية عن السجون، وتناولت جانب العنف داخل السجون، في هذا المجال لا أذكر بحثا تم منعه سوى بحث شهير لدراسة "السلوك الجنسي"، وهو بحث عالمي، حين حاول أحد الباحثين تطبيقه قبل ثلاثين عاما تقريبا، وأثيرت ضجة ضده، والمفارقة أن المركز القومي وافق عليه إلا أن الصحافة هي التي وقفت ضد إجرائه.

• إذن ما الاطار العام لصورة الحرية الفكرية للباحثين في الجامعة..؟
- في هذا الاطار نحن لا نتحدث عن شكل منتظم لقضية حرية الفكرية في الجامعات بقدر ما أنها تخضع للصدفة، بالامكان أن يقدم باحث جريء على موضوع ولا تقف ضده أي عوائق، وقد يكون حظه عاثرا في توقيت مختلف، فيواجه بمعارضة أكاديمية ضد فكرته، لأسباب شخصية حتى إن كانت نوايا الباحث طيبة بالفعل.

• ألهذا الحد تمثل الأهواء الشخصية قيودا على فكر الباحث الأكاديمي؟
- بالتأكيد.. وهذا حدث معي شخصيا، في مرة كتبت عن أن الخطاب الديني يصنع "كهنوت" يقف حاجزا بين العبد وربه بما يخالف قواعد الاسلام الاصيلة، وجاءت الصحافة لتستخدم عناوين ساخنة ضد ما قلته، كذلك يحدث الأمر داخل الجامعة.

• هذا الحديث يقودنا إلى فكرة أخرى عن عدم قبول المنهجيات الحديثة في البحوث الاجتماعية والحفاظ على الموروث البحثي القديم ضد التجديد!!؟
- هذه نقطة مهمة.. أحيانا ما يحارب الباحث بسبب استخدامه مصطلحات حديثة فيواجه بمعارضة من غير المتابعين للمناهج الحديثة، على سبيل المثال اقترحت على أحد الطلاب العرب موضوع عن "الخطاب الخلدوني" في دراسة أعمال عبدالرحمن بن خلدون، وكان مصطلح "الخطاب" قبل 20 عاما حديثا نسبيا، واعترض رئيس القسم على الخطة البحثية وتم تعديلها تماما، بل أنني في رسالة الدكتوراه الخاصة بي كتبت في عنوانها "التحالف والصراع بين جماعات الصفوة في الريف المصري"، واقترح أكاديميو قسم الاجتماع استخدام تعبير "تفاعل" بدلا من "صراع" للابتعاد عن شبهة الانتماء الماركسي.
بل أحيانا ما يكون استخدام مصطلحات جديدة هو مادة للتهكم والتندر من التقليديين وهو ما يمثل قيدا على الباحث، فتكون الرقابة مزدوجة من المجتمع الأكاديمي ومن المجتمع خارج الجامعة.

• ألا تتفق مع أن هذا التوجه قد انعكس على حالة الجامعة، وتوفير مصادر معرفة حديثة داخل مكتبات كلية الأداب أو مكتبة الجامعة والاكتفاء بالمصادر القديمة؟
- هناك بدائل الآن، ممثلة في استخدام قواعد البيانات التي اشتركت بها الجامعة التي توفر بحوثا حديثة للباحثين، لكن المفارقة أن هناك حالة من الكسل لدى الباحثين و لا يستفيدون من مصدر كهذا متاح بين أيديهم.

• جانب آخر أرغب في تناوله بصفتك عميد كلية الأداب السابق.. ألا تجد انه من الغريب أنه ما زالت تجرى تحريات أمنية على المعيدين قبل تعيينهم في الجامعة؟
- لم يرفض أحد حتى الآن من المعيدين بسبب هذا الاجراء، ونحن نفخر بأن اختيار المعيدين مازال يتم وفقا لمعايير أكاديمية حسب درجاتهم وليس هناك أي تأثير في التعيينات بسبب مستواهم الاجتماعي أو الطبقى على عكس جهات أخرى، حتى الحالات التي كان يتم تعطيلها بسبب هذا الاجراء تدخلت فيها شخصيا، والأمر يعود في النهاية لشخصية عميد الكلية.

• ألا تمثل مثل هذه الاجراءات محاولات مبكرة لتدجين الأكاديميين؟
- ربما.. هي مجرد محاولات ، وقد تنجح مع البعض.

• انت عضو في الحزب الوطني الحاكم، هل تمثل عضوية الحزب أي أفضلية للأكاديمي؟
- الحزب لا يتدخل في الجامعة بأي شكل، والطريف أن بعض المتقدمين لمسابقات تعيين المعيدين بالجامعة يصدرون انتماءهم في اوراق الالتحاق، وهو ما يقابل بتهكم من اللجنة التي تستقبل طلباتهم. فكل شيء يخضع لقوانين الجامعة.

• بعيدا عن الجامعة.. كان لك تجربة في عمل حلقة قراءة مع مجموعة من الطلاب والباحثين لها قواعدها الخاصة، هل هذا هروب من قاعات الدرس التي تفرض قيودها على الأكاديمي والطالب سويا؟
- تجربة "منتدى القراءة" هي أحسن مشروع قمت به في حياتي، فاسلوب التعلم في مصر يقوم على التلقين، وفي قاعة الدرس يمارس الأكاديمي سلطته على الطلاب من خلال امتلاكه للمعرفة، وقد يصل استغلال هذه السلطة إلى استغلال الطلبة في أغراض خاصة، هذا المنتدى شعاره "العارفون يمتنعون"، ففي جلسات القراءة تتحقق المساواة بين الطالب والأستاذ والجميع يتساوى امام النصوص الكلاسيكية، وهو ما لم يتحمله بالمناسبة بعض الأكاديميين حين فقدوا سلطاتهم على الحضور، مثلما يمارسوها في الجامعة.

• هل تجد حال طالب اليوم أفضل في حريته البحثية عن حالك حين كنت طالبا في الجامعة؟
- المجتمع لم يختلف كثيرا في قيوده التي يفرضها على الباحثين وكذلك الجامعات لم تختلف، لكن ميزة هذا الجيل أنه يتوافر لديه مصادر معرفة متعددة، عبر الانترنت، والمكتبات الحالية، على عكس ما كنا قديما نشترى الكتب من بواسطة القادمين من الخارج، مشكلة طالب اليوم أن كلية الأداب حين أنشئت كان الهدف منها تخريج طالب موسوعي، ملم بكافة فروع المعرفة الانسانية الأخرى، في التاريخ والجغرافيا والفلسفة، وربما هذا أحد أهداف "منتدى القراءة"، فما نحتاجه اليوم هو جامعة جديدة، وانسان أكاديمي جديد، خارج قيود التقاليد البالية، والقيود الأخرى مثل الشللية وغير ذلك من معوقات الفكر داخل الجامعة.

Sunday, February 12, 2006

بين الحزب السياسي والتنظيم الإسلامي

من ضمن تعريفات الحزب السياسي تعريف يراه مجرد تنظيم يقدم مرشحين للانتخابات، أو هو جماعة تتقدم إلى الانتخابات التشريعية، وقد اعترض الكثيرون من علماء السياسة على هذا التعريف الذي يجعل من الدخول إلى الانتخابات معيارا لنيل الصفة الحزبية، فحسب هذا التعريف فإن الهيئات الدينية أو المؤسسة العسكرية مؤهلة لاتخاذ الصفة الحزبية إذا ما دخلت الانتخابات.. وهو أمر غير مقبول في النظم الديمقراطية . لعلنا الآن نعيش عهد الانتصار لهذا التعريف، بعدما أثبتت لنا نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخرا في وطننا العربي في مصر والعراق والأراضي الفلسطينية أن بدائل أخرى غير الأحزاب السياسية قد تقدمت إلى الانتخابات واكتسحت الأحزاب التقليدية المطابقة للمواصفات الأكاديمية .

