Tuesday, April 10, 2012

الحركة الطلابية 2012 صورة مصغرة لمصر



عبد الرحمن مصطفى
على أحد أعمدة الإنارة فى جامعة القاهرة لافتة تقول: «عايزين لائحة جديدة، يكتبها الطلبة ويستفتوا عليها». وفوقها مباشرة إعلان عن رحلة طلابية إلى عروس البحر المتوسط، الإسكندرية، هذه المفارقة تعكس حالة الجامعة الآن، حيث اعتصم قرب هذه اللافتات طلاب منتمون إلى حركات سياسية ومستقلون أمام بوابة الجامعة الرئيسية، فى حين انشغل بقية طلبة الجامعة بقضاياهم الشخصية.
«لدينا استعداد أن نعتصم هنا حتى نهاية العام.. وبالمناسبة لقد تأسست حركتنا فى اعتصام مشابه العام الماضى»، الحديث هنا لمحمد طارق عضو حركة «تحرير» التى تضم عشرات الطلاب، بعضهم اشتراكيون واسلاميون، لكنه يؤكد على أنها حركة مستقلة تماما. وفى تلك المساحة أمام قبة جامعة القاهرة حيث يتحدث محمد طارق الطالب بكلية الآداب، أقيم اعتصام يضم عشرات الشباب لأهداف طلابية بحتة، على رأسها تغيير اللائحة الجامعية المعروفة بلائحة أمن الدولة. ويستكمل حديثه قائلا: «نمر على الطلبة فى مسيرات توعية، ونقيم معارض للتعريف بأهمية تغيير هذه اللائحة الخانقة، وكل طموحنا أن ينضم إلينا طلاب مستقلون، مثلما توحدنا معا وقت الثورة وبعدها». وحين يمر بهم بقية الطلاب فى هذا الموقع الاستراتيجى تدور أسئلة عن سبب تواجدهم، وعن وجود خيام لحركات مثل 6 إبريل وكفاية وغيرهم، وهو أحد أهم مشاهد الاعتصام الذى بدأ قبل قرابة ثلاثة أسابيع مضت، أحد الطلبة المارين يلخص وجهة نظره فى تعليق عابر دون أن يشارك: «الطلبة اللى بدأوا الاعتصام أغلبهم مسيسين»، يلقى عبارته ويتلاشى فى زحام الجامعة.
وسط حلقة نقاشية مجاورة انشغل الشباب بالحديث عن الإجراءات التى تتخذها الجامعة، انسحب عمر ساهر ــ طالب الفرقة الأولى بكلية الآداب ــ تاركا زملاءه بقصد التوضيح: «نواجه ضغوطا يومية هنا، خصوصا مع بدء الاعتصام، إذ نلتقى طلبة من جامعات أخرى فى حرم جامعة القاهرة، وأحيانا ما نتعرض للتضييق بهذا السبب، أما الأهم فهو رحلة إقناع بقية الطلاب بقضايا طلابية تخصهم، والإعلام للأسف لا يتواصل أو يبدى اهتماما سوى فى الأحداث الكبرى أو الاشتباكات، وهكذا تضيع الفكرة الأساسية فى إتاحة مناخ حر داخل الجامعة».
عمر ساهر نموذج آخر من أبناء المجموعات المستقلة، إذ ينتمى إلى حركة «مقاومة» الطلابية التى أسسها فى البداية (بدأت 2007 بحلوان وانتشرت تدريجيا) شباب ذوى ميول يسارية، متصلون بحركة «شباب من أجل العدالة والحرية»، ولأنه اختبر السياسة حين وجد نفسه عضوا فى حركة «أطفال من أجل التغيير» ومتابعا لنشاط والده الناشط والصحفى ساهر جاد، أعادته أحداث الثورة منذ العام الماضى إلى العمل الحركى مستغلا وجوده داخل الجامعة. يمر عبدالرحمن موافى، طالب الهندسة الذى تعرض للاعتقال فى ميدان التحرير فى فبراير الماضى، وحتى الآن ما زالت صورته متواجدة على بعض جدران الجامعة منذ حملة الإفراج عنه التى تبناها زملاؤه. فى هذه الناحية من الجامعة مشهدا يعبر عن ملامح الحركة الطلابية فى 2012، إذ أصبح لعدد منهم قصة إصابة أو اختطاف أو اعتقال تداولها زملاؤه على الإنترنت وداخل الجامعة، ويعود عمر ساهر للتوضيح: «لاحظ أننا نجتمع هنا بالذات فى جامعة القاهرة ليس فقط لأنها الجامعة الأم أو للحرية النسبية فيها، لكن أيضا لوجود مقر المجلس الأعلى للجامعات».
فى هذا العالم الصغير الذى يتجاور فيه الاشتراكى مع الليبرالى مع الإسلامى مع المستقل، يمكن ملاحظة وجود طلبة من جامعات أخرى، مثل طلبة جامعة عين شمس الذين أخفقوا فى تنفيذ اعتصام لهم أمام قصر الزعفران فى جامعتهم، بعد أن تعرضوا للبلطجة ولم توفر لهم جامعتهم الحماية المناسبة. من بين هؤلاء كان أحمد إسماعيل، طالب السنة النهائية فى كلية الطب بجامعة عين شمس، الذى اختار أن يبدأ حديثه بملاحظة التقطها فى الأشهر الماضية: «حين كنا ننظم مسيرات فى فاعليات ذكرى الثورة أو ذكرى التنحى الأخيرة، كان الطلبة يشاركون بكم كبير، لكن حين بدأنا نحشد من أجل تعديل اللائحة الطلابية، فوجئنا بأن الطلاب ذوى الخلفية السياسية هم الأكثر حماسا.. ورغم ذلك فلا أستطيع أن أنفى دور الطلبة المستقلين فى الاعتصام الأخير، لكن الأهم أن هناك صفة جديدة أصبحت تجمعنا، هى الصفة الثورية والرغبة فى التغيير الجذرى». أحمد إسماعيل كان أحد المسئولين عن الملف الطلابى فى حملة دعم البرادعى، وبعد انسحاب البرادعى من سباق الترشح الرئاسى، تحول نشاطه إلى حركة مستقلة مع زملائه تحت اسم «حركة حقنا»، والأهم من هذا أنه هنا فى الاعتصام ضمن كيان أكبر يضم عدد من حركات جامعة عين شمس اختاروا اسم « ثوار». فى هذا الزحام تفتقد العين تواجد أبناء التيار الإسلامى الذين كان لهم حضورا قويا فى فترة ما قبل الثورة، حين كانوا يواجهون طلبة اتحاد الطلبة الموالين للسلطة آنذاك، أما اليوم فالقواعد مختلفة تماما، إذ خالف طلبة الإخوان بقية القوى السياسية فى قبول قرار الوزير إقامة الانتخابات الطلابية لهذا العام، وفقا للائحة القديمة المعيبة، ورفعا للحرج أصدر طلبة الإخوان المسلمين بجامعة القاهرة بيانا أكدوا فيه أنهم لم يسعوا إلى التعجيل بهذا القرار أو الضغط من أجله فى مجلس الشعب وأن من قام بهذا مجموعات أخرى غيرهم خارج الجامعة. «على فكرة إحنا وجودنا هنا بسبب الإخوان»، العبارة هنا لأحمد منصور المتحدث الإعلامى باسم اللجان الثورية فى جامعة القاهرة، وهى أقوى تمثيل للطلبة المستقلين فى الجامعة، إذ يبدأ حديثه واصفا نفسه: «أنا مش مسيس، بس السياسة مش عيب أو تهمة..!!». يقصد بذلك حسبما يشرح أن بعض الشباب قد اكتسبوا خبرة فى العمل الحركى بسبب مشاركاتهم فى المسيرات والمظاهرات المختلفة، بل وابتكار مبادرات سياسية حرة بعيدا عن التنظيمات، كذلك فهناك من ثاروا على الأكاديميين من أعضاء الحزب الوطنى، ويضرب مثالا بنفسه، إذ إن عمله لسنوات سابقة فى جمعية رسالة الخيرية أكسبه خبرة فى التسويق والدعاية وإدارة الحملات، وبهذه الطريقة كان تأسيس اللجان الثورية بجامعة القاهرة فى فبراير الماضى، دون أن يخفى أن هناك بعض الشباب المنتمين لحركات سياسية كانوا ضمن المبادرين.. فى أثناء حديثه يبدو القلق والإرهاق بسبب السهر للدراسة والتخطيط للخطوات المقبلة بعد الاعتصام، والتواصل مع مجلس الشعب للضغط من أجل تطبيق لائحة جديدة يستفتى عليها الطلبة. هنا فى جامعة القاهرة حيث عالم الحركة الطلابية، أصبحت هذه البقعة مزارا من طلبة الجامعات الأخرى، وطلاب التعليم المفتوح، وتعكس عالما صغيرا من واقع مصر الحالى، حيث الجدل حول اللائحة الطلابية الشبيهة بالدستور، ويعلق أحمد منصور ساخرا: «حتى موقف طلبة الإخوان هنا فى جامعة القاهرة من بقية زملائهم فى الجامعات الأخرى، يذكرنى بموقف النائب محمد البلتاجى حين يظهر بعد كل جدل، معلقا على تصرفات جماعة الإخوان المسلمين بهدف تصحيح الصورة». يتوقف قليلا ليكمل حديثه بجدية: «حتى إن لم ينجح الاعتصام فى تحقيق مطالبنا، تكفى هذه الروح التى جمعتنا، وتفيدنا فى أى عمل قادم، على الأقل نحن نحاول أن نكون نموذجا لآخرين حتى إن وقعنا فى بعض الأخطاء».



يجلس محمد عاصى عضو حركة الاشتراكيين الثوريين مع رفاقه فى مدخل قبة جامعة القاهرة، يرتدى الشال الفلسطينى، ويحرص على الدقة فى حديثه عن أزمة هذا العام فى الجامعة، قائلا: «كل ما نفعله الآن هو الضغط بالاعتصام وتوصيل توقيعات الطلاب إلى الجهات الحكومية من أجل تغيير اللائحة الطلابية بشكل كامل حتى يتاح مناخ حر فى الجامعة..» بعض زملائه الاشتراكيين الموجودين حوله أعضاء فى حركات طلابية مستقلة، أما طموحه الشخصى هو: «ألا يقتصر اهتمام زملائه بالقضايا الطلابية حكرا على المنتمين إلى حركات سياسية خارج الجامعة». قبل حديثه بدقائق كان فى حوار مع زميل بنفس الدفعة بكلية الطب، ينتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، ودار جدل بينهما حول ضرورة مقاطعة الانتخابات القادمة التى ستتم حسب لائحة معيبة، بينما خالفه زميله الإخوانى متبنيا ضرورة دخول الانتخابات والضغط من داخل الاتحاد لتغيير اللائحة. يجلس إلى جواره زميله حسام عضو الاشتراكيين الثوريين، لكنه يرفض الحديث حسب القواعد المعمول بها داخليا فى الحركة، محيلا الحديث إلى محمد عاصى مرة أخرى: «فى العام الماضى كنا نتعرض أحيانا للتشنيع من الطلبة العابرين، وذلك بعد الثورة مباشرة، واتهامات بأننا مدعومون من حركاتنا خارج الجامعة، لكن الوضع الآن اختلف بعد ظهور مجموعات مستقلة تماما، كما أن بزوغ دور الطلبة المسيسين مثل الاشتراكيين الثوريين أو أبناء حركة مثل 6 إبريل فى الحركة الطلابية طمأن الكثيرين، أضف إلى هذا أننا أقمنا من قبل معرضا للتعريف بالاشتراكية الثورية فى مؤتمر داخل الجامعة، وهذا ما لم يكن ليحدث من قبل.. لدينا الآن حالة من التعايش مع الطالب المسيس».
أثناء حديثه يمر به زملاء ويدخلون فى حوارات جانبية أو يلقون القفشات، وما زال لدى الجميع قلق من رد فعل السلطة تجاههم فى الفترة المقبلة. يضيف محمد عاصى معلقا: «تلقينا عروضا واقتراحات بأن ندخل انتخابات جامعة القاهرة حين تبدأ، وأن نقتنص عدة مقاعد، ثم ننسحب كى نحدث فراغا ونحرج الإدارة». ما يميز محمد عاصى عن بعض الطلاب الآخرين هو انشغاله فى حركة الاشتراكيين الثوريين خارج الجامعة أيضا ضمن فاعليات سياسية، حتى إن كانت بعيدة عن العمل الطلابى التقليدى. يشير بيده إلى شباب يلعبون الكرة أمام قبة الجامعة، وبعضهم من ممثلى حركتى 6 إبريل (جبهة أحمد ماهر)، و(الجبهة الديمقراطية). فى إحدى خيام الاعتصام، يجلس سيد محمد بعيدا عن زملائه، ويدخل مباشرة إلى فكرته: «نحن مكشوفون هنا للجميع، لا مجال لتنفيذ أجندات لحركاتنا أو ما إلى ذلك، فأنا من طلاب 6 إبريل فى جامعة القاهرة، وكل ما أفعله هو أن أنسق مع الحركة فى الخارج للاستفادة من خبرتهم، لكننا نحن أهل القرار».
قبل الثورة لم يكن سيد محمد مشغولا بالسياسة أو القضايا الطلابية، إذ كان طالبا فى جامعة حلوان قبل انتقاله منذ ثلاث سنوات إلى جامعة القاهرة، اليوم يجلس مع مسئول الملف الطلابى فى الحركة كتفا بكتف، رغم أنهما كانا زملاء فى جامعة حلوان ولم يفكرا فى دخول العمل العام إلا بعد الثورة. أحد أهم أدوار الطلبة المنتمين إلى حركات وتنظيمات خارج الجامعة أنهم أحيانا ما يقومون بمهام تنسيقية بين أعضاء تنظيماتهم فى جامعات أخرى، إلى جانب انشغالهم بالتنسيق مع المجموعات المستقلة داخل جامعتهم، يقول: «الوضع هنا فى جامعة القاهرة أفضل بكثير عن جامعة حلوان على سبيل المثال، حين اتجه إلى هناك لوضع الملصقات أفاجأ أحيانا بمن يزيلون ملصقا وضعته دون خشية». كلا من محمد عاصى من حركة الاشتراكيين الثوريين، وسيد محمد من 6 إبريل (الجبهة الديموقراطية)، يطمحان أن ينمو عملهما فى المجال السياسى بعد انتهاء دراستهما، أما اليوم، فكل انشغالهما بردود الأفعال على مطالب الحركة الطلابية فى هذا العام 2012.



تعرف اللائحة الطلابية التى تسير عليها الجامعات المصرية بأنها لائحة سنة 79، وأجريت عليها تعديلات آخرها فى العام 2007، وكتبت تلك اللائحة فى أعقاب زيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى إسرائيل، وتحمل بعض بنودها نصوصا تعمل على التضييق على الطلبة، ومن ذلك إلغاء اللجنة السياسية التى تقيم الندوات والأنشطة المختصة بتوعية الطلاب سياسيا، وتفرض الحصول على موافقة العميد قبل القيام بأى نشاط طلابى، وأن يكون لعميد الكلية سلطة ريادة اتحاد الطلبة، وكذلك تعيين أعضائه فى حالة عدم اكتمال النصاب القانونى وغياب مشاركة الطلاب فى الانتخابات وهو ما كان يتكرر أثناء السنوات السابقة. فى فبراير الماضى من العام 2012 أرسل وزير التعليم العالى تعميما إلى جميع الجامعات المصرية بلائحة جديدة، وتفادت هذه اللائحة مساوئ لائحة سنة 79 إذ عادت فيها اللجنة السياسية والثقافية، كما نزعت سلطة عميد الكلية فى تعيين اتحاد الطلاب فى حالة عدم الحصول على النصاب القانونى أثناء الانتخابات، وهو ما كان يحدث فى السنوات السابقة أثناء استغلال عدم اهتمام الطلاب بالانتخابات، وينتج عن ذلك اتحادات موالية للسلطة حسب تقارير حقوقية.

لائحة 2012 ظهرت بعد الحراك الذى شهدته الجامعة من مسيرات فى ذكرى الثورة الأولى وذكرى التنحى فى بداية هذا العام، وضمت بعض البنود التى اعترضت عليها شريحة من الطلاب، إذ إنها تقصر العمل الطلابى داخل الاتحادات فقط، وتجاهلت حقوق طلبة الانتساب والتعليم المفتوح فى الاتحاد. وأقيمت دعوى قضائية لإبطال العمل بها فى انتخابات هذا العام حتى يتم استكمال شكلها النهائى. وبعد تأجيل وزير التعليم اعتماد اللائحة والانتخابات، جاءت خطوة مفاجئة من فصيل طلابى (الإخوان المسلمين) قبيل الجدل الدائر حول اللجنة التأسيسية للدستور وهل ستكون هناك فرصة لمشاركة اتحادات الطلاب فيها أم لا. وهو ما دفع طلبة الإخوان إلى تبنى مسيرة للتعجيل بانتخابات اتحاد الطلبة فى هذا العام الدراسى، وتبنت لجنة التعليم بمجلس الشعب ونواب برلمانيون من جماعة الإخوان هذه الخطوة واتخذ الوزير قراره فى إجراء الانتخابات حسب لائحة 79 سيئة السمعة، وهو ما رفضته أغلبية الحركة الطلابية وأعلنوا مقاطعتها، وتم توقيع بروتوكول بين طلاب ينتمون إلى الإخوان المسلمين وإدارة الجامعة، يعطى مزايا تسهل الترشح لانتخابات اتحاد الطلبة، لكن هذه الميزة فقط فى جامعة القاهرة، وهو لم تقبله بقية أطراف الاعتصام، متمسكين بلائحة جديدة، وقرروا معارضة الانتخابات على أمل إبطالها فيما بعد، وهناك انتقادات أن الاتحاد القادم لن يعمل فعليا سوى أسبوع فى نهاية هذا العام الدراسى، وهو ما يجعل إجراء الانتخابات أمرا غير مجدٍ، فى حين ترى إدارة الجامعة أن هذا الموقف لم يختلف كثيرا عن توقيت انتخابات العام الماضى.
PDF

Sunday, April 8, 2012

اعتصام الألتراس.. يا عزيزى كلنا شهداء وكلهم أوغاد

جيرة باردة بين الأهلاوية والأمن المركزى.. ومواطن: الشباب هنا محترم ومنظم.. وأى مشكلة بتتحل فورًا

