Tuesday, March 29, 2005

الدين والسياسة

عبدالرحمن مصطفى
بين الحين والآخر، يثار الجدل حول مسألة الدين والسياسة، وعلاقة كل منهما بالآخر.. فتختلف الآراء، ويحدث الانقسام، ونرى رأيا يمزج الدين بالسياسة وكأنهما قابلان للتوحد، متعللا بأن كل أمر في الحياة مرده إلى الله، ومن ثم إلى الدين.. وبالتالي فلا حرج في مزج الدين بالسياسة. ورأي آخر على النقيض منه، يذكر أنه لادين في السياسة، ولا سياسة في الدين. إذا فواجب علينا التعرض لتلك الآراء بالنقد، حتى نعلم أيها أقرب إلى الصواب، أو على الأقل حتى نعلم إذا ما كنا في حاجة إلى رأي جديد أم لا.

- في الرأي الذي يذهب إلى المزج بين الدين والسياسة، على أساس أن "كل ما يخص حياتنا موجود في القرآن والسنة".. وقد تكون تلك العبارة الأخيرة صحيحة، ولكن.. كيف يتم التطبيق العملي لها عند مواجهة معضلة سياسية..؟ بالطبع ليس الحل في سرد الآيات و الأحاديث على لسان السياسي، بغرض حل المعضلة السياسية التي تواجهه.. فقد تستخدم الآيات والأحاديث في غير مواضعها، بغرض تحقيق غرض ما في نفوس الحكام وأهل المصلحة.

فكثير من الأمثلة التاريخية تدلنا على ذلك.. فكم من صراع سياسي قام من أجل انتزاع صفة أمير المؤمنين، و لقب الخليفة.. بل قد تم التمسح بنبوءات حوتها كتب الحديث، كفكرة المهدية (1)، مثلما حدث في ثورة المهدي بالسودان(2)، ومثل جيش المهدي حاليا بالعراق.
نجد هنا أن المزج بين الدين والسياسة –أيا كانت مبرراته- يقدم الفعل السياسي للناس على أنه فعل ديني، مما قد يسيء إلى صورة الدين في حالة إذا ما كان الفعل السياسي يحوي ظلما أو بهتانا.

إذن فالمزج بين الدين والسياسة، أمر فيه خطورة، لكونه مزج للحق بما قد يكون باطلا.. للعدل بما قد يكون ظلما.. للثابت بالمتغير. كما أن السياسة في الأصل، تحوي نظما، وقوانين، وشرائع، وأوامر إنسانية، لإدارة شئون إنسانية.. بينما الدين أوامر وشرائع إلهية، لتنظيم شئون إنسانية. فكيف يتوحد الاثنان، والأصل مختلف..؟!
لنترك ما للبشر للبشر، وما لله لله..وتدفعنا تلك الفكرة الأخيرة دفعا إلى الرأي الثاني القائل بأنه " لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة ".. فنتساءل، هل تصلح تلك العبارة لنا..؟؟ هل ستجعلنا تلك العبارة نعيش حالة من الرضا عن أنفسنا وعن علاقتنا مع ربنا..؟؟

عندما ذكر الرئيس الراحل أنور السادات تلك العبارة السابقة في إحدى خطبه(3)، انتهى الأمر بقتله في أقل من شهر، وأصبحت تلك العبارة دليل إدانة ضده حتى الآن. ويربط البعض بين تلك العبارة ذائعة الصيت، وبين فكرة العلمانية(4) ..فنجد أن عبارة " لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة " قد أصبحت مرادفا لدى البعض بالمبدأ العلماني "فصل الدين عن الدولة".
لكن الحقيقة.. أن فكرة "فصل الدين عن الدولة" ، أكثر تطرفا، فتطبيقها يعد نفيا للدين بأكمله عن كل شأن سياسي، وذاك أمر غير مقبول، قد يكون هنالك من لا يؤمن بوجود الخالق أصلا، لكن أعتقد أن شعوبنا المؤمنة بالدين لن تقبل مثل هذا الأمر.لنعد مرة أخرى إلى عبارة " لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة "، ولنبعدها عن تفسيرات من ربَطها بالعلمانية، وفصل الدين عن الدولة. قد ذكرنا منذ قليل أن هناك اختلاف شديد بين السياسة الإنسانية الصنع، والموجهة للبشر، وبين الدين الإلهي الصنع، الموجه للبشر.. من هذا المنطلق، قد نقبل أنه لادين في السياسة، تبعا لنشأة كل منهما، فالدين من الله، بينما السياسة من البشر وطارئة عليه، فلا يقوم الدين بدور السياسة أبدا.
ولكن.. هل معنى هذا أنه لا توجد سياسة في الدين..؟؟