في مصر - مع استثناء النتائج الانتخابية للحزب الحاكم - نجد أن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قد حققت تواجدا في المجلس التشريعي المصري يفوق خمسة أضعاف حجم التواجد الحزبي لبقية الأحزاب المصرية كافة، علما بأن جماعة الإخوان المسلمين جماعة دينية وليست حزبا سياسيا تقليديا.. أما في العراق فقد كانت بعض القوائم الانتخابية تحمل ملمحا طائفيا ومذهبيا فجـا نال الحظوة على حساب الفكر الحزبي التقليدي، ومؤخرا كان التقدم في الأراضي الفلسطينية لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" على حساب "فتح" مصنع القيادات الفلسطينية . وبعيدا عن الأسباب الداخلية التي دفعت إلى ظهور مثل تلك النتائج، وما قد يقال عن أن بعض تلك النتائج - كما في مصر والأراضي الفلسطينية - قد جاءت نكاية في السلطة الحاكمة، فما نلاحظه هنا هو ذلك الخطاب السياسي ذو الطابع الديني الدعوي الذي حقق مكاسب سياسية كبيرة، وتلك الظاهرة تستحق البحث في جذورها كمحاولة لطرح البديل. ولعل مفهوم الحزب السياسي حديث نسبيا على الفكر السياسي، فقد أرجعه البعض إلى منتصف القرن التاسع عشر، غير أنه كان قد استمد جذوره من ميراث حضاري أوروبي إنساني قديم... أما الظاهرة الحزبية في وطننا العربي فأزمتها أنها لم تستمد جذورها من ميراث عربي أو إسلامي، بل انتقلت الفكرة من الغرب إلى عالمنا العربي ضمن حزمة من القوانين والتشريعات نعمل بها حتى اليوم، ذلك في الوقت الذي نجد فيه الجماعة أو الحركة أو التنظيم الإسلامي لديه من ميراثنا الحضاري ما يستطيع أن يخاطب به الجماهير التي أصبح بعضها يطرب لسماع العبارات التراثية والألفاظ الدينية داخل الخطاب السياسي. وكما نرى فإن انتقال التجربة الحزبية إلى ديارنا كان أشبه بانتقال ثمرة نبتت في أرض أوروبية إلى بطون آكليها في المشرق دون تعب أو اجتهاد منهم.. مما جعل التنظيمات الإسلامية هنا أوفر حظا بصفتها وريثة لفكرة الفرقة أو الجماعة التي ظهرت في الحضارة الإسلامية والتي كانت تحمل في طياتها أبعادا اجتماعية وثقافية لم تخف عن أي مؤرخ... وهنا يظهر سؤال هام حول مستقبل الحزبية في بلادنا.. هل هي إلى زوال..؟؟ بعض دولنا العربية بالفعل لا تعترف بالحزبية، والبعض الآخر يناهضها.. فهل نحن في حاجة إلى بديل ..؟؟ العديد من الثورات قامت في وطننا العربي وأقصت الحزبية من الوجود، وبعض النظم العربية قد أعادت الحزبية مرة أخرى لأسباب سياسية.. وهنا نلاحظ أن الإقصاء الأول كان لعدم وجود قناعة بدور الأحزاب السياسية، بل إن بعض الثورات وعلى رأسها الثورة المصرية كان من ضمن أسباب قيامها هو فشل النظام الحزبي، والآن يتشابه الموقف.. ولكن البديل ليس ثورة بقدر ما هو ظهور كيانات ذات ملامح تراثية تتمثل في التنظيمات الإسلامية التي أوجدت لها صلة بالماضي، وتزعم قدرتها على إعادة النهضة الإسلامية إلى الحياة مرة أخرى .

إذن ما الحل ..؟؟
لعل المشترك في الظاهرة السياسية الإسلامية التي برزت خلال سلسلة الانتخابات العربية الأخيرة هو وجود خطاب مشترك يجمع بينها جميعا، وإن اختلفت طريقة تناولها للقضايا الداخلية، إذا فلعل الحل يكمن لدى المنظمات والمؤسسات التي تجمع الكيانات العربية الرسمية، كجامعة الدول العربية على سبيل المثال، فهي مؤهلة أن ترعى فكرة مشروع عربي يهدف إلى وضع تصور لنظام سياسي عربي يراعي التجربة الحضارية المشتركة بين الشعوب العربية، ويراعي الفروقات الثقافية والجغرافية بين الدول والأقاليم العربية المختلفة، ليكون هناك نظام عام يراعي خصوصية كل قطر . لقد عملت الحضارة الغربية واجتهدت لقرون طويلة منذ عهد الإغريق وحتى الآن لوضع نظم سياسية للحكم، فنتجت أفكار عديدة، منها النظام الديمقراطي والذي كان رغم عمومية أفكاره وإنسانيتها قد أتاح الفرصة لكل قطر غربي أن يضع لمساته على هذا النظام، فجاءت الديمقراطية الفرنسية مختلفة عن البريطانية وعن الأمريكية.. لذا فنحن في انتظار من يتبنى الدعوة لهذا المشروع الفكري الذي يؤسس لمرحلة حضارية جديدة تطمح في استقرار سياسي لبلادنا .
فربما يكون قد آن الأوان أن يكون لنا تجربتنا الخاصة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, October 11, 2005

