Showing posts with label الغرب×الاسلام. Show all posts
Showing posts with label الغرب×الاسلام. Show all posts

Thursday, September 2, 2010

رمضان الآخر

كتب - عبدالرحمن مصطفى
رغم ابتعادهما آلاف الأميال عن الولايات المتحدة الأمريكية ووجودهما الحالى فى القاهرة، فإنه بإمكان كل منهما أن يرسم ملامح طالب مغترب أثناء قضاء شهر رمضان فى أمريكا، الأمر بالنسبة لأشرف الشريف تحول إلى ذكرى انتهت فى العام 2007،أما بالنسبة لصديقه محمد عز الدين فمازال أمرا واقعا، حيث إنه لم يكمل حتى الآن عامه الأول فى الولايات المتحدة الأمريكية، يقول أشرف الشريف المحاضر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة: «بالنسبة لى فالأمر مختلف قليلا، قضيت رمضان فى أمريكا لأربع سنوات متتالية منذ 2003 حتى 2007 فى أثناء دراستى للدكتوراه وأجدها تجربة مختلفة تماما عن قضاء رمضان فى مصر، حيث الأصدقاء والسهرات الرمضانية ومتابعة مباريات كرة القدم».
فى الفترة التى اتجه فيها أشرف إلى الولايات المتحدة كانت الأوضاع الداخلية قد تأثرت بأحداث 11 سبتمبر، لكن حسب قوله: «لم تكن هناك مشاكل كثيرة تواجه المسلم فى حياته اليومية مثلما قد يتخيل البعض.. المشكلة كانت فى الإعلام وبعض المواد التحريضية المذاعة، وأظن أن الأوضاع أصبحت أفضل الآن مع مجىء أوباما». بمجرد ذكر اسم الرئيس الأمريكى باراك أوباما يبتسم صديقه محمد عزالدين معلقا على هذه العبارة بقوله: «ربما كانت ظروفى أفضل من الذين سبقونى فى الذهاب إلى أمريكا، لكن هذا لا ينفى الأجواء الصعبة المفروضة على الصائم هناك، أبسطها أن تفتقد أجواء رمضان التقليدية وأن تفاجأ بالإفطار فى الساعة الثامنة والنصف مساء، وغير ذلك من التفاصيل البسيطة». فى العام الماضى تصادف أن تنطلق رحلته إلى أمريكا لدراسة الماجستير مع بدء شهر رمضان، فكان لقاؤه الأول مع بلد العم سام متزامنا مع مناسبة إسلامية خاصة. ومنذ ذلك الوقت مازال محمد عزالدين يكتشف أمريكا التى يصفها بأنها «متحف كبير»، موضحا أن هناك أشياء تحدد شكل حياتك فى أمريكا على رأسها اسم الولاية أو الإقليم الذى تقيم فيه، فأمريكا ليست نمطا واحدا.
عند هذه النقطة تحديدا يشارك الدكتور أشرف الشريف برأيه محاولا توضيح اختلافات المجتمع الأمريكى وكيف تنعكس على المسلم هناك، يقول: «كنت أدرس فى جامعة بوسطن بولاية ماساشوستس وهى ولاية ذات طبيعة ليبرالية تتسع للجميع فى قوانينها وفى نمط حياتها، ورغم ما كان يشاع عن التضييق على المسلمين فى أمريكا، فإننى لم أشعر بهذا، على العكس كنت أجد أحيانا احتراما لخصوصيتى ولطقوس العبادة التى أمارسها، فالمواطن العادى البسيط لا يهتم بمثل هذه التفاصيل الدينية نظرا لتنوع فئات وطوائف المجتمع، أما المواطن المثقف فهو يحترم خصوصيتك كى لا يتلقى عبارات الاستهجان من المحيطين». هذه التجربة مر بها محمد عزالدين أيضا الذى اتجه العام الماضى لدراسة التاريخ المصرى الحديث فى جامعة جورج تاون بالعاصمة واشنطن، يصف ذلك قائلا: «فى طريق عودتى إلى المنزل يتنوع الركاب حسب محطات الركوب والنزول، على سبيل المثال أعرف أن منزلى قد اقترب حين تمتلئ الحافلة بذوى الأصول اللاتينية من إحدى المحطات، هذا لن تجده فى ولايات أخرى بها أغلبية بيضاء، أو ولايات ذات طابع ريفى». يضرب مثلا بتجربة الأكاديمية المصرية الشابة زينب أبوالمجد ذات الجذور الصعيدية التى تركت واشنطن العاصمة كى تقوم بتدريس تاريخ الشرق الأوسط فى ولاية أوهايو، حيث اكتشفت عالما آخر فى أمريكا أغلبه من ذوى الأصول البيضاء، حيث المراعى والمزارع الكبرى، فى هذه البيئة الخاصة تحولت الفتاة السمراء المسلمة إلى كائن غريب. على عكس الحياة فى مدن أخرى مثل واشنطن ونيويورك، ونظرا لغرابة التجربة دونت الدكتورة زينب أبوالمجد مشاهداتها فى كتاب تحت عنوان: «يوميات أبله فى أرياف أمريكا». بعض تلك التفاصيل يدركها أشرف الشريف وصديقه محمد عزالدين.. فحتى داخل هذه المدن المليونية كانا يواجهان فى شهر رمضان أسئلة عن جدوى الصيام؟ وماذا إن شرب أحدهما أو أكل فى أثناء فترة الصيام؟ وعن فلسفة هذه العبادة؟ وحول ما إذا كان الهدف تعذيب الذات أم التعاطف مع الفقراء؟ كل هذه الأسئلة كان عليهما الإجابة عنها بإجابات مقنعة لأنها فى الغالب لن تتحول إلى جدل، بل قد تكون الإجابة الأولى هى الأخيرة.
يوميات صائم فى أمريكا
فى القرن الماضى قال المناضل الأسود مالكوم اكس: «وجودك هنا فى أمريكا لا يجعلك أمريكيا»، هذا ما أدركه كل من أشرف الشريف ومحمد عزالدين حين وجدا أعراقا مختلفة تعيش من حولهما وهو ما انعكس على واقع المسلمين هناك بحيث لم يتحولوا إلى مجموعة واحدة، بل أصحاب ديانة تجمع العديد من الثقافات، تلك الأجواء المزدحمة أحيانا ما تكون مكسبا للأقليات، وهى النقطة التى يوضحها أشرف ولمسها فى أثناء رمضان تحديدا، يقول: «أحيانا ما كنت أواجه بأن امتحاناتى ستستمر أثناء فترة الصيام حتى بعد الإفطار، كان الأساتذة يقدرون هذه الاختلافات، بل أحيانا ما كان يحصل الطلاب المسلمون على إجازة أثناء هذه المناسبة الدينية رغم أن ذلك بمثابة عرف داخل الجامعة وليس قانونا ملزما». وفى هذه الأجواء المزدحمة بالأعراق أيضا تكون تجمعات المسلمين فرصة لتخفيف غربة الصائم هناك، وهو ما دفع اتحاد الطلاب المسلمين فى الجامعة على سبيل المثال إلى تنظيم إفطار يومى فى الجامعة، أما صلاة التراويح فكان المركز الإسلامى هو المكان الأنسب لها.
هذه الطبيعة البسيطة فى الحياة الرمضانية لم تخل من مفارقات واجهت محمد عزالدين فى عامه الأول بأمريكا، يذكر منها نموذجا استفزه داخل جامعته، يقول: «تعين الجامعة واعظا لكل طائفة، نظرا للأصول الكنسية لهذه الجامعة تحديدا، لكن بالنسبة لواعظ المسلمين فقد أتوا بشخص أصابنى بالصدمة فى أيامى الأولى فى أمريكا». يذكر محمد عزالدين أنه واجه «واعظا مسلما» متحاملا على المسلمين وصاحب ابتكارات وبدع فى أصول الدين مثل إلغائه صلاة الجمعة بسبب أنها تزامنت مع يوم عطلة رسمى، أو أن يعلن بدء رمضان حسب الظن دون التقيد بالرؤية الشرعية. يضيف محمد «كل هذه الأمور أدت إلى مواجهة البعض لما يرتكبه من تفريط فى حق الدين وحقنا. هناك أمر آخر يظهر فى مثل تلك المواقف وهو الاتحاد بين المسلمين دون النظر إلى خلفية المذهب سواء كان سنيا أم شيعيا.
فى مثل هذه المواقف نتحد سويا للصالح العام». هذه الملحوظة أدركها أيضا أشرف الشريف موضحا أن فترة رمضان تخفف من روح المذهبية إلى حد كبير، فالجميع يعلم أن أنه إذا فتح الباب لاقتحام الثقافات فى الدين سيتشتت المسلمون.
بعيدا عن الولايات المتحدة يفتقد كل من أشرف الشريف ومحمد عزالدين بعض ما رأوه فى «رمضان الأمريكى» يقول أشرف بعد قضاء ثلاث سنوات فى مصر: «افتقدت من هذه التجربة أن تكون العبادة فردية، لا يجبرنى عليها أحد، كنت أصوم وأصلى وسط أغلبية لا تدرك ما أفعل.وهذا على عكس روح الاستهلاك التى طغت على أشياء كثيرة فى مصر، بدءا من المسلسلات والطعام حتى إنها تسللت إلى العبادة نفسها التى أصبح الاستعراض فيها أحد مظاهر رمضان». بنفس النبرة يكمل محمد عزالدين ما بدأه أشرف متحدثا عن حالة التأمل الروحانية التى وجدها فى أثناء وجوده فى أمريكا فى أثناء رمضان الماضى، يقول: «هناك توافرت لى فرصة التأمل فى عبادة الصيام التى أقوم بها، حين لم يكن الصيام ضمن جماعة». يصمت قليلا ثم يكمل: «فى أمريكا كنت أفتقد صوت الأذان بشدة، لكنى عندما عدت إلى مصر أخيرا صدمت بصخب الميكروفونات، وتعمد تعلية صوت القرآن الصادر من بعض المحال، كلها مظاهر تحيى الحس الجماعى فى العبادة وتقتل متعة تأمل الفرد فى عبادته».
صوم وحجاب بين ثلاث دول
حتى هذه اللحظة لم تتضح معالم الصورة أمام أميرة قطب في مجتمعها الجديد داخل ولاية كاليفورنيا الأمريكية، تقضي الآن أول رمضان لها في الولايات المتحدة التي انتقلت إليها بعد زواجها، أما ذكريات رمضان لثلاث سنوات مضت فكانت في كندا وتحديدا في مدينة كيبيك – داخل الإقليم الفرانكفوني - حيث تدرس الدكتوراه في التنمية الدولية عن "التعامل مع ظاهرة أطفال الشوارع في مصر". تقول أميرة : "حتى الآن لم تظهر اختلافات كثيرة، الوضع هنا يتشابه مع أداء الجالية المسلمة في كندا، خاصة في ظاهرة الإفطار الجماعي حيث تشارك الأسر بطعامها على الرغم من أن نسبة كبيرة من الطلبة المتواجدين هنا ليسوا مع عائلاتهم". في أول رمضان قضته أميرة في كندا قبل عدة سنوات لم تشعر بأجواء رمضان عدا المظاهر التقليدية التي تنشغل بها الجالية المسلمة كل عام مثل قضاء صلاة التراويح، وتنظيم الإفطار الجماعي، وحضور الدروس في المسجد. إلا أن الأعوام التالية أظهرت جوانب أخرى من المجتمع الكندي، تقول أميرة : "فوجئت في رمضان التالي أن بعض الكنديين غير المسلمين على دراية بحلول شهر رمضان، بل إن بعضهم لفت نظره صيام المسلمين فأصبح يمتنع عن تناول الطعام أمامنا مراعاة لشعورنا، و أكثر من هذا أن بعضهم جاء لحضور الإفطار الجماعي التي تنظمه الجالية للتعرف على هذه العبادة". حسبما تقول أميرة فإن الحديث هنا مع غير المسلمين يحتاج إلى اهتمام فبعض الطلبة سينشرون هذه المعلومات في مجلة الجامعة، وآخرون يطرحون أسئلة عن جدوى الصيام، لذا فالإجابة لا بد أن تكون ذكية دون إلحاح كي لا يعتقد الطرف الآخر أن هناك محاولة لدعوته إلى الإسلام. رمضان في كندا حسب وصف أميرة لا يحمل معه مشاكل كبيرة للمسلم رغم حساسية أهل كيبيك كأقلية ذات أصل فرنسي داخل كندا، قد تظهر مشاكل من نوعية أخرى مثل بعد المسجد عن السكن وقلة المواصلات بعد ساعات متأخرة من الليل، تقول أميرة : "الحقيقة أنني لم أواجه بعنف بسبب ممارسة عباداتي أو حتى بسبب ارتدائي الحجاب، هذا لم يحدث في كندا أو أمريكا، لكنه حدث لي من قبل في فرنسا حين وصفت إحدى النساء في الشارع حجابي بأنه رمز الإرهاب، ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد، فأثناء دراستي هناك قبل توجهي إلى كندا طالبتني إحدى الموظفات المسئولات ألا أصلي داخل المعهد وأن أصلي في منزلي وتهكمت على فكرة الإيمان بالله ..! هذا علما بأن بعض الجامعات تتيح قاعات لصلوات المسلمين على مدار اليوم". وسط عالم مليء بالأسئلة عن مظهرك وعبادتك أدركت أميرة قطب أن عليها دورا في الإجابة على هذه الأسئلة، تطوعت لفترة كمترجمة في مواقع تشرح الإسلام باللغة الفرنسية. كما حاولت المشاركة في جمعية الطلبة المسلمين في كندا (مدينة كيبيك) وكذلك من خلال المركز الإسلامي، لكن أحيانا ما كانت تفاجأ بمشاكل داخلية تذكرها : "وجدت جمعية الطلبة تقدم الإسلام المتشدد، أما المركز الإسلامي فكان هناك انقسام بين الجالية بسبب تشدد إمام المسجد، لكن بعيدا عن كل هذا كانت هناك مزايا أخرى مثل عدم الإطالة في صلاة التراويح كما أن بعض المساجد كانت تفتح أبوابها أمام النساء لأداء صلوات التهجد في ساعات متأخرة من الليل أثناء العشر الأواخر من رمضان". بعيدا عن مصر لا تشعر أميرة بافتقادها الشديد لرمضان المصري بل تقول : "أفضّل قضاء رمضان خارج مصر، لأنك حتى أثناء وجودك في مصر ستظل مشغولا بحياتك خارج مصر، كذلك فنسبة التشويش الذهني عالية جدا في مصر بسبب المسلسلات وتحول الصيام إلى عادة اجتماعية بدلا من كونها عبادة روحية.

Wednesday, August 25, 2010

الدعوة بأدوات مختلفة

عبدالرحمن مصطفى
«أيهما أفضل أن أجعل الطرف الآخر يشارك فى معالجة المشكلة أم أن أوجه إليه رسائل من طرف واحد؟» هكذا يرى محمد جاد الله الطريق الأمثل لمعالجة سوء الفهم الذى يتعرض له المسلم داخل المجتمعات الغربية، لم تعد الخطبة من وجهة نظره هى الحل الوحيد، خصوصا أنه لن يسمعها سوى المسلمين فى الغرب، يضرب مثلا بطريق آخر للوصول إلى داخل المجتمع الغربى بآخر ورشة تدريبية أقامها فى النمسا تحت عنوان «تاريخ الضمير»، اعتمد فيها على الربط بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية والحضارة المصرية القديمة وصولا إلى التاريخ الحديث والهدف حسب قوله: «استعراض منظومة القيم الإنسانية، وتعريف الغربى سواء كان طالبا فى المدرسة أو محاضرا أكاديميا بأن ما يعتنقه من مبادئ موجود لدى غيره، مما يخفف التوتر بين الشرق والغرب». يرأس محمد جاد الله مؤسسة «الجسر» للتسامح والسلام وأكاديمية التراث الحضارى المشترك والحوار. يلخص فلسفتها فى أهمية التركيز على تباين الثقافات وتأثير ذلك فى مشاكل الجالية المسلمة فى أوروبا، موضحا أن المشكلة ليست فى الأديان بقدر ما هى فى اختلاف الثقافات، والهدف من الورش التدريبية هو توضيح الوجه الحضارى للإسلام، بحيث يشعر الغربى باتصال مع الإسلام كدين وحضارة بعيدا عن أزمات الواقع الحالى الذى على الجميع تفهمه ووضع حلول له. وكى يتم الإعداد لمثل هذه الورش التدريبية لا بد من إعداد الشخص الذى يدير الورشة التدريبية كى يكون العمل احترافيا، فإلى جانب استخدام النصوص الدينية والآراء الفقهية المختلفة فى محاولة التعريف بوجهة نظر الإسلام، لابد من مهارات لإدارة هذا العمل، يعلق على ذلك قائلا: «أهم دراسة يفتقدها العاملون فى مجال الدعوة فى الغرب هى دراسة فض النزاعات والوساطة، أعترف أننى حين حصلت على دبلومة فى هذا المجال من معهد سالزبورج بالنمسا، تفتحت لى مجالات جديدة ورؤية أوسع وطرق مختلفة فى الوصول إلى الحاضرين، لم أعد أدير محاضرة، بل أتعامل مع جلسة نقاش واشتباكات فى الآراء وإدارة مفاوضات وإقناع أطراف مختلفة، فى هذا الموقف أكون الطرف المحايد، لا أتحدث من موقف المدافع عن الإسلام بل أبحث مع الجميع عن نتيجة واحدة ترضيهم، وهو ما لا يفعله كثيرون يعملون على تناول المشاكل بين الغرب والمسلمين». فى الورشة الأخيرة مارس محمد جادالله هذه المهارة بوضوح حين وقف فى القاعة وسط مجموعة من طلبة المدارس معتمدا على التفاعل بين الحضور وطرح الأسئلة والإجابة بواسطة تدريبات ذهنية تعمق الحوار وتشجع على التعرف على الطرف الآخر. كان العنوان الكبير هو «مفهوم التنوع» الذى نشط لدى الطلبة إحساسهم بتقبل اختلافات الآخرين وخصوصية كل دين مع التركيز على القيم المشتركة لدى جميع الأطراف. وسط هذا السعى يفاجأ أثناء عمله بأطراف أخرى قد لا تهدف حتى إلى الدعوة للإسلام بقدر ما تهدف إلى المناظرة والتحدى، ويعلق على ذلك: «هناك كارثة يعيشها المسلمون فى الغرب وهى أن المجتمعات الغربية أمامها صورة مشوشة تمزج ثقافة المهاجرين بالدين، خصوصا أن المراكز الإسلامية فى الغرب تتلقى تمويلها فى بعض الأوقات من دول إسلامية، وتروج كتبا ناتجة عن ثقافات الشعوب العربية والإسلامية، وكأننا نكرس للاختلاف، ولا نبحث فى المشترك بيننا وبين القيم والثقافة الغربية».
إرشاد دعوى
لم تأت تلك التجربة من فراغ حسب قوله بل بعد العمل على مدى 16 سنة فى مجال الإرشاد السياحى فى مصر، حين لاحظ محمد جادالله أن كثيرا من السائحين الأجانب يفتقدون إلى المعلومات الأساسية عن مصر والعالم الإسلامى، ما يجعلهم أسرى بعض الصور المضللة عن هذه المجتمعات. يقول: «فى مهنة الإرشاد السياحى أنت مقيد بأمر مهم وهو ألا تتجادل مع السائحين فى الدين أو فى السياسة، فليس هذا هو الزمان أو المكان المناسب لذلك». هكذا يصف قيود المهنة، وكأغلب زملائه احتفظ بهذه الملاحظات لنفسه واكتفى بالردود التى يجيدها المرشد السياحى المحترف، لكن الوضع اختلف بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بعد أن تأثرت حركة السياحة العالمية وبرزت صورة المسلم والعربى «كإرهابى». يعمل اليوم محمد جادالله إلى جانب عمله الرئيسى كمرشد سياحى فى مجال تطوعى اختار أن يقدم فيه ورشا تدريبية تهدف إلى إزالة اللبس لدى المجتمعات الغربية عن المسلمين، يشرح ذلك: «قبل خمس سنوات دعيت إلى أول ورشة أحضرها من هذا النوع بالتعاون مع هيئة الصليب الأحمر، وهى نفس الفترة التى كنت ألاحظ فيها الأزمة التى يتسبب فيها بعض الشيوخ الذين يجيدون اللغات الأجنبية حين يتعاملون مع الأوروبيين بنفس منطق التعامل مع العرب». كانت الورشة موجهة إلى الفئات التى تتعامل مع «المريض المسلم» فى المجتمع النمساوى، وهناك رأى على أرض الواقع عالما مختلفا وقضايا أخرى يشرحها : «ذهبت وأنا أعلم جيدا أبعاد مشاكل المهاجرين المسلمين سواء كانوا عربا أو أتراكا وكذلك انغلاق بعضهم على نفسه.. فى هذه الورشة كنت أهدف إلى التعريف بالجانب الدينى لدى المسلمين خصوصا فى أوقات المرض وفى إجراءات الوفاة وكيف يتعامل الطبيب والممرض مع هذا الجانب الغامض بالنسبة إليه، دون تبرير المشكلات الثقافية التى تعوق الاندماج». بعد عدة ورش على نفس النمط تهدف إلى صنع جسر بين الشرق والغرب اكتشف محمد جادالله أن ما يحكم العلاقة بين الطرفين هو الخوف، ولاحظ ذلك فى مثال واضح يذكره: «أثناء أزمة الرسوم المسيئة بين العالم الإسلامى والدنمارك وجدت أن صورة المسلمين الذين أحرقوا السفارات فى مظاهراتهم الغاضبة قد غطت تماما على المجهودات التى بذلها المسلمون للتواصل أو التعريف بخصوصية احترام الأنبياء لديهم، بل استدعى هذا الحادث صورا أخرى مضللة من أرشيف الذاكرة مثل صور بن لادن وغيره من الشخصيات المخيفة للمجتمعات الغربية». بالتوازى مع هذه الورش المختلفة عمل على تعميق دراساته الإسلامية حيث يدرس الآن فى مرحلة الدراسات التمهيدية للماجستير، لكن تظل مهارات تنظيم الورش التدريبية والتدريبات الذهنية هى أساس المناقشة داخل هذه الورش التدريبية، ويقول: «أراهن على أن مستقبل الدعوة سيتغير باستخدام هذه المهارات التى لا تعتمد على شكل الداعية التقليدى الذى اعتدنا عليه فى المنطقة العربية». يطمح محمد جادالله الذى يفضل استخدام لقب (وسيط فى فض النزاعات) إلى تأسيس أكاديمية لتدريب الدعاة على آليات ومهارات فض النزاع والوساطة التى تمكن الداعية من أن يعرض قضيته بشكل ناضج يجتذب المجتمع الغربى، ويعلق على ذلك: «أراهن شخصيا على وجود نماذج مثل الدكتور أحمد الطيب فى مشيخة الأزهر فى تنمية هذا الاتجاه لدى الدعاة وتوسيع آفاقهم». يلقى عبارته مبديا عدم القلق من أن يكون ضيفا طارئا على مجال الدعوة موضحا: «يكفينى أن يرى الأوروبيون مجهوداتنا التى تعلى من شأن القيم الإنسانية الراقية الموجودة فى جميع الحضارات والأديان، وأن يربطوا ذلك بأننا مسلمين، فعلينا ألا ننسى الإسلام انتشر فى أرجاء كثير نتيجة إعجاب غير المسلمين بسلوكيات المسلمين وقيمهم الإنسانية العالية».

قبل عدة سنوات اتجهت فتاة ألمانية لمعرفة المزيد عن الدين الإسلامى، كان لقاؤها الأول مع كتيب تحت عنوان «حب الله للعبد» وهو فى الأصل محاضرة مترجمة إلى الألمانية للداعية عمرو خالد، اتصلت الفتاة بالمترجم الذى كان ضمن فريق المتطوعين فى دار الترجمة المكونة حديثا على منتدى عمرو خالد، وتسبب هذا الكتيب فى تحول الفتاة إلى الإسلام، تلك القصة لايزال يرددها أعضاء فريق دار الترجمة ولاتزال الرسالة الصوتية التى أرسلتها الفتاة الألمانية إلى منتدى عمرو خالد محفوظة حتى اليوم على الإنترنت. فى تلك الأجواء الإيمانية تأسست دار الترجمة وانتقلت من الإنترنت إلى الواقع، وحتى اليوم تزداد أعداد الرسائل التى تتلقاها نيرمين حسين رئيس مجلس إدارة دار الترجمة خصوصا فى شهر رمضان، البعض يرسل عبارات الدعم وآخرون يعبرون عن رغبتهم فى التطوع. حسب ملاحظتها فإن رمضان كان دوما موسم الحماس وعلو الهمة، وعلى الرغم من أن المشهد داخل دار الترجمة قد لا يختلف عن الكثير من الشركات الأخرى، لكن نظرة متعمقة تكشف عن أن الأمر بالنسبة إلى العاملين هنا ليس مجرد وظيفة فى شركة متخصصة فى الترجمة، بقدر ما هو مشاركة فى تجربة محورها الدين على الرغم من الطابع الاحترافى الحالى. توضح نيرمين حسين: «بعد أربع سنوات من تأسيس دار الترجمة لم نتخل عن الروح الدعوية التى قام عليها المشروع، منذ البداية عرفنا أن أمامنا طريقين للاستفادة من مهاراتنا فى اللغة، الأول هو نقل معلومة مفيدة عن الإسلام لغير المسلمين وهذا عمل أغلبه تطوعى، إلى جانب تعريب ما هو مفيد عن اللغات الأخرى لتنمية مجتمعنا». الأمر حسبما تصفه نيرمين يفرض على من يعمل هنا أن يكون ذا خلفية خاصة أو حسب عبارتها «العمل هنا نمط حياة، والأفضلية فى الانضمام للفريق لمن لديه حس التطوع وخدمة الدين».
تعود فكرة دار الترجمة إلى العام 2003 بعد شهور قليلة من إنشاء منتدى عمرو خالد على الإنترنت، حيث نشطت الفكرة وقتها على يد نيرمين ومجموعة لا تتعدى الخمسة أفراد على المنتدى، فى تلك المرحلة تكونت روح المشروع الذى دعمه عمرو خالد فى سنوات تالية بعد أن رأى إنتاجه. فى تلك الفترة التى كان فيها أسامة بن لادن هو المسلم الأشهر على الساحة العالمية حين تصاعدت موجات التحريض ضد الإسلام اعتمد العمل على ترجمة مواد مفيدة موجهة إلى الغرب عبر الإنترنت. تقول نيرمين حسين : «بدأنا بترجمة حلقات برنامج عمرو خالد، ثم بعض مقالات الدكتور زغلول النجار عن الإعجاز العلمى فى القرآن». تصمت قليلا ثم تضيف: « قد أتعجب اليوم من قدرة الدكتور عمرو خالد على الوثوق فينا لهذه الدرجة فى ترجمة أعماله على الرغم من أننا لم نكن متفرغين وقتها، لكننا كنا مخلصين فى عملنا». اليوم تقوم الشركة بترجمة حلقات عمرو خالد لهذا الموسم فى عادة سنوية لم تنقطع لكنها اتخذت شكلا أكثر احترافية ووصلت إلى حد دبلجة بعض البرامج.
من الإنترنت إلى أرض الواقع
المجموعة التى تكونت فى البداية من دارسى اللغات والترجمة وجدت فى شعار «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» فرصة لتحقيق رغبتهم التى شحنتها كلمات عمرو خالد فى منتداه. تعلق نيرمين على ذلك : «جاءتنا إشارة بأننا على الطريق الصحيح حين تصادف أن تكون أولى حلقات برنامج عمرو خالد بعد ظهورنا عن الترجمة وأهميتها فى المجتمع، كما ازدادت أعداد الراغبين فى التطوع معنا خصوصا فى رمضان وتزايد دعم عمرو خالد لنا عاما تلو عام». على مدى تلك السنوات كان كل أعضاء فرق الترجمة فى منتدى عمرو خالد مستمرون فى أعمالهم الأصلية وفى دراستهم حتى ظهرت إشارات أخرى تدعو إلى مزيد من التقدم فى تطوير فكرة المشروع، تقول نيرمين: «عن نفسى كنت أعمل فى مجال الإدارة لمدة 15 سنة وصلت فيها إلى منصب جيد فى إحدى شركات السياحة، لكن كان الحلم والهدف الذى تعلق به المئات هو مشروع تأسيس شركة مساهمة باسم دار الترجمة، وكان جميع من تبنوا التجربة فى قلق عند بدء الخطوات الجدية. كان الأمر يحتاج منى مغامرة كى أترك عملى وأخوض هذه التجربة، وهو ما تم فى رمضان العام 2006، فلم يكن لهذا المشروع أن يستمر فقط على الإنترنت، كان قد حان وقت نقله إلى الواقع» فى رمضان من كل عام تحتفل الشركة بذكرى تأسيسها، واختار المؤسسون أن يحددوا رؤيتهم فى «أن تقوم دار الترجمة بدور رائد وفعال فى التبليغ الأمين لرسالة الإسلام الحقيقية إلى جميع البشرية بكل اللغات الحية الممكنة. وبالمثل أن تلعب دار الترجمة دورا رائدا فى تعريب العلوم والتقنيات الحديثة لأجل رخاء ورفعة كل الأمة العربية». بعد انطلاق الشركة ودخولها عالم الاحتراف زاد تكريس نمط حياة العاملين على قواعد محددة، ولقب العاملون فى دار الترجمة أنفسهم بلقب «الدارجميين» وكأنها تسمية تخفى ورائها مجموعة من القناعات والتجارب التى نقلت «فكرة» فى منتدى إلى مشروع حقيقى. وما زال الخط الذى اختارته المجموعة فى البداية يحرك المشروع تحت التأثير الدعوى لمنتدى عمرو خالد، فقد نما اتجاه التعريب لخدمة المجتمع فى ترجمة الكثير من الأعمال إلى العربية خصوصا فى مجال التنمية البشرية وغيرها، وآخرها كانت تجربة دخلتها دار الترجمة مع جوجل لترجمة 5،6 مليون كلمة أى نحو 21000 صفحة من موسوعة ويكيبيديا الأشهر على الإنترنت التى يرتادها الملايين، والهدف إتاحة مزيد من المعلومات العامة باللغة العربية لمتصفحى الإنترنت، حسبما تقول رئيس مجلس الإدارة فإن عدد العاملين والمساهمين فى دار الترجمة اليوم حوالى 520 فرد، والفاعلين منهم فى مجال الترجمة حوالى 300 فرد، أما الملاحظة الواضحة فهى أن غالبية أعضاء فرق الترجمة (16 لغة) من النساء، وتقدر بنسبة 80%. لكن الأساس الذى اجتمع عليه أفراد التجربة منذ البداية فرض عليهم ثقافة واحدة تجمع بين الحس الأخلاقى والجانب التنموى، توضح نيرمين حسين هذه النقطة قائلة: «رغم أننا حققنا اسما طيبا فى مجال الترجمة وحققنا تواجدا كبيرا إلا أن الأهم هو الحفاظ على خصوصية هذا المشروع، يحصل الشباب من (الدارجميين) على ورش تدريبية فى الإدارة والتنمية البشرية، إلى جانب الأنشطة الموجهة إلى تدريب أبناء دار الترجمة من الأطفال». على موقع دار الترجمة صور الرحلات والحفلات التى قضاها الدارجميون معا فى فترة مبكرة حتى قبل تأسيس الشركة، لكن الفرق فى هذه الصداقة أنها تحولت إلى مشروع ناجح، تقول نيرمين: «بعض أبناء العاملين فى دار الترجمة أجدهم على نفس خطواتنا الأولى ويحملون نفس الروح، وهو ما يجعلنى شخصيا أتفاءل باستمرارية هذا المشروع بأيدى الأجيال القادمة، التى نتعمد أن نربطها بالمكان قدر الإمكان».
pdf

Friday, March 24, 2006

إنصافا لعمرو خالد

إذا ما وقع صدام بين طرفين.. فأيهما أفضل، الانغلاق على الذات والبحث عن الانتقام من الطرف الآخر، أم مصارحته والتحاور معه حول المشكلات القائمة بين الطرفين..؟؟ إن خيار البعد عن الحوار قد يفضي إلى قطيعة قد تدوم لسنين طويلة يترسخ خلالها الشعور بالكراهية حين تستمر أسباب الغضب كما هي دون علاج أو مناقشة.. ويتجه البعض في مثل تلك المواقف إلى البحث عن الانتقام من الطرف الآخر بأي وسيلة كانت، ويعتبر هذا الانتقام نصرا أوشيئا من التفوق، علما بأن القوة دائما ما كانت تتجلى في قوة المنطق و استخدام الحجة عند الإقناع.. فهكذا كانت عظمة الأنبياء والقادة والزعماء حين تكمن قوتهم في قدرتهم على إدارة المواقف الصعبة ومواجهة الآخرين، لابصب اللعنات ومحاولات الثأر.
قد يرى بعض المسلمين أن الإساءة الدنماركية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم – التي قام بها أفراد قليلون- هي متعمدة ومقصودة ومَرْضِـي عنها من الشعوب الغربية.. ولعل أصحاب وجهة النظر تلك يُسقطون من حساباتهم عامل اختلاف الثقافات وتضارب الرؤى بين الجانبين الإسلامي والغربي بشأن تقدير الأديان والأنبياء، وقد بدت السعادة واضحة على بعض الأوساط الإسلامية بسبب حالة الغضب التي عمَّت أرجاء البلدان الإسلامية كالتظاهرات وحملات المقاطعة، حتى وصف البعض حالة الغضب تلك بتعبير "الصحوة"، مما جعل مبادرة الداعية عمرو خالد ومن معه من علماء المسلمين في اختراق أرض الآخر وعرض ما بداخل نفوس المسلمين من غضب وصدمة أمام الطرف الآخر سببا في اتهامه بالانتهازية، ومخالفة المجموع، وفي السخط عليه، حتى وصف البعض مبادرته بالفشل..!
ودعونا ننظر الآن ماذا فعل عمرو خالد... لقد أخذ بأيدي مجموعة من الشباب إلى الغرب كي يُعَـبروا عما بداخلهم من غضب ويواجهوا (الآخر) بحقيقة مشاعرهم تجاهه في رمزية تعبر عن دعوة شباب الأمة إلى الاتجاه إلى فكر جديد يمارس الفعل، ولا يكتفي برد الفعل... وذلك في الوقت الذي نجد فيه بعض الشخصيات في المجتمع الإسلامي تصر على "استثمار حالة الغضب الإسلامي" وتأجيجها، طارحين تعبيرات "الصحوة" و"الوحدة الإسلامية" في وصف حالة الجماهير الغاضبة، حتى وإن صاحب هذا الغضب بعض التهور... وكأن مثل تلك الممارسات قد حلت الأزمة أو أعطت ضمانات لعدم تكرار الإساءة مرة أخرى، إن مثل تلك الوضعية الأخيرة التي تعتمد على تحفيز غضب الجماهير من المؤكد أنها ستصنع شبابا ليس لديه القدرة على التحاور أو التعبير عن آلامه ومشاكله للآخرين.. وستصنع شبابا أكبر أمانيه أن ينتظر إشارة الاحتشاد بأمر آخرين رافعا صوته لمن يزيده حماسا، فيترك مهمة الحوار إلى الاحتفاليات الثقافية الحكومية الشكلية. وإنصافا للداعية الشاب عمرو خالد ومن سانده في مثل تلك المبادرة الأخيرة، فقد طرح الرجل فكرة إمكانية النقاش على طاولة واحدة بين أطراف – غير رسمية- بغرض التعرف على خلفيات كل طرف، والتحسب لأثر الاختلافات بين الطرفين على المستقبل، مع ترك الأمور الإجرائية للحكومات والجهات الرسمية، وهذا الاتجاه جاء كبديل عما يمارسه البعض من تلاعب بحالة الجماهير المزاجية، وتحفيز غضبهم وتصوير مظاهر غضبهم على أنها مظاهر نصر وقوة.

إن فكرة الحوار هي فكرة جديرة بالاحترام و تستحق التطبيق على الصعيد الداخلي في داخل المجتمعات الإسلامية، حيث بؤر الفتن والتجمعات المنغلقة التي لاتقبل التنوع في داخل الأمة الواحدة، سواء بين أبناء الدين الواحد (الإسلام) أو بين المسلمين وغير المسلمين. ولعلنا نتساءل الآن.. ماذا لو كان رسام الكاريكاتيرات المسيئة للنبي الكريم من العرب غير المسلمين.. كيف كانت ستدار الأمور..؟!وماذا لو وقعت حالات إثارة للفتنة بين السنة والشيعة.. هل سيكون "استثمار حالة الغضب والحفاظ على ثباته" مفيد للطرفين..؟! وهل سنظل على نهج حشد الجماهير الغاضبة في مواكب استعراضية، والسعي لتركيع الآخر، بدلا من مصارحته بخطئه، وتقديم مطالبنا أمامه..؟؟

إن فكرة السيطرة على الجماهير وتوجيه غضبها في أمور شكلية دون مواجهة أسباب الغضب هي إحدى مشاكل مجتمعاتنا التي تنقل غضبها دوما إلى أمور أخرى دون مواجهة أصل المشكلة، مما يزيد من مشكلات مجتمعاتنا، ويسهم في تأخرها.
ـــــــــــــــــــــــــــ

Saturday, March 4, 2006

هل نقل الإساءة إساءة؟

سؤال أثارته الأزمة الدنماركية

وسط حالة الغليان التي أصابت الشارع العربي بسبب الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية المسيئة للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم- قامت بعض الصحف ووسائل الإعلام العربية بإعادة نشر تلك الكاريكاتيرات المسيئة ضمن مادة صحفية أو إخبارية، فأدى هذا في بعض تلك الحالات إلى حبس وإقالة عدد من الصحفيين والإعلاميين المسئولين عن النشر، وتم إيقاف عدد من المطبوعات في حالات أخرى... ومازال هذا الموقف قابل للتكرار في الفترة المقبلة.

ـــ إقالات وحبس

لعل جهاد المؤمني رئيس تحرير صحيفة "شيحان" الأردنية من أوائل ضحايا تلك المجزرة عندما تم إيقافه عن العمل من قبل الشركة مالكة الصحيفة بعد نشر الكاريكاتيرات المسيئة، وقد تم اعتقاله بتهمة "إهانة الشعور الديني" رغم قوله بأن النشر كان بغرض تعريف الجماهير بتلك الصور، ولم يكن المؤمني الصحفي الأردني الوحيد الذي تم التنكيل به لهذا السبب، بل كان معه زميله الصحفي هاشم الخالدي رئيس تحرير "المحور" الذي تم حبسه مع المؤمني بتهمة جديدة وهي "إطالة اللسان على أرباب الشرائع من الأنبياء" بعد أن تم توبيخه من قبل نقابة الصحفيين الأردنية.
وفي اليمن تم حبس ثلاثة رؤساء تحرير يمنيين قاموا بإعادة نشر الكاريكاتيرات الدنماركية المسيئة بصحفهم "يمن أوبزرفر"، و"الرأي العام"، و"الحرية"، وقامت وزارة الإعلام اليمنية بإلغاء تراخيص تلك الصحف رغم تأكيد الصحفيين الثلاثة على أن النشر قد جاء كضرورة صحفية، و جاء في بيان صادر عن جريدة "يمن أوبزرفر" أن النشر قد جاء بطريقة لا توضح معالم الصور بأن وضعت علامة (إكس) كبيرة عليها تعبيرا عن موقف الجريدة من تلك الصور.
وتكررت مشاهد الحبس لرؤساء تحرير في الجزائر.. فأقيل رئيسي تحرير جريدتي "إقرأ" و"الرسالة" الصحفيان كاحل بوسعد و بركان بودربالة اللذان أكدا على أن النشر كان بغرض التوضيح للقراء.. في الوقت الذي لم تسلم فيه بعض القيادات الإعلامية في التلفاز الجزائري من الإقالة، فقد أقيل مدير "قناة الجزائر" الحكومية الناطقة بالفرنسية والموجهة إلى أوروبا و معه بعض العاملين بعد عرض الصور المسيئة ضمن نشرة الأخبار.
ومازال هذا المسلسل دائرا بين الأقطار العربية حتى وصل إلى السعودية فأصاب جريدة "شمس" السعودية التي تم إيقافها لأجل غير مسمى بسبب إعادة نشر نفس الكاريكاتيرات رغم استنادها في ذلك لفتاوى دينية ترفع عنها هذا الحرج.

ـــ نظرة سياسية

إن النظرة إلى إعادة نشر الصور المسيئة للأنبياء على أنها تكرار للإساءة هي نظرة سياسية بحتة، والدليل على ذلك أن مصر التي تعرض فيها رئيس تحرير جريدة الأخبار اليومية محمد بركات للتوبيخ من قبل مسئولين في الدولة ونواب برلمانيين بسبب إعادته نشر تلك الكاريكاتيرات المسيئة، لم نر فيها تلك الإجراءات عندما نشرت نفس تلك الرسوم الكاريكاتيرية في جريدة الفجر الأسبوعية في فترة مبكرة من الأزمة وقبل توهج مشاعر المسلمين. بل إن جريدة الأهرام المصرية قد نشرت منذ مدة هي ومعها صحف عربية أخرى صورا ورسوما مسيئة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - والسيدة مريم العذراء والتي قام بها مستوطنون إسرائيليون ولم يحدث اعتراض وقتها على نشر تلك الصور، ولم يحدث أن تدخل الأمن لجمع أعداد الجريدة مثلما حدث مع يومية الأخبار السابق ذكرها والتي رجحت بعض المصادر أن رئيس تحريرها قد يتعرض للعقاب عما قريب.. خصوصا وأن قطاع الصحافة في مصر خاضع بطريقة ما لسلطان الحكومة المصرية والتي تتحكم في اختيار قياداته.

ـــ كبش فداء

كان عدد من الصحف الغربية قد أعاد نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم تضامنا مع الجريدة الدنماركية بدعوى مساندة حرية الرأي الأمر الذي زاد من استفزاز مشاعر المسلمين، وكانت التظاهرات تزداد سخونة في العالم العربي والإسلامي في الوقت الذي لم تستطع فيه الحكومات العربية اتخاذ أي إجراء ضد تلك الصحف الغربية، مما جعل إعادة نشر تلك الصور في المطبوعات العربية يمثل مثيرا شرطيا للعجز العربي، لذا كان الإجراء الوحيد الذي من الممكن أن يتخذ يقتصر فقط على الصعيد الداخلي.. ورغم أن كل من تعرضوا للحبس أو الإقالة من الصحفيين أو الإعلاميين العرب كانوا قد أكدوا أن النشر جاء ضمن مادة صحفية لا أكثر، بل إن بعض تلك الصحف عملت ضمن حملة التنديد بالرسوم الكاريكاتيرية و(نصرة الرسول).. إلا أن هذا لم يشفع لها، بل وجدنا على سبيل المثال أن الديوان الملكي الأردني يصف إعادة النشر بأنها " إفساد في الأرض لا يمكن قبوله"، ووزارة الإعلام اليمنية تسارع في إلغاء تصاريح ثلاث صحف، والأمن المصري يتدخل لسحب أعداد من جريدة احتوت على تلك الرسوم المسيئة.. مما يوضح أن كل تلك الإجراءات كانت خشية انتشار الصور بين الناس وزيادة انفعالهم وأن ينعكس ذلك على الأوضاع الأمنية الداخلية في توقيت اتضحت فيه عدم قدرة الحكومات على مواجهة الاستفزازات الإعلامية الخارجية.
لكن مثل تلك الإجراءات ضد الصحفيين العرب قد أثارت المدافعين عن حرية الصحافة فقد طالبت منظمة هيومان رايتس ووتش حكومات كل من الأردن واليمن والجزائر أن تسقط فوراً التهم الجنائية الموجّهة إلى المحررين والصحفيين اللذين أعادوا نشر الرسوم الكاريكاتيرية للنبي محمد في صحفهم.. إلا أن مثل تلك الدعاوى والمطالبات قد خفت صوتها وسط صخب التظاهرات وموجات الغضب الشعبية.

ـــ رأي الدين

ومما يجعل من تلك القضية قضية مثيرة للجدل أن بعض رجال الدين الـثـقاة قد ذهبوا إلى أن إعادة نشر تلك الصور بغرض التوضيح فقط لا يُحمِّـل من يعيد نشرها أي ذنب، بل والأكثر من هذا أن بعض القنوات الفضائية ذات الطابع الدعوي مثل قناة المجد الفضائية قد عرضت تلك الصور المسيئة للجماهير ضمن أحد برامجها، هذا إلى جانب إعادة نشرها في عدد من القنوات التلفزيونية ضمن برامج تلفزيونية شهيرة تناولت قضية الرسوم الدنماركية ومرت الأمور بسلام. وحتى الآن لم تظهر فتاوى بارزة لمناهضة إعادة نشر تلك الكاريكاتيرات سوى فتوى نــُسبت للشيخ عبدالرحمن السحيم الداعية بوزارة الشؤون الإسلامية و الأوقاف السعودية وعضو مركز الدعوة والإرشاد بالرياض قال فيها بعدم جواز تكرار نشر تلك الصور حتى لو كان الأمر بغرض التعريف، واستدل الشيخ على ذلك بأن ضرب مثلا بأنه لا يجوز تحذير الناس من الزنا بعرض صور إباحية (!).. وعموما فالرؤية الدينية للقضية لم تكن سببا وراء ما جرى من حبس أو إقالات لعدد من الصحفيين والإعلاميين العرب.
فعلى جانب آخر أكثر أهمية نجد أن السيرة النبوية قد ضمت نصوصها بعض أقوال مناهضي الدعوة المحمدية وفيها إساءة للرسول محمد - صل الله عليه وسلم - وحوتها لنا الكتب إلى يومنا هذا، بل وعرض القرآن الكريم وجهات نظر مناهضي النبي بما تحوي من افتراءات وإساءات له، كقوله تعالى : وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) الصافات، أو كقوله أيضا : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) الفرقان.. وكل تلك الآيات تنقل إساءات تعرّض لها الرسول، فكانت الآيات ناقلة لأقوال مناهضي الرسول بغرض التوضيح وليس الإساءة.
إن ما حدث طوال الفترة الماضية – وما قد يحدث لاحقا – من تضييق على الصحافة وإسقاط لمشاكل داخلية على بعض الصحفيين والإعلاميين ممن تم حبسهم أو إقالتهم لم يستند إلى مرجعية دينية أو حتى أخلاقية بقدر ما كان ممارسات سياسية نتمنى ألا تتكرر وأن يتم رفع الظلم عمن ظلموا ضمن تلك "المجزرة الدنماركية" للصحافة العربية
ــــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, February 14, 2006

رحلة في عقل رسام كاريكاتير أوروبي

جلس رسام الكاريكاتير الأوروبي يعد رسما حول الإسلام، كان أول ما تذكره هو وجه أسامة بن لادن، وملثمون يستعدون لنحر أحد الرهائن الغربيين، وآخرون يرفعون أسلحتهم في وجه الكاميرات داخل الأراضي الفلسطينية.. حاول أن يتذكر أشهر الحكام العرب ومواقفهم الشهيرة، تذكر صدام حسين ومحاكمته، تذكر تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الأكثر عداءا للغرب.. كانت هنالك وجوه لشخصيات عربية أخرى، لكنه لم يتذكر إلا هؤلاء.. فهم الأشهر، أو هكذا أرادت لهم وسائل الإعلام . بحث الأوروبي حوله عن مسلمين أوروبيين جمعوا في قلوبهم بين حب الإسلام والانتماء إلى الحضارة الغربية بكل آدابها وفنونها، لم يجد كثيرا، فقد كانت الأغلبية من أصول غير أوروبية، يرتدي بعضهم أزياء غريبة عن أزياء وطنه، لا يندمجون بجدية في المجتمعات الأوروبية، ولاءهم الأساسي لأوطانهم الأصلية، بعضهم لا يجيد لغة البلاد التي يعيش فيها... لذا لم يكن هناك نماذج إسلامية شهيرة يتحدث عنها. حاول الرسام أن يفعل كبعض مدعي الثقافة ويؤصل ما علمه عن المسلمين، فبحث داخل كتابات الأوروبيين عن الإسلام وحاول أن يربط بين ما يراه اليوم وما جرى قديما.. قرأ في إحدى الموسوعات أن من أنشأ الديانة الإسلامية كان رجلا يدعي محمدا، نجح في توحيد القبائل العربية التي تزعمت العالم من بعده وفرضت لغتها في بقاع عديدة من العالم.. يعبدون إلها اسمه "الله" ..(!) كذلك قرأ عن تعدد للزوجات وتسلط الرجال على النساء... الخ، أعجبته تلك المادة فمنها يستطيع أن يصنع رسوما مثيرة للجدل .
رسم كاريكاتيراته وتهكم فيها على محمد مؤسس الديانة الذي لم يكن ليعترف بنبوته مثلما لا يعترف بوجود المسيح، كان محمد - عليه الصلاة والسلام - في نظره هو السبب وراء ما يفعله المسلمون اليوم.

لم يعلم الرسام أنه ظلم نبي الإسلام عندما لم يتحر الدقة في رحلة بحثه واستسلم لمرويات تصلح كحكايات أسطورية عن الإسلام، وبعد نشر رسومه الساخرة... عبّر المسلمون عن غضبهم وتعاون معهم مسلمون أوروبيون، تفاجأ الرسام بحرق سفارات بلاده وبلاد أخرى نشرت رسومه الكاريكاتيرية، أذاع التلفاز أن أحد الفقهاء المسلمين قد أحل دمه.. الحرب الاقتصادية تبدأ، ورئيس وزراء بلاده لا يريد الاعتذار.. يعتذر الرسام ولا فائدة(!) يبحث في مكتبته الخاصة عن حروب قديمة بين المسلمين وبلاده، وجد حديثا قديما عن الصليبيات، اعتبر الحاضر امتدادا للماضي، ولم تتغير نظرته للإسلام، وزاد الحذر في بلاده من مسلمي الداخل وأصبحت هنالك مرارة تجاه كل مسلم. قد يكون هذا هو ما دار فعلا في عقول بعض الأوروبيين، رسامو كاريكاتير كانوا أو عمال في مصانع، أو حتى فلاحون في مزرعة، ولم يستطع المسلمون تغيير تلك الأفكار، بل تركوها تترسخ أكثر في الأذهان بعد أن غاب الحوار العاقل تماما عن الأحداث.. ويحاول بعض المسلمين الآن المحافظة على حالة الغضب الدائرة على أمل أن يعمل الآخرون لهم ولمعتقداتهم ألف حساب في المستقبل، وإلا فالبديل هو الغضب..!

كان الرسول عليه الصلاة والسلام في رده على حماقات الآخرين يسعى دوما إلى توصيل فكرة وهدم أخرى، وكانت قضيته في رسالته وليست في مسائل ثأرية.. البعض منا قد تعامل مع قضية الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام بأسلوب خاو من الفكر، لا يحمل رسالة بقدر ما يحمل عداء وإغلاقا للأبواب.. البعض قد بحث عن أقصى العقوبات ولم يفكر في الهدف منها، واتضح هذا الأمر بعد اعتذار أهل الإساءة عن إساءتهم، فلم يتغير شيء.. لأن هدفنا كان الانتقام بالدرجة الأولى ولم يكن سعيا وراء جدل محمود للتأثير في الآخر فكريا وحضاريا. القضية أساسا كانت قضية ثقافية، وتحولت إلى قضية سياسية اقتصادية، مما ضيّع وسط صخب الهتافات حقائق كان من الواجب توصيلها إلى أهل الإساءة... والآن نتمنى أن تعود إلينا قضيتنا الرئيسية كي نوضح من خلالها الحقائق ونعرض ملامحنا الثقافية والحضارية للآخرين بوسائل مبتكرة كي لا يسيئوا إلينا مرة أخرى ، فالجهل بالشيء هو مقدمة لرفضه، ربما تلك هي لحظة التواصل مع الآخر وطرق أبوابه لتعريفه بأمور لم يعلمها عن دين قد ظلم كثيرا على يديه، بالإمكان إعداد مادة إعلامية تقدم ومضات عن الإسلام وعن الشرق بأسلوب (غربي) محترف، بالإمكان أن يجاهد المسلمون الأوروبيون للاندماج داخل مجتمعاتهم الغربية كي يتم قبولهم في تلك المجتمعات، بالإمكان أن يفيق أهل المشرق من غفوتهم وإنطوائيتهم و يصلحوا من أنفسهم كي يجدوا ما يقدمونه للآخرين.
ليكن هدفنا هو ذلك الرسام، الذي لم يجد ما يقدمه عنا، لنحاول صنع شيء يحترمه الآخرين فينا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Thursday, October 13, 2005

نحن وإرادة الله

في حديثه مع قناة العربية اعتبر الدكتور زغلول النجار عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر أن الكوارث الطبيعية "عقابا للعاصين وابتلاء للصالحين وعبرة للناجين"، و أضاف أن الزلازل والبراكين "جند من جند الله" يسخرها على من يشاء، وهذا الرأي على ما يبدو ليس رأيا خاصا بالدكتور زغلول وحده، فقد سادت حالة من الرضا بين بعض الأوساط في عالمنا العربي والإسلامي عند حدوث إعصار "كاترينا" بالولايات المتحدة الأمريكية الذي خلَّف وراءه آلافا من القتلى والمشردين، وخسارة تقدر بمليارات الدولارات... وقتها قال البعض أن هذا عقاب إلهي لأمريكا على أفعالها، وعندما وقع الزلزال الأخير بباكستان الذي راح ضحيته آلافا من المسلمين، اضطرب هذا الفريق فراحوا يبحثون عن الذرائع التي تقدم هذا الزلزال على أنه غضب إلهي.. مثلما جرى من قبل مع كارثة تسونامي. للأسف أننا نجد من هم في علم الدكتور زغلول النجار ممن ينظِّرون لهذا الفريق الذي يبحث عن كوارث الآخرين كي يشمت في مصائبهم، وكأن الله قد انتصر لهم شخصيا، إن هذا الاتجاه يمثل نوعا من التدخل في فهم الإرادة الإلهية، فأن نقوم نحن البشر بتفسير الكوارث المحيطة بنا على أن الله يريد بها كذا وكذا.. فهذا تجاوز للحدود..! قال تعالى : " وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب (116) المائدة.
هكذا كان نبي الله عيسى ابن مريم، أعلن أنه لا يعلم ما في نفس الله. ولا يحيط بإرادته أو حتى يستطيع توقعها، سنقول ما قاله عيسى بن مريم عليه السلام ونعلن أننا لا نعلم ما في نفس الله، ولا نحيط بما أراده الله من مثل تلك الكوارث. لنتذكر معا الآيات (65 : 82) من سورة الكهف التي تحدثت عن قصة سيدنا موسى مع العبد الصالح، فقد عرضت تلك الآيات العديد من التصرفات التي أقدم عليها العبد الصالح والتي كان بعضها بمثابة الكوارث لسيدنا موسى.. كانت النهاية أن اتضح لموسى عليه السلام أن كل تلك التصرفات من العبد الصالح كانت لحكمة عند الله أوضحها العبد الصالح في ختام الآيات.. إذن فعلينا ألا نأوِّل الأحداث من حولنا وكأننا قد أحطنا بإرادة الله وفسرناها.. لنعد إلى بشريتنا ولا تصيبنا نشوة الإيمان فنظن أن الله كأحد الرفاق الذين نستطيع فهم إرادتهم والإحاطة بها. في النهاية... أعتقد أننا لو كنا مشغولون بعمل ما، ما لجأنا إلى الاستصراخ بكارثة طبيعية نظن أن فيها نجدتنا أو خلاصنا.
http://www.scribd.com/doc/20005878/
ـــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, September 6, 2005

رسالة إلى الشامتين

دائما ما يهلل فريق من ابناء أمتنا ويعلن سروره وفرحه عند سماعه انباء الكوارث المتعلقة بمن يبغضهم خارج بلاده, وقد ظهر هذا جليا في عدد من المواقف, كان اخرها عند حدوث اعصار "كاترينا" بالولايات المتحدة الاميركية, والذي خلَّف وراءه آلافا من القتلى والمشردين, وخسارة تقدر ببلايين الدولارات, فوجدنا روح الشماتة والتشفي تظهر من بين بعض ابناء أمتنا.. ليكرروا ما قاموا به من قبل عقب وقوع حادث جسر الائمة في العراق, الذي حدث اثناء احتفال شيعي هناك, فأسفر عن مقتل نحو الف عراقي.
وكانت تلك العقلية الشامتة هي التي فسرت من قبل ظاهرة تسونامي على انها عقاب الهي لاهالي جنوب شرق اسيا, وهي التي بررت الاحداث التفجيرية التي ضربت مصر في الفترة الاخيرة, وغالبا ما سيستمر هذا المنطق الشامت يمارس هوايته عقب كل كارثة تصيب قريبا او غريبا, خصوصا وان اصحاب هذا المنطق يستخدمون مرجعية قرآنية في توجههم هذا, كاستخدامهم قوله تعالى : ويومئذ يفرح المؤمنون بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الروم) ... فيتم تأويل المعنى, وكأن الاية دعوة للتشفي والفرح بمصائب الاخرين, على الرغم من ان القياس هنا لا يجوز بين الحالة التي
نزلت فيها الاية, واستخدام البعض لها كمبرر للتشفي والشماتة.
ان رسالتنا الى كل شامت ان يتذكر دعوة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يأمر كل مسلم ان يحب للناس ما يحب لنفسه, وان يكره للناس ما يكره لنفسه, والا يظهر الشماتة لاخيه وقت ابتلائه كي لا يبتلى بابتلائه, حتى الاعداء, كان من اخلاقيات الاسلام ان يترفع المسلم عن الشماتة بهم.
لقد كنا نتمنى من الشامتين ان يقوموا بعمل افضل من شماتتهم.. عمل يحسِّن من صورتهم لدى الاخر, سواء كان هذا الاخر عربيا ام غربيا, كأن يقدموا عزاءهم للشعب الاميركي في هذا التوقيت بالذات, فيقدموا بذلك - على المستوى الشعبي- تصرفا يحسِّن من صورة العربي المسلم التي شوهها البعض لدى الجماهير الغربية, فيكون في هذا التصرف عرضا لصورة العربي النبيل على حقيقتها... وكنا نأمل من قبل ان يعبر هذا الفريق ايضا عن تعازيه لاهل العراق, عقب حادثة جسر الائمة بالكاظمية, كمحاولة لطمأنة شيعة العراق ان في خارج العراق مسلمين مثلهم يتألمون لألمهم.
ولعل الموقف الحكومي العربي من تلك الاحداث كان على المستوى المطلوب, وهو ما ظهر واضحا في قرار بعض الدول العربية مساعدة الولايات المتحدة الاميركية في ازمتها الاخيرة بالدعم المادي, كقرار دولة الكويت التبرع بما قيمته 500 مليون دولار من المنتجات النفطية وغيرها من المساعدات الانسانية للولايات المتحدة بغرض تخفيف اثار الاعصار كاترينا.
لكننا نأمل ايضا ان يكون هنالك تحرك شعبي في مثل تلك الاوقات على نفس مستوى التحرك الحكومي, ولو بصورة بسيطة كارسال برقية عزاء او اظهار روح التعاطف مع صاحب البلاء, او على الاقل الا يكون هنالك تحرك مضاد لهذا النشاط الحكومي النبيل, فروح الشماتة ستزيد الفجوة بين الشعوب, وستضعفنا وتجعلنا دائما في موقف من يتلقى الصدمات.
نأمل لمن يشمت في مصائب الاخرين - ايا كان هؤلاء الاخرين - ان يتحلى بخلق محمد نبي الاسلام, وان يراجع سير فرسان أمتنا العربية والاسلامية, فالفارس العربي كان لا يشمت في اعدائه.. كان لا يسيء لمن اساء اليه, اننا نقدم دعوة كي نحب للناس ما نحب لانفسنا, ونكون فاعلين في تحديد شكل علاقاتنا مع الاخرين, لا ان نكون عاجزين عن الفعل, مكتفين بتغذية نفوسنا بنار الحقد... نتمنى ان تصل الرسالة, وتكون محل تدبر.
http://www.scribd.com/doc/20007058/

ـــــــــــ
إيلاف

Sunday, August 14, 2005

الاحتجاج العاري

اختارت هالة فيصل (47 سنة) أسلوبا جديدا على العرب كي تعبر به عن احتجاجها على الحرب في العراق و استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية، فقامت يوم 9 أغسطس الماضي بالتجرد تماما من ملابسها في حديقة ميدان واشنطن بمدينة نيويورك الأمريكية، لتعرض عبارات الاحتجاج المكتوبة على جسدها بالعربية والإنجليزية أمام زوار الحديقة لمدة عشر دقائق تقريبا، ليكون ختام العرض على يد شرطة نيويورك التي طلبت منها ارتداء ملابسها، وتم القبض عليها ليفرج عنها فيما بعد. ربما قد يتهم البعض هالة بأنها مجنونة أو مريضة نفسية أقدمت على تصرف لا تعيه، لكن الواقع غير ذلك.. فهالة فيصل سورية المولد تحمل الجنسية الأمريكية، اتخذت الولايات المتحدة موطنا لها منذ 1998، درست الفن والموسيقى في معاهد وجامعات دمشق وروسيا وألمانيا والولايات المتحدة، ومارست الغناء والتمثيل، و تجيد ست لغات، وطافت بلوحاتها الفنية العديد من المدن عبر معارضها الفنية. و حاضرت عن تاريخ الفن في دمشق ونيويورك.. وتعرض سيرتها الذاتية شخصية مركبة، لها خلفية سياسية، فعمها كان معتقلا سياسيا في سجون سوريا، ووالدها كان وزيرا قبل فترة حكم حافظ الأسد، و تركت ابنها الوحيد خوفا عليه مما قد يطوله من أذى بسبب تاريخ عائلتها السياسي، لكن.. أيدفع كل هذا بسيدة عربية مسلمة جاوزت الأربعين أن تتجرد من ملابسها وسط أحد الميادين الأمريكية من أجل لفت الأنظار إلى قضايا إنسانية..؟! ربما يكون أمر التعري هذا لا يمثل لها أزمة كبيرة في حياتها، فنحن نراها تتبنى عقلية تحررية في بعض لوحاتها الفنية التي تحوي رسومات لأجزاء من الجسد الأنثوي ليس من اللائق كشفها. لكن دافعها الأساسي فيما قامت به كان واضحا واعترفت به، فقد كانت تسعى للفت الأنظار و صنع صدمة لدى الناس حول ما يحدث في العراق وفلسطين، وربما قد تفيدها تلك الصدمة في تحقيق نوع من شهرة قد تساعدها على تحقيق أحلامها المستقبلية. فقد كان مخططا لها أن تقيم معرضا فنيا للوحاتها، وفيلما عن حياتها الشخصية، بالإضافة إلى طموحها في كبح جماح الظلم في العالم كما ذكرت بنفسها.
ربما تكون كل تلك الأسباب حقيقية.. لكن السبب الأهم الذي ربما لم تدركه هالة فيصل نفسها أنها قد تكون قد توحدت - دون أن تشعر- مع تجربة الرجال العرب الذين تعروا قسرا في سجن أبو غريب، ربما شعرت بأنه لن يحدث أسوأ مما حدث للعرب، فخلعت ملابسها احتجاجا على هذا العالم، قبل أن تضطر إلى خلعها في أحد المعتقلات. ربما لن يترك ما قامت به هالة فيصل تأثيرا قويا على المواطن العربي الذي اعتاد منذ مدة على مشاهدة الأجساد العارية، لكننا نأمل ألا تتكرر ظاهرة التعري العربية مرة أخرى، سواء لرجل أو لامرأة.
ــــــــــــــــ

Wednesday, November 17, 2004

فِتنة طائفيّة

بقلم : عبدالرحمن مصطفى حسن ـ مصر
ما يحدث في العراق وفلسطين أصبح مادة رخيصة للذين يتصيدون أخبار نكسات وهزائم المسلمين كي يندبون وينوحون بها.. و قد جاءت وسط زحام الأحداث أخبار جديدة من أوروبا ، وتحديدا من هولندا ، لتخبرنا عن إحراق و تخريب مبان إسلامية ، عقب مقتل مخرج هولندي على يد شاب متطرف مسلم ، والذي قتله بسبب كون هذا المخرج من أصحاب الآراء التي تَعيبُ في الإسلام والمسلمين ، وهي الآراء التي ظهرت واضحة في آخر أفلامه. ولم ينته الأمر عند هذا الحد ، بل حاول بعض المسلمين الرد على تلك العمليات بعمليات انتقامية مضادة ، حتى تطلب الأمر ذهاب رئيس وزراء هولندا إلى أحد مساجد المسلمين ليطلق من هناك بعض التصريحات التي تدين العنف وتدعو للحوار بين مختلف الطوائف. ولكن.. ما موقفنا نحن هنا أبناء المشرق من مثل تلك الأحداث..؟؟ لاشيء.. فالبعض يعتبر هذا شأنا داخليا . ولكن إذا كان الأمر كذلك ، فهل المسلمين (الأوروبيين) يعلمون هذا الأمر ..؟ هل قلنا لهم ذلك صراحة ، و أعلنا لهم أننا لن نتدخل لهم في شأن يخصهم هم وحكوماتهم..؟ لا.. لقد كان رد الفعل الملموس فقط هو الندب و النواح من قبل هواة صيد مثل تلك الأخبار ، الذين بدأوا في الحديث عن نهاية قريبة للمسلمين في أوروبا ، وعن أندلس جديدة ، وعن الحروب ضد الإسلام في الشرق وفي الغرب..! و لكن ، بعيدا عن كل ذلك ، دعونا الآن نفكر سويا.. لماذا أتى هؤلاء الغربيين أصلا إلى أراضينا ..؟ ألم يكن ذلك تعبيرا عن استهتارهم بنا كدول وحكومات ، و تأكيدا على ضعفنا..؟ فإذا كان الأمر كذلك ، فلنوجه رسالة واضحة للمسلمين في أوروبا ، نحثهم فيها على أن ينتموا بكل أمانة إلى الأوطان التي اختاروا أن يعيشوا فيها ، وأن يبدأوا في كفاح سلمي ورسم صورة لأنفسهم هناك مستمدة من الإسلام ، ومن الثقافة الأوروبية. بدلا من أن ينقلوا عادات الشرق بمزاياها، وعيوبها إلى الغرب ، فيخسروا الغرب - وطنهم الجديد- في الوقت الذي لن ينجدهم فيه الشرق ، الذي لا يستطيع أن ينجد نفسه. أعتقد أنه على المسلمين في أوروبا أن يندمجوا في الغرب ، و أن يكونوا جزءا منه ، بحيث يكون هنالك فرق واضح بين من أقام في أوروبا بغرض التعلم أو العمل ، وبين ذلك الذي أصبح جزءا من الثقافة الأوروبية التي يحمل هويتها . وأعتقد أنه ليس هنالك ما يمنع الاندماج في المجتمعات الأوروبية إلا مسألة الانتماء الإسلامي ، الذي يجعل المواطن الغربي يشعر وكأن المسلمين الشرقيين يحاولون (مشرقة) الغرب، فتستدعي ذاكرته القومية ما كان من الوجود العربي الإسلامي القديم في أوروبا في تلك الفترة التي كانت صورة الإسلام فيها تشوه على يد الكنيسة وأعوانها في العصر الوسيط ، لذا فعلى المسلمين الأوروبيين أن يصنعوا صورة جديدة للإسلام في أوروبا، منابعها من الحضارة الغربية ، دون محاولة إقحام العادات والتقاليد الشرقية عليها، على ألا يكون ذلك على حساب خسرانهم لدينهم أيضا . ولنا أمثلة عديدة لمسلمين استطاعوا تحقيق مثل تلك المعادلة ، فها هم إخواننا في أفريقيا وشرق آسيا لهم انتماءاتهم الأفريقية و الآسيوية ، دون أن يكون ذلك سببا في خسرانهم لدينهم ، رغم محاولات البعض لإقحام الهوية العربية على الدين الإسلامي هناك محاولين ربطها به.
في النهاية ، ليت المسلمين في أوروبا يدركوا حقيقة أنهم أصحاب حق في أوروبا ، بدلا من أن يتعامل البعض منهم وكأنه ضيف يقضى بعضا من الوقت ، حتى يعود من حيث جاء ، فيكون ذلك دافعا لبعض المتطرفين من أهل أوروبا – الأصليين- إلى التعجيل بالمطالبة بعودة هؤلاء – المهاجرين- المسلمين إلى أرض آبائهم وأجدادهم في الشرق