تبعا للنشأة.. فالإجابة أيضا نعم..!
فنحن لا نستطيع إضافة ما صنعه البشر-السياسة- إلى ما صنعه الخالق -الدين- و إلا كان الأمر تحريفا للدين..والإنسان يشرع تبعا لظروفه.. بينما شرع الله لكل زمان، ومكان، ولكل البشر. لكن.. قد نجعل لما صنعه وشرّعه البشر، مرجعية متمثلة في الدين (صنعة الخالق).. ووقتها لن نجد سياسة في الدين، بقدر ما سنجد توجيها من الدين للسياسة التي نصنعها ونحن أحرار.
- إذا.. فكيف ننظم تلك العلاقة بين الدين والسياسة التي حولها البعض إلى فتنة بين الناس ..؟

* أن نعترف بإلهية الدين، فلا نقحمه في السياسة البشرية، وكأنه أداة في يدنا بديلة عن السياسة.. فلا يجب أن يحل الدين محل السياسة أبدا.

* علينا أن نعترف ببشرية السياسة، وأنها من صنعنا، وقابلة للتغيير، وأن الفكر الإنساني مهما تطور، فهو قاصر.. لذا فيجب أن يكون الدين مرجعا لكل تشريع أو نظام سياسي، و لكل فكرة أو نظرية سياسية (بشرية).

* علينا أن نجتهد في فهم ديننا حتى نستطيع التعامل معه، والاستفادة منه.

* عدم التقصير في الابتكار السياسي.. لأن ذلك قد يجعل الدين ضحية لكسلنا، فيأخذ الدين (الإلهي) محل السياسة (البشرية)، ومن ثمَّ يحمل الدين أوزارنا، وترتبط سُمعته بسمعتنا.

في النهاية.. نتمنى أن نرى الدين يقوم بواجبه تجاه السياسة من تقويم وتهذيب لها، فيكون للسياسة – صنعتنا- مرجعا ضابطا ومحددا لها، يتمثل في دين سماوي من عند الله أريد به خيرا للبشر . فلنجتهد في صنع سياساتنا ونظمنا السياسية-أيا كانت- على أساس مرجعية ديننا، وعلى أساس اختلاف سياسة كل دولة عن الأخرى، باختلاف الزمان والمكان والإنسان (5) .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيلاف

(1) وردت فكرة المهدية في بعض كتب الصحاح الستة للحديث النبوي، عن المهدي المنتظر من نسل فاطمة بنت محمد عليه الصلاة والسلام، الذي سيملأ الأرض عدلا وخيرا .. والفكرة هي أحد أركان الفكر الشيعي، متمثلة في الإمام.. أما عند الصوفية، فتتضح أكثر في "القطب" أو "غوث الزمان"، والفكرة موجودة بشكل مشابه في الكتاب المقدس، عند الحديث عن "المسيح المنتظر".

(2) هو محمد أحمد بن عبد الله.. يرجع نسب أسرته إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ولد بدنقلة 1844مـ ،نصب زعيما لإحدى الطرق الصوفية عقب وفاة شيخها، وبدأ في دعوته الإصلاحية، وأتخذ لقب محمد أحمد المهدي منذ عام 1881مـ،وبدأ ثورته على الأوضاع السائدة، حتى اصطدم بعدها مع الاستعمار الإنجليزي، وتوفي بعد إسقاطه لمدينة الخرطوم في عام 1885مـ.. وظهر في أيامه آخر بالسودان ادعى أنه المهدي المنتظر.

(3) ذكر الرئيس الراحل/أنور السادات تلك العبارة في سياق حديثه عن الإخوان المسلمين في بيان إلى الأمة في 14/9/1981

(وساعة ما نقول لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة.. يقولوا أبداً.. الدين سياسة والإسلام دين ودولة- آه دين ودولة صح، لكن أن تفرض وصاية على مصر باسم الدين على طريقة الخميني كما يكتبوا الآن.. لا..).