لا تكفروا بالعروبة

بين الحين والحين يخرج علينا من يزعم أن هوية مصر الفرعونية هي الهوية الوحيدة الواجب على كل مصري أن يعتنقها بعيدا عن هويته العربية, و هذا الرأي لا يعتنقه إلا شريحة قد لا تمثل نقطة في بحر إذا ما قورنت بعدد سكان مصر الذي تجاوز السبعين مليونا.. وعموما فدعاوى إنكار العروبة قديمة ومتجددة وأصابت الكثير من دولنا العربية أيضا.
في البداية..علينا أن نعترف أن صدمة قوية قد أصابت المجتمع المصري عقب هزيمة يونيو 1967, فتحولت معها مصر من دولة داعمة إلى دولة مدعومة, ليكتشف الكثير من أبناء مصر أن ما كان يُتلى عليهم ليل نهار من حديث عن العروبة ودعم حركات التحرر في العالم, لم يفدهم في شيء وقت سقوط بلادهم مهزومة ذليلة. فكانت الهزيمة وما تبعها من سياسات ساداتية سببا في جعل علاقات مصر العربية في حالة من الترهل بعد أن سقطت مصر في بحر الوحدة والإذلال, وكأنها تورطت في الأمر وحدها, فأوجد ذلك مرارة لدى العرب والمصريين معا, فجاءت العودة إلى العرب بعد ذلك في شكل علاقات لا بد منها.. ولعل الكثير من الدول العربية قد مرت بمثل هذا الموقف وأخذت تعيد حساباتها مع العروبة. كل تلك العوامل كانت دافعا لظهور تيار ساخط في مصر يذهب إلى التفكير في البعد عن العرب وقضاياهم, على أساس أن الأذى لن يأتي إلا من القريب, وأن مصر قد تحملت الكثير, ويكفيها ما قد حدث لها. ولما كانت مصر مرتبطة ثقافيا مع العرب, فكان منطقيا أن تعود الدعوة الفرعونية إلى الظهور مرة أخرى كي تطالب بفك هذا الارتباط الثقافي وإنكار البعد العرقي فيه, امتدادا لمجموعة من الآراء التي حاولت من قبل إظهار التاريخ المصري على أنه فترة إذلال وقهر, سواء كان رومانيا أو عربيا آو مملوكيا أو عثمانيا... وكأننا بانسلاخنا عن ارتباطاتنا الثقافية السابقة, سنسقط ما حدث وجرى في تاريخنا القديم أو الحديث.
وهنا.. لابد أن ندون بعض الأسئلة أولا. هل عروبتنا مساوية لرومانيتنا أو عثمانيتنا؟ هل انتهت صلاحية العروبة وثبت فشلها..؟ هل كان العصر المصري القديم, وعهد حكم الفراعنة هو الحقبة المثالية في تاريخنا ..؟
قد لا يعلم البعض أن علاقات مصر مع الدول المجاورة لها الممثلة للوطن العربي الحالي أقدم من الإسلام والمسيحية.. فعلاقات مصر القديمة مع الشام أو العراق أو السودان أو الجزيرة العربية قد تضمنت اختلاطا عرقيا وثقافيا قديما, فعلى سبيل المثال نجد قبل أكثر من 3000 عام و تحديدا في عهد الأسرة 19, أن نحو 10في المئة - في بعض التقديرات- من سكان مصر كانوا من الأجانب.. خصوصا من الآسيويين الساميين.
ونجد استرابون المؤرخ الإغريقي الذي ولد قبل ميلاد المسيح بعشرات السنين, يصف لنا مدينة قفط في صعيد مصر بأنها مدينة "نصف عربية"... هذا قبل الإسلام و نزوح القبائل العربية إلى مصر, تلك القبائل التي ذكر عنها المقريزي فيما بعد أن من قبائلها اليمنية الكبيرة ما قد انصهر تماما في مصر وأضحى من نسيج شعبها. وكذلك كان الأمر مع بعض القبائل البربرية المغربية التي وفدت على مصر في العصر الفاطمي, و التي ما زالت شوارع حي الدرب الأحمر بالقاهرة تحمل بعض أسمائها, كقبيلة زويلة التي سكنت بجوار البوابة الشهيرة التي مازالت تحمل اسمها حتى الآن, و قبيلة كتامة التي مازالت هناك حارة باسمها حتى الآن قرب باب الوزير بجوار قلعة الجبل بالقاهرة.
تلك هي مصر... وإذا كنا سنستنكر ما قد حدث للمصريين من ظلم في عهود الرومان أو العرب أو الترك و غيرهم, فعلينا أن ندرس الشخصية المصرية التي لم تتفاعل جيدا مع الأحداث و لم تسهم في تحريكها.
ففي عهد ملوك الفراعنة الوطنيين أيضا قد حدثت تجاوزات في حق الشعب المصري مثلما قد يحدث الآن, إذا فعلينا التعرض للشخصية المصرية بدراسة سلوكياتها للنهوض بها, لا لنفيها عن انتماءاتها الثقافية والعرقية التي أصبحت جزءا منها. فبُعدنا عن العروبة تحت دعوى أن مصر كانت (مصرية) وقت حكم الفراعنة قد يأخذنا إلى طريق مسدود, فقد جاءت العروبة بمفهومها الحديث لترسخ ما قد كان موجودا بالفعل.. ولعل البعض من إخواننا العرب قد يفهم مثل تلك الدعاوى المنكرة للعروبة على أنها تعال على العرب, وذلك في الوقت الذي نجد فيه للأسف تواجدا لمثل تلك الدعوات داخل بعض أقطارنا العربية الأخرى.. وكأن كل فريق له فرعونيته الخاصة به..!
ليكن المصريون أكثر فهما لمن حولهم من الشعوب العربية, وليعلموا أن هنالك هيبة ما تجاه مصر.. تلك الهيبة التي قد يشعر بها المواطن المصري نفسه تجاه بلده فيسعد بمصريته فيفهمها البعض على أنها فخر, وهي الهيبة التي قد تدفع بالمواطن العربي إلى الهجوم أو التفاخر بهويته الوطنية فقط لإثبات وجوده وكيانه, وكأنه يريد إثبات أنه ليس مضطرا لمجاملة تلك الدولة المهابة, لذا فعلى دعاة هذا الفكر المتجني على العروبة ألا يزيدوا الأمور سوءا.
في النهاية نتمنى أن يصل للعرب أن مصر لنا ولهم, بل سنزعم أن اهتمام العرب بمصر قد يكون أكثر من اهتمامهم بالمصريين, لذا فلا مبرر لدعوات لاحتكار مصر وإسقاط عروبتها وكأننا في عصر الكفر بالعروبة, فمصر كانت وما زالت وستظل عربية إلى الأبد.
ــــــــــــــــــــــــ

Monday, May 2, 2005

مشروع وطني

عبدالرحمن مصطفى ـ مصر

لعل أسمى ما يطمح إليه المشتغل في حقل السياسة أن يصل إلى أعلى منصب في الدولة (منصب الرئاسة، و يشمل هذا الطموح كل جماعة في المجتمع تصبو إلى أن يصل أحد أبناءها إلى الحكم. لكن تظل جرأة التقدم لهذا الأمر من نصيب المنتسبين إلى التيارات السياسية الموجودة على الساحة. وطوال الفترة الماضية لم يكن الأمر أبعد من محاولات البعض انتقاد النظام الحاكم بالتصريحات والحملات الدعائية، أو قيام البعض الآخر بالدخول إلى الساحة السياسية من أبواب خلفية، كالتواجد في النقابات المهنية على سبيل المثال. ربما يكون الاقتراح الأخير المقدم من الرئيس حسني مبارك قد فتح مجالا خصبا أمام أحلام التيارات السياسية الموجودة حاليا على الساحة في أن تقوم بتجربة جديدة، فترشح أحد رجالها إلى منصب الرئاسة. في الوقت الذي يتزامن هذا القرار مع دعاوى تبشر بعصر جديد يحمل مقومات التحديث داخله، فينتشل البلاد من أزماتها.

ولكن هل هذا هو الحل لأزمات البلاد..؟ هل وصول شخص إلى منصب الرئاسة من خارج وجوه النظام الحالي سيعبر عن نشوء عصر جديد، أو دولة حديثة..؟! لا أعتقد..!
لتسمحوا لي في المزايدة (المشروعة) على كل من القرار الرئاسي الأخير و أحلام التيارات السياسية في الوصول للحكم، و لأقدم طرحا جديدا أكثر صعوبة من التقدم إلى منصب الرئاسة، ومحاولات الحصول على أكبر نصيب من الكعكة السياسية. كأن تتركز جهود الأمة في انتاج مشروع سياسي يسد الفراغ الكبير في الفكر السياسي لأمتنا. فلماذا لا أدعو إلى اجتماع أبناء الوطن على تقديم اقتراحاتهم من خلال مشروع قومي يسعى إلى رسم صورة تداول السلطة في البلاد.. والوسيلة التي يتم بها الوصول إلى منصب الرئاسة..؟!
لا بد أننا لسنا جميعا راضون عن الممارسة السياسية في وطننا.. فلما لا يحدث ائتلاف بين الأحزاب والتيارات السياسية الوطنية، من أجل السعى إلى تقديم مشروع إلى الدولة يتم من خلاله الإتفاق على العديد من الأمور السياسية في الدولة.. كتداول السلطة، و تنظيم العمل في قطاع المحليات،إلخ..؟ أعتقد أنه إذا كنا نبحث عن عصر جديد يحمل مقومات التحديث داخله فليس من واجبنا انتظار أصحاب الفكر كي يتقدموا أو أن ( يُدفعوا) إلى المناصب العليا بقدر ما ننتظر منهم أن يقدموا أفكارا تنظر وتنظم هذا العصر الجديد الذي نسعى إليه، على أن يكون طرح الأفكار والرؤى ليس حكرا على الجماعات والتيارات والأحزاب، بل أن يكون متاحا للأفراد الذين يريدون تقديم أفكارهم من أجل خدمة الوطن، إلى جانب إتاحة المجال للأفكار القديمة التي حوتها كتب العديد من الكتاب الذين قدموا اقتراحاتهم من أجل النهوض بالأمة .
أجد أن اجتماع أبناء الوطن حول أمر (فكري) كهذا أجدى بكثير من محاولات القفز على منصب الرئاسة دون خطة حقيقية لممارسة الحكم، و اللجوء إلى شعارات من نوع (الحكم بكتاب الله) أو (حماية القومية العربية) دون وجود تصور حقيقي لممارسة السلطة وتوزيعها بين فئات الشعب.