عبد الرحمن مصطفى
رغم الغناء والصخب فى اعتصام ألتراس أهلاوى، فإن ذلك لا يبدو مرضيا لمحمد طلعت المنهمك فى تقديم الطعام والعصائر لزبائنه، يعلق قائلا: «تقريبا فقدت زبائنى التقليديين من الموظفين، إذ ليسوا مضطرين إلى عبور بوابات الاعتصام والتعرض للتفتيش، أصبحت أعمل لأوقات إضافية وأركز على زبائن الاعتصام».
هذا المزيج بين البهجة التى تصدر من أغانى الاعتصام والقلق من الخطوة المقبلة هما سمة الحياة هنا فى شارع الفلكى جوار مجلس الشعب. الرقص على أغانى الألتراس يجاور وقار أهالى شهداء استاد بورسعيد وهم يتحدثون مع زوار الاعتصام، ولم تمنع هذه الأجواء بعض الشباب من أن يظهروا ضيقهم من قلة الكثافة العددية عن السابق، بسبب امتحانات الطلبة. وتتضارب الأقاويل منذ أيام حول إنهاء الاعتصام، بعد تحقيق جزء من مطالبهم الخاصة بنقل محاكمة المتهمين فى أحداث بورسعيد إلى القاهرة (وتظل هناك مطالب أخرى عامة، منها القصاص للشهداء وتطهير الداخلية من القيادات الفاسدة وعودة الجيش إلى ثكناته).
أمام عدد من اللافتات والخيام الصغيرة يعمل محمد طلعت ــ مدير مطعم ومحل عصائر (أبوحمدى) ــ مع ستة عمال آخرين متذكرين أحداثا سابقة مروا بها، يقول طلعت: «لم تتغير طريقة عملى ولا نوعية زبائنى حين وقعت أحداث محمد محمود أو مجلس الوزراء، الأمر الآن مختلف، أنا أعمل فى قلب اعتصام مغلق، لكن الحقيقة أن الشباب هنا محترم ومنظم، وإذا ما وقعت استفزازات من أحدهم، يظهر من يحلها فورا». حين تدب مشكلة داخل الاعتصام يظهر بسرعة أحد قادة ألتراس أهلاوى للتعامل سريعا.
يشير أحد الشباب المعتصمين بيده قائلا: «هناك قواعد للاعتصام ملصقة على الجدار!!»، ويضيف تفاصيل أخرى غير مكتوبة منها على سبيل المثال عدم استخدام الشماريخ داخل الاعتصام، وهو ما كاد يفسد إحدى حفلات الفنان رامى عصام بعد إشعال عدة شماريخ نارية أثناء الحفل. أما شروط الاعتصام الملصقة على الجدار، فتضم بنودا أخرى هى: «الحرص على النظافة العامة، عدم تداول الألفاظ الخارجة، وعدم إزعاج الجيران»، أما البند الذى أثار ضيق بعض الناشطات من رواد الاعتصام فكان: «عدم تواجد الفتيات بعد الساعة العاشرة مساء، وعدم تدخينهن نهائيا». هذه الصيغة استفزت بعضهن ليتهمن شباب الاعتصام بالعنصرية ضد المرأة مثلما كتبت الناشطة مها الأسود على مدونتها، وهو ما دفع ناشطات أخريات لدخول الاعتصام فى مجموعة قبل أيام والتحاور حول دور الفتاة فى اعتصامات سابقة.
وفى ناحية أخرى من الاعتصام، ناحية البوابات، نشأ تناقض جديد فى علاقات الجيرة بين شباب ألتراس هناك وعساكر الأمن المركزى، ففى الوقت الذى ينشد فيه الشباب ضد وزارة الداخلية ورجالها، نجد حالة من السلام تجمع الطرفين. أما خارج الاعتصام فأبدى أحد أفراد الأمن ضيقه من الصخب الزائد للألتراس، يحمل جهاز اللاسلكى بيد، ويشير بيده الأخرى إلى عبارة مكتوبة على الحائط أمامه: «خافى منا يا حكومة». ويذكر أنه حذر الشباب من الكتابة على الجدران خارج الاعتصام، ويقول: «رغم عدم وجود اشتباكات حقيقية من جانب الشباب هنا، إلا أن هذه العبارات تمثل استفزازا للمارة». يتوقف عن حديثه ثم يكمل مبتسما: «الحقيقة أن المجندين لا يفقهون أغلب المكتوب». حاول رجل الأمن ذو الزى المدنى أن يبدو محايدا، حين ذكر أن حريقا قد نشب فى مبنى مجاور، وأنه كان باستطاعته اتهام شباب الألتراس بالباطل بأنهم السبب وراء الحريق، لكن ضميره لن يسمح له بهذا التصرف، مستدلا بذلك على أن الأمن لا يعادى الألتراس.. وينهى حديثه وفى خلفيته كلمة A.C.A.B وهى اختصار لجملة بالإنجليزية تعنى «كل رجال الأمن أوغاد»، وهى إحدى شعارات الألتراس الشهيرة.
ورغم الحماس داخل الاعتصام إلا بعض الشباب لا يخفون حالة الإحباط من ضعف الاستجابة لقضيتهم.
على مقربة، أقيمت خيام لقوى أخرى مثل 6 أبريل، وثوار المعادى، حيث جلس المهندس حسن مبديا قلقه من أن يشتعل الموقف لأى سبب، وأن يتم توريط الألتراس من جديد، أما زميله الأصغر سنا جمال ــ عضو ألتراس أهلاوى ــ فأرجع قلة الكثافة العددية لانشغال الطلبة وضيق الزوار من صعوبة الوصول إلى المكان بسبب ما سماها «المتاهة»، ويقصد بها الحواجز الأسمنتية بين الشوارع فى هذه المنطقة، كذلك فقد دعا الجمعة الماضية مجموعة من المعتصمين إلى عدم التواصل مع الإعلام أو الكاميرات. وقرب منتصف الليل، يبدأ الاعتصام فى الهدوء، إذ يتجه الطلبة للمذاكرة، وآخرون يطوفون للتنظيف، وهو التوقيت نفسه الذى يكون فيه محمد طلعت ــ مدير أهم مطعم فى الاعتصام ــ قد أغلق أبوابه، منتظرا يوما جديدا، قد يستمر فيه الاعتصام أو لا يستمر.
PDF

Thursday, March 29, 2012

في لحظات الحزن القبطي .. إن فقدت البابا فكن مينا دانيال

مينا دانيال.. بروفة قبطية على الحزن قبل رحيل البابا

عبد الرحمن مصطفى
تحافظ مارى شقيقة الشهيد مينا دانيال على الابتسامة الهادئة وارتداء الملابس السوداء منذ أن لقى أخوها مصرعه خلال أحداث ماسبيرو فى أكتوبر الماضى، أما أختها الصغرى شيرى (25 سنة) فتصف حالة الحزن القبطى على وفاة البابا شنودة قائلة: «نحن نرتدى السواد منذ وفاة مينا.. الأسرة فى حالة حداد ممتدة». تقول عبارتها بابتسامة دون إبداء مرارة أو ضيق. ويحمل الطريق إلى المنزل فى عزبة النخل عبارات على الأسوار وواجهات المتاجر مثل «مسلم ومسيحى إيد واحدة»، وبمجرد العبور من بوابة المنزل فى طريق لا يرتاده من المواصلات سوى التوك توك يظهر مشهد لا يختلف كثيرا عن بعض المنازل القبطية الأخرى، حيث تبرز صورة القديس كيرلس السادس، وصورة أخرى للمسيح عليه السلام، وفى الواجهة صورة عملاقة للناشط السياسى الراحل مينا دانيال.. لم تكن ذكراه هنا فقط، بل تكرر الحديث عنه مؤخرا مع حالة الحزن على وفاة البابا شنودة الثالث، خاصة بين بعض الشباب على الإنترنت الذين عبروا عن ذلك بعبارات من نوعية: «يمكننى أن أوجه العزاء لإخوانى المسيحيين ولكن الأولى أن أرثى أخى مينا دانيال». وتصريح آخر كالذى ذكره النائب زياد العليمى، عضو مجلس الشعب: «يصعب علينا أن نُعزى فى البابا شنودة وحق دم شهداء ماسبيرو لم يعد»..أما داخل المنزل الذى يضم عائلة صعيدية تمتد أصولها إلى محافظة أسيوط، فقد كانت المفارقات تظهر واحدة بعد الأخرى، إذ نشأ مينا دانيال (جيفارا المصرى حسبما يصفه البعض) فى بيت مسيحى ملتزم، تضحك شيرى أثناء تعليقها: «هناك بعض الملامح السلفية فى منزلنا، لم يكن من السهل مشاهدة قنوات الأغانى على سبيل المثال، وعلى فكرة لم تكن تلك البيئة متعارضة أبدا مع توجه مينا فى الانفتاح على الآخرين، أيا كانوا». المفارقة الأخرى عاشتها شيرى مؤخرا أثناء نضالها من أجل الدخول إلى الكاتدرائية لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على البابا شنودة الثالث، حين انزعج البعض من ثباتها النفسى أمام هذا المشهد: «تعجبت من الناس الذين كانوا يصبروننا بعد وفاة مينا، ويدعوننا إلى الثبات، قائلين إن مينا فى مكان أفضل، كنت أسأل نفسى لماذا لم أجد ثباتهم هذا الآن؟، إذ صدمت بمشاهد الانهيار النفسى فى الكنيسة».
قصة مينا دانيال وكيف تحول إلى أيقونة لدى بعض الشباب، تشبه قصص فتيان آخرين آمنوا بأن حل قضايا الأقباط هو جزء من حل قضية مصر بأكملها. فى صالة المنزل حيث تجلس مارى (41 سنة) محاطة بصور أخيها الذى تربى على يديها، تجد نفسها هى الأخرى أحد هؤلاء الذين كانوا يتأرجحون بين عالمين: عالم ترى فيه أخيها الأصغر الذى توفى العام الماضى فى سن العشرين، حيث يسعى الناس فى مسيرات وفاعليات من أجل التغيير، وعالم آخر يُفوض الكنيسة وكيلا للشعب أمام السلطة. مارى وأختها شيرى أصبحتا الآن أقرب لطريق أخيهما الراحل، حسبما تؤكدان، ففى السابق كانت الأسرة لا تبدى اهتماما بقدر ما تبدى قلقا من توجهات مينا، ولم تشارك مارى فى البداية سوى بدافع مشاركة أخيها فى عالمه، أما مشاركات العائلة فكانت ذات منظور قبطى، لكن ذلك تغير بعد الثورة، إذ توضح مارى شارحة: «أنا على سبيل المثال من جيل التسعينيات الذى شهد فى أسيوط إرهاب الجماعات الاسلامية وجها لوجه، لقد أخذتنا الثورة وشباب مثل مينا إلى مساحات أخرى، ولم نعد نقلق وسطهم من الآخر وعقائده». حتى اليوم ما زالت تأتيها عبارات من نوعية: «مش كفاية بقى مظاهرات وتحرير.. مش كفاية اللى حصل لمينا؟». لكنها وأختها شيرى اختارتا الطريق، أن تكون لهما قدم فى الكنيسة حيث الروح، وقدم فى الشارع حيث الحقوق.
بعد وفاته كانت تأتى الاخت الصغرى أسئلة حول هوية مينا دانيال الدينية، «هو كان شيوعى؟!» بهدف الاطمئنان على نقاء إيمانه، وتبتسم متذكرة كيف كان يتحدث عن تشى جيفارا حين سألته أيضا هى الأخرى: «هو جيفارا ده مش كافر وملحد، بتقرا عنه ليه؟!». لكن العائلة كانت تدرك حقيقة نجلها الذى كان شماسا فى سن المراهقة، ولم يترك الكنيسة المجاورة إلا حين طلب منه القسيس حلق شعره وذقنه، فاتجه إلى كنائس أخرى، وأثناء احتجاجات كنيسة القديسين قبل الثورة مباشرة، هتف مينا داخل الكاتدرائية وصفعه وقتها أحد القيادات الكنسية، دون أن يخرجه ذلك من عباءة المسيح. هذا المنزل الذى شهد زيارات من مرشحين رئاسيين وقنوات إعلامية، أقنع مارى بأن تكمل مسيرة أخيها، وتعمل مع أختها الصغرى شيرى كتفا بكتف فى حركة مينا دانيال ضمن مسيرات وفاعليات وأعمال توعية. وتكمل مارى قائلة: «وجدت الحل فى نموذج مينا دانيال، وشباب مثله لا يعرفون الطائفية، وأشعر فعلا بأنهم أبنائى». فى عيد الأم الماضى تلقت مارى ووالدتها مكالمات عديدة من أشخاص أرادوا فقط دعمها معنويا، وبين المشاركة فى أنشطة الحركة وحتى فى وجودها على الفيسبوك، أصبحت لديها رسالة لتوجهها: «أحيانا ما تحدثنى فتاة عبر الانترنت وتعرف نفسها بأنها فلانة من كنيسة كذا، أبلغها فورا ألا تعرفنى بديانتها، وأطلب منها أن تعرفنى فقط بنفسها». بدأ مينا دانيال هذا الطريق فى سن السابعة عشرة بالمشاركة فى الكثير من الحركات الداعمة للقضية القبطية وأخرى ذات توجه يسارى، توقف مارى بصرها لدقائق على صورة مينا المعلقة على الحائط أمامها، وتكمل: «هناك حالة متواصلة من الإعاقات بين خشية البعض أن نلقى نفس مصير مينا فى النهاية، وبين من يسددون لنا سهام النقد متخذين الدين وسيلة لتثبيط الهمم على طريقة: الزم الكنيسة وودع ما سواها».ورغم النبرة الثورية التى تتحدث بها مارى دانيال، فلا يبتعد الايمان عن قلب الأسرة المتدينة، إذ تقول أختها شيرى: «حتى الآن لم نحصل على حق أخينا، لكنى لن أنسى كلمات أبينا حين تلا علينا من الإنجيل ما يدعو إلى تنقية القلب من الضغائن». ذلك المنزل الذى تقيم فيه الأختان الآن هو جزء من بيت العائلة، لكنه أصبح أشبه بمتحف لمينا دانيال، أما ما ترياه الأختان من إرث حقيقى فهو ما أدركتا من أن نيل الحق بالصدق فى النضال، وأن هناك عالما أكبر من عالم الطائفة وعالم النخبة.


مايكل وطارق.. نسختان من روح واحدة

قبل أكثر من عام لم يتخيل طارق معوض ومايكل يوسف أن يكونا صديقين وشريكين فى حركة ثورية واحدة، وأن تجمعهما حركة مينا دانيال التى تأسست فى أعقاب مصرع صديقهما المشترك فى أحداث ماسبيرو. حتى الآن يتذكر متظاهرو محمد محمود، الشاب ذو الخلفية السلفية حامل راية مينا دانيال فى الصفوف المتقدمة، طارق الشهير بـ(الطيب)، الذى وقف وسط الدخان والخرطوش المتطاير، أما مايكل فقد تلقى رصاصة فى ساقه فى اليوم نفسه الذى قتل فيه مينا على بعد أمتار قليلة منه. يقول مايكل يوسف طالب الهندسة: «فى بداية أحداث الثورة كان بعض أفراد عائلتى فى الأقصر يعتقدون أننى أشارك فى شغب يقوده الاسلاميون، حسب دعاية التليفزيون المصرى آنذاك، كانت علينا ضغوط حقيقية، لكنها خفت اليوم، حتى لو قلل البعض من شأننا». نفس الجدية والثقة التى يتحدث بها مايكل الذى طاف بين الحركات السياسية طوال العام الماضى، هى نفسها الثقة التى يتحدث بها طارق الطيب، لكنه يكسر هذا المزاج الجاد مازحا: «مايكل أيضا سلفى، لكنه مسيحى». تضم حركة مينا دانيال عشرات الشباب من المسلمين والمسيحيين، أغلبهم كانوا على صداقة شخصية بمينا، بينما تضم الصفحة على شبكة فيسبوك الاجتماعية أكثر من 4 آلاف عضو، إلى جانب المسيرات والمظاهرات التى تشارك فيها الحركة، فهناك ملتقى مينا دانيال الثقافى الذى يهدف إلى التوعية، كما تضم الحركة أفرادا خارج العاصمة. أما مايكل وطارق فقد جمعهما خيط واحد، فكلاهما ذو خلفية متدينة، وإن كانا يحرصان على ألا يكون الإيمان هو الواجهة التى يقابلان بها العالم. يروى مايكل يوسف الذى انضم إلى حركة 6 إبريل أثناء العام الماضى بعض مشاهد رآها بعد وفاة البابا شنودة ورآها ضد قناعاته، إذ يقول: «هناك بين النخبة السياسية من يفتعل مشكلة بين الدين والتغيير، كأن تجد أحدهم يهاجم مواقف البابا بعد وفاته مباشرة، مثل تلك الأشياء هى التى تنفر ذوى التوجه المحافظ من السياسة وقضايا التغيير».
طارق الطيب الذى اختار صداقة مينا دانيال منذ الأيام الأولى للثورة بعد إعجابه بشجاعة الراحل، كان أقرب أصدقائه رغم دهشة بعض من حوله، ويوضح: «حتى الآن أجد من يمارس ضغوطا بأسئلة ساذجة، مثل: كيف كنت تصاحب من اختار الكفر؟ وهنا أتذكر الكثير من الأحاديث النبوية التى أراها تترفع عن ضيق الأفق بهذا الشكل». يتحدث طارق الطيب بنصوص إسلامية ونبرة قرآنية تبرز فيها اللغة العربية السليمة. وحين يطل كل من مايكل وطارق على الحياة، يكتشفان أنه ما زال هناك من يعيش فى عالم ضيق ولا يواجه مخاوفه من اختلاف الآخر. يتذكر طارق جيدا تفاصيل زيارته إلى عائلة مايكل فى الأقصر، وكيف كسر الصورة التقليدية للسلفيين، ويكمل شارحا: «دخلت الكنيسة وتحدثت فى كل شىء، وتقاربت المسافات حتى إن والد مايكل قد اتصل ليطمئن علىّ بعدها». يفخر مايكل بأن والده أدرك مبكرا أن ابنه على الطريق السليم مع الثورة، لكن ذلك لم يمنع ضيق الوالد وقلقه من استمرار الاحداث، وتحول موقف بعض أفراد عائلته بعد أحداث ماسبيرو حين وجدوا قضيتهم يناضل من أجلها شباب الثورة. لا يصف أبناء حركة مينا دانيال أنفسهم سوى بأنهم حركة ثورية، ولا يطمحون مستقبلا فى أى منصب، قضيتهم هى مواجهة الفقر والتهميش، مثلما كان صديقهم الراحل مينا دانيال، يكرر دائما : الفقراء أولا.
PDF