(4) العلمانية: هو مصطلح غامض ذو أصول كنسية بمعني (اللااكليركي) أو (غير اللاهوتي)، ويعبر المصطلح عن موقف أوروبي جاء نتيجة صراع ونضال أوروبي ضد المؤسسات الدينية هناك، التي احتكرت لنفسها مقومات الحضارة الفكرية والعلمية، ويربط البعض بين العلمانية والاستعمار الأوروبي، وأن أوروبا تصدر العلمانية للشعوب الإسلامية كي تفتنها عن دينها.

(5) عناصر التاريخ : الإنسان والزمان والمكان

Monday, February 28, 2005

في انتظار ثورة

عبدالرحمن مصطفى ـ مصر

تعيش مجتمعاتنا العربية الآن حالة من الركود، نتيجة إحساسها بالحيرة والعجز تجاه العديد من القضايا على الصعيدين الداخلي و الخارجي.. و يبدو أن للوجود الأمريكي القوي بمنطقتنا دور هام في إيجاد مثل تلك الحالة، بعد أن نجحت أمريكا في تحييد المجتمعات العربية عندما أصبحت لدى العرب بمثابة العدو و الصديق في آن واحد. خطر خارجي، وركود داخلي.

و دون أن نعول هنا على الأسباب الخارجية التي أدت إلى نشأة مثل تلك الحالة التي تعيشها مجتمعاتنا، فما يهمنا في مسألة الوجود الأمريكي القوي في منطقتنا، أن أداء أمريكا لدور العدو والصديق في آن واحد قد انعكست آثاره على الساحة الداخلية لمجتمعاتنا العربية الراكدة.. فجاء نتيجة ذلك محاولات لتحريك هذا الركود، بأن لجأ البعض إلى أن تحديد علاقته مع أمريكا بوصفها العدو الأكبر للأمة، لاعبا على وتر المشاعر الدينية والقومية، في الوقت الذي وجدنا فيه قلة أخرى قد حددت علاقتها مع أمريكا بوصفها الصديق. وتلك الثنائية ليست جديدة على منطقتنا، فدائما ما نجدها أمامنا عندما يظهر التدخل الأجنبي (القوي) مصاحبا للضعف الداخلي .أما غالبية الجماهير فنجدها في حيرة من أمرها مترددة في اتخاذ المواقف، في وقت وجدنا فيه من يتخذ المواقف، يتخذها بأسلوب متطرف لا يعالج ضعف المجتمعات الداخلي.

ــــ ما قبل الثورة

في تلك الفترات التي ينتظر فيها الناس مسيحا مخلِّصا أو مهديا منتظرا يقوم بإصلاح مجتمعاتهم بقواه الخارقة وأفكاره المعدة سلفا، بعد أن ضعفت قدرتهم على الابتكار والاجتهاد، نجد أن الأوضاع السائدة تكون في حاجة إلى عمل ثوري يحرك الراكد، ويجدد للأمة شبابها.. ولما كانت الثورات لا تأتي إلا عقب ظهور الأفكار والنظريات والمباديء، فلنا أن نتوقع لأي عمل ثوري في تلك المرحلة أن يكون عملا ارتجاليا غير منظم. ولكن.. هل من أمل ..؟! نعم، فظهور قوى أجنبية قوية بيننا، قد قسمنا إلى مفتونين بها و حاقدين على نجاحاتها، وفرض ذلك علينا حالة الضعف والاستكانة الحالية نتيجة حيرتنا في التعامل مع تلك القوى، و قد أوجب ذلك تلك الحاجة إلى إحداث عمل ثوري، يثور على الأوضاع السائدة، ويبدأ في التنظير لعصر جديد. وهنا.. نحن نتحدث عن عمل يكون بداية لمجموعة من الاجتهادات والأفكار التي تعالج حالة الضعف والركود الحالية، بتسلسل منطقي، لا بمنطق الانقلابات العسكرية.
إننا في حاجة إلى أفكار ونظريات تعمل عمل المقويات لجسد الأمة الهزيل .