Tuesday, March 29, 2005

الدين والسياسة

عبدالرحمن مصطفى
بين الحين والآخر، يثار الجدل حول مسألة الدين والسياسة، وعلاقة كل منهما بالآخر.. فتختلف الآراء، ويحدث الانقسام، ونرى رأيا يمزج الدين بالسياسة وكأنهما قابلان للتوحد، متعللا بأن كل أمر في الحياة مرده إلى الله، ومن ثم إلى الدين.. وبالتالي فلا حرج في مزج الدين بالسياسة. ورأي آخر على النقيض منه، يذكر أنه لادين في السياسة، ولا سياسة في الدين. إذا فواجب علينا التعرض لتلك الآراء بالنقد، حتى نعلم أيها أقرب إلى الصواب، أو على الأقل حتى نعلم إذا ما كنا في حاجة إلى رأي جديد أم لا.

- في الرأي الذي يذهب إلى المزج بين الدين والسياسة، على أساس أن "كل ما يخص حياتنا موجود في القرآن والسنة".. وقد تكون تلك العبارة الأخيرة صحيحة، ولكن.. كيف يتم التطبيق العملي لها عند مواجهة معضلة سياسية..؟ بالطبع ليس الحل في سرد الآيات و الأحاديث على لسان السياسي، بغرض حل المعضلة السياسية التي تواجهه.. فقد تستخدم الآيات والأحاديث في غير مواضعها، بغرض تحقيق غرض ما في نفوس الحكام وأهل المصلحة.

فكثير من الأمثلة التاريخية تدلنا على ذلك.. فكم من صراع سياسي قام من أجل انتزاع صفة أمير المؤمنين، و لقب الخليفة.. بل قد تم التمسح بنبوءات حوتها كتب الحديث، كفكرة المهدية (1)، مثلما حدث في ثورة المهدي بالسودان(2)، ومثل جيش المهدي حاليا بالعراق.
نجد هنا أن المزج بين الدين والسياسة –أيا كانت مبرراته- يقدم الفعل السياسي للناس على أنه فعل ديني، مما قد يسيء إلى صورة الدين في حالة إذا ما كان الفعل السياسي يحوي ظلما أو بهتانا.

إذن فالمزج بين الدين والسياسة، أمر فيه خطورة، لكونه مزج للحق بما قد يكون باطلا.. للعدل بما قد يكون ظلما.. للثابت بالمتغير. كما أن السياسة في الأصل، تحوي نظما، وقوانين، وشرائع، وأوامر إنسانية، لإدارة شئون إنسانية.. بينما الدين أوامر وشرائع إلهية، لتنظيم شئون إنسانية. فكيف يتوحد الاثنان، والأصل مختلف..؟!
لنترك ما للبشر للبشر، وما لله لله..وتدفعنا تلك الفكرة الأخيرة دفعا إلى الرأي الثاني القائل بأنه " لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة ".. فنتساءل، هل تصلح تلك العبارة لنا..؟؟ هل ستجعلنا تلك العبارة نعيش حالة من الرضا عن أنفسنا وعن علاقتنا مع ربنا..؟؟

عندما ذكر الرئيس الراحل أنور السادات تلك العبارة السابقة في إحدى خطبه(3)، انتهى الأمر بقتله في أقل من شهر، وأصبحت تلك العبارة دليل إدانة ضده حتى الآن. ويربط البعض بين تلك العبارة ذائعة الصيت، وبين فكرة العلمانية(4) ..فنجد أن عبارة " لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة " قد أصبحت مرادفا لدى البعض بالمبدأ العلماني "فصل الدين عن الدولة".
لكن الحقيقة.. أن فكرة "فصل الدين عن الدولة" ، أكثر تطرفا، فتطبيقها يعد نفيا للدين بأكمله عن كل شأن سياسي، وذاك أمر غير مقبول، قد يكون هنالك من لا يؤمن بوجود الخالق أصلا، لكن أعتقد أن شعوبنا المؤمنة بالدين لن تقبل مثل هذا الأمر.لنعد مرة أخرى إلى عبارة " لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة "، ولنبعدها عن تفسيرات من ربَطها بالعلمانية، وفصل الدين عن الدولة. قد ذكرنا منذ قليل أن هناك اختلاف شديد بين السياسة الإنسانية الصنع، والموجهة للبشر، وبين الدين الإلهي الصنع، الموجه للبشر.. من هذا المنطلق، قد نقبل أنه لادين في السياسة، تبعا لنشأة كل منهما، فالدين من الله، بينما السياسة من البشر وطارئة عليه، فلا يقوم الدين بدور السياسة أبدا.
ولكن.. هل معنى هذا أنه لا توجد سياسة في الدين..؟؟

تبعا للنشأة.. فالإجابة أيضا نعم..!
فنحن لا نستطيع إضافة ما صنعه البشر-السياسة- إلى ما صنعه الخالق -الدين- و إلا كان الأمر تحريفا للدين..والإنسان يشرع تبعا لظروفه.. بينما شرع الله لكل زمان، ومكان، ولكل البشر. لكن.. قد نجعل لما صنعه وشرّعه البشر، مرجعية متمثلة في الدين (صنعة الخالق).. ووقتها لن نجد سياسة في الدين، بقدر ما سنجد توجيها من الدين للسياسة التي نصنعها ونحن أحرار.
- إذا.. فكيف ننظم تلك العلاقة بين الدين والسياسة التي حولها البعض إلى فتنة بين الناس ..؟

* أن نعترف بإلهية الدين، فلا نقحمه في السياسة البشرية، وكأنه أداة في يدنا بديلة عن السياسة.. فلا يجب أن يحل الدين محل السياسة أبدا.

* علينا أن نعترف ببشرية السياسة، وأنها من صنعنا، وقابلة للتغيير، وأن الفكر الإنساني مهما تطور، فهو قاصر.. لذا فيجب أن يكون الدين مرجعا لكل تشريع أو نظام سياسي، و لكل فكرة أو نظرية سياسية (بشرية).

* علينا أن نجتهد في فهم ديننا حتى نستطيع التعامل معه، والاستفادة منه.

* عدم التقصير في الابتكار السياسي.. لأن ذلك قد يجعل الدين ضحية لكسلنا، فيأخذ الدين (الإلهي) محل السياسة (البشرية)، ومن ثمَّ يحمل الدين أوزارنا، وترتبط سُمعته بسمعتنا.

في النهاية.. نتمنى أن نرى الدين يقوم بواجبه تجاه السياسة من تقويم وتهذيب لها، فيكون للسياسة – صنعتنا- مرجعا ضابطا ومحددا لها، يتمثل في دين سماوي من عند الله أريد به خيرا للبشر . فلنجتهد في صنع سياساتنا ونظمنا السياسية-أيا كانت- على أساس مرجعية ديننا، وعلى أساس اختلاف سياسة كل دولة عن الأخرى، باختلاف الزمان والمكان والإنسان (5) .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيلاف

(1) وردت فكرة المهدية في بعض كتب الصحاح الستة للحديث النبوي، عن المهدي المنتظر من نسل فاطمة بنت محمد عليه الصلاة والسلام، الذي سيملأ الأرض عدلا وخيرا .. والفكرة هي أحد أركان الفكر الشيعي، متمثلة في الإمام.. أما عند الصوفية، فتتضح أكثر في "القطب" أو "غوث الزمان"، والفكرة موجودة بشكل مشابه في الكتاب المقدس، عند الحديث عن "المسيح المنتظر".

(2) هو محمد أحمد بن عبد الله.. يرجع نسب أسرته إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ولد بدنقلة 1844مـ ،نصب زعيما لإحدى الطرق الصوفية عقب وفاة شيخها، وبدأ في دعوته الإصلاحية، وأتخذ لقب محمد أحمد المهدي منذ عام 1881مـ،وبدأ ثورته على الأوضاع السائدة، حتى اصطدم بعدها مع الاستعمار الإنجليزي، وتوفي بعد إسقاطه لمدينة الخرطوم في عام 1885مـ.. وظهر في أيامه آخر بالسودان ادعى أنه المهدي المنتظر.

(3) ذكر الرئيس الراحل/أنور السادات تلك العبارة في سياق حديثه عن الإخوان المسلمين في بيان إلى الأمة في 14/9/1981

(وساعة ما نقول لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة.. يقولوا أبداً.. الدين سياسة والإسلام دين ودولة- آه دين ودولة صح، لكن أن تفرض وصاية على مصر باسم الدين على طريقة الخميني كما يكتبوا الآن.. لا..).

(4) العلمانية: هو مصطلح غامض ذو أصول كنسية بمعني (اللااكليركي) أو (غير اللاهوتي)، ويعبر المصطلح عن موقف أوروبي جاء نتيجة صراع ونضال أوروبي ضد المؤسسات الدينية هناك، التي احتكرت لنفسها مقومات الحضارة الفكرية والعلمية، ويربط البعض بين العلمانية والاستعمار الأوروبي، وأن أوروبا تصدر العلمانية للشعوب الإسلامية كي تفتنها عن دينها.

(5) عناصر التاريخ : الإنسان والزمان والمكان

Friday, December 24, 2004

علماني كافر

يجهد بعض الإخوة أنفسهم في سباب العلمانية ومحاولة إثبات أنها ضد الإسلام تمهيدا لتجهيز تهمة العلمانيةلأي مجتهد حتى لو كان اجتهاده من خلال النص الديني. وذلك منعا لإجهاد العقل في التعامل مع أي طرح فكري غير تقليدي، فيكون ردهم واجتهادهم فقط في وصم هذا الطرح الفكري باللعنات والنعوت المخيفة بغرض نفيه تماما من على الساحة، بدلا من تقييمه والاعتراف بما قدمه من فائدة حتى لو كان أغلبه غير مقبول.
نعم.. علمانية أوروبا التي تنفي كل صلة للدين بالحكم، لن نقبلها جميعا، وفي الأغلب سيكتب لها الفشل على مر الأيام بين شعوبنا المحبة لدينها. لأنها نبتة أوروبية لا يصلح زرعها في بيئتنا، ولكن لماذا لم نتساءل أولا - دون أن نخوِّن بعضنا – لماذا كان اتجاه البعض منا نحو تلك الفكرة الغربية أصلا..؟! ثم لماذا إذا اشتط أحد هؤلاء لا نعيده إلينا كفرد من جماعتنا و نتناقش في جو آمن بدلا من أن نُظهر الدين –دون أن ندري- على أنه عائق بين طموحاتنا وبين وحدة فكرنا..؟ هذا أمر لا نقبله ، ولا يقبله خالق الدين نفسه.
إن من اتجه إلى العلمانية - على النمط الأوروبي - إنما اتجه إليها هروبا من فكرة أن يكون لفئة ما من المجتمع سطوتها ونفوذها باسم الدين كما كان لكنيسة روما في العصور الوسطى، فكان التعامل مع تلك الفكرة بغرض إزاحة تلك الفئة من الصورة.
لذا فلا عجب إذا وجدنا أن تلك الفكرة قد بدأ تناولها والتعامل معها -ولن أقول الإيمان بها- بعد عهد محمد علي الذي حاول إضعاف النفوذ (السياسي) لرجال الأزهر والأشراف، ذلك النفوذ الذي اكتسبوه على أساس ديني أعطاهم شيئا من القداسة وجعل العامة تهرع إليهم كي يأتوا إليهم بحقوقهم الضائعة، مع وجود فئة التجار التي كان من الممكن أن تكون نواة لطبقة برجوازية قوية.
و لكن للأسف فمفكرينا لم يأتوا إلينا حتى اليوم بالفكرة التي تصلح لمجتمعاتنا بدلا من الأخذ بفكرة أوروبية جاهزة نتجت وتطورت في بيئة و ظروف مختلفة، على الجانب الآخر.. نجد النداءات واللعنات تنصب على (العلمانية) كمدخل لجعلها تهمة جاهزة يتهم بها المجتهدين أو المقترحين حتى لو كان اجتهادهم ذلك من خلال النص الديني. وهنا لا بد أن نتساءل أولا.. كم شخص خرج من بيننا يلعن هذا الدين (هذا غير الذين يقومون بسب الدين كنوع من السباب)...؟! و كم شخص أعلن للناس كفره بالدين..؟! وكم عدد أولئك الذين رفضوا أن يُستخدم الشرع في التشريع والقانون ..؟! قلة قليلة ذات صوت عال ، زعق حولها آخرون من "حماة الدين" فجعلوهم ظاهرة،
ولما كان البعض مستفيدا من وجود هؤلاء ممن لقبوا (بالأعداء) و (العملاء) لعدم قدرته على مواجهة أعدائه الحقيقيين ، فجاء ذلك الاتجاه نحو التكاثر عليهم واستضعافهم لتحقيق أي نوع من النصر في زمن كثرت فيه الهزائم. فتكون الحصيلة لدينا فريقين ،صُنِّفَ أحدهما على أنه إسلامي و صنف الأخر على انه علماني . وذلك رغم أنه من ضمن هؤلاء ممن سموا بالعلمانيين أناسا كان غرضهم طرح فكر جديد ، بل إن منهم من استخدم النص الديني في ذلك. ولأن العلمانية ليست من نتاج ثقافتنا ، فكثيرا ما يخفق من يحاول استخدامها حتى مع استعمال النص الديني في ذلك. ولكن الكارثة ليست في الإخفاق بقدر ما هي في إقصاء تلك الاجتهادات و التعامل معها على أنها ملعونة، مما قد يؤدي إلى تعنت هؤلاء المجتهدين بعد ذلك ممن أرادوا الخير لوطنهم. فكما يقال (العند يورث الكفر) . ولكن الأفضل والأفيد والأصدق لهؤلاء الذين يربطون بين كل من تعامل مع فكرة العلمانية وبين كون تلك الفكرة عير مقبولة و ليست نتاج حضارتنا أو أفكارنا ومن الصعب تطبيقها عمليا في مجتمعاتنا.. أقول أن الأصدق لهؤلاء أن يأتوا بأفكار من اجتهد، ويحاولوا دراستها و نقدها، ليس بغرض إنكارها كلية أو إظهارها بمظهر الكتابات الملعونة، ولكن بغرض تقويمها والوصول بها إلى ما يرضاه خالقنا وخالق عقلنا الذي جعله لنا وسيلة للاجتهاد والتصويب. ولكن حالة "البطالة" الفكرية التي نعيشها تجعلنا نستسهل أن نأخذ بقوالب جاهزة، فإما علمانية غربية تنفي الدين من الحياة السياسية. أو ممارسة كهنوتية للسلطة باسم الدين.
في النهاية أتمنى أيضا ألا نمزج بين فكرة سياسية -العلمانية- كان لها رؤيتها للدين، والتي ظهرت في بيئة وظروف تاريخية بعيدة عنا، وبين ما نعانيه اليوم من ابتذال أو عدم التزام أخلاقي أو حتى قيام البعض من بيننا – وهم ندرة- بالتهكم على الأديان، فلو لم يكن هنالك علمانية، لوُجدت كل تلك الأمور، لأنها تصرفات إنسانية تظهر في ظروف معينة علينا دراستها أولا.
و أخيرا أتمنى ألا يعتبر هذا المقال دفاعا عن الكفر ، الذي لقبه البعض منا "علمانية" .. أو أن يُعتبر دفاعا عن العلمانية التي اعتبرها البعض منا "كفرا".. فأكون بذلك علماني كافر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

Sunday, December 5, 2004

حكمة الملائكة

بقلم : عبد الرحمن مصطفى حسن ـ مصر

حين كان الرئيس الفلسطيني الراحل عرفات محاصرا اندهش الكثيرون من أن يكون رئيس الدولة محاصرا، وكذلك فعلوا حين تقدم أمين سر حركة فتح مروان البرغوثي – المعتقل لدى إسرائيل- ليرشح نفسه رئيسا لفلسطين ، وكأنه يصنع التطور الطبيعي لحال رئيس فلسطين ، فبعد أن كان الرئيس عرفات محاصرا من قبل إسرائيل، يكون الرئيس التالي له ( البرغوثي) سجينا لدى إسرائيل. و رغم أن البرغوثي قد سحب ترشيحه ، ثم عاد إليه مرة أخرى إلا أن فكرة وجوده ضمن المرشحين للرئاسة قد أثارت الكثيرين من أبناء منظمة فتح نفسها ، وهم الذين اعتبروا أن هذا "عبثا سياسيا" ، وتشويشا على دور الحركة.. ولن أدعي أني قد شققت عن صدور رجال منظمة التحرير الفلسطينية لأعلم ما بداخلهم تجاه مروان البرغوثي ، و لكن الدلائل تشير إلى علو نجم الرجل على الساحة الفلسطينية، خصوصا وأن الكثيرين يعتبرونه رمزا للمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. فلماذا لم يتم قبول مروان البرغوثي ضمن المرشحين للرئاسة..؟ هل هي الغيرة ؟؟ أم عدم قدرة شعوبنا على قبول منافسين لحكامهم ينازعونهم في شعبيتهم..؟! أعتقد أن المشكلة الحقيقية هنا ليست مشكلة فلسطينية فحسب، بل هي مشكلة كل قطر عربي لا يقبل بتوزيع القوى السياسية على عدة هيئات أو مؤسسات أو حتى أفراد ، فشعوبنا تؤمن بالحاكم المقدس .. الفرد الصمد.. الذي لا شريك له..! و ما دامت الشعوب العربية تؤله حكامها، وتنظر على الحاكم على أنه إله لا يخطأ ، ولا يُنافس ، ولا يشرَك به .. فبناءا علي ذلك .. لا يجب أن يكون هنالك آلهة أخرى تنازع هذا الحاكم الإله في الحكم ، اللهم إلا أن تكون آلهة للشر..! وبالتالي.. ففكرة أن يكون هنالك عدة مرشحين للرئاسة لن تجد قبولا في بلادنا العربية ما دامت هنالك قدسية للحاكم ، حيث أن ذلك الأمر سيكون نتيجته إما الفتنة ـ تنازع الآلهةـ أو أن يتجه العامة لانتخاب شخص واحد من المرشحين – كبير الآلهة- ويكون باقي المرشحين مجرد ديكور للواجهة المطلة على الشارع الدولي. فالمشكلة التي أثيرت حول ترشيح البرغوثي نفسه في الإنتخابات الفلسطينية المقبلة سببها أن البعض يخشى من تزايد شعبية مروان البرغوثي خلال الانتخابات ، الأمر الذي سيوجد منافس للحاكم الإله الذي سيعقب عرفات بما كان له قداسة كبيرة لدى شعبه، وفكرة أن يكون هنالك منافس لدى الحاكم هي أمر غير مقبول لدى العرب، فهو إضعاف للحاكم، وبداية لفتنة قادمة بين أنصار الطرفين ، حيث أنه من المفترض لدينا ألا يُنازَع الحاكم في شعبيته (قدسيته) من قِبل أحد أيا كان. و أجدني الآن بعد حديثي عن نظرة شعوبنا إلى حكامهم على أنهم آلهة، أتجه بتفكيري إلى الله.. خالق الحكام والشعوب ، لأتذكر موقف الملائكة – التي هي أفضل منا- مع الله خالق الشعوب و الحكام (الذين تم تقديسهم محليا) في موقف يرويه القرآن عن قصة خلق آدم.. فأجد أن الملائكة تسأل ربها – وليس حاكمها- في توقيت ملائم عن المخلوق الجديد ، وحكمة خَلقه، وعندما أمِرَت الملائكة بالسجود لهذا المخلوق الجديد ، سجدت طاعة لأوامر الله الملك ، بينما ظهر حمق الشيطان في تمرده على تلك الأوامر نتيجة قلقه و غيرته من المنافس الجديد فكان تكبره على القوانين الإلهية .. ومع الفارق..للأسف.. نجد أن شعوبنا أحيانا تقع في نفس خطأ الشيطان ، فتتمرد على القوانين، و تثير الفتن نتيجة رفضها أن يكون هنالك منافسا لحاكمها المقدس.. فإذا كان الشيطان لم يقبل أن يسجد لآدم تكبرا وحرصا على مصلحته الشخصية في أن يكون هو الأفضل.. فشعوبنا لا تريد أفرادا متنافسون في الانتخابات ، ثم متعاونون خارجها ، إنما تريد حاكما مقدسا بغير منافس. الشيطان يتمرد على القوانين لمصلحته بعد ظهور منافس جديد لم يعجبه ، ونحن نتمرد عل القوانين ونثير الفتن عندما يظهر منافس لحاكمنا..!! وماذا عن الملائكة..؟! ماذا حدث لها..؟؟ لم يُنتقص من مكانتها من شيء .. أما آدم الذي سجدوا له ، فقد هبط من الجنة مذنبا .. وأما الشيطان ، كان تكَّبره على قبول منافس له قد جعله في لعنة أبدية إلى يوم الدين .. ليتنا نتعلم من حكمة الملائكة التي كانت أكثر ثقة في نفسها، وأكثر التزاما بالتشريعات .. فبمثل تلك الحكمة قد تصبح انتخاباتنا أكثر مصداقية ، بدلا من أن تكون كالموالد الشعبية ، التي يكثر فيها دراويش صاحب المولد.
ـــــــــــــــــ

Monday, October 25, 2004

هذا مقال اسلامي

بقلم : عبدالرحمن مصطفى حسن ـ مصر
مثلما أن هنالك بنك إسلامي، و مدرسة إسلامية، ومحل إسلامي.. الخ فلماذا لا يكون هذا المقال أيضا إسلامي..!! فربما يكون السر في ذلك الوصف الذي سيجذب الزبائن والزوار ، ويجعلهم يشعروا بالأمان والطمأنينة لي قبل قراءة مقالي..أما لو أردنا قول الجد.. فأعتقد أن القرآن والسنة لو أصبحا حقا في عقولنا و صدورنا ، لكانت تصرفاتنا تلقائيا تأتي ونحن راضين عنها، ولن نكون حينئذ في حاجة إلى أن نصف أنفسنا بالمسلمين أو الإسلاميين بين كل كلمتين ننطق بهما .. وفي السياسة.. يكون لهذا الوصف (الإسلامي) بريقا آخر ، وذلك عندما يحاول البعض تحويل الإسلام إلى مذهب سياسي.. وحينئذ ، يكون تحويل الدين إلى مذهب سياسي دافعا إلى التعامل مع القرآن والسنة بانتقائية..! بمعنى أيسر فنكون وكأننا نقوم بتفصيل ثوب صغير( مذهب سياسي) من هذا القماش العريض اللانهائي (القرآن والسنة).. فبدلا من أن يكونا القرآن وسنة الرسول في داخلنا ، عليهما الآن أن يكونا غطاءا خارجيا لما نقوم به من أعمال.. فيكون الحزب إسلامي.. والبنك إسلامي .. ومحل الملابس إسلامي وكأن كل صاحب نشاط ينتقي من الدين قطعة القماش التي ستفصَّل كي تكون رداء لنشاطه.. مع أن الطبيعي أن يكون في داخلنا القرآن وسنة الرسول معا ، فتكون أفعالنا مبنية على هذا الأساس ، فيكون نظام دولتنا - تلقائيا- مبني على هذا الأساس أيضا.. و لكن ما نراه هو ذلك التكرار على المسميات الإسلامية ، والتأكيد على الهوية الإسلامية.. فما معنى أن نجد جماعة إسلامية ، ومدرسة إسلامية ، وبنك إسلامي ، محل إسلامي ،..الخ ، في دول الغالبية العظمى من سكانها مسلمين..؟!! قد يرد البعض هنا بأننا فعلا مسلمين ، ولكن الدولة لا تسير على تعاليم الإسلام ..! ولو افترضنا جدلا هذا الأمر.. فمَن السبب في ذلك..؟ الحكام.. ومن أين أتوا الحكام ..؟! جاءوا من الشعب.. وهنا أعيد فكرتي مرة أخرى ، لو كانت نصوص القرآن - التي يجب أن نؤمن أن إدراكها سيختلف من جيل إلى جيل - إلى جانب أفعال الرسول، مختزنة في قلوبنا وعقولنا، لكانت أفعالنا مبنية على هذا الأساس ولكان دستورنا يقوم على القرآن والسنة دون أن يكون دستورا (إسلاميا) ، ولكان تعليمنا ، و اقتصادنا ، و سياستنا يعمل بما في القرآن والسنة دون أن يكون تحت مسمى إسلامي.. لا أدري..! إنني عندما أجدنا نكرر لفظ إسلامي .. وإسلامية.. أجدني أشعر أننا وكأننا دخلنا في الإسلام حديثا ، ونتحدث بهذه الصورة لأننا "محدثين نعمة" .. أو أننا كالمرأة اللعوب التي تذكر كلمة (الشرف) بعد كل كلمة . فهي تعمل بشرف .. وأغلى شيء في حياتها هو الشرف .. وتتحدث عن النساء الآخرين عديمي الشرف ..الخ أعتقد أن تعامل البعض منا مع الإسلام على أنه غطاء.. أو وصف .. أو رداء.. هو الذي يدفعنا للبحث عن لصق الإسلام بأفعالنا ، كنوع من تأنيب الضمير ، حيث أننا نعلم أننا نضيق واسعا عندما نبحث - بتكلف وتصنع - في كل نشاط عن شكل إسلامي، بينما الطبيعي أن نكون أكثر طبيعية ،عندما نكون على وعي بديننا ، فيأتي تعاملنا مع مختلف الأنشطة طبيعيا ... لا أن ننتقي من الدين الجزئيات الخاصة بنشاط ما و نضيفها أو نقحمها على النشاط كما تعلق الصورة على الحائط كي يكون للنشاط علاقة بالدين.. بل المفترض أن يكون الدين في تفكيرنا ، وقبل فعلنا عند أي تعامل ، وقبل وضع أي فكرة.. فنكون نحن الدين نفسه يسير عل الأرض. أليس الرسول الكريم محمد كان قرآنا يمشي على الأرض كما وصفته أم المؤمنين عائشة..؟! ولقد كان يعيش الصحابة على طريقتهم الأولى ، فدخلوا الإسلام .. ولأنهم كانوا أكثر ثقة في أنفسهم منا ، فلم يكن عندهم هذا النقص الموجود لدينا الآن ، فتعاملوا مع مختلف الشعوب ، ووُضعوا في مختلف المواقف الصعبة والجديدة .. فتعاملوا معها بتلقائية من يعيش المنهج بداخله.. أما نحن فعلينا الآن أن نبحث في سر هذا التكلف الذي نعيش به ، فأصبحنا وكأننا ننافق الإسلام بأن نضع اسمه على أنشطة حياتنا ، وكأنه شخص نريد أن نرضيه لقداسته.. بينما في اعتقادي أننا يجب أن نكون نحن أنفسنا الإسلام..! أليس رسولنا كان تجسيد القرآن..؟! وفي النهاية أريد أن أذكر أن فكرة أن يحتكر البعض الصفة الإسلامية دون الباقين ، هي بداية كل خطر ، وفيها استعداء لباقي أفراد المجتمع ، وقد تولد تيارا مضادا

Thursday, October 21, 2004

نحن والدين .. من يخضع للآخر ؟!

بقلم : عبدالرحمن مصطفى حسن ـ مصر
هل حدث في يوم من الأيام أن نظرت إلى الدين على أنه كائن حي..؟! وبدأت في تحديد العلاقة بينك وبينه ، ومن منكما يخضع للآخر .. ربما لم يحدث هذا من قبل.. تعال نتحدث حول هذا الأمر .. حول علاقتنا بالدين..!

هل نحن خاضعون للدين ؟ أم أن الدين هو الخاضع لنا..؟ سيجرنا هذا التساؤل جرا إلى أمر آخر، وهو .. ما هو الدين أصلا..؟ وهنا، لنتفق على تعريف بديهي بدلا من أن نتجه إلى المراجع التي تختلف توجهات مؤلفيها، ولنعتبر أن الدين هو تعليمات الإله - للمؤمنين بوجود إله – التي وجهها للبشر بغرض أن يعملوا على تطبيقها في دنياهم وذلك من خلال نص أنزله إليهم . فالخالق هو الأعلم بما خلق ، وهو الأدرى بتنظيم العلاقة بين الدنيا والبشر.. ولكن.. أليس البشر مختلفون ..؟! والدنيا تتغير بتغير الزمن..؟! إذن فمن المفترض أن يكون هنالك مناهج مختلفة من الخالق لهؤلاء البشر المختلفين تتغير بتغير الزمن. وهذا ما كان ، حتى جاء الإسلام ، فأصبح لكل بشر آت ، وكل زمان قادم ، لذا اعتنى الخالق بأن يكون هذا الدين الأخير لائقا لكافة البشر ولكل العصور القادمة. مع العلم.. أن الخالق قد أخبر البشر في نفس المنهج الذي أرسله إليهم أنه مع مسيرة الأيام سيبدأ الناس في الابتعاد عن هذا المنهج الأخير (الإسلام) ، حتى يعود غريبا كما بدأ ، وهذا أمر منطقي لتطور الأحداث عبر الزمان. ومع مرور الزمن نستطيع ملاحظة علاقة الناس بالدين ، وذلك عن طريق ملاحظة فريقين من الناس .. الفريق الأول .. يرى في الدين نوع من التعليمات التي عفا عليها الزمن ، ومرت عليها العديد من القرون ومن الواجب الابتعاد عنها، لأنه من الحمق أن نتبع ما هو قديم.. حيث أن ترك تلك التعليمات أمر يسير ، وله متعة خاصة، خصوصا عندما يتحول تارك الدين إلى بطل أو زعيم. أما الفريق الثاني.. فيؤمن بهذه التعليمات التي أنزلت منذ قرون عديدة.. ولأنها أنزلت منذ قرون عديدة فقد نظر إليها أصحاب الفريق الأول على أنها قديمة ، بينما رأى أصحاب هذا الفريق الثاني أن الصورة المثلى للحياة كانت وقت نزول الدين (عصر السلف)، وكأنهم نسوا أن هذا الدين مفترض فيه أن يكون صالح لكل بشر آت ولكل عصر قادم ، وكأنهم بذلك اتفقوا – دون أن يعلموا- مع أصحاب الإتجاه الأول في أن تعليمات الإله (الدين) قديمة ، فأخذوا يقلدون السلف بدلا من أن يتعلموا منهم. إذن فأمامنا الآن فريقان.. الأول ، رفض الدين لأنه قديم ، والثاني، تمسك بالدين على أنه قديم . وكلا الفريقان اتجه هذا الاتجاه في تحديد علاقته بالدين ، هروبا من التعامل مع النص الديني، فاحتقر الأول النص ، واتجه الثاني لتقليد من كان يعيش بالقرب من عصر نزول النص.. وهنا نعود لنتذكر مرة أخرى أنه من المفترض أن يكون آخر الأديان (الإسلام) صالح لكل بشر آت ، ولكل عصر قادم ، ولكن الفريقين السابقين قد نظرا للدين على أنه مرتبط بحقبة ما على رغم من تعارض الفريقين. إذن فعلينا ألا نهرب من النص الديني سواء بالكفر به ، أو بتقليد السلف في تكلف، فيصبح الدين في الحالتين وكأنه دين السلف فقط، أو أنه تراث. فالإسلام ـ نظريا ـ هو دين السلف ومن بعدهم حتى نهاية التاريخ ، خصوصا وأن النصوص ثابتة في أي وقت ، فتتحدد علاقتنا بالدين من خلال قراءتنا للنص الديني. ومن أئمة الإسلام من فسر تلك النصوص فشكلت تفسيراته و رؤيته في بعض الأحيان مذهبا باسمه ، هذا بالإضافة إلى ما قدموه للمسلمين من علم حُفظ باسمهم حتى اليوم . ولكن عندما يختزل الدين في مذهب واحد ، أو تفسيرات شيخ واحد أيا كان عصره ، فهذا في اعتقادي ظلم للنصوص الدينية ، مع العلم أن هؤلاء الأئمة لم يقولوا برأيهم في الدين ، إنما اجتهدوا من خلال اللغة وما تركه من قبلهم.
إذن فيظل أملنا في بقاء علاقتنا بهذا الدين متزنة ومتماسكة ، ببقاء الاجتهاد الذي سيحكمه النص والظروف الزمنية المحيطة ، وذلك حين يأتي الجيل من الناس فينظر فيما قدمه من قبله من تفسيرات و اجتهادات ، فينتقي منها ما يلائم ظروفه.. أو أن يقدم جديدا فتصبح إضافة في قائمة طويلة من التفسيرات و الإجتهادات. وهذا هو عمل من يريد أن يجدد أمر دين هذه الأمة.. " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها أمر دينها " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآن.. ريما نستطيع الإجابة على السؤال الذي طرحناه في البداية.. هل نحن خاضعون للدين ؟ .. أم أن الدين هو الخاضع لنا ..؟ في رأيي أن الإجابة هي أن الدين هو الذي يخضع لنا ، وذلك رغم أن النص لا يخضع لنا لا بتغيير أو بتعديل.

Monday, September 20, 2004

علمانية

بقلم : عبد الرحمن مصطفى حسن ـ مصر
"علماني كافر" ، "يريدونها علمانية، فيعود الإسلام غريبا " ، "هؤلاء من ضيعوا الدين فسيضيعهم الله" .. إلخ. تلك بعض العبارات التي نسمعها دائما عندما يأتي الحديث عن العلمانية، التي أصبحت مرادفا للكفر لدى شريحة كبيرة من الناس، على الرغم من أن أغلب المسلمين المتجهين لاستغلال تلك الفكرة الأوروبية غرضهم الأساسي هو الإصلاح..!
و كما يعلم البعض منا أن العلمانية لم تكن شرقية المنشأ بأي حال من الأحوال .. إنما نشأت نتاج تفكير أوروبي بحت يسعى لحل أزمة المجتمع الأوروبي الذي خرج رجال الدين المسيحي فيه عن دورهم ، و دأبوا على منازعة الحكام سلطانهم ، فأرادوا السيطرة على الناس من خلال الدين حتى يصلوا إلى الحكم، من خلال سيطرتهم على الأمور الدنيوية إلى جانب الأمور الدينية .
وقد كانت الحركة الصليبية حلقة في هذا النزاع بين رجال الدين والملوك والأمراء على اختطاف السلطة الزمنية، حين أصبح رجال الدين هم من يأمرون الناس للخروج إلى تلك الحملات ، بل أصبحوا يأمرون الملوك أنفسهم بذلك ويُصدرون ضدهم قرارات الحرمان الكنسي في حالة عدم استجابتهم.. فيتم إذلال الملوك وخضوعهم للسلطة الدينية .
من هنا، كان رد الفعل الأوروبي ضد كل هذا .. هو محاربة تلك الفئة ( السلطة الدينية المتمثلة في رجال الكنيسة) وكسر نفوذها الذي أفسد أوروبا وجعلها مرتعا للجهالة ..
فجاء فصل الدين عن الدولة ... الدين المتمثل في أي سلطة دينية وأي نص ديني ، حيث أن استخدام النصوص الدينية في الحكم سيجعلها منفذا لدخول رجال الدين مرة أخرى للحكم ... رجال الدين الذين كانوا من قبل قد احتكروا قراءة الكتاب المقدس وتفسيره (المكتوب باللاتينية) .
وهكذا نجد أن العلمانية مفيدة لأوروبا فبها تحررت وانطلقت تغزو العالم (بعيدا عن قيادة رجال الدين كما في الحروب الصليبية) . أما هنا في بلاد الإسلام : وفي اعتقادي أن اتجاه البعض في بلادنا إلى العلمانية إنما هو رد فعل على قيام البعض من بيننا - ليس بدافع تقليد الأوروبيين طبعا - بمحاولة القيام بدور مشابه للدور الذي كان يقوم به رجال الكنيسة في العصور الوسطى ، أي محاولة استخدام الدين في الوصول للحكم أو حتى مناطحة الحاكم ، والادعاء بأنه بعيد عن الدين .
و كثير ممن يؤمن بالعلمانية ، ينظر إليها من وجهة نظر أخرى غرضها الإصلاح، لا بغرض إنكار الدين .. ولكن لأن الفكرة غربية فتطبيقها صعب ، والواجب هو الإتيان بفكرة جديدة لعلاج استغلال البعض للدين ، وذلك على يد مجموعة من المفكرين الذين هضموا فقهنا وتراثنا ومشاكلنا ليأتوا بفكر جديد .
ولكن حتى يتم ذلك فعلينا الانتظار ، ومتابعة ما يقوم به المتحدثون باسم الإسلام والمسلمين من مهاجمةٍ لما يقدمه أولئك بدلا من تقويمهم وتعديل فكرهم للخروج بنظرية جديدة .
ولكن لماذا نتجادل ونفكر ونتعاون.. ؟! فالبعض يستفيد من كونه يظهر بصورة البطل المسلم ، حامي الإسلام ، خصوصا وأنه يكتسب قوة أكثر وأكثر بمثل تلك الأمور قد تؤهله فيما بعد لمناطحة الحاكم !
إذن عندما يختفي هؤلاء الذين يستغلون الدين للوصول إلى مآربهم سيختفي أولئك الذين يريدون نفي الدين من حياتنا.
وعموما فمن النادر أن نجد شخصا مسلما يخرج إلى الناس زاعما أن هذا الدين يضر بحياتنا ويفسدها ولابد من هجرانه (وقد يحدث) ، إنما في الغالب أن ما يحدث هو استغلال سقطات لبعض الكتاب أو التفسير السيئ لما كتبوه ، وذلك من قِبَل أولئك الذين يزعمون أنهم حماة الدين ، ومن بعض المتسرعين ، وبالطبع يثير ذلك حفيظة الناس ويستغل تدين شعوبنا وحماسة بعض الشباب منا (الشباب الذي لا يقرأ كثيرا) . وتدور المعارك .. بالضبط مثلما كان يفعل رجال الكنيسة في العصور الوسطى عندما أثاروا حمية الناس في دعواتهم الصلييبة ، لتعود مرة أخرى نفس الدائرة على الساحة، تلك الدائرة التي يدور فيها طرفان أحدهما يحتكر الدين ، والآخر يريد نزع الدين وطرحه بعيدا خارج الدائرة حتى لا يحتكره أحد بعد ذلك .
وربنا يهدي الجميع