Tuesday, June 27, 2006

جوجل والعرب على شبكة الانترنت

عبد الرحمن مصطفى من القاهرة:
خدمة "Google Trends" إحدى خدمات موقع "جوجل" على شبكة الانترنت، يقوم فيها المستخدم بإدخال إحدى الكلمات بغرض عرض إحصاءات عن أكثر المدن والبلدان واللغات التي بحثت عن هذه الكلمة على محرك بحث "جوجل" خلال الفترة من يناير /كانون ثاني2004 إلى إبريل/ نيسان 2006، وتفيد هذه الخدمة الأغراض الاقتصادية والتسويقية، وفهم اتجاهات شريحة مهمة من زوار الإنترنت... حيث يقدر مستخدمي "جوجل" بالملايين حول العالم.
"إيلاف" قامت بالتعرف على بعض اتجاهات مستخدمي محرك بحث "جوجل" من العرب من خلال نتائج إحصاءات "Google Trends".

مفارقات عربية

كانت من مفارقات نتائج البحث أن تقدمت مدينتي المنامة والقاهرة على العاصمة الإيرانية طهران في البحث عن كلمة "نجاد" الاسم الثاني للرئيس الإيراني "أحمدي نجاد"، كما تقدم مستخدمو "جوجل" من داخل إسرائيل وتحديدا من مدن "عسقلان، واللد، والقدس، وتل أبيب" على كافة الدول العربية في البحث عن كلمة "عروبة". ورغم المحاولات العديدة للتعريف بالدين الإسلامي والحضارة العربية لدى الغرب إلا أن أغلب نتائج البحث عن كلمات تخص الشأن العربي والإسلامي مثل "The Islam، Islam، Allah" أو "Arab، Arabs Arabic، Arabian، middle east" جاءت لبلدان عربية وإسلامية بعيدا عن الدول الغربية الأكثر استخداما للإنترنت والأكثر إجادة للغة الإنجليزية..اللغة الأولى على شبكة الإنترنت. ومن ضمن المفارقات أن تصدرت مملكة البحرين قوائم الباحثين عن كلمات ذات مدلول ديني ككلمات " الله، ربي، رب، اللهم، دعاء، الشيعة"، متقدمة بذلك على جارتها المملكة العربية السعودية التي يجاوز عدد مستخدمي الانترنت فيها ثلاثة أضعاف عدد سكان مملكة البحرين بأكملها.

العرب والجنس

ومن غرائب الإحصاءات أن جاءت دولة اليمن في المركز الأول عربيا ضمن قوائم الباحثين عن كلمات " الجنس، جنس، سكس"، وذلك رغم تضاؤل أعداد مستخدمي الإنترنت باليمن مقارنة ببعض الدول العربية الأخرى، حيث لا يجاوز عدد مستخدمي الانترنت في اليمن 4.5% من عدد المستخدمين في مصر أو 9% من عدد المستخدمين في السعودية. ومن ضمن النتائج المثيرة أن جاء مستخدمو محرك بحث "جوجل" من مصر – الأولى عربيا في عدد مستخدمي الإنترنت – في المركز الثاني بعد باكستان ضمن قائمة أكثر البلدان في العالم بحثا عن كلمة "sex" (= جنس) على محرك بحث "جوجل"، وتضم قائمة العشر الأوائل دولا إسلامية أخرى، إلى جانب دولة عربية هي المملكة العربية السعودية التي احتلت المركز الثامن.. متقدمين بذلك على العديد من الدول التي تستخدم اللغة الإنجليزية كلغة أصلية، كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، في الوقت الذي لا يمثل فيه المتحدثون بالعربية إلا 2% من مستخدمي الإنترنت حول العالم.

نتائج سياسية

بعض النتائج عبرت عن تأثر مستخدمي "جوجل" بالأحداث السياسية المحيطة بهم.. فعلى سبيل المثال كانت دولة الكويت المشغولة بخلافات فريقي الليبراليين والإسلاميين هي الدولة الأولى في قائمة الباحثين عن كلمة "الليبرالية" عبر "جوجل"، بينما كانت مصر وتحديدا مدينة القاهرة هي أكثر البقاع العربية بحثا عن كلمات "الانتخابات، المظاهرات، مظاهرة"، في دلالة واضحة على مدى تأثر مستخدمي الانترنت في مصر بالحالة السياسية التي تشهدها البلاد منذ الانتخابات الأخيرة، أما سوريا وجارتها لبنان وما تشهده كل منهما من أجواء سياسية مقلقة، فقد كانتا على رأس الدول العربية الباحثة عن كلمة "السياسة"، وعلى صعيد القضية الفلسطينية..فقد كانت الأردن التي تعود نسبة كبيرة من شعبها إلى أصول فلسطينية - تجاوز نصف عدد السكان في بعض التقديرات – هي أكثر الدول العربية بحثا عن كلمات تخص الشأن الفلسطيني، ككلمات "القدس، الفلسطينيين، الفلسطيني، فلسطين، فلسطينية، القضية الفلسطينية، اتفاقية، بيت المقدس، الانتفاضة"، وكانت الأردن أيضا هي أكثر الدول العربية بحثا عن " صلاح الدين الايوبي " عبر محرك بحث "جوجل"..!

روابط:
www.google.com/trends
ـــــــــــــــ

Friday, March 24, 2006

إنصافا لعمرو خالد

إذا ما وقع صدام بين طرفين.. فأيهما أفضل، الانغلاق على الذات والبحث عن الانتقام من الطرف الآخر، أم مصارحته والتحاور معه حول المشكلات القائمة بين الطرفين..؟؟ إن خيار البعد عن الحوار قد يفضي إلى قطيعة قد تدوم لسنين طويلة يترسخ خلالها الشعور بالكراهية حين تستمر أسباب الغضب كما هي دون علاج أو مناقشة.. ويتجه البعض في مثل تلك المواقف إلى البحث عن الانتقام من الطرف الآخر بأي وسيلة كانت، ويعتبر هذا الانتقام نصرا أوشيئا من التفوق، علما بأن القوة دائما ما كانت تتجلى في قوة المنطق و استخدام الحجة عند الإقناع.. فهكذا كانت عظمة الأنبياء والقادة والزعماء حين تكمن قوتهم في قدرتهم على إدارة المواقف الصعبة ومواجهة الآخرين، لابصب اللعنات ومحاولات الثأر.
قد يرى بعض المسلمين أن الإساءة الدنماركية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم – التي قام بها أفراد قليلون- هي متعمدة ومقصودة ومَرْضِـي عنها من الشعوب الغربية.. ولعل أصحاب وجهة النظر تلك يُسقطون من حساباتهم عامل اختلاف الثقافات وتضارب الرؤى بين الجانبين الإسلامي والغربي بشأن تقدير الأديان والأنبياء، وقد بدت السعادة واضحة على بعض الأوساط الإسلامية بسبب حالة الغضب التي عمَّت أرجاء البلدان الإسلامية كالتظاهرات وحملات المقاطعة، حتى وصف البعض حالة الغضب تلك بتعبير "الصحوة"، مما جعل مبادرة الداعية عمرو خالد ومن معه من علماء المسلمين في اختراق أرض الآخر وعرض ما بداخل نفوس المسلمين من غضب وصدمة أمام الطرف الآخر سببا في اتهامه بالانتهازية، ومخالفة المجموع، وفي السخط عليه، حتى وصف البعض مبادرته بالفشل..!
ودعونا ننظر الآن ماذا فعل عمرو خالد... لقد أخذ بأيدي مجموعة من الشباب إلى الغرب كي يُعَـبروا عما بداخلهم من غضب ويواجهوا (الآخر) بحقيقة مشاعرهم تجاهه في رمزية تعبر عن دعوة شباب الأمة إلى الاتجاه إلى فكر جديد يمارس الفعل، ولا يكتفي برد الفعل... وذلك في الوقت الذي نجد فيه بعض الشخصيات في المجتمع الإسلامي تصر على "استثمار حالة الغضب الإسلامي" وتأجيجها، طارحين تعبيرات "الصحوة" و"الوحدة الإسلامية" في وصف حالة الجماهير الغاضبة، حتى وإن صاحب هذا الغضب بعض التهور... وكأن مثل تلك الممارسات قد حلت الأزمة أو أعطت ضمانات لعدم تكرار الإساءة مرة أخرى، إن مثل تلك الوضعية الأخيرة التي تعتمد على تحفيز غضب الجماهير من المؤكد أنها ستصنع شبابا ليس لديه القدرة على التحاور أو التعبير عن آلامه ومشاكله للآخرين.. وستصنع شبابا أكبر أمانيه أن ينتظر إشارة الاحتشاد بأمر آخرين رافعا صوته لمن يزيده حماسا، فيترك مهمة الحوار إلى الاحتفاليات الثقافية الحكومية الشكلية. وإنصافا للداعية الشاب عمرو خالد ومن سانده في مثل تلك المبادرة الأخيرة، فقد طرح الرجل فكرة إمكانية النقاش على طاولة واحدة بين أطراف – غير رسمية- بغرض التعرف على خلفيات كل طرف، والتحسب لأثر الاختلافات بين الطرفين على المستقبل، مع ترك الأمور الإجرائية للحكومات والجهات الرسمية، وهذا الاتجاه جاء كبديل عما يمارسه البعض من تلاعب بحالة الجماهير المزاجية، وتحفيز غضبهم وتصوير مظاهر غضبهم على أنها مظاهر نصر وقوة.

إن فكرة الحوار هي فكرة جديرة بالاحترام و تستحق التطبيق على الصعيد الداخلي في داخل المجتمعات الإسلامية، حيث بؤر الفتن والتجمعات المنغلقة التي لاتقبل التنوع في داخل الأمة الواحدة، سواء بين أبناء الدين الواحد (الإسلام) أو بين المسلمين وغير المسلمين. ولعلنا نتساءل الآن.. ماذا لو كان رسام الكاريكاتيرات المسيئة للنبي الكريم من العرب غير المسلمين.. كيف كانت ستدار الأمور..؟!وماذا لو وقعت حالات إثارة للفتنة بين السنة والشيعة.. هل سيكون "استثمار حالة الغضب والحفاظ على ثباته" مفيد للطرفين..؟! وهل سنظل على نهج حشد الجماهير الغاضبة في مواكب استعراضية، والسعي لتركيع الآخر، بدلا من مصارحته بخطئه، وتقديم مطالبنا أمامه..؟؟

إن فكرة السيطرة على الجماهير وتوجيه غضبها في أمور شكلية دون مواجهة أسباب الغضب هي إحدى مشاكل مجتمعاتنا التي تنقل غضبها دوما إلى أمور أخرى دون مواجهة أصل المشكلة، مما يزيد من مشكلات مجتمعاتنا، ويسهم في تأخرها.
ـــــــــــــــــــــــــــ

Saturday, March 4, 2006

هل نقل الإساءة إساءة؟

سؤال أثارته الأزمة الدنماركية

وسط حالة الغليان التي أصابت الشارع العربي بسبب الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية المسيئة للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم- قامت بعض الصحف ووسائل الإعلام العربية بإعادة نشر تلك الكاريكاتيرات المسيئة ضمن مادة صحفية أو إخبارية، فأدى هذا في بعض تلك الحالات إلى حبس وإقالة عدد من الصحفيين والإعلاميين المسئولين عن النشر، وتم إيقاف عدد من المطبوعات في حالات أخرى... ومازال هذا الموقف قابل للتكرار في الفترة المقبلة.

ـــ إقالات وحبس

لعل جهاد المؤمني رئيس تحرير صحيفة "شيحان" الأردنية من أوائل ضحايا تلك المجزرة عندما تم إيقافه عن العمل من قبل الشركة مالكة الصحيفة بعد نشر الكاريكاتيرات المسيئة، وقد تم اعتقاله بتهمة "إهانة الشعور الديني" رغم قوله بأن النشر كان بغرض تعريف الجماهير بتلك الصور، ولم يكن المؤمني الصحفي الأردني الوحيد الذي تم التنكيل به لهذا السبب، بل كان معه زميله الصحفي هاشم الخالدي رئيس تحرير "المحور" الذي تم حبسه مع المؤمني بتهمة جديدة وهي "إطالة اللسان على أرباب الشرائع من الأنبياء" بعد أن تم توبيخه من قبل نقابة الصحفيين الأردنية.
وفي اليمن تم حبس ثلاثة رؤساء تحرير يمنيين قاموا بإعادة نشر الكاريكاتيرات الدنماركية المسيئة بصحفهم "يمن أوبزرفر"، و"الرأي العام"، و"الحرية"، وقامت وزارة الإعلام اليمنية بإلغاء تراخيص تلك الصحف رغم تأكيد الصحفيين الثلاثة على أن النشر قد جاء كضرورة صحفية، و جاء في بيان صادر عن جريدة "يمن أوبزرفر" أن النشر قد جاء بطريقة لا توضح معالم الصور بأن وضعت علامة (إكس) كبيرة عليها تعبيرا عن موقف الجريدة من تلك الصور.
وتكررت مشاهد الحبس لرؤساء تحرير في الجزائر.. فأقيل رئيسي تحرير جريدتي "إقرأ" و"الرسالة" الصحفيان كاحل بوسعد و بركان بودربالة اللذان أكدا على أن النشر كان بغرض التوضيح للقراء.. في الوقت الذي لم تسلم فيه بعض القيادات الإعلامية في التلفاز الجزائري من الإقالة، فقد أقيل مدير "قناة الجزائر" الحكومية الناطقة بالفرنسية والموجهة إلى أوروبا و معه بعض العاملين بعد عرض الصور المسيئة ضمن نشرة الأخبار.
ومازال هذا المسلسل دائرا بين الأقطار العربية حتى وصل إلى السعودية فأصاب جريدة "شمس" السعودية التي تم إيقافها لأجل غير مسمى بسبب إعادة نشر نفس الكاريكاتيرات رغم استنادها في ذلك لفتاوى دينية ترفع عنها هذا الحرج.

ـــ نظرة سياسية

إن النظرة إلى إعادة نشر الصور المسيئة للأنبياء على أنها تكرار للإساءة هي نظرة سياسية بحتة، والدليل على ذلك أن مصر التي تعرض فيها رئيس تحرير جريدة الأخبار اليومية محمد بركات للتوبيخ من قبل مسئولين في الدولة ونواب برلمانيين بسبب إعادته نشر تلك الكاريكاتيرات المسيئة، لم نر فيها تلك الإجراءات عندما نشرت نفس تلك الرسوم الكاريكاتيرية في جريدة الفجر الأسبوعية في فترة مبكرة من الأزمة وقبل توهج مشاعر المسلمين. بل إن جريدة الأهرام المصرية قد نشرت منذ مدة هي ومعها صحف عربية أخرى صورا ورسوما مسيئة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - والسيدة مريم العذراء والتي قام بها مستوطنون إسرائيليون ولم يحدث اعتراض وقتها على نشر تلك الصور، ولم يحدث أن تدخل الأمن لجمع أعداد الجريدة مثلما حدث مع يومية الأخبار السابق ذكرها والتي رجحت بعض المصادر أن رئيس تحريرها قد يتعرض للعقاب عما قريب.. خصوصا وأن قطاع الصحافة في مصر خاضع بطريقة ما لسلطان الحكومة المصرية والتي تتحكم في اختيار قياداته.

ـــ كبش فداء

كان عدد من الصحف الغربية قد أعاد نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم تضامنا مع الجريدة الدنماركية بدعوى مساندة حرية الرأي الأمر الذي زاد من استفزاز مشاعر المسلمين، وكانت التظاهرات تزداد سخونة في العالم العربي والإسلامي في الوقت الذي لم تستطع فيه الحكومات العربية اتخاذ أي إجراء ضد تلك الصحف الغربية، مما جعل إعادة نشر تلك الصور في المطبوعات العربية يمثل مثيرا شرطيا للعجز العربي، لذا كان الإجراء الوحيد الذي من الممكن أن يتخذ يقتصر فقط على الصعيد الداخلي.. ورغم أن كل من تعرضوا للحبس أو الإقالة من الصحفيين أو الإعلاميين العرب كانوا قد أكدوا أن النشر جاء ضمن مادة صحفية لا أكثر، بل إن بعض تلك الصحف عملت ضمن حملة التنديد بالرسوم الكاريكاتيرية و(نصرة الرسول).. إلا أن هذا لم يشفع لها، بل وجدنا على سبيل المثال أن الديوان الملكي الأردني يصف إعادة النشر بأنها " إفساد في الأرض لا يمكن قبوله"، ووزارة الإعلام اليمنية تسارع في إلغاء تصاريح ثلاث صحف، والأمن المصري يتدخل لسحب أعداد من جريدة احتوت على تلك الرسوم المسيئة.. مما يوضح أن كل تلك الإجراءات كانت خشية انتشار الصور بين الناس وزيادة انفعالهم وأن ينعكس ذلك على الأوضاع الأمنية الداخلية في توقيت اتضحت فيه عدم قدرة الحكومات على مواجهة الاستفزازات الإعلامية الخارجية.
لكن مثل تلك الإجراءات ضد الصحفيين العرب قد أثارت المدافعين عن حرية الصحافة فقد طالبت منظمة هيومان رايتس ووتش حكومات كل من الأردن واليمن والجزائر أن تسقط فوراً التهم الجنائية الموجّهة إلى المحررين والصحفيين اللذين أعادوا نشر الرسوم الكاريكاتيرية للنبي محمد في صحفهم.. إلا أن مثل تلك الدعاوى والمطالبات قد خفت صوتها وسط صخب التظاهرات وموجات الغضب الشعبية.

ـــ رأي الدين

ومما يجعل من تلك القضية قضية مثيرة للجدل أن بعض رجال الدين الـثـقاة قد ذهبوا إلى أن إعادة نشر تلك الصور بغرض التوضيح فقط لا يُحمِّـل من يعيد نشرها أي ذنب، بل والأكثر من هذا أن بعض القنوات الفضائية ذات الطابع الدعوي مثل قناة المجد الفضائية قد عرضت تلك الصور المسيئة للجماهير ضمن أحد برامجها، هذا إلى جانب إعادة نشرها في عدد من القنوات التلفزيونية ضمن برامج تلفزيونية شهيرة تناولت قضية الرسوم الدنماركية ومرت الأمور بسلام. وحتى الآن لم تظهر فتاوى بارزة لمناهضة إعادة نشر تلك الكاريكاتيرات سوى فتوى نــُسبت للشيخ عبدالرحمن السحيم الداعية بوزارة الشؤون الإسلامية و الأوقاف السعودية وعضو مركز الدعوة والإرشاد بالرياض قال فيها بعدم جواز تكرار نشر تلك الصور حتى لو كان الأمر بغرض التعريف، واستدل الشيخ على ذلك بأن ضرب مثلا بأنه لا يجوز تحذير الناس من الزنا بعرض صور إباحية (!).. وعموما فالرؤية الدينية للقضية لم تكن سببا وراء ما جرى من حبس أو إقالات لعدد من الصحفيين والإعلاميين العرب.
فعلى جانب آخر أكثر أهمية نجد أن السيرة النبوية قد ضمت نصوصها بعض أقوال مناهضي الدعوة المحمدية وفيها إساءة للرسول محمد - صل الله عليه وسلم - وحوتها لنا الكتب إلى يومنا هذا، بل وعرض القرآن الكريم وجهات نظر مناهضي النبي بما تحوي من افتراءات وإساءات له، كقوله تعالى : وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) الصافات، أو كقوله أيضا : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) الفرقان.. وكل تلك الآيات تنقل إساءات تعرّض لها الرسول، فكانت الآيات ناقلة لأقوال مناهضي الرسول بغرض التوضيح وليس الإساءة.
إن ما حدث طوال الفترة الماضية – وما قد يحدث لاحقا – من تضييق على الصحافة وإسقاط لمشاكل داخلية على بعض الصحفيين والإعلاميين ممن تم حبسهم أو إقالتهم لم يستند إلى مرجعية دينية أو حتى أخلاقية بقدر ما كان ممارسات سياسية نتمنى ألا تتكرر وأن يتم رفع الظلم عمن ظلموا ضمن تلك "المجزرة الدنماركية" للصحافة العربية
ــــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, February 28, 2006

أعراض خبيثة

ارتعشت عضلات وجهي… أعلـَنت امتعاضها من بسمة مزيفة لم استطع الاحتفاظ بها لثوان معدودات.. تعاطَـفَت الشفاه مع أبيها الوجه، تشجع اللسان ونطق بكلام مضطرب، لم يعد القلب يحتمل أن يـُظهر عكس ما يبطن، قام وانتفض، ضرب الضلوع بكل قوته محاولا الفرار من جسد مدنس بالخطايا، لاحظتُ رعشة يدي المسكينة وهي تصف الكذب.. لم تواصل… سَـقَـطـَت .
زاغت العينان تلاحظ وترقب ردود الأفعال في حذر، لم تستطع استقراء الأحداث، بدأت الهواجس تدور بحرية في فضاء الجسد.. نجح تحالف القدمين في عرقلة مسيرتي، انكببت على وجهي لأكتشف مؤامرة دبرها جسدي.. لقد نجحت المؤامرة، وأخفقتُ في الوصول إليه لتهنئته بعد الاجتماع، لم يعد باستطاعتي السيطرة على جسدي .

قال بعجرفة الأطباء : جسدك صحيح وأعضاؤك سليمة… أنت لا تعاني من شيء، أشار إلى رأسي وقال : مشكلتك تكمن هنا..!

صدق الطبيب.. كيف لم أنتبه إلى هذا العقل الفاعل الرئيسي في المؤامرة…؟! لقد كان دوما وراء تعثر خططي مع المدير . اليوم.. اتبع علاجا جديدا مع أحد المعالجين بالقرآن.. نصحني الشيخ المعالج أن أقرأ سورة المنافقين كل يوم، فربما يتبدل حالي إلى الأفضل.
ــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, February 14, 2006

رحلة في عقل رسام كاريكاتير أوروبي

جلس رسام الكاريكاتير الأوروبي يعد رسما حول الإسلام، كان أول ما تذكره هو وجه أسامة بن لادن، وملثمون يستعدون لنحر أحد الرهائن الغربيين، وآخرون يرفعون أسلحتهم في وجه الكاميرات داخل الأراضي الفلسطينية.. حاول أن يتذكر أشهر الحكام العرب ومواقفهم الشهيرة، تذكر صدام حسين ومحاكمته، تذكر تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الأكثر عداءا للغرب.. كانت هنالك وجوه لشخصيات عربية أخرى، لكنه لم يتذكر إلا هؤلاء.. فهم الأشهر، أو هكذا أرادت لهم وسائل الإعلام . بحث الأوروبي حوله عن مسلمين أوروبيين جمعوا في قلوبهم بين حب الإسلام والانتماء إلى الحضارة الغربية بكل آدابها وفنونها، لم يجد كثيرا، فقد كانت الأغلبية من أصول غير أوروبية، يرتدي بعضهم أزياء غريبة عن أزياء وطنه، لا يندمجون بجدية في المجتمعات الأوروبية، ولاءهم الأساسي لأوطانهم الأصلية، بعضهم لا يجيد لغة البلاد التي يعيش فيها... لذا لم يكن هناك نماذج إسلامية شهيرة يتحدث عنها. حاول الرسام أن يفعل كبعض مدعي الثقافة ويؤصل ما علمه عن المسلمين، فبحث داخل كتابات الأوروبيين عن الإسلام وحاول أن يربط بين ما يراه اليوم وما جرى قديما.. قرأ في إحدى الموسوعات أن من أنشأ الديانة الإسلامية كان رجلا يدعي محمدا، نجح في توحيد القبائل العربية التي تزعمت العالم من بعده وفرضت لغتها في بقاع عديدة من العالم.. يعبدون إلها اسمه "الله" ..(!) كذلك قرأ عن تعدد للزوجات وتسلط الرجال على النساء... الخ، أعجبته تلك المادة فمنها يستطيع أن يصنع رسوما مثيرة للجدل .
رسم كاريكاتيراته وتهكم فيها على محمد مؤسس الديانة الذي لم يكن ليعترف بنبوته مثلما لا يعترف بوجود المسيح، كان محمد - عليه الصلاة والسلام - في نظره هو السبب وراء ما يفعله المسلمون اليوم.

لم يعلم الرسام أنه ظلم نبي الإسلام عندما لم يتحر الدقة في رحلة بحثه واستسلم لمرويات تصلح كحكايات أسطورية عن الإسلام، وبعد نشر رسومه الساخرة... عبّر المسلمون عن غضبهم وتعاون معهم مسلمون أوروبيون، تفاجأ الرسام بحرق سفارات بلاده وبلاد أخرى نشرت رسومه الكاريكاتيرية، أذاع التلفاز أن أحد الفقهاء المسلمين قد أحل دمه.. الحرب الاقتصادية تبدأ، ورئيس وزراء بلاده لا يريد الاعتذار.. يعتذر الرسام ولا فائدة(!) يبحث في مكتبته الخاصة عن حروب قديمة بين المسلمين وبلاده، وجد حديثا قديما عن الصليبيات، اعتبر الحاضر امتدادا للماضي، ولم تتغير نظرته للإسلام، وزاد الحذر في بلاده من مسلمي الداخل وأصبحت هنالك مرارة تجاه كل مسلم. قد يكون هذا هو ما دار فعلا في عقول بعض الأوروبيين، رسامو كاريكاتير كانوا أو عمال في مصانع، أو حتى فلاحون في مزرعة، ولم يستطع المسلمون تغيير تلك الأفكار، بل تركوها تترسخ أكثر في الأذهان بعد أن غاب الحوار العاقل تماما عن الأحداث.. ويحاول بعض المسلمين الآن المحافظة على حالة الغضب الدائرة على أمل أن يعمل الآخرون لهم ولمعتقداتهم ألف حساب في المستقبل، وإلا فالبديل هو الغضب..!

كان الرسول عليه الصلاة والسلام في رده على حماقات الآخرين يسعى دوما إلى توصيل فكرة وهدم أخرى، وكانت قضيته في رسالته وليست في مسائل ثأرية.. البعض منا قد تعامل مع قضية الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام بأسلوب خاو من الفكر، لا يحمل رسالة بقدر ما يحمل عداء وإغلاقا للأبواب.. البعض قد بحث عن أقصى العقوبات ولم يفكر في الهدف منها، واتضح هذا الأمر بعد اعتذار أهل الإساءة عن إساءتهم، فلم يتغير شيء.. لأن هدفنا كان الانتقام بالدرجة الأولى ولم يكن سعيا وراء جدل محمود للتأثير في الآخر فكريا وحضاريا. القضية أساسا كانت قضية ثقافية، وتحولت إلى قضية سياسية اقتصادية، مما ضيّع وسط صخب الهتافات حقائق كان من الواجب توصيلها إلى أهل الإساءة... والآن نتمنى أن تعود إلينا قضيتنا الرئيسية كي نوضح من خلالها الحقائق ونعرض ملامحنا الثقافية والحضارية للآخرين بوسائل مبتكرة كي لا يسيئوا إلينا مرة أخرى ، فالجهل بالشيء هو مقدمة لرفضه، ربما تلك هي لحظة التواصل مع الآخر وطرق أبوابه لتعريفه بأمور لم يعلمها عن دين قد ظلم كثيرا على يديه، بالإمكان إعداد مادة إعلامية تقدم ومضات عن الإسلام وعن الشرق بأسلوب (غربي) محترف، بالإمكان أن يجاهد المسلمون الأوروبيون للاندماج داخل مجتمعاتهم الغربية كي يتم قبولهم في تلك المجتمعات، بالإمكان أن يفيق أهل المشرق من غفوتهم وإنطوائيتهم و يصلحوا من أنفسهم كي يجدوا ما يقدمونه للآخرين.
ليكن هدفنا هو ذلك الرسام، الذي لم يجد ما يقدمه عنا، لنحاول صنع شيء يحترمه الآخرين فينا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Sunday, February 12, 2006

بين الحزب السياسي والتنظيم الإسلامي

من ضمن تعريفات الحزب السياسي تعريف يراه مجرد تنظيم يقدم مرشحين للانتخابات، أو هو جماعة تتقدم إلى الانتخابات التشريعية، وقد اعترض الكثيرون من علماء السياسة على هذا التعريف الذي يجعل من الدخول إلى الانتخابات معيارا لنيل الصفة الحزبية، فحسب هذا التعريف فإن الهيئات الدينية أو المؤسسة العسكرية مؤهلة لاتخاذ الصفة الحزبية إذا ما دخلت الانتخابات.. وهو أمر غير مقبول في النظم الديمقراطية . لعلنا الآن نعيش عهد الانتصار لهذا التعريف، بعدما أثبتت لنا نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخرا في وطننا العربي في مصر والعراق والأراضي الفلسطينية أن بدائل أخرى غير الأحزاب السياسية قد تقدمت إلى الانتخابات واكتسحت الأحزاب التقليدية المطابقة للمواصفات الأكاديمية .

في مصر - مع استثناء النتائج الانتخابية للحزب الحاكم - نجد أن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قد حققت تواجدا في المجلس التشريعي المصري يفوق خمسة أضعاف حجم التواجد الحزبي لبقية الأحزاب المصرية كافة، علما بأن جماعة الإخوان المسلمين جماعة دينية وليست حزبا سياسيا تقليديا.. أما في العراق فقد كانت بعض القوائم الانتخابية تحمل ملمحا طائفيا ومذهبيا فجـا نال الحظوة على حساب الفكر الحزبي التقليدي، ومؤخرا كان التقدم في الأراضي الفلسطينية لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" على حساب "فتح" مصنع القيادات الفلسطينية . وبعيدا عن الأسباب الداخلية التي دفعت إلى ظهور مثل تلك النتائج، وما قد يقال عن أن بعض تلك النتائج - كما في مصر والأراضي الفلسطينية - قد جاءت نكاية في السلطة الحاكمة، فما نلاحظه هنا هو ذلك الخطاب السياسي ذو الطابع الديني الدعوي الذي حقق مكاسب سياسية كبيرة، وتلك الظاهرة تستحق البحث في جذورها كمحاولة لطرح البديل. ولعل مفهوم الحزب السياسي حديث نسبيا على الفكر السياسي، فقد أرجعه البعض إلى منتصف القرن التاسع عشر، غير أنه كان قد استمد جذوره من ميراث حضاري أوروبي إنساني قديم... أما الظاهرة الحزبية في وطننا العربي فأزمتها أنها لم تستمد جذورها من ميراث عربي أو إسلامي، بل انتقلت الفكرة من الغرب إلى عالمنا العربي ضمن حزمة من القوانين والتشريعات نعمل بها حتى اليوم، ذلك في الوقت الذي نجد فيه الجماعة أو الحركة أو التنظيم الإسلامي لديه من ميراثنا الحضاري ما يستطيع أن يخاطب به الجماهير التي أصبح بعضها يطرب لسماع العبارات التراثية والألفاظ الدينية داخل الخطاب السياسي. وكما نرى فإن انتقال التجربة الحزبية إلى ديارنا كان أشبه بانتقال ثمرة نبتت في أرض أوروبية إلى بطون آكليها في المشرق دون تعب أو اجتهاد منهم.. مما جعل التنظيمات الإسلامية هنا أوفر حظا بصفتها وريثة لفكرة الفرقة أو الجماعة التي ظهرت في الحضارة الإسلامية والتي كانت تحمل في طياتها أبعادا اجتماعية وثقافية لم تخف عن أي مؤرخ... وهنا يظهر سؤال هام حول مستقبل الحزبية في بلادنا.. هل هي إلى زوال..؟؟ بعض دولنا العربية بالفعل لا تعترف بالحزبية، والبعض الآخر يناهضها.. فهل نحن في حاجة إلى بديل ..؟؟ العديد من الثورات قامت في وطننا العربي وأقصت الحزبية من الوجود، وبعض النظم العربية قد أعادت الحزبية مرة أخرى لأسباب سياسية.. وهنا نلاحظ أن الإقصاء الأول كان لعدم وجود قناعة بدور الأحزاب السياسية، بل إن بعض الثورات وعلى رأسها الثورة المصرية كان من ضمن أسباب قيامها هو فشل النظام الحزبي، والآن يتشابه الموقف.. ولكن البديل ليس ثورة بقدر ما هو ظهور كيانات ذات ملامح تراثية تتمثل في التنظيمات الإسلامية التي أوجدت لها صلة بالماضي، وتزعم قدرتها على إعادة النهضة الإسلامية إلى الحياة مرة أخرى .

إذن ما الحل ..؟؟
لعل المشترك في الظاهرة السياسية الإسلامية التي برزت خلال سلسلة الانتخابات العربية الأخيرة هو وجود خطاب مشترك يجمع بينها جميعا، وإن اختلفت طريقة تناولها للقضايا الداخلية، إذا فلعل الحل يكمن لدى المنظمات والمؤسسات التي تجمع الكيانات العربية الرسمية، كجامعة الدول العربية على سبيل المثال، فهي مؤهلة أن ترعى فكرة مشروع عربي يهدف إلى وضع تصور لنظام سياسي عربي يراعي التجربة الحضارية المشتركة بين الشعوب العربية، ويراعي الفروقات الثقافية والجغرافية بين الدول والأقاليم العربية المختلفة، ليكون هناك نظام عام يراعي خصوصية كل قطر . لقد عملت الحضارة الغربية واجتهدت لقرون طويلة منذ عهد الإغريق وحتى الآن لوضع نظم سياسية للحكم، فنتجت أفكار عديدة، منها النظام الديمقراطي والذي كان رغم عمومية أفكاره وإنسانيتها قد أتاح الفرصة لكل قطر غربي أن يضع لمساته على هذا النظام، فجاءت الديمقراطية الفرنسية مختلفة عن البريطانية وعن الأمريكية.. لذا فنحن في انتظار من يتبنى الدعوة لهذا المشروع الفكري الذي يؤسس لمرحلة حضارية جديدة تطمح في استقرار سياسي لبلادنا .
فربما يكون قد آن الأوان أن يكون لنا تجربتنا الخاصة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

Wednesday, February 1, 2006

الطفل المعجزة

جرت العادة أن يعقب صلاة الجمعة درس يلقيه شيخ الجامع.. غير أن ما أُعلن في ذلك اليوم كان فريداً من نوعه، فقد كان من سيلقي الدرس هذه المرة طفل صغير لم يتجاوز الستة أعوام (!) وبالفعل.. وقف الطفل بجلبابه الأبيض والغترة الحمراء على كرسي كبير بالمسجد وأخذ يخطب في الناس وينذر ويتوعد على عادة كبار الشيوخ.. فاجتمع الناس من حوله يتبسَّمون وينادون على غيرهم من أجل رؤية هذا العرض الطريف، وأخذت كاميرات الهواتف المحمولة تسجل خطبة هذا الطفل الصغير..!
جرى هذا الأمر منذ عدة أسابيع في جامع عمرو بن العاص أول مسجد جامع في مصر وأفريقيا، وأكثر المساجد الكبرى في مصر بعدا عن السلبيات التي قد نراها في بعض المساجد الشهيرة الأخرى... واليوم نجد الخطبة نفسها لهذا الطفل الصغير لا ينقص منها حرف أو يزيد تباع بالأسواق على هيئة أشرطة كاسيت كمحاضرة لأصغر داعية في العالم كان قد ألقاها في مسجد العزيز بالله بالقاهرة.
ولعل فكرة أن يقوم أحد الأطفال بإلقاء خطب الوعظ على رؤوس المسلمين ليست بالأمر الجديد، ففي عام 1999 علا نجم أحد أطفال تنزانيا المعروف بالشيخ شريف عندما قدمته الصحف وقتها على أنه داعية متجول لم يتجاوز الرابعة من عمره، ووصلت شهرته أن التقى ببعض رؤساء أفريقيا كالعقيد معمر القذافي، والرئيس التشادي، ورئيس بنين وغيرهم.. وأذيع وقتها عن هذا الطفل أنه قد بدأ التحدث باللغة العربية وتلاوة القرآن وهو ما زال طفلاً رضيعاً في الشهر الرابع من عمره (!) وأنه قد ولد لأسرة مسيحية دخلت الإسلام على يديه. واتضح في النهاية من خلال حوار صحفي أن هذا الطفل (الشيخ شريف).. ما هو إلا مدّعي كان عمّه يحفظه الخطب كي يتلوها على مسامع الناس، وأنه لا يحفظ حتى آية الكرسي، وقد انفض الناس من حوله في بلاده بعد أن اكتشفوا حقيقته وحقيقة عمره الذي لم يكن ليقل بأي حال عن ثمان سنوات.
وفي إيران... وبين الأوساط الشيعية بزغ نجم الطفل محمد حسين الطباطبائي منذ أواسط التسعينات، وأطلق عليه البعض وقتها "المعجزة القرآنية" لكونه حفظ القرآن في سن صغيرة، رغم أن هذا أمر عادي في أغلب أقطارنا الإسلامية... وكالعادة تعددت أسفاره ليقـدَّم إلى العالم على أنه أعجوبة تستحق التقدير، خصوصا.. بعد أن حصل هذا الطفل - على حد قول بعض المصادر- على الماجستير من جامعة تبريز ثم الدكتوراه من جامعة لندنية، وإن كنا لا ندري على أي أساس كان ذلك التكريم، أما عما كان يقدمه هذا الطفل من "عروض"... فهي أشبه بالعروض التلفزيونية التي تتكون من فقرات يجيب فيها عن أسئلة الحضور بنصوص القرآن ويحدد لهم أرقام الآيات المقصودة، وكأنه أشبه بجهاز كمبيوتر يستدعي المعلومات... وكان يسانده في تلك اللقاءات مدير العرض ووالده الذي أصبح الآن مديرا لجامعة القرآن الكريم في الجمهورية الإسلامية.
ورغم ما أشيع حول ذلك الفتى - الذي قد يجاوز عمره الآن الخامسة عشرة - من إشاعات عن أنه قد تعرض لضغوطات من النظام الحاكم في إيران بعد زعم البعض أنه قد رأي في المنام أن الإمام المهدي يدعوه أن يبتعد عن الحكومة الإيرانية.. إلا أنه يظل الأمر كله مجرد تسليط أضواء على طفل له بعض المهارات التي لا ترقى إلى أن تكون معجزة.
أطفالنا ثروة حقيقية تستحق التكريم، لكن..أن تنتظر الأمة الوعظ من أطفالها فهذا أمر يثير الشفقة ويدعونا إلى إعادة ترتيب أوراقنا مرة أخرى... فكل تلك الحالات التي قد يطرب لها الشيوخ والشباب من المسلمين لم تقدم لنا إلا أطفالا حُـفـّاظا، والله وحده أعلم إذا ما كانوا يدركون ما تحمله تلك النصوص الطاهرة من معان أم لا.. إن مشهد "الداعية الطفل" الذي يعظ بما قد لا يعيه لهو رمز لحالتنا العقلية التي جعلتنا نرى في طفل لديه القدرة على الحفظ أنه داعية يجب أن تــُطرح له الشرائط بالأسواق كما حدث مؤخرا مع الطفل المصري محمد سعيد.
قد يكون حفظ النصوص الدينية أمراً واجباً ومحبباً إلى النفس، لكن هذا للاستئناس بها وتدبر معانيها.. غير أن البعض – على ما يبدو – قد رأى في الحفظ والتلقين المبتغى والمراد تماشيا مع فلسفة مؤسساتنا التعليمية، وذلك بدلا من التفكير في وضع نهج حديث نطور فيه من أنفسنا ومناهج تدريسنا فندرب أطفالنا على الفهم والاستنتاج والبحث.
قد يكون حـُفـّـاظ الكتب كثيرون، أما العلماء.. فهم قلة.
http://www.scribd.com/doc/19938057
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Monday, January 9, 2006

سودانيون.. إسلاميون.. أقباط

لم يبد الكثيرون في مصر اهتماما عندما تزايدت أعداد اللاجئين السودانيين تدريجيا منذ أشهر قرب مقر المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في القاهرة, فقد كان الكل مشغولا بمتابعة الانتخابات البرلمانية وما حملته معها من مفاجآت, ورغم أن تجمهر اللاجئين وقتها على تلك الشاكلة كان مخالفا لقوانين الطوارئ التي تسير عليها البلاد والتي استند إليها الأمن في الكثير من إجراءاته ضد بعض التظاهرات, إلا أنه من الواضح أن الأمن لم يرد أن يثير مزيدا من الجدل حول ممارساته, خصوصا بعد النقد الذي قد تعرض له حول ممارساته أثناء الانتخابات البرلمانية المصرية .
موقف الأمن من الانتخابات البرلمانية الأخيرة أوجد له بعض العداءات مع أبناء المجتمع المدني وهيئاته وقوى المعارضة ممن انفعلوا مرة أخرى بعد عملية إجلاء اللاجئين السودانيين بتلك الطريقة السيئة, فمازالت الدعاوى تتصاعد من أجل معاقبة المسؤولين عن مقتل خمسة وعشرين لاجئا سودانيا وما أعقب ذلك من انتقادات دولية, غير أننا بعد كل هذا يتبقى لدينا تجربة سودانية مريرة أعطت بعض الدلالات على حالة المجتمع المصري وما هو مؤهل له في الفترة القادمة.
فقد برز في تجربة اللاجئين السودانيين ثلاثة ملامح واضحة, أولها وجود تاريخ مشترك وتجارب متشابهة بين هؤلاء اللاجئين مما قوى اتحادهم طوال فترة الاعتصام التي زادت عن ثلاثة الاشهر, أما ثاني تلك الملامح فهو وجود معاناة تجمع بينهم بسبب ما لاقوه في مصر من مشقة أثناء فترة إقامتهم أو حتى قبل مجيئهم إليها, أما الملمح الأخير فهو إحساسهم بالاغتراب نتيجة نظرتهم إلى مصر منذ البداية على أنها مجرد محطة يعبرون منها إلى دار الهجرة والمستقر في العالم الغربي, أما عن الخطر الذي قد يواجه المجتمع المصري في الفترة القادمة فهو عن ذلك التشابه بين ملامح تجربة أولئك اللاجئين مع ملامح تجارب أخرى لبعض العناصر الداخلية في المجتمع المصري, ونقصد هنا التيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين, إلى جانب بعض العناصر المسيحية القبطية المتطرفة.
فإذا كنا قد تحدثنا عن ملمح التاريخ المشترك بين اللاجئين السودانيين في مصر.. فإن جماعة كجماعة الإخوان المسلمين نجد بين أعضائها تلك القناعة نفسها بوجود تاريخ مشترك بينهم, وهو الأمر الذي ترسَّخ عبر سنوات طوال فدفع بعض أفرادها أن يحفظوا سير مناضليهم وأفكار رموزهم عن ظهر قلب, أما على الجانب المسيحي فنجد بعض الكتابات التي تتحدث عن نضالات (الشعب القبطي) وكأنها تؤرخ خارج سياق التاريخ الإسلامي والحديث لمصر, فبعضها يصف الأقباط وكأنهم جماعة منفصلة بذاتها لها تاريخها المشترك والمتفرد, أما عن الملمح الثاني وهو عنصر المعاناة الذي لمسناه في التجربة السودانية, فنجده متوافرا في خطاب التيار الإسلامي وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين التي قد تعرضت للكثير من المشكلات أو الاضطهادات من قبل أجهزة الأمن طوال حقبة طويلة من الزمان.. و أيضا لدى بعض النشطاء الأقباط من يحاول أيضا إضفاء ملمح المعاناة على الجماعة القبطية بأسرها فيتحدث عن اضطهاد للمسيحيين وإجبار على الدخول في الإسلام.. !
أما الملمح الأخير فهو ملمح الاغتراب, فمثلما تناولنا أسبابه في التجربة السودانية السابقة فإننا نجده ملموسا أيضا في بعض أدبيات التيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين وخصوصا عند استخدام البعض للنصوص الدينية التي تتحدث عن غربة الإسلام وأزمة المتدينين القابضين على دينهم كما يقبض على الجمر, إلى جانب ما تحمله تلك الأدبيات من إدانة للمجتمع والدولة, أما داخل الجماعة القبطية فهنالك بعض العوامل التي قد تدفع للشعور بالاغتراب سواء كان ذلك بسبب فوضى الدعاية الإسلامية, بسبب بعض التصرفات السياسية والمجتمعية الخاطئة, أو حتى بسبب انتشار فكرة الهجرة إلى خارج مصر وصعود دور الكنيسة في الوسط المسيحي .
تلك ثلاثة ملامح وجدناها مشتركة بين تجربة اللاجئين السودانيين وتجربتي التيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين و تجربة بعض العناصر القبطية المتطرفة في مصر, وربما تكون التجربة السودانية هي الأعمق والأعنف.. وهو ما يدفعنا هنا إلى التساؤل عما سيكون عليه حال أصحاب التجربتين الإسلامية والمسيحية إذا ما اشتدت عليهم الظروف.. هل سيلجأ بعضهم أيضا إلى اتخاذ نفس تصرف اللاجئين السودانيين ..؟ وهل ستكون النهاية واحدة..؟
أظن أنه على الحكومة المصرية الجديدة ألا ترث سياسات من قبلها, وأن تعيد حساباتها من جديد فتتخذ المبادأة في حل المشكلات المجتمعية بدلا من أن تحولها إلى ملفات أمنية... فليس لكل مشكلات المجتمع حلول لدى السلطات الأمنية
ــــــــــــــــــ

Monday, November 28, 2005

مصر في خطر

كانت كلمة "بلطجي" في العامية المصرية تُطلق في الأصل على تلك الفئة التي احترفت استخدام القوة إما لحسابها، أو لحساب غيرها من أجل ابتزاز المواطنين أو التعدي على حقوقهم، وسرعان ما أضحت البلطجة سلوكا وأسلوب حياة يعتنقه البعض.. نراه أحيانا على نطاق ضيق في نماذج بسيطة كصاحب تجارة استحوذ على رصيف المارة لحساب تجارته، أو حتى على نطاق واسع كصاحب نفوذ حقق ثروته بفرض سلطانه على الآخرين لنهب أموال الشعب، وبين هذين النطاقين مساحات واسعة من الممارسات البلطجية العنيفة في الشارع أو المدرسة أو العمل..إلخ. وكان من الطبيعي أن تتأثر العملية السياسية في مصر بتلك الممارسات المجتمعية، فجاءت انتخابات برلمان 2005 خير دليل على ظهور أهل البلطجة وعلو نجمهم بعد أن سُـلِّطت عليهم أضواء وكاميرات الفضائيات وراقبتهم عيون الشعب المصري بقلق بعد أن رأوا تدخلاتهم للتأثير على العملية الانتخابية لصالح أسيادهم، وهو ما اعترف به عدد ليس بالقليل من القضاة المشرفين على سير العملية الانتخابية في مصر... ولعل الخطورة هنا لا تكمن فقط في ضعف نزاهة العملية الانتخابية نتيجة التدخلات بقدر ما تكمن الخطورة في هذا المد الغوغائي وعلو شأنه أمام أعين المجتمع المصري، فبعد أن كان هؤلاء الغوغاء يمارسون تسلطهم على الشعب المصري من خلال أعمالهم البسيطة أو المتوارية التي تعتمد على النصب والاحتيال أضحوا الآن إحدى القوى المشاركة في العملية الانتخابية !

لقد تعرض العديد من المراقبين للعملية الانتخابية إلى الحديث عن موقف الأمن الذي كان سلبيا في العديد من المواقف التي صعد فيها المد الغوغائي العنيف، وهنا تعلّل رجال الأمن كما وضح من تصريحات بعض قياداتهم بعدم رغبتهم أن يكونوا نقطة ضعف إضافية في مسيرة الانتخابات فيلجأوا للاعتقالات أو القمع العنيف لتلك الممارسات الغوغائية التي صاحبت الانتخابات، غير أن حجم الاعتقالات في جماعة كجماعة الإخوان المسلمين مقارنة بحجم الاعتقالات بين من مارسوا البلطجة من أطراف أخرى يوضح أن القلق الرسمي كان من جماعة الإخوان المسلمين، وذلك برغم ما دِّون في تقارير صادرة عن أن بعض مراقبي الانتخابات مورست ضدهم بلطجة من أنصار بعض المرشحين المستقلين أو حتى من بين بعض أتباع مرشحي الحزب الوطني.. بل إن بعض التقارير الصحفية تحدثت عن دور أمني في عرقلة مسيرة الانتخابات ومنع الناخبين من الوصول إلى لجانهم. وأثناء تلك الأحداث كانت الكثير من الأحزاب السياسية قابعة في مقارها محاصرة بالعديد من القيود السياسية والمجتمعية التي تعوق أنشطتها أو التعاون معها، على عكس ما جرى في انتخابات رئاسة الجمهورية لعام 2005 و ما حدث فيها من علو شأن رؤساء الأحزاب كمرشحين رئاسيين، فاليوم خطفت جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانونا الأضواء، وأضحت أكثر شراسة إعلامية في الدعاية لنفسها، وفي كل تلك الأجواء ظهرت قوة جديدة أضحت أكثر نجومية، تعمل لحساب الجميع، وهي قوة البلطجة.. فَعَـلا شأن رعاع الشارع المصري حتى أنهم لم يخفوا أسلحتهم البيضاء من أمام الكاميرات، بل حاولوا إرهاب الجماهير وكأنهم يعلنوا عن وجود قوة جديدة لها تأثيرها على العملية الانتخابية ومسيرة السياسة في البلاد.عندما يثار الحديث عن الانتخابات البرلمانية في مصر نجد أن أغلب الحوار ينصب على جماعة الإخوان المسلمين ومرشحيها وما حققوه من مفاجآت، مثلما كان الحديث من قبل - وقت انتخابات الرئاسة المصرية 2005- ينصب على المرشح الرئاسي أيمن نور الذي نال المرتبة الثانية بعد الرئيس مبارك في حيازة أصوات الناخبين. ولعل جماعة الإخوان المسملين الآن هي نجم الموسم، غير أن خطرها الذي يحذر منه الكثيرون لن يكون أبدا في قوة خطر هؤلاء الرعاع من (البلطجية) الذين أصبحوا إحدى القوى السياسية المؤثرة على العملية الانتخابية، إن الخطر الحقيقي يكمن عند هؤلاء من عديمي الضمير ممن يبحثون عن منفعة وقتية من وراء هذا الموسم الانتخابي، فاليوم يلعبون لصالح غيرهم، غير أننا لا نعلم إذا ما كانوا سيلعبون لعبتهم غدا لحسابهم الخاص أم لا..!
نرجو من الحكومة المصرية ألا تدع مجالا لأهل العنف والبلطجة كي يَـنفُذوا منه للمشاركة في إدارة إحدى العمليات السياسية المهمة بالدولة بأسلوبهم الغوغائي البغيض، فمراهنة الدولة على قدرتها على التحكم في الرعاع و على أنشطتهم الفوضوية غير مأمونة العواقب، فكثير من الحركات الخارجة بدأت من أمثال هؤلاء ممن ظن حكامهم أن أمرهم بأيديهم، كما أن سقوط عشرات المصريين جرحي إلى جانب قتل بضع أشخاص لهو أمر غير مأمون العواقب ويزيد من الفجوة بين المواطن وبين المشاركة في الأحداث السياسية. إن مصر في حاجة إلى قمع سلوكيات البلطجة تماما من البلاد حتى ترتقي إلى الأفضل، فعليها أن ترسخ فكر جديد يدير حركة مؤسسات المجتمع.. فالحذر الحذر من السماح للغوغاء وأهل العنف بإدارة العمل السياسي في مصر والتحكم فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, November 8, 2005

آخر الفتن السكندرية

من بين العديد من الأراضي التي زحف عليها الاسكندر الأكبر، كانت بقعة وحيدة على أرض مصر هي التي اختارها كي تكون مدينته الخالدة، فكانت الإسكندرية.. وهيئ الله لتلك المدينة أن تولد كعاصمة لدولة البطالمة.. ورثة الاسكندر، وأن تأخذ من الامتيازات ما يوفر لها استقلالها الإداري والقضائي الذي انعكس فيما بعد على شخصية المجتمع السكندري نفسه، فأصبح لديه شعورا خاصا بالتميز على بقية المدن المصرية، وزاد من هذا الإحساس ذلك التنوع الثقافي والسكاني الذي شهدته تلك المدينة التجارية التي تحولت في وقت قصير إلى واحدة من أهم مدن العالم القديم. كانت طبيعة المواطن السكندري.. منفتح، متقبل لثقافات الآخرين، يجمع ما بين أخلاقيات البحار والتاجر سويا فكان متعاونا مع الغرباء حريصا على مصالح الآخرين، غير أن بعض الفترات قد تبدل فيها الحال، فوجدنا صراعات بين الأديان أو الثقافات نتيجة تدخلات من الحكام أو كنتيجة لتأثيرات دولية، أو حتى بسبب جماعات المصالح المستفيدة من مثل تلك الأجواء.

كان من أسباب الفتن السكندرية تدخلات الحكام ضد أو مع إحدى فئات المجتمع، وهو ما عبَّر - وقتها - عن ضعف سياسات الدولة وعدم قدرتها على الإدارة السليمة، وهو ما حدث في النصف الثاني من عهد حكم البطالمة عندما وجدنا - على سبيل المثال - محاولات من ملوك البطالمة لإكراه اليهود على اعتناق ديانة البطالمة، في الوقت الذي جاء فيه هذا الأمر بعد هجرات يهودية إلى الإسكندرية، فما كان من إغريق المدينة إلا وأن بدأوا هم أيضا في حملاتهم الدعائية ضد اليهود وضد معتقداتهم، وتراشق الفريقان بالخطب والرسائل... ونجد نفس السياسات (الحكومية) الخاطئة تتكرر من قِبَـل بعض الحكام المسلمين عندما شهدت العصور الإسلامية في مصر تأرجحا في التعامل مع غير المسلمين ما بين التضييق عليهم أو محاباتهم بصورة فجة، فأحيانا ما كنا نجد مسئولا في الدولة من غير المسلمين وقد اشترك في مخالفات في حق المواطنين، فتكون الفرصة الوحيدة للمواطنين كي ينالوا منه ومن أبناء ديانته عندما تتغير سياسة الحكومة ضد غير المسلمين و تبدأ في التضييق عليهم، و قد شهدت الإسكندرية فتنة من هذا النوع وقت حكم المماليك في عهد الناصر محمد بن قلاوون وخلفائه، عندما اضطربت المدينة وأُحرقت دور العبادة وجرت العديد من الصدامات، فكان هذا التضييق على غير المسلمين من قِبَـل الحكومة فرصة وإشارة لفئات الشعب المقهور كي ينال من عزيز قد ذل، وموظف للدولة – من أهل الذمة- يعيش فترة ضعف وانتكاسة لغضب الحكومة عليه..!

وكان من ضمن أسباب الفتن السكندرية تدخلات خارجية وتبدل في السياسات الدولية... فعلى سبيل المثال، عندما أعلن الإمبراطور جوليان المرتد (361-363 مـ) كفره بالمسيحية، وتشجيعه للفلسفة والممارسات الوثنية، كانت بداية الصراع الديني في المدينة، وعندما أعلن الإمبراطور ثيودوسيوس الأول (379- 395 مـ) المسيحية دينا رسميا للإمبراطورية كانت تلك فرصة لرجال المسيحية أن يهدموا معبد السرابيوم معقل الفكر الوثني والفلسفي، في محاولة منهم لإحكام سيطرة المسيحية - وحدها - على المدينة

وما الأسباب الخارجية إلا غطاء لأسباب داخلية.. كظهور إحدى القوى الداخلية التي تستغل الدين في السيطرة على الجماهير وتكوين كيان خاص بها... فعلى سبيل المثال قد تم التنكيل ببعض الفلاسفة ممن لم يدينوا بالمسيحية في مدينة الإسكندرية على يد رجال الدين المسيحي من أجل قهر الوجود الفكري غير المسيحي بالمدينة، ولعل أشهر تلك الحوادث ما جرى للفيلسوفة "هيباشيا" عام 415 مـ التي تم الاعتداء عليها والتمثيل بها تحت أعين بعض رجال الكنيسة تنكيلا بالفلسفة وأهلها، وإرهابا لهم كي يتركوا المدينة، وتقوية للكنيسة ورجالها في المجتمع السكندري والمصري، وتعبيرا عن أن هناك من ينافس الحكومات الداخلية (= الولاة الرومان) في المجتمع.

قد تكون هناك أسباب خارجية تقوي البعض في الداخل وتدفع به كي يجرب الثورة، كتلك الحادثة التي جرت عام 608 هـ عندما فكّر مجموعة من الحمقى قدروا بثلاثة آلاف من التجار الفرنج استغلال المد الصليبي نحو المشرق كي يستولوا على الإسكندرية، وفشلوا فشلا ذريعا.. وهناك العديد من الحوادث التي انصاعت فيها بعض القوى الداخلية لقوى خارجية.. غير أن الفتن الحقيقية هي تلك التي تتكون داخليا بين سكان المدينة الواحدة، دون قوات خارجية تساندها.

مؤخرا... وقعت آخر الفتن السكندرية عندما تجمهر المسلمون حول إحدى كنائس المدينة، وسادت هناك أجواء من التعصب أفضت إلى إصابات وخسائر مادية، وانتشرت روح البغضاء بين أبناء الطائفتين على إثر انتشار تسجيل لإحدى المسرحيات اعتبرها الكثيرون مسيئة للإسلام، والتي تم تصويرها داخل تلك الكنيسة، فعادت أجواء الفتن السكندرية إلى الظهور مرة أخرى. وهنا.. نجد أن أغلب أسباب الفتن السكندرية مازالت تتكرر، فالأجواء الدولية لها تأثيرها في جعل بعض المسلمين في حالة تحفز تجاه كل حديث عن الإسلام، ولكن.. تظل الأسباب الداخلية هي الأقوى دائما في إحداث الفتن.. فعلى ما يبدو أن هناك أيضا من يسعى لفرض نفوذه باسم الدين من داخل الكنيسة ومن بين المسلمين.. فيستغل الناس ويستخدمهم في مثل تلك الأحداث، مثلما كان الأمر قديما، أما عن تدخلات أو سياسات حكومية داخلية نستطيع أن نقدمها كسبب وراء هذا الحدث، فلا نستطيع أن نجد أثرا حكوميا واضحا وراء تلك الفتنة السكندرية الأخيرة، غير أننا نلاحظ أن هناك اعتقاد لدى بعض المسلمين أن الحكومة تعرقل سير أي قضية يكون أحد طرفيها من المسيحيين خصوصا في المسائل ذات الطابع الديني أو السياسي، ويكون ذلك لصالح الجانب المسيحي درءا للمشاكل.. ونحن لا نعلم أصل هذا الاعتقاد... غير أن كل تلك الأمور تجعلنا نرى أن أسباب الفتن السكندرية طوال تلك القرون كانت متقاربة، فعلى المصريين - على الصعيدين الشعبي والحكومي - الانتباه لمثل تلك الأسباب.
نتمنى للمجتمع السكندري أن يعود إلى نشأته الأولى حرا طليقا، قادرا على استيعاب الكل.. بكل ما فيه من اختلافات، فكل ما نخشاه أن تكون الهجرات الداخلية إلى الإسكندرية قد أفقدتها روحها الأصيلة، وطمست شخصيتها، فأصبحت اليوم في حاجة إلى بعث من جديد، لكن.. تبقى تلك المهمة الآن هي مهمة السكندريين وحدهم فقط.
ــــــــــــــــ

Thursday, October 27, 2005

أوكار التعصب الالكترونية

انحصرت أخطار الانترنت لدى البعض في أبعاد أخلاقية تتعلق بتصفح المواقع الإباحية أو تكوين علاقات غير مشروعة عبر الانترنت.. غير أن خطورة الانترنت قد جاوزت تلك الأمور بمراحل فأصبحت متهمة بأنها أحد أسباب تنمية روح الكراهية والتعصب بين مرتادي الانترنت . قد يُصدم البعض ويصاب بالكآبة عندما يَتجول بين مواقع الانترنت المختلفة فيجد بعض المواقع التي تسمح بالتفاعل بين روادها كالمنتديات الالكترونية وغرف الدردشة وغيرها.. قد توافرت فيها مساحات لا بأس بها لممارسة العنف اللفظي والتعصب والكراهية، مما قد ينتج عنه أحيانا حروبا قبلية (الكترونية) يحاول فيها أحد الأطراف تعطيل أحد المواقع المعادية أو على الأقل إفساد الأجواء بها، وقد يكون سبب تلك المعارك عرقي شعوبي أو حتى بسبب التعصب الرياضي، غير أن أعنف المعارك مازالت تلك المتعلقة بأسباب دينية أو مذهبية، فقد أصبح من اليسير على بعض أهل تلك الساحات الالكترونية من المتعصبين أن يكفـِّر مذهبا بأكمله يضم ملايين المسلمين، أو أن يعلن جهارا عن احتقاره أهل أحدي الديانات الأخرى ناعتا إياها بأبشع الألفاظ.. فالأمر عندما يتعلق بالدين نجد العنف قد تم تبريره تحت أي دعوى مثالية كالدفاع عن دين الله أو الجهاد الالكتروني..الخ، ويزيد نشاط العنف اللفظي داخل تلك الساحات كلما ظهر حدث يؤجج مشاعر الحقد والكراهية. وللأسف.. فاليوم لم يعد الأمر منحصر في داخل تلك الساحات الإلكترونية فقط، بل أخذ رواد تلك الساحات في نقل المادة التي تحض على الكراهية والتعصب من داخل مجتمع الانترنت الافتراضي إلى المجتمع الواقعي، سواء كانت فتاوى غريبة، أو أخبار ملفقة.. فينتقل كل هذا من المجتمع الافتراضي إلى المجتمع الواقعي، و تتحول المعارك الالكترونية إلى معارك حقيقية تسفر عن خسائر بشرية من لحم ودم، وليست خسائر في جهاز كمبيوتر أو موقع الكتروني .
لعلنا قد لا نشعر بهذا الدور الخفي لساحات التعصب الالكترونية وما تقوم به من تأجيج نار الحقد في النفوس.. خصوصا بين الشباب الذي يمثل أكثر زبائن الإنترنت التي حوَّلها البعض - للأسف - من أداة للتواصل مع الآخر إلى أحد عوامل رفض الآخر وكراهيته بما انتشر فيها من مواد تحض على الكراهية والتعصب... فولـَّد ذلك تحفزا لدى أبناء الوطن الواحد ممن اختلفوا عرقيا أو مذهبيا ضد بعضهم البعض، فأصبح كل طرف ينتظر موعد الفتنة القادمة كي يشفي غليله من الآخر.

على ما يبدو أن الحل هنا ليس بحجب تلك الأوكار على طريقة بعض الأجهزة الأمنية في بعض الدول العربية عندما تحجب المواقع الإلكترونية المخالفة لسياساتها، فمثل تلك المشاكل لا تحل بأسلوب الضبطيات الأمنية بقدر ما يكون الحل الأمثل لدى وسائل الإعلام.. التي عليها أن تسلط مزيدا من الأضواء على تلك الساحات التي تعج بالتعصب، لا بغرض رصد ظاهرة غريبة أو طريفة، بل لمواجهة مرتادي تلك الساحات بأخطائهم بعد أن أصبحت بعض تلك الساحات مكانا لنشر بيانات الجماعات التفجيرية وغيرها.. إن الحل الحقيقي يكون بتوعية المجتمع بأخطار ما تقوم به تلك الساحات الالكترونية من تعبئة للنفوس بالكراهية .
ومن هنا.. نقدم دعوة لكل من يتعامل مع الانترنت ألا يسهم في تقوية تلك الساحات الالكترونية الكريهة بمشاركاته.. وألا ينساق وراء حملات الكراهية غير المنظمة التي تنتشر عبر الانترنت، فليس هناك من عذر يبرر ممارسة التعصب أو الكراهية تجاه الآخرين، إلى جانب هذا... فقد يكون هناك من ينشر روح التعصب بين شباب العرب عن عمد لأهدافه الخاصة التي قد يستند في تحقيقها يوما ما إلى تواجد تلك الروح البغيضة في مجتمعاتنا.
في النهاية.. ورغم كل هذا مازلنا على أمل أن تكون الإنترنت إحدى وسائل تنمية مجتمعاتنا وليست إحدى وسائل تخريبها.
ـــــــــــــــــــــــــــ

Thursday, October 13, 2005

نحن وإرادة الله

في حديثه مع قناة العربية اعتبر الدكتور زغلول النجار عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر أن الكوارث الطبيعية "عقابا للعاصين وابتلاء للصالحين وعبرة للناجين"، و أضاف أن الزلازل والبراكين "جند من جند الله" يسخرها على من يشاء، وهذا الرأي على ما يبدو ليس رأيا خاصا بالدكتور زغلول وحده، فقد سادت حالة من الرضا بين بعض الأوساط في عالمنا العربي والإسلامي عند حدوث إعصار "كاترينا" بالولايات المتحدة الأمريكية الذي خلَّف وراءه آلافا من القتلى والمشردين، وخسارة تقدر بمليارات الدولارات... وقتها قال البعض أن هذا عقاب إلهي لأمريكا على أفعالها، وعندما وقع الزلزال الأخير بباكستان الذي راح ضحيته آلافا من المسلمين، اضطرب هذا الفريق فراحوا يبحثون عن الذرائع التي تقدم هذا الزلزال على أنه غضب إلهي.. مثلما جرى من قبل مع كارثة تسونامي. للأسف أننا نجد من هم في علم الدكتور زغلول النجار ممن ينظِّرون لهذا الفريق الذي يبحث عن كوارث الآخرين كي يشمت في مصائبهم، وكأن الله قد انتصر لهم شخصيا، إن هذا الاتجاه يمثل نوعا من التدخل في فهم الإرادة الإلهية، فأن نقوم نحن البشر بتفسير الكوارث المحيطة بنا على أن الله يريد بها كذا وكذا.. فهذا تجاوز للحدود..! قال تعالى : " وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب (116) المائدة.
هكذا كان نبي الله عيسى ابن مريم، أعلن أنه لا يعلم ما في نفس الله. ولا يحيط بإرادته أو حتى يستطيع توقعها، سنقول ما قاله عيسى بن مريم عليه السلام ونعلن أننا لا نعلم ما في نفس الله، ولا نحيط بما أراده الله من مثل تلك الكوارث. لنتذكر معا الآيات (65 : 82) من سورة الكهف التي تحدثت عن قصة سيدنا موسى مع العبد الصالح، فقد عرضت تلك الآيات العديد من التصرفات التي أقدم عليها العبد الصالح والتي كان بعضها بمثابة الكوارث لسيدنا موسى.. كانت النهاية أن اتضح لموسى عليه السلام أن كل تلك التصرفات من العبد الصالح كانت لحكمة عند الله أوضحها العبد الصالح في ختام الآيات.. إذن فعلينا ألا نأوِّل الأحداث من حولنا وكأننا قد أحطنا بإرادة الله وفسرناها.. لنعد إلى بشريتنا ولا تصيبنا نشوة الإيمان فنظن أن الله كأحد الرفاق الذين نستطيع فهم إرادتهم والإحاطة بها. في النهاية... أعتقد أننا لو كنا مشغولون بعمل ما، ما لجأنا إلى الاستصراخ بكارثة طبيعية نظن أن فيها نجدتنا أو خلاصنا.
http://www.scribd.com/doc/20005878/
ـــــــــــــــــــــــــــ

Wednesday, October 12, 2005

في تقليد الشعراء

اليوم أعلن أسراري
أمام عدوي وصديقي
وأكشف كل أوراقي
وأفرغ كل صناديقي
في بحار الألم والحسرة
مع موج الحزن والضيق
يسحبني الموج إلى أسفل
فيطفيء ناري وحريقي
أضعت بهائي الفرعوني
وفقدت لوني وبريقي
في الماضي كنت الإسكندر
ملكا على كل الإغريق
واليوم أبكي على مُلكٍ
قد ضاع بكثرة تلفيقي
يوميا أسرد أحزاني
وأغني دوما يا رفيقي
أغني الماضي لأحفادي
مقابل صوت التصفيق
هذا إفطاري وغدائي
هذا ما يجري له ريقي
ألديك النية لعلاجي
بعلاج شاف وحقيقي..؟

Tuesday, October 11, 2005

لا تكفروا بالعروبة

بين الحين والحين يخرج علينا من يزعم أن هوية مصر الفرعونية هي الهوية الوحيدة الواجب على كل مصري أن يعتنقها بعيدا عن هويته العربية, و هذا الرأي لا يعتنقه إلا شريحة قد لا تمثل نقطة في بحر إذا ما قورنت بعدد سكان مصر الذي تجاوز السبعين مليونا.. وعموما فدعاوى إنكار العروبة قديمة ومتجددة وأصابت الكثير من دولنا العربية أيضا.
في البداية..علينا أن نعترف أن صدمة قوية قد أصابت المجتمع المصري عقب هزيمة يونيو 1967, فتحولت معها مصر من دولة داعمة إلى دولة مدعومة, ليكتشف الكثير من أبناء مصر أن ما كان يُتلى عليهم ليل نهار من حديث عن العروبة ودعم حركات التحرر في العالم, لم يفدهم في شيء وقت سقوط بلادهم مهزومة ذليلة. فكانت الهزيمة وما تبعها من سياسات ساداتية سببا في جعل علاقات مصر العربية في حالة من الترهل بعد أن سقطت مصر في بحر الوحدة والإذلال, وكأنها تورطت في الأمر وحدها, فأوجد ذلك مرارة لدى العرب والمصريين معا, فجاءت العودة إلى العرب بعد ذلك في شكل علاقات لا بد منها.. ولعل الكثير من الدول العربية قد مرت بمثل هذا الموقف وأخذت تعيد حساباتها مع العروبة. كل تلك العوامل كانت دافعا لظهور تيار ساخط في مصر يذهب إلى التفكير في البعد عن العرب وقضاياهم, على أساس أن الأذى لن يأتي إلا من القريب, وأن مصر قد تحملت الكثير, ويكفيها ما قد حدث لها. ولما كانت مصر مرتبطة ثقافيا مع العرب, فكان منطقيا أن تعود الدعوة الفرعونية إلى الظهور مرة أخرى كي تطالب بفك هذا الارتباط الثقافي وإنكار البعد العرقي فيه, امتدادا لمجموعة من الآراء التي حاولت من قبل إظهار التاريخ المصري على أنه فترة إذلال وقهر, سواء كان رومانيا أو عربيا آو مملوكيا أو عثمانيا... وكأننا بانسلاخنا عن ارتباطاتنا الثقافية السابقة, سنسقط ما حدث وجرى في تاريخنا القديم أو الحديث.
وهنا.. لابد أن ندون بعض الأسئلة أولا. هل عروبتنا مساوية لرومانيتنا أو عثمانيتنا؟ هل انتهت صلاحية العروبة وثبت فشلها..؟ هل كان العصر المصري القديم, وعهد حكم الفراعنة هو الحقبة المثالية في تاريخنا ..؟
قد لا يعلم البعض أن علاقات مصر مع الدول المجاورة لها الممثلة للوطن العربي الحالي أقدم من الإسلام والمسيحية.. فعلاقات مصر القديمة مع الشام أو العراق أو السودان أو الجزيرة العربية قد تضمنت اختلاطا عرقيا وثقافيا قديما, فعلى سبيل المثال نجد قبل أكثر من 3000 عام و تحديدا في عهد الأسرة 19, أن نحو 10في المئة - في بعض التقديرات- من سكان مصر كانوا من الأجانب.. خصوصا من الآسيويين الساميين.
ونجد استرابون المؤرخ الإغريقي الذي ولد قبل ميلاد المسيح بعشرات السنين, يصف لنا مدينة قفط في صعيد مصر بأنها مدينة "نصف عربية"... هذا قبل الإسلام و نزوح القبائل العربية إلى مصر, تلك القبائل التي ذكر عنها المقريزي فيما بعد أن من قبائلها اليمنية الكبيرة ما قد انصهر تماما في مصر وأضحى من نسيج شعبها. وكذلك كان الأمر مع بعض القبائل البربرية المغربية التي وفدت على مصر في العصر الفاطمي, و التي ما زالت شوارع حي الدرب الأحمر بالقاهرة تحمل بعض أسمائها, كقبيلة زويلة التي سكنت بجوار البوابة الشهيرة التي مازالت تحمل اسمها حتى الآن, و قبيلة كتامة التي مازالت هناك حارة باسمها حتى الآن قرب باب الوزير بجوار قلعة الجبل بالقاهرة.
تلك هي مصر... وإذا كنا سنستنكر ما قد حدث للمصريين من ظلم في عهود الرومان أو العرب أو الترك و غيرهم, فعلينا أن ندرس الشخصية المصرية التي لم تتفاعل جيدا مع الأحداث و لم تسهم في تحريكها.
ففي عهد ملوك الفراعنة الوطنيين أيضا قد حدثت تجاوزات في حق الشعب المصري مثلما قد يحدث الآن, إذا فعلينا التعرض للشخصية المصرية بدراسة سلوكياتها للنهوض بها, لا لنفيها عن انتماءاتها الثقافية والعرقية التي أصبحت جزءا منها. فبُعدنا عن العروبة تحت دعوى أن مصر كانت (مصرية) وقت حكم الفراعنة قد يأخذنا إلى طريق مسدود, فقد جاءت العروبة بمفهومها الحديث لترسخ ما قد كان موجودا بالفعل.. ولعل البعض من إخواننا العرب قد يفهم مثل تلك الدعاوى المنكرة للعروبة على أنها تعال على العرب, وذلك في الوقت الذي نجد فيه للأسف تواجدا لمثل تلك الدعوات داخل بعض أقطارنا العربية الأخرى.. وكأن كل فريق له فرعونيته الخاصة به..!
ليكن المصريون أكثر فهما لمن حولهم من الشعوب العربية, وليعلموا أن هنالك هيبة ما تجاه مصر.. تلك الهيبة التي قد يشعر بها المواطن المصري نفسه تجاه بلده فيسعد بمصريته فيفهمها البعض على أنها فخر, وهي الهيبة التي قد تدفع بالمواطن العربي إلى الهجوم أو التفاخر بهويته الوطنية فقط لإثبات وجوده وكيانه, وكأنه يريد إثبات أنه ليس مضطرا لمجاملة تلك الدولة المهابة, لذا فعلى دعاة هذا الفكر المتجني على العروبة ألا يزيدوا الأمور سوءا.
في النهاية نتمنى أن يصل للعرب أن مصر لنا ولهم, بل سنزعم أن اهتمام العرب بمصر قد يكون أكثر من اهتمامهم بالمصريين, لذا فلا مبرر لدعوات لاحتكار مصر وإسقاط عروبتها وكأننا في عصر الكفر بالعروبة, فمصر كانت وما زالت وستظل عربية إلى الأبد.
ــــــــــــــــــــــــ

Thursday, September 29, 2005

مبارك المستقل

جاء أداء الرئيس المصري محمد حسني مبارك لليمين الدستورية بمثابة إغلاق لملف الانتخابات الرئاسية المصرية لعام 2005, ولم يعد أمامنا الآن سوى التعليق عليها ومحاولة تقييمها, لكننا سنسلك اليوم مسلكا آخر نطرح من خلاله أحد السيناريوهات التي لم يلتفت إليها رئيسنا الفائز محمد حسني مبارك, ويتلخص هذا السيناريو في تساؤل واحد: ماذا لو كان تقدم المرشح الرئاسي محمد حسني مبارك إلى الانتخابات الرئاسية كمرشح مستقل بعيدا عن حزبه الوطني الديمقراطي ..؟
الحقيقة أن فرضية دخول مبارك كمرشح مستقل إلى الانتخابات الرئاسية الماضية كانت ستجلب الكثير من المنافع لمسيرة الديمقراطية في البلاد وللعملية الانتخابية, بل وله شخصيا كمرشح رئاسي.. فعمليا لم يستطع أحد من المرشحين المستقلين الحصول على تأييد 250 عضوا من أعضاء مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية للمحافظات, لذا.. فإن تقدم مبارك كمرشح مستقل كان سيكون بمثابة اختبار حقيقي لشعبيته بين رجال السياسة والحكم في البلاد الذين كانوا سيجدون أنفسهم مطالبين بالوقوف إلى جانب مبارك المرشح الرئاسي, وليس مبارك الرئيس.
ولعل نزول مبارك كمستقل إلى حلبة المنافسة على منصب رئاسة الدولة كان سيعطي حزبه الوطني الديمقراطي فرصة كي يدير نفسه أمام وضع جديد لا يستند فيه إلى زعامة الرئيس مبارك وشخصه.. خصوصا وأن الحزب قد يواجه بالفعل هذا الموقف في الانتخابات الرئاسية القادمة في حال عدم وجود الرئيس مبارك في الانتخابات الرئاسية القادمة لأي سبب من الأسباب.
علينا أن نعترف أن من انتخب مبارك في الانتخابات الرئاسية الماضية إنما انتخبه لشخصه, وليس لأيديولوجية أو فكر الحزب الوطني الديمقراطي الذي يرأسه مبارك, وقد اعترفت بهذا الأمر قيادات الأحزاب الأخرى وأحد قيادات الحزب الوطني الديمقراطي.
وقد يتساءل البعض هنا عن أهمية عرض هذا السيناريو الآن بعد أن انتهاء الانتخابات الرئاسية وأداء مبارك لليمين الدستورية.
الحقيقة إنها فكرة نطرحها الآن على أمل الاستفادة منها في الانتخابات الرئاسية القادمة, خصوصا وأن البعض يرجح أن الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم قد يدفع بالسيد جمال مبارك نجل الرئيس الحالي للترشيح في الانتخابات الرئاسية القادمة كممثل للحزب بدلا من ترشيح أبيه مرة أخرى.
ربما ليس من حقنا التدخل في سياسات الحزب الوطني, لكن ما يهمنا هنا هو صورة بلادنا التي قبض فيها حزب واحد على مقاليد السلطة في مخالفة لتقاليد الديمقراطيات في العالم, لذا. نتمنى أن نرى السيد جمال مبارك كمرشح مستقل في الانتخابات الرئاسية القادمة إذا ما تم ترشيحه لمنصب الرئاسة, كي يثبت لمعارضيه أنه يرشح نفسه إلى منصب الرئاسة بجماهيريته بين الناس وبين السياسيين, ليخلف وراءه الحزب الوطني كي يمارس السياسة كأي حزب من أحزاب الدولة فتتحقق العدالة بين الأحزاب.
ربما في تلك الحالة قد تُجرى بعض التعديلات الدستورية لضبط الأوضاع حيال وجود رئيس مستقل على كرسي الحكم.. ولعلنا قد نجد وقتها رئيسا مصريا مستقلا فوق الحزبية فتتغير بذلك الأجواء السياسية في البلاد, وهذا كله فقط, إذا ما تخلى المرشح الرئاسي للحزب الوطني عن حزبه وتقدم كمرشح مستقل إلى انتخابات الرئاسة المصرية محاولا تجميع الحد المطلوب من أصوات الجماهير المصرية.
صحيح أن كلمة "لو" الافتراضية تفتح الباب لشيطان الخيال.. غير أن افتراضاتها قد تدفعنا لتأمل المستقبل
ـــــــــــــــــ

ارفعوا أيديكم عن جمال عبدالناصر

خمسة وثلاثون عاما مرت على رحيله وما زالت ذكراه باقية في نفوس الجماهير العربية حتى اليوم.. إنه جمال عبد الناصر.. الذي أضحى اليوم رمزا للعروبة مثلما كان قبله جيفارا رمز لليسارية الثورية، و مثلما كان غاندي رمز للنضال السلمي ضد القوى الاستعمار.
ثلاثة أجيال اليوم اختلفت رؤيتها حول الراحل جمال عبد الناصر... أكبر تلك الأجيال سنا هو الذي عاش حقبة ما قبل الثورة المصرية، فشهد آنذاك ذل الاحتلال و ضعف الحكم الوطني في بلادنا المحتلة، فكان جمال عبد الناصر له بمثابة الأخ والزميل وطوق النجاة... ومن هؤلاء من تعارضت مصالحه مع الثورة المصرية لأسباب مالية اقتصادية أو لأسباب فكرية أيديولوجية، ورغم ذلك.. فحتى هؤلاء الذين عارضوا النهج الناصري لمضار أصابتهم في عهده، نجدهم اليوم يذكروا فضائل حكمه، ومحاسن عهده.. ويعقدون المقارنات بين أيامنا تلك وأيامهم الخوالي. أما جيل الوسط المسيطر على إداريات البلاد اليوم، فهو ذاك الجيل الذي ولد ونشأ في أحضان الثورة المصرية، هو الجيل الذي تربى بين شعارات العروبة والاشتراكية والوحدة العربية، ألهبته خطب جمال عبد الناصر حماسا وطموحا.. أقنعته إذاعة صوت العرب أنه أفضل حالا من الشعوب الغربية الاستعمارية المستغلة... ارتبط هذا الجيل بعبد الناصر كزعيم متابع لكل صغيرة وكبيرة في منطقته العربية وفي دوائر أخرى إفريقية وآسيوية، حتى انتهى الحلم بواقع مؤلم وصدمة هائلة، لكن الأمور لم تفض إلى كفر شعبي بهذا الزعيم، بل زادتهم إيمانا بزعيمهم... واليوم أصبح هؤلاء الشباب الذين شهدوا نهاية عبد الناصر هم من يديروا مجتمعاتنا فعليا الآن، ومازال عبد الناصر لدى شرائح عديدة منهم بمثابة الزعيم والأب والأخ الأكبر.. ومازال عهده لدى الكثير منهم هو عهد الكرامة والعزة.
يتبقى في النهاية جيل جديد.. لم يتعرف على جمال عبد الناصر إلا عبر حكايات عائلية مبتورة، أو مادة إعلامية موجهة، وصوت عال.. زعق به من كانوا حول جمال عبد الناصر من الجيل القديم، إلى جانب عشاقه من جيل الوسط الذين تربوا في عهده.. و هؤلاء كلهم الآن يمثلون ضغطا قويا على الجيل الجديد الذي يريد أن يصل إلى الحقيقة بنفسه بعيدا عن تأثيرات من قبله.
نرجو منهم... من الآباء و الأجداد، أن يرفعوا أيديهم عن جمال عبد الناصر، ولا يقدموه لنا كما رأوه، فنحن لا نحتاج أعين غيرنا لنرى بها.. ما نحتاجه هو معلومات صادقة عن هذا الرجل وعن ذاك العهد.. كي نصل إلى نتائج نافعة. لا تجملوا لنا جمال عبد الناصر.. ولا تشوهوا صورته، وثقوا في قدراتنا على الحكم على الأمور واتركوا جمال عبد الناصر لنا، كغيره من زعماء أمتنا..
إلى كل من يكتب عن جمال عبد الناصر، لتكتب الحقيقة كما كانت، لا كما تريدها أنت الآن.. فهذا ما يطلبه منك شباب هذه الأمة اليوم.
ــــــــــــــــــــ

Monday, September 26, 2005

هل يعيد التاريخ نفسه؟

عبدالرحمن مصطفى
عندما أعلن أبو مصعب الزرقاوي حربه على شيعة العراق اتجه البعض إلى التساؤل: هل يعيد التاريخ نفسه؟! هل الصدام حتمي بين فكر محمد بن عبد الوهاب و أبناء المذهب الشيعي..؟! خصوصا عندما نعلم أن فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعد أحد مرجعيات الزرقاوي وأتباعه.
قديما.. قام آل سعود منذ أكثر من قرنين من الزمان بتبني فكر ومنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب والعمل على تطبيقه، وأدى ذلك في وقت من الأوقات إلى تصادمات مع بعض أبناء المذاهب الأخرى.. مثلما جرى مع شيعة العراق في حادثة كربلاء الشهيرة عام 1801مـ ، عندما اقتحم معتنقو فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب المدينة وحطموا مسجد الحسين بن علي رضي الله عنه واصطدموا مع السكان هناك، فكانت تلك الحادثة أحد أسباب مقتل الأمير عبد العزيز بن سعود على يد أحد الشيعة بمدينته الدرعية عام 1803مـ.
أما اليوم.. فدولة آل سعود تعلن رفضها لأي عنف يستهدف المدنيين . سواء كان للمدنيين من الشيعة أو من السنة، وذلك رغم أنها لم تتخل بَعد عن أفكار الشيخ محمد بن عبد الوهاب. لكن يبدو أن آخرين غيرها ممن آمنوا أيضا بفكر الشيخ مازالوا يؤمنون بحتمية الصدام مع الشيعة، مثلما فعل أبو مصعب الزرقاوي و أتباعه - ذوي الخلفية الوهابية – الذين أعلنوا الحرب على الشيعة أبناء العراق المحتل.
قد نذهب هنا استنادا لموقف آل سعود الحالي الرافض للعنف المذهبي إلى أن التاريخ لا يصنف لنا شكل العلاقة بين معتنقي فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب و الشيعة المخالفين لأصول منهجه على أنها علاقة عدائية. فالنموذج السعودي الحالي مختلف تماما عما كان عليه الأمر منذ قرنين من الزمان، إذا فالعيب ليس في المنهج، ولا توجد حتمية تفرض علينا صداما بين الفريقين.أما إذا خرجنا من مسألة البحث في العلاقة بين أتباع الفكر الوهابي والشيعة إلى فضاء أوسع نقارن فيه بين الوضع الإقليمي وقت وقوع حادثة كربلاء عام 1803مـ التي مثلت أول صدام حقيقي بين أتباع محمد بن عبد الوهاب وشيعة العراق، وبين الوضع الإقليمي الحالي الذي أعلن فيه الزرقاوي- أحد ممثلي الفكر الوهابي ـ حربه على الشيعة. فسنجد أن الوضع الأول كانت تسيطر فيه الدولة العثمانية اسميا على العديد من دول منطقتنا العربية،غير أنها كانت أيضا مدركة لضعفها وعدم قدرتها على قمع حركة آل سعود الوهابية بعد نجاح تلك الأخيرة في اختراق حدود العراق و إحكام سيطرتها على الحرمين الشريفين، فألحت الدولة العثمانية على واليها محمد علي في مصر كي ينطلق لدحض تلك الحركة، ونجح الوالي محمد علي في مهمته، خدمة ً لسلطانه القابع في الآستانة، وتم القضاء – مؤقتا- على الحركة الوهابية السعودية.
أما اليوم.. فدولة آل سعود خارج حساباتنا. فهي رافضة لما يقوم به من ينسبون أنفسهم لفكر محمد بن عبد الوهاب، وليس لدينا من يمارس الفكر الوهابي بالعنف داخل العراق سوى الزرقاوي ورجاله، كما أنه ليس لدينا اليوم في منطقتنا العربية تلك الدولة التي تستطيع أن تتدخل لمنع ما يحدث على أرض العراق من قتل وتفجير. ليس لدينا إلا الولايات المتحدة الأمريكية كدولة مسيطرة على مقاليد الأمور داخل العراق، رغم أنها ليس لديها قاعدة شعبية بين الجماهير العراقية أو العربية، مما يجعلنا نستبعد أن نجد من يهرع إلى نجدتها مثلما فعل محمد علي مع الدولة العثمانية، فليس لأمريكا ولاة (رسميون) بيننا. إذن.. فلنا أن نتوقع من أمريكا أن تحاول إيجاد طبقة تكون حاجزا بينها وبين الجماعات المسلحة ذات الخلفية الوهابية، ليس خدمة للشيعة بقدر ما هو حفاظا على صورتها كمسيطرة على الأمور في العراق، مثلما كان الأمر مع الدولة العثمانية التي هدفت من قهر الحركة الوهابية السعودية أن تثبت وجودها وإمرتها على أقاليم المنطقة.
إن استخدام أمريكا لطبقة مصطنعة كي تجابه التهديد الزرقاوي ليس بالأمر الجديد في عالم الاستعمار، فقد اعتمدت بريطانيا في إدارة مستعمراتها قديما على طبقة تدين لها بالولاء، حتى لو كانت تلك الطبقة غير محبوبة لدى الجماهير، رغم أن بعض أبناء تلك الطبقة قد أصبحوا فيما بعد من أهم زعماء التحرر في بلادهم كما حدث في إفريقيا، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى هذا الأسلوب، ولعل مساعديها سيكونون من أبناء العراق، وهو ما قد يخيفنا على مستقبل العراق من أن توجد طبقة متعاونة مع القوات الأمريكية لأجل غرض ظاهره نبيل يتمثل في دحض القوى المتطرفة في البلاد، فتتحول تلك الطبقة فيما بعد إلى طبقة وريثة للبعثيين و منتفعي الحكم القديم المتسلط الذي ولت أيامهم، ربما يكون أمل العراق في استقلالية أجهزته الأمنية والعسكرية تماما عن الوجود الأجنبي في بلاده و اتحاد العراقيين حول حكومتهم من اجل تقويتها، فتقوي بذلك استقلالية الحكومة، على أمل يوم يتحرر فيه العراق من الوجود الأجنبي في بلاده. فالأمل هنا في حكومة لها مزيد من السيطرة على إداريات البلاد. وقد يقترب حديثنا هنا من المثالية، لكن قوة الحكومة بشعبها، ستبعد عنا فكرة تسلطها عليهم في يوم من الأيام كما حدث في الحكم السابق. كما أن تحالف الشعب العراقي مع حكومته سيمنع فكرة أن يتحول أي من فئات المجتمع إلى مجرد (وال) لدى قوات الاحتلال.
إن عناصر التاريخ إنسان وزمان ومكان.. ومن المستحيل أن تتكرر العناصر الثلاثة، وفي حالتنا. فلا أتباع فكر محمد بن عبد الوهاب هم أنفسهم، ولا الشعب العراقي هو شعب الأمس، ولم يعد هناك دولة عثمانية و لا والي يدعي محمد علي. إلا أنه قد تتشابه بعض عناصر التاريخ مع مثيلتها في واقعنا المعاصر. لكن أفضل ما في صورة اليوم أن هنالك شعب قد أصبح نجما في الأحداث، وعليه أن يستغل تلك الفرصة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ، 2

Saturday, September 24, 2005

الاختلاف في الرأي

عبدالرحمن مصطفى

ما زلنابين الحين والحين نستخدم بعض العبارات لتزويق أحاديثنا، وتجميل أفعالنا أمام الآخرين.. على رأس تلك العبارات، عبارة تقول أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ورغم هذا المعني النبيل وراء تلك الجملة المبهرة، إلا أنه ما زال الاختلاف يُـفسد الود في مجالسنا وحواراتنا، سواء كانت عن السياسة أو الدين أو الرياضة..الخ، وما زال الفرد منا يخشى الاختلاف في الرأي مع رئيسه تخوفا من أن ينعكس ذلك على مسيرة حياته الوظيفية أو انسياب المكافئات إلى جيبه أول كل شهر.
وهنا.. نحن لا ندعي أن مسألة عدم قبول الاختلاف في الرأي هي قضية عربية تخصنا وحدنا دون بقية دول العالم، وإلا.. كنا نظلم أنفسنا بهذا القول. لكنها بعض العيوب الاجتماعية التي زادت من حدة هذا الأمر حتى أصبح كل مجلس لا يكاد يخلو من عبارات التناطح وإثبات الوجود.

ربما يكون أحد أسباب فساد الود نتيجة اختلاف الآراء أن يكون هذا الود في الأصل سراب ليس له وجود حقيقي، وأنه كان مجرد نفاق أو مجاملة ظننا نحن أنها ودا.. فلما ظهر الاختلاف في الرأي على السطح، كانت الحقيقة المرة، فكان الاختلاف في الرأي اختبارا حقيقيا لهذا الود المزعوم، وربما يكون التكالب على المصالح والاستئساد في المناصب سببا آخرا في محاولة فرض الآراء بالقوة ، حتى لو كان ذلك بخسران الود والسلام مع الآخرين، تخوفا من أن تكون سيادة رأي الآخر سببا في فقدان منصب أو مال.

سبب آخر يدفع بالبعض إلى رفض الاختلاف في الرأي.. ألا وهو تعود شعوبنا على وجود زعامة واحدة، ونظام واحد، ورأي واحد.. فيكون الاختلاف في الرأي لدى البعض بمثابة فتنة لا بد من وأدها، فيفسد بذلك كل ود ويطاح بكل سلام.
رغم كل هذا.. ما زلنا مطالبين بالعمل على تنفيذ هذا الهدف النبيل الذي تحمله تلك العبارة الساذجة في مظهرها.. الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، علينا أن نعوِّد أبناءنا على قبول الاختلاف مع أفكار الآخرين، ولعلنا مطالبون بأن نحدد مرجعياتنا ونضعها نصب أعيننا، كي يكون اختلافنا مبني على أساس مرجعية واحدة، حتى لا تجنح أفكارنا نتيجة عندِ أو حب للظهور.

ومن يعلم.. فربما يأت يوم لا يُـفسد فيه الاختلاف للود قضية.
ـــــــــــــــــــ

Tuesday, September 13, 2005

قراءة في كتاب القرآن وكفي مصدرا لتشريع الاسلامي

عبدالرحمن مصطفى ـ مصر

أتيحت لي فرصة الاطلاع على كتاب ( القرآن وكفى مصدرا للتشريع الإسلامي) للدكتور أحمد صبحي منصور، والذي يدعو فيه إلى هجر الأحاديث النبوية، بعدما اعتبرها ليست بالأقوال التي يؤخذ بها، فدعا إلى الاكتفاء بالقرآن الكريم مرجعا وحيدا للتشريع، والابتعاد عن متابعة أقوال وأفعال نبي الاسلام محمد عليه الصلاة والسلام. مراجعة هذا الكتاب كانت محاولة مني لفهم منطق د. منصور وهو يحاول إثبات رأيه، وقد قدم د. منصور في كتابه أفكارا جديدة زينها بكم كبير من الآيات، غير أن المتابع لاستخدام الدكتور منصور لتلك الأيات قد يجد بعض الثغرات فيما ذهب إليه.

يبدأ الكتاب بمدخل يسرد فيه الكاتب بأسلوب ملحمي قصة نشره هذا الكتاب.. ثم ينتقل إلى الفصل الأول الذي أعطاه عنوان (القرآن الكريم هو المصدر الوحيد للإسلام)، وحاول الكاتب من خلال عدد من النصوص القرآنية تأكيد فكرة أن القرآن كتاب جامع مانع لا يحتاج إلى أي كتاب معه، والحقيقة أن هذا أمر متفق عليه، بل نستطيع اختصار الطريق على الكاتب ونعلن أن القرآن قد أنزله الله على رسوله، دون أن ينزِّل معه صحيح البخاري أو مسلم أو أي من كتب التفسير...!
وفي أول فصوله تمجيد القرآن تمهيدا لعرض فكرته الأصلية عن كتب الحديث التي يراها بلا فائدة، فيعرض علينا كما كبيرا من النصوص القرآنية التي ترهب من يفكر في الاستعانة بأي كتاب آخر بجانب القرآن... فكانت تلك البداية إشارة من الكاتب بأسلوب غير مباشر إلى أن الاستعانة بكتب الحديث هي ضلال وبعد عن كتاب الله.. على أساس أن القرآن قد نزل } تبياناً لكل شىء{ (89) النحل ، ولا حاجة لأي حديث بعده } فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون{ (6) الجاثية .

وهنا نتوقف لنتساءل.. هل كانت تزكية الله لقرآنه الكريم مبررا في أن نبتعد عن كتب الحديث التي جَمَعت لنا أقوال وأفعال الرسول..؟؟ وإذا كان الأمر كذلك.. فكيف لم يتعرض القرآن لهذا الأمر من خلال نص صريح ومباشر..؟! لماذا لم يصرح القرآن بأن نبتعد عن تتبع أقوال وأفعال محمد عليه الصلاة والسلام...؟؟ أكان الله ليتركنا في ضلال..؟! الكاتب لم يأت بنص قرآني صريح مباشر يدعونا للابتعاد عن تتبع أقوال وأفعال محمد عليه الصلاة والسلام.

ولعل ما ذهب إليه الكاتب في رأيه هذا ما يعارض القرآن نفسه.. خصوصا مع نص قرآني كقوله تعالى: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " (44) النحل، فالنص كما هو واضح دعوة من الله إلى رسوله كي يبين للناس ما نزل إليهم من قرآن، وبالتالي يصبح الناس في حاجة إلى أقوال وأفعال الرسول.. غير أننا نجد د.منصور يأول النص – مخالفا لأراء المفسرين- بقوله أن كلمة }الناس{ في الآية السابقة مقصود بها أهل الكتاب فقط، وذلك اعتمادا على تفسيره للآية السابقة عليها: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ " (43) النحل، وهذا التفسير أو التأويل من الكاتب فيه تكلف شديد.. فكما هو معلوم أن محمد عليه الصلاة والسلام قد أرسل للناس كافة، مصداقا لقوله تعالى " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ " (28) سبأ، كما أن الْقُرْآن قد أنزله الله تعالى للناس كافة }إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ{ (27) التكوير.

إذن فالرسول ما كان لينزِّل الله عليه قرآنا فيبينه لقسم من الناس كأهل الكتاب دون الآخرين كما ذكر الكاتب، وإذا كنا سننساق مع قول الكاتب، فسنجد أنه سيكون على الرسول أيضا أن يبين للمسلمين (ما نزل إليهم) ، فكون القرآن قد نزل لكل الناس، وكون محمد رسول لكل الناس، فهذا يجعل مهمة الرسول هي أن يبين للناس كافة ما نزل إليهم، وهذا ما أوضحه الطبري في تفسيره لقوله تعالى { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } بقوله: لتعرفهم – يا محمد- ما أنزل إليهم من ذلك، و ذكر القرطبي في تفسيره أن: الرسول صلى الله عليه وسلم مبين عن الله عز وجل مراده، مما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة، وغير ذلك مما لم يفصله. إذا فنحن في حاجة لمتابعة أقوال وأفعال محمد عليه الصلاة السلام التي (تبين) لنا ديننا، كي تكتمل الصورة مثلما أوضح لنا القرآن.

وهكذا نرى الأمور قد بدأت تتواءم مع طبيعة المنطق، بل إننا نجد ما يؤيد هذا في قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا " (59) النساء، وحسبما جاء في تفسير الجلالين أن الآية دعوة إلى رد الأمور الخلافية إلى "الله" أي كتابه القرآن، "والرسول" أي في مدة حياته.. و بعده باتباع سنته، وذلك خير من التنازع والأخذ بالرأي. لكننا نجد الكاتب يحاول أن يدور على المعنى مرة أخرى، ويأتي بفكرة جديدة تسعى إلى التفريق بين محمد الرسول، ومحمد النبي... فالكاتب يذهب إلى أن الله يدعونا إلى طاعة محمد (الرسول)، على أساس أن الله–في رأي الكاتب- لم يأمر المسلمين في أي موضع من القرآن بأن " يطيعوا النبي"..!

وحجة الكاتب في ذلك كم كبير من الآيات حاول أن يوضح من خلاله أن لفظ النبي دائما ما يأت مع حياة محمد الاجتماعية والإنسانية، أو عند ارتكابه لخطأ ما، فيأت القرآن ليقومه بعد ذلك، واستشهد في ذلك – على سبيل المثال- بما وقع للرسول من خداع على يد بعض المنافقين، عندما ناداه القرآن مخاطبا: " إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا" (105) النساء.. هذا كان مع محمد النبي، بينما محمد الرسول – عند الكاتب - هو ناقل للقرآن الذي تعهد الله بحمايته من أي سوء أو خطأ.. ويدعونا الكاتب إلى إتباع ما قام به محمد سواء كان النبي أوالرسول من خلال ما ذكر عنه داخل القرآن فقط، بل جعل الكاتب أحاديث الرسول هي ما قاله الرسول ضمن نصوص القرآن، فالسنة القولية للرسول عند أحمد صبحي منصور هي في القرآن وحديث القرآن، وما تكرر فيه من كلمة "قل" الموجهة لمحمد عليه الصلاة والسلام.
وعليه.. فيصبح تتـبُّع أفعال النبي وأقواله خارج النص القرآني أمر غير مطلوب، بل هو أمر منهي عنه على أساس أن المرجعية الوحيدة للمسلم هي القرآن.. إذن فالكاتب يذهب إلى أن أقوال وأفعال محمد رسول الله هي –فقط- ما جاء في القرآن، وهي المطلوب منا أن نتبعها من خلال الآيات..

ولعل ما ذكرناه سابقا عن قوله تعالى: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " (44) النحل، يرد على ما ذكره الكاتب هنا.. فلكي يبين الرسول ما نزل إلى الناس فعليه أن يواجههم ويتحاور معهم، ويقترح عليهم حتى }يتفكرون{، فيأتي من يعقبه من أجيال تالية فيجمع هذه (النبويات) كي لاتكون حكرا على من سبقهم فقط.

ورغم إعجابنا بفكرة الكاتب حول التفريق بين شخصية النبي وشخصية الرسول، إلا أننا لا نتفق معه فيما ذهب إليه من أن شخصية النبي محمد لا يجب البحث وراءها واتباعها إلا من خلال ما ورد عنها في القرآن، على أساس أنها خارج سياق الوحي... لأن الكاتب برأيه هذا حول الرسول إلى مجرد موظف لدى الإله، يترك وظيفته في ميعاد محدد فيتحول إلى نبي لا علاقة له بالسماء والوحي..!
والرد على هذا الأمر موجود في القرآن أيضا.. ويؤكد ما ذهبنا إليه من قبل في أن من واجبات محمد (الرسول والنبي) أن يبيِّن { لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ }.. فلا فرق في هذا الأمر بين محمد الرسول و محمد النبي ، فكلاهما هو محمد عليه الصلاة والسلام..

يقول تعالى: " إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا " (163) النساء، وهنا يوضح الله تعالى أن الأنبياء كان يوحى إليهم.. و منهم أنبياء فقط، وليسوا برسل، أو أصحاب رسالات وكتب سماوية.

وقد وُصف محمد عليه الصلاة والسلام بالنبي والرسول في مواضع عديدة من القرآن، كقوله تعالى: " قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ" تَهْتَدُونَ " (158) الأعراف.. إذا فمحمد هو رسول ونبي، وكما رأينا منذ قليل في الآية (163) من سورة النساء أن الأنبياء أيضا في كانوا حالة وحي حتى لو كانوا بدون رسالة، فعلى هذا...لا يمكن لنا أن نهجر أفعال النبي محمد وأقواله التي لم تذكر في النص القرآني، بل إن علينا أن نتتبعها لأن فيها وحيا لكنه غير مكتوب داخل رسالة أو نص كتابي.

وعموما.. فعلى ما يبدو أن ما يدعو إليه د. أحمد صبحي منصور لا يصلح من الناحية العقائدية، أما من ناحية المنطق، فكيف نقبل بآراء الفقهاء والمفسرين والمجتهدين، ونهمل ما كان يقال على لسان رسول الله بين أصحابه وفي مجالسه..؟؟ ثم إن محمدا هو نبي القرآن، وليس كنبي الله عيسى أو موسى أو أي من الأنبياء الذين نكتفي بالقراءة عنهم في القرآن.. إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يفسر القرآن ويوضح للناس ما جاء فيه، وأقدم للقاريء هذا الحديث الذي قد يوضح لنا أهمية الحديث النبوي للقرآن: في صحيح البخاري : ‏حدثنا ‏ ‏قتيبة بن سعيد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏جرير ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏عن ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏عن ‏ ‏علقمة ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله ‏ ‏رضي الله عنه ‏ قال: لما نزلت " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله " إنه ليس بذلك... ألا تسمع لقول لقمان: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم "

يوضح الحديث السابق أهمية الحديث في تفسير القرآن، وكيف أن الرسول قد أوضح أمرا كان غائبا عن الصحابة من داخل النص القرآني، ليضع بذلك أسوة لمن يجتهد في النص الديني، وما هذا الحديث إلا مثالا فقط... فكثير من الأحاديث الأخرى توضح أسباب نزول الآيات وملابسات نزولها، ولا أدري كيف هو الأمر مع الدكتور صبحي منصور..؟؟ هل لديه البديل عن تلك الأحاديث النبوية كي يوضح لنا ملابسات نزول الآيات..؟! أظن أنه من الصعب علينا أن نهمل تاريخ نزول القرآن و الخلفية التاريخية لنزول آياته.

ربما جاء هذا الكتاب تعبيرا عن روح جديدة ساخطة وسط مجتمع الشيوخ والفقهاء المصاب بالركود، غير أن صاحب الكتاب على ما يبدو قد تطرف بعض الشيء واستخدم التأويل كثيرا في تفسيراته، وقد عبر هذا التطرف عن عجز حقيقي في وضع أسس منهجية للتعامل مع كتب من نوعية كتاب البخاري وغيره، فكانت النتيجة أن أنكر البخاري وكتب السنة تماما، بدلا من العمل على إصلاح الخطأ الذي نواجهه.. ومهما حوت تلك الكتب من أحاديث لم نعد نقبلها الآن-وهي التي ركز عليها الكاتب في فصله الأخير- إلا أن هذا ليس مبررا لهجر الحديث النبوي كله والبعد عن أفعال الرسول.. ولعل الكاتب لم يوضح لنا إلى ما نستند في معرفة كيفية الصلاة أو الزكاة أو الحج و غيرها من العبادات..!

* في النهاية.. يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران.

Tuesday, September 6, 2005

رسالة إلى الشامتين

دائما ما يهلل فريق من ابناء أمتنا ويعلن سروره وفرحه عند سماعه انباء الكوارث المتعلقة بمن يبغضهم خارج بلاده, وقد ظهر هذا جليا في عدد من المواقف, كان اخرها عند حدوث اعصار "كاترينا" بالولايات المتحدة الاميركية, والذي خلَّف وراءه آلافا من القتلى والمشردين, وخسارة تقدر ببلايين الدولارات, فوجدنا روح الشماتة والتشفي تظهر من بين بعض ابناء أمتنا.. ليكرروا ما قاموا به من قبل عقب وقوع حادث جسر الائمة في العراق, الذي حدث اثناء احتفال شيعي هناك, فأسفر عن مقتل نحو الف عراقي.
وكانت تلك العقلية الشامتة هي التي فسرت من قبل ظاهرة تسونامي على انها عقاب الهي لاهالي جنوب شرق اسيا, وهي التي بررت الاحداث التفجيرية التي ضربت مصر في الفترة الاخيرة, وغالبا ما سيستمر هذا المنطق الشامت يمارس هوايته عقب كل كارثة تصيب قريبا او غريبا, خصوصا وان اصحاب هذا المنطق يستخدمون مرجعية قرآنية في توجههم هذا, كاستخدامهم قوله تعالى : ويومئذ يفرح المؤمنون بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الروم) ... فيتم تأويل المعنى, وكأن الاية دعوة للتشفي والفرح بمصائب الاخرين, على الرغم من ان القياس هنا لا يجوز بين الحالة التي
نزلت فيها الاية, واستخدام البعض لها كمبرر للتشفي والشماتة.
ان رسالتنا الى كل شامت ان يتذكر دعوة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يأمر كل مسلم ان يحب للناس ما يحب لنفسه, وان يكره للناس ما يكره لنفسه, والا يظهر الشماتة لاخيه وقت ابتلائه كي لا يبتلى بابتلائه, حتى الاعداء, كان من اخلاقيات الاسلام ان يترفع المسلم عن الشماتة بهم.
لقد كنا نتمنى من الشامتين ان يقوموا بعمل افضل من شماتتهم.. عمل يحسِّن من صورتهم لدى الاخر, سواء كان هذا الاخر عربيا ام غربيا, كأن يقدموا عزاءهم للشعب الاميركي في هذا التوقيت بالذات, فيقدموا بذلك - على المستوى الشعبي- تصرفا يحسِّن من صورة العربي المسلم التي شوهها البعض لدى الجماهير الغربية, فيكون في هذا التصرف عرضا لصورة العربي النبيل على حقيقتها... وكنا نأمل من قبل ان يعبر هذا الفريق ايضا عن تعازيه لاهل العراق, عقب حادثة جسر الائمة بالكاظمية, كمحاولة لطمأنة شيعة العراق ان في خارج العراق مسلمين مثلهم يتألمون لألمهم.
ولعل الموقف الحكومي العربي من تلك الاحداث كان على المستوى المطلوب, وهو ما ظهر واضحا في قرار بعض الدول العربية مساعدة الولايات المتحدة الاميركية في ازمتها الاخيرة بالدعم المادي, كقرار دولة الكويت التبرع بما قيمته 500 مليون دولار من المنتجات النفطية وغيرها من المساعدات الانسانية للولايات المتحدة بغرض تخفيف اثار الاعصار كاترينا.
لكننا نأمل ايضا ان يكون هنالك تحرك شعبي في مثل تلك الاوقات على نفس مستوى التحرك الحكومي, ولو بصورة بسيطة كارسال برقية عزاء او اظهار روح التعاطف مع صاحب البلاء, او على الاقل الا يكون هنالك تحرك مضاد لهذا النشاط الحكومي النبيل, فروح الشماتة ستزيد الفجوة بين الشعوب, وستضعفنا وتجعلنا دائما في موقف من يتلقى الصدمات.
نأمل لمن يشمت في مصائب الاخرين - ايا كان هؤلاء الاخرين - ان يتحلى بخلق محمد نبي الاسلام, وان يراجع سير فرسان أمتنا العربية والاسلامية, فالفارس العربي كان لا يشمت في اعدائه.. كان لا يسيء لمن اساء اليه, اننا نقدم دعوة كي نحب للناس ما نحب لانفسنا, ونكون فاعلين في تحديد شكل علاقاتنا مع الاخرين, لا ان نكون عاجزين عن الفعل, مكتفين بتغذية نفوسنا بنار الحقد... نتمنى ان تصل الرسالة, وتكون محل تدبر.
http://www.scribd.com/doc/20007058/

ـــــــــــ
إيلاف