ــــ بداية ثورة؟

دعونا الآن نتأمل قرار السيد الرئيس محمد حسني مبارك السماح لأكثر من مرشح بدخول الانتخابات الرئاسية، إن هذا القرار لابد أن يكون له أثره على الشعب المصري الذي سيصدم في الانتخابات القادمة، عندما يجد حاكمه "المقدس" وقد أصبح له منافسون في الانتخابات الرئاسية، قد تكون الفكرة مبهرة لأول وهلة، وباعثة على التفاؤل، إلا أنها أيضا قد تكون بداية انهيار لدولة –مصر- من أهم دول الشرق، ففشل الشعب المصري – بفئاته السياسية وغير السياسية- في التعامل مع تلك الفكرة الطارئة على تاريخه الطويل، سيعد نهاية لمرحلة الركود والسكون، وبداية لمرحلة جديدة من الأحداث والحركة، ولكنها-دون مبالغة- ستكون حركة قد تفكك الدولة تماما. ففشل الشعب في التعامل مع تلك الفكرة الجديدة قد يكون مدخلا لفتنة وأطماع فردية، وقد يكون بداية لتدخل خارجي نتيجة إخفاق المجتمع في التعامل مع أدوات الممارسة الديمقراطية السليمة.
ولما كان الشعب خارجا لتوه من فترة ركود وجمود، فلنا أن نتوقع الهزيمة عند أي مواجهة خارجية.

قد تكون الصورة كئيبة عند الإخفاق في التعامل مع هذا القرار الجديد، ولكن الصورة قد تكون أفضل بكثير عندما يصبح هذا الاقتراح الرئاسي، بداية لحركة ثورية على الأوضاع الحالية بما فيها من ركود وضعف وعجز، فهذا الطرح الذي قدمه "مبارك" بما له من تأثير الصدمة والإبهار، نحلم أن يكون بداية لأطروحات وأفكار جديدة تخرج بالشعب من ركوده وجموده، واعتماده على الارتجال في اتخاذ القرارات، إلى مرحلة جديدة تنشط فيها الأفكار الجديدة والاجتهادات البناءة.

ــــ سيدي الرئيس

نتمنى يا سيادة الرئيس أن تلقي بالحمل على الجماهير، فتضعها في اختبار حقيقي أمام أنفسها، بعد أن تُغير حالة الركود التي يعيشها المجتمع بقرارت واقتراحات تستثير الجماهير وتحفزهم للوقوف إلى جانبك، وإلى جانب من يأتي من بعدك، حتى يجيء اليوم الذي يصبح فيه الشعب هو من يقترح ويقدم الأفكار الجديدة، بنية صافية من أجل الوطن. وقتها فقط، سيكون الشعب هو من قاد الثورة في هذه المرة، بعد أن مهَّدت الحكومة له الطريق. فيثور على سلبياته وما يعيشه من ضعف وجمود.
نتمنى أن يكون القرار الأخير الخاص بترشيح أكثر من فرد لرئاسة الجمهورية بداية لثورة حقيقة، أشعلت فتيلها. ونتمنى أن يكون بداية تغيير حقيقي، بدلا من أن يكون بداية لعصر من الفتن والتدخل الأجنبي نتيجة استمرار الشعب في ركوده وجموده.

ـــ في النهاية

أرى أن الشعوب غالبا ما تتمنى أن يقوم الحاكم بالثورة قبل أن تبدأها هي.. فلنحاول جاهدين استغلال ما يحدث حولنا من تغيرات لصالح بلادنا، ولصالح أنفسنا
ــــــــــــــــــــــ