Thursday, March 15, 2012

الصفحات الثورية.. معركة مستمرة


ضغطة زر على الكمبيوتر قد تكون بداية حركة تغزو الشوارع
كتب - عبدالرحمن مصطفى


ثورة معهاش بطاقة: أفكار تحت 18سنة



«مفيش ضغوط جامدة حصلت علينا بسبب صفحتنا على الفيسبوك، إحنا أقصى حاجة بتتقال علينا هو اتهامنا بأننا موجهين أو بيتم استغلالنا»، هذا التحليل الأخير يخص آية محسن ــ العضو المؤسس فى صفحة «ثورة معهاش بطاقة» على شبكة فيسبوك الاجتماعية ــ ويأتى تعليقها على خلفية ردود أفعال البعض على الصفحة التى تضم شبابا من مؤيدى الثورة أقل من 18 سنة. هذه الصفحة كانت سببا فى تسليط الضوء على أعضائها، خاصة بعد الحلقة التى أظهرتهم مع الإعلامى يسرى فودة، وفى أسابيع قليلة بدأت بعض التفاصيل المربكة فى الظهور.. بداية من الأنباء التى ترددت عن تقديم بلاغ ضد الإعلامى يسرى فودة بسبب هذه الحلقة واتهامه باستغلال الأطفال فى أغراض سياسية، إلى جانب ما تلقته أية محسن (14 سنة) واثنان من زملائها من رسائل مزعجة وصلت حد التهديد المباشر، ما جعلهم يتركون إدارة الصفحة فترة قصيرة خوفا من اختراقها. تتحدث آية الآن دون قلق قائلة: «كل ما نهتم به حاليا هو استغلال الفرصة بعد أن عرفنا الناس ومستخدمو الانترنت، كى نقدم عملا مفيدا لأبناء جيلنا». تقوم فكرة صفحة «ثورة معهاش بطاقة» على أن يقدم كل من هم تحت 18 سنة مواهبهم عبر الانترنت، وذلك فى خدمة الثورة. وبدأ الأمر خلال إجازة منتصف العام الماضية على موقع تويتر، إذ استخدمت آية محسن وأصدقاؤها رمز TwitterUnderAge مستهدفين مستخدمى موقع التدوين القصير، ومن هنا تطورت الفكرة إلى تأسيس صفحة على الفيسبوك، بعد أن اكتشفوا أن بينهم أصحاب مواهب متعددة.
محمد نور طالب الصف الأول الثانوى، رغم أنه مقيم فى مدينة الإسكندرية إلا أنه شارك من البداية، ويعلق قائلا: «أنا أتعامل مع برنامج الفوتوشوب منذ أكثر من عام، وأقوم بعمل تصميمات من أجل الثورة منذ ستة أشهر، لذا أعجبتنى فكرة أن نجتمع سويا فى صفحة واحدة على الهدف نفسه». ظلت تلك المجموعة لأسابيع تتعامل الكترونيا ولم يروا بعضهم بعضا. وأهم نقاط الاختلاف فى هذه الصفحة أنها ليست صفحة ثورية تقليدية تسعى إلى حشد شريحة من الجماهير، بعض أعضائها من الشباب الصغير يرفعون صورهم أثناء تواجدهم فى مظاهرات، لكنهم لم ينظموا بعد مسيرات أو وقفات احتجاجية. البعض جرب هذا من قبل مثل آية، طالبة الصف الثالث الإعدادى التى تروى باعتزاز كيف شاركت مع أصدقائها فى مسيرة ورسموا جرافيتى على الجدران. أما محمد نور ــ الطالب السكندرى ــ فقد نشر تصميماته على مدونته الشخصية وعلى صفحته الخاصة على الفيسبوك، والتى تحمل شعارات ثورية من نوعية : «إنت طالب.. اتكلم، قول رأيك متخافش»، وتصميم آخر يقول: «بكرة نموت والثورة تعيش». وعلى المنوال نفسه تقوم فكرة الصفحة، بحيث تكون تجميعا لشتات شباب صغير، كما يوضح محمد نور: «البعض ينتقدنا ويقول لنا: أنتم أشخاص عاديون، والتميز فقط هو فى سنكم الصغير، لكن حين تكبرون ستنتهى قصتكم». مثل هذه العبارات لا تؤثر كثيرا فى عزيمتهم، إذ يفكر محمد نور من الآن فى خطته بعد سنتين حين يتم 18 سنة ويصبح مجبرا على ترك إدارة الصفحة لكوادر أصغر منه، أما الآن فيدير مع زميلين مجموعة المصممين، ويدير معهما مسابقة لاختيار فريق المصممين للصفحة، هذا وهناك فرق آخر مثل الكتابة والتدوين وإعداد الفيديوهات وفريق للرسامين.
قد تبدو الصفحة للوهلة الأولى قريبة من مواقع التنمية البشرية، إلا أن ذلك الانطباع يزول تماما بعد الاطلاع على المحتوى الثورى والعبارات الناضجة التى يكتبها المساهمون. لكن يظل كل ما تخشاه آية محسن ومحمد نور وزملاؤهما أن تفتر الهمة، ولا يطمئنهم سوى أن الأدوات نفسها التى جمعتهم على تويتر وفيسبوك هى نفسها التى قد تضمن لهم الاستمرار.



مؤسس ثورة الغضب المصرية الثانية: سيخطئون.. وننتصر


يحتفظ هشام الشال ــ مدير صفحة ثورة الغضب المصرية الثانية على الفيسبوك ــ بابتسامة دائمة وروح مرحة لا تفارقانه طوال الوقت، رغم ما تبديه ملامحه من جدية. هذه الصفحة التى تضم آلاف الأعضاء، بينهم مجموعة صغيرة هى التى تواظب فعليا على المشاركة فى المسيرات والأعمال الاحتجاجية، ويصفهم الشال قائلا: «نحن مجموعة من المجانين، المؤمنون بالثورة حتى النهاية». ورغم الهدوء النسبى الذى ساد الأسابيع الماضية إلا أنه يبدو مشغولا ومتواصلا مع أبناء ثورة الغضب الآخرين، رافضا إرجاع هدوء الأحداث إلى الإحباط أو اليأس. كما يواظب مع زميلين يديران معه الصفحة على رشق العبارات الجريئة من نوعية: «من هنا ورايح، التصعيد ليس له سقف.. كل شىء متاح ومباح». يكرر هشام الشال تلك العبارة التى كتبها بفخر قائلا: «هذه العبارات تقلقهم جدا..». فى فترات سابقة كان هذا القلق يترجم إلى إنذارات وتشنيع مثلما حدث فى أكتوبر الماضى حين خرج أدمن الصفحة الرسمية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة عن تقاليده وتوعد هشام الشال بصفته واسمه، وذلك بسبب الإعداد والنزول فى مسيرات إلى وزارة الدفاع، ويروى هشام الشال ذلك الموقف دون اكتراث حقيقى.
فى العام الماضى وأثناء أحداث الثورة المصرية انتقلت حياة كثيرين من السكون إلى الصخب، وهذا ما حدث مع هشام الشال الذى لم يكن له أى نشاط سياسى سابق، وفى الميدان تكونت صداقات مع أفراد من معتصمى التحرير، وما زالت هذه المجموعة فى اجتماعات مستمرة حتى يومنا هذا، خاصة على مقاهى وسط البلد، وحسب تعبيره «نحن صناعة الثورة».
من صفحة على شبكة الفيسبوك كانت البداية حتى تحولت «ثورة الغضب الثانية» إلى حركة ثورية، وهو القرار الذى اتخذه هؤلاء النشطاء فى أعقاب أحداث محمد محمود الأولى فى نوفمبر الماضى، هذه التفاصيل يحفظها هشام الشال جيدا كأنها حدثت بالأمس، ويشرح قائلا: «فى السابع من مايو 2011 وتحديدا فى الساعة الثالثة عصرا دشنت صفحة ثورة الغضب المصرية الثانية، واستعرت الاسم من صفحة تونسية شبيهة كانت تحاول آنذاك إحياء الثورة التونسية من جديد».
فى تلك المرحلة عقب فض اعتصام 9 مارس 2011 وأحداث 8 إبريل 2011 اللتين أسفرتا عن إصابات وقتلى، أدرك البعض أن هناك مواجهة قادمة مع السلطة، لذا اختار «الشال» أن يبدأ مغامرته مع أصدقاء التحرير فى صفحة تدعو إلى مليونية واعتصام فى 27 مايو. وزاد الجدل بعد رفض الإخوان المسلمين لها وتسميتها «جمعة الوقيعة بين الجيش والشعب»، ونجحت المليونية رغم عدم نجاح الاعتصام، ويقول الشال عن البداية: «كنا فى تلك الفترة المبكرة نهتف ضد حكم العسكر، وأتذكر أن بقية الناس من حولنا كان يستهجنون ذلك، على عكس ما يحدث اليوم». قد يبدو مظهر هشام الشال أدمن صفحة «الغضب الثانية» للوهلة الأولى أكبر من سنه، خاصة مع اللحية التى يخطها الشيب إلا أنه لم يتجاوز الرابعة والثلاثين. تلك الصورة تتلاشى وقت الفاعليات حين يتواجد الجميع كتفا بكتف، ويصبح عضو الحركة الأربعينى زميلا مساويا للعشرينى، تلك الأجواء الموحية بعالم اليسار الثورى، لا تنتمى إلى اليمين أو اليسار، بقدر ما تنتمى إلى الحالة الثورية فقط على حد وصف هشام الشال الذى يضيف قائلا: «لا أستطيع أن أميز فى الحركة شابا يساريا أو آخر ليبراليا، ربما يظهر لدى البعض خلفية إسلامية، لكن الجميع يفكرون بالطريقة نفسها، وليس هناك خلافات أو اختلافات كبيرة».انتقال الصفحة من الفيسبوك لتصبح «حركة ثورية» لم يأت فجأة، إنما كان الانترنت وسيلة حشد طوال العام الماضى لفاعليات مختلفة، وكانت العلاقات المباشرة وجها لوجه هى الأساس فى العمل على الأرض، لذا اختارت المجموعة أن تتحول إلى حركة ثورية، خاصة بعد ازدياد عدد مريديها فى المحافظات ودخولها فى عمليات تنسيقية مع قوى وجبهات أخرى. قبل سنوات كان هشام الشال هو ذلك الشاب السلفى الدارس للعلوم الشرعية، وظل هكذا لمدة عشر سنوات، لكن الثورة طرحت أسئلة جديدة فى رأسه، ويصف ذلك معلقا بجدية: «بعد الثورة سألت نفسى: هل أنا إسلامى؟ وما معنى هذا الوصف؟ خاصة بعد أن وجدت فى أخلاقيات الميدان وروح الجماعة ما يقارب المبادئ المثالية التى عكفت عليها لسنوات». فى الفترة السابقة على الثورة لم يتعرض للتعسف الأمنى سوى مرة مع جهاز أمن الدولة المنحل، إذ تعرض لإجراء روتينى له صلة بإطالة اللحية وإزالتها. أما فى الأشهر الماضية فقد تعرض لفقدان عمله كمحاسب بسبب قراره الاعتصام أثناء أحداث محمد محمود، ورغم اعتقال أحد أعضاء الحركة قبل أسابيع ثم الإفراج عنه فى وقت لاحق، إلا أن ذلك لا يثير قلقه، ويعلق قائلا: «ذلك أقصى ما يمكن أن يحدث، لكن ما لا يدركه البعض أن فى أغلب الأحداث السابقة كان أبناء الحركة فى الصفوف الأولى دائما، فنحن مؤمنون بما نفعل، حتى إننا لا نخشى أن يندس بيننا أحد، لأنه سينكشف فى لحظة الحقيقة أثناء العمل». ماذا بعد؟؟ يجيب فورا بثقة: «الجميع يظن أن الثورة انتهت لكن الثوريين الحقيقيين يمهلون السلطة بعض الوقت، حتى يرى الناس حقيقة من يحكمهم، وفى اللحظة المناسبة سنعود، حين يتحرك معنا الناس».
هشام الشال ورفاقه لا يشغلهم حجمهم أو عددهم، إذ يخرجون فى مسيرات وهم بالعشرات لينضم إليهم آخرون، إنما يشغلهم التكتيك الذى سيتحركون به، فهم «ليسوا جماعة سياسية، بل حركة ثورية»، على حد وصفه. وهو ينتظر قليلا قبل أن يختم: «ربما فى المستقبل، يصبح لأمثالنا من الحركات الثورية حزبا يكون ذراعا سياسية لنا فى السلطة، لكن الأهم أن تبقى روح الثورة فى أقاليم مصر، لأن ذلك هو طريق التغيير».


العباسية مش تكية: هدفنا سمعة الحى وخدمة الثورة


فى العام 2010 التقت مجموعة من أبناء صفحة «العباسية كلها على الفيسبوك» لأول مرة فى أحد مقاهى الحى الشهيرة، ولم يدرك آنذاك كريم محمد (25 سنة) أحد مديرى الصفحة أن الثورة وتوابعها التى ستقع على مدار العام 2011 ستغير شكل علاقاته مع حى العباسية ومع الانترنت أيضا، وبدأ الأمر كما يشرحه قائلا: «القصة بدأت قبل عدة أشهر، حين ارتبطت سمعة حى العباسية بمؤيدى مبارك بسبب وقفاتهم عندنا، ولم يكن من السهل علينا أن نسمع عبارات من نوعية: آه إنت من العباسية؟ أيوه بتوع المجلس العسكرى». ما يرويه كريم دفعه مع زملائه قبل عدة أشهر إلى اتخاذ مواقف متتالية، كان آخرها تأسيس حركة تحت عنوان «العباسية مش تكية»، لكن قبلها كانت هناك خطوات متتالية. يقول كريم محمد: «كانت لتحركنا دوافع مرتبطة بالحى، إذ إن لدينا شهداء من أبناء العباسية، وهناك من تطوعوا فى المستشفى الميدانى أثناء الأحداث المتتالية.. هذه هى حقيقتنا»، ومن هنا كانت البداية حين لم يجد هؤلاء الشباب وسيلة فى أيديهم قبل أربعة أشهر سوى الصفحة التى يديرونها تحت اسم «العباسية كلها على الفيسبوك»، فأعلنوا عن مسيرة باسم العباسية مش تكية، وتضامنت معهم جبهات وقوى سياسية وأفراد.
يضيف كريم: «كانت النقطة الفاصلة فى ذلك الوقت حين وجدنا أحمد سبايدر فى ديسمبر الماضى يطوف الحى بمكبرات صوت لحشد الأهالى فى فاعلية معادية للثورة، كل هذا استفزنا، خاصة أن هناك من أهالى الحى من تصدوا له آنذاك». الأمر اليوم يختلف عن تلك الذكريات إذ أصبح لهؤلاء الشباب بعد هذه المبادرة دور فى التواصل مع العديد من الحركات الثورية والسياسية، خاصة أن مسيرتهم الأولى فى ديسمبر الماضى أحدثت نقلة فى أداء الصفحة ورفعت عدد الأعضاء إلى قرابة 18 ألف عضو. ولم تكن مسيرة «العباسية مش تكية» سوى بداية لتحويلها إلى حركة بعد ازدياد عدد المتفاعلين مع الفكرة من أبناء الحى. فى أثناء حديثه يبدى كريم محمد، الذى يعمل فى مجال إدارة الأعمال، حرجا دائما من أن ينفرد بالحديث عن الصفحة وقصة انخراط نشطائها فى العمل الحركى، وكان حريصا على أن يذكر أسماء زملائه «سمر ورامى ومحمود» وغيرهم... كذلك فعل أحمد أيوب (28 سنة) زميله فى الحركة الناشئة «العباسية مش تكية»، ولم تكن مفاجأة أن تكون زوجة أحمد هى سمر إحدى مؤسسات صفحة «العباسية كلها على الفيسبوك»، التى كانت الداعية الأولى لمسيرة «العباسية مش تكية». ويقول أحمد أيوب: «نحن مثل شباب كثيرين كنا نشارك فى الأحداث المختلفة منذ جمعة الغضب مرورا بكافة الفاعليات الاحتجاجية، لكن مع الوقت أصبحنا نتصل بمجموعات ثورية وسياسية، خاصة أثناء تنسيق مسيرات قريبة من العباسية، وهنا كان علينا أن يكون لنا كيان واضح المعالم، وليس مجرد صفحة على الانترنت، وذلك حتى تتضح أيضا معالمنا داخل العباسية وسط أهلنا». أحمد أيوب كان بطل فيديو انتشر على الانترنت من فبراير الماضى، يواجه فيه الشرطة العسكرية ويخاطبهم بنبرة ثورية توضح سبب وجود المتظاهرين فى هذا المكان بين ميدان العباسية ووزارة الدفاع، وذلك بعد أحداث استاد بورسعيد، وهو يعلق قائلا: «فى نهاية الكليب ستسمع صوت أحدهم وهو يتحدث معى، المفارقة العجيبة أن هذا الشخص كان أحد أنصار توفيق عكاشة فى العباسية، ومعارضا شديدا لنا، وبعد عدة مسيرات ثورية ناحية العباسية بدأ موقفه يتغير حين اقترب منا». لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل كان حضور بعض أعضاء الحركات السياسية إلى العباسية فى ضيافة «حركة العباسية مش تكية» سببا فى حوارات مع بعض أهالى الحى المتشددين فى عدائهم للمتظاهرين، وأسفر ذلك عن تغيير وجهة بعضهم بعد نقاشات مفتوحة.
صفحة «العباسية كلها على الفيسبوك» تضم اليوم آلاف الأعضاء بينهم مجموعة صغيرة تلتقى بشكل منتظم، وهناك يطرحون أفكار مبادرات أو تنسيقا مع حركات أخرى أو حتى أفكار عمل خدمى، وهو ما قام به بعض أعضاء الصفحة عقب الثورة، يشرح كريم محمد: «أحد الشباب بادر فى مرة بشراء فواكه وخضراوات من سوق العبور لبيعها بسعر رخيص لخدمة الحى، لكن المشروع توقف لعدم التفرغ». مثل هذا التواجد فى العباسية، جعل البعض من أبناء الحى يتذكر كريم ورفاقه، بسبب ملاحظتهم فى المسيرات التى يديرونها أحيانا بأنفسهم، لكن لهذا الأمر ضريبة أخرى فما زالت هناك فى الحى جماعة تستهدف أى عمل ثورى فى العباسية، وتتبع شخصيات معادية للثورة، كما يقول كريم: «نحن من الحى، وأهل مكة أدرى بشعابها، وقد أصبح الآن اللعب على المكشوف، وفى النهاية نحن أبناء العباسية، ونحن أحرص على مصلحة سكانه»، لم يختلف أحمد أيوب كثيرا عن ذلك الرأى، إذ ينقل عن زملائه فى العباسية رأيهم فى صفحتهم على الفيسبوك، قائلا: «طوال الفترة الماضية، اكتشفنا من الاختلاط بالآخرين على مدار أحداث الثورة بأن لدينا مواهب وأفكارا وإبداعا، وتعلمنا التواضع حين وجدنا من هم أفضل منا فى الميادين، لذا.. اخترنا الثورة ودعمها من خلال العباسية».



الاتحاد قوة.. أحيانًا


يبدأ أحمد الجناينى حديثه بحماس عن تجربة «اتحاد الصفحات الثورية»، وما إن ينخرط فى التفاصيل حتى يصاب بالمرارة، ويصف ذلك بقوله: «قامت فكرة الاتحاد مبكرا أثناء فترة التحضير لفاعليات 25 يناير الأخيرة، وذلك على أمل إحياء الثورة، لكنى أرى الاتحاد اليوم قد انتهى إلى صفحة على الانترنت وأحاديث طويلة بين المنسقين». داخل موقع الاتحاد خدمة إخبارية وبيانات أصدرها فى الفترة الماضية، عدا ذلك يبدو الأمر هادئا بعد آخر المسيرات الكبرى فى 11 فبراير (ذكرى التنحى). وعلى شبكة فيسبوك الاجتماعية هناك عدد من التجارب الشبيهة، لكن تظل مساحة التنسيق على أرض الواقع هى الأكثر تأثيرا. هيثم الشواف ــ منسق تحالف القوى الثورية ــ يرى الأمر بصورة أكثر إيجابية، ويشرح: «حين قمنا بتأسيس التحالف كانت هناك العديد من القوى المشاركة، ولا أخفى سرا حين أقول إن هناك بعض الكيانات المريبة التى مرت علينا، لكن القاعدة على أرض الواقع شبيهة بالتعامل على الفيسبوك، فحين نواجه على الصفحة بأعضاء مريبين يستهدفون الاساءة وإفساد عملنا، يتم استبعادهم وكذلك الأمر بالنسبة للتحالف على أرض الواقع».
قبل أى فاعلية ينسق الشواف مع القوى المنضمة للتحالف، وخاصة مع المجموعات خارج العاصمة، ويرى أن استجابة تلك المجموعات تعطى زخما قويا لأى حدث. أما أحمد الجناينى الذى تعرّض للإصابة عدة مرات على مدار أحداث العام الماضى، فيرى أن العمل الحركى مرهون بأرض الواقع، وبعد عام من الثورة انضم مؤخرا إلى حركة 6 إبريل، بعد اعجابه بأدائهم وإخلاصهم ــ على حد قوله. أما حين يعود الحديث إلى هيثم الشواف منسق تحالف القوى الثورية، يقول: «بعد تجربة عام على الثورة، تولّدت لدينا قناعة بضرورة تغيير تكتيكات العمل الثورى على الأرض، وهو ما سنفعله قريبا».


Friday, March 2, 2012

شباب الاعلام والثورة خارج العاصمة

في المنيا: مواجهة بين جيل التسعينات و جيل 25 يناير
-
الشباب: نشعر بعدم جدوى المظاهرات في الحضر، و العمل الخيري و الدين يسيطران على الريف.
كتب - عبدالرحمن مصطفى
حين كان عصام خيري عضو الجماعة الإسلامية في المنيا حبيسا في المعتقل عام 94، كان أحمد خيري الناشط في حركة 6 إبريل (الجبهة الديمقراطية) لم يتجاوز الرابعة من عمره، لكنهما اليوم ناشطان سياسيان في محافظة المنيا كتفا بكتف، ويحمل كل منهما تجربة مختلفة عن الآخر، ومواقف قد لا تلتقي قريبا. "المظاهرات أمر مشروع ما دامت لا تخالف الشرع والمصلحة العامة، و قد قامت الجماعة الإسلامية بإعتصامات ومظاهرات من قبل، أما اعتراض أفرادها اليوم فهو على ما يحدث من مسيرات ينظمها الليبراليون و اليساريون دون إجماع بقية المجتمع". يقف عصام خيري الصحفي الأربعيني أثناء حديثه على بعد أمتار من ميدان بالاس – معقل الأعمال الاحتجاجية- حيث يقع أيضا مقر حزب البناء والتنمية الواجهة السياسية للجماعة الإسلامية بعد الثورة . في هذه المساحة الجغرافية يقع مسجد صغير، كان أهم معاقل الجماعة الإسلامية في التسعينات، حين كانت تستخدم العنف المسلح ضد الحاكم. و على مدار الأشهر الماضية أبدى أبناء الجماعة معارضة لفكرة العمل الحركي في مسيرات ومظاهرات، بل كونوا لجانا شعبية لحماية المنشآت العامة تزامنت مع بعض المسيرات والمظاهرات التي نظمتها قوى ثورية في المنيا، منها حركة 6 إبريل في المنيا. أما الحجة التي استند إليها عصام خيري فهي أن "الجماعة أرادت التصدي لأي محاولة من المندسين للتخريب أو السرقة، كما أن أبناء الجماعة كان لهم باع طويل في التصدي للخارجين عن القانون وفي اللجان الشعبية وقت الثورة".
لم يأت هذا الموقف في المنيا على مدار الأشهر الماضية خارج سياق موقف الجماعة الرسمي، إذ ذكر عاصم عبد الماجد المتحدث (المستقيل) باسم حزب البناء والتنمية معلقا على فعاليات 25 يناير الماضي أن 6 إبريل ينوون الحصول على ديناميت لعمل تفجيرات وإسقاط الدولة. وبعدها بأيام علق طارق الخولي المتحدث الإعلامي باسم حركة 6 إبريل (الجبهة الديمقراطية) بأن هذه الادعاءات كانت أسلوبا يتبعه أفراد الجماعة الإسلامية في التسعينات من تفجيرات وقتل، ورغم هذه التصريحات النارية المتبادلة إلا أن الأجواء في المنيا لم تسفر عن اشتباكات أو مواجهات بين الطرفين.

الإسلاميون مسيطرون
المسافة بين ميدان بالاس في المنيا حيث مقر حزب البناء والتنمية، ومدينة مغاغة تقدر بحوالي 70 كم شمال المنيا، هناك لم تختلف المشاهد كثيرا عن العاصمة المنيا، عدا مساحات واسعة ما زالت محتفظة بأصولها القروية في تخطيط الشوارع وطبيعة المنازل في مغاغة، وفي مقهى ذو طابع حديث، جلس أحمد خيري الناشط في حركة 6 إبريل (الجبهة الديمقراطية)، يبدأ حديثه قائلا: "الإسلاميون ليسوا المشكلة الكبرى التي تعيق الأنشطة الحركية من مسيرات ومظاهرات، فالحقيقة انه لم تحدث بيننا اشتباكات، المشكلة في عناصر أخرى" . أحمد خيري الذي لم يجاوز الخامسة والعشرين سنة بدأ العمل السياسي في فترة مبكرة حين شارك مع حزب الغد (القديم) متطوعا في حملة السياسي أيمن نور، أما اليوم فهو ناشط في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الذي تأسس بعد الثورة.. يوقف حديثه ويدير حديثا سريعا مع أحد زملائه عن شؤون الحزب، ينته الحوار ليشير بعدها ناحية الشارع الرئيسي، قائلا: "أقمنا حملة كاذبون هناك في ذلك الشارع، وبمجرد أن بدأنا في عرض فيديوهات تدين المجلس العسكري توافد علينا البلطجية من كل حدب وصوب، وانتهى العرض سريعا ثم لجأنا إلى مركز الشرطة حتى ننه الموقف". هذه الأنشطة تعد جديدة على مغاغة، وتختلف ردود الأفعال الناس بين إعجاب ومشاهدة، وإدانة مباشرة، ولم تقع اشتباكات حقيقية خوفا من أن تتطور المشاكل بين عائلات المتظاهرين في المدينة الصغيرة.
ورغم ابتعاد عضو حركة 6 إبريل في مغاغة عن عضو الجماعة الإسلامية في مدينة المنيا، في المسافة وفي وجهة النظر، إلا أن القضية نفسها ما زالت تهم كليهما: هل من جدوى للعمل الحركي في مسيرات ومظاهرات في الشارع المنياوي؟ بعد عمل بدأه أحمد خيري منذ 2005 شارك خلالها في حزب الغد واتحاد الطلبة الحر في جامعة أسيوط وحركة 6 إبريل في القاهرة، لا يخفي اليوم إحباطه قائلا: "أشعر أحيانا بانعدام جدوى العمل الحركي حين أتذكر أننا في النهاية نعمل داخل الحضر، تاركين سيطرة الإسلاميين وسلطتهم على القرى الريفية بالعمل الخيري والدعاية الدينية، لكنني حين أتذكر أننا كنا نشارك في مظاهرات يحاصرها الأمن المركزي لا يتجاوز أفرادها 20 شخصا، وأنها كانت بداية تحريك الجماهير، وسقوط مبارك، أشعر بالأمل.. خاصة أن أغلب اعتماد العمل الحركي اليوم على الطلبة".
يترك المقهى متجولا في شوارع مغاغة التي تعتمد في مواصلاتها على الحنطور أو الموتوسيكل ويكشف عن أنه كان أحد المؤيدين لفكرة نزول شباب 6 إبريل للانتخابات رغم ما يتعرضون له من تشنيع، لكن الفكرة لم تلق قبولا لدى النشطاء، ويقول: "تعلمت من والدي درسا نقله لي أثناء صغري، حين حكى لي كيف كان إبراهيم شكري- رئيس حزب العمل السابق- يطوف بين البلدان للإشراف على تكوين الوحدات الحزبية في قرى المحافظات، لذا كانت لديه قواعد تنظيمية حقيقية"، هذا القلق من قلة الأعداد والأنشطة الحركية يدفع إلى مزيد من التنسيق بين جبهتي 6 إبريل وقوى ثورية أخرى في المحافظة. وكعادة المدن الصغيرة خارج العاصمة، تقل فرص الحصول على وسيلة انتقال بعد الساعة الحادية عشرة مساء، ولا يلتزم القطار بالمواعيد المحددة. أما في مدينة المنيا حيث عصام خيري- عضو الجماعة الإسلامية- فيكشف عن بعض ما رآه من تعذيب في سجون مبارك، ويرى أن التعامل القانوني هو الحل، واستغلال المؤسسة البرلمانية دون تصعيد في مسيرات أو مظاهرات. كان عصام يلعب منذ سنوات أحيانا مع بعض أبناء الجماعة دور الوسيط مع الأمن لتخفيف الضغط عليهم، تتبدل ملامحه حين يواجه باتهام عن أن هناك شريحة من الإسلاميين اختارت موالاة الأمن، و يعلق غاضبا: "لم يتضرر أحد من الأمن مثلما تضررنا في السنوات السابقة، لقد وصل الأمر أن يتلقى شخصا مثلي تعليمات بألا أحشد عددا من إخواني في حفل زفافي، لقد كانت أمامي فرص للانتقام من الأمن أثناء الثورة، لكننا اخترنا قرار منع العنف منذ سنوات".
وأمام مسجد الرحمن في مدينة المنيا ذي السمعة الشهيرة كمكان يجمع أبناء الجماعة الإسلامية، يروى عصام المزيد عما تعرض له من ضغط منذ أن كان طالبا في كلية العلوم قبل أكثر من عشرين سنة. كان أحمد خيري- الناشط في حركة 6 إبريل (الجبهة الديمقراطية)- قد قال في مغاغة إن "رفض الإسلاميين للعمل الحركي في الشارع والضغط من أجل التغيير هو خوف من منافس قد ينتزع منهم السلطة"، لكن عصام خيري يجيب بنبرة هادئة تحمل تشكيكا في نوايا بعض الجبهات الثورية، قائلا: "لماذا لم يكتف المتظاهرون بميدان التحرير؟ لماذا أصبحنا نجدهم أمام وزارة الداخلية، ومبنى ماسبيرو إلا إن كانت هناك نية سيئة؟". رغم ما يقوله إلا أنه لم يمنع نفسه من الابتسام حين علم أن شريحة من الذين اقتحموا مبنى أمن الدولة في مدينة نصر قبل شهور طويلة كانوا من أبناء الجماعات الإسلامية، ويختم بعبارة: "لا أعلم ربما لو كنت معهم لاقتحمت.. لكن كل معارضتنا الآن للمسيرات والمظاهرات هو خشية أن تحتكر فئة واحدة المشهد وتلجأ للتخريب والاقتحام لحسابها".
**
الفرصة لا تتجه جنوبا
- البعض اختار وظائف خارج مجال الاعلام والبعض الآخر ينتظر
- الانترنت كنز لم يكتشف بعد داخل المحافظات

في قاعة التدريب تجلس ماريان مدحت بشغف باحثة عن فرصة تنسيها تجربتها بعد التخرج العام الماضي من قسم الاعلام بجامعة المنيا، موضوع الورشة التدريبية : الاعلام الجديد والصحافة. يشتبك زملاؤها من حولها حول كيفية استخدام الانترنت كبديل عن الاعلام التقليدي الذي درسوه في الجامعة، تقاطع قائلة: "لم أعد أعرف جدوى دراسة الاعلام في الجامعة .. لم نمارس الخبرة العملية في ستوديوهات الكلية، ولم نحصل على تدريب حقيقي خارج الكلية، ولا سبيل سوى الاتجاه إلى القاهرة وخوض المغامرة".
رغم تلك المصاعب التي ترويها إلا أنها ما زالت متمسكة بأن تعمل في تخصصها الأساسي بشعبة الإذاعة والتلفزيون، وتحديدا في مجال الإخراج على عكس بعض زملاء دفعتها الذين اتجهوا إلى العمل في تخصصات أخرى مثل التسويق ورياض الأطفال. على مدار العام الماضي خاضت ماريان تجربة الانتقال إلى القاهرة والبحث عن عمل مع زميلاتها، كما تدربت فترة كمساعدة مخرج في مجال الدراما، حيث واجهت شريحة مختلفة ترى مجتمع الصعيد مثلما تصوره مسلسلات الدراما الصعيدية، وما زالت تبحث عن فرص حقيقية. حسب عبارتها : "عايزه أعرف حتى لو كان الطريق ده آخره الفشل .. بس أكون عارفة".
تضم قاعة التدريب، الذي نظمته مطرانية الأقباط الكاثوليك، طلبة وخريجين من قسم الاعلام بكلية الآداب في جامعة المنيا، يتحدثون بنبرة واحدة: "الصعيد مهمش، والقاهرة تبتلع الفرص كلها". أحد العاملين في تلفزيون شمال الصعيد كان حاضرا بينهم و دافع عن مؤسسته بحجة أن رئيس التلفزيون قد أكد في تصريحات سابقة أنه سيتيح الفرص أمام الطلبة لمزيد من التدريب، و أرجع التقصير إلى الجامعة.
تستمر النقاشات وتأتي تعليقات من نوعية: ما أهمية موقع مثل تويتر في تسجيل الأحداث الجارية بالمنيا؟ ندى مختار- طالبة الفرقة الثالثة في اعلام المنيا- لم تتسرب إليها نبرة اليأس، اختارت العمل بموقع إخباري محلي على أمل القضاء على الاحساس بانعدام جدوى دراسة الاعلام، و تقول: "رغم أني لا أتلقى تدريبا حقيقيا على الصحافة، لكني أعمل على تنمية مهاراتي في مساحات أخرى داخل الورش التدريبية، وعلى فكرة ليس هناك فارق كبير بين فرص الشباب والبنات، المشكلة الحقيقية هي غياب الفرص نفسها". يتدخل أحد زملائها ليروي قصة المظاهرة التي قادها الطلبة في أعقاب الثورة بأسابيع من أجل تحويل قسم الاعلام بكلية الاداب إلى كلية مستقلة للإعلام في جامعة المنيا، لكن ذلك لم يحدث رغم تطمينات الجامعة في ذلك الوقت، وحتى العام الماضي كان الدكتور حسن علي يعمل رئيسا لقسم الإعلام في كلية الآداب، قبل أن يعار حاليا إلى إحدى الجامعات الخاصة. وبعد سنوات من العمل تكونت لديه وجهة نظر عن دراسة الاعلام بشكل عام في مصر، ويعلق على ذلك قائلا: "في حالة تحويل قسم الإعلام إلى كلية قد يأتي ذلك بميزانية أكبر، لكنه سيزيد من المشكلة بالنسبة للطلبة، مع ازدياد أعدادهم، إذ تقول الأرقام أن لدينا في مصر 12 قسم للاعلام في كليات الاعلام، و6 أقسام في الجامعات الخاصة، و8 أقسام في كلية التربية، إضافة إلى الكلية الأقدم في جامعة القاهرة، وأرى أن ذلك مهزلة".

صحافة شعبية
"الحقيقة أن محافظة المنيا قد نالت اهتمام مشروعات التنمية في مصر مقارنة ببعض المناطق المهمشة والأكثر فقرا في محافظات أخرى، هذا ما ألاحظه في جولاتي التدريبية"، يتبنى هذا الرأي كمال نبيل مدير مركز دعم التنمية والتأهيل المؤسسي، و أحد المدربين على استخدام الاعلام الجديد كبديل عن الاعلام التقليدي. وبنبرة واثقة يتحدث عن أن الفرص متاحة على الانترنت لمن يستغلها، إذ يمكن إنشاء مدونة يتم تحويلها إلى صحيفة إخبارية تجتذب إعلانات المنشآت التجارية في المدينة، وهناك تجارب شبيهة في الوجه البحري، وبشراء كاميرا لا يتجاوز سعرها 1200 جنيه يمكن تسجيل تغطيات والتقاط صور بل و بيعها عبر مواقع على الانترنت. تلك الاقتراحات كانت تواجه أحيانا عبارات من نوعية: المنيا مافيهاش أحداث مهمة.
يرد كمال نبيل على ذلك بأن عدد من كانوا يتابعونه على موقع تويتر زاد عن ألف شخص بعدما نقل تفاصيل حادثة جرت في قطار قادم من المنيا، و يتابع قائلا: "كل من على الانترنت سيهتمون بالخبر ما دام جذابا ومثيرا للفضول، النقطة المهمة أن تضع في ذهنك لمن توجه معلومتك؟". في السنوات الماضية كان مفهوم المواطن الصحفي و الصحافة الشعبية قد راج في عالم الاعلام التقليدي، خاصة بعد انتقال صحفيون ذو خلفية لها صلة بالتدوين على الانترنت إلى بعض المؤسسات الاحترافية الإعلامية، وبالعودة إلى قاعة التدريب فهناك هاجس لدى جميع الحاضرين عن أن بعض القاهريين يرون مدينتهم المنيا وكأنها بعيدة عن التحضر وهو ما أرادوا نفيه حتى لو باستخدام الإعلام الجديد، مع اعترافهم بأن المنيا ما زالت ذات طبيعة محافظة مقارنة بالعاصمة، ينتشر فيها الخبر سريعا، لكن هذا الطابع اختلف تماما عن سنوات سابقة إذ "كان طلبة الإعلام يقادون إلى مراكز الشرطة بسبب ضيق الناس بمشروعات تخرجهم حين يصورون في الشارع"، على حد قول الدكتور حسن علي- أستاذ الاعلام. ويتفق معه المدرب كمال نبيل في أن المستقبل للانترنت، وأن إذاعة على الانترنت يمكنها أن تأتي باعلانات وسمعة طيبة تكون بداية إعلامي ناجح.
هذه الأحاديث الوردية تداعب أفكار فتاة مثل ماريان مدحت خريجة الاعلام، خاصة بعد أن لمست الواقع الصعب في الحصول على فرصة عمل في مجالها، و أملها الوحيد هو الحصول على مزيد من الورش التدريبية وخاصة في صناعة الأفلام، لتصور أفلاما بنفسها تعبر عن مجتمعها الصغير.

Wednesday, February 22, 2012

عمرو فكري .. فنان معاصر بمزاج شرقي

عبدالرحمن مصطفى
الطريق إلى منزل الفنان عمرو فكري، أشبه بطريق الزائر داخل معبد مصري قديم، حين يمر من مرحلة لأخرى حتى يصل في نهايته إلى "قدس الأقداس". يقيم عمرو فكري في شقة أعلى سطح إحدى عمارات وسط البلد القاهرية، وهناك وسط رائحة البخور التي أحاطت بغرفته بدأ حديثه عن الفن المعاصر وعن مشروعه الذي قضى فيه أربع سنوات، واختار لمشروعه اسم "قدس الأقداس". يقول: "حين كنت طالبًا في كلية الفنون الجميلة، كان البعض يتعامل وقتها مع فن التجهيز في الفراغ Installatio على أنه موجة أو موضة علينا أن نتبناها كفن معاصر، وكنت أفتقد اللمسات الخاصة التي تبرز هوية الفنان وانتماءه"
ينتمي مشروع قدس الأقداس هو الآخر إلى فن التجهيز في الفراغ، ويتكون من أربع مراحل بدأت في العام 2004 حتى العام 2009 هي "الفراش"، "فناء الوحدة، فناء المكان"، "مواقف النفري"، و"بصير الملائكة"، وكل منها كان بمثابة مشروع مستقل، حتى إذا ما اكتملت الصورة كان العنوان الأكبر هو "قدس الأقداس". يعلق قائلا: "أنتظر إصدار كتالوج فني، يضم مشروع قدس الأقداس بأكمله، بدعم من المؤسسة الثقافية السويسرية (بروهلفتسيا)".
سبق هذا العمل خطوات هامة رسمت اتجاه الفنان مبكرًا؛ إذ تلقى دروسًا ما زالت تدير حياته ومشروعاته الفنية حتى الآن، الدرس الأول هو التعامل الصادق مع النفس، اختبر ذلك في فترة المراهقة أثناء ورشة تجريبية لصناعة الأفلام، يروي عن ذلك: "تعلمت أن أعبر عن نفسي دون حسابات، هذا ما حدث حين اخترت فكرة لفيلم في ورشة تدريبية، ونلت بها تقدير لجنة التحكيم رغم صغر سني، وكانت تضم في ذلك الوقت سينمائيين كبار، واخترت ألا ألعب في المضمون أو الأفكار المعلبة، ولكن أن أعبر عن أفكاري".أما الدرس الثاني فكان في جلسات الفنان الراحل حامد سعيد مؤسس جماعة "الفن والحياة" إحدى أهم الجماعات الفنية المصرية في القرن الماضي، يصف عمرو فكري ذلك : "كنت أحرص على تلك اللقاءات وانا طالب في الجامعة، وحاولت أن أكرر زياراتي للفنان حامد سعيد لمزيد من التعلم، وأثر بشدة على تفكيري". كان حامد سعيد، بمثابة الشيخ الصوفي الذي ينهل عمرو فكري من أفكاره، هناك التفت إلى قضية شغلته فيما بعد حول أن هناك هوية مصرية ممتدة عبر التاريخ، هي مصر الفرعونية، ومصر الموالد، والتصوف، والرقص والتدين، وأن علينا أن نعبر عن ذلك بصور مختلفة. "كان هناك في هذا الجيل جمال حمدان في الجغرافيا، وشادي عبدالسلام في السينما، وحامد سعيد في الفن التشكيلي، وكلهم يبحثون عن مصر وانتماءاتها" حسب عبارته.
على أرض الواقع قد يبدو هذا الحديث بمثابة ترف إذا ما عدنا إلى العام 2001 حين تخرج عمرو من الفنون الجميلة، يشرح قائلا: "كان الكل مشغولا بما يحتاجه السوق، هناك من اتجه من زملاء الدراسة إلى مجال الجرافيك، وهناك من انضم إلى قافلة الدعاية والاعلان، لذا واجهت السؤال الذي يواجهه كل خريج، وخاصة أبناء شعبة التصوير الزيتي، ما معنى كلمة فنان؟ خاصة أنني جربت فنونًا مختلفة أثناء الجامعة مثل التصوير الفوتوغرافي والرقص الحديث والإخراج..". كان معرض "حضرة مولاي" في العام 2002 هو لحظة التجلي التي كشفت له معنى الفنان، حين أراد نقل معرفته عن الصوفية ورجالاتها. لم يمنع نفسه من الضحك حين تذكر كيف كانت صورة افتتاح معرضه "أقيم المعرض في مهرجان القلعة، وكان افتتاح الفعالية على يد سوزان مبارك التي مرت على المعرض وقصت الشريط وكأنها تفتتح معرضي شخصيًا". في حضرة مولاي، استخدم عمرو فكري وقتها خط الثلث والصور مع تكوينات تحاكي رايات الطرق الصوفية في الموالد، وكان المكان مناسبا لهذه الأجواء.
"الفن أسلوب حياة" مثلما يرى عمرو فكري .. أجواء الصوفية والعقائد الشرقية تظهر في جلسته على الأرض في منزله الذي أقام فيه لمدة عام تحت أضواء الشموع حتى إدخال الكهرباء، ولعل اهتمامه المبكر بعالم التصوف رغم أنه ليس محسوبًا على طريقة صوفية بعينها دفعه إلى رحلة تأمل، إذ سافر إلى زيورخ في العام 2003 بدعم من المؤسسة الثقافية السويسرية (بروهلفتسيا). وبين الصدمة والاغتراب وجفاف الحياة الروحية في الغرب، عرف هناك خطواته القادمة، فكان مشروع "الفراش" مستندًا فيه إلى تكوينات شبيهات بالمقرنصات الإسلامية التي هي في الأصل إعادة تشكيل أجزاء من صور التقطها الفنان، واتخذ عنوان "الفراش" من عبارة للحلاج في كتابه الطواسين تقول: "الفراش يطير حول المصباح إلى الصباح و يعود إلى الأشكال فيخبرهم عن الحال بألطف المقال، ثم يمرح بالدلال طمعًا في الوصول إلى الكمال". وكانت تلك هي بداية مشروعه الأكبر "قدس الأقداس"، إذ كانت المرحلة الثانية في "فناء الوحدة، فناء المكان" الذي قدم للزائر تجسيدا يشبه المقامات الصوفية واستخدم فيه قراءاته عن الهندسة المقدسة والطاقة بهدف إدخال الزوار إلى مساحة تطهر ذات تأثير روحي، أما مشروعه الثالث "مواقف النفري" فاستعان بإبداعه في إعادة تشكيل الصور، كما اختار نصوصًا معبرة، واختتم في مشروع "بصير الملائكة" حين انتقل إلى "متون هيرميس" واستعار الشكل الهرمي المقدس عند المصريين القدماء.
يخرج عمرو من مشروعه قدس الأقداس ليعرض على جهاز اللابتوب في منزله بعضا من معارض وأعمال أخرى ارتبطت بأحداث انفعل بها، منها "طقوس الأخير"، الذي اعتمد فيه على صور من الحياة المصرية اليومية باللونين الأبيض والأسود، وأثناء العرض على جهاز الكمبيوتر يقفز اللون الأحمر ليلطخ الصور وكانها طقوسا دموية، وكان ذلك في العام 2006 تحت تأثير مذبحة اللاجئين السودانيين، والانتخابات المزورة.
خارج شقته الصغيرة على سطح العمارة - التي يقطن بها أيضا الفنان عادل السيوي- لا صوت إلا صوت الرياح ومشاهد العمارات القريبة والبعيدة، التي قد تبعده عن صخب المليونيات والمظاهرات في وسط المدينة، لكنه غير بعيد عنها، كل طموحه اليوم أن يعيد مشروعه الذي تعطل في حقبة مبارك، حين سعى لتأسيس واحة للفنانين، يعيشون فيها فترات تأملاتهم وينتجون فيها أعمالهم. يعترف قائلا: "الثورة صنعت لي ارتباكًا شديدًا، ورغم ذلك سأعبر عن تلك المرحلة بمشروع قادم، لقد كنا في الماضي نقاوم، وما كنا نقاومه قديما بدأ في الانهيار، لذا نحن مقدمون على مرحلة جديدة تمامًا، نحتاج فيها إلى التعرف على أنفسنا من جديد، وأن نقدم هوية جامعة للمصريين".

Friday, February 17, 2012

ماذا بعد رحيل المجلس العسكرى عن الحكم؟




شرعية الثورة فى مواجهة شرعية السلطة


فى يوليو الماضى كتب مصطفى النجار ــ أحد مؤسسى حزب العدل ــ على موقع تويتر للتدوين القصير: «أعتقد أن شرعية ثورة يوليو قد انتهت تماما ولا شرعية إلا لثورة يناير ..الشرعية المدنية لثورة مدنية»، وبعد أن أصبح النجار نائبا برلمانيا أعلن أمام النواب مؤخرا أن «شرعية المجلس العسكرى قد انتهت بعد كل هذه الدماء، ولابد من تسليم السلطة لحكومة إنقاذ وطنى يشكلها البرلمان، لأن البرلمان هو الجهة الوحيدة التى تملك الشرعية فى مصر». وبين هذين التصريحين كانت هناك شهور ازداد فيها الجدل حول من بيده شرعية ثورة 25 يناير، إذ نال المجلس الأعلى للقوات المسلحة تلك السلطة الشرعية بعد إعلان انحيازه للجماهير، ومع انتخاب «برلمان الثورة» دار الحديث عن البرلمان كشرعية وحيدة لهذه المرحلة، لكن ما أعقب ذلك من أحداث متتالية أعادت إلى الأذهان تعبير «شرعية الميدان وشرعية الجماهير» وذلك عبر المظاهرات والمسيرات والمليونيات.
يرى الدكتور سمير نعيم ــ أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس ــ أن كل الشواهد تشير أن كلا من المجلس العسكرى ومجلس الشعب الحاليين هما امتداد للنظام السابق الذى لم يتغير بعد. ويقول: «الصراع الحقيقى بين أقلية تستمد شرعيتها من الاستحواذ على السلطة التشريعية والتنفيذية والثروة، وبين بقية الشعب الذى لا يملك الآن سوى إرادته وإصراره على إعادة توزيع الثروة والسلطة». تلك العلاقة بين مفهوم الشرعية وعلاقته بالسلطة شغلت العديد من المفكرين وهى إحدى قضايا علم الاجتماع، ويعد عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر أحد أهم من تناولوا مفهوم الشرعية ورأى أن هناك ثلاث تصورات لشرعية السلطة، الأولى هى السلطة التقليدية القائمة على تقديس التقاليد، والثانية هى السلطة الملهمة لقائد يحمل تأثيرا على الجماهير وأخيرا هى السلطة العقلانية التى تعتمد على القانون والمؤسسات. ويرى بعض الباحثين العرب أن السلطة العقلانية المعتمدة على فعالية المؤسسات والقوانين لم تكن ذات فاعلية فى العالم العربى لغياب الديمقراطية الحقيقية.
وقبل سنوات على ثورة 25 يناير كانت فكرة شرعية السلطة محل نقاش من المفكرين والسياسيين، وأحد أهم من تصدوا لهذه الفكرة كان الكاتب المخضرم محمد حسنين هيكل الذى دعا فى عام 2005 إلى تبنى شرعية جديدة بعد أن فقدت شرعية ثورة 23 يوليو استمراريتها، وانتهت شرعية حرب أكتوبر والسلام وذكر وقتها أن مصر بحاجة إلى عقد اجتماعى جديد. يرى الدكتور عاصم الدسوقى ــ أستاذ التاريخ الحديث فى جامعة حلوان ــ أن أزمة الشرعية لم تكن أبدا فى «حكم العسكر»، بقدر ما تكمن المشكلة فى أن حكامنا المتتاليين كانت لديهم مساحات تصنع منهم حكاما مستبدين، ويوضح ذلك بقوله: «كان الملك قبل ثورة يوليو 52 مدنيا، لكن كانت بيده سلطات واسعة وفرها له الدستور تسمح له بإعاقة الحياة الديمقراطية، وكذلك كان جمال عبد الناصر والسادات ومبارك جميعهم من خلفية عسكرية لكن كانت لديهم جميعا سلطات واسعة، والمفارقة أن كلا منهم استخدمها فى اتجاه مختلف». لكن فى نهاية الشهر الماضى ظهرت سلطة البرلمان وبدأ اشتباك جديد بين الرغبات الثورية فى التغيير ومواقف النواب التى اعتبرها البعض موالية للمجلس العسكرى والحكومة غير المنتخبة، ويعلق الدكتور عاصم الدسوقى قائلا: «المشكلة فى سيطرة الكتلة الإسلامية على البرلمان، وهناك شواهد تاريخية منذ فترة حسن البنا على إصراره على العمل تحت لواء الدولة والنظام، وهو ما يفسر طوال العام الماضى خروج جماعة الإخوان المسلمين بالذات من المشاركة فى كثير من الفعاليات المطالبة بالتغيير واستمرار الثورة على مدار العام الماضي». يتوقف قليلا ثم يضيف: «لو أرسينا نظاما جديدا أرجح حل هذا البرلمان». هذه التفاصيل عن السلطتين التشريعية والتنفيذية لم تجب عن سؤال المرحلة: كيف ستنتقل شرعية ثورة 25 يناير من أصحابها فى الميادين والمسيرات إلى السلطات الحاكمة؟ فى دراسة تحت عنوان «الإطار التاريخى والسياسى لثورة 25 يناير بمصر» للدكتور طارق البشرى، يرى فيها أن ثورة 25 يناير هى امتداد لتجارب سابقة ظهرت فى حركات شباب ثورات 1919، 1952، وحركات أخرى لم ترتبط بثورات مثل حركات الشباب وانتفاضاتهم فى أعوام 1935، 1946، 1972. وذكر فى دراسته التى نشرت مبكرا بعد تنحى مبارك أنه: لا بد لهذا الحراك الشبابى الثائر أن يتبلور فى تشكيلات تنظيمية، تنشأ من هذا الزخم السياسى الحادث وتجمعهم حول الأهداف السياسية والاجتماعية التى قامت الثورة من أجلها. هذه هى الوصفة الوحيدة لنقل روح ميدان التحرير الأولى إلى سلطة شرعية لا تعتمد فقط على العمل الحركى والتظاهر. أما الدكتور سمير نعيم أستاذ علم الاجتماع فيستدعى نموذج النضال السلمى لغاندى فى الهند، ونيلسون مانديلا فى جنوب أفريقيا قائلا: «الثورة مستمرة حتى تحقق أهدافها، وسيستمر إبداع المصريين فى أفكار جديدة .. لقد انتهى زمن القائد أو الزعيم المُـلهم، تماما مثلما انتهت شرعية الحكم بقوة السلاح».



النشطاء: مستمرون رغم التشويه


●إسراء عبدالفتاح نائب رئيس مجلس إدارة المعهد المصرى الديمقراطى



«ما من شك أن حملات التشويه على منظمات المجتمع المدنى قد أدت إلى التأثير على عملنا، وردود أفعال الناس وتجاوبهم مع نشاط مؤسسات التدريب الحقوقى، لكننا نقاوم هذا. المشكلة الحقيقية أننى وزملائى واجهنا اتهامات بالعمالة والتمويل الخارجى، وحين تم حفظ التحقيقات ضدنا مؤخرا لم يلتفت لنا أحد، لذا سأسعى إلى مقاضاة من اتهمنى دون دليل. رغم كل هذا فعلينا جميعا الاستمرار، حتى تقام دولة القانون، ويحاسب الجميع بمساواة دون تشهير حتى إن كان من النظام السابق، فيكفيه ما سيلاقيه بالقانون، أما الخطوة الأهم فهى تطهير المؤسسات التابعة للسلطة مثل الإعلام والداخلية حتى لا تستمر حملات التشويه التى يلقاها النشطاء، التى لا ينتج عنها سوى الإساءة لشباب يرغبون فى تغيير البلاد إلى الأفضل».



●محمود عفيفى المتحدث الإعلامى باسم حركة 6 أبريل



«رغم ما يتعرض له اسم 6 أبريل من تشويه من طرف الإعلام التابع للسلطة الحاكمة فإن الرهان فى المستقبل على أن الحقيقة ستتضح أمام الناس مع الوقت، حين تتكرر الاتهامات نفسها، ولا تظهر أدلة فى كل مرة، نحن الآن لن نهتم بالدفاع عن أنفسنا أو رد الشبهات، ربما يكون ذلك فى مرحلة أكثر استقرارا من الآن عبر حملات التوعية، أما بالنسبة للمستقبل، فلابد أن نوضح أننا لا نرفض التعاون مع أى من أجهزة الدولة، فالهدف هو المصلحة العليا، ولدينا من المبادرات الحالية مثل مبادرة حافظوا على جيش مصر ما يثبت النوايا الحسنة».



