Showing posts with label تاريخ. Show all posts
Showing posts with label تاريخ. Show all posts

Monday, December 13, 2021

ما نفعله بالتاريخ وما يفعله بنا... معارك ضد الماضي




عبدالرحمن مصطفى

قبل سنوات بعيدة، أبدى أستاذي المخضرم في قسم التاريخ بكلية الآداب استياءه من مكالمات الصحافيين التي تطلب منه تقديم قصص تاريخية مسلية للقراء، حتى إن كانت ضمن تعليق على حدث له جذور تاريخية. واليوم، أتذكره كثيراً حين أقرأ مقالاً أو منشوراً على صلة بالتاريخ.

تعود قصتي مع أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القاهرة إلى عصور ما قبل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وقبل الاهتمام المتزايد بما يطلبه "التريند" من موضوعات وعناوين، وقبل تحول الوسم (الهاشتاغ) إلى جزء أصيل من ترويج كتاباتنا. ورغم ذلك، فإن بعض زملائه من الأكاديميين كانوا – وما زالوا- يتعاملون مع التاريخ بمنطق البحث عن عنوان مثير، حتى إن أسفر ذلك عن تسطيح حقب وشخصيات بأكملها.


كتاب مغرضون

هل الاستخفاف بالشخصيات والحقب التاريخية هو الذي حوّل صورة جمال عبد الناصر أثناء تحية الجماهير إلى شعار طريف (Meme) يعبر عن الفشل والنهاية المخزية؟ أفترض هنا أن صاحب هذه الدعابة الثقيلة لم يأت بها من فراغ، بل هو جزء من سياق يحول التاريخ إلى أحداث وشخصيات نفخر بها وأخرى تشعرنا بالخزي، دون اعتبار لإمكانية أن تكون الأحداث والشخصيات مركّبة وتحمل تناقضات ومفارقات.

في الحقيقة، إن البحث عن الإثارة في عنوان يضرب شخصية أو مرحلة في مقتل ليس جديداً، وسابق على ظهور الإنترنت، كأن يدعي كاتب بأن ثورة 1952 أمريكية الصنع (انظر كتاب ثورة يوليو الأمريكية: علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية) وذلك على عكس مسار الأحداث وسياقها الإقليمي والدولي، وهو السيناريو ذاته الذي قد يحدث مستقبلاً مع ثورة 25 يناير، والذي بدأ الترويج له مبكراً.

إن اختيار وثائق وشهادات بعينها، وقطعها عن سياق مرحلة بأكملها، يشكل مادة جذابة، تشبه فكرة الهاشتاغ التحريضي الذي يبرز كل حين على جانب موقع مثل تويتر.

لعل شخصية الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر التي نجحت في صنع أعداء ودراويش على حد سواء، مجرد حلقة في سلسلة شخصيات وحقب تاريخية ما زالت أسيرة لتناول يعتمد على الاستقطاب، تقسيم القراء إلى فريقين متنافسين وإشعال لحظة حماس، سرعان ما تمر ويبقى أثرها الضار، تاركة وراءها بعض التعصب وضيق الأفق.

ربما يجد جمال عبد الناصر فريقاً يدافع عنه رداً على أي اتهامات ضده، إضافة إلى وجود خطاب من السلطة يتعامل معه بشيء من التوقير، لكن الوضع يختلف مع شخصية أخرى، مثل الزعيم السياسي المصري سعد زغلول، الذي تتعامل معه بعض الموضوعات الصحفية بعقلية طالب ثانوي يسعى للثأر من شخصية أجبر على دراسة دورها في التاريخ الحديث.

ويكفي ضغط بعض الأزرار على لوحة الكتابة لنرى أنه يكاد لا يخلو موقع صحفي من مقال يكرّر ما قيل عن سعد زغلول بأنه مقامر وسكِّير ومنافق. ربما كان ما فتح المجال لذا التناول، هو نشر المؤرخين مذكرات سعد زغلول الشخصية، التي ضمت اعترافات ومحاولات للتطهر دوّنها على الورق، فاقتبسها كثيرون لتدمير صورة السياسي الراحل، وكانت تلك الفقرات المقتبسة كافية لهم عن التعمق في سيرته، بما تحمله من تناقضات وتوفيق أو سقوط.

هذا المقال ليس عن السؤال المثالي: كيف نصل إلى الحياد ونحن نتعامل مع أحداث التاريخ وشخصياته؟ بل هو عن الكتابات والتعليقات التي تسعى لإعادة تقديم التاريخ بشكل مثير، صادم، جاذب، مستقطب، وكأنها جاءت بنتائج جديدة. فهل من طريق يدفعنا إلى التعامل مع التاريخ بشكل أكثر تقديراً؟

هذا السعي وراء إثارة الجدل بشيطنة شخصيات وفترات تاريخية، لا يقع فيه كتاب هواة أو رواد مواقع التواصل الاجتماعي نتيجة قلة الخبرة، لكن بعض الكتاب المخضرمين والعاملين في مجال الكتابة التاريخية. على سبيل المثال، يعطينا الأديب والباحث المصري يوسف زيدان درساً في كيفية استغلال التاريخ والإعلام في صنع حالة من الجدل المفتعل: قبل سنوات، خرج زيدان بتصريح صادم خلال لقاء تلفزيوني قال فيه إن "صلاح الدين الأيوبي واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني". ثم أعقب ذلك بجملة اعتراضية أثناء حديثه على الهواء مع الإعلامي عمرو أديب قائلاً: "عملت لك مانشيت... عشان بكرة تستخدمه الجرائد".

هذا النموذج الجريء والمتجرِّئ في اختصار أحداث التاريخ وشخصياته في عبارات حادة، يشجّع آخرين على كتابة مقالات ومنشورات وتغريدات عبر الإنترنت، تفتقد التوازن في التعامل مع التاريخ وتكرّس حالة من الاندفاع والتهور، كتلك التي يتبناها مشجعو كرة القدم في المدرجات.

لن ينتهي الأمر عند هذا الحد، إذ يخبرنا التاريخ نفسه بأن مثل تلك الروح قد تنتج تطرّفاً وكراهية، مثلما يستعين أئمة السنة والشيعة بأحداث وشخصيات تاريخية، يختزلونها في صور بغيضة، لتحريض أتباع كل طائفة وتغذية روح الثأر.

وهكذا يعود التاريخ كمن يقول "احرقوا أنفسكم بتجرّئكم"، ليرد إلينا الإهانة تعبيراً عن ازدرائه من محاولات استخدامه في إثارة الجدل وجذب الانتباه، بلا توازن أو عقلانية. فتعود كرة النار الطائشة لتحرق الجميع بالتعصب وضيق الأفق.


صحفي في مهمة اغتيال

إن كتابة موضوع أو مقال عن شخصية أو قضية تاريخية هي قرار يتخذه صحفي أو كاتب أو مدوِّن (كاتب محتوى)، وحين يسعى هؤلاء وراء خلق صراع تختفي وراءه الصورة الكاملة للحدث أو الشخصية التاريخية، فتلك هي مسؤوليتهم. فالصحفي هو من ينتخب عنواناً من مناقشات في ندوة أو في حلقة تلفزيونية. هو مسؤول عن ترويج الطعنات الموجهة لشخصية راحلة أو حقبة بأكملها.

فما الذي يدفع صحفي لكتابة مقال أو خبر يسهم في اغتيال سعد زغلول أو صلاح الدين الأيوبي أو غيرهما؟ ما الذي يدفعه لاختيار جزء من التاريخ يمس مشاعر دينية أو وطنية لدى القارئ، حتى إن كان ذلك لا يعبر عن حقيقة ما كان؟ ثم لماذا لا يبتعد الكاتب أو الصحافي مسافة تسمح له برؤية أوسع، تضع هذا المحتوى المثير في سياق أشمل للتأكيد على أن ما يكتبه ليس كل الحقيقة؛ بل جزء منها؟

ربما تكون الإجابة لدى الفنانة رانيا يوسف وزميلتها إلهام شاهين. كيف ذلك؟ إن ما أفترضه هنا أن كثرة الاعتياد على توجيه الطعنات للآخرين وممارسة الاغتيال المعنوي تجاه شخصيات حالية على قيد الحياة، ووضعهم في ركن ضيق لا يستطيعون منه فراراً أو حتى الدفاع عن أنفسهم، هو ما قد يجعلنا نفهم ذلك السلوك المتنطع في التعامل مع التاريخ وشخصياته وأزمانه.

فالصحفي الذي نجح في اغتيال أحدهم معنوياً وهو على قيد الحياة وبكامل نفوذه، من السهل عليه اغتيال شخصية من التاريخ والتمثيل بجثتها دون أدنى إحساس بتأنيب الضمير، في الوقت الذي لا يدرك فيه الكاتب أنه ترك خلفه تحريضاً وكراهية وتكريساً لضيق الأفق.

إن ممارسة التحريض اليومي على الإنترنت ضد شخصيات عامة أو أخرى عادية، يبرمج الأذهان على سهولة ممارسة العنف والإقصاء في التعامل مع الآخرين، فلا محاسبة أو إدانة.

وحين يتخلى الصحافي عن كل ما درسه من ضرورة احترام الضحايا وعدم التشهير بالشخصيات العامة لخياراتها الشخصية، ويتحول إلى المتنمر الأول في ساحة الإنترنت؛ فإن النتيجة هو ظهور "حفلات" تجذب الآلاف لترديد عبارات الطعن والسب بكل بساطة ضد شخصية مشهورة أو أخرى خلقها "التريند".


إسلاميون على خط المواجهة

هذا المشهد الذي يبدو فوضوياً في التعامل مع الماضي، أحياناً ما يتشكل أيضاً بفعل ظرف سياسي أو اجتماعي، ليضع أمامنا سبباً جديداً لحالة الاستقطاب والتطرف في التعامل مع التاريخ. على سبيل المثال، فقد جاء انسحاب وضعف التيار الإسلامي في بعض البلدان العربية ليترك أثراً في الترويج لشخصيات وحقب ماضية، بل ترك فراغات ومساحات يجب ملؤها.

من الأمثلة على ذلك، طريقة التعامل مع الدولة العثمانية، فبينما كان الكتاب والمدوّنون والإعلاميون ذوو الصلة بالتيار الإسلامي يمجدون تاريخها وينقبون في مآثر رجالها، صانعين مادة مثيرة لدى محبي الفتوحات والغزوات؛ فإن الوضع تغير مؤخراً مع غياب تأثير هذه الفئة من الإسلاميين وتهميشها، خصوصاً بعد استغلال تركيا للوجه العثماني في الشأن السياسي. وهكذا صعدت كتابات أخرى تتعامل مع الحقبة العثمانية كتاريخ من الدماء وسلسلة من الاغتيالات والعسكرة والجهل. ومرة أخرى يصبح التعامل المتطرف والاستسهال هو التاريخ البديل.


تنقيب عن الفخر

ومع تقهقر التيار الإسلامي، أصبح بالإمكان رصد ما يحدث في بلداننا العربية من محاولات استعادة "أمجاد قومية" تحتفي بالحضارات القديمة. إذ يمكننا ببساطة ملاحظة تغير المزاج العام في التعامل مع التاريخ المصري القديم، بعد الحفل المبهر لموكب نقل المومياوات الملكية في مصر وما صاحبه من هوس على الإنترنت بأغنية تقدم ألحاناً وكلمات مصرية قديمة.

ثم تكرر ذلك مع افتتاح طريق الكباش في مدينة الأقصر الأثرية، وكأن هذا الاهتمام المتصاعد بالتاريخ القديم جاء بديلاً عن حالة "الفخر" التي سادت في السابق بالتاريخ الحربي الإسلامي، وهي الحالة التي كان يتغذّى عليها تيار الإسلام السياسي.

ولما خفت صوت الإسلاميين في عدة بقاع عربية، تراجع معها من كانوا يشعلون نشوة المستمعين بكتابات وخطب عن "الأندلس... الفردوس المفقود"، والدولة العثمانية التي هددت قلب أوروبا.

الأمر ليس مقتصراً على مصر في رحلة البحث عن تاريخ بديل للفخر، بل يمكن ملاحظة الاهتمام السعودي الجديد بتاريخ ما قبل الإسلام والاحتفاء بآثاره، بعد انسحاب تهديدات المتطرفين التي كانت تحط من شأن فترة ما قبل الإسلام، وفي السودان لا تخفى تلك النزعة التي تمجّد الماضي القديم، كاستخدام لفظ "كنداكة" في وصف صورة المتظاهرة السودانية الشهيرة أثناء ثورة ديسمبر، حين بدأ معها انحسار الإسلاميين.

هذه الروح لم تعد تخشى منغصات الوجود الإسلامي، فهي تبحث عن تاريخ بديل للفخر، لتسقط أحياناً في أزمة المغالاة في تمجيد حقب وشخصيات تاريخية سابقة، والسعي لإلغاء أخرى.

لكن التاريخ نفسه يقدم إلينا نماذج كارثية لهذه الممارسة، إذا ما انفلتت فيها روح الغل والتعصب، لتنتج أفكاراً قامت على خلطة "مثيرة" من الحقائق والأساطير، مثل ظهور الفاشية في إيطاليا كامتداد لمجد غابر، والنازية التي تمجد عرقاً أسطورياً، وهو ما جذب إليهما آلاف المتحمسين.


خاتمة

ربما يشعل التريند وسماً، فيرفعه عالياً في قائمة الأكثر رواجاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد يتحقق النجاح عبر مزيد من القراءات والزيارات. لكن حين يتصل الأمر بكتابة التاريخ، فإن الإتيان بجديد لا يدعو بالضرورة إلى إلغاء القديم، فكلما تصاعدت نبرة التطرف في التعامل مع التاريخ بين الاحتفاء والازدراء، جاءت النتائج بمزيد من الانغلاق والتعصب.

وربما يغدو طموحاً جامحاً منا أن نطالب بالتعامل المحايد مع التاريخ والنظرة الشاملة للعصر والشخصية، بينما يمارَس الاغتيال المعنوي علناً لشخصيات عامة دون محاسبة. لا حل سوى الترفع عن أن تكون جندياً في معركة خاسرة مع الماضي.

Thursday, October 2, 2014

الموت البطيء يطارد الحرف التراثية

في الجهة المقابلة من دار الإفتاء المصرية على طريق صلاح سالم بالقاهرة، تتراص المقابر لتخفي وراءها عالمًا مختلفًا، حيث تتجاور ورش الحرف التقليدية بين المنازل العتيقة والأماكن الأثرية، وفي أحد دروب منطقة «قايتباي» في تلك الناحية، تقع ورشة يعود تاريخها إلى عشرات السنوات. هي ورشة «الشامي» التي ما زالت تنتج علب مجوهرات، وحافظات للنقود، مصنوعة من الجلد الطبيعي.
«المكان تقريبًا شبه مغلق، ولا يفتح أبوابه للعمل سوى لإنتاج طلبيات أصنعها لحساب أصحاب الورشة، أو ما أنتجه لحسابي الشخصي، وهو ما يتكرر على فترات متباعدة، كل عدة أسابيع».. الحديث هنا لميلاد إبراهيم، الحرفي الوحيد المتبقي في هذه الورشة.
ما زالت الجدران تحمل ذكرى الفترة التي نشط فيها المكان قبل سنوات، من ملصقات على الحائط للنادي الأهلي وصورة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وغيرها، لكن الورشة نفسها لم تستطع الإبقاء على من بها من حرفيين، بسبب ركود السوق، بعد دخول منتجات صينية أرخص سعرًا قبل 15 سنة تقريبًا، ثم انهيار سوق البازارات في السنوات الثلاث الماضية نتيجة ضعف حركة السياحة.
وتدخل حرفة صناعة العلب التذكارية وحافظات النقود الجلدية، ضمن عدد كبير من الحرف اليدوية، التي تشغل واجهات البازارات السياحية، وبعض تلك الحرف تمتد جذورها لمئات السنوات، ولا تجد من يقدر قيمتها، في سوق أصبحت تستورد منتجات أرخص.
«بدأت في هذه الورشة قبل حوالي 20 سنة، وكانت المهام تتوزع علينا في تخصصات، وكلما قل عدد الحرفيين، كنت أقوم بمهامهم، أما الآن فأقوم بأغلب مراحل العمل في منزلي، عدا المراحل التي أحتاج فيها معدات الورشة، مثل الطباعة وتلوين المنتجات». هكذا يشرح ميلاد إبراهيم الحالة الراهنة. ولا يعرف طريقًا للحصول على دعم مالي يسانده في العمل، ولأنه أقرب إلى حرفي مستقل، فهو خارج خريطة التأمينات الاجتماعية، ولا يبدي اهتمامًا في التعرف على مثل هذه التعقيدات.
إذن فلماذا لا يتضامن من هم على شاكلة ميلاد لحل أزماتهم المتوالية؟ يجيب قائلا: «ليس أمام الحرفي، أيًّا كانت مهاراته الفنية، سوى التاجر الذي سيبيع منتجاته، ولم أسمع عن محاولات سابقة لتجميع الحرفيين من أجل الدفاع عن مهنتهم وحمايتها من الاندثار». على أرض الواقع، كانت هناك محاولات لتجميع أبناء الحرف التراثية في كيان واحد، لكنها لم تكلل بالنجاح الكامل.

العصر العثماني
«هناك أوقات كانت تزدهر فيها الفنون، وأوقات أخرى شهدت اضمحلالا مثل العصر العثماني.. ونحن الآن في مرحلة شبيهة بالعصر العثماني». تلك العبارة لمحمد ناصف المعروف بين أبناء شارع أبو حريبة في منطقة الدرب الأحمر باسم «محمد شركس».
كانت رحلة قصيرة من ورشة «الشامي» في منطقة قايتباي، حيث تركنا ميلاد إبراهيم، في اتجاه محمد ناصف في منطقة الدرب الأحمر، وفي زقاق جانبي من الشارع، ممرات تقود إلى غرفة صغيرة حيث يجلس محمد ناصف وسط عشرات المنتجات الخشبية المطعمة بالصدف.
«بعد ثورة 25 يناير وتعطل سوق السياحة، طرأت على ذهني فكرة أن يجتمع الحرفيون في كيان نقابي، وهو ما شاركني فيه عدد من الزملاء، وقمنا بتسجيلها رسميًّا، لكننا مع الوقت اكتشفنا أن الأمر ليس بهذه السهولة».
ينتج محمد ناصف علب مجوهرات خشبية، وعلبًا للمصاحف وغيرها من المنتجات المطعمة بالصدف، ويتوقف عن الحديث ليأتي بصدفة لؤلؤ طبيعية ويشرح كيفية تحويلها إلى غطاء فني لمنتجات خشبية، أما النقابة العامة للعاملين في الحرف التراثية المصرية‏، فلم تنم كما كان متوقعًا لها، واتجه أحد قياداتها إلى تأسيس كيان بديل.
«هناك مشكلة لدى الحرفيين أنفسهم في قلة الوعي، إلى جانب أننا قد سجلنا حوالي 32 حرفة تراثية في النقابة، وهو ما لم يصنع حالة من التجانس أثناء مناقشاتنا».
أما أحد أسباب بقاء محمد ناصف في هذه المهنة، أن لديه ورشة يعمل داخلها حتى مع قلة الإنتاج أو انسحاب من لديه من العمال إلى مجالات أخرى. «أحد العمال المهرة تركني ليعمل حاليًّا حمّالا في سوق الأزهر، وآخر يعمل سائقًا على توك توك». على حد قول ناصف القائم على أعمال النقابة العامة للعاملين في الحرف التراثية المصرية، أما ما يجعله يستمر حتى النهاية فهو أنه قد حقق سمعة طيبة في المجال، تجعله لا يفكر في ترك المهنة، رغم أنه ما زال في سن الثانية والأربعين.
وسط هذه الأجواء لا تظهر حلول أمام إنقاذ الحرفيين المهرة من الهروب من مهنهم النادرة، سوى في استعادة السوق السياحية التي كانت تستوعب إنتاجهم طوال الوقت، أما البديل فهو في الاتجاه إلى تصدير تلك المنتجات إلى الخارج، أما قيام الحرفيين أو التجار بعرض منتجاتهم اليدوية والتراثية، على نفقتهم في معارض تجارية فهو ليس الحل الأمثل، بسبب غلاء أماكن العرض، إذ يصل تأجير متر العرض في بعض المعارض الشهيرة إلى 10 جنيهات في اليوم.

الحكومة غائبة
في نوفمبر من العام الماضي، تم تدشين المجلس التصديري للصناعات اليدوية، وذلك من خلال 9 شركات تعمل في مجال الصناعات اليدوية، ويطمح المجلس لزيادتها إلى 30 شركة. «هناك مشكلة يجب أن نتحدث عنها في البداية، وهي أن طريقة البيع للبازارات ومواصفات المنتجات التي تباع هناك، تختلف تمامًا عما هو مطلوب في عالم التصدير إلى الخارج، وهذا الفارق لم يصل للأسف إلى الحرفيين أو التجار».
يتحدث هشام الجزار وكيل المجلس التصديري للصناعات اليدوية، عن أنه يجب في البداية أن يتم وضع استراتيجيات للنهوض بالحرف التقليدية، وإتاحة المناخ أمام ازدهارها، أما دور المجلس التصديري فما زال ناشئًا، يتحسس الطريق في فترة تشهد تعديلات في بعض السياسات الاقتصادية.
وحسب تقديره فإن حصيلة صادرات مصر من الصناعات اليدوية بلغت 500 مليون دولار في العام 2013. ويشرح ذلك بقوله: «هناك فرق مهم حين نتحدث عن الصناعات اليدوية، التي قد تضم خامات أرخص ومهارات أقل، وبين أن نتحدث عن صناعات ذات طابع تراثي في طريقها للاندثار.. فالحرف التراثية يجب أن يكون التعامل معها بشكل مختلف، لأنها ذات قيمة أعلى، فليست كل صناعة يدوية هي صناعة تراثية».
وبعيدًا عن عالم التجارة والتصدير، تتصدى بعض المؤسسات المهتمة بالحفاظ على التراث للتعاون مع الحرفيين أو دعمهم، لكن يبقى نشاط هذه المؤسسات مقتصرًا على دائرة ضيقة من الحرفيين الذين يتعاونون معها، وليس في إمكانها التأثير في مجتمع العاملين في الحرف التراثية.
«أرى أن الحل لإنقاذ ما تبقى من العاملين في الحرف التراثية هو إنشاء مجلس أعلى للحرف التراثية». يتحدث عز الدين نجيب، رئيس جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة، عن مشروعه الذي تقدم به إلى رئيس الوزراء الأسبق عصام شرف، ثم وزير الثقافة الأسبق عماد أبو غازي، ثم وزير الثقافة السابق صابر عرب، ولم تحدث استجابة لاقتراحه بسبب التغييرات السياسية الدائمة، في الوقت الذي لم تستطع فيه جمعية أصالة التي يديرها الحصول على أي دعم مادي منذ حوالي ست سنوات.
«هناك بعض المؤسسات لديها مهارة اصطياد الدعم الخارجي، لكن في النهاية مثل هذا الدور لا ينقذ حرفة أو يعيد عاملا إلى مهنته». هذا حسب عز الدين نجيب الذي قضى سنوات من حياته يعمل داخل وزارة الثقافة في مجال إحياء الحرف التراثية.
ويلخص رئيس جمعية أصالة أهداف المشروع – الذي سلم نسخة منه إلى رئيس الوزراء الحالي إبراهيم محلب – في عدة أهداف، هي أن يقوم هذا المجلس بإنشاء صندوق لدعم الحرفيين دون فوائد مالية، وأن يضم مجلس أمناء مشكلا من الخبراء والعاملين فى هذا المجال، وأن ينشئ المجلس شركة لتسويق وتصدير انتاج الحرفيين المصريين، إلى جانب القيام بعمل بحثى يرصد الحرف التراثية والمهددة بالاندثار، وتحديد عدد العاملين فيها.
«حين تقدمت بهذه الفكرة فى المرة الأخيرة، لمست ترحيبا من رئيس الوزراء الحالى، لكنى فوجئت بأن وزير الثقافة الدكتور جابر عصفور، قد بدأ فى تقديم أفكار شبيهة لضمها داخل وزارته، وهو ما سبب لى بعض الانزعاج من عدم إتمام فكرة المجلس الأعلى لرعاية الحرف التراثية». وهنا يتحدث عز الدين نجيب بحكم خبرته السابقة فى العمل داخل وزارة الثقافة، إذ أدرك بعد سنوات أن قضية الحرف التراثية لم تعد قضية ثقافية، بل لا بد أن يتم التعامل معها كاستثمار وتجارة إلى جانب التاريخ والثقافة.
وفى الوقت الذى يتساقط فيه الحرفيون إما بحكم انقضاء أجلهم أو بسبب انسحابهم إلى مهن أخرى، يظل عالم الحرف التراثية، مغلقا على من يعملون داخله، دون القدرة على تسويق منتجاتهم داخليا بين المصريين أو خارجيا مثل تجارب دول أخرى نجحت فى تحقيق هذه المعادلة على رأسها الهند، وهو ما زال البعض يحلم بتحقيقه فى مصر.


«النقش على النحاس».. حرفة تواجه شبح الاندثار

في حارة متفرعة من درب المسمط فى حى الجمالية، يجلس عبده الحلوانى الذى شارف على عامه الستين، فى مدخل بيت عتيق، جوار منطقة النحاسين الشهيرة. لا يخفى نبرة الثقة فى النفس أثناء الحديث، إذ عمل لأكثر من أربعين سنة فى صناعة المنتجات النحاسية، وهو واحد من 7 أسطوات فى المهنة تبقوا من زمن النقش على النحاس.
«عملت فى فترة من حياتى فى بغداد، وصنعت منتجات كانت تصل إلى صدام حسين أثناء فترة حكمه فى الثمانينيات، كما عملت فى سوريا ولبنان فى نفس المجال.. أما اليوم فقد حدثت تحولات ما زلت لا أستطيع استيعابها». يتحدث عبده الحلوانى وهو يجلس بتلقائية على درجة سلم يقود الزائر إلى الورشة فى الطابق العلوى، حيث يمر عليه بعض «الصنايعية»، وفى أيديهم كرات معدنية كبيرة تستخدم كغطاء للإضاءة.
والمفارقة التى يشرحها الأسطى المخضرم أنها ليست مصنوعة من النحاس، بل تمت صناعتها من الصاج. «يتكلف شراء كيلو الصاج 12 جنيها، بينما يتكلف كيلو النحاس 80 جنيها، فاتجهنا إلى الصاج حتى نعيش، وهى صناعة لا تحتاج سوى الحد الأدنى من المهارة، ولا تحتاج إلى فنانين». ويفرق عبده الحلوانى بين «أسطى» فنان، وبين حرفى عادى، إذ تبرز مهارة «الفنان» فى ابتكاره تصميمات ينقشها بيديه على الأوانى النحاسية.
وطوال الوقت كان عدد الحرفيين المهرة فى مجال النحاس قليلا، إذ يذكر الباحث الفرنسى أندريه ريمون، فى كتابه «الحرفيون والتجار فى القاهرة فى القرن الثامن عشر»، أن عدد الحرفيين فى هذا المجال قد بلغ 44 فردا فى إحدى فترات الحكم العثمانى. بينما يقدر تجار وحرفيون شهدوا حقبة الخمسينيات من القرن الماضى أن العدد قد بلغ 12 فردا، وهو ما انخفض حاليا إلى 7 أفراد، لا يجد أغلبهم فرصا لإبراز مهاراته بشكل كاف.
«المهارة فى هذا المجال لم تعد تقتصر على إبداع الحرفى، لكنها تمتد لتشمل كيفية إدارة الورشة، وحاليا أصبحت هناك مهارة زائدة فى كيفية الحفاظ على ما تبقى من الحرفة». لم يتحدث عبده الحلوانى بيأس أو إحباط بقدر ما أبدى تفاؤله بتحسن سوق السياحة فى المستقبل، فى الوقت الذى ورث عنه نجلاه ياسر ومحمد المهنة نفسها، على أمل أن يكتسبا بعضا من مهارته النادرة.
«فى فترة إحباط فكرت أن أترك المجال، وأن أعمل فى صناعة الأوانى المنزلية التقليدية، لكنى سرعان ما تركت تلك الفكرة». يتحدث عبده الحلوانى، هنا عن فكرة دارت برأسه معتمدا فيها على والده الذى تفرغ لإدارة محل صغير فى شارع أمير الجيوش فى باب الشعرية، لكنه قرر الاستمرار فى حرفته حتى النهاية

Friday, August 8, 2014

صراع الكلمة والنغم في تلاوة القرآن



 تحدّثت مرة مع شيخ مقرئ معمّم حول تلحين القرآن واستخدام الموسيقى في خلفيّة التلاوة. لم يكن المقرئ سعيدًا بالحديث، وانتهى الأمر إلى رفض الكلام حول الأمر، معللًا ذلك بأن هناك قواعد تضبط الحديث عن القرآن وقواعد تلاوته.

لم يكن موقف الشيخ الأزهري غريبًا في سياق العلاقة القديمة بين الموسيقى والنص القرآني، إذ تقوم العلاقة على صراع تديره مجموعة من آراء الفقهاء، ومجموعة من الأحاديث النبويّة تهدف إلى ضبط قواعد التلاوة، بحيث لا تتحكّم الموسيقى في النص القرآني وطريقة نطقه أو تلاوته.

أما الحل الوسط الذي يقترحه بعض المحافظين، ففي حلاوة الصوت، واعتبار الصوت أداةً لتزيين النص القرآني، بينما تأتي حلاوة النغم في موضع هامشي. يقول الحديث النبوي “الله أشد أُذُنَا إلى قارئ القرآن من صاحب القَينَةِ إلى قَينَتِهِ” والمقصود بالقينة المغنية، وبهذا المنطق تتحول أصوات المقرئين إلى مزامير مثلما يروّج الموروث الإسلامي عن النبي داوود، الذي أوتي من حلاوة الصوت ما يجمع الإنس والجن والطير أثناء تلاوته للنصوص المقدّسة.

يتجاوز الأمر الاكتفاء بالتركيز على جمال الصوت، ويمتد إلى إرهاب من يفكر في الانتصار للألحان والموسيقى ومن يفكر في جعلها أداة تتحكّم في النص القرآني. هنا تبرز أحاديث نبويّة تثير الفزع في نفوس المتجرئين، منها على سبيل المثال قول النبي: “اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكِتابَينِ وأهل الفسق، فإنه سيجيء أقوام يُرجِعونَ بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم”. يستند كثير من أعداء التطريب بالقرآن إلى هذا الحديث، ويرون أن تلاوة القرآن المثاليّة هي تلك التي يعبر عنها شيخ مثل عبدالرحمن السديس إمام الحرم المكي ومن هم على شاكلته، حين يتلون القرآن في صلاة التراويح من مقام واحد. هنا يبرز سؤال: كيف ظهر من يعادون استخدام المقامات الموسيقيّة وإجادتها، في حين أن كبار المقرئين المحترفين تعلموها وتدربوا عليها؟


أذكر هنا أني حضرت تدريبًا صوتيًا على المقامات الموسيقيّة بواسطة أحمد مصطفى كامل أستاذ علوم المقامات وأحد جامعي تراث المقرئ الشيخ مصطفى اسماعيل، وكان ضمن من تدربوا على يديه قرّاء محترفون، منهم ياسر الشرقاوي الذي كان تدريبه عبارة عن تكرار لآية، مرة يقرؤها من القرار، أي الصوت الغليظ، ومرة من الجواب، أي الصوت الأكثر حدّة. في منزله، كان الطرب يغلف الأجواء، وأصبحت قضيّة الطرب أكبر من قضية الاهتمام بقواعد النطق، إذ أنّها قضية مدربين آخرين يدربون على قواعد النطق المتصلة بالتلاوة، مثل كيفية مد بعض الحروف، وإدغام حروف أخرى، وهو ما يعرف بعلم التجويد.

في المقابل يعادي أبناء التيار المحافظ هذه الأجواء، حيث تبرز آراءهم في المنتديات الدينيّة، وفي تعليقات أسفل فيديوهات تعرض حالة الطرب بين جمهور القراء العظاملا يخلو الأمر من نزعة شعوبيّة، حين ينتفض أبناء التيار المحافظ لنماذج من شيوخ سعوديين، يتلون القرآن بالحد الأدنى من الموسيقى، بينما يدافع المصريون عن أنفسهم، مستندين في ذلك إلى أن الكثير من القراء الخليجيين قد أجيزوا على يد شيوخ مصريين، في محاولة منهم لمنع أي مزايدة على إتقان الشيوخ المصريين لقواعد التلاوة.

يبدو أن الأمر أقدم من هذا الجدل الحديث، إذ يذكر الإمام القرطبي (توفي ٦١٧ هجريةفي كتابه “الجامع لأحكام القرآن” قائلًا: “الذين يقرؤون أمام الملوك والجنائز، ويأخذون على ذلك الأجور والجـوائز، ضـل سعيهم، وخاب عملهم”. كان يقصد القراء المصريين تحديدًا.

يمكن إيجاز القضية محل النزاع بين التيار المحافظ والتيار الأكثر تصالحًا مع الموسيقى في أمر هام وجذري، وهو ألا يكون هناك خرق لقواعد النطق والتلاوة أثناء القراءة، بمعنى ألا يكون استخدام مقام موسيقي سببًا في مد حرف مدًا زائدًا، أو في تغيير نطق حرف من الحروف، أو أن يقف المقرئ في مواضع تغير المعنى، كأن يقف على جملة ولا تقربوا الصلاة” من الآية من دون استكمالها، ويغلف كل هذا رؤية أشمل، تعتبر مثل تلك الخروقات، استهتارًا بمضمون النص القرآني المقدس.

نحن هنا أمام أطياف من التعامل مع النص، أغلبها يُجمع بشكل قاطع على رفض فكرة التلحين ذات الطابع الغنائي للقرآن، أو التشبه بالترانيم المسيحيّة التي تخضع النص إلى اللحن بشكل كامل، أو استخدام الأدوات الموسيقيّة.

يحذر أبناء هذا التيار من أداء مشاهير المشايخ مثل مصطفى اسماعيل والطبلاوي وغيرهم، ويعتبر بعضهم أن تعلم المقامات الموسيقية فتنة عن مهمة القارئ الأصليّة، وحجتهم في ذلك أن التنوع في استخدام المقامات الموسيقية يستلزم اتباع أوزان موسيقية ملائمة، في حين أن النص القرآني ليس نصًّا غنائيًّا يتبع أوزان الأشعار والقصائد، وبالتالي فإنهم يفترضون أن الاهتمام الزائد بالموسيقى سيؤدي لا محالة إلى خرق قواعد النطق السليمإذ ينقل عن الإمام السيوطي (توفي ٩١١ هجريةرأياً يرى فيه أن قراءة القرآن بالألحان والأصوات الحسنة تعتبر سنّة حسنة إن لم تخرجه عن هيئته المعتبرة، أما إن أخرجته عنها فذلك حرام فاحش. بينما يتحدث ابن القيم الجوزية (توفي ٧٥١ هجرية) بشكل قاطع عن نفس القضية في كتابه زاد الميعاد قائلًا: “إن القراءة بالتطريب والألحان لا تتضمن زيادة في الحروف، وذلك لأنها لا تخرج الكلام عن وضعه، ولا تحول بين السامع وبين فهمه، ولو كانت متضمنة لزيادة الحروف لأخرجت الكلمة عن موضعها، وحالت بين السامع وبين فهمها، ولم يدر المقصود بها.”


تكشف مثل تلك الآراء عن صراع بين الرغبة في تقديم النص القرآني بأنغام تقرّب الجمهور إلى المعنى، وبين خشية من أن تتحول قضية المقرئ إلى متابعة النغم قبل متابعة المعنى وإجادة النطق، أو أن يصبح “قلب القارئ مصروفًا إلى وزن اللفظ بميزان الغناء لا يتدبره ولا يعقله”. على حد عبارة ابن تيمية (توفي ٧٢٨ هجرية).

هنا يبرز حديث نبوي يمثل معضلة أمام هذا التيار المحافظ، يقول الحديث: “ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن”. أمام هذا النص يستخدم أبناء التيار المحافظ حجة أخرى تؤيد وجهة نظرهم، مفادها أن النبي وسلفه لم يتعلموا المقامات الموسيقية، وأنها مسألة دخيلة ظهرت على يد الموالي وأبناء الشعوب الأخرى، وأن الرسول نفسه قد أوصى بقراءة القرآن بلحون العرب.

لكن في جانب آخر يظهر من هم أكثر تسامحها مع تزيين القرآن بالمقامات الموسيقيّة، واعتبار قراءة القرآن فنًّا يحتاج إلى دراسة موسيقيّة. يستند أبناء هذا التيار أيضًا إلى الحديث النبوي نفسه، وحديث نبوي آخر يقول ” زيّنوا القرآن بأصواتكم”. يتحدّث أبناء هذه المدرسة بلغة مطمئنة تحكمها الخلفية الأكاديميّة التي ترى أن علم النغم والمقامات لن يطغى على علم التجويد، فمن لديه العلم، لن يقع في الخطأ أو يتعثر في التلاوة.

موقع معازف

Thursday, August 8, 2013

شبح السياسة يحاصر العمل الخيرى

 

غياب ملحوظ للمتطوعين الإسلاميين.. والجمعيات الإخوانية الأكثر تضررًا


لم يكن هو المشهد الرمضانى المعتاد أمام ساحة جمعية رسالة للأعمال الخيرية بمدينة نصر، فكثير من الشباب المتطوعين فى نشاط تعبئة الشنط الغذائية يدركون أن عددهم أقل من العام الماضى. «كان عدد المتطوعين فى رمضان الماضى ضعف هذا العدد المشارك الآن، وذلك بسبب الأحداث السياسية والاشتباكات المتلاحقة، التى لم تنقطع عن حى مدينة نصر». هنا لا يخفى هشام مجدى ــ قائد فريق الفرسان للعمل التطوعى ــ ضيقه من تأثير الأحداث السياسية على العمل الخيرى، ورغم أن فريق الفرسان يعمل بشكل مستقل عن جمعية رسالة منذ سنوات، إلا أنهم يحرصون فى كل رمضان على أن يشاركوا كمتطوعين فى تعبئة الشنط الغذائية. وفى العام الحالى بالذات قد أدركوا أهمية حضورهم، «هناك شباب يقطنون فى العباسية، وفى الناحية الأخرى من مدينة نصر، أصبح من الصعب ان نجدهم معنا، بسبب صعوبة المواصلات عليهم، وقلق أسرهم من مشاركتهم»، حسبما يصف أحد المتطوعين.
فى أحد الشوارع الخلفية لشارع عباس العقاد، تقع جمعية «رسالة» فى مدينة نصر، وهناك اجتمع عشرات الشباب وسط مئات الأجولة والمواد الغذائية، ليفرغوا محتوياتها فى أكياس بلاستيكية، وذلك على مسافة غير بعيدة من اعتصام رابعة العدوية، حيث جرت العديد من الاشتباكات والفعاليات والمسيرات على مدار شهر رمضان الحالى.
تلك الأزمة لا تخص المتطوعين العاملين فى حى مدينة نصر وحدهم، حسبما يصف هشام مجدى ــ قائد فريق الفرسان ــ قائلا: «على سبيل المثال فإن فريقنا يعمل منذ سنوات على فئة متحدى الاعاقة، وبسبب الأحداث المتتالية كنا نؤجل بعض الفعاليات خارج القاهرة، بسبب حالة القلق التى كانت تصيب بعض المتطوعين من السفر فى ظروف غير آمنة أو اشتباكات داخل المحافظات». فى المسافة بين مبنى الجمعية والساحة المقابلة لها يتحدث هشام مجدى واصفا موقف لم يكن ليتعرض له من قبل: «رفض والد أحد المتطوعين مشاركة نجله معنا، ظنا منه أننا سنوجه مساعداتنا لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما اتهمنا به أيضا بعض المارة أثناء عبورهم من أمام ساحة تعبئة الشنط الرمضانية، وهو أمر جديد علينا، لم نقابله فى السنوات الماضية».
أصدرت «رسالة» فى نهاية العام الماضى بيانا تنفى فيه انتماءها لأى حزب أو تيار سياسى، وذلك ردا على اتهامات بأنها جمعية داعمة لجماعة الإخوان المسلمين، وتجددت الشائعات مرة أخرى بكثافة بعد 30 يونيو، ما اضطر الجمعية إلى مواجهة الأمر بحملة دعائية. وأقام شباب الجمعية سلاسل بشرية للتأكيد على أنهم لا ينتمون إلى التيار الاسلامى، وفى هذه الأجواء، لم يقتصر الأمر على جمعية رسالة للأعمال الخيرية وحدها، بل امتدت إلى مؤسسات أخرى مثل بنك الطعام وجمعية الأورمان.
ويكشف أرشيف الموقع الالكترونى لجمعية رسالة عن عدد من الأخبار توضح وجود تعاون بين فروع جمعية «رسالة» وحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين. كما تكشف بعض الفعاليات التى أقامتها الجمعية عن تنسيق بين الحرية والعدالة والجمعية فى فعاليات خيرية أو تنموية، تلك الأنشطة لا تعبر بشكل كامل عن وجود انحياز ناحية جماعة الإخوان المسلمين أو التيار الاسلامى، إذ نسقت الجمعية نفسها فعاليات مع كيانات أخرى ليس لها صلة بالتيار الاسلامى، على سبيل المثال فقد تعاونت «رسالة» فى إبريل الماضى مع حزب الدستور لإقامة «كرنفال الدقى ليوم اليتيم»، وحضره فى ذلك الوقت الدكتور محمد البرادعى.
أما فى ساحة تعبئة الشنط الرمضانية، فيعمل الجميع على كسر تلك الأجواء، كأن تقوم متطوعة بمتابعة المجموعات المشاركة، وتقييمهم على لوحة بيضاء، ويتم تكريم المجموعة الأكثر نشاطا، حتى ينسى الجميع من كان يداوم على زيارة اعتصام رابعة العدوية، أو كان من زوار ميدان التحرير.
ضحايا الأزمة
وفى الوقت الذى كانت تذيع فيه جمعية رسالة إعلانات تنفى صلتها بأى تيار أو فصيل سياسى، كانت هناك جمعيات ومؤسسات أخرى تبث إعلاناتها على نفس النمط الرمضانى فى كل عام، دون أن تقع فى دائرة أى اتهامات، فهل تأثرت هذه الجمعيات بالأزمة السياسية الحالية؟ تجيب الدكتورة أنيسة حسونة المدير التنفيذى لمؤسسة مجدى يعقوب للقلب بأسوان، بأنها لا تستطيع أن تقيم مدى تأثير الحالة السياسية على حجم التبرعات، سوى بعد عملية التقييم التى تجريها الجمعيات الخيرية بعد انتهاء الموسم الرمضانى، وتقول: «لن أفاجأ إن كشفت الأرقام أن العمل الخيرى قد تأثر بسبب الأحداث السياسية، لكننى متأكدة من أن المصريين الذين اعتادوا على العمل الخيرى فى كل عام، لن يوقفهم شىء، وسيقدمون تبرعاتهم بأى وسيلة».
قد لا يكون حجم الضرر الذى تعرضت له الجمعيات الكبرى بحجم الضرر الذى تعرضت له الجمعيات الخيرية الصغيرة والمعتمدة بشكل مباشر على دعم جماعة الإخوان المسلمين، سواء فى إقامة أسواق خيرية أو معارض ملابس أو غيرها من الفعاليات. بعض هذه الجمعيات كانت ترد الجميل للجماعة وحزبها فى ندوات تستضيف أعضاء مجلس الشعب السابق من جماعة الإخوان، كما حاولت التأثير سياسيا على المستفيدين من خدماتها، وكل ذلك مازال محفوظا فى صفحات هذه الجمعيات على الفيسبوك. أما فى حالة التواصل وطلب الاستفسار من قيادات هذه الجمعيات، التى يقتصر عملها فى الغالب على نطاق حى أو قرية، فينتهى الأمر بإجابة واحدة: «نعتذر عن الحديث بسبب الظروف السياسية الراهنة».
 يوضح مثلا عضو مجلس إدارة جمعية خيرية فى حى الزيتون بالقاهرة، أسباب حساسية الحديث عن هذا الموضوع، خاصة أنه قد تعاون سابقا مع حزب الحرية والعدالة، قائلا: «قمت مع زملائى منذ فترة بتعليق أنشطة مثل السوق الخيرى أو معرض الملابس، خشية أن نفاجأ ببلطجية يدمرون عملنا تحت دعوى أننا ننتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، وخشية استهداف مقر الجمعية أثناء أى اشتباكات أو خلاف سياسى فى الحى».
لا يخفى عضو مجلس إدارة الجمعية التى تعمل على نطاق ضيق أن أنشطتها تأثرت بشدة بسبب انشغال العاملين بها فى أزمة التيار الاسلامى، إلى جانب تضرر الجمعية من غياب المتطوعين الذين كانت تعتمد عليهم الجمعية، وأغلبهم من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، الذين انسحبوا من النشاط العام فى الحى.
بين «رسالة» ورابعة
بالعودة إلى جمعية «رسالة» فى مدينة نصر، أمام ساحة تعبئة المواد الغذائية، كان يقف محمود عاشور، طالب الصف الثانوى، وأحد شباب الإخوان المسلمين... يستعد لخطوة جديدة فى العمل مع فريق المتطوعين، بعد أن قضى أغلب وقته فى شهر رمضان، موزعا بين التطوع فى جمعية رسالة وزيارة اعتصام رابعة العدوية. يعلق على ذلك قائلا: «هناك جمعيات خيرية تحت إدارة أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، وقد عرض على البعض أن أوجه عملى التطوعى إلى هناك خشية أن أتعرض لمضايقات من المتطوعين فى رسالة، لكنى تشبثت بأن أظل متطوعا ضمن فريق رسالة، وأواجه الموقف دون قلق، وفى النهاية الهدف هو العمل الخيري». وحسبما يذكر محمود فإنه لا يمثل الجمعية بأى شكل داخل الاعتصام، بينما تساهم بعض الجمعيات الخيرية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين بشكل مباشر فى تقديم الإفطار للمعتصمين عن طريق متبرعين لديهم الرغبة فى «إفطار الصائمين».
تقف مروة زهدى مسئولة الاطعام فى جمعية رسالة بمدينة نصر كى تنظم مجموعات المتطوعين داخل عدد من الميكروباصات، حيث يبدأون نشاط توزيع الطعام على المحتاجين المسجلين لدى الجمعية. وهى تروى أن أحد معتصمى رابعة العدوية قد قدم لفرع رسالة حوالى 600 وجبة فاضت لديه ولم يوزعها داخل الاعتصام، وأراد إنقاذ ما تبقى لديه بأن يرسلها إلى جمعية رسالة، التى يمكنها حفظ تلك الوجبات وإعادة توزيعها بمعرفتها، وتقول مروة: «بعد أن وجدناه يكرر العرض مرة أخرى بتقديم حوالى 2000 وجبة، اعتذرنا له منعا للحرج، حتى لا نكون موضع شبهات أو نحسب على تيار سياسى بعينه».
الصورة ليست قاتمة بأى حال، حسبما ترى الدكتورة إقبال السمالوطى ــ أستاذ ورئيس قسم التخطيط بالمعهد العالى للخدمة الاجتماعية بالقاهرة، وعضو الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية ــ فرغم تأثر النشاط الخيرى بحالة التوتر السياسى فى الشارع المصرى، إلا أن هناك ملامح جديدة قد أضيفت هذا العام إلى العمل الخيرى. وتوضح الدكتورة إقبال السمالوطى: «هناك جمعيات تعمل فى مجال التنمية أخضعت إمكانياتها لتقديم أعمال خيرية فى رمضان لهذا العام، نتيجة ضغوط من أعضائها، خاصة أن بعض الجمعيات الخيرية التابعة للإخوان المسلمين قد تأثر بعضها فى الفترة الماضية، وأعتقد أن هذا يعبر عن روح مبادرة جيدة تؤكد حرص المصريين على العمل الخيرى بشكل عام». فى الوقت الحالى تبدو صورة العمل الخيرى خاضعة لتأثير الظروف السياسية الداخلية، من انشغال أبناء التيار الاسلامى بالسياسة عن نشاطهم التقليدى فى العمل الخيرى، إلى خشية بعض المتطوعين من العمل فى ظل حالة حادة من الاستقطاب والاحتقان السياسى .
**
الدين والخير والسياسة.. علاقات قديمة
منذ فترات مبكرة من عمل الجمعيات الخيرية فى مصر،  امتزج العمل الخيرى بالسياسة والدين فى كثير من الأحيان، فعندما ظهرت الجمعيات الخيرية الدينية فى نهاية القرن 19، كانت البداية بتأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية فى العام 1878، وكان من أهم رجالها الإمام محمد عبده والزعيم مصطفى كامل. ورغم أن هناك أهدافا خدمية وخيرية لهذه الجمعية مثل إنشاء المدارس للفقراء ومساعدة المحتاجين، إلا أنه كان هناك هدف آخر ذو بعد سياسى هو مواجهة الجمعيات الأجنبية والتبشيرية، التى كانت تعمل فى مصر آنذاك. ولم يقتصر الأمر على الجمعيات الإسلامية فقط،  بل إن شخصيات وطنية مثل عبدالله النديم قد دعمت تأسيس جمعيات مسيحية، مثل «جمعية المساعى الخيرية» فى 1881، وذلك لمواجهة الجمعيات الأجنبية والتبشيرية ولتكريس فكرة الوحدة الوطنية.
وكان تأسيس هذه الجمعيات الخيرية متأخرا نسبيا عن تأسيس جمعيات من نوع آخر، مثل الجمعيات الثقافية والعلمية فى مصر، وذلك لسبب يرجعه باحثون إلى اعتماد النشاط الخيرى قبلها على دور المسجد والأوقاف، هذا إلى جانب دور الطرق الصوفية. وبعد تأسيس دستور 1923 أصبح تشكيل الجمعيات الأهلية التطوعية حق يكفله الدستور للمواطنين، وهو ما زاد من عدد الجمعيات الأهلية بشكل عام. ثم برز فى عام 1928 دور جمعية «الإخوان المسلمين»،  التى حملت وجها جديدا يمزج بين العمل الدعوى والدور السياسى، وكانت القضية الفلسطينية بداية مجال حركة لجمعية الإخوان المسلمين آنذاك منذ الثورة الفلسطينية فى الثلاثينيات، ثم مشاركتها فى مجال الإغاثة ورعاية اللاجئين.

Wednesday, May 15, 2013

لغات تحت رحمة الزمن

·         خريطة الانقراض
تصنع رحلة الكتابة في مصر على مدار تاريخها الطويل العديد من المفارقات ، هذا ما حاول تسجيله كتاب بنفس العنوان "رحلة الكتابة في مصر" ، صدر عن مكتبة الاسكندرية في العام الماضي، يتناول لغات و خطوط مرت بمصر بدء من تاريخها المصري القديم، حتى العصر الحديث. وتكشف خريطة اللغات التي مرت على مصر عن أن اللغة القبطية، التي دونت بها الكنيسة المصرية كافة النصوص الدينية المسيحية لم تكن لغة رسمية في أغلب الأوقات، بينما كانت اليونانية هي الرسمية . و على مدار تلك الحقب التاريخية الطويلة ، اندثرت بعض اللغات لعدم قدرتها على التفاعل مع التطورات الزمنية، وحتى الآن رصد أطلس اللغات المهددة بالاندثار الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) ، ثلاث لغات داخل مصر تعاني خطر الاندثار ، على راسها اللغة القبطية التي يتم تداولها على نطاق محدود لأغراض كنسية، وتأتي بعدها اللغة السيوية، التي يتحدث بها 25000 نسمة ، في نطاق محلي ضيق، أما ثالث تلك اللغات فهي "الدومارية" التي كانت متداولة بين الغجر وتكاد تكون قد انقرضت حسب بيانات اليونسكو .ووجه حقوقيون انتقادات لبعض مواد الدستور الحالي بعد إقراره ، مستندين في ذلك إلى ان الدستور لم يتعرض لمسألة التنوع الثقافي واللغوي ، إذ نصت المادة الثانية على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية، من دون الاشارة لوجود لغات محلية، كما نصت المادة 11 على أن الدولة ترعى الثقافة العربية والتراث التاريخي والحضاري للشعب، وذلك وفقا لما ينظمه القانون، دون إشارة واضحة لثقافات أخرى. وصاحبت تلك الانتقادات دعوات أخرى منها تدريس لغات مثل النوبية والأمازيغية والقبطية في المدارس ، و إعطائها طابعا رسميا، غير أن تلك الدعوات لم تحقق إجماعا حولها حتى الآن .
 اللغة القبطية .. مصرية و ليست دينية
في قاعة صغيرة بمركز المؤتمرات في مكتبة الاسكندرية ، يطالع الحضور كلمات من اللغة القبطية أمامهم، وتكاد أن تكون تلك القاعة إحدى الأماكن النادرة التي تدرس اللغة القبطية، يقتطع الدكتور ماهر أحمد عيسى، المدرس بكلية الآثار، جامعة الفيوم دقائق من وقت المحاضرة ليوضح: "اللغة القبطية دمها متفرق بين القبائل، و لا يوجد تخصص لعلم القبطيات في الجامعات المصرية، سوى في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، لذا لا يتعامل معها الباحثون بشكل عميق سوى في قطاعات ضيقة مثل قسم الدراسات العليا في جامعة الاسكندرية ". بدأ تدريس اللغة القبطية في مركز الخطوط بمكتبة الاسكندرية، ضمن نشاط أكبر لتدريس اللغة الهيروغليفية، و الخط العربي منذ العام 2004، إلا أن تعلم اللغة القبطية جاء متأخرا في العام 2009، و تحتوي الدورة التدريبية على ثلاث مستويات، إلا أن أغلب الدارسين لا يكملون المشوار حسبما يصف أحمد منصور؛ نائب مدير مركز دراسات الكتابات والخطوط بمكتبة الإسكندرية. ويوضح: "طبيعة نظام التدريس هنا ذي صبغة أكاديمية، إذ ندرس اللهجة الصعيدية للغة القبطية، بينما تستخدم النصوص الدينية المسيحية لهجة اخرى هي اللهجة البحيرية، وهو ما اكتشفه عدد من الدارسين حين فتحنا باب الالتحاق لأول مرة، حتى الذين لديهم معرفة سابقة باللغة القبطية بحكم دراساتهم الكنسية".
في داخل قاعة المحاضرة اجتمع الدارسون على أهداف متقاربة دفعتهم إلى دراسة اللغة القبطية، وعلى رأسها أمور تخص الدراسة أو العمل، ويعود المحاضر الدكتور ماهر عيسى ليوجز حديثه في نقطتين هامتين: الأولى هي أن اللغة القبطية ما هي إلا تطور أخير من اللغة المصرية القديمة، استخدمت فيها الحروف اليونانية القديمة مع استعارة حروف من الكتابة الديموطيقية، أما النقطة الثانية التي يذكرها فهي أن اللغة ليست مرتبطة بالديانة المسيحية، بل هي سابقة عليها، كما أن هناك عدة لهجات يبرز منها اللهجة الصعيدية التي دونت بها أغلب وثائق وآثار تلك الفترة، وبعدها اللهجة البحيرية التي اختارتها كنيسة الاسكندرية آنذاك لتدوين النصوص المقدسة. يختم قائلا: "المشكلة التي نواجهها هي أن عدد العلماء المهتمين بالدراسات القبطية حول العالم في ازدياد منذ أن بدأ النشاط البحثي في هذا المجال، و هو ما لم ينتقل إلى الحياة الأكاديمية في مصر، خاصة أننا واجهنا تحفظات أمنية طوال الوقت إذ ما خرجت مبادرة تهدف إلى إتاحة هذا التخصص داخل الجامعات".
في داخل المحاضرة يتابع فنان الأيقونات القبطية ميشيل دميان بقية المحاضرة باهتمام ، وهو أحد الذين توافرت لهم فرصة التعرف على اللغة القبطية عبر أنشطة كنسية سابقة. "أعلم أن الدراسة هنا مختلفة، ولهذا جئت لأعلم المزيد ، والموضوع له صلة باهتمامي الشخصي بالدراسة، وأغلب الحاضرين جاؤوا بنفس الهدف، الموضوع ليس له علاقة بالديانة".
هناك من روادته فكرة إحياء اللغة القبطية ، ويتشابه في ذلك مع أفكار أخرى عن إحياء الكتابة الهيروغليفية والدعوة إلى تعليمها في المدارس، وبعيدا عن مركز دراسات الكتابات والخطوط بمكتبة الإسكندرية، يتم تدريس اللغة القبطية كأداة للتعامل مع الترانيم والصلوات المسيحية القبطية، لذا يتوافر ذلك في مدارس الأحد ذات الطابع التربوي والديني، أما تدريسها بشكل أكثر تعمقا، فيتوافر في مراكز ذات طابع كنسي خالص، و من أهمها "معهد اللغة القبطية" الذي تأسس في العام 1976، وتقتصر الدراسة فيه على اللهجة البحيرية. ويعتمد التدريس حسب كمال فريد إسحق - الباحث في اللغة القبطية- على دراسة النصوص الدينية التي تخدم الطقوس وتوضح الترانيم.. ويضيف قائلا: "عن نفسي أدعو إلى إحياء اللغة القبطية و العمل على نشرها من باب الاتصال مع موروثنا الحضاري، فهذه اللغة ليست إرثا للمسيحيين فقط، بل كانت لجميع المصريين".قضى كمال فريد إسحق أكثر من نصف قرن في التعامل مع اللغة القبطية، خاض فيها تجربة التدريس في معاهد ذات طابع كنسي، لكنه في نفس الوقت كان أحد من يعتنقون فكرة إحياء اللغة القبطية. "كنا نجتمع أنا وبعض المهتمين باللغة في صالون خاص داخل منزلي، لنتحدث سويا اللغة القبطية قدر استطاعتنا، لكن مشاغل الحياة شتتت بعضنا عن ذلك الهدف". كان عدد المبادرين لهذه الخطوة في بدايتها حوالي عشرة أفراد فقط ، قل عددهم تدريجيا .. ويختم كمال فريد إسحق قائلا: "اللغة العربية من الناحية العملية هي لغة غازي تم فرضها ، حتى اضمحلت اللغة الأصلية لسكان البلاد، لا أحد يطمح إلى مناهضة اللغة العربية، لكن ما أحلم به ان تكون اللغة القبطية متداولة بين المصريين".
اللغة السيوية .. تنتظر التوثيق
لا يخفي على زائر مدينة سيوة تلك الأحاديث الجانبية بين سكانها الأصلية بلغة محلية تخصهم، أما الأكثر أهمية هو تلك اللغة ما زالت بعيدة عن كافة محاولات التوثيق، وبعيدة عن عالم المعاجم و القواميس. حاول بعض محبي سيوة توثيقها مثل الفنان الشاب محمد فوزي الذي أقام أنشطة ثقافية في المدينة، وطمح إلى إصدار قاموس عربي/سيوي/انجليزي يعتمد على تعليم الاطفال عبر قصص مكتوبة بالسيوية، لكن تظل مثل تلك المحاولات بعيدة عن التوثيق الشامل للغة. "قضية اللغة السيوية شديدة الحساسية لعاملين مهمين، الأول هو الطبيعة المحافظة للمجتمع السيوي الذي ما زال يرى في لغته شأن خاص، و الأمر الآخر هو التحفز الأمني لأي محاولة لتوثيق اللغة خوفا من إثارة النعرة الأمازيغية". الحديث هنا لمحمد عمران جيري مدير العلاقات العامة والاعلام بمجلس مدينة سيوه. يعمل عمران أيضا في مركز توثيق التراث الحضارى والطبيعى الذي افتتح العام الماضي ، ويضم المركز شبابا من أبناء المدينة يوثقون التراث المعنوي والمادي السيوي. وهي خطوة تالية لمشروع سابق ممول من الاتحاد الأوروبي تحت اسم " سيوة طنجة : تراث من أجل حياة افضل"، ويدعم المركز من الناحية الفنية مركز التوثيق الحضارى والطبيعى التابع لمكتبة الإسكندرية . "لا نتعامل مع مسألة اللغة بشكل مباشر سوى في جمع الحكايات والألغاز وترجمتها حتى تكون متوافرة للباحثين والمهتمين، لكننا لسنا بصدد توثيق اللغة حاليا". هذا ما يوضحه الشاب محمد عمران ، و ينتقل حديثه إلى أمور أبعد من مجرد تحفظات السيويين أو العوائق الأمنية، إذ كان إبراز الهوية الأمازيغية للواحة هو القلق الذي يسيطر على شريحة من المجتمع السيوي، بعد ظهور دعوات تربط خصوصية سيوة الأمازيغية بالقضية الأمازيغية في دول شمال إفريقيا ونزاعاتها السياسية في تلك الدول.
وسط أرفف المكتبات تتلاشى محاولات توثيق اللغة بشكل كامل، عدا محاولات بسيطة على رأسها تلك التي قام بها الباحث السيوي محمد صالح في كتاب "الجوهرة الذهبية في معرفة اللغة السيوية"، وتعرض أثناء محاولته إنتاج الكتاب إلى استدعاء في مقر أمن الدولة آنذاك، ونشر كتابه في العام 2000 في 34 صفحة فقط بعد الاستغناء عن بعض الأجزاء. "لا أفكر في استكمال المشروع لقناعة شخصية بعد هذه التجربة، وهي أنه قد يتم استغلال المحتوى استغلالا سياسيا، و دعم الفكر الانفصالي، وهو ما يهدد الأمن القومي المصري". الحديث هنا للكاتب محمد صالح الذي انتقل للعيش في مدينة مطروح المجاورة. وعلى مدار تلك السنوات كان حريصا على نقل اللغة إلى ابنه الذي نشأ خارج المجتمع السيوي، حتى يكون جزء من مجتمعه.
يعتبر عدد من المتخصصين في الشأن الأمازيغي أن اللغة السيوية هي مجرد لهجة تطورت عن اللغة الأمازيغية، ويعود تاريخ تلك الواحة إلى فترات بعيدة ترجع إلى العصور المصرية القديمة، حين احتضنت بعض ذوي الأصل الليبي ، وبعدها وفدت هجرات من شمال إفريقيا لقبائل أمازيغية، اندمجت طوال الوقت مع المجتمع السيوي القديم، وحتى فترات قريبة ، كانت تفد هجرات أخرى، وهو ما أثر على المنتج اللغوي هناك"كانت محاولتي توثيق اللغة السيوية تهدف إلى إتاحتها بين أولئك الذين انتقلوا من وادي النيل ، وغيرهم من المتعاملين مع المجتمع السيوي، وتعرضت لانتقادات وسخرية من بعض السيويين الذين رأوا في تلك المحاولة كشفا لخصوصية مجتمعهم". هكذا يذكر الباحث محمد صالح أحد أسباب محاولته توثيق لغة مجتمعه. فهل تندثر اللغة السيوية بمرور الوقت ؟ "اللغة مصونة بأهلها" حسبما يرى كثيرون في داخل المجتمع السيوي، خاصة أن تراث اللغة شفاهي ينتقل عبر الأجيال، وفي جانب آخر يظهر القلق من ظهور "نعرة أمازيغية" تعكر صفو المجتمع الهاديء، وهو ما جعل ملف اللغة السيوية مغلقا حتى حين .
PDF

Thursday, January 24, 2013

عين صوفية و عين سلفية على المناسبات الدينية

سؤال المولد: كيف نحتفل بذكرى الحبيب ؟
كتب – عبدالرحمن مصطفى
يقدم الشاعر والباحث سيد سليم نفسه قائلا: "أنا خدّام آل البيت"، ثم يستكمل وصف عالمه الصغير في قرية عرب مطير بمحافظة أسيوط أثناء المولد النبوي من كل عام، بين الذكر الصوفي، والدروس الدينية، وتبادل "الواجب العائلي" بين أهالي القرية. يستكمل قائلا: " ما أراه الآن بحكم انتمائي الصوفي أن هناك حالة استبعاد لآل البيت، و رفض إحياء ذكراهم وعلى رأس ذلك إحياء ذكرى الرسول، وربط كل ذلك بالشيعة..  على السلفيين ألا يقفوا ضد الفرحة التي نبحث عنها في هذه المناسبات ".
في عدد من المواقع السلفية فتاوى تدين الاحتفال بالمولد النبوي وتصفه بأنه "بدعة"، وتظهر تلك الفتاوى تحت أسماء قيادات سلفية حالية، كما تزداد حدة الاشتباك بين التيارات السلفية و المتصوفة حين ينتقل الحديث من إحياء ذكرى الرسول إلى إحياء ذكرى آل البيت. أما من اختاروا أن يكون عنوان حياتهم هو "محبة آل البيت"، فالأمر أقرب إلى نمط حياة يومي، و يلخص الباحث الإسلامي سيد سليم حياة محبي آل البيت في مراحل: أولها السعي إلى تحصيل العلم و مطالعة سيرة علماء آل البيت ، فتتحرك عاطفة المحب نحوهم، ما يجعله يجتهد في إحياء ذكراهم بين الناس. وما يزيد من مكانة بعض الشخصيات عند المتصوفة هو أن يجمعوا بين النسب الشريف و تحصيل العلم وهو ما يتمثل في نماذج قديمة من أئمة آل البيت ينتمون إلى نسل الرسول، ونماذج آخري معاصرة مثل الشيخ صالح الجعفري، والشيخ محمد متولي الشعراوي، لذا يتم تبجيلهم حتى اليوم في ذكرى مولدهم بسرادقات وفعاليات سنوية.  يستكمل سيد سليم قائلا: "في العام الماضي أجاز أحد شيوخ السلفية إحياء ذكرى ثورة 25 يناير، على اعتبار أنه يوم يشبه انتصار موقعة بدر، فكيف يجيز ذلك ولا يزكي الاحتفال بذكرى الرسول الحبيب وآل بيته الكرام ؟". كان الشيخ السلفي عبد الرحمن عبد الخالق هو من أصدر هذا الرأي قبل عام في ذكرى الثورة.
أما داخل مجالس العلم و قنوات التلفزيون ومواقع الانترنت التي تنتهج الفكر السلفي، فيقل الحديث عن إحياء ذكرى المولد النبوي، واقتفاء أثر آل البيت، و يرتبط ذلك بتحذيرات من الشيعة والتشيع. قبل أيام ذكر أحد المواقع تصريحا على لسان القيادي الشاب أحمد مولانا، عضو الجبهة السلفية عن أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة شيعية، لكنه ينفي ذلك التصريح قائلا : "بعض المنابر الإعلامية تتعامل مع السلفيين على أنهم معادون لآل البيت ولا يقبلون عادات الآخرين ، هذا التصريح لم أقله، بل وأتحدى أن يأت أحد برأي لشيخ سلفي يقلل من شأن آل البيت". يعيد المؤرخ المقريزي تاريخ الاحتفال بذكرى المولد النبوي إلى الدولة الفاطمية، وهي المعلومة التي تقدمها الأدبيات السلفية كدليل على أن هذه المناسبة ذات نشأة شيعية فاطمية، بما يتبعها من مظاهر، يعلق أحمد مولانا قائلا: "نعم .. هناك تقصير في الحديث عن آل البيت وفضائلهم داخل الأوساط السلفية، وربما بالفعل هناك من يحفظ سيرة أئمة السلفية عن سير آل البيت، لكن هذا ليس عداء، إنما يكون العداء لما يصاحب هذه المناسبات من تجاوزات ، فإحياء الذكرى ليس بالغناء أو حتى بالحضرة في الموالد، نحن نتبع ما قاله الشرع".
تأتي ذكرى مولد الرسول كغيرها من المناسبات، حين يكتفي الشيخ السلفي بكلمة في مسجد، أو بإشارة في خطبة الجمعة، "الأمر له علاقة بتجسيد أفعال الرسول في الواقع، وليس العيش في عالم الاحتفالات والوهم ". حسبما يذكر أحمد مولانا القيادي السلفي.
كانت دار الإفتاء المصرية قد أعلنت في فتوى لها أن الاحتفال بذكرى مولد الرسول الكريم هو : "من أقرب القربات وأفضل الأعمال" ، وأن الحكم في الاحتفال بموالد آل البيت وأولياء الله الصالحين وإحياء ذكراهم هو : "أمر مرغـَّب فيه شرعا". هل تتغير تلك القواعد إذا ما ازداد عدد أبناء التيار السلفي في البرلمان القادم، فتواجه تلك الاحتفالات بتشريعات تحد منها؟ يجيب أحمد مولانا المتحدث الرسمي باسم حزب الشعب ، التابع للجبهة السلفية، قائلا: "دعنا نتذكر قبل 100 سنة حين كانت تلك الاحتفالات بما يصاحبها من مخالفات شرعية هي السائدة، لقد تغير الوضع الآن بفضل التعليم، وازدياد الوعي الديني، وحتى إذا ما ازداد وجود السلفيين في البرلمان أو السلطة، فإن مثل هذه الاحتفالات التي لا نؤيدها ستواجه بالعلم الشرعي، فليست مهمتنا مطاردة الناس داخل المساجد، والتضييق عليهم".

Thursday, November 1, 2012

الخواتم تخفي أسرارها

 
عبدالرحمن مصطفى-مصر
في سوق الصاغة بحي الجمالية العتيق، يجلس صاحب المتجر مبرزاً أصابعه التي تحيط بها عدة خواتم فضية، تبدو أصابعه جزءاً من واجهة العرض؛ فهناك نسخ أخرى من خواتمه الشخصية في الواجهة الزجاجية للمتجر ضمن عشرات الخواتم المتنوعة، يشرح سر اختياره تلك التصميمات قائلاً: «يأتيني أحد التجار بتشكيلة من النماذج المتنوعة، وأختار أكثرها رواجاً لدى الزبائن». ليس لديه الكثير من المعلومات عن نقوش الخواتم أو غيرها من الحلي الفضية التي يعج بها متجره، يراها جميعاً «اجتهادات من مصممي الحلي».

تقع ورش صناعة الحلي داخل حارة الصالحية المجاورة على بعد أمتار من هذا المتجر، وفي أعلى الطابق الثاني من إحدى البنايات يجلس محمد خليل الصائغ المخضرم في حي الجمالية محاطاً بكثير من الحلي، بدأ حديثه موضحاً منهجه في العمل: «مهمتي إعطاء الوجه المصري للحلي الفضية، أي أنني آخذ شكل القالب المتعارف عليه عالمياً، ثم أضفي عليه نقوشاً مصرية خاصة». على أي أساس يختار نقوشه ؟ يحتاج الأمر إلى كثير من المحاولات لتشجيعه على الإفصاح بما لديه من أسرار الخواتم المنثورة أمامه. «يمكننا اعتبار الخاتم ملكاً على الحلي المختلفة، فهو الأبرز دائماً في الأيدي، ويحمل عدة وظائف قديمة، منها التبرك، وصيانة الصحة باستخدام أحجار معينة في فص الخاتم، ووظائف سحرية أخرى، لكن كل ذلك انحصر الآن في مهمة تكاد تكون الوحيدة، وهي طقس الزواج». تشرح ﺍﻟﺩﻜﺘﻭﺭﺓ ﺴﻌﺎﺩ ﻋﺜﻤﺎﻥ، ﺃﺴﺘﺎﺫ علم الاجتماع ﺒﻜﻠﻴﺔ ﺍﻟﺒﻨـﺎﺕ، جامعة ﻋﻴﻥ ﺸﻤﺱ، موقع الخاتم في ثقافة استخدام الحلي في مصر. ورغم هذا الرأي إلا أن الكتابات البحثية المهتمة بالحلي تتناول سيرة الخواتم في مساحات لا تقدمه كملك على الحلي مثلما هو متوقع، بل إن كثيراً من التجار لا يحملون معلومات كافية عن «موتيفات الخواتم» وصلتها بالموروث الثقافي المصري، وحسب أحاديثهم فإن إقبال الشباب على الإكسسوارات يرتبط بشكل عام بنجوم الغناء، بدءاً من سبحة تطوق عنق عمرو دياب، أو أخرى تحيط بمعصم محمد منير، أما الخواتم فإن قواعد السوق تجعل أكثرها بساطة هي أكثرها رواجاً، أما الفتيات فالأمر مختلف، إذ كانت المرأة قديماً تتزين ببعض الإكسسوارات لأهداف مختلفة مثل تعليق حجاب فضي (تميمة سحرية) على رأسها طلباً للشفاء، أما فتيات اليوم فتتجه بعضهن لشراء خواتم ذات استخدامات أخرى، حين يتحول فص الخاتم إلى وسيلة لطمأنة النفس والروح، وأحياناً ما ترتبط اختياراتهن بـأبراجهن الفلكية، أياً كان الحجر المستخدم مثل: العقيق، الياقوت، الزمرد، الفيروز..إلخ.

في ورشة صناعة الحلي يعمل الصنّاع بدأب شديد على تصميمات جاهزة، وأحياناً ما تكون بناء على طلب الزبون، وهو ما يوضحه صائغ الفضة محمد خليل قائلاً: «يأتيني أحدهم طالباً خاتماً فضياً منقوشاً بعبارة خاتم النبي: محمد.. رسول.. الله. في هذه الحالات أنقشه خصيصاً له، رغم أن ذلك ليس منتجاً أقدمه كل يوم». ليس لدى كل صائغي المجوهرات ذلك الوعي بخلفيات النقوش والرسوم المتواجدة على الخواتم والحلي، إذ يحتفظ محمد خليل بحلي تعود إلى أكثر من قرن مضى، «تلك النقوش تلهمنا في إبداع أفكار مختلفة، وهنا يتسلل الموروث الثقافي رويداً رويداً إلى خواتم حديثة الصنع، وبالتأكيد فإن الوظائف السحرية القديمة قد تضاءل الوعي بها تماماً، وانحسرت، وحتى ما أحتفظ به من حلي ريفية أو قاهرية قديمة أستعير منها النقوش فقط، ورغم علمي بمغزى بعض تلك النقوش القديمة بحكم القراءة والاهتمام، فإن أغلب الزبائن لن يعرفوا ذلك». حدثت نقلة في أشكال الحلي وعلى رأسها الخاتم منذ سنوات طويلة، إذ كان التركيز وقتها على استعارة النقوش المصرية القديمة، ثم ظهر تأثير الفن الإسلامي بعدها، وكذلك الطابع المصري الشعبي مؤخراً، ويتم ذلك باجتهاد من بعض المصممين الكبار في عالم الذهب والفضة.

على مسافة غير بعيدة من حارة الصالحية، يقع الأرشيف القومي للمأثورات الشعبية، في بيت الخرزاتي المجاور لبيت السحيمي الشهير بالجمالية، وأمام جهاز للكمبيوتر تجلس الباحثة نورهان فوزي بادئة حديثها: «البحث عن الموروث الثقافي الذي يتناقله صناع الصاغة في ورش الجمالية المجاورة أشبه بالبحث عن إبرة في كوم قش، لم يعد هناك ذلك الوعي..». تفتح فيديو سجلته إحدى جامعات التراث لأحد المتصوفة وهو يتحدث عن سر خواتمه الكثيرة في يده، أحد تلك الخواتم يحمل نقشاً يقول: العاطي الوهاب، وآخر يحمل حجر الزمرد، ولديه آخر يحمل فصاً من العقيق، زاعماً أن تلك الفصوص تؤثر بالإيجاب على الحالة النفسية. ومنذ العهد المصري القديم كانت تلك الاستخدامات مطروحة إذ كان خاتم الجعران جالباً للحظ والفأل الحسن، ومن أشهر تلك الأنواع المرتبطة بطقوس خاصة، «خاتم الزار»، الذي ارتبط بعادة الزار، حيث يرتديه من يرغب في العلاج من المس أثناء الرقص العنيف على الموسيقى الصاخبة، مع خاتم آخر اسمه خاتم العبد، وثالث اسمه خاتم بجلاجل، وبعض الصناع في الريف المصري- حيث بقايا لطقوس الزار- لا يدركون تفاصيل الاستخدام، حسبما يوضح أحدهم في فيديو آخر داخل الأرشيف القومي للمأثورات الشعبية، وتعلق الباحثة سونيا ولي الدين «إن ما رصدته في عالم الحلي يشير إلى أن البيئات البكر ما زالت محتفظة بأفكارها عن الحلي»، توضح ذلك: «جلست في حلايب وشلاتين أتابع الصائغ هناك وهو يصنع خواتم عليها نقوش أقرب إلى تمائم لحفظ صاحبها، وكل قبيلة لها رموزها». في دراسة لها تحت عنوان: الحلي وأدوات الزينة عند نساء جنوب مصر، ترصد خواتم متعلقة بالزار، على رأسها خاتم مختوم من أعلى وفي رمزية، وكأنه مغلق على الجن الشرير. هذه الطقوس تنسحب اليوم أمام طابع جديد يغلف المجتمع المصري، تعلو فيه روح الأصولية الدينية، التي ترفض الشكل الطقوسي خارج الشعائر الإسلامية المعروفة، وهو ما يجعلها نماذج فنية خارج إطار التداول الشعبي. تعلق ﺍﻟﺩﻜﺘﻭﺭﺓ ﺴﻌﺎﺩ ﻋﺜﻤﺎﻥ، ﺃﺴﺘﺎﺫ علم الاجتماع موضحة: «لا شك أن ظروف المجتمع تفرض أحكامها على صناع الحلي بشكل عام، لكن الأمل باق في عودة الموروث الثقافي إلى الساحة، فهذا أمر معتاد في الدراسات الشعبية، حين تختفي طقوس لفترة ثم تعود في ظروف أخرى بعد إحيائها، والفيصل هنا هو درجة الوعي بالموروث الثقافي ومدى القدرة على إتاحته أمام الصناع».

Thursday, October 11, 2012

التهجير.. ضيف ثقيل على الخريطة القبطية



عبدالرحمن مصطفى

فى احتفالات أكتوبر باستاد القاهرة، أعلن الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية: «العدوان على أقباط رفح، عدوان على كل مصرى، وعدوان علىَّ أنا بشكل شخصى». وذلك بعد ساعات قليلة من زيارته لسيناء وتكرار التهديدات إلى أقباط رفح. ولم يخف المعلقون قلقهم من أن تكون تلك الحادثة استكمالا لمسار جديد بدأ يضغط فى اتجاه عزل المسيحيين داخل تجمعات مغلقة. «الأزمة الآن أن هناك مجموعات متطرفة رأت فى صعود رئيس من التيار الإسلامى فرصة لخرق القانون، والتعبير عن ثقافة التمييز التى أصابت المجتمع المصرى قبل سنوات، وليس أدل على ذلك من أن تجد من أحرق الكتاب المقدس أمام السفارة الأمريكية فى حادثة فريدة، يعلن أمام الإعلام بعد إخلاء سبيله أنه أحرق كتابا محرفا، وأنه لا وجود للإنجيل على وجه الأرض.. فى إساءة جديدة!»، هكذا يعلق الدكتور عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية على الأحداث، ويصف صعود مصطلح «تهجير الأقباط» بأنه خطر قادم، ولا يستبعد أن يؤدى ذلك فى وقت من الأوقات إلى الدفع بالمسيحيين إلى التجمع فى مناطق جغرافية بعينها ابتعادا عن المجموعات المتطرفة والبحث عن الاحتماء بالجماعة الدينية. «بعض من تعرضوا للتضييق الطائفى، اتجهوا بالفعل إلى أحياء بها نسبة كبيرة من المسيحيين.. وهذا أمر مثير للقلق»، على حد قوله. لا يخفى أيضا اسحق إبراهيم، الباحث فى برنامج حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن تكرار هذه الحوادث القائمة على تهجير مسيحيين من مساكنهم قد بدأ يتخذ نمطا جديدا ظهر فى حادثتى العامرية فى مايو 2012 ودهشور فى أغسطس 2012، وحوادث أخرى سابقة حسبما يشرح: «لا توجد دراسات متوافرة الآن تؤكد أن هناك سعى من المسيحيين إلى التجمع فى أماكن بعينها، أو تفسر وجود أحياء أو قرى ذات كثافة مسيحية عالية عن غيرها من الأماكن. لكن ما تم رصده أن من تعرضوا للتضييق الطائفى فى الريف اتجهوا إلى المدن حيث العلاقات أقل تماسكا».
قديما عرفت المدينة فى العصور الإسلامية تجمعات مسيحية ويهودية فى أحياء وحوارى محددة، وذلك فى إطار منطق ساد وقتها فى السكن، حين كان يتجه أبناء الطوائف المهنية إلى السكن جوار ورشهم وأعمالهم، وأبناء القبائل فى حارات لهم، وكذلك أبناء الطوائف الدينية إلى السكن جوار دور عبادتهم، لذا عرف لفظ «حارة النصارى» فى عدة مواقع خلال تلك الحقبة وحتى فى العصر العثمانى، وذلك داخل القاهرة وخارجها. وتركز تجمع الأقباط فى القرن 18م ناحية بحيرة الأزبكية حيث انتقلت البطريركية إلى الأزبكية قبل أن تستقر البطريركية فى موقعها الحالى بالعباسية. «إن التجمعات المسيحية الحالية ناحية أحياء الفجالة والقللى والظاهر وشبرا هى امتداد طبيعى لذلك التمركز الذى كان موجود ناحية حى الأقباط فى الأزبكية فى القرن 18 حول الكاتدرائية القديمة». يفسر الدكتور محمد عفيفى رئيس قسم التاريخ بجامعة القاهرة أحد أسباب شهرة بعض الأحياء وعلى رأسها حى شبرا بوجود كثافة مسيحية. وكان قد أثير مؤخرا جدلا حول تعداد المسيحيين فى مصر، وتردد اسم حى شبرا على ألسنة مصادر كنسية مشككين فى الأرقام المذكورة حول تعداد المسيحيين واصفين إياها بأنها مناسبة لحى شبرا فى إشارة لسمعته بوجود كثافة مسيحية داخله. ويمثل هذا الحى نموذجا لانتقال تجمعات المسيحيين السكنية من عالم «حارة النصارى» القديم بالأزبكية إلى حى جديد فى النصف الثانى من القرن 19م. ويشرح الدكتور محمد عفيفى، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة : «لم يكن حى شبرا فقط امتدادا لتجمعات قبطية قديمة فى الأزبكية، بل سببا فى انتقال موظفى السكة الحديدية والبريد من الأقباط، وفى الوقت نفسه هاجر إلى الحى سكان جدد من مسلمى وجه بحرى عبر الكورنيش ومن الصعيد أيضا، كل هذا إلى جانب أقليات أجنبية يونانية وإيطالية وأرمينية وغيرها». هذه الحالة هى التى أعطت حى شبرا طابعا خاصا ما بين سمعته كحى يجمع كثافة سكانية مسيحية لافتة، لكنها غير منعزلة عن جوارها، ما جعله مادة درامية يستهلكها الإعلام والأدب فى التعبير عن التعايش. هل ينجح الساعون إلى إعادة عصر حارة النصارى فى سعيهم؟ يختم اسحق إبراهيم، الباحث فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: «النتيجة الواضحة أمامنا الآن هو أن عدم تفعيل القانون واللجوء إلى الأساليب العرفية كثيرا ما تسبب فى ظلم المواطنين، خاصة أننا رأينا أن عمليات التهجير القسرى التى جرت كانت تجرى بشكل عقاب جماعى.. لذا لا حل سوى فى تطبيق العدالة بشكل قانونى يحترم حق كل مواطن».

Thursday, August 16, 2012

من الهامش إلى قلب الأحداث سيناء.. أطياف من التدين وواقع لا يتغير

فى الشيخ زويد أهل السنة والجماعة: ليس كل صاحب لحية تكفيريًا
يمر الشيخ هانى محلاب بين المعتكفين فى مسجد التوحيد بمدينة الشيخ زويد، مستقبلا استفساراتهم ومحاولا طمأنتهم بعد حملة اعتقالات داهمت منازل عدد من السلفيين فى المدينة قبل أيام، يبدأ حديثه ساخرا عن الصورة النمطية التى تلاحق السلفيين هنا، فكانت عبارته: «مرحبا بك فى معقل الإرهابيين.. ألا يرانا البعض هكذا؟!». فى جنبات المسجد الذى يعد من أهم مراكز السلفية فى شمال سيناء، يجلس بعض من تعرضوا للاعتقال والمساءلة فى السنوات الماضية قبل الثورة، أما تصنيف رواد المسجد لأنفسهم فهم «جماعة أهل السنة والجماعة»، ويتبعون «مشايخ مثل محمد حسان وأبو إسحق الحوينى»، حسب أحد أفراد الجماعة.
تستغرق المسافة من مسجد التوحيد إلى بوابات المدينة نحو خمس دقائق بالسيارة، حيث الموعد المحدد مع الشيخ حمدين أبوفيصل أحد القيادات السلفية فى شمال سيناء، وهو من تعرض للاعتقال أيضا بعد تفجيرات طابا فى عام 2004 لمدة 18 شهرا، وازداد اهتمامه بعدها بالعلوم الشرعية حتى أصبح مقصدا للمشورة، وعلى اتصال بمشايخ آخرين خارج سيناء.
فى الطريق من مسجد التوحيد إلى منزل القيادى السلفى الشيخ أبو فيصل، اتجهنا بسيارة حمدان أحد الشباب السلفى من أبناء المدينة، ولم يخف حمدان سخريته من التناول الإعلامى للإسلاميين فى سيناء، معلقا: «فى أحد الدروب الجبلية الوعرة اتجهنا إلى منزل أحد كبار المتطرفين الدينيين.. أليس كذلك يكتب بعض الصحفيين؟». يطلق حمدان الجملة الساخرة دون أن يخلو الأمر من مرارة وقلق، هذه المرارة نفسها التى دفعت الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد أن يرفض لقاء بعض الفضائيات خشية «الإفك الإعلامى، وتحريف الأقوال»، على حد قوله.
تقع مدينة الشيخ زويد على مسافة 35 كيلومترا شرق مدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء، من هنا مر أحد مجاهدى الفتوحات الإسلامية فى عهد عمر بن الخطاب ويعتبره المتصوفة من أولياء الله الصالحين ويتبرك به بعض سكان المنطقة. ولم تشفع تلك السيرة الجهادية من أن يتم تخريب ضريحه فى عدة محاولات بعد الثورة، وتتوارد الأقوال حول إن كان الفاعل سلفيا متحمسا أم تكفيريا من خارج المدينة التى يقدر عدد سكانها بما يتبعها من قرى أكثر من 50 ألف نسمة، ويتبنى السلفيون هنا آراء تدين زيارة المقابر والتبرك بها وأنها عقيدة الضلال. وفى منزل بسيط يقتطع مساحة من أرض صحراوية يجلس الشيخ حمدين أبو فيصل أمام جهاز الكمبيوتر الشخصى «اللابتوب» متوجسا من تصاعد الأحداث فى الأيام الماضية، «قبل الثورة كان ضابط أمن الدولة يدخل السوق وينادى على من معه قائلا: (لم التكفير دول). أخشى أن تعود هذه الأيام، وتبدأ حملات اعتقالات عشوائية ضد الإسلاميين، لأن هذا سيصنع أعداء جدد للسلطة، وقد يتحول المعتدل إلى معتدى.. أملى ألا يحدث ذلك». هذه الحالة القلقة بين السلفيين فى المدينة هى حصاد صورة رسمتها الأحداث لمنطقة شمال سيناء على مدى أكثر من عام ونصف مضت منذ ثورة 25 يناير، بعد أن ترددت بكثافة تعبيرات مثل «الإمارة الاسلامية فى سيناء» بين وسائل الإعلام المختلفة، نتيجة العمليات التخريبية المتكررة، ورغم إنكار تنظيمات معروفة بنهجها الجهادى مثل «مجلس شورى المجاهدين» و«جند الإسلام» أى صلة بهجوم رفح المسلح، إلا أن الجميع هنا يؤكد وجود مجموعات تتبنى النهج المسلح، وليس لأحد عليها سلطان، يجمع أفرادها علاقات الجوار والقبلية والفكر الواحد، سواء كان جهاديا أو تكفيريا. فى ظل هذا التشابك المعقد يخشى السلفيون فى المدينة من «أهل الجماعة والسنة» أن يتحولوا إلى كبش فداء أو أن يتعرضوا لاعتقالات واسعة على يد الجهات الأمنية الباحثة عن معلومات جديدة، ليس هذا ما يخشاه «أهل السنة والجماعة» فقط، بل إن بروزهم فى المشهد يجعلهم فى مرمى النيران، خصوصا بعد مشروع مهم لفت أنظار شمال سيناء والمهتمين بالمنطقة، هو «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء»، التى تضم الشيخ حمدين أبو فيصل والشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد، وتعتمد تجربة «اللجنة الشرعية» على فكرة تطبيق القضاء الشرعى كبديل عن القضاء العرفى القبلى فى سيناء.

لسنا بديلا عن الدولة..
على صفحة «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء» فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، بعض الفيديوهات لمجاهدين فى أفغانستان ولأسامة بن لادن، قد لا يكون ذلك دليلا على دعم مباشر من أهل السنة والجماعة لأنشطة جهادية أو تكفيرية، فالتكفيريون لن يقبلوا إمامة شيخ يعمل لدى الحكومة، كما لن يقبلوا موقف أهل السنة والجماعة من تأييد الدكتور محمد مرسى منذ فترة الانتخابات حتى الآن، ولن يهتموا بمشروع مثل اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء، لكن هل تمثل هذه اللجنة الشرعية منازعة للدولة فى سلطانها؟ أو هى بمثابة تكوين نخبة سلفية تدير المجتمع، تمهيدا لشريحة أخرى تستخدم السلاح فى إقصاء الدولة تماما ؟ يعتدل الشيخ حمدين أبو فيصل فى جلسته دون أن يخفى ضيقه بالسؤال، مجيبا بلهجة بدوية ممزوجة بالفصحى: «لسنا بديلا عن الدولة، لكن يجب أن نفهم طبيعة المجتمع هنا، لقد كان هناك قضاء عرفى لا يستند إلى أحكام شرعية واضحة، وهناك ملتزمون دينيا يريدون بديلا أكثر انضباطا، فاتخذنا هذا الطريق، وذلك فى الوقت الذى انهارت فيه أجهزة الدولة بعد الثورة مباشرة.. نحن لا ننازع الدولة، هذه فى النهاية مبادرات».
يأتى هذا الحديث بعد أيام من عودة قسم شرطة الشيخ زويد إلى العمل للمرة الأولى منذ يناير 2011 الماضى. يدرك أبو فيصل تماما أن البعض يعتبره متطرفا رغم أنه لا يعتبر نفسه كذلك موضحا وجهة نظره: «أنا متطرف بالنسبة لشريحة من الإسلاميين، أو هكذا يروننى، لكنى فى الوقت نفسه معتدل بالنسبة لإسلاميين آخرين».
وفى مجتمع تحكمه القبلية مع الصعود الإسلامى فى هذه الناحية من سيناء تدور أفكار وهواجس عن فئات أخرى أهم من الجماعات الجهادية أو التكفيرية، وتحديدا فى ذلك الحضور القديم لأمن الدولة وحلفاء الحزب الوطنى المنحل وتجار السلاح والمخدرات، فالقلق الدائم لدى السلفيين هنا هو أن يكون تصدرهم المشهد سببا فى صدام مع قوى قديمة. وسط هذا الزحام، لا بد للفرد أن يستند إلى تجمع واضح بين قبيلة أو جماعة.. أو كليهما، وهو ما يدفع البعض إلى التقليل من شأن الجماعات المسلحة ويرونها مجموعات صغيرة لكن صخبها عال وضررها أعلى.
قبل توديع الشيخ أبو فيصل والعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى يشرح الشيخ بعض مواقفه مع رجال الأمن وكيف قدم إليهم بعض التوصيات التى كان من ضمنها أنه رأى عدم عودة الشرطة إلى المدينة قبل عدة أشهر، إذ رأى بحكم تواجده فى المجتمع انتشارا للسلاح وموجات من العنف بين الأفراد والقبائل فى شمال سيناء أغلبها بعيد عن التطرف الدينى، «لقد استحسنت القيادات رأيى فيما بعد، وأدركوا إخلاصى فى رأيى حول تلك المسألة»، حسبما ينقل الشيخ أبو فيصل. أما فى طريق العودة فقد أصبح مشهد العربات المجنزرة وسيارات الشرطة والجيش وصوت الرصاص أمرا مألوفا فى الشيخ زويد كحال بقية بقاع أخرى فى سيناء. لم يعد أحد يتوقع مفاجآت جديدة، إذ أصبحت هناك ألفة مع التفجيرات المتكررة وأصوات إطلاق النار، وهو ما دفع شيخا مثل هانى محلاب أن يصدر فتوى قبل عدة أشهر بتحريم « إطلاق النار لأنه يؤدى إلى ترويع الآمنين وقتل النفس على جهة الخطأ».

«أبو عبيدة» لتنمية المجتمع
بالعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى كان هناك لقاء آخر فى جمعية أبو عبيدة بن الجراح لتنمية المجتمع المحلى المجاورة، حيث جلسة كبيرة بعد صلاة العصر، تضم أكثر من عشرين فردا من «أهل السنة والجماعة» انضم إليهم بعض رواد المسجد، ودار سؤال فى بداية الجلسة أخذ يطوف على الحاضرين: من يقوم بهذه الهجمات؟ ولماذا يربط البعض حتى فى العريش المجاورة بين أهل الجماعة والسنة وعمليات التفجير المتكررة ؟ القصة قديمة حين أثيرت الأسئلة نفسها فى نهاية يوليو من العام الماضى، وقتها أقيمت فى ميدان التحرير ما عرف بجمعة تطبيق الشريعة، أما فى شمال سيناء فقد خرجت مسيرة باتجاه مدينة العريش مطالبة بتطبيق الشريعة، أعقبتها اعتداءات على قسم للشرطة بمدينة العريش، وعلى تمثال الرئيس أنور السادات فى ميدان الحرية وسط مدينة العريش. وفى نفس اليوم وقع اعتداء على خط لأنابيب الغاز فى سيناء، وحتى اليوم تظهر فيديوهات هذه المسيرة حين يأتى ذكر الإرهاب فى سيناء، يرد الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد: «كنت هناك وقتها، وجاءتنا مكالمة من ضابط فى جهة أمنية رفيعة يخبرنا عن تلك الاعتداءات على قسم الشرطة، واتصل وقتها حتى نأخذ حذرنا من بعض المتهورين، لكن أخذنا الإعلام والعامة بذنب هؤلاء، رغم أن من قام بها هم مجموعة من المغامرين غير المحسوبين علينا».
«من يقوم بهذه العمليات ليسوا أشباحا خفية، فهم معروفون للأمن جيدا»... تتكرر الجملة على ألسنة السلفيين وغيرهم بحكم تشابك العلاقات القبلية وما تفرضه تجارة الأنفاق من تبادل معلومات، لكن لا توجه الاتهامات إلى أشخاص محددين، ومع اتساع نطاق «عملية النسر» الأمنية للقضاء على المسلحين فى سيناء، يتخذ البعض نبرة الاستبشار بإنهاء الموقف، مع خشية الاستجواب أو الاعتقال القسرى مثلما كان يتم قبل الثورة. يقطع الحديث الشيخ هانى محلاب إمام الأوقاف ذى النهج السلفى، مؤكدا: «نحن ندين اعتداءات رفح وما تبعها من اعتداءات تهدد الآمنين، لكننا أيضا ندين اعتقال أتباعنا ومن نعلم أنه بعيد عن الارهاب».
قبل إفطار المغرب بوقت قليل تبدو مدينة الشيخ زويد كمدينة يختلط فيها هدوء الصائم وجمود المذهول مما حوله من أحداث، فى طريق العودة إلى العريش تلتقى مرة أخرى فى طريقك بعض السلفيين الذين كانوا قبل دقائق فقط فى مسجد التوحيد، فى الطريق إلى منازلهم، وهم على حذر من المستقبل.
حزب النور.. ساعة للسياسة وساعة للاعتكاف

يتقدم من بين المعتكفين داخل مسجد عمر بن الخطاب فى مدينة العريش شاب ملتح ذو جلباب أبيض، بادئا حديثه: «دعنا نتفق على أن التيار الاسلامى ذو أطياف متعددة، بين تميع وتشدد، بين إسلامى يصافح النساء ويسمع الأغانى، وآخر منعزل عن المجتمع ويكفر من حوله، نحن أبناء الدعوة السلفية وحزب النور نحسب أنفسنا وسطا بين ذلك وذاك». الحديث لضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء، الذى انضم إلى اعتكاف قيادات حزب النور بالمحافظة، حيث يوزعون أوقاتهم بين العبادة وشئون السياسة.
لا يبدو المشهد مختلفا عن مساجد سلفية أخرى فى المحافظات المصرية، إلا أن صعود حزب النور التابع فكريا لمدرسة «الدعوة السلفية بالإسكندرية» يحمل قصة ذات مذاق مختلف، فليست مفارقة غريبة أن يكون تاريخ تأسيس صفحة «الدعوة السلفية بسيناء» على شبكة فيسبوك الاجتماعية هو نفسه تاريخ تنحى الرئيس السابق مبارك 11 فبراير 2011، إذ كانت الثورة بداية رفع التضييق عليهم. «قبل الثورة أبلغت قيادات أمن الدولة عن أن سيناء فى مأزق، وطلبت منهم أن يتركوا لى فرصة الدعوة فى الأماكن النائية التى يزهد الناس فى الاهتمام بأهلها، لكنهم كانوا يمنعوننا من التحرك شبرا واحدا خارج العريش»، هكذا يعرض شاب آخر من قيادات حزب النور تطور الوصول السلفى إلى السياسة، هو مصطفى عبدالرحمن أمين الحزب بشمال سيناء.
سريعا، ينتقل الحديث إلى الطابق الثانى من المسجد حتى لا ينزعج بقية المعتكفين، وينضم إلى الجلسة قيادات حزب النور الواحد تلو الآخر، بعضهم من ذوى الأصول العريشية، وآخرون من ذوى الأصول العربية القبلية، إلى جانب من تعود أصولهم إلى محافظات وادى النيل. بدأ النقاش بسؤال طاف على جميع الحاضرين عما إذا كان وصول السلفيين إلى السياسة قد مهد الطريق إلى تيارات أخرى أكثر تشددا تحاول هى أيضا أخذ نصيبها من السلطة؟ «وجود الإسلاميين فى السياسة هو صمام أمان حتى لا تختطف السلطة من جماعات متطرفة أو من رجال النظام القديم فى سيناء». هذه الإجابة التى طرحها ضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء تلقى قبولا لدى الجميع، لكنها لا تكشف عن المسافة بين أنماط السلفية الكبرى الموجودة فى المحافظة، فبعيدا عن القطيعة التى يعلنها أتباع حزب النور والدعوة السلفية مع النمط الجهادى إذا ما ارتكبت باسمه أعمال تخريبية، إلا أن مساحة العلاقات بين الدين والسياسة تجعله فى طرف آخر من المعادلة السياسية بشكل عام إذا ما قورن بتيارات أخرى ليبرالية أو اشتراكية، لكن غياب مثل تلك التيارات على أرض الواقع فى سيناء ينتج عنه أن يكون حزب النور وسطا بين جهادى وإخوانى، فى حين يكون الإخوانى وسطا بين سلفى وليبرالى فى محافظات أخرى، وخصوصا فى العاصمة، تلك الملامح قد ظهرت فى نتائج الانتخابات الرئاسية بشكل واضح.. إذ دائما ما كان يلاحق محمد مرسى فى شمال سيناء أحد ممثلى فترة ما قبل الثورة، مثلا تقدم عمرو موسى إلى المركز الثانى من المرحلة الأولى للانتخابات الرئاسية حاصدا آلاف الأصوات، وفى انتخابات الإعادة كانت نسبة ثلث الأصوات تقريبا من نصيب أحمد شفيق، وهذا ما يطرح سؤالا عن هل لا يمثل القوى السياسية المدنية سوى رموز فترة ما قبل الثورة؟ «لا تقلق القوى السياسية فى سيناء من منافس سوى رجال النظام القديم والحزب الوطنى»، هذا ما تردد على ألسنة عدد من الإسلاميين فى مدينة العريش. ويطرح مصطفى عبدالرحمن أمين حزب النور بشمال سيناء تحليلا آخر: «للأسف.. فالواقع الحالى لم يختلف كثيرا عن الماضى، إذ ما زال التهميش يحيط بأهالى سيناء، وهو ما انعكس على غياب روافد فكرية أخرى منافسة». على هذه الأرضية يمارس حزب النور السياسة فى بيئة قد تختلف قليلا عن بقية المحافظات، وفى أثناء الحديث ينضم إلى الجلسة كمال الأهتم من قيادات حزب النور فى شمال سيناء، وهو ضابط شرطة سابق استقال فى العام 2007 بعد اعتكاف مع الشيخ حازم شومان، وأنهى خدمته فى 2009. بدأ حديثه بأن لا فصل بين الدين والسياسة، فأسس اختيار القيادات قائمة على منهج الدعوة السلفية، ويشرح موضحا: «هناك منهج وتربية للفرد وهو ما يمنع أن يقع أحدنا على سبيل المثال فى بئر التطرف المسلح، وذلك رغم انتشار السلاح من حولنا بشكل بالغ». هذا الواقع لا ينفى تعددية من نوع آخر بدت ملامحها داخل المسجد، وفى هذا الجلسة نفسها نجد ذى الأصول العربية القبلية يرتدى القميص والبنطلون، والذى تنتمى أصوله إلى أهل وادى النيل يرتدى زيا عربيا، بل قد لا يعبر الزى نفسه عن هوية دينية، «ليس كل نقاب أو جلباب هو سلفية أو تدينا»، حسبما يقول أمين الحزب. فى الدور السفلى حيث ساحة المسجد، أكثرية من الملتحين إلى جانب ذوى المظهر العربى البدوى التقليدى، لا تبدو الاختلافات قوية، أما المشهد فى منطقة وسط المدينة «البلد»، فيحمل شكلا آخر من التعددية، اللهجات الصعيدية والبدوية والفلسطينية، إلى جانب لهجة العريش، وتقل تلك أجواء التعددية على أطراف المدينة، وتكاد تتلاشى فى بقية مدن شمال سيناء الأخرى.
صناعة الحياة فى زمن الرصاص
فى أرض صحراوية تتخللها زروع خفيفة داخل مدينة العريش، جلس شباب متطوعون فى سن صغيرة يعبئون حقائب بلاستيكية بالأرز والمكرونة والسكر وغيرها من المواد الغذائية، «هؤلاء فى المرحلة الثانوية، ورغم الاعتداءات المتكررة داخل العريش وخارجها، والعمليات العسكرية بين قوات الأمن والمسلحين إلا أن قرارنا واحد، وهو أن تصل حقائب الخير إلى المدن والقرى المجاورة». يشرح جهاد سليمان (23 سنة) الضغوط التى يتعرض لها فريق «صناع الحياة» فى شمال سيناء، أثناء تنسيقه إرسال الحقائب الرمضانية إلى زملائه كى يوزعوها فى (بير العبد، الشيخ زويد، رفح). هذه الحالة الطارئة لا يراها جهاد كذلك، بل يرى أن «الموقف دائما فى صعوبة داخل سيناء».
عمل جهاد بعد تخرجه مباشرة مدرسا للحاسب الآلى فى مدرسة «بئر معين» ناحية وسط سيناء، حيث يهرب الكثيرون من العمل فى قرى وسط الصحراء، وفى هذه المناطق لمس حالة التهميش مقارنة بالوضع فى مدينته العريش، فلجأ إلى أعمال تطوعية مع زملاء له، يتذكر منها زيارتهم إلى مدرسة «المغارة» فى وسط سيناء، التى لا تبعد كثيرا عن جبل «الحلال» الشهير بأنه مأوى المسلحين، يقول عن ذلك: «قمنا بطلاء المدرسة وتركيب شبابيك جديدة، وأذكر الموقف حين تاه أحد أصدقائنا، وفقدنا الاتصال بسبب غياب شبكات المحمول، فأتى به أحد البدو من سكان المغارة، هذه الأجواء الصعبة لم تنعكس بشدة على الأهالى، إذ أنهم رحبوا بمبادرتنا، وكلهم أمل فى التواصل مع العالم». فى تلك الزيارة التى يتحدث عنها جهاد كان قد توجه إلى أهل القرية الصحراوية مرتديا «تيشيرتات» عليها صور شهداء 25 يناير، «كانت رسالة واضحة إليهم أن يندمجوا مع المتطوعين دون أن يكون هناك أى غرض دعائى أو سياسى».
بحكم تلك الأنشطة الموزعة بين مدن وقرى شمال ووسط سيناء تتعدد المخاطر، «الجميع الآن يتحدث عن التكفيريين والمتطرفين المسلحين، ونسوا الواقع خارج مدن سيناء، بل وداخل بعض الأجزاء فى مدينة كبيرة مثل العريش، ستجد قصة مكررة فى كثير من القرى الصحراوية، لإمام جامع معادى للدولة، يخطب فى الناس بقوة أنصاره، ولا يذهب إلى تلك البقاع أحد من الدولة أو حتى متطوعا، ومثل هذا الإمام هو محسوب على قبيلة، ما يجعل الأمور أكثر تعقيدا». مثل تلك النوعية من الحالات رغم عدم شيوعها تثير قلق من يعمل فى مجال التطوع. أما عن مجموعة صناع الحياة فى شمال سيناء التى يقدر عدد أعضائها بخمسين متطوعا، فحتى اليوم لم يحصلوا على مقر ثابت منذ أن بدأوا نشاطهم فى 2004 بعد طرح الفكرة بواسطة الداعية عمرو خالد، وتصدت لها إلهام أبو حية من مدينة العريش. وعلى مدى تلك السنوات ظلت هذه المجموعة المتجددة من الشباب المتطوع، تمر على جمعيات أخرى وداخل معاهدهم وكلياتهم، وأحيانا ما اختطف الحزب الوطنى مجهوداتهم ونسبها إلى نفسه، تعلق الهام أبو حية: «بعض الجمعيات اجتذبت الشباب بالمقابل المالى، وهى فكرة غربية لا تتواءم مع موروثنا الاسلامى، ولا أخلاقنا العربية التى تحض على البذل والكرم، أنا أتحدث عن تجارة مع الله». هذه المواقف يضاف عليها بعض العوامل الثقافية التقليدية، مثل مشاركة الفتيات فى العمل التطوعى، وتوضح ذلك قائلة: «حين أردنا أن ندعم حملة (إوعى) المناهضة للإدمان شتتنا الأحداث المتتالية من التفجيرات، وأعلنت لزملائى خارج العريش أننا فى شمال سيناء نواجه ظروفا صعبة تمنعنى من المغامرة بالفتيات فى أى عمل تطوعى.. لقد أصبح الوضع يذكرنى بغزة التى اعتاد أهلها صوت إطلاق النار». تنتمى إلهام أبو حية إلى أصول فلسطينية، ما جعلها ترى جانبا سيئا من الأحداث الأخيرة حين تعرض بعض الفلسطينيين المقيمين فى العريش إلى التضييق وجرى اتهامهم بأنهم وراء أعمال التخريب المتتالية فى سيناء.
تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو الهام في عملهم الميداني، يروي جهاد أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا له: "كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة .."، يعلق جهاد الذي ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه : "هذه الأنماط المتشددة موجودة في كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا في سيناء هي المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة، وضعف المبادرات التطوعية".
**
من أقوال العابرين
● أنا آخذ الأجرة مضاعفة من الفلسطينيين مقارنة بالمصريين، فأنا لا أحب التعامل معهم
(سائق أجرة أمام منفذ رفح البرى)
● الفرق بين القاهرة وما يحدث هنا فى شمال سيناء من اشتباكات وعمليات مسلحة، هى أن هناك من كانوا مشاركين فى أحداث ومواجهات عند ميدان التحرير ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية، أما هنا فى شمال سيناء فمساحة الاعتراض والاشتباك محدودة، ولا يمارسها سوى الإرهابيين والجماعات المسلحة.
(شاب من مدينة العريش فى وسط المدينة)

● لا أرى شيئا جديدا، اشتباكات، ومحاولات تطهير شمال سيناء، لكن لا أحد يبحث فى الأسباب.
(شاب من العريش ذو أصول بدوية)

● «لماذا يعتبر البعض تجارة الأنفاق أمرا غير مشروع؟ لقد كانت تتم فى أجواء علنية ونظام معروف.. ليست كل الأنفاق لتجارة المسروقات وتهريب اللاجئين».
(شاب سلفى عمل فى تجارة الأنفاق)
**
هاجس التجربة البورسعيدية يخترق الأذهان

«أنا أخشى أن ترتبط سيناء فى أذهان المصريين بأنها المكان الذى قتل فيه جنودنا فى رمضان»، هذه العبارة يقولها حسن شعبان الذى يعمل فى إدارة موقف العريش، إذ لاحظ منذ الليالى الأولى لاعتداءات رفح والعريش وقوع اعتداءات على سيارات تعمل على خط العريش إلى المحافظات، وإن لم تكن اعتداءات عنيفة فقد واجه بعض السائقين نظرات الازدراء خارج سيناء، رغم أن هذه الحالة من العداء قد خفت مع مرور الوقت. يخشى حسن شعبان الذى يعمل فى موقف أجرة العريش منذ 30 سنة من أن تواجه المدينة ما واجهته بورسعيد، بعد حادث مقتل لاعبى النادى الأهلى فى ستاد المدينة: «نحن هنا نرتبط بمصالح وعلاقات مع جميع المحافظات، ولا أحد يريد أن تتغير صورته أو أن يرتبط فى الأذهان باعتداءات أو بالإرهاب». ذلك ما يتمناه حسن شعبان، أما عن الخطاب السائد فى شوارع المدينة، فهو أن إسرائيل هى من وراء هذا الحادث، وأنه من المستحيل أن يعادى أحد الجيش المصرى. هذه الحالة من الإنكار لا تستسلم أمام ما تسفر عنه العمليات من نتائج تثبت صلات أفراد من الداخل بالحوادث المتكررة فى شمال سيناء. أما الفئة التى تعرضت هى الأخرى للوصم هنا، فهم الفلسطينيون المقيمون فى العريش، وخصوصا بعد إغلاق معبر رفح البرى، إذ أسند بعض العامة التهمة إلى جماعات فلسطينية مسلحة، وهو ما أثار نقاشات حادة ضد الفلسطينيين. ورغم هذه النبرة المتداولة والتى بدأت فى الزوال تدريجيا من مدينة العريش، فإن الحياة تبدو طبيعية فى أغلب الأوقات، حتى داخل أجزاء المدينة شهد اشتباكات بين قوات الأمن والمجموعات المسلحة. يجلس الحاج حسن شعبان نفسه فى كافيه شهير على البحر ومن حوله أجواء ترفيهية على الشاطئ ليلا، وصبية يركبون الخيل محدثين ضجة من حوله. أما فى مكان عمله الذى يبعد بمسافة طويلة عن هنا، فيدير موقف السيارات وعلاقات السائقين بشكل مختلف عن كثير من مواقف السيارات فى المحافظات الأخرى، «هنا ما زالت للعائلة والقبيلة سلطة على أفرادها، فكل من يعصى له كبير نعود إليه». ينتمى إلى أصول عريشية من المدينة، لكن الحديث عن سطوة العائلة على أفرادها، جلب معه حديثا آخر عن الجانب السيئ حين يتحول الأمر إلى نزاعات بين العائلات، «أصبح السلاح فى يد الجميع، ويطوفون به فى الشوارع، هذا ما زاد من حس التمرد والعنف، لقد أصبحت جلسات الصلح أمرا مألوفا، وأتمنى أن تكون المرحلة التالية للحرب على الإرهاب هى ضبط العلاقات بين الناس، بدلا من يدير الناس علاقاتهم بأنفسهم».
**
عاصمة شمال سيناء
تمتد أصول مدينة العريش إلى العهد المصرى القديم حين اتخذت موقعا على طريق حورس الذى اتخذه الجيش المصرى قبل آلاف السنين طريقا فى تحركاته داخل تلك الناحية من مصر، واستمر هذا الموقع المميز ضاغطا على المدينة فى أن تتلقى الصدمات والغزوات القادمة من الشرق أو من الشمال، لذا تعد قلعة العريش من أهم آثار المدينة، أما بقايا طريق القطار القديم الذى كان يعبر سيناء فما تزال بعض الملامح موجودة فى لافتات كانت فى يوم من الأيام مستخدمة كلافتة فى محطة قطار. ويقدر سكان المدينة بما تضمه من قرى مجاورة نحو 160 ألف نسمة (عام 2011)، وتعود أصول أهل العريش إلى ثلاثة روافد، الأول هو هجرة أبناء القبائل العربية التى استوطنت سيناء وتواجدت داخل المدينة، أما الرافد الثانى فهم أبناء المدينة الذين تشكلوا على مدى العصور من هجرات مختلفة فلسطينية وشامية وغيرها، كذلك فقد شهدت العريش فى الفترة العثمانية هجرات من البلقان والأرنؤوط، أما الرافد الأخير فهو ما ازداد بعد تحرير سيناء من هجرات قادمة من وادى النيل.
جبل الحلال.. الخير حين يحتوى الشر
 
يقلل عدد من أبناء قبائل شمال سيناء من شأن الاهتمام الزائد «بجبل الحلال»، وتصويره على أنه أرض الشرور فى سيناء وأن القضاء على ساكنيه سيوفر الأمن والأمان. «إن لم يتم القضاء على الأسباب المؤدية إلى الهروب إلى الجبل، سيظل جبل الحلال عامرا بالهاربين إلى يوم الدين»، هذا ما أكده أحد المتواصلين مع سكان الجبل. تبدأ أسطورة جبل «الحلال» مع بدايات الألفية الثانية بعد أن انتشرت فى سيناء أنواع جديدة من الجرائم، مثل تهريب الأجانب إلى إسرائيل، وازدياد مساحة الاشتباك بين أبناء القبائل والشرطة وتوالى العمليات الإرهابية والتفجيرات. تحول هذا المكان إلى ملجأ للفارين من الأحكام والهاربين من الاعتقالات، وكانت البداية القوية مع تفجيرات طابا ونويبع فى 2004، إذ جرت وقتها حملة أمنية واسعة تعرض فيها الآلاف من أبناء سيناء إلى الاعتقال، قدرتهم المصادر الحقوقية ب3000 مواطن، وتعرضت شريحة منهم للاعتقال التعسفى والتعذيب على يد الشرطة، ولجأ بعض الفارين منهم إلى الجبل.. وهناك تدير «القبلية» الموقف فى أغلب الأوقات، ويتحول ذلك التجمع فى جبل «الحلال» إلى جماعة ضاغطة تظهر نفوذها فى بعض المواقف. ويقدر بعض خبراء الأمن وجود آلاف المسلحين فى الجبل، بينما يؤكد عدد من أبناء القبائل العربية المحيطة أن العدد يحمل الكثير من المبالغة. هذا التقليل من شأن جبل «الحلال» ودوره فى احتواء الجماعات المسلحة على اختلاف انتماءاتها، يناقضه تلك السمعة التى حظى بها بين المنتديات الداعمة للجهاديين على الإنترنت، إذ يلفت نظر الزائر لشبكة «أنصار المجاهدين» موضوعا تحت عنوان: «اللهم احفظ مجاهدى جبل الحلال»، وبعدها يتلقى ردودا متفاعلة، أحدها تظهر فيه النبرة التكفيرية بجدارة، ويقول أحدهم معلقا على هجمات الجيش على الجبل: (لعنة الله على هذا الجيش المجرم المرتد). ما يعبر عن مكانة عظيمة لهذا الجبل فى نفوس المتمردين والتكفيريين، خصوصا مع إخفاق السلطات خلال السنوات السابقة فى تطهير هذا الجبل من الجماعات المسلحة، إذ وصل التقدم بهذه الجماعات أن زرعت ألغاما أرضية لمنع تقدم قوات العمليات الخاصة داخل جبل الحلال فى العام 2005 على خلفية تفجيرات شرم الشيخ. حين تحول جبل «الحلال» إلى رمز الإجرام والعنف، أخفى ذلك العديد من الجوانب الإيجابية فى سيرته، على رأسها كم المعادن والثروات الموجودة فى هذه المنطقة، مثل الرمال البيضاء المستخدمة فى صناعة الزجاج والسيراميك والأسمنت الأبيض، وكذلك بعض الخامات الأساسية الأخرى منها الزلط والحجر الجيرى. ويقع جبل «الحلال» على بعد نحو 60 كلم جنوب العريش باتجاه وسط سيناء، حيث تضعف القبضة الأمنية ووتغيب الأنشطة المهمة التى تجتذب الهجرات إليها على عكس منطقتى شمال وجنوب سيناء، وقد اقترح عدد من مشايخ القبائل والقيادات المحلية فى هذه المنطقة أن تقام محافظة لوسط سيناء، كى يتوافر لها النهوض واستغلال ما بها من موارد، وعلى رأسها سياحة الجبال والطبيعة، إذ مازال عالقا فى أذهان بعض أهالى سيناء ذكريات عن جبل «الحلال» قبل تحويله إلى فندق للهاربين، أحد هؤلاء كان الشاعر السيناوى أشرف العنانى الذى سجل فى مدونته على الإنترنت وصفا لهذا الجبل وكيف كان مساحة للتأمل ومغازلة الطبيعة، يقول عن ذلك: «هذا المكان الذى يظنه البعض موحشا فى حين أنه على الأقل بالنسبة لمن يعرفونه جيدا هو قطعة من جنان الصحارى، نعم قاسية دروبه ولكن ليس على من أحبه، نعم وعرة مسالكه، ولكن ليس على من تنفس هواءه بلا تذمر، وشرب سكونه الفادح دون خوف». ويستطرد أن ذلك كان فى سنوات مضت قبل أن يكتسب المكان سمعته الحالية، ثم تلاشت سيرته المحببة إلى سكان تلك الناحية، كما فقد البعض أملهم بعد التأكد من أوهام ما كان يتداول إعلاميا عن تعمير وسط سيناء، ويختم أشرف العنانى قائلا: «هذا هو جبل (الحلال) الذى أعرفه ويعرفه أبناؤه كمرادف الخير، الربيع، جنان الصحارى، لكن المفارقة أن تتحول هذه الجنان إلى جحيم! أن يرتبط اسم جبل الحلال بالعنف والقتل والمطاردة». تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو إلهام فى عملهم الميدانى، يروى جهاد مثلا أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا: «كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة..»، يعلق جهاد الذى ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه: «هذه الأنماط المتشددة موجودة فى كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا فى سيناء هى المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة وضعف المبادرات التطوعية».