Thursday, February 3, 2005

الدروس الخصوصية و التنظيمات الإرهابية

تعتبر ظاهرة الدروس الخصوصية إحدى نتائج فشل الجهاز التعليمي بالدولة في أداء واجبه نحو المواطنين.. الأمر الذي أدى إلى وجود طلاب مستواهم العلمي ضعيف، إذا ما قورنوا بالأجيال السابقة عليهم. وكلنا نرى اليوم كيف أصبحت الدروس الخصوصية أحد أهم أسس العملية التعليمية في مجتمعنا المصري، بل لن أبالغ إذا ما قلت أنها أصبحت أهم لدى الطالب من ذهابه إلى المدرسة والانتظام بها.. و نلاحظ أيضا أن ظاهرة الدروس الخصوصية لا ترتبط بطبقة معينة، أو شريحة ما من المجتمع، حيث أنها قد جاءت كنتيجة لقصور في أداء الجهاز التعليمي بالدولة، والذي يخضع له جميع أبناء الشعب.. خصوصا في المدارس الحكومية.
و الأسوأ في تلك الظاهرة.. أننا نجدها وقد امتدت إلى داخل الجامعة، التي انتقلت إليها بعض أمراض التعليم ما قبل الجامعي، فنجد الطلبة في كثير من الكليات يجتمعون حول أستاذهم (المعيد) في حلقات دراسية خارج الجامعة قبيل فترة الامتحانات، مما جعل تلك الحاجة لدى الطلبة سببا في أمر جديد.. ألا وهو نشأة المراكز التي تقوم على تلخيص المناهج في شكل مذكرات للطلاب.. تلك المذكرات التي أصبحت في بعض الكليات -ككلية التجارة مثلا- بديلا عن الكتاب الجامعي.. ! اليوم.. لن نبحث في الأثر العلمي الذي تتركه الدروس الخصوصية و توابعها على الشباب المصري، بقدر ما نبحث في أثرها على نظرة الشاب نحو المجتمع والدولة بأجهزتها الرسمية.. وسيتـضح لنا بعد البحث سويا حجم الآثار الخطيرة لتلك الظاهرة على الشاب المصري و على علاقته بالمجتمع والدولة، سواء من الناحية الاجتماعية، أو من الناحية السياسية. والآن.. نستعرض معا بعض تلك الآثار السيئة للدروس الخصوصية على حياة شبابنا المصري في شكل نقاط:

1 - فقد الثقة في المجتمع وفي أجهزة الدولة:

يجد الشاب نفسه بعد تخطيه لمراحل التعليم المختلفة، وقد تعرض لتآمر مشترك من ناحية أستاذه ومدرسته التي أهملت في تعليمه، والتي تـُمثِّـل الدولة هنا ممثلة في الجهاز التعليمي.. ومن ناحية أخرى نجد الأهل والأسرة (نواة المجتمع) مشتركون في تلك المؤامرة، فالأسرة لم تقف في وجه الدولة التي أخفق أحد أجهزتها وهو الجهاز التعليمي في أداء دوره تجاه ابنهم، ولم تدافع الأسرة عن حق ابنها لدى الدولة، بل نجد الأسرة قد اتجهت للهروب من المواجهة باستقطاب (عميل) من الجهاز الحكومي كي يقوم بالتدريس لابنهم، كبديل عن مواجهة الإخفاق و صاحب الإخفاق ـالحكومة.
ولنا هنا أن نخرج بأن أول الآثار السيئة على الشاب المصري بعد تعرضه لمثل تلك التجربة، هو فقده الثقة في مجتمعه و في دولته بأجهزتها الحكومية.. وذلك بعد صدمته الأولى في التعامل مع الجهاز التعليمي الممثِّـل الأول للدولة لديه، والمتمثل في المدرسة الفاشلة في أداء دورها، إلى جانب المدرِّس المتآمر على الجهاز التعليمي المنتمي إليه.. كذلك كانت صدمته الأولى في مجتمعه الصغير (الأسرة )، لعدم قدرته على مواجهة الدولة، والاتجاه بدلا من ذلك إلى التآمر السلبي، ومخالفة قوانينها سرا. وهنا.. لنا أن نوجه بعض الأسئلة لأولئك الذين يتشدقون بالحديث عن الواجب الوطني كفرض أبدي على شباب الأمة.. أولئك الشباب الذين مروا بتجربة أفقدتهم الثقة في الدولة والمجتمع..
س: أليس من المنطقي أن يفكر هؤلاء الشباب في الخروج على تلك الدولة التي لم تستطع أن تقوم بواجبها تجاههم..؟؟ س: أليس من المنطقي أن يحاول أولئك الشباب أيضا الخروج أو على الأقل عدم الانتماء لذاك المجتمع غير القادر على مواجهة حكومته..؟! س: بعد رؤية الطالب لنموذج المعلم (المدرس الخصوصي) وهو يتآمر على الجهاز التعليمي المنتمي إليه –رسميا- مخالفا بذلك للقانون، أليس من المتوقع منه أن يفكر كثيرا في جدية مسألة الانتماء..؟؟ وهنا نوجه سؤالا أخيرا.. أليس الخروج على الدولة وفقد الثقة في المجتمع وعدم الانتماء إليه، هما بداية لقبول أي فكرة مناهضة للمجتمع و الدولة بأجهزتها..؟؟
بمعنى آخر أليس ذلك طريقا لما تسميه الدُّول اليوم بالإرهاب..؟؟
دعونا نكمل سويا ما بدأناه من عرض لبعض الآثار السيئة للدروس الخصوصية التي تصيب الشباب المصري.. والتي منها :