بداية تعارف جديدة على الجيش


من بين الهتافات التى كانت تعلو وسط المسيرات الاحتجاجية مؤخرا: «الجيش المصرى بتاعنا .. والمجلس مش تبعنا»، لكن تلك النوايا الطيبة الظاهرة فى الهتاف لم تواجه بعد سيادة المؤسسة العسكرية وغموضها الدائم وقلة المعلومات عنها.. فهل يستمر هذا الوضع كما كان، أم سيتم التعامل مع المؤسسة العسكرية كمؤسسة حكومية بعد رحيل المجلس العسكرى عن السلطة؟ تعلق الدكتورة زينب أبوالمجد ــ الأستاذ المساعد لتاريخ الشرق الأوسط فى الجامعة الأمريكية ــ قائلة: «هذه هى مهمتنا أن نكمل الثورة بحيث يتم تحقيق الشفافية والعدالة فى جميع مؤسسات الدولة». كانت زينب أبو المجد قد نشرت مقالاهما تحت عنوان: الجيش والاقتصاد فى مصر. وتم تداوله على الإنترنت منذ أسابيع، لكنها لم تقدم دراسة اقتصادية شاملة كما كانت تطمح، بل استندت إلى معلومات من قصاصات الصحف والربط بين معلومات متفرقة وذلك لغياب المعلومات الكافية عن «جهاز مشروعات الخدمة الوطنية» التابع للقوات المسلحة، وهو ما يمثل النشاط غير العسكرى للمؤسسة العسكرية. لم يكن هذا المقال خارج سياق الأحداث، إذ أثير جدل قبل عدة أشهر حول إمكانية الرقابة على ميزانية الجيش المصرى، وانتهى هذا الجدل مؤخرا إلى محاولات برلمانية للقيام بهذا الدور الرقابى. ووسط كل هذا الصخب كانت تصعد آراء عن ضرورة إبعاد المؤسسة العسكرية عن النقد أو الرقابة المباشرة من المدنيين منعا لانهيار الدولة، وهو ما يراه الخبير الاقتصادى عبدالخالق فاروق مجرد حجج واهية، ويعلق قائلا: «كان نظام مبارك نظاما فاسدا، ومن واجب المصريين أن يكونوا حريصين على جيش بلادهم وأن ينقلوه إلى نظام جديد أفضل». هذا الرأى لا يجد رواجا لدى من يرون أنه لا ينبغى إتاحة أى معلومات تفصيلية عن المؤسسة العسكرية، والمفارقة التى تلاحظها الدكتورة زينب أبو المجد أن ما يعتبره هؤلاء أمرا غاية فى السرية، هو فى الحقيقة معلومات عادية فى دول أخرى منها إسرائيل. وتعلق على ذلك بقولها: «أنا مثلا أعرف ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية كام.. هل ده أثر عليهم فى إسرائيل أو أضرهم فى حاجة..؟». تتوقف هنا وتحيل النقاش إلى عناوين كتب مهمة ناقشت بالأرقام البيزنس الخاص بالجيش التركى على سبيل المثال، وكتاب آخر موثق عن الجيش الباكستانى ونشاطه الاقتصادى، لكن هذه المعلومات لا تتوافر أغلبها فى مصر، رغم أن المعلومات الأهم والخاصة بتسليح بلدان الشرق الأوسط منشورة ومتداولة فى الولايات المتحدة الأمريكية حيث أهم مصدر للسلاح إلى المنطقة.
هذا الغموض حول المؤسسة العسكرية وغياب الكثير من المعلومات التى تتيحها دول أخرى فى العالم، قد يزيد من هيبة المؤسسة بسبب قلة المعلومات، وهى الهيبة التى تصاحب رجال المؤسسة العسكرية حين يديرون قطاعات أخرى مدنية، ويعلق على ذلك الخبير الاقتصادى عبد الخالق فاروق قائلا: «كانت المادة 15 من الدستور تنص على «أن للمحاربين القدماء والمصابين فى الحرب، أو بسببها، ولزوجات الشهداء وأبنائهم، الأولوية فى فرص العمل وفقا للقانون». وهذا المنطق كان ملائما لدستور عام 71 الذى تمت كتابته فى زمن الحرب، ويضيف عبد الخالق فاروق: «هيبة الجيش ستستمد من الشفافية فى التعامل وأن تكون المؤسسة العسكرية جزءا من الأجهزة الحكومية المختلفة». لكن كيف ستستمر العلاقة بين المجلس العسكرى وباقى القوى السياسية والثورية إذا ما رحل تاركا خلفه ثورة لم تكتمل؟ هل يؤثر ذلك على استمرارية قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى أماكنهم بعد تركهم للسلطة ؟ لم يذكر التاريخ المعاصر من حوادث تم التعامل فيها مع قيادات الجيش انصياعا لرغبات الجماهير سوى فى ثورة يوليو 52 حين عزل تنظيم الضباط الأحرار قيادات الجيش آنذاك لإنجاح الثورة، ومرة أخرى فى إعادة محاكمة قادة سلاح الطيران فى العام 68 بعد مظاهرات طلابية وعمالية احتجاجا على أحكام المحكمة الأولى فى أعقاب النكسة.
من الصعب توقع مسار التغيير القادم ووضع قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة كما ترى الدكتورة زينب أبو المجد، وحسب تعبيرها فإن هذه الثورة هى ثورة المفاجآت التى لا تنتهى، وتضيف: «ما نريد تحقيقه هو الشفافية، فأنا أشعر بالغيرة حين أجد فى إسرائيل أن الإعلام والحكومة تساءل وزير الدفاع بشفافية.. فنحن قد حققنا إنجازات فى هذه الثورة وعلينا استكمالها حتى النهاية».


أنصار العسكرى مع الرئيس القادم إلا من أيّد التحرير


يستخدم كلا من الدكتورة منال المصرى ــ المشرف العام على الحركة اللجنة الشعبية لحماية مصر ــ ومحمود عطية المتحدث الإعلامى باسم ائتلاف مصر فوق الجميع، تعبيرى الاستقرار ومساندة الشرعية فى شرح موقفيهما من تأييد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وذلك بعيدا عن عدم اتفاقهما فى عدد من النقاط الأخرى. محمود عطية هو فى الوقت نفسه مؤسس مبادرة المشير رئيسا لمصر. ورغم إعلان المجلس العسكرى أنه ليس له صلة بهذه الحملة أو بقية الائتلافات المؤيدة له فإن محمود عطية ما زال مستمرا فى دعمه للعسكرى حتى ولو عبر بيانات صحفية. لكن ماذا بعد رحيل المجلس العسكرى عن السلطة؟ يجيب عطية قائلا: «سنؤيد أى مرشح رئاسى ذىد خلفية عسكرية، وسنظل ننادى على البرلمان كى يقف ضد متظاهرى التحرير وسياستهم المعتمدة على الصوت العالى والصخب».
أما فى حالة وصول رئيس مدنى لا يحمل خلفية عسكرية إلى الحكم، فسينصاع السيد محمود عطية وزملاؤه فى الائتلاف لاختيار الشعب، لكنهم لن يتركوا «بتوع التحرير» كى يمارسوا أنشطتهم التى مارسوها طوال فترة المجلس العسكرى من مليونيات ومظاهرات، وسيظلون يناضلون ضدهم. لكن الأمر مختلف عند الدكتورة منال المصري- المشرف العام على الحركة اللجنة الشعبية لحماية مصر- فليس لدى أعضاء الحركة التى تكونت عبر الانترنت ثم نشطت على الأرض أى اهتمام بأن يحمل الرئيس القادم خلفية عسكرية، وتعلق قائلة: «أيدنا العسكرى لأنه الشرعية، ولسنا مثل أبناء مبارك الذين تركوا الواقع وعاشوا على ذكرى رئيس تنازل عن شرعيته، أنا اليوم مع البرلمان ذو الأغلبية الإسلامية رغم اختلافى معهم فكريا». لكن ماذا إن وصل إلى الحكم شخصية من شريحة البرادعى أو عمرو موسى أو عبدالمنعم أبوالفتوح أوحازم صلاح أبوإسماعيل؟ تقول الدكتورة منال: «حتى إن كان رئيسا من الميدان، سنحترم تلك الشرعية، لكن ما سيحدث أننا قد نفكر فى أن نتحول إلى حزب سياسى معارض لهذا الرئيس، وهذا نفكر فيه من الآن خصوصا أننا لا نعرف مستقبل الائتلافات والحركات ومدى استمراريتها». أما محمود عطية فيتبنى هو وزملاؤه اتجاها واحدا يجعلهم يرون فى المظاهرات أنها أقرب إلى أعمال صبيانية، ويقول: «قابلت بعض شباب الثورة، وبعضهم للأسف لا يوقر الكبير، ويكفى موقفهم من السيد المشير طنطاوى الذى قاد وزارة الدفاع لأكثر من 21 سنة، هذا الرجل ذو خبرة فى الإدارة، وعليهم أن يعلموا أن المؤسسة العسكرية هى مدرسة فى الإدارة». سواء مع بقاء المجلس العسكرى فى السلطة أو مع رحيله فيظل أداء الائتلافات المؤيدة له بمثابة رد فعل على الأداء الثورى وجميع مظاهره، فكلما ازدادت مقاومة القوى الثورية للسلطة وازدادت الرغبة فى تغيير النظام السياسى بقيت المجموعات المؤيدة للسلطة، مع قناعتهم بأن ميدان التحرير قد انتهت شرعيته.
PDF

Thursday, February 2, 2012

الألتراس السياسى.. مجموعات تستحضر روح المشجع الرياضى


البرادعاوية ينشدون: حلمنا بالتغيير يعم بلدنا .. ومعاك اتحققت كل أحلامنا
والإسلاميون يهتفون: إحنا الإخوان بنجيب أجوان .. وبره الملعب بنجاهد كمان

عبد الرحمن مصطفى
بين ألتراس برادعاوى وألتراس عمرو موسى وألتراس الإخوان وألتراس إسلاميين اختلافات فى الهدف والشكل، لكن يجمعها جميعا أنها استحضرت روح الألتراس فى أنشطتها المختلفة. فبعد عام من الثورة لم تعد صورة الألتراس هى مجرد مجموعات رياضية للتشجيع الكروى، بل تطورت كى تبرز دورها المؤثر فى مجرى الأحداث، هذا الوضع الجديد دفع البعض إلى التشبه بالألتراس وتكوين مجموعات ذات أهداف سياسية تحت اسم الألتراس، ويعلق محمد ناظم ــ مؤسس ألتراس برادعاوى قائلا: «مثلما هنالك مجموعات ألتراس تؤيد فرقا كروية، فليس هناك حرج فى تكوين رابطة ألتراس حول زعيم سياسى أو مرشح رئاسى أو غير ذلك».
فكرة ربط اسم الألتراس بمجموعات تتبنى تيارا سياسيا مرفوضة من البعض، إذ يرى هؤلاء أن «كل ما تفعله هذه المجموعات ليس له أصل، وما يحدث داخلها ليس له صلة حقيقية بالألتراس الرياضى أو الكروى، إذ إن الألتراس الرياضى هو الأصل ولا يوجد غيره»، فالألتراس فى الأصل هو مجموعات تشجيع رياضية محسوبة على أندية مثل الأهلى والزمالك والإسماعيلى وغيرها، وتعود نشأتها فى مصر إلى العام 2007، مؤكدة أنها مجموعات رياضية فقط، وتعطى لأعضائها حرية الاختيار السياسى خارج المجموعة. فكلمة «ألتراس» هى كلمة لاتينية مشتقة من ULTRA والتى تأتى بمعنى الفائق أو فوق الطبيعى فى إشارة لانتماء مجموعات الألتراس وحبها لأنديتها الفائق للعادة. لكن كيف بدأت المجموعات السياسية فى التشبه بنمط الألتراس؟ يعود محمد ناظم ــ مؤسس ألتراس برادعاوى ــ ليصف النشأة الأولى للفكرة فى مجموعة على شبكة فيس بوك الاجتماعية عقب تنحى مبارك بأسابيع قليلة. مع الوقت نمت المجموعة، وتم التنسيق مع حملة دعم البرادعى لتتكون مجموعات أخرى فى المحافظات، كما أن هناك شريحة أساسية من أعضاء «برادعاوى» ينتمون فى الأصل إلى رابطات ألتراس رياضية وجمعهم الإيمان بالدكتور محمد البرادعى وطريقة تفكيره، وهو ما يحاولون نقله إلى الجماهير بطرق مختلفة يشرحها محمد ناظم قائلا: «بعضنا يتواجد حول الدكتور البرادعى فى جولاته الميدانية، وهدفنا أن نكون واجهة لفكره أمام الجماهير، ورد الاتهامات الموجهة إليه، حتى ولو بتأليف الأناشيد وغنائها، أو صناعة فيديوهات تكشف الحقيقة على الانترنت».
فى أحد الفيديوهات على موقع يوتيوب لألتراس برادعاوى، نشيد يقول: «البرادعى قالها قوية، مصر عايزة ديمقراطية، وحلمنا بالتغيير يعم بلدنا، ومعاك اتحققت كل أحلامنا».. هذا النشيد كان إهداء من ألتراس البرادعى فى بورسعيد، وحسب محمد ناظم فهناك حالة من اللامركزية فى بث الأفكار داخل المجموعات المختلفة بالتنسيق مع الحملة، أى أن لهذه المجموعات ملامح قد تشبه الألتراس الكروى فى الهتافات أو فى رسم الجرافيتى على الجدران، لكن هناك أيضا أنشطة لا تختلف كثيرا عن الأنشطة التقليدية مثل :التبرع بالدم، أو التواجد فى الفعاليات والمظاهرات. ويقول محمد ناظم: «هذه الأنشطة تكون فى فترة توقف الفعاليات والمظاهرات التى غالبا ما نكون متواجدين فيها أيضا».
يقدم أعضاء ألتراس برادعاوى أنفسهم على أنهم «أول ألتراس سياسى فى مصر». لكن الوصف نفسه استخدمته مجموعة أطلقت على نفسها «ألتراس الإخوان المسلمين»، أما أعضاء ألتراس عمرو موسى فيؤكدون أنهم الأقدم تواجدا فى مدرجات الجماهير الكروية منذ مباراة الأهلى والزمالك الشهيرة فى يونيو الماضى، لكن تاريخ تأسيس تلك المجموعات على شبكة فيس بوك الاجتماعية يجعل الأسبقية لألتراس برادعاوى ثم ألتراس الإخوان.

تسمية مضللة

وفى فيديو آخر على الانترنت بعنوان «ألتراس عمرو موسى» يعود إلى شهر سبتمبر الماضى، نجد شبابا يقدمون هتافات على طريقة هتافات مشجعى الكرة باسم المرشح الرئاسى المحتمل. هؤلاء هم جزء من الحملة الانتخابية، وحسبما يصف محمد موسى المنسق الإعلامى للحملة، فهناك قطاع داخل الحملة باسم «الألتراس» ويقوده بعض الرياضيين السابقين فى المحافظات من الداعمين لعمرو موسى. وداخل هذه المجموعات شباب ينتمون إلى الألتراس الكروى التقليدى الذى عرفته المدرجات المصرية.
بعض المنتمين إلى الألتراس الرياضى والذين لا يحملون خلفيات سياسية يرون هذه المجموعات بشكل مختلف، إذ يقول عضو فى مجموعة من مجموعات الألتراس المصرية ــ رفض ذكر اسمه ــ إن الألتراس السياسى فى مصر مجرد «رابطات سياسية بها أعضاء ألتراس ينقلون بعض ملامحهم وحماسهم إليها، لكن التسمية مضللة ولا يمكن مقارنتها بالألتراس الكروى الذى عرفته مصر قبل الثورة بسنوات، وما أصبح يسمى بالألتراس السياسى هو ذو طابع دعائى فى النهاية له صلة بالانتخابات والتواجد السياسى». لكن هل يمكن أن تنمو ظاهرة الألتراس السياسى وتؤدى إلى اشتباكات فى يوم من الأيام سواء إذا ما تواجد أعضاؤها داخل المدرجات أو فى الشوارع والفعاليات المختلفة؟ يقول محمد موسى المنسق الإعلامى لحملة عمرو موسى: «لا أتوقع أن يحدث أى صدام بين مجموعات الالتراس السياسية فى يوم من الأيام بسبب حماسهم الزائد، فعلى الأقل أنا أضمن من معنا من الشباب».
لكن بعيدا حتى عن السياسة فإن نمط حياة الألتراس الرياضى قد نال تحفظات من قبل بعض الشباب الملتزم الذى أبدى اعتراضه على احتواء الهتافات على عبارات سب وشتم، ولذلك كانت فكرة ظهور ألتراس الإخوان بمثابة صدمة لكثيرين، ونالت كما لا بأس به من التعليقات. فمنذ مايو الماضى فوجئ جمهور الانترنت بفكرة قد تداولها الإعلام عن تكوين ناد رياضى لجماعة الإخوان المسلمين ثم ظهرت مجموعات وصفت نفسها بألتراس الإخوان المسلمين، ومنذ البداية كان المجال فسيحا للنوادر والنكات من زوار المنتديات والشبكات الاجتماعية، كأن يكتب أحدهم معلقا: «ألتراس الإخوان هيولعوا بخور فى المدرجات بدل الشماريخ !!». ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل انتشرت عدة صفحات على الفيس بوك لألتراس الإخوان، وتوافد المشككون من المنتمين إلى الجماعة على هذه الصفحات متهمين إياها بأن هدفها النيل من الإخوان المسلمين ونقل هذه الجمل الساخرة على صفحاتهم.


الإخوان المسلمون.. جماعة رياضية

حسام البدرى أحد شباب جماعة الإخوان المسلمين هو مدير الصفحة الأهم التى تضم أكثر من 16 ألف عضو تحت اسم ألتراس إخوان UBH، ويقول عنها: «الموضوع بدأ كفكرة، تزامنا مع فكرة تأسيس ناد للإخوان المسلمين، لذا بدأنا هذه المبادرة مبكرا وفى بالنا أن تكون نواة الرابطة الكروية، على أن تكون لها هتافاتها المقبولة، وأن تمارس التشجيع دون تعصب أو عنف، وتكون نموذجا فى التشجيع بديلا عما يحدث فى الملاعب الآن». ثم يذكر حسام البدرى فى حديثه بأن جماعة الإخوان المسلمين فى إحدى صفاتها هى جماعة رياضية وهناك «ورد رياضى» يقال قبل التدريبات، لكن لماذا كان اختيار اسم ألتراس ما دام الأمر مجرد مبادرة تأسيس رابطة للتشجيع؟ يعود حسام ليقول: «أنا أتحدث عن رابطة مشجعين من الإخوان فى المستقبل، وستجد الكثير من المبادرات التى تأثرت بروح الألتراس وأرادت التشبه بها، لكن على طريقتنا».
أحد أشهر الفيديوهات المنسوبة لألتراس الإخوان يعود إلى أغسطس الماضى، ويضم هتافات لمجموعة من الشباب ينشدون: «إحنا الإخوان.. بنجيب أجوان.. وبرة الملعب بنجاهد كمان». كل تلك المحاولات لم تسفر عن نموذج واضح بعد، بل شباب يحاكون ملامح الألتراس، وينطبق ذلك أيضا على نموذج مجموعة ألتراس الحرية والعدالة الإخوانى الذى شوهد فى الإسكندرية وبنى سويف أثناء انتخابات مجلس الشعب الماضية. «كلها كانت مبادرات لم تسفر عن كيان واحد يتبع الجماعة أو الحزب، بل مجرد أفكار تأثرت بروح الألتراس، وبعضها ظهر واختفى»، بحسب وجهة نظر حسام البدرى، نائب مدير شبكة نبض الإخوان.
وفى المسافة التى بدأت من ألتراس البرادعى وصولا بألتراس الإخوان يضاف إلى يمين هذه المجموعات ألتراس الإسلاميين، وهو ليس مجموعة رياضية بقدر ما هو فكرة حسبما يروى شريف عاطف (أبوحمزة) الذى يقول: «بدأ الأمر بمبادرة تجمع شباب إسلاميين من تيارات مختلفة ينتمون إلى الإخوان والسلفية والتبليغ والدعوة والأزهر، وكوّنوا فريقا إعلاميا كان أحد منتجاته فيديو ألتراس الإسلاميين الذى لفت الانتباه بشدة». ورغم أن أبو حمزة كان مشجعا مخلصا فى مدرجات النادى الأهلى إلا أنه لم ينضم لا هو ولا أصدقاؤه من قبل إلى مجموعة ألتراس حقيقية، فالكليب السالف ذكره هو ضمن أعمال فريق من الشباب الإسلامى تحت اسم «ودن واحدة» وشعارهم: «ودن واحدة مش كفاية.. نسمع بعض.. نسمع صح» الذى تحول إلى برنامج على قناة الحكمة الفضائية الآن. وبالتالى هم ليسوا مجموعة ألتراس كروية، ولا هم ألتراس سياسى، بقدر ما يحاولون استعارة روح الألتراس. ويوضح شريف أبو حمزة قائلا: «فى ميدان التحرير وأثناء أحداث الثورة على مدار عام مضى التقينا المسيحيين والليبراليين وكذلك اختلطنا بشباب الألتراس، وهدف الفيديو التأكيد أنه ليس من المستبعد على شاب إسلامى أن يحاكى شكل الألتراس». ورغم أنها كانت تجربة أشبه ببالون اختبار فقد نال الفريق تعليقات محافظة تلوم عليهم محاكاتهم الألتراس، وأنه لا يصح على شاب ملتزم أن يهتف على طريقة مشجعى الكرة، والغريب أن الفيديو كانت به هتافات للإسلاميين والأقصى وغير ذلك. لكنك «لن ترضى كل الناس»، على حد قول شريف.


حزب «بلادى»

كل هذه (الألتراسات) المختلفة لا تعبر عن المعنى الحقيقى للكلمة، حسبما يرى رامى صلاح عضو ألتراس أهلاوى الكروى الذى يعلق: «ما حدث فى هذه المجموعات مهما كان حجمها هو تقليد لنمط الألتراس فى التنظيم والهتافات والحماس الشديد، لكن الأصل هو روابط التشجيع الكروى التى نعرفها فى مصر منذ سنوات.. مع الأخذ فى الاعتبار أن داخل كل مجموعة ألتراس كروى هناك من يحملون انتماءات سياسية، لكن الرياضة تذيب كل هذا فى لحظة التشجيع». رامى صلاح هو أيضا عضو لجنة التواصل فى حزب «بلادى»، أحد الأحزاب الحديثة بعد الثورة. كان الحزب قد تصدر وسائل الإعلام قبل أسابيع بعناوين متشابهة عن أن : شباب الألتراس يؤسسون حزبا سياسيا لهم. ولا يخفى رامى صلاح أن هذه الصورة أحدثت جدلا بين أعضاء الحزب الذى ينتمون إلى الألتراس وبين قادة الألتراس الرياضى، إذ خشى بعض أعضاء الرياضى من أن تبدو مبادرة الحزب وكأنها محاولة للتشويش على عمل تلك المجموعات الرياضية الأصيلة، لذا قرر أعضاء الحزب مؤخرا ألا يتم تصعيد الأعضاء المنتمين للألتراس إلى رئاسة لجان الحزب حتى يتفرغوا إلى دورهم فى مجموعاتهم الرياضية الأصلية. الأمر الذى ارتضاه رامى صلاح، الذى وضع قدما فى السياسة وقدما أخرى فى التشجيع الكروى، مؤكدا أن روح الألتراس تركت أثرا كبيرا لدى قطاع كبير من الشباب، مما أدى إلى محاولات لاستنساخها. وينفى رامى أن يكون الحزب امتدادا لمجموعات الألتراس بأى حال، موضحا أن الحزب يعتمد فى غالبيته على شريحة الشباب مثل العديد من أحزاب ما بعد الثورة، لكن تواجد بعض الكوادر الأساسية ذات خلفية التشجيع الكروى يعطى حماسا أكبر ومجالا للحركة. ويضيف رامى صلاح: «أكبر ميزة فى روح الألتراس هى الحماس، وهو ما نريده أن ينتقل إلى روح الحزب، وطوال الفترة الماضية ــ بعد الثورة ــ كنا نحاول أن ننمى أنفسنا فى مجال العمل السياسى، وأن نقيم مبادرات خدمية أيضا، بدلا من تركها للإسلاميين فقط، فبفضل تواجدنا فى الشارع من الآن فصاعدا سيتذكرنا الناس ويتأكدون من مصداقيتنا».


ثلاثة تصنيفات عالمية


فى كتاب «الألتراس» ( دار دون، 2011) يذكر محمد جمال بشير، أحد مؤسسى رابطة «الوايت نايتس» المحسوبة على نادى الزمالك، أنه من المعروف دوليا أن هناك ثلاثة تصنيفات للألتراس والسياسة فى العالم، مجموعات اليسار أو ما يطلق عليهم «أنتيفا» وهى مجموعات تأسست على خلفيات سياسية يسارية لأفرادها، ومجموعات اليمين التى هى فى العادة مجموعات عنصرية شديدة التطرف، ومجموعات أخرى غير مسيسة نتيجة عدم توافق أفرادها على اتجاه سياسى محدد، وهو ذلك النوع الذى تنتمى إليه أغلب مجموعات الألتراس المصرية. هنا يتوقف محمد جمال بشير نافيا الصفة السياسية عن مجموعات الألتراس الكروية فى مصر.
لكن بعيدا عن ذلك فإن تلك المجموعات الكروية فى أوروبا على وجه التحديد يتبنى بعضها مواقف فاشية ونازية متطرفة فى ناحية اليمين السياسى، وعلى الجانب الآخر هناك مجموعات من الألتراس أكثر عددا اختارت التيار اليسارى، وهم الأغلبية، لكن يظل الألتراس ظاهرة كروية تأتى السياسة على هامش أنشطتها، وفى مصر تحديدا تصر مجموعات مشجعى الألتراس الكروية على عدم تبنى مواقف سياسية تاركين مساحة للأعضاء فى خارج المجموعات الأصلية.
PDF

Tuesday, January 24, 2012

الشعار الخفى للثائرين: معا ضد الأبوية


«زي والدك» آخر قشرة تحمى الديكتاتور فى مواجهة «الأبناء الثائرين» .. إن كنت «إخوانيا».. فلا تجادل ولا تناقش .. وإن كنت طالبـًا جامعيـًا «لا تغضب من أستاذك حين يستعيلك».. وحين تكون فى الكنيسة «لا تهتف ضد العسكرى»

فى مساء 10 فبراير من عام 2011 ألقى مبارك خطابه الأخير، مفتتحا عباراته بقوله: «أتوجه إليكم جميعا بحديث من القلب، حديث الأب لأبنائه وبناته». ورغم أنه تنحى عن الحكم فى اليوم التالى إلا أن تلك النبرة الأبوية مازالت أصداؤها مستمرة على مدى عام كامل فى الإعلام والسياسة، فبعد أن اختفى مبارك ظهر إعلاميون وسياسيون تحدثوا بنبرة أبوية غليظة وصفت الشباب المتظاهر بسوء التربية وقلة الأدب، وفى مواضع أخرى استخدموا النبرة الأبوية نفسها بشكل مختلف ليصبح الشباب هم الجيل الذى شرفنا. «هذه الحالة ليست جديدة.. فكل من يبحث عن الهيمنة وعن تدعيم سلطته يمارس دور الأب، لتبرير تجاوزاته وقمع أى محاولة تضعه فى إطاره الصحيح»، هذا التفسير من الدكتور أحمد زايد ــ أستاذ علم الاجتماعى السياسى بجامعة القاهرةــ يدعمه بأمثلة أخرى، منها لغة الرئيس الراحل السادات الذى أصر على استخدام ألفاظ مثل «العيب»، و«العائلة»، و«أولادى»، وكلها تحوله من رئيس إلى أب يهذب ويربى بعيدا عن تقييم إدارته لمؤسسات الدولة.
هذه الحالة الأبوية التى استمرت بعد الثورة واجهت مقاومة شبابية فى العديد من المؤسسات، وعلى رأسها مؤسسة الجامعة. «كل ما كنا نطلبه هو أن يكون لدينا صوت وتقدير لدى الإدارة، وألا يتم الاستهانة بنا فى أى وقت «، هكذا عبرت مى عزت، الطالبة بكلية الإعلام فى جامعة القاهرة، والتى انضمت لمجموعة من الطلبة فى مارس الماضى، للتعبير عن رافضهم لعميد كليتهم الذى أهان شباب الثورة قبيل التنحى، مشيرة إلى «خلفيته المنتمية إلى الحزب الوطنى المنحل».. كلها أمور دفعتهم إلى مطالبته بالرحيل مستعيرين النموذج الأكبر فى رحيل مبارك.
تقول مى: «كان يأتى بعض زملائنا ليتساءلوا: إنتوا عايزين إيه منه؟.. ده برضو راجل كبير ومحترم.. ما ينفعش تهتفوا ضده، وكنت أشعر أننا فى الموقف نفسه مع مبارك، وبعد أن جرت انتخابات العمادة فى الكلية وأتت بعميد جديد، احترمنا نتائجها.. كل ما نطلبه أن يتحقق التغيير لتدار البلد بشكل مؤسسى نزيه، وألا يتم تهميشنا فنحن من يتعلم هنا!».
مظاهر الأبوية فى الجامعة لا تتوقف على مواجهات بين الطلبة والإدارة فى ظرف سياسى، بل لها مظاهر أخرى فى العلاقة اليومية، كأن يطلب أستاذ من طلبته الحضور إلى إحدى الفاعليات التى يديرها خارج الجامعة ويلومهم بأسلوب أبوى إذا ما تهربوا من الحضور، لكن الثورة غيرت ملامح الجامعة فى العامين الدراسيين الأخيرين مع ازدياد النبرة الاحتجاجية الحقوقية بين الطلبة.. تعلق مى عزت طالبة الإعلام قائلة: «كل ما حدث لم يذهب هباء، فمجموعة الاعتصام الأولى تطورت إلى جبهة جديدة هدفها إرساء مناخ ديمقراطى بين الطلاب والأساتذة».
فى مجال التعليم يبرز الخطاب الأبوى فى ألفاظ واضحة مثل «تعالى يلا»، أو فى عبارات الشكوى من الطالب كثير الأسئلة، والهدف هو هيمنة الأستاذ وإعطاؤه سلطة مطلقة بعيدا عن المهنية، وذلك حسبما يرى الدكتور أحمد زايد ــ أستاذ علم الاجتماع السياسى ــ إذ يرى أيضا أن ضعف المؤسسات أوجد علاقة «التابع والمتبوع» داخل المؤسسات بعيدا عن اللوائح والقواعد».


لا تجادل ولا تناقش
على مدى العام الماضى أتيح المجال بشكل أكبر لتأسيس أحزاب سياسية، لكن داخل كثير من تلك الأحزاب الجديدة كان هناك هاجس من تكرار ظهور «أقطاب»، و«رموز» ينفردون بالقرار والمشهد، أحد تلك الأحزاب هو حزب «التيار المصرى» الذى صاحب تأسيسه صخبا وعناوين من نوعية: «شباب الإخوان يخالفون قرار المرشد ويؤسسون حزب التيار المصرى». وكانت الصورة وقتها عن محاولة للهروب من أبوية قيادات الجماعة إلى كيان مؤسسى يدار بشكل مختلف بين مجموعات من الشباب. «الحزب فى مجمله يضم شبابا متآلفين مع خط الثورة والتغيير، القصة بدأت فقط بمجموعة أغلبها من شباب الإخوان. لكن على أرض الواقع فأغلب أعضاء الحزب من الشباب ولأنهم مع الثورة فهم بالضرورة ضد التسلط الأبوى الذى نواجهه فى السياسة، الأمر ليس له علاقة بالإخوان فقط!»، هذا ما يراه أحد الأعضاء المؤسسين فى حزب «التيار المصرى»، أما عن التجارب الحزبية الأخرى الناشئة فرغم وجود أسماء لامعة داخلها فإن الحالة العامة مع غياب «القائد، الأب، الرئيس» قد انعكست على الأحزاب وعلى السياسة.
وفى تجارب قريبة من نموذج «التيار المصرى»، يأبى أعضاء الحزب من الشباب تقديم مشروعهم عن طريق رموز أو مشاهير. وحسب المصدر نفسه من حزب «التيار المصرى» فإن هناك هاجسا دائما من أن يحاول البعض ممارسة الدور الأبوى فى الوصاية وقمع الآراء نتيجة نشأته فى بيئة تمارس هذه السلوكيات، ويعلق على ذلك قائلا: «ليس أمامنا من حلول سوى الالتزام بفكر الحزب القريب من تطبيق الديمقراطية التشاركية ولائحة الحزب، كما أننا مستفيدون من التشبيك عبر (فيس بوك) للتواصل بين كل الأعضاء، والأهم من هذا أننا نمارس رقابة على أنفسنا، فنحن قد رأينا ما كان فى عالم السياسة قبل الثورة، ولا نريد رؤيته مرة أخرى، كذلك استوعبنا درس الانتخابات التى أثبتت لشباب الثورة أن السياسة لها قواعد أخرى بعيدا عن شهرة الشخص أو إخلاصه فقط لقضيته..».
الأمر أكثر اختلافا داخل كيانات أخرى ذات بنية مختلفة مثل جماعة الإخوان المسلمين، إذ تزايدت رهانات فى كتابات وتحليلات المعلقين على تزايد حالات انسحاب الشباب هروبا من الحس الأبوى داخل الجماعة، إذ تستمد القيادات سلطتها من تاريخها النضالى على الأصغر سنا. بعض المجموعات من شباب الجماعة دخلت فى هذا الصراع مع الأبوية وانتهى الأمر إما إلى الانسحاب أو محاولة الإصلاح من الداخل، أشهر تلك الحالات نجدها على (فيس بوك) فى مجموعة «لا تجادل ولا تناقش.. أنت إخوانجى»، يصفون أنفسهم قائلين: نحن مجموعة من شباب الإخوان المسلمين «الحاليين والسابقين» من جميع المستويات داخل الجماعة، نستهدف التغيير والإصلاح من داخل الجماعة. وفى صدر صفحتهم كتبوا: «ينبغى أن يكون الأخ بين يدى مرشده أو نقيبه أو مسئوله كالميت بين يدى من يغسله يقلبه كيف يشاء»، وهذا فى سخرية من سطوة العلاقات داخل الجماعة التى يرغب البعض فى أن تقوم على السمع والطاعة.
يرى الكاتب الصحفى عبدالجليل الشرنوبى ــ العضو السابق بجماعة الإخوان المسلمين ــ أن أزمة الأبوية قادمة من داخل تنظيم الجماعة نفسه، إذ كانت تلك السلطة الأبوية مقبولة حين كان التنظيم ملاحقا أمنيا، فكانت إطاعة الأوامر مهمة للحفاظ على تماسك الجماعة وعلى أسرارها، ويقول: «بعض شباب الإخوان يبحث عن مساحة يطور فيها فكره، لكن الأمل فى الإصلاح من الداخل، إذ نرغب فى يوم ما أن نرى نقيب الأسرة فى الإخوان عنصرا فاعلا فى مجتمعه وليس وصيا على أحد».

فى قداس عيد الميلاد
إحدى المؤسسات التى واجهت صعودا لتيار شبابى مناهض لفكر الأبوية داخلها هى الكنيسة القبطية، إذ كان أبرز آخر تلك المشاهد هو صوت بيشوى تمرى وهو يهتف «يسقط حكم العسكر» داخل الكاتدرائية خلال احتفالات عيد الميلاد المجيد الأخيرة، وذلك فى خلفية احتجاجات على دعوة أعضاء من المجلس العسكرى للحضور دون مراعاة مشاعر الحزن على شهداء ماسبيرو وأغلبهم من الأقباط.
بيشوى تمرى هو عضو المكتب السياسى لاتحاد شباب ماسبيرو، فهل الاتحاد أحد مظاهر الخروج على النزعة الأبوية لسلطة الكنيسة؟ يجيب: «أحد أهم أهداف الاتحاد هو إيجاد مجال حركة للأقباط للتعبير عن احتجاجاتهم ومطالبهم بعيدا عن السلبية، ولم يأت هذا إلا بعد الثورة التى أعطت المصريين فرصة للتعبير والتضحية من أجل هدف»، ويضيف قائلا: «هناك متضامنون مع أفكارنا من رجال الدين، هم ليسوا أعضاء فى الاتحاد بقدر ما هم مستشارون، لكن لا مجال لوصاية أو أبوية من أحد منهم.. لأنهم ببساطة أيضا فارون من هذه الأبوية». تلك المحاولات لا تهدف إلى الصدام مع السلطة الروحية للكنيسة، بل إلى رفض احتكار الكنيسة للمشهد القبطى.

Sunday, January 22, 2012

صوت الثورة الصامت .. الجرافيتى


عبد الرحمن مصطفي



فن خدش الحوائط


يعود أصل كلمة جرافيتى إلى كلمة جرافيتو الايطالية التى تعنى الخدش، ويعيد كثير من المهتمين بهذا الفن جذوره إلى الممارسات الأولى للحضارة الإنسانية قبل آلاف السنين فى محاولاتها التعبير عن الأفكار بخدوش على الجدران، لكن انتقال الجرافيتى إلى داخل إطار ما عرف بفن الشارع قد ظهر بقوة فى نهاية الستينيات، وبرز مع ثورة الشباب فى فرنسا عام 1968 كأداة لانتقاد السلطة والتعبير عن الذات، كما ظهر بشكل أكثر خصوصية فى الولايات المتحدة الأمريكية مرتبطا بثقافة الهيب هوب التى تنعكس على الأزياء والموسيقى، وكان الهدف الأساسى من استخدام الجرافيتى فى أمريكا لمقاومة طاقة العنف داخل مجتمعات السود بالفن. وهناك وسائل مختلفة للكتابة على الجدران أشهرها (الاستنسل) أى الرسوم التفريغية والدهان حولها كى يظهر الرسم فى وقت سريع، أما أهم الأدوات المستخدمة فهى الكاتر (القاطع)، الألوان أو السبراى، برنامج الفوتو شوب للتعامل مع الصور، وألواح ورقية.
أول ظهور للجرافيتى فى فترة ما قبل الثورة بمصر يرجعه المهتمون إلى مجموعة ظهرت فى حى مصر الجديدة بالقاهرة، أنتجت رسومات أحدها يحاكى الرسم التقليدى «حافظ على نظافة مدينتك»، لكن تم استبدال صورة الرجل الذى يلقى القمامة فى السلة بإلقائه أذنا كبيرة، وجوارها عبارة «عيب ترمى ودن». هذه التجربة سجلها المخرج أحمد عبدالله حين شارك فيها عام 2007، ولم يكن الجرافيتى فى مصر قبلها بهذه الاحترافية الفنية مقارنة بالعبارات التقليدية المكتوبة فى شوارع المدن أو فى رسوم الحج. ثم ظهرت مجموعات فى مدينة الإسكندرية إلى جانب ظهور فنانين آخرين بالقاهرة وتوالى الاهتمام بالظاهرة من خلال المراكز الثقافية، أما الحادث الفارق فى التعبير عن الوضع السياسى فكان مع ثورة 25 يناير، التى اجتذبت العديدين إلى التجربة، خاصة مع تشجيع بعض المجموعات السياسية على إنتاج جرافيتى فى شوارع المدن. ولم تكن رحلة فنانى الشارع سهلة بعد الثورة، إذ تعرض بعضهم للتضييق الأمنى والحبس، ومن أشهر تلك الحوادث اعتقال على الحلبى رسام الجرافيتى والناشط فى حركة 6 إبريل، إذ لم يجد زملاؤه من الفنانين وسيلة للتضامن معه أقوى من تخصيص يوم كامل للرسم على الجدران تضامنا معه. أما أشرس ما يواجهه رسامى الشارع فهو إزالة السلطات لأعمالهم، وهو ما حدث مؤخرا مع رسومات شارع محمد محمود التى يعود بعضها إلى فترة ما بعد التنحى مباشرة، إذ إن جدارا واحدا من تلك الجدران كان يحمل جرافيتى ضد مبارك وأحمد شفيق والمجلس العسكرى، تم رسمها على فترات متتالية. وفى منطقة الزمالك حيث تكثر رسومات الجرافيتى تعرضت بعض الجدران للطلاء وإزالة الرسومات، لكن ذلك لم يمنع عودة كثير من الرسامين إلى تلك الحوائط مرة أخرى، وهو ما تنتظره قريبا شوارع ميدان التحرير ضمن عمليات التحضير ليوم 25 يناير القادم.
**
عمار أبو بكر: من الجامعة إلى الشارع والعكس

«لا أحتاج إلى إخفاء هويتى فى الأقصر أو فى القاهرة أثناء الرسم فى الشارع.. ولدى أسبابى فى كلتا المدينتين». يعمل عمار أبو بكر معيدا فى كلية الفنون الجميلة بجامعة جنوب الوادى، وهو من أصحاب رسومات الجرافيتى على جدران شوارع القاهرة والأقصر، والفارق بينه وبين أغلب رسامى الجرافيتى هو خلفيته الأكاديمية، وانغماسه فى عالم الفن التشكيلى طوال السنوات الماضية، يقول عن ذلك: «كنت أشعر أن مجتمع الفنانين التشكيليين يعيش حالة غربة مع الشارع، وليست هناك طريقة للوصول إلى الجماهير، لأن اللوحة الفنية تظل أسيرة نخبة محدودة مهتمة بالفن التشكيلى». لا يوقع عمار أبو بكر على أعماله بإمضاء خاص، ولايتخفى أثناء عمله معللا ذلك بأسباب أخرى منها أن نمط حياة رسامى الشارع فى الغرب يفرض قواعد معينة متعلقة بالتجريم القانونى لعملهم، أما بالنسبة إليه فإن وجوده فى مجتمع مدينة الأقصر لأكثر من عشر سنوات يجعل محاولة إخفاء هويته أمرا لا فائدة منه، أما عن عمله فى شوارع القاهرة فيقول: «الرسم فى شوارع مثل محمد محمود أو حول ميدان التحرير ليس بطولة تتطلب التخفى، خاصة إذا تذكرنا أن هناك من استشهدوا أو فقدوا أعينهم فى تلك الأماكن.. فما معنى التخفى وهناك من يواجهون الرصاص بصدورهم»؟.
ينقل أبو بكر الكثير من الأحداث إلى الجدران، ويرى فى ذلك وسيلة بديلة لعرض الحقيقة فى مواجهة اعلام لا ينقل الحقائق على حد قوله. وبين رسم الشيخ عماد رفعت ذى الوجه السمح فى مواجهة سلطة وجوه أخرى أكثر تشددا وعداء للثورة، أو رسم فتاة تعرت قسرا أثناء أحداث مجلس الوزراء، تصل الرسالة التى يسعى إليها، والهدف هو إبقاء الحدث أطول وقت ممكن فى أذهان المارة من أمام سور كلية الفنون الجميلة فى مدينة الأقصر أو فى غيرها من الأماكن. وفى السنوات الماضية كان بالإمكان ملاحظة تأثر عمار أبوبكر كفنان تشكيلى بالبيئة الجنوبية حيث يقيم فى الأقصر بحكم العمل، لكن هناك هاجسا آخر ظل يلاحقه حتى اليوم، ويقول شارحا: «فى العام 2005 أسسنا جمعية المحروسة لرعاية التراث والفنون المعاصرة، وكنا نهدف وقتها إلى تسجيل ما حولنا فى مجتمع الجنوب بكل وسيلة نجيدها، وفى الأقصر الأجواء مختلفة تماما عن الحالة الفنية فى القاهرة، حيث النزعة التجارية، والمحصلة أننا لا نصل للجمهور». بهذا الوعى فى التفاعل مع المجتمع، التحم عمار أبو بكر مع أجواء الثورة، وحسب عبارته فهو «ليس ناشطا سياسيا». لكن ذلك لم يمنعه من التواجد فى يومى 25، 26 يناير الماضيين مع بدء أحداث الثورة، وبعدها عاد إلى الأقصر، حيث يعمل، ويكمل قائلا: «كانت اللجان الشعبية فى الأقصر تقوم بدورها فى حماية المنشآت والآثار، لكن الشائعات كانت تنتشر بقوة، ولم تكن هناك أى وسيلة سوى الجرافيتى، وفى فترة حكم المحافظ سمير فرج كانت تتم ازالة الرسومات بشكل متتال، وبعد أن أنهكت قواى عدت إلى القاهرة بعد موقعة الجمل بيومين».
منذ تلك التجربة أصبحت رسوماته على الجدران أكثر ارتباطا بالحدث وأكثر قربا إلى الجماهير خارج صالات العرض، وفى حالات كثيرة كان الهدف هو تشجيع الناس على المشاركة، أشهرها جرافيتى: «انزل الشارع». وفى 28 أكتوبر الماضى كانت هناك فرصة أكبر للتعاون مع فنانين آخرين فى فعالية يوم الجرافيتى والرسم على الجدران تضامنا مع على الحلبى ناشط 6 أبريل.
تختلف نظرة عمار أبو بكر إلى طريقة توصيل رسالته باختلاف الجمهور المستهدف، ويوضح ذلك قائلا: «حين رسمت أمام مجلس الوزراء فى الاعتصام الأخير، كنت أعلم أن رسالتى مزدوجة، إذ كانت الرسالة الأولى إلى المعتصمين فى مشاهدتهم لرسم الطبيب أحمد حرارة الذى فقد بصره فى أحداث الثورة، واخترت أن ألبسه قناعا للغاز فى إشارة إلى أنه عائد مرة أخرى إلى مكانه، وكأنها رسالة طمأنة للثوار، أما الرسالة الثانية فكانت إلى جنود الأمن وكاميرات المراقبة هناك، إذ تكفيهم رؤية جرافيتى: عايزين عينك يا مشير، حتى تصلهم الرسالة. أما فى الصعيد فيتبع أبو بكر وسائل أخرى لإيصال رسالته، كأن ينقل أشعار الأبنودى فى قصيدة «لسه النظام ماسقطش» متوقعا انعكاساتها على المارة، يعلق قائلا: «رجل له حضور مثل الأبنودى من المؤكد أن كلماته سيكون لها مصداقية أكبر.. وهذا هو الهدف أن تصل معانى الثورة».
فى زحام الشوارع لم يفقد أبو بكر حس المحاضر الأكاديمى الذى استغله فى ورشة تدريبية على رسم الجرافيتى تبناها حزب التحالف الشعبى بالقاهرة، ونزل مع الدارسين فى الورشة كى يرسموا معا فى الشارع. ولم تكن محاضراته مقتصرة على تقنيات فن الشارع فقط، بل عرض جذورا أبعد من ذلك يشرحها قائلا: «كلمة جرافيتى لها أصل لاتينى بمعنى الخدش، أى أننا أمام فنون نتجت من التعامل مع الجدران، وهو ما عشت معه فترة طويلة فى فنون مصر القديمة على الجدران».
فى أعمال المصرى القديم ظهرت مظاهر التمرد فى فترات انتقالية ظهرت فيها خفة ظل الفنان وخروجه على التقاليد، وفى الفن التلقائى المتصل برسوم الحج حديثا لاحظ أبوبكر هذا الحس فى رسم راقصة على جدار يحمل صورة الكعبة فى كسر لكل التقاليد أو القيود، ويعلق قائلا: «فن الرسم على الجدران أقدم من كونه ظاهرة جديدة فى حياتنا ظهرت قبل سنوات».
**
كايزر KEIZER: كن فخورًا بما ترسم

بنطلون ملطخ بالألوان، وسويت شيرت يخفى به شعره الكثيف، ولحية قصيرة، كحاله أثناء عمله على رسوماته فى شوارع القاهرة، يتلو رسام الجرافيتى كايزر ــ حسبما اختار أن يعرف نفسه ــ القانون الأول والأخير فى عالم فن الشارع: «القانون الأول أنه مفيش قوانين، ومفيش خط أحمر، وطول ما أنا حر يبقى انا فى الطريق الصح». اختار كايزر عدم ذكر اسمه الحقيقى، كما اختار إخفاء هويته عن متابعيه عمدا، مقتنعا بأن إمضاء اسمه KEIZER فى أسفل رسوماته كاف.. فالأهم بالنسبة إليه هو العمل ورسالته.
ينزل وحده ليلا مستهدفا أحد الجدران التى درسها قبل ذلك بفترة، دون الاهتمام بإظهار نفسه أو لفت الأنظار، يقول: «لا أعمل ضمن مجموعة أو شلة، وأخفى هويتى تحسبا لأى ضرر قد يقع لى عند تنقلى من مكان لآخر، خاصة أنى لا أركز رسوماتى فى منطقة واحدة، وأنصح بعدم التباهى فى هذه الفترة التى نعيشها لأننا لا نعلم ما قد يواجهه فنانو الشارع مستقبلا». لم يتعرض كايزر لمشاكل حادة أثناء عمله، فهو فى نظر المارة «فنان مغامر مفتون بالرسم»، لكنه قبل أشهر مضت استضافته سيارة شرطة وطافت به قليلا قبل أن يتوعده الضابط، مع ركلة تبرع بها المعاون دون سبب واضح.
اختار كايزر خطا مختلفا يعبر عن قناعاته حول فن الشارع، فى مرة نرى وجه أم كلثوم فى رسم على الحائط، ومرة أخرى جملة بالانجليزية مثل: Who Watches The Watchers؟ أو من يراقب المراقبين؟ وفى مرة ثالثة صورة لميكى الشخصية الكارتونية الشهيرة، دون الاهتمام بتوجيه رسائل مباشرة، يعلق على ذلك قائلا: «الباب مفتوح لتفسير كل رسم حسبما يراه المار، قد يكون تفسيرا سياسيا أو اجتماعيا أو شخصيا، وهناك مدارس فى الفن التشكيلى تحذو هذا الحذو.. الأمر ليس جديدا». تنتقل المناقشة إلى رسم شهير لوجه الفنان النوبى أحمد منيب وجواره عبارات من أغنية فى دايرة الرحلة تقول: «رحلة يا رحلة.. يا صعبة يا سهلة.. رحالة خطْوتنا»، ثم أعلى كل هذا جملة تقول: أصلى يا منيب. فى نقاشه لا يحاول ترجمة عمله بقدر ما يضع هذا الرسم نموذجا يمكن تفسيره حسب ثقافة كل شخص، إذ يمكن اسقاط المضمون على أمور سياسية أو اجتماعية أو شخصية، يضيف متحمسا: «الرسالة لابد أن تكون مقروءة فى كل وقت، ويمكن نقلها إلى أماكن عديدة حول العالم.. كأن ترسم وجه فتاة محجبة، هذا أمر لا يتعلق بمصر فقط، بل هو وجه يمكن رؤيته فى أى مكان فى العالم، والمضمون المعادى للقهر أيضا ذى محتوى إنسانى».
بدأ كايزر علاقته بفن الشارع من خلال التواصل مع فنانين خارج مصر، وكان بداخله قرار البدء لكنه تأجل كثيرا، وطوال سنوات مضت دار سؤال برأسه: «هل نعيش من أجل جنى الأموال دون العمل من أجل رسالة أو قيم بداخلنا؟». ومع بدء الثورة تفرغ لفن الشارع وودع مجال الدعاية والاعلان الذى احترفه لسنوات، ومع بدء أحداث الثورة انتفض داخله الحس الثورى ضد مجالات كثيرة مثل معاداة النزعة الاستهلاكية وتسلط المؤسسات العملاقة، وكذلك الظرف السياسى الحالى، وطوال هذا العام لم يعمل كايزر فى وظيفة تقليدية تدر عليه مرتبا ثابتا. وقبل عدة أشهر كان كايزر ضمن عدد من الفنانين فى معرض فنى تحت عنوان «ده مش جرافيتى»، وفى ديسمبر الماضى شارك فى معرض آخر تحت عنوان «صمود».
فى هذه المعارض لن يجد الزائر كايزر واقفا جوار إحدى رسوماته، ويعلق على ذلك ساخرا: «لست بصدد إصدار ألبوم غنائى أو فيلم جديد حتى يصبح وجهى إحدى وسائل إيصال رسالة العمل».. وينفى أن يكون هناك أهداف تجارية تقليدية من هذه المشاركات، يضيف قائلا: «فنانو الشارع فى الغرب يربحون أموالا طائلة بسبب سمعتهم ونجاح أفكارهم فى الوصول إلى الجماهير، وأنا آمل أن ينتقل هذا إلى مصر بعيدا عن الفكر التجارى التقليدى، ما أطمح إليه شخصيا أن أجد رسما لى على منتج مختلف يعبر عن روح التمرد.. لكنى لن أكون أبدا تحت سلطة مؤسسة تقليدية تمتهننى، هذا الأمر لا يشغلنى الآن، على سبيل المثال فى المعرض الأخير، قدمت العمل على جدار، ولم أقدمه على لوحة تباع، ولم أندم على ذلك».. على موقعه على الانترنت العديد من الصور لرسومات منتشرة فى شوارع القاهرة، بعضها استعار فيها خبرته السابقة بفن الخط، إذ كتب فى إحداها: «الكلام خسارة فى حكومة غدارة». أجواء السخرية التى تبدو فى كثير من رسوماته لا تتضح فى نبرته الجادة والمثالية أغلب الوقت. وفى صفحة التواصل مع زوار الموقع كتب: I Don’t Exist! بمعنى: أنا لست موجودا، ورغم هذه الحالة التى قد تبدو على الموقع إلا أن نشاطه المكثف دفعه إلى البحث عن جدران جديدة على أطراف مناطق شعبية مثل الكيت كات وأرض اللوا وميت عقبة، مع احتمالات أكبر للتعرض لمزيد من أسئلة المارة، فهل ينتقل ما يقدمه على أطراف هذه المناطق إلى داخلها بواسطة أبنائها حين يجيدون فن الشارع؟ يجيب: «لن يحدث هذا إلا بالتجربة، وأن يضحى الشاب بجزء من وقته لعرض فكرة تلح على رأسه». يصمت قليلا ثم يستطرد: «يكفى فخرا لصاحب رسم الجرافيتى بأن تصل فكرته برسم دون أن يتبقى من شخصيته الحقيقة سوى توقيع أسفل الرسم».
موقع كايزر على الإنترنت:
www.wix.com/keizerstreetart/cairo

**
نيمو NEMO فى المنصورة: ارسم واجرى

قبل كل مرة يتجه فيها أحمد نيمو ــ حسبما يناديه رفاقه ــ لرسم جرافيتى فى أحد شوارع مدينة المنصورة، يختار المكان جيدا، والمواصفات المطلوبة هى: مكان يلفت نظر المارة على طريق للمواصلات العامة، وأن تكون المساحة مناسبة بحيث لا تضيق عليه عمله أو على حد تعبيره «ببقى عايز أنا اللى اتحكم فى الرسالة اللى عايز أوجهها مش العكس». أما لحظة الرسم نفسها فلا يحتاج نيمو إلى وقت طويل، يشرح ذلك قائلا: «لازم أخلص فى أسرع وقت، يعنى تقريبا بارسم واجرى!». ولا تعبر تلك العبارة عن حبه للتسرع، إذ إنه يقضى ساعات فى التحضير لهذه اللحظة، لكن السبب الرئيسى هو قلقه من ردود أفعال المارة غير المتوقعة، لذا تبدأ رحلته فى كل مرة بعد منتصف الليل، وفى كل مرة تكون هناك صحبة من الأصدقاء، أحدهم يراقب الأجواء، وآخر يستأذن من الأهالى إذا ما تطلب الأمر ذلك. ويعلق على ذلك بقوله: «فى القاهرة أصبح هناك وجود كثيف لرسامى الشارع، حتى إن كثيرا منهم لم يعد يخشى الرسم فى وضح النهار، والنقاش مع المارة، خاصة فى أماكن مثل ميدان التحرير إذ اعتدنا مشاهدة الجرافيتى هناك، أما فى المنصورة فما زال الأمر حديثا وغريبا.. أستطيع أن أؤكد أننى إذا ما حاولت الرسم قبل منتصف الليل أننى سأواجه مشاكل».
يدرس أحمد نيمو طب الأسنان فى المنصورة، ولم يقاوم حب الرسم منذ طفولته، وفى بعض الأحيان ما يمر أحدهم على نيمو أثناء الرسم ليلا ويواجه سؤالا تقليديا عن دراسته، ويفاجأ صاحب السؤال بأنه لم يدرس الفن. لكن ما يعزيه هو قناعته بأن «الطب لابد أن يتوافر فى دارسة العلم والموهبة والفن، وإذا ما استطاع الموازنة بينهم سيصبح طبيب أسنان ناجح»، وهذا نقلا عن إحدى المحاضرات التى درسها فى الكلية. لكن هؤلاء المارة الأبرياء الذين يتجاوبون مع ما يقدمه من رسم على الحوائط ليسوا الأغلبية، فقد تعرض واحد من رسوم نيمو الأخيرة للتشويه بعد رسمه بأيام قليلة، وكان عن الصورة الشهيرة للجندى فوق سطح مجلس الشعب وهو يهدد بالتبول على المتظاهرين بالأسفل، ونقل نيمو هذه الصورة إلى جدار أحد شوارع المنصورة العامة كاتبا تحتها «شعبى وأنا حر فيه.. أعمل عليه بى بى».
هذا الرسم تعرض لمحاولة الطمس، وكان تعليق أحمد نيمو: «الناس مش عاوزة تشوف الحقيقة!».
ومنذ سن السابعة عشرة سنة بدأ شغفه بالجرافيتى، واليوم يكاد يكون الأشهر فى مدينة المنصورة دون أن يعرف ملامحه أغلب المارة، بدأ الأمر لديه بالاهتمام بالجرافيتى المرسوم على جدار غزة العازل قبل سنوات، خاصة رسومات الفنان البريطانى (بانكسى) فى تلك الفترة، ومع القراءة حول فن الشارع، والدخول إلى مواقع تشرح طرق متعدد لممارسة الرسم على الجدران، اختار نيمو التجربة والخطأ حتى وصل إلى مستواه الحالى، لكن تظل تجربة الانضمام إلى إحدى مجموعات الألتراس المصرية بمثابة تجربة أخرى أهم بالنسبة إليه، يعلق على ذلك قائلا: «فى وسط مجموعة الألتراس تتعرف على جميع الطوائف والثقافات والاهتمامات، ودرجات متفاوتة فى الموهبة، ونقاش جماعى يدفع إلى الأمام». الأعمال التى شارك فيها نيمو مع الألتراس كانت لها طابع المجموعة، وهو ما يختلف تماما عن عمله بمفرده الذى يعبر عن شخصيته وقناعاته. يضيف قائلا: «الشىء الملفت فى هذه التجربة أنك لن تجد مجموعة ألتراس تحاول إزالة أو تشويه رسم مجموعة أخرى حتى إن كانت مجموعة لفريق منافس».
فى عالمه الصغير داخل المنزل، لا يواجه صعوبات مع الأسرة التى تقدر ما يفعله، حتى إن حجرته تحمل رسما لمغنى البوب الراحل مايكل جاكسون، رسمه فى وقت فراغه، أما الأدوات التى يعمل بها من ألوان وألواح ورقية وكاتر فيراها غير مكلفة بالمرة. كل ما يطمح إليه هو انتشار ذلك الفن فى مدينته المنصورة.
صفحة نيمو على فيس بوك:
www.facebook.com/egynemo