Tuesday, February 12, 2013

أطباء سوريون يخدمون جاليتهم فى 6 أكتوبر

لم يمت الطفل فى اشتباكات داخل الأراضى السورية، بل مات فى الطريق من مساكن عثمان قرب طريق الواحات إلى مدينة 6 أكتوبر جنوب القاهرة، حين لم يجد الأب وسيلة مواصلات تنقله فى ذلك الوقت المتأخر من الليل، فأخفق فى إنقاذ نجله المريض. «لمثل تلك الحالات أسسنا مركز عيادات النخبة التخصصية لرعاية أبناء الجالية السورية فى مدينة 6 أكتوبر». الحديث هنا لـ (ب. أ) المدير الطبى للمركز الذى تعمد إخفاء هويته خشية إلحاق الضرر بأسرته فى سوريا. يقع المركز على بعد 10 دقائق بالسيارة من ميدان الحصرى الشهير بمدينة 6 أكتوبر، وتكاد تقتصر المواصلات فى تلك الناحية على سيارات النقل والتوك توك، حيث تقع مشقة أكبر على المريض، الذى لا يجد بديلا سوى المستشفيات ذات التكلفة العالية.
«ثمن تذكرة الزيارة 10 جنيهات فقط، وهو أجر رمزى إذا ما قورن بتكلفة الكشف فى أى مستشفى آخر، أما الهدف الأساسى من المركز فهو إبعاد شبح الإفلاس عن الأسرة السورية التى ترعى مرضى يتكلفون مئات الجنيهات شهريا»، مازال الحديث للمدير الطبى للمركز .
تكثر أعداد الأسر السورية فى مدينة 6 أكتوبر عن بقية المدن المصرية، لذا تبرز بينهم شرائح فقيرة من اللاجئين لا تستطيع الإنفاق على علاج أفرادها المرضى، ويدير مركز النخبة الطبى مجموعة من الأطباء السوريين الذين يعانون هم أيضا من تدنى أجورهم مقارنة بما كانوا عليه فى بلدهم، إذ قارب دخل الطبيب السورى قبل الثورة السورية حوالى 2000 دولار شهريا، فى حين يتقاضى الطبيب هنا فى المركز حوالى 1500 جنيه مصرى تقدمها (الرابطة الطبية للمغتربين السوريين) الراعية للمركز . تلك النقلة الاقتصادية شعر بها كل الأطباء السوريين المقيمىن فى مصر، ما دفع بعضهم إلى الانتقال إلى دول أخرى مثل موريتانيا أو السودان أو ليبيا بحثا عن وضع اقتصادى مقبول. يعلق المدير الطبى للمركز قائلا: :«هربت من سوريا ولم أستطع خدمة أهلى هناك، لذا أتشبث بموقعى هنا بحثا عن خدمة إخوانى .. أما الأهم فهو أن مصر أكثر أمنا عن غيرها من الدول».
فى بلدته الواقعة جنوب سوريا تعرض للتضييق أثناء عمله كطبيب، حتى وصل الأمر إلى تصفية الكوادر الطبية من زملائه لأسباب طائفية بين الجبهات المتناحرة .
يخرج ورقة من أمام مكتبه فى حضور المدير الإدارى وبدأ كل منهما فى سرد احتياجات المركز، من أجهزة ومستلزمات طبية . «عرضت على أحدهم أن يشترى جهازا لمعمل التحليل على أن يسترده حين نعود جميعا إلى سوريا، وما زلنا فى الانتظار». الحديث للمدير الإدارى للمركز.
بدأت قصة المكان حين قررت الدكتورة المصرية فاتن حسن تأسيس المركز ثم قدمته بإيجار زهيد لمجلس الإدارة الحالى بهدف خدمة الجالية السورية، تتحدث عن ذلك قائلة: «كنت على صلة بإحدى الجمعيات الخيرية، وعلمت بالفكرة من هناك، واتخذت قرارى بالمشاركة». تعمل الدكتورة فاتن الآن كطبيبة طوارئ داخل المركز فى ساعات محددة بشكل يومى لاستقبال الحالات العاجلة، أما أهم ما وفرته الطبيبة المصرية لزملائها السوريين فهو أن المركز يحمل تصريحا حكوميا، ما سهل عليهم اجراءات البدء.
تنفق الرابطة الطبية للمغتربين السوريين على المشروع، وقد تأسست بهدف خدمة اللاجئين السوريين فى المخيمات وتطبيب متضررى العمليات فى الداخل السورى، وتضم الرابطة أطباء سوريين متخذة مقرها الرئيسى فى المملكة العربية السعودية، وترخيصا من فرنسا.
يعلق منسق الرابطة الطبية للمغتربين السوريين فى القاهرة ــ متحفظا على ذكر اسمه أيضا ــ قائلا: «كان وجود كوادر طبية ومهنية عالية فى مصر عاملا مساعدا فى تأسيس المركز، وكل طموحنا الآن أن يكون المركز أكثر تطورا، وأن يكون همزة وصل بين لجنة الإغاثة فى نقابة الأطباء المصريين وأصحاب الحالات الحرجة فى الجالية السورية».
يخفى الجميع هويته أثناء الحديث، خاصة بعد ما راج داخل مجتمع الجالية السورية فى مدينة 6 أكتوبر، عن وجود مندسين تابعين للنظام السورى داخل العمل الإغاثى، ما يصنع أزمة عند التوسع فى الدعاية للمركز، وخشية لدى العاملين وأهلهم من أن يكونوا أهدافا لشبيحة بشار الأسد .
يختم المدير الطبى لمركز عيادات النخبة التخصصية : «أستقبل حوالى من 50 إلى 70 مريضا بصورة يومية .. بعضهم من غير السوريين، لكن ما زلنا نعمل بالحد الأدنى، ونحتاج المزيد من الأجهزة، وهذا ما نسعى إليه فى القريب العاجل».

Wednesday, February 6, 2013

حواء تقاوم الاستبعاد من الميدان

-         ازدياد العنف و ظهور أخلاقيات الاعتصامات الممتدة يهدد مشاركة المرأة
كتب – عبد الرحمن مصطفى
وسط ركن مظلم ناحية ميدان سيمون بوليفار قرب ميدان التحرير، تختلط صيحات الشباب، مع دخان الغاز المسيل للدموع، حيث كانت تقف الناشطة  شيماء حمدي، عضو المكتب السياسي لحركة شباب من أجل العدالة والحرية، تحاول التصوير عدة مرات بكاميرتها، والتواجد قرب زملائها هناك. "ساعات تلاقي شاب جاي بيقولي ، ابعدي .. انتي بنت !". تتلقى كثيرا هذه العبارة، وتستجيب أحيانا حرصا منها على عدم التوغل في مشهد مربك، لا تتضح فيه ملامح العدو من الصديق.
بعض الناشطات خاضوا معركة أعنف داخل ميدان التحرير كان الهدف منها استبعاد الفتيات من الميدان. "أؤمن بوجود أيدي للأمن في الدفع بمجموعات للتحرش بالفتيات، هذا ما كان يحدث في أيام مبارك، والنظام كما هو بنفس عقليته"، رغم ذلك ، تواصل الناشطة  شيماء حمدي تفاؤلها بمشاركة الفتيات قائلة : "لم توقف الاعتداءات كثير من الفتيات أن يشاركوا في الأحداث، ورغم قلة أعداد المشاركات في أوقات الاشتباك عن أوقات المسيرات السلمية، فهذا ليس دليلا على الانسحاب". في الأسابيع الأخيرة ازداد حضور مجموعات مثل الألتراس، واللجان الشعبية لحماية الميدان، والبلاك بلوك، وكلها مجموعات لا تضم فتيات في داخلها، وكأنه استبعاد غير مباشر للفتيات. "من الخطأ أن ندين مجموعات مثل البلاك بلوك أو الألتراس أو أن نربطها بالعنف ضد الفتيات لمجرد أن عضويتهم مقصورة على الشباب فقط، فعلى سبيل المثال بعض الفتيات كن يخرجن في مسيرات أغلبها من شباب الألتراس وكانت أكثرها أمانا". تعلق داليا عبد الحميد مسئولة برنامج النوع الاجتماعي وحقوق النساء بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ، رافضة الربط بين بروز مجموعات ذكورية في الميدان وبين وقوع اعتداءات جنسية على الفتيات، أو أن تكون تلك الحالة الذكورية طاردة للحضور النسائي.
تعيد داليا عبدالحميد تدهور وضع الفتيات في بعض الفعاليات إلى الدولة نفسها، حين انتهكت "السلطات أجساد الفتيات في كشوف العذرية، وتعريتهن في أثناء الاشتباكات" على حد قولها، بينما تشير دراسات وتقارير على مدار العامين الماضيين إلى تدهور تمثيل المرأة بصفة عامة في المجالس النيابية، وفي تمثيل قضاياها داخل الدستور.
"أصبحتُ عارية تماما وتدفعني الكتلة الملتفة حولي إلي الممر المجاور لمطعم هارديز .. أنا داخل هذه الدائرة المغلقة بإحكام، وكلما كنت أحاول أن أصرخ، أو أن أدافع عن نفسي واستنجد بمخلص كانوا يزيدون من عنفهم واغتصابهم". وقعت هذه الحادثة في جمعة "عيون الحرية" يوم 23 نوفمبر 2012 على أطراف ميدان التحرير، و احتفظت الفتاة الناجية من الاغتصاب بقصتها حتى تكررت الاعتداءات على فتيات أخريات في يوم جمعة 25 يناير 2013 . فقررت نشر شهادتها من خلال موقع مركز "نظرة"  للدراسات النسوية على الانترنت. بعض ناشطات مجموعة عمل "قوة ضد التحرش" لم يسلمن من الاعتداءات الجنسية، وتذكر سلمى شامل إحدى متطوعات المجموعة في توثيقها للحادث على صفحتها على الفيسبوك ، أنه كان هناك من المعتصمين من تظاهروا بالدفاع عنها لكنهم كانوا يتحرشون بها.
مؤخرا التفت العديد من النشطاء إلى حالة ميدان التحرير، بعد أن ظل مغلقا طوال شهور الاعتصام الأخير من نوفمبر حتى الآن، يعيش داخله مجموعة فريدة صمدت وسط تهديدات الأمن  واشتباكات دائمة مع الباعة الجائلين. هذا ما لفتت إليه صفحة "كلنا خالد سعيد" مؤخرا حين كتب أدمن الصفحة عن ميدان التحرير : " لازم منبقاش دافنين راسنا في الرمال وبنحاول انكار أي جرائم أو أخطاء بتحصل من بعض المجرمين اللي بيلاقوا مناخ جيد لتواجدهم بعد ما أغلب المعتصمين اصحاب القضية يسيبوا الميدان! ". تلك الأزمة نفسها ظهرت مع اعتصامات طويلة أقيمت خارج مصر، مثل اعتصام حركة "احتلوا وول ستريت" بالولايات المتحدة الأمريكية في العام 2011، حين اندس بين المعتصمين من قام باعتداءات جنسية على فتيات في الاعتصام، مستغلا تسامح المعتصمين مع المنضمين إليهم .
وسط حالة غياب التنظيم والاحتكاكات العنيفة المستمرة على مدار الأسابيع الماضية داخل الميدان، علت الأصوات الذكورية للتحكم في تلك المساحة. هذه النتيجة اكتشفها المتظاهرون مع ذكرى الثورة، حسبما يرى أكرم إسماعيل ،الناشط السياسي في حزب التحالف الشعبي، إذ يقول : "أصبح الميدان أكثر توحشا، مع وجود عصابات مسلحة به و وقوع حالات اغتصاب على أطرافه، وأصبحت عناك عناصر طاردة للفتيات من مكان الحدث".
يتحدث أكرم عن أزمة ميدان التحرير الذي غاب عنه أي تنظيم سياسي ، إذ كانت القوى السياسية تدعو إلى الاعتصام، ثم تنسحب بدون اعلان، ويتعرض من يصرون على البقاء إلى كل أشكال التحرش والقمع، وفي غياب سلطة الدولة و رحيل القوى السياسية يظهر مجتمع جديد في الميدان بدون "سلطة" ، أكثر جرأة، وأكثر احباطا وأكثر ميلا للعنف ، وأكثر كفرا بالمسار السياسي، و ينعكس ذلك على الحضور النسائي في المكان، الذي أصبح غير مألوف بعد شهور من اعتصام تحولت التعاملات داخله إلى سلوكيات غليظة، وهو ما يشجع على وقوع حوادث التحرش والاغتصاب، أو استخدام تلك الغلظة مع الفتيات، كما يسهل إقحام وتجنيد عناصر تابعة للأمن، يتم استغلالها فيما بعد. هذا ما يراه أكرم اسماعيل الناشط السياسي، الذي يضيف: " لا  يمكن في الحقيقة الآن تبين المجموعات المخترقة أو المأجورة من المجموعات الثورية العنيفة".
رغم ذلك لا يختفي الأمل الذي تسجله بعض الفتيات على صفحاتهن على الإنترنت، مثل سارة خورشيد الطالبة التي لم تتجاوز 19 سنة ، كتبت عن ضبطها متحرش في أثناء اشتباكات قصر النيل، ووجدت من ساندها في طرده من الموقع، وتسجل ذلك الموقف ناصحة غيرها قائلة: "لم أفكر قبل ضبط "الحيوان" المتحرش .. أنا مؤمنة أن الثورات ليست فقط ضد نظام ظالم، بل الثورة طريق لبداية جديدة، يجب أن تبدأ بتغيير كل شيء: النظام ، و أنفسنا ، ومن حولنا".
عولمة الكفاح !
بلاك بلوك.. أناركية.. ألتراس: مظهر واحد وواقع مختلف
كتب – عبد الرحمن مصطفى
ما زال أعضاء شبكة فيسبوك الاجتماعية يتبادلون صورة أول ظهور لمجموعات بلاك بلوك، قرب ميدان طلعت حرب في وسط المدينة، حين قرر أفراد منهم إقامة صلاة المغرب ، و لم يخلو الأمر من تندر مجموعات يسارية لديهم إطلاع أكثر على تكتيك بلاك بلوك حول العالم. وتكشف الأحداث المتتالية عن أن تكتيك البلاك بلوك أشبه بحلقة في سلسلة من أفكار انتقلت من الغرب إلى مصر ، نتيجة سهولة التواصل والحصول على معلومات عبر الإنترنت.
في صفحة "احتلوا وول ستريت Occupy Wall St" الأمريكية على شبكة فيسبوك، صورة لمتظاهر على وجهه قناع "فانديتا" الشهير أمام مدرسة الليسيه المنهوبة... اجتذبت الصورة أحد المعلقين الأمريكيين وكتب قائلا: "على الأقل أصبح لدى المصريين القدرة على الفعل وعدم الاكتفاء بالشكوى خلف شاشات الكمبيوتر مثل الأمريكيين". تلك المشاهد والصور يدركها الغربيون بشكل مختلف عن المصريين، على سبيل المثال: تعرضت السينما الأمريكية لبعض الأفكار المعادية للرأسمالية وانتهاكها لآدمية البشر، بل والثورة على السلطة، مثل فيلم V for Vendetta الذي يحرض على الوقوف ضد النظام والثورة عليه. لكن تلك النماذج أصبحت في مصر مجرد واجهة لعمل ثوري، بينما لم تحقق الغرض نفسه في الغرب.
أغلب الدول الأوربية و كذلك أمريكا تدين استخدام تكتيك البلاك بلوك، خاصة أن بعض المجموعات الأناركية (اللاسلطوية) تتبنى هذا النهج في التعبير عن مطالبها ، ومن ضمن ما تتبناه مفهوم "العمل الدعائي" الذي يستخدم أساليب عنيفة للوصول إلى أغراضهم، لذا ليست مفاجأة أن تكون بداية الدعاية لتكتيك البلاك بلوك في مصر على يد مجموعات تنتهج الأناركية، من ذلك مجموعة (المشاغبين) التي أعلنت قبل أشهر عن عمليات إحراق سيارات أمن مركزي وأهداف أخرى. هذا التكتيك حين تواجد في مظاهرات حركة "احتلوا وول ستريت" العالمية، وصفه أحد نشطائها البارزين بأنه "سرطان"، وأنه "منافي لسياسات الحركة بسبب اخفاء هوية النشطاء، واللجوء للعنف في بعض الحالات". و ترى حركة "احتلوا وول ستريت" في الربيع العربي مصدر إلهام لها رغم اختلاف أهدافها المعادية لاختلاط المال بالسلطة وسطوة الشركات العملاقة في الولايات المتحدة، عن أهداف الاحتجاج في مصر، ما جعلها تستقطب نشطاء مصريين وتونسيين لزيارة اعتصامهم.
هذا التوجه العالمي في استخدام تكتيكات البلاك بلوك في أوقات التظاهر، يتخذ مسارا آخر في مصر، على سبيل المثال : نشرت صفحة حركة "الكتلة السوداء المصرية 2 "على شبكة فيسبوك نتائج اجتماع حركات ثورية كانت معتصمة في ميدان التحرير قبل 25 يناير الماضي، وتوزع أفرادها داخل مجموعات، على اختلاف توجهاتهم. ومع انتشار الفكرة تكونت مجموعات أخرى اختلفت انتماءات أصحابها، إذ قد يجد المتابع لأحداث ميدان التحرير وأماكن الاشتباك في الأيام الماضية أنه قد تتجاور مجموعتين ترتدي الأقنعة السوداء ، و يظهر بين المجموعتين خلاف على موقف خاص بتأمين ميدان التحرير أو القبض على أحد المندسين داخل المظاهرات، ورغم المظهر الواحد والاتفاق على أن ظهور الأقنعة السوداء هو رد فعل على الميليشيات الاسلامية ، لكن يبرز الاختلاف بين مجموعات اختارت العمل على تأمين المظاهرات ومنع الاندساس داخلها، ومجموعات أخرى لديها استعداد للاشتباك العنيف. وتظهر انتماءات الأفراد في مواقف عفوية ، مثل استخدام آيات قرآنية في صفحات البعض، ومجموعات أخرى يظهر انتماء أفرادها إلى مجموعات الألتراس ، تستخدم شعار النادي فوق أقنعتهم.
هذه الحالة تعيد إلى الأذهان قصة دخول الألتراس إلى مصر في العام 2007، حين كانت فكرة بين مجموعة صغيرة، وجدت حالة خانقة في أوساط التشجيع الرياضي، وكان الإنترنت هي الأرض التي نمت فيها بذرة الألتراس ، ثم ظهرت الخصوصية المصرية قبيل ثورة 25 يناير 2011، حين قرر الشباب التواجد بأسلوبهم وسط المتظاهرين. ومن وقت إلى آخر تظهر دلائل وجود صلات بين الحركات المصرية و مثيلاتها حول العالم، ربما على سبيل التضامن أو رغبة في اظهار وجه التشابه بينها و الحس العالمي، فيقرر مثلا عدد من مجموعات الألتراس حول العالم التضامن والعزاء لألتراس أهلاوي بعد حادث استاد بورسعيد في العام الماضي .

Thursday, January 31, 2013

الأرزاق على الله

عبدالرحمن مصطفى
 تتشابه صناديق ماسحي الأحذية على أرصفة شوارع القاهرة، نفس الشكل التقليدي، ونفس أدوات العمل من طلاء وورنيش للتلميع، تخفي الصناديق داخلها العديد من أسرار أصحابها. في أعلى كل صندوق مسند صغير يستقبل أقدام الزبائن، ليبقى الحذاء منتصباً في وجه ماسح الأحذية مقابل جنيه إلى جنيهين، حسب كرم الزبون.
قبل أكثر من تسعين عاماً قام فنان الشعب سيد درويش بتلحين كلمات ساخرة في أغنية «البويجية» عن الخواجة اليوناني الذي اضطرته الأيام إلى مسح الأحذية في فترة ما بعد ثورة 1919 نتيجة سوء الأحوال الاقتصادية، وتقول الكلمات: «مخسوبكو انداس، صَبَّحْ محتاس، مسختوا بابوتسي ياناس، مفيس فلوس، بقيتو منخوس، فقرتو خلاص».. نفس تلك الحالة الاقتصادية المتردية الآن بعد الثورة المصرية رمت بعم أحمد خلف صندوق الورنيش جوار محطة القطار الرئيسية في ميدان رمسيس، يرفض الحديث عن الأسباب الشخصية التي حولته إلى ماسح للأحذية. يتحدث بنبرة متعلمة قائلاً : «كل منا هنا خلف صندوقه، ولا تحدث خلافات إلا في أضيق الحدود.. وإن حدثت فما الغريب في ذلك!؟ حتى بين الأطباء وأرقى المهن تحدث المشاكل..». يبتسم مخفياً قصته خلف صندوق تلميع الأحذية، وفي خلفيته شارع «كلوت بك» حيث يجلس الحاج محمد إمام الذي يعرفه أغلب ماسحي الأحذية في هذه الناحية. «تبدأ أسعار الصناديق من 20 جنيهاً وتنتهى بـ 60 جنيهاً.. الموضوع غير مكلف». في المخزن المجاور للحاج محمد عدد من الصناديق الخشبية، وعلى كل واحد منهم سعره، أما أغلاها فهو المطلي بطبقة لامعة تعطي مظهراً بهياً لحامله. «أنا مجرد وسيط بين صانعي الصناديق والزبائن، يمدني بها ماسح أحذية قديم يعمل الآن في وظيفة حكومية، لكن ذلك لم يمنعه من أن يقضي وقتاً إضافياً في صناعة هذه الصناديق، كي يزيد من دخله». يصف الحاج محمد زبائنه بأن أغلبهم ينتمي إلى محافظات الصعيد، جاؤوا طامحين إلى الاستقرار في القاهرة، على أن تكون البداية بصندوق الورنيش.
 في داخل الصندوق أماكن لزجاجات الطلاء التي لا يزيد سعر الواحدة منها على جنيه واحد، وعلب ورنيش لا يتجاوز سعرها الأربعة جنيهات، ويقتصر دور الحاج محمد هنا على بيع الصناديق لزبائن بسطاء كوكيل عن الصانع الأصلي، دون أن يكون شريكاً حقيقياً في الصفقة البسيطة، وهي مهمة تختلف عن محلات أخرى تبيع صناديق الورنيش على هامش تجارتها في بيع مستلزمات الأحذية.
 يفصل شارع باب البحر بين مخزن الحاج محمد وتلك المتاجر في ميدان باب الشعرية. وفي عمارة زوزو الشهيرة هناك تتجاور محلات بيع مستلزمات الأحذية والمنتجات الجلدية.. يجلس عرفة عبادة أمام المحل، ساندا ذراعه على كومة من الأكياس، تعلوها صناديق ورنيش خشبية، وينقل جلسته إلى المقهى المقابل ثم يبدأ في الحديث: «قبل حوالي 20 سنة، كانت محلات تصليح الأحذية تبيع صناديق الورنيش، لكن مع مرور الوقت، زهدوا في بيعها وتركوا المهمة لنجارين يأتون على فترات متباعدة، أما أنا فأشتري منهم حسب الحاجة».
 في المناطق القريبة من قلب القاهرة مثل العتبة و«وسط البلد» انتشرت في الماضي محلات متخصصة في تصليح وتلميع الأحذية، في تلك المحلات المندثرة كان المشهد مطابقاً للاستعراض الغنائي الشهير الذي أداه الفنان الأميركي فريد إستير في فيلم «عربة الفرقة الموسيقية – إنتاج 1953»، حيث كرسي عال في أسفله موضع قدمين، يسهلان مهمة ماسح الأحذية في عمله، لكن تلك المشاهد اختفت من شوارع القاهرة، وبقيت الصناديق المتجولة مع ماسحي الأحذية.
مازال «عرفة عبادة» يتذكر في جلسته قرب ميدان باب الشعرية، ذلك الشاب العشريني الذي اشترى منه صندوقاً للعمل والهروب من البطالة، يصف ذلك قائلاً: «كان مملوءاً بالخجل والتردد، لم يعرف إلى أين يذهب بعدَّته الجديدة، فأشرت عليه أن يتجه إلى محطات مترو الأنفاق، لكنه عاد بعد ساعتين فقط، كي يعيد الصندوق، ويسترد أمواله».
 كثيرون من ماسحي الأحذية المنتشرين في المسافة بين باب الشعرية حتى منطقة «وسط البلد» القاهرية يدركون هدفهم بالضبط، فهم إما متخفين وراء مهنة تجلب لهم الستر، أو يرون في صندوق الورنيش مجرد عتبة سلم إلى مهنة أخرى، وهو ما سَجَّله عدد من ماسحي الأحذية الوافدين من خارج القاهرة.
في إحدى المجموعات التي انتشرت قرب ميدان رمسيس ذكروا ملمحاً عن حياتهم، إذ تجمعهم غرفة واحدة في حي «الدويقة» ذي الطابع العشوائي تكلفهم 50 جنيهاً في الشهر، بينما قد يتراوح أجر ماسح الأحذية بين 30 وأربعين جنيهاً في اليوم الواحد، وفي أيام أخرى قد لا يحقق ماسح الأحذية خمسة جنيهات على حد قولهم.
 في منطقة «وسط البلد» حيث العديد من المقاهي الشهيرة بالقاهرة، كانت علاقة «همام أحمد» المنتمي إلى محافظة سوهاج واضحة بصندوق الورنيش، بدأ الشاب الذي لم يتجاوز الثامنة عشر سنة قبل أسابيع الطواف في المنطقة من ميدان الإسعاف حتى ميدان باب اللوق، لا يدعمه أحد، وجاءه خاله بالصندوق، على أمل أن يكرر تجربته، إذ يعمل خاله الآن بائعاً متجولاً يبيع الفواكه في حي العمرانية، بعد سنوات من مسح الأحذية. لا يصدق «همام» أن ماسحاً للأحذية نجح في الوصول إلى رئاسة الجمهورية في إحدى الدول النامية كالبرازيل مثل لولا داسيلفا الذي انتخب دورتين متتاليتين، يكتفي بجملة مقتضبة: «الكلام ده ماينفعش عندنا». ولم يكن دا سيلفا الوحيد الذي جلس أمام صندوق خشبي لتلميع الأحذية حتى أصبح من مشاهير العالم، آخرون فعلوا ذلك قبله مثل المغني الأميركي الراحل جيمس براون، والزعيم الأميركي الأسود مالكولم إكس.
 هنا في عالم «وسط البلد» أخرج الكاتب علاء الأسواني نموذجاً لشخصية درامية هي «الحاج عزام» ماسح الأحذية الذي تطورت حياته مع تجارة المخدرات إلى أن وصل إلى البرلمان، واستخدم الأسواني تلك الشخصية في رواية «عمارة يعقوبيان» التي تدور أحداثها في وسط البلد. وفي محيط تلك المنطقة على بعد أمتار من المقهى الذي كان يدير فيه الأسواني صالونه قبل سنوات، يمر أحمد شعيب السبعيني حاملاً صندوق تلميع الأحذية، بعيداً عن عالم الرواية وعن التحولات المفاجئة للبسطاء التي لا تحدث إلا نادراً. اختار الصندوق صديقاً يؤنسه في عامه الثالث والسبعين، يقضي وقته في العمل وقتل الفراغ.
 «كل ما علي هو أن أعمل، وربما يهديني الله برزق من حيث لا أحتسب!». يكمل حديثه مستعرضاً موقفان تعرَّض لهما حين جلس يلمِّع حذاء أحد الزبائن، وتلقى أجرته العادية، وفوقها ورقة بمئتي جنيه، ليتحول صندوق الورنيش إلى فرصة لرزق غير متوقع. هذا التطور الأخير لحياة أحمد شعيب أحد قدامى ماسحي الأحذية في منطقة «وسط البلد» يشبه التطور الأخير للحالة الاقتصادية في مصر، إذ بدأ العمل في مجال تصنيع الأحذية قبل ستين عاماً هنا في السوق القديم في باب اللوق، كما عمل في مصانع مجاورة كانت تصدر إنتاجها إلى الاتحاد السوفيتي في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وقبل 15 سنة فقط صنع صندوقه بنفسه، وظل ملاصقاً له كبديل عن الجلوس بالمنزل دون عمل. «أسمع على المقاهي أحاديث في السياسة، وتذكر أمامي أسماء : خيرت الشاطر، وحمدين صباحي، وغيرهما، فلا أشاركهم في الكلام». ينهي حديثه أمام مقهى الحرية في ميدان باب اللوق منطلقاً بصندوقه على أمل أن تهديه الأيام مبلغاً مجزياً يعوضه عن أيام أخرى يطوف فيها، ولا يجد زبائنه.

Thursday, January 24, 2013

عين صوفية و عين سلفية على المناسبات الدينية

سؤال المولد: كيف نحتفل بذكرى الحبيب ؟
كتب – عبدالرحمن مصطفى
يقدم الشاعر والباحث سيد سليم نفسه قائلا: "أنا خدّام آل البيت"، ثم يستكمل وصف عالمه الصغير في قرية عرب مطير بمحافظة أسيوط أثناء المولد النبوي من كل عام، بين الذكر الصوفي، والدروس الدينية، وتبادل "الواجب العائلي" بين أهالي القرية. يستكمل قائلا: " ما أراه الآن بحكم انتمائي الصوفي أن هناك حالة استبعاد لآل البيت، و رفض إحياء ذكراهم وعلى رأس ذلك إحياء ذكرى الرسول، وربط كل ذلك بالشيعة..  على السلفيين ألا يقفوا ضد الفرحة التي نبحث عنها في هذه المناسبات ".
في عدد من المواقع السلفية فتاوى تدين الاحتفال بالمولد النبوي وتصفه بأنه "بدعة"، وتظهر تلك الفتاوى تحت أسماء قيادات سلفية حالية، كما تزداد حدة الاشتباك بين التيارات السلفية و المتصوفة حين ينتقل الحديث من إحياء ذكرى الرسول إلى إحياء ذكرى آل البيت. أما من اختاروا أن يكون عنوان حياتهم هو "محبة آل البيت"، فالأمر أقرب إلى نمط حياة يومي، و يلخص الباحث الإسلامي سيد سليم حياة محبي آل البيت في مراحل: أولها السعي إلى تحصيل العلم و مطالعة سيرة علماء آل البيت ، فتتحرك عاطفة المحب نحوهم، ما يجعله يجتهد في إحياء ذكراهم بين الناس. وما يزيد من مكانة بعض الشخصيات عند المتصوفة هو أن يجمعوا بين النسب الشريف و تحصيل العلم وهو ما يتمثل في نماذج قديمة من أئمة آل البيت ينتمون إلى نسل الرسول، ونماذج آخري معاصرة مثل الشيخ صالح الجعفري، والشيخ محمد متولي الشعراوي، لذا يتم تبجيلهم حتى اليوم في ذكرى مولدهم بسرادقات وفعاليات سنوية.  يستكمل سيد سليم قائلا: "في العام الماضي أجاز أحد شيوخ السلفية إحياء ذكرى ثورة 25 يناير، على اعتبار أنه يوم يشبه انتصار موقعة بدر، فكيف يجيز ذلك ولا يزكي الاحتفال بذكرى الرسول الحبيب وآل بيته الكرام ؟". كان الشيخ السلفي عبد الرحمن عبد الخالق هو من أصدر هذا الرأي قبل عام في ذكرى الثورة.
أما داخل مجالس العلم و قنوات التلفزيون ومواقع الانترنت التي تنتهج الفكر السلفي، فيقل الحديث عن إحياء ذكرى المولد النبوي، واقتفاء أثر آل البيت، و يرتبط ذلك بتحذيرات من الشيعة والتشيع. قبل أيام ذكر أحد المواقع تصريحا على لسان القيادي الشاب أحمد مولانا، عضو الجبهة السلفية عن أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة شيعية، لكنه ينفي ذلك التصريح قائلا : "بعض المنابر الإعلامية تتعامل مع السلفيين على أنهم معادون لآل البيت ولا يقبلون عادات الآخرين ، هذا التصريح لم أقله، بل وأتحدى أن يأت أحد برأي لشيخ سلفي يقلل من شأن آل البيت". يعيد المؤرخ المقريزي تاريخ الاحتفال بذكرى المولد النبوي إلى الدولة الفاطمية، وهي المعلومة التي تقدمها الأدبيات السلفية كدليل على أن هذه المناسبة ذات نشأة شيعية فاطمية، بما يتبعها من مظاهر، يعلق أحمد مولانا قائلا: "نعم .. هناك تقصير في الحديث عن آل البيت وفضائلهم داخل الأوساط السلفية، وربما بالفعل هناك من يحفظ سيرة أئمة السلفية عن سير آل البيت، لكن هذا ليس عداء، إنما يكون العداء لما يصاحب هذه المناسبات من تجاوزات ، فإحياء الذكرى ليس بالغناء أو حتى بالحضرة في الموالد، نحن نتبع ما قاله الشرع".
تأتي ذكرى مولد الرسول كغيرها من المناسبات، حين يكتفي الشيخ السلفي بكلمة في مسجد، أو بإشارة في خطبة الجمعة، "الأمر له علاقة بتجسيد أفعال الرسول في الواقع، وليس العيش في عالم الاحتفالات والوهم ". حسبما يذكر أحمد مولانا القيادي السلفي.
كانت دار الإفتاء المصرية قد أعلنت في فتوى لها أن الاحتفال بذكرى مولد الرسول الكريم هو : "من أقرب القربات وأفضل الأعمال" ، وأن الحكم في الاحتفال بموالد آل البيت وأولياء الله الصالحين وإحياء ذكراهم هو : "أمر مرغـَّب فيه شرعا". هل تتغير تلك القواعد إذا ما ازداد عدد أبناء التيار السلفي في البرلمان القادم، فتواجه تلك الاحتفالات بتشريعات تحد منها؟ يجيب أحمد مولانا المتحدث الرسمي باسم حزب الشعب ، التابع للجبهة السلفية، قائلا: "دعنا نتذكر قبل 100 سنة حين كانت تلك الاحتفالات بما يصاحبها من مخالفات شرعية هي السائدة، لقد تغير الوضع الآن بفضل التعليم، وازدياد الوعي الديني، وحتى إذا ما ازداد وجود السلفيين في البرلمان أو السلطة، فإن مثل هذه الاحتفالات التي لا نؤيدها ستواجه بالعلم الشرعي، فليست مهمتنا مطاردة الناس داخل المساجد، والتضييق عليهم".

Saturday, January 5, 2013

الشرطة تبحث عن صوت لها على الانترنت !

    
صفحة تسعى إلى المواطنين بعيدا عن الشارع
كتب – عبد الرحمن مصطفى
يتلقى أعضاء صفحة الشرطة المصرية بين الحين والآخر عبارات من نوعية : "أنا محبط !"، يكتبها مدير الصفحة على الفيسبوك ملخصا ما واجهه على مدار عامين من محاولات التقريب بين عالم وزارة الداخلية، و أعضاء شبكة فيسبوك الاجتماعية. "ما زال البعض يرى في ضابط الشرطة أنه متعالي، ومتعجرف ، وكان ضروريا بعد الثورة أن تقترب المسافات، و أن يرى المواطن العادي الحقيقة كما هي دون تزييف أو تجميل". يشرح هنا مدير الصفحة الأسباب التي دفعته في هذا الاتجاه ، ويعمل معه عدد من الضباط والأصدقاء في مهام يومية يتلقون فيها كما لا بأس به من الانتقادات والتعليقات الحادة .. كأن يكتب أحد المعلقين على سبيل المثال : "نضفوا نفسكوا الأول، والكلام للظباط والقيادات اللى شايفيين نفسهم على الشعب، ولو نسيتوا، الشعب المصرى كارهكوا طول ماانتوا بتتعالوا عليه، و 25 يناير تشهد بكدة". هذا إلى جانب مئات التعليقات الأخرى الأكثر حدة، التي توجه سبا وقذفا إلى ضباط الداخلية، وتزداد تلك الحدة في فترات الاشتباكات بين الأمن و المتظاهرين، و تصبح المهمة أكثر صعوبة في مطاردة التعليقات الخارجة حين يصل عدد الأعضاء إلى حوالي 142 ألف عضو.
يخفي مؤسس الصفحة هويته ويرفض التعريف ببياناته الشخصية في هذه المرحلة لأن ذلك مخالف لقواعد عمله كضابط في وزارة الداخلية المصرية، وكان قد بدأ تأسيس الصفحة في فبراير 2011 ، ثم دعا أصدقاءه الضباط على مدار أسابيع بعدها إلى مشاركته في هذه التجربة الجديدة، حتى أصبح معه الآن خمس مديرين أساسيين للصفحة، تحت مظلة واحدة تهدف إلى أن يديروا "صفحة مجتمعية" تختلف في أدائها عن الصفحات الرسمية التي دشنتها الأجهزة الحكومية بعد الثورة، ومنها الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن صفحته انتقلت في مرحلة تالية لتصبح تحت رعاية وزارة الداخلية، بعد أن لفتت أنظار القيادات ، وازداد عدد أعضائها.
يشرح مدير الصفحة الذي أصر على عدم ذكر اسمه قائلا: "تواصلت مع إدارة الإعلام والعلاقات العامة بالوزارة، و أصبحنا ننشر بيانات الوزارة، ونتأكد من بعض المعلومات بشكل مباشر من إدارة الإعلام كي ننشرها بشكل عاجل على الصفحة، لكننا طوال الوقت كنا حريصين على ألا نتحول إلى نسخة من صفحة الوزارة، إذ ما زالت لدينا مساحة للانتقاد، والتعبير عن أنفسنا وآرائنا، والاشتباك أحيانا مع الوزارة بشكل مقبول".
المتابع لصفحة الشرطة المصرية يجد نبرة معارضة تظهر في بعض المواقف، ينقل فيها "الأدمن" المتاعب التي يواجهها الضابط في عمله أو في علاقاته بقياداته، كما يعتمد على نشر أخبار وصور شهداء الشرطة في العمليات الأمنية بشكل سريع لنقل ملامح حياة العاملين في وزارة الداخلية، المهم "ألا ننشر غسيلنا القذر أمام الناس"، حسب تعبير مؤسس الصفحة الذي يستكمل حديثه قائلا: "كان طموحنا أكبر من هذا، إذ كان كلي إصرار على أن انتزع مساحة خاصة بتلقي الشكاوي وتوصيلها إلى الوزارة، سواء كانت الشكوى من مواطن أو من أحد العاملين في الداخلية، وما زلت أتابع مع الوزارة من أجل هذه الخدمة ، حتى تكون بادرة خير لدى المواطنين والضباط تشعرهم بأن هناك تغيير بعد الثورة".
على مدار 24 ساعة يتم تحديث الصفحة بواسطة مجموعة من الزملاء والأصدقاء ، سواء من المنزل أو جهاز اللابتوب الشخصي أو من الهاتف المحمول، لنقل التحديثات على مدار الساعة، محاولين ابتكار مساحة لاجتذاب جمهور الانترنت للتعاون مع الشرطة. كان آخر تلك المحاولات هو اقتراح من الصفحة بتقديم نشرة مرورية يساهم في إعدادها أعضاء الصفحة أنفسهم ببث معلومات عن الأماكن المتواجدين فيها وحالتها المرورية من الساعة 7 الصبح حتى الساعة 3 العصر. ما مدى قدرة هذا النوع من الصفحات على الانتقال إلى مستوى آخر يعتمد فيه العمل على العلاقات المباشرة و التواصل مع صفحات أخرى؟ يشرح مدير الصفحة أن حالة العداء ضد وزارة الداخلية ما زالت تدير عقول الكثير من مديري الصفحات الشهيرة الأخرى على الفيسبوك، وتعيق محاولات التواصل معهم، ويقول: "حين نشر زميلنا ماجد مشاركة ضد تجار الدين، اتهمنا البعض بأننا معادون للإسلاميين، وفي أحداث القائد إبراهيم بالإسكندرية اتهمونا بأننا ضد المتظاهرين لصالح الإسلاميين .. في هذه الأجواء يصعب التواصل أو التعاون مع مديري الصفحات الشهيرة التي تروج لهذا الكلام !". 
الأمر الآخر الذي تعرض له مدير الصفحة شخصيا هو تجربة سيئة حين نشر أحدهم صورة من حديث خاص بينهما عبر الرسائل الخاصة، وقدمها لزوار الانترنت على أمل الإساءة إلى صفحة الشرطة المصرية .
بعيدا عن الصراعات اليومية داخل الصفحة ، تظهر مبادرات على استحياء تحاول الخروج من عباءة الانترنت، منها إعادة طرح فكرة تداولتها صفحات من قبل عن تأسيس مجموعة الكترونية تجمع 1000 ضابط بشكل مبدئي بعد التأكد من هويتهم الحقيقية، وفي حالة سقوط شهيد من الشرطة في العمليات الأمنية يتم تجميع مبلغ 100 جنيه من كل فرد وتوصيلها مبلغ 100 ألف جنيه إلى أسرة المتوفي. وما زالت مثل هذه المبادرات قيد الدراسة، لكن الواقع اليومي هو ما يواجهه مديرو الصفحة يوميا ، ما يدفعهم كل حين إلى توجيه السؤال نفسه إلى أعضاء صفحتهم : ما رأيكم في الصفحة ؟ فيتلقون إجابات داعمة لهم ، وأخرى تحمل انتقادات و ضغينة تجاه ضباط الشرطة بشكل عام.
**
 -        هكذا تكلم الضباط على الفيسبوك
**
قبل أقل من أسبوعين كتب النقيب شريف على صفحته في الفيسبوك الآتي : "اكتشفت سرقة الحساب الشخصي الخاص بي من حوالي أسبوعين وفوجئت بأن السيد مفتش الداخلية استدعاني من حوالي أربعة أيام للتحقيق معي في مقال منسوب لي علي الصفحة، وحينما سألت بعض أصدقائي عن الحل، قيل لي: ريح دماغك وماتدخلش علي الفيس بوك تاني أو أدخل بس حط صور دباديب وقلوب وأكتب قصايد شعر عن الحب والكلام اللي بالك فيه ده ..."، هذه الكلمات نقلتها صفحة "ضباط شرطة مصر يتحدثون" على شبكة فيسبوك الاجتماعية، و تغامر بنشر اقتباسات لضباط شرطة تكشف عن جانب آخر من حياتهم، حيث آراء وشهادات وتجارب من الصعب نشرها في أماكن أخرى.
يخفي أدمن الصفحة وزملاؤه هويتهم تماما ، نتيجة ما تثيره الصفحة من جدل، وهدفهم الرئيسي هو توصيل هذه الأصوات المكتومة لضباط الشرطة إلى أكبر شريحة ممكنة، وهو ما يوضحه مؤسس الصفحة قائلا: "بادرت بتأسيس الصفحة حتى لا يموت صوت الضباط، وكي يتشجعوا على الكلام وعدم السكوت أو التوقف عن المطالبة بحقوقهم المهدرة. لذا دأبت على نقل مشاركات الضباط وكتاباتهم ومشاكلهم و نشرها، سواء من يريد أن يشكر الوزارة أو من يريد انتقادها، على أمل خلق أجواء تضامن من أجل حقوق الضباط وحريتهم".
تأسست الصفحة في مارس من العام 2012، وقبل تأسيسها عرض مؤسس الصفحة فكرته على إحدى الصفحات التي يديرها ضباط شرطة آخرون، لكنها لم تلق قبولا لديهم، بدعوى أن كلام الضباط ومشاكلهم ليست بذات أهمية ليتم التحدث فيها أو نشرها .. ويوضح : " مع كثرة صفحات ومجموعات الضباط فوجئنا بأن الوزارة بدأت في استمالة بعض من يديرونها لأن يكونوا تابعين لتوجيهاتها". يحمل محتوى الصفحة أحيانا شهادات لضباط من موقع الحدث، وينقلون مشاكل يعيشونها يوميا في عملهم. على سبيل المثال نقلت مؤخرا شكوى ضابط من تعسف بعض مديري المباحث في السماح بالإجازات لمن يعملون معه من الضباط، ويقول شاكيا : " يا بهوات الاجازات مش حق الظباط بس ده حق اسرته واهله افهموا كفايه ايلى بنشوفه من الناس كفايه قرفتونا يا بهوات الاجازات مش حق الضباط بس .. ده حق أسرته وأهله ، افهموا كفاية اللى بنشوفه من الناس .. كفاية قرفتونا ". وأحيانا ما يتطور الأمر في بث الشكوى إلى عبارات عنيفة مثل : " هى الوزارة مش عايز تكبر وتعقل، ومش ناوية القيادات تحترم نفسها وتحترم اللى إحنا بنشوفه و بنعانيه ". يبحث مديرو الصفحة عن مثل تلك الأصوات كي يتيحوا لها المجال أن تتحدث في ظل الضغوط التي يتعرض لها ضابط الشرطة الآن، أما وسائل الوصول إلى هذه الاقتباسات فتتلخص في أربع طرق : إما النقل عن طريق مجموعات الشرطة المعلنة أو السرية على الفيسبوك، و نقل ما يكتبه الضباط في حساباتهم الشخصية، و أخيرا ما يرسله الضباط للصفحة في رسائل مباشرة .
لم ينسق مديرو الصفحة على مدار الأشهر الماضية مع وزارة الداخلية أثناء عملهم، ويحرصون على أن يعملوا بعيدا عن أي قيود، وهو ما يشرحه مؤسس الصفحة قائلا: " نحن على علم بأن جميع ما يتم كتابته على الصفحة يتم تصويره و إرساله لوزير الداخلية خصيصا ليتم قراءة أفكار ومشاكل وتوجيهات الضباط. ونريد أن نوضح هنا أن الكثير من المشاكل التي تم نشرها جرى التحقيق فيها ونال الضباط حقوقهم، ونشكر الوزارة على ذلك، لكن هذا لم يحدث مع الجميع".
تتبنى الصفحة موقفا واحدا تلخصه في واجهة الصفحة في عبارات "نحن ضباط شرطة مصر نتحدث عن مشاكلنا .. فهي مشاكل تؤثر في جميع المصريين ... الآن تستمعون إليهم وتعرفون مشاكلهم".
أحد الدوافع التي تحرك مؤسس الصفحة وكثير من الضباط في دعم هذه الموجة من الفضفضة على الإنترنت هو أنها قوبلت بالقمع والرفض في بداية ظهورها عبر الفيسبوك، ويشرح ذلك قائلا: "كانت قصص محاربة قيادات الوزارة لجميع الضباط الذين يحاولون الكتابة أو يبدون آراءهم دائما في بالنا، إذ كان مصير البعض هو التحقيق عن طريق مفتش الداخلية، وهناك من استبعد من عمله لهذا السبب، حتى قيادات الوزارة التي حاولت استغلال الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في التعبير عن نفسها وعن أفكارها ، أحيل بعضهم إلى المعاش المبكر".
هذه الظروف لم تعيق طموح مديرو الصفحة من أن يفكروا في مستقبل تهدأ فيه الأحداث المتتالية والاشتباكات، وأن تتحول الصفحة في المستقبل إلى  مجلة لضباط الشرطة، تعرض كتاباتهم ومشاكلهم وأفكارهم، لكنهم جميعا متأكدون من أن ذلك لن يحدث الآن بالتأكيد.
**
في الداخلية .. معارضون و مؤيدون
**
اختلفت اتجاهات صفحات ضباط الشرطة على الشبكات الاجتماعية، كل حسب موقفه من وزارة الداخلية، فبعيدا عن الصفحات الرسمية للوزارة على الفيسبوك تظهر اتجاهات أخرى تتحرك فيها صفحات الضباط .. الاتجاه الأول يمثل الصفحات التي ظهرت لتعبر عن ائتلافات وحركات احتجاجية، ومن أشهر هذه النماذج صفحة ضباط لكن شرفاء التي تعبر عن ائتلاف بالاسم نفسه ضم ضباط شرطة ومواطنين يرفعون شعارات مثل : "تطهير الشرطة من قتلة الشهداء، ومن ملفقي القضايا ومعذبي معتقلي الرأي"، وهي شعارات تبناها ميدان التحرير منذ الأسابيع الأولى في الفترة الانتقالية. وتضم هذه الصفحة حاليا أكثر من 152 ألف عضو. و نتيجة تدفق الأحداث ظهرت قضايا جديدة مثل قضية الضباط الملتحين المطالبين بأن يمارسوا عملهم دون حلق لحيتهم، فتأسست صفحة للدفاع عن قضيتهم تحت عنوان "أنا ضابط شرطة ملتحي"، تضم حوالي 84 ألف عضو، وتحظي هذه الصفحة بدعم من كثير من الصفحات الاسلامية الشهيرة، إذ تظهر كصفحة داعمة لهؤلاء الضباط، وأغلب أعضائها من المدنيين، حسبما توضح التعليقات.
في الجانب المقابل تماما لهذه الصفحات المعارضة لوزارة الداخلية، كان ضعف الأداء الأمني في الفترة الانتقالية بعد الثورة سببا في ظهور صفحات داعمة للشرطة، على أمل عودة الأمن، فظهرت عناوين صفحات مثل : "معا لعودة الشرطة" ، "الجيش والشرطة والشعب إيد واحدة"، ومن هذه الصفحات عنوان مميز باللغة الانجليزية هو We Can't Live Without Police التي تأسست في يوم 2 فبراير 2011 . و قد تبدو هذه الصفحات الآن أقل حدة تجاه المتظاهرين على عكس فترات سابقة، حين كانت تثير حفيظة كثيرين اعتبروا ما تنشره هذه الصفحات إساءة للثوار، حين كانت تلك الصفحات تناضل من أجل استعادة هيبة الشرطة.
وبين الاتجاهين السابقين ظهرت موجة ثالثة تعبر عن صوت الضباط الذي لا يصل بسبب صخب الأحداث، معتمدة على نقل مشاهد من الحياة اليومية لحياتهم إلى مستخدمي الانترنت، ويقف مديرو هذه الصفحات في مساحة وسط و لا يجدون أنفسهم في مساحة المعارضة الكاملة، ودون أن يحولوا عملهم إلى صفحات دعائية لوزارة الداخلية.

Saturday, December 29, 2012

ريف و مدينة: الجماهير بين الصخب الثوري وخدمات الاسلاميين

القبائل العربية تسجل حضورها في دفتر السياسة

كتب – عبد الرحمن مصطفى
"القبائل العربية تساند الشرعية و تؤيد قرارات الرئيس" ، تكرر ظهور مثل هذه العبارات مؤخرا في مسيرات و مؤتمرات داعمة للرئيس محمد مرسي، نقلت إحساسا بأن الرئيس مدعوم من ملايين المواطنين في أرجاء المحافظات المصرية، لكن الواقع مختلف. "لا يستطيع أحد أن يدعي أنه صوت القبائل العربية في مصر، أو أن يزعم أن القبائل تتبنى موقفا سياسيا واحدا". الحديث هنا للشيخ راشد السبع، ‏رئيس ائتلاف القبائل العربية المصرية‏‏ الذي يضم ممثلين عن قبائل سيناء و مطروح و وادي النيل، وهو الائتلاف الذي أعلن موقفه مبكرا من دعم الرئيس محمد مرسي منذ أن كان مرشحا في الانتخابات الرئاسية. "قد تجد للقبيلة الواحدة فروعا في وادي النيل وسيناء، وقد تجد قبيلة أخرى تنتشر في مطروح والدلتا والصعيد، لكن في النهاية فإن القبائل الممثلة في الاتحاد بشكل خاص هي التي أجمعت على دعم الرئيس مرسي منذ البداية".
بعد الثورة، ظهرت تكتلات قبلية متعددة هدفها ايجاد تمثيل سياسي يعلو فيه صوت القبائل العربية، لكنها على أرض الواقع لم تمثل إلا نفسها. أما ائتلاف القبائل العربية المصرية تحديدا فيروي الشيخ راشد السبع أسباب تأسيسه موضحا : "بعض أبناء القبائل العربية كانوا منتمين إلى التيار السلفي، ووجدوا فرصتهم في ممارسة السياسة بعد تأسيس حزب النور، واستبشرت القبائل خيرا بهذا الحضور السياسي، على أمل أن يتم تمثيل هويتهم وقضاياهم بشكل جيد أمام الرأي العام، لكن الواقع أن هؤلاء الأعضاء تبنوا قضايا أحزابهم الإسلامية، و ذابت قضايانا في زحام الأحداث".
يجمع أغلب أبناء القبائل العربية في مصر ملمح واحد هو أنهم محافظون بطبيعتهم وأقرب إلى التدين الفطري، وهي المساحة التي نجح التيار الاسلامي في استغلالها جيدا ، حسبما يصف الشيخ راشد السبع الذي يتحدث هذه المرة كباحث في أنساب القبائل العربية. و يضرب مثلا بحالة خاصة في محافظة مرسى مطروح بسبب قرب قبائلها من معقل الدعوة السلفية وذراعها السياسي "حزب النور" في مدينة الاسكندرية ، وهو ما أثر على اختياراتها السياسية. إذ تكشف حالة "مطروح" عن أن هناك شبه اجماع على اتجاه واحد يميل ناحية حزب النور .. على سبيل المثال حصد المرشح الرئاسي السابق عبدالمنعم أبو الفتوح حوالي 70% من أصوات الناخبين في المحافظة بسبب تأييد حزب النور له في المرحلة الأولى من انتخابات الرئاسة. و في المرحلة الثانية اكتسح الدكتور محمد مرسي منافسه الفريق أحمد شفيق بنسبة تقدر بـ 80% من أصوات الناخبين، وظلت المؤشرات ثابتة في صالح التيار الاسلامي أثناء انتخابات مجلسي الشعب والشوري التي حصدها حزبي النور والحرية والعدالة، بينما تصدرت مطروح نتائج المحافظات التي قالت "نعم" للدستور بنسبة 92%.
هذه النتائج لا يمكن قراءتها سوى في ضوء العلاقات القوية بين التيار السلفي و القبائل العربية في مطروح، بينما اختلف الأمر لدى قبائل سيناء والصعيد في أثناء فترة الانتخابات الرئاسية. فقد استقبلت بعض القبائل المرشح السابق عمرو موسى بحفاوة، مع الإشارة الدائمة إلى جذوره العربية، وكذلك حين استقبلت زعامات قبائل الأشراف بالصعيد آنذاك الفريق أحمد شفيق، وكأن كل فريق يبحث عن من يمثله، ويعبر عن جزء من هوية لا تجد لها مساحة في السلطة الحاكمة أو في الإعلام.
قد لا يكون الرئيس محمد مرسي منتميا إلى إحدى القبائل العربية الكبرى، لكنه تواصل مبكرا مع أبناء هذه الشريحة لكسب تأييدها منذ أن كان مرشحا رئاسيا، حين أقر بأحقيتهم فى تملك الاراضى التى يقيمون عليها.
و في جانب آخر اتخذ بعض أبناء القبائل موقفا محايدا تجاه الرئيس مرسي وقراراته طوال الشهور الماضية، مثال على ذلك الشيخ على فريج راشد- رئيس جمعية القبائل العربية بسيناء- الذي طمح بعد تأسيسه للحزب العربي للعدل والمساواة في أن يجتذب أبناء القبائل من المحافظات المختلفة في كيان واحد، غير أن هذه التجربة لم تحقق الكثير، ويقول: "أبناء القبائل العربية المنتمون إلى التيار الإسلامي في سيناء ملؤا فراغا تركه الحزب الوطني ولم تملأه أحزاب جديدة، واستغلوا انهيار جهاز أمن الدولة في التقرب من الأهالي والتواجد بينهم بعد التضييق الذي مورس عليهم، وكان المزاج المحافظ هو العامل المشترك الذي قرب أبناء القبائل من المرشحين الاسلاميين". وكان الشيخ على فريج راشد قد اختير مؤخرا ضمن أعضاء مجلس الشوري المعينين من الرئيس محمد مرسي، وهو القرار الذي اعترض عليه ناشطون بسبب انتمائه إلى الحزب الوطني السابق كعضو مجلس محلي لمدة 18 سنة عن شمال سيناء.

العاطفة مفتاح الفرج
يسجل الدكتور محمد علي- الأستاذ المساعد بقسم الاجتماع في كلية الأداب بجامعة سوهاج- أن هناك أدوات للضبط الاجتماعي تستخدمها القبائل العربية في إدارة علاقتها الداخلية، منها الأخلاق والقيم الدينية، و تقدير قيمة الكبير الذي بيده السلطة، وهو ما يؤثر في الاختيار السياسي لكثير من أبناء القبائل العربية، وكيف يرون رئيس الجمهورية، ويضيف معلقا  : "هناك أمر آخر أكبر من اختيارات القبائل العربية ، و هو متعلق باختيارات المصريين السياسية بشكل عام، إذ تقوم الاختيارات على أساس عاطفي .. وهذا هو مفتاح الوصول إلى الناخبين".
في المادة 16 من الدستور نص يؤكد على أن "تلتزم الدولة بتنمية الريف والبادية، و تعمل على رفع مستوى معيشة الفلاحين وأهل البادية"، و يذكر الشيخ على فريج أن البعض روّج لهذه المادة في سيناء وكأنها نصر مبين، دون الالتفات إلى بقية مواد الدستور.
تختلف طبيعة القضايا المطروحة من القبائل القاطنة بالبوادي والمناطق الحدودية عن القبائل الأكثر استقرارا في وادي النيل، خاصة في صعيد مصر .. وهو ما يؤكد عليه إبراهيم البرسي، المنسق العام لائتلاف القبائل العربية بأسوان، إذ يقول: "الوضع معقد جدا هنا، ولا أعتقد أن نتائج الاستفتاء أو الانتخابات قبلها معبرة بشكل كامل عن اختيارات القبائل العربية والأشراف بالصعيد، على الأقل فأنا أعرف من كانوا ينتمون إلى الحزب الوطني السابق وصوتوا بنعم في الاستفتاء الأخير، و لم يكن موقفهم من باب التأييد لمرسي ". وعلى عكس ائتلافات أخرى فإن ائتلاف القبائل العربية في أسوان تعود نشأته إلى بدايات ثورة 25 يناير حين تحالفت القبائل العربية من أجل سد الفراغ الأمني ، واستمر عمل هذا التحالف حتى وقت قريب في مهام اجتماعية مثل الصلح بين العائلات المتنازعة، ونقل مشاكل أبناء المحافظة إلى السلطة، وكان الاتفاق منذ البداية على إبعاد السياسة عن الائتلاف. يعلق إبراهيم البرسي قائلا: "ببساطة، فإن المنتمين إلى التيار الاسلامي، لديهم تواجد بين قبائلهم، وقد قلتها من قبل لعمرو موسى ولحمدين صباحي: التيار المدني نفسَه قصير مقارنة بالأحزاب الدينية الأكثر دأبا وعملا". أما قضايا القبائل في الصعيد فهي جزء من قضايا المجتمع الجنوبي بشكل عام، فقضية النوبيين تهم القبائل العربية المجاورة، والبحث عن الاستثمار في الصعيد هو جزء من مشكلة الجنوب. ويقول إبراهيم البرسي بعين خبيرة في قبائل الصعيد التي يمتد نسبها إلى آل البيت وشبه الجزيرة العربية: "أعتقد أن كلمة الاستقرار التي جاءت بنعم هي هدنة، تتضح بعدها الرؤية، وقد بدأت الرهانات على من سيملك القرار في المستقبل وتحقيق مصالح أبناء القبائل وأهالي الصعيد.. فهل سيكون التيار السياسي الحاكم الآن في قوة الحزب الحاكم السابق؟ لقد بدأ البعض بالفعل في ترتيب أوراقه للتقارب مع المنتمين إلى التيار الاسلامي، وامتداداته في الصعيد".
 
مسيرة في قرية .. مظاهرة في مركز، و الإسلاميون في الخدمة دائما !
كتب – عبد الرحمن مصطفى
في قريته التابعة لمركز "منية النصر" بمحافظة الدقهلية، اختارت الصناديق "نعم" للدستور، وطوال الفترة الماضية كان الحشد واضحا بشدة، وكأحد أبناء القرية يتوقع مدحت صالح- الطالب بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر- أن يتكرر المشهد قبل الانتخابات البرلمانية القادمة.
أما في الأسابيع الماضية ، فلم يجد مهربا من تلك الأجواء سوى بالانخراط في مسيرة قريبة من قريته تشبه المسيرات التي تجوب شوارع القاهرة والاسكندرية بهتافات مثل "يسقط يسقط حكم المرشد"، و "لا..لا.. للدستور". ويصفها قائلا: " هذه المسيرات هي حدث خاص في الأماكن ذات الطابع الريفي، وتمثل لهم مفاجأة، على عكس القاهرة والاسكندرية التي اعتادت على هذه المشاهد".
خرجت المسيرة احتجاجا على الدستور وشارك فيها شباب من حزب الدستور والتيار الشعبي والألتراس. و يعتقد زميله البدراوي ثروت- الناشط بحزب الدستور- أن هذه المسيرات التي أقيمت مؤخرا قرب القرى الريفية في منية النصر لم يضع أثرها هباء، و يوضح: "كانت النتائج جيدة في أغلب قرى مركز منية النصر حيث قمنا بالمسيرات وتوزيع دعايتنا، عدا إحدى القرى التي ينشط فيها الإخوان المسلمون، هي التي أجمعت على نعم للدستور". سبقت هذه المسيرة حملات توعية و وقفات احتجاجية منها وقفة بعد حادث قطار أسيوط الذي أسفر عن مصرع أكثر من 50 طفلا.
و في داخل المسيرة انطلقت الشماريخ وتشابهت الهتافات مع هتافات ميدان التحرير. أما القوى الإسلامية فتتبع طرقا أخرى أبسط، حين تنطلق السيارات بميكروفونات في القرية، و يدعو أحد كوادر الإخوان المسلمين أهل قريته إلى تبنى موقفا محددا أو انتخاب أحد المرشحين، و لا يخلو الأمر من ابتكارات أخرى مثل مسيرة بالدراجات البخارية من أجل الدعاية، وحسب البدراوي فإن أنشطة التيار الإسلامي "تفتقد الصخب والجاذبية وكأنها تحصيل حاصل !" . هؤلاء الشباب الذين يديرون العمل الاحتجاجي خارج القاهرة يعتمدون على شبكة علاقات "ثورية" تكونت على مدار العامين الماضيين، جمعتهم فيها الكثير من المناسبات والمصاعب سواء في أحداث بالقاهرة أو خارجها، رغم اختلاف انتماءاتهم الحزبية الآن.
هناك من يرى في هذا النهج الذي يعتمد على نقل الأسلوب الثوري في الدعاية السياسية والاحتجاج إلى الريف أمرا غير ذي جدوى ، فيقول الدكتور عبده البردويل- الأمين العام لحزب الحرية والعدالة بدمياط: "الشارع أصبح لا يحتمل كل هذا، والتواجد بين الناس وخدمتهم هو الفيصل في كسب أصوات الجماهير". و على هذا تنقل صفحات حزب الحرية والعدالة أرشيفا مصورا لما يقدمه الحزب من معارض خدمية وقوافل طبية ومؤتمرات حاشدة في المناسبات المختلفة.
بعيدا عن الدلتا .. يختلف الوضع قليلا في الصعيد، حيث تكون الأمور أكثر صعوبة، حسبما يصف الناشط السياسي أحمد خنفور من محافظة أسيوط: "نحن ما زلنا في معركة البحث عن شرعية الاحتجاج والتظاهر في بيئة محافظة بطبعها، أنا أجد من يدعون لي بالتوفيق في مسيراتنا، لكنهم لا يشاركون.. ما زلنا نبحث عن موضع قدم لحرية المعارضة والدعاية الصاخبة في الشارع الأسيوطي".
و يدرك أحمد خنفور وغيره من الشباب أن أزمتهم الحقيقية هي في التواجد بأنشطة دائمة خدمية، وهي تكلفة قد لا يتحملونها بأنفسهم، وفي الجانب المقابل فإن أعضاء حزبي "الحرية والعدالة" و"النور" لا يتحركون في مسيرات صاخبة، عدا في المظاهرات الحاشدة في القاهرة والاسكندرية كالتي أقيمت أمام جامعة القاهرة في سبت الشرعية والشريعة في أول ديسمبر 2012 لاستعراض القوى أمام مسيرات ومظاهرات القوى الثورية والمعارضة.
يصف الدكتور محمود ابراهيم المتحدث الاعلامي لحزب النور في مدينة السويس ذلك قائلا: "كان الاعلام أكثر تركيزا على المظاهرات المعادية للرئيس، لذا لجأنا للتظاهر في حشد هائل في العاصمة وهو ما نفعله في أضيق الحدود، لمواجهة حملات العداء للرئيس وإسقاط الدولة ".
يبقى المشهد خارج العاصمة والمدن الكبرى وخاصة داخل الريف المصري منقسم بين أبناء تيار الإسلام السياسي المعتمدين على التواجد الدائم بأنشطة خدمية، وعلى الجانب الآخر نشطاء أغلبهم من الشباب يحاولون نقل روح الثورة والتغيير إلى من لم يرونها بعد في القرى والمراكز الريفية !

Thursday, December 20, 2012

نادي الفكر التقدمي.. نقطة علمانية في بحر إسلامي

عبد الرحمن مصطفى
جميعهم يحفظون القرآن الكريم كطلبة تقليديين في جامعة الأزهر الشريف، وفي الوقت نفسه هم «علمانيون»، و«تقدميون»، متحملين في سبيل ذلك الكثير من الضغوط التي يواجهها علماني في بيئة إسلامية. اختاروا لقاءهم بعيدا عن الجامعة في أحد المقاهي المجاورة للبورصة المصرية، ويشرح مؤمن عبدربه أكبرهم سنا، (21 سنة) الطالب في كلية الهندسة، وجهة نظره: «الثورة غيرت شريحة من شباب جامعة الأزهر، انضم بعضهم إلى حركات مثل 6 إبريل، وحزب الدستور، والتيار الشعبي مؤخرا، لكن سبب اختيارنا الفكر الاشتراكي التقدمي هو أن هذه الأحزاب والحركات لا تتبنى فكرا سياسيا واضحا، وكنا نحتاج إلى فكر سياسي في مواجهة الإسلام السياسي المحاصرون به».
 يجلس مؤمن مع رفيقيه محمد السعيد ومحمد عمر، الطالبين بكلية اللغات والترجمة وأعضاء نادى الفكر التقدمى الذى تأسس هذا العام فقط، ويأمل جميعهم أن يكونوا جزءا من تيار ثالث بدأ ينمو فى الجامعات المصرية، ويوضح مؤمن قائلا: «كانت الخريطة منقسمة قبل الثورة بين شباب الحزب الوطنى والاسلاميين، الآن أصبح الوضع فى الجامعة منقسما بين الإخوان المسلمين والسلفيين.. أما نحن كشباب تقدمى فنحن جزء من شريحة أخرى من شباب الأحزاب والحركات السياسية». هذه الفئات التى يتحدث عنها مؤمن ورفاقه لا تمثل جميع الطلبة هناك، ففى داخل جامعة الأزهر وحدها 284 ألف طالب حسب أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء عن العام الدراسى الماضى. وتختلف جامعة الأزهر عن بقية الجامعات فى أنها جامعة مركزية تتركز أغلب كلياتها فى القاهرة، ما يجعل نسبة كبيرة من طلابها منتمين إلى محافظات وأقاليم مصر المختلفة، وهو نفس حال هذه المجموعة التى أسست نادى الفكر التقدمى، إذ ينتمون إلى ثلاث محافظات مختلفة. ويدرس الطالب فى جامعة الأزهر مواد شرعية تجعله قريبا من الأفكار الإسلامية، أما بعد الثورة فقد ازدادت الجرعة الإسلامية بعد انهيار الضغط الأمنى ووجود الحزب الوطنى، ما جعلها فرصة لصعود الإسلام السياسى بجناحيه: الإخوان المسلمين، والدعوة السلفية داخل الجامعة.
 تكفى نظرة على صفحة أسرة «جيل النصر المنشود» القريبة من جماعة الإخوان المسلمين حتى تتضح معالم الاستقطاب، إذ تصدرت صفحتها فى الفترة الماضية دعوة للتصويت بنعم فى الاستفتاء على الدستور تأييدا للشريعة. ويتشابه اسم الأسرة الطلابية نفسه مع عنوان كتاب للشيخ يوسف القرضاوى، أما إحدى أكبر الأسر الطلابية الأخرى على مستوى الجامعة فهى أسرة «نبض الأزهر» التى تأسست عقب الثورة، وتميل ناحية التيار السلفى، ولا تخفى هدفها فى عبارة واضحة: أسرة تهتم بالأنشطة الطلابية فى ضوء الشريعة الإسلامية.
 على المقهى فى منطقة البورصة الشهيرة، يكشف محمد السعيد، الطالب بكلية اللغات والترجمة، عن جانب آخر واجهه حين وفد من قريته إلى الجامعة، إذ تم ترشيحه للسكن فى بنايات استأجرها منتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين لاستقبال طلاب الجماعة وغيرهم، وهو ما يسمح لغير المنتمين أن يقتربوا من فكر الإخوان المسلمين، وما رفضه محمد السعيد فى بداية التحاقه بالكلية وظل يبحث عن آخرين «غير اسلاميين» حوله، ويقول: «انضممت إلى حركة 6إبريل فلم أجد فيها فكرا أواجه به تيار الاسلام السياسى، وانضممت إلى الاشتراكيين الثوريين فوجدت فكرا واضحا أبنى عليه موقفا سياسيا، ورغم قراءاتى فى الدين وخلفيتى الأزهرية إلا أننى ورفاقى لا نخفى علمانيتنا».
 يرتدى قلادة عليها صورة الثائر تشى جيفارا، ويتحدث بحماس عن قريته فى محافظة الدقهلية، وأن هناك شريحة متنورة هناك تزداد رغم انتشار الأمية. كان محمد قد تعرض للضرب فى مظاهرة داخل الجامعة أقيمت ضد الإعلان الدستورى الأخير، واصفا إياها: «دى المرة الأولى فى تاريخ جامعة الأزهر اللى تقوم فيها مظاهرة ضد تنظيم اسلامى زى جماعة الإخوان».
 يضم نادى الفكر التقدمى حوالى 20 شابا وفتاة يميلون ناحية اليسار السياسى، يجمعهم بشباب الحركات والأحزاب السياسية الأخرى حالة من التمرد على مزج الإسلام بالسياسة داخل جامعة ذات هوية إسلامية. يجلس ثالثهم محمد عمر فى هدوء، مبرزا اختلافا ضئيلا يوضحه قائلا: «طوال عدة سنوات داخل الجامعة شعرت بغربة فى نقاشاتى مع زملائى الطلبة، فأحيانا ما أتهم بالضلال بسبب رفضى للتيار الإسلامى السلطوى، لكن كانت كلى ثقة فى أن هناك آخرين يتفقون معى فى الآراء نفسها.. ووجدتهم مصادفة».
 يعيش محمد عمر حالة من الغربة كزملائه العلمانيين، يبدو مثقفا بين طلبة الجامعة بحرصه على قراءة الصحف بشكل دءوب، ومناقشة الآخرين. وتتكرر كلمتا «علمانى»، «علمانية» بشكل واضح على ألسنتهم جميعا، رغم ما تثيره من مشاكل لدى أبناء التيار المحافظ فى هذه المرحلة. ويرد مؤمن عبدربه على ذلك قائلا: «أنا مقتنع تماما بأن الإسلام السياسى له مشروع منفصل عن بقية التيارات السياسية، ومن الصعب أن يتحد مع هذه القوى فى ائتلاف، فالإخوان على سبيل المثال يطمحون إلى أستاذية العالم، لذا لن أخجل من إعلان هويتى العلمانية!». هذه النبرة الحادة تقلق زميله محمد عمر الذى ينتمى لأسرة سلفية من محافظة أسوان، ويخشى من الصراع القادم قائلا: «العلمانية التى نريدها لا تقصى الإسلاميين، ولا تتعسف ضدهم أو تعزلهم، مثلما حدث فى فترة حكم جمال عبدالناصر.. نحن نرفض السلطوية وفرض أفكار لا تناسب العصر». أن تكون أزهريا وعلمانيا فى الوقت نفسه، ذلك ليس اختيارا سهلا، فقد يبدو الرفاق الثلاثة مألوفين فى مقهى فى وسط البلد، لكن أفكارهم القائمة على الإيمان بالعلمانية واليسار السياسى تضعهم فى مأزق، مع زملائهم أو عائلاتهم.

Sunday, December 2, 2012

قبل أيام الصدام .. تختلف الانتماءات ، والطريق واحد

كتب – عبد الرحمن مصطفى
اشتراكي ، علماني ، إخواني ، برادعاوي ، كلهم شباب جمعهم ميدان التحرير يوما ما ، يتحركون في محيط الأحداث الأخيرة دون أن يكونوا على صلات مباشرة ببعضهم البعض . يحمل كل منهم أفكاره ، وصورة عن الآخرين . و لا يرغب أحد منهم في أن تقع لحظة الانفجار مع تصاعد الأحداث يوميا .
جلسوا يتحدثون دون أن يمثلوا تياراتهم التي ينتمون إليها ، بقدر ما يروون تجاربهم ، ويعرضون ما قد يفرقهم ، وما قد يجمعهم ، و وسط حديثهم ، تتشابه الجمل والعبارات ، وتتشابك في مواضع أخرى . وليس أمامهم سوى سؤال واحد ..  ماذا بعد ؟ 
  • إخواني
- أحمد أبو الحظ
- 26 سنة
- مهندس حاسبات

في الطريق إلى أحد المقاهي المجاورة للبورصة المصرية ، يمر أحمد أبو الحظ على عدد من الأصدقاء ، وينتقل بهم الحديث من الحياة الشخصية إلى السياسة ، وتبدأ محاولات التهكم على المواقف الحكومية و على تأييد شباب الجماعة لهذه السياسات، يتقبل أحمد مثل هذه المواقف بصبر و ثقة ، محاولا الحفاظ على علاقاته المستمرة مع شباب من خارج جماعة الإخوان التي ينتمي إليها .
مثل هذه المناوشات الخفيفة بين المعارف و الأصدقاء تكون أعنف في العالم الافتراضي على الانترنت، حيث ازداد كم الصفحات على شبكة اجتماعية مثل فيسبوك تستهدف فقط التهكم على جماعة الإخوان المسلمين ومواقفها وفي هذه الأجواء التحريضية ، قد تخسر أحد أصدقاءك في نقاش. بدأت تلك الموجة في الصعود منذ أحداث محمد محمود الأولى في نوفمبر 2011 ، لاحظ بعدها أحمد - عضو جماعة الإخوان المسلمين- ازدياد حدة النقاش، وكان ذلك في خلفية تمسك التيارات الاسلامية بالترشح لانتخابات مجلس الشعب، رغم الاشتباكات العنيفة بين الأمن والمتظاهرين آنذاك .
يتحدث أحمد نافيا الصورة المرسومة لشباب الإخوان عن أنهم مجرد تابعين لقادتهم، ويقول: "الفكرة هي أن هناك اختلاف بين شريحة من شباب الإخوان و آخرين في أنني على سبيل المثال أرى الثورة وسيلة وليست هدفا ، كذلك فإن شباب الجماعة منذ شهور يعملون لصالح حرب التطهير على الفساد ، في مجهودات قد لا يراها الكثيرون .. مثل مراقبة تهريب الوقود في بعض المحطات ، وتكوين لجان تعمل على كشف الفساد داخل مؤسسات من منتمين إلى جماعة الإخوان وآخرين .. كل هذا يضيع الفرصة أن نرد على اتهام شباب الإخوان بأنهم قطيع".
يرى أحمد كغيره من الشباب الأكثر اختلاطا بالتيارات الأخرى داخل الجماعة أن الاتهام الموجه إليهم بالتبعية وعدم القدرة على المعارضة، هو نتيجة عدم فهم الكثيرين لنظام الحياة الذي ينشأ عليه الفرد الإخواني .. عند أحمد الأمر أكثر وضوحا حين يشبه شكل العلاقات بالمؤسسة ، ويحدد ذلك قائلا : "قد تكون داخل كيان عملاق له رؤية عظيمة ، لكن علينا أن نتأكد أن الوعي بهذه الرؤية يختلف من موظف لآخر، وكذلك الحال داخل الجماعة". أما ما يزيد من حالة الحدة أحيانا في النقاشات والسجالات بين شاب إخواني و شاب آخر، هو هذه الصورة المسبقة عن الإخوان، كما أن الشاب الإخواني في الأغلب لن يحمل انتقاداته واعتراضاته على قادته و المسؤولين عنه داخل الجماعة ، ويبدأ في الحديث عنها على الفيسبوك ، أو على المقاهي أو الندوات .. لذا فمساحة الأخذ والرد تقل إلى حد كبير مع الآخرين.
يعلق أحمد أبو الحظ قائلا : "فكرة السمع والطاعة التي تتردد كثيرا عن الشاب الإخواني ، يتحدث عنها الآخرون كوصم على الإخوان ، لكنهم لم يفكروا في أن العمل أقرب للشكل المؤسسي ، وهناك نشأة تربى عليها الشاب الإخواني ، تجعله متفهما لفكر قياداته ، وقادرا على الاعتراض بشكل لائق".
أحد المشاكل التي يتناقلها بعض شباب الإخوان في هذه الفترة هي نفس المشكلة التي ظهرت في أعقاب الثورة مباشرة، وأحرجت بعض شباب الإخوان أمام شباب الثورة ، وهي غياب الكوادر الشبابية عن المشهد الاعلامي، وسيادة لغة وخطاب قادة الجماعة من جيل شباب الستينات والسبعينات.
ما يحدث مع شاب إخواني في جلسة مع تيارات أخرى غير إسلامية هو أن يجد نفسه يحمل أوزار إسلاميين آخرين أساؤوا لبعض قضايا العمل الاسلامي، وهنا يتوجه إتهام آخر للشاب الإخواني و هو المراوغة. يرى أحمد بشكل شخصي أن قضية مثل تطبيق الشريعة في حاجة إلى جلسات ونقاشات للتعرف على مخاوف الآخرين. و يرى أيضا أننا نفتقد فقها مصريا حديثا يرفع عنا ما نحن فيه من اختلاف واستعارة نماذج أخرى. ويردد بعض شباب الإخوان المسلمين أن الشاب الإخواني -بحكم وجود الإخوان المسلمين في السلطة الآن - أصبح يحمل أوزار السلفيين والجهادين وتصريحاتهم ومواقفهم المختلفة .
هذا ما حدث مع أحمد أبو الحظ حين قيل له بشكل مباشر من أحد زملائه: "أنا أتعامل مع المسيحي ، هو أقرب لي من أن أتعامل مع إخواني ".
في تلك اللحظات العصيبة لا يرى حلا سوى في العمل المشترك، و يقول موضحا : "الحل في مشروعات ومبادرات تجمع كل الأطياف، وتقوم على المصارحة والمصالحة .. وأن يتذكر الجميع أن الإخواني في النهاية مصري مثلهم".
  • علماني
-         هيرماس فوزي
-         29 سنة
-         مهندس تكنولوجيا معلومات
لا يخفي إعجابه بصراحة الشيخ وجدي غنيم حين يهاجم الليبراليين والمسيحيين بشكل صدامي ، و يقول: "الشيخ وجدي غنيم واضح و أستطيع أن أتفهمه، لكن هناك من يتحدثون عن تطبيق الشريعة وأنها لن تقف ضد الحريات ، وحين أدخل معهم في نقاشات أرى صورة ضبابية". يجلس في مقهي بوسط البلد على بعد مسافة غير بعيدة عن شارع محمد محمود و ميدان التحرير حيث تعرض لإصابات سابقة أثناء المظاهرات المتجددة . يوضح : "الدولة التي أنتظرها بعد الثورة هي دولة مدنية ، لا تقحم الدين و تفرضه على الناس ، و لا تجعل الدين في مرمى النيران".
في محاولة لفهم الآخر ، لم يبتعد عن المسيرات و المظاهرات المتتالية ، حتى التي نادت بتطبيق الشريعة للتعرف على الطرف البعيد عن أفكاره، و لم يجد تفسيرات لكثير من أسئلته ، حول وضعية المسيحي في تصور المجتمع بعد تطبيق الشريعة ، خاصة بعد تبادل البعض آراء عن عدم قبول شهادة غير المسلم في القضاء . كل ذلك كان يدفع نحو محاولات متجددة للفهم : "في اعتصام وزارة الدفاع في إبريل الماضي ، قابلت سلفيين و حدثتهم عن الدولة من وجهة نظرهم ، وقيل لي أنهم يقبلون القوانين ، لكن التي لا تخالف الشريعة ، وحين سألت عن أمثلة، لم أجد إجابة .. ".
وصل هيرماس وغيره من الذين يتبنون فكرة علمانية الدولة إلى قناعة بأن يكون التشريع خاضعا لاحتياجات المجتمع ومطالبه ، و ألا يكون الدين وسيلة لتمرير قوانين لصالح فئات معينة ، أو على حساب آخرين ، و يوضح: "الأمر لا يتعلق فقط بالاسلام ، بل بقضية مثل الزواج والطلاق عبر الكنيسة للمسيحيين ، هناك من يرون أنه حق من حقوق الدولة و عليها أن تقوم وحدها بهذه المهمة دون شريك باسم الدين".
بعد الثورة، غاب لفظ "علمانية" لحساب تعبيرات جديدة مثل مدنية ، وليبرالية ، ومع سخونة الصراعات بين التيارات الدينية وغيرها عاد وصف "علماني" إلى الأضواء مرة أخرى، بما يحمله من وصم ، خاصة داخل التجمعات المغلقة على الانترنت. يقول  هيرماس عن ذلك : "ليس كل العلمانيين شيئا واحدا، و ليس كل الاسلاميين شيئا واحدا ، لكن هناك من الطرفين من انحط في الطعن على الآخر، فتجد العلماني الذي يرى في الاسلاميين من يريدون تزويج الفتيات في سن التاسعة ، و إسلامي يرى في العلمانيين رمزا للانحلال والعهر وأنهم معادون للأديان .. هذا ليس حقيقيا". و وسط الأحداث المتتالية والاشتباكات مع الأمن التي كان شاهدا عليها،  يغيب الجدل حول القضايا التي قامت من اجلها تلك الاشتباكات  .
كأي شاب يعتنق تلك الأفكار يؤمن هرماس بأن "لكل مقام مقال" ، فلا يفصح عن الكثير من أفكاره لكل من حوله، فتلك الأفكار سرعان ما تضع الشخص "العلماني" في تصنيف آخر كشخص معادي للاسلام .
  • برادعاوي
-         محمود علي
-         25 سنة
-         كيميائي بوزارة الصحة
يحمل محمود حقيبته مبرزا شعار حزب الدستور ، وقبلها كانت صورة الدكتور محمد البرادعي متصدرة الحقيبة إلى جوار شعار الحزب ، وطوال تلك الفترة كان يقابل بأسئلة في طريقه إلى العمل، حول صورة البرادعي ، وعن شعار الحزب ، "أحيانا ما كنت أتلقى هذا السؤال : هو البرادعي لسه في مصر ولا مسافر؟ ، وذلك بغرض التهكم". كانت فرصة له للاشتباك مع الواقع ، و فتح أبواب التواصل مع الآخرين، بل واجتذاب أعضاء جدد للحزب ، إذ يعمل محمود منسقا للعمل الجماهيري في مناطق العباسية و الظاهر وباب الشعرية بحزب الدستور، ومن هنا نضجت قناعته حول كيف يرى الآخرين، وخاصة غير المسيسين، وكذلك كيف يرونه. يقول محمود عن ذلك : "حين تنزل لعمل سلسلة بشرية ضد قرار غلق المحلات قبل الثانية صباحا، ستجد من يساندونك، لكن حين تهبط عليهم بمظاهرة أو وقفة احتجاجية ضد اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور، فقد يشتبكوا معك بعنف". هذه القناعة لم تأت من فراغ، فطوال الفترة الماضية بعد الثورة، واجه محمود اتهامات واضحة وعبارات من نوعية "انت 6 إبريل !!"، "انتو عايزين تسقطوا الدولة !". وحين كان داعما للبرادعي في فترة ما قبل الثورة وبعدها كان ذلك بمثابة اتهام آخر . وحسبما يشرح الآن فإن تلك الصورة بدأت في التغير بعد أن بدأ العمل الحزبي، إذ كانت فكرة الحركة السياسية أو الثورية غير مفهومة لكثيرين، رغم أنها كانت إحدى نقاط القوى في أحزاب تأسست بعد الثورة .
مؤخرا، ومع تصاعد الموقف بعد ذكرى أحداث محمد محمود، عاد الاشتباك إلى ساحات الانترنت بين شباب التيار الديني وشباب التيار المدني. بدأ كل واحد يرسم صورة للآخر، ويروجها عبر صفحات الانترنت ، وأصبحت توجه اتهامات مباشرة إلى أنصار البرادعي وحمدين بالتفاهة ، والبعد عن قضايا الأمة... هنا لا ينقذ شاب "برادعاوي" مثل محمود سوى سيرته الشخصية، وثقة الآخرين به. ومثلما يتعرض "البرادعوية" للوصم، على الجانب الآخر تسدد الاتهامات إلى أبناء جماعة الإخوان بأنهم تابعين لقياداتهم ، و يرى محمود أن لكل شيء جذوره ، يعلق على ما يخص جماعة الاخوان المسلمين تحديدا : "التعامل مع أفراد جماعة الإخوان في عمل مشترك ، بدأ تدريجيا في إعطاء صورة سلبية ضخمها البعض ، فقد تعرضت أنا وأصدقائي لموقف محرج حين اعتمدنا على زملاء ينتمون إلى الإخوان المسلمين في تنظيم مسيرة بحي العباسية ضد نزول توفيق عكاشة هناك، وقبل الموعد بيوم واحد ، اعتذر الشباب الإخوان .. ونحن نعرف أن ذلك كان بسبب رفض القيادات .. هذه المواقف هي التي تدفع إلى رسم صورة سيئة".
حسب حديثه فإن كل تلك الصور التي نأخذها عن الآخرين ، ستنهار حين نتعامل سويا بفردية: "طوال فترة بعد الثورة كان الناس يتعاملون معي أنا وزملائي في العمل الجماهيري بثقة فينا، لو تعاملنا بشكل أكثر تحررا من تبعيتنا لشخص أو جماعة ، ستقترب المسافات بيننا بشكل أكبر". 
 
  • اشتراكي ثوري
-         حازم شريف
-21 سنة
- طالب بالجامعة الألمانية

 "الاشتراكية انتهت ..جربناها أيام عبد الناصر وفشلت ، وسقط الاتحاد السوفيتي.. الشيوعية كفر وإلحاد ولا تصلح أفكارها لمجتمعنا"، هذه الاتهامات اعتاد حازم شريف أن يتلقاها و أن يتعامل معها جيدا في خطوات يحددها كالآتي: "أبدأ بالحوار و أوضح في حديثي أن الاشتراكية لا تتدخل في العقائد الدينية ، وأن الاشتراكي الثوري هو شخص له موقف واضح في دعم الطبقة العاملة، لأنه مؤمن بأن هذه الطبقة هي من تحرك التغيير في المجتمع". تلك الصورة المرسومة عن الاشتراكيين والشيوعيين تستند أحيانا إلى وجود زعماء في العالم من أبناء هذا الفكر السياسي كانوا ملحدين أو لا دينيين ، لكن ما يحاول حازم عمله في مثل هذه المواجهات أن يوضح أن الاشتراكية هي موقف سياسي مبني على أفكار ، و ليست موقف من الدين بشكل مباشر. و يقول : "أنا في بلد يحترم الدين ويعطيه دورا هاما في الحياة العامة، فكيف أدخل معركة خاسرة ، و أعزل نفسي عن مجتمعي ؟ ".
وسط ميدان التحرير، في جوار شوارع وسط البلد التي تجمعه ببعض الرفاق، يتشابه حديثه مع حديث الشباب المنخرطين في العمل السياسي ، ولا يختلف عنهم سوى حين يستخدم بعض المصطلحات"العلمية" في السياسة. وأثناء حديثه قرب مجمع التحرير، يراجع ما مر به من خبرات مع شباب التيارات الأخرى .. كيف يراهم ، و كيف يروه ؟
عند التعامل مع أبناء التيار الاسلامي، سواء في العمل الطلابي أو في أنشطة سياسية أخرى ، تزداد مساحة التوتر قليلا ، بسبب اختلاف القناعات ، لكن ذلك لا يمنع أن يتعاون الفريقان في نشاط مشترك مثل فعالية في أحداث غزة الأخيرة ، لكن يظل لكل منهما مشروعه و صورة للدولة التي يرغب بها. وبعد وصول الإخوان المسلمين إلى مراكز قيادية في السلطة، انتقل التوتر إلى الشريحة الطلابية، هذا ما حدث في ندوة القيادي الإخواني الدكتور محمد البلتاجي، في جامعة حلوان قبل أسابيع، حين انتهت بحدة متبادلة بين الطرفين، و صدامات أخرى وقعت في مناسبات أخرى متفرقة. اختار حازم طريق الاشتراكية الثورية بعد قراءات اطلع عليها قبل سنوات ، و لا يخفي انتقاده لكثير من أبناء التيار الاسلامي، عن عدم قدرتهم على نقد أدبياتهم ، و هو ما يثير نقاشا وجدلا أحيانا مع زملائه الاسلاميين الذين يوفرون له مساحة النقاش. "أنا حين أطلع على نقد متجدد للأفكار الاشتراكية ، أجد أن الزمان لم يتوقف عند كارل ماركس ، وهو ما لا أراه بشكل واضح لدي شريحة كبيرة من الاسلاميين ، في نقدهم لأدبياتهم".
هناك وجهة نظر أخرى يعرضها حازم تجمع الأحزاب الاسلامية والليبرالية في صورة واحدة، هذا ما يوضحه قائلا : "الأحزاب الليبرالية أكثر اهتماما بالطبقة الوسطى التقليدية - البرجوازية-ويبرز فيها دور رجال الأعمال وسطوتهم على السياسة ، هنا لا يوجد فرق بين حزب يجمع الاسلاميين ، وحزب ليبرالي ، هؤلاء جميعا ، يقفون في ناحية أخرى من القضية التي نناضل من أجلها ، وهي قضايا الطبقة العاملة ، وصنع حراك ، ثم وعي ، وبعدها الثورة، يعملون بطابع المؤسسات التجارية".
لا تمثل الاشتباكات التي تحدث الآن بين القوى السياسية المدنية والاسلامية ضغطا كبيرا على شاب مثل حازم، بل إن الصراع الذي دار خلال الأسابيع الماضية حول المادة الثانية من الدستور ، يصفه قائلا : "أرى شبابا كثرا ينخرطون في السياسة ، و ظهرت مجموعات هدفها فقط مواجهة الإخوان ، و يبدأون في العمل السياسي دون أفكار سياسية أو توجهات يتبناها ، ما أعتقده هنا أنه يجب أن يكون هناك فكر ومنطق ومنهج، يصنعها توجها دائما في العمل السياسي ، و ألا أستمد وجودي من مواقف طارئة".
ومن أجل أن يصل الفكر الاشتراكي إلى الآخرين ، أصبحت هناك قواعد على شاب مثل حازم أن يبديها ويعتنقها في أثناء العمل السياسي ، وعلى رأسها ألا يصطدم بقناعات المجتمع الراسخة ، وأن يدرك أن لكل مجتمع ظروفه الخاصة التي تنتج حلولا ووسائل مختلفة .