2- تحويل الشاب إلى أداة :

يجد الشاب المتخرج نفسه يبدأ حياته العملية، بعد أن تعرض لتلك المؤامرة غير القانونية التي حولته إلى أداة في أيدي مدرس خصوصي يريد استغلاله بغرض تحقيق عائد مادي، و أسرة تعامل ابنها على أنه أداة للفخر بما يُنفَق عليه ثمنا للدروس الخصوصية، وبما سيحققه إن أحرز مجموعا عاليا.أضف إلى ذلك.. أن هذا الشاب قد تعوّد أن الحل بيد غيره، وأنه مجرد دمية في يد من يفكر له، وذلك بدلا من أن يتجه هو بنفسه إلى حل أزمته مع مدرسته الممثلة لأحد أجهزة الدولة (الجهاز التعليمي)، من خلال الوسيلة أو التنظيم الذي يعبر فيه عن نفسه وعن مشاكله.. في الوقت الذي لم تبحث له أسرته ومجتمعه الصغير عن إيجاد مثل تلك الوسيلة الشرعية من خلال الطرق السليمة..فاستسلم الطالب للدروس الخصوصية التي صُوِّرت له على أنها الخلاص من أزمته مع الدولة وأجهزتها التعليمية. وهنا.. لنا أن نتوقع من مثل ذاك الشاب بعد انتهاء تعليمه، أن ينطوي تحت جناح من يصور له أن لديه حلا لمشكلاته مع الدولة أيا كانت الوسيلة، حتى لو كانت غير قانونية، و عن طريق (مجموعات) مخالفة لقوانين الدولة.

3- تعويد الشاب على المواجهة غير المباشرة مع الدولة:

من ضمن الآثار السلبية للدروس الخصوصية، أنها ترسخ فكرة عدم المواجهة المباشرة مع الدولة من خلال الطرق الشرعية، والاتجاه إلى طرق غير قانونية عند مواجهة المجتمع لأي أزمة مع الدولة وأجهزتها الحكومية. فالتصريحات الرسمية للدولة تذكر– حفظا لماء وجهها- أن الدروس الخصوصية أمر غير قانوني، ومع ذلك يتكاتف المدرس الخصوصي صاحب المرتب الحكومي الضئيل، مع الأسرة الباحثة عن مجموع كبير لابنها، في تحالف غير شرعي أو قانوني،كبديل عن مواجهة تلك المشكلة التي أوجدت مثل هذا الموقف. وهنا لنا أن نتصور فكر هذا الشاب الذي نشأ في مثل تلك البيئة، وهذا التفكير.. ولنا أن نتصور أيضا كيف سيكون رد فعله عندما يواجه بأي مشكلة مع الدولة بعد ذلك.
أليس من المتوقع أن يتجه إلى الأسلوب القديم..؟! أليس من المتوقع أن يخالف قوانين الدولة - ولا يخلو الأمر من روح الانتقام- ويبدأ في إيجاد تنظيماته الخاصة التي تحقق مصلحته من وجهة نظره.؟!وقد تكون تلك التنظيمات تحمل اتجاها معاديا للدولة، مما نسميها اليوم- أو كما تسميها الدول- تنظيمات إرهابية..!

4- تنمية الحس التنظيمي المعادي للدولة :

لعل اخطر الآثار التي تنعكس على شبابنا ولا ننتبه لها، هو تعويد الشباب على القيام بتكوين مجموعات مخالفة لقوانين الدولة، وغير شرعية.. تلك (المجموعات) التي نشأت في حالة ضعف للدولة (المتمثلة في جهازها التعليمي)ـ و هنا نجد الشاب وقد تعود على مثل هذا الأسلوب، في أن يخرج على حكومته مكتفيا بما أنشأه هو من مجموعات وتنظيمات بديلة عن أنظمة الحكومة التي أخفقت في أداء مهامها. فمجموعات الدروس الخصوصية لها قائد، وهدف، ومواعيد منتظمة تلتقي فيها.. إلخ، مثلها في ذلك مثل أي من المجموعات الأخرى المنظمة.. بل إن مجموعات الدروس الخصوصية اجتمعت على أنها مخالفة لقوانين الدولة إن لم تكن معادية لها. ولنا أن نتصور ما قد يمثله هذا الحس التنظيمي الخارج على قوانين الدولة من خطر على الدولة والمجتمع سويا.

خاتمة
استعرضنا سويا كيف كان للدروس الخصوصية آثارها التي تجعل الشاب بعد انتهائه من تعليمه قد أصبح فاقدا للثقة في مجتمعه ودولته بأجهزتها الحكومية، وأصبح أداة في أيدي غيره، فيكون وسيلة لجلب المال للبعض (المدرس الخصوصي)، و وسيلة للفخر لدى البعض الآخر (الأسرة والأهل). بالإضافة إلى أننا رأينا سويا كيف كانت الدروس الخصوصية سببا في نشأة مجموعات مخالفة لقوانين للدولةز. لا نستبعد أن تتحول إلى تنظيمات إرهابية معادية للمجتمع والدولة بعد خبرة الشاب السابقة في تكوين مثل تلك المجموعات. وهنا أرجو لظاهرة الدروس الخصوصية أن تلقى مزيدا من الاهتمام من حكومتنا المصرية، نظرا لأبعادها الاجتماعية والسياسية (الخطيرة) على المجتمع المصري، حتى لا نفاجأ في يوم ما بتنظيمات غير قانونية قد كونها شبابنا، ونحن في غفلة من زماننا، فنتعجب وقتها ونتساءل. " كيف أتى هؤلاء الشباب بمثل هذه القدرة التنظيمية..؟!"
وقتها سيكون شباب مصر قد اجتمعوا في مثل تلك التنظيمات نتيجة إخفاق الدولة في أداء واجبها تجاههم، كما أخفقت أول مرة عند تعليمهم.
ـــــــــــــــــــــــــــ
إيلاف : 1،2

Monday, January 24, 2005

القاضي منذر وقبة القصر

عبد الرحمن مصطفى ـ مصر

يعتبر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقّب بعبد الرحمن الناصر ، هو أول من اتخذ لقب خليفة من أمراء الأندلس إلى جانب ذلك فقد كان أحد أقوى الشخصيات في العالم آنذاك ..وتحديدا في أوروبا، حيث كان أحد أهم الشخصيات الأوروبية في تلك الحقبة. وكان في عصره قاضيا يدعى منذر بن سعيد البلـّـوطي ، له قصة مع الخليفة سجلها كتاب (تأريخ قضاة الأندلس ) الذي سماه مؤلفه الشيخ أبو الحسن بن عبد الله بن الحسن النباهي المالقي الأندلسي (كتاب المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا).
[ كان الخليفة الناصر أحد أعظم حكام الأندلس .. وكان من أهم أعماله العمرانية بناؤه مدينة (الزهراء) كعاصمة ملوكية جديدة ، و التي بنى له فيها قصرا كان تحفة فنية ، حتى أنه قد جعل سقف إحدى القباب به مغطى بقراميد مغشاة الذهب والفضة ، حتى إذا ما انعكست عليها أشعة الشمس أحدثت وهجا شديدا ، وأنفق في ذلك مالا كثيرا، حتى أصبحت محل حديث زواره..ودائما ما كان يدور ذلك الحديث في بلاطه
يسأل الناصر : " هل رأيتم أو سمعتم ملكا كان قبلي فعل مثل فعلي هذا أو قدر عليه..؟ "

فتأتي الإجابة : " لا يا أمير المؤمنين.. ! وإنك لواحد في شأنك كله ، وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه ، ولا انتهي إلينا خبره..! "

حتى دخل عليه يوما القاضي منذر بن سعيد البلوطي .. فسأله الخليفة عن رأيه في تلك القبة المغطاة بالذهب والفضة .. فترقرقت في عيني القاضي الدموع، حتى سقطت على لحيته، وقال للخليفة :

" والله يا أمير المؤمنين، ما ظننت الشيطان – لعنه الله- يبلغ منك هذا المبلغ ، ولا أن تمَكـِّـنـَهُ من قـِبَلـَـك هذا التمكين ، مع ما آتاك الله من فضله ونعمته ، وفضلك به على العالمين ، حتى ينزلك منازل الكافرين..! "

فانفعل الناصر قائلا له : " انظر ما تقول ..! وكيف أنزلتني منزلتهم.. ؟ "

فقال له القاضي : " نعم..! أوليس الله يقول :

" وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) الزخرف "

فوجم الخليفة ، وأطرق مليا ، ودموعه تتساقط خشوعا لله سبحانه ، ثم أقبل على منذر و قال له :

" جزاك الله يا قاضي .. فالذي قلت هو الحق .. "

وقام عن مجلسه ، وأمر بنقض سقف القبة ، وأعاد قرميدها ترابا على صفة غيرها ..]

انتهت القصة .. و لا أدري لماذا أتذكر دائما تلك القصة عندما يثار الحديث عن استعمال النص الديني.. ! عموما .. لنترك هذا الأمر جانبا ولنعد لقصتنا نتدبّر منها ، ونتعظ .

* فالقاضي فكّر في تصرف الخليفة الناصر ، و لابد أن ذلك قد جعل الآية الكريمة حاضرة أمامه ، فلم يأخذها ليتاجر بها أو يتخذها وسيلة لإضعاف الحاكم ، وتكفيره ، تمهيدا لعزله.

** و رغم قوة الناصر وقدرته في تلك الحقبة التي مكنته كشاب صغير في بداية حكمه أن يدحض كافة الحركات الثائرة والانفصالية التي كانت تعربد في أراضي الأندلس قبل توليه الحكم .. أقول و رغم ذلك لم يعتقل هذا القاضي رغم عنف ما قاله.

*** كذلك.. كان آباء وأجداد عبد الرحمن الناصر من حكام بني أمية قد تعرض عرشهم للاهتزاز مرات عديدة بسبب الثوار و الانفصاليين و الطامحين للحكم في أنحاء الأندلس ، وكان من ضمن هؤلاء أحيانا فقهاء ومتسترين بالدين وقضاة .. ولكن الناصر امتثل لمقولة القاضي منذر لأنها أمرُ الله ، ولأن النصيحة التي جاء بها القاضي إنما جاءت في إطار حديث قد يدور بين اثنين من المسلمين ، فهو نوع من التواصي بالحق من مسلم (قاضي) إلى مسلم (حاكم) .. في الوقت الذي كان فيه حكام أوروبا يطيعون (السلطة الدينية الكهنوتية) وهم صاغرون ، حتى لو أثر ذلك على هيبتهم لدى شعوبهم و أمرائهم.. في النهاية .. أتمنى ألا يظهر من بيننا كهانا من مثيري الفتن ، ومحرضين على إزاحة الحكام بغرض السيطرة على مناصبهم ، تحت دعاوى دينية ، ونصوص دينية مقتطعة
ـــــــــــــــــــــــــــ

Friday, December 24, 2004

علماني كافر

يجهد بعض الإخوة أنفسهم في سباب العلمانية ومحاولة إثبات أنها ضد الإسلام تمهيدا لتجهيز تهمة العلمانيةلأي مجتهد حتى لو كان اجتهاده من خلال النص الديني. وذلك منعا لإجهاد العقل في التعامل مع أي طرح فكري غير تقليدي، فيكون ردهم واجتهادهم فقط في وصم هذا الطرح الفكري باللعنات والنعوت المخيفة بغرض نفيه تماما من على الساحة، بدلا من تقييمه والاعتراف بما قدمه من فائدة حتى لو كان أغلبه غير مقبول.
نعم.. علمانية أوروبا التي تنفي كل صلة للدين بالحكم، لن نقبلها جميعا، وفي الأغلب سيكتب لها الفشل على مر الأيام بين شعوبنا المحبة لدينها. لأنها نبتة أوروبية لا يصلح زرعها في بيئتنا، ولكن لماذا لم نتساءل أولا - دون أن نخوِّن بعضنا – لماذا كان اتجاه البعض منا نحو تلك الفكرة الغربية أصلا..؟! ثم لماذا إذا اشتط أحد هؤلاء لا نعيده إلينا كفرد من جماعتنا و نتناقش في جو آمن بدلا من أن نُظهر الدين –دون أن ندري- على أنه عائق بين طموحاتنا وبين وحدة فكرنا..؟ هذا أمر لا نقبله ، ولا يقبله خالق الدين نفسه.
إن من اتجه إلى العلمانية - على النمط الأوروبي - إنما اتجه إليها هروبا من فكرة أن يكون لفئة ما من المجتمع سطوتها ونفوذها باسم الدين كما كان لكنيسة روما في العصور الوسطى، فكان التعامل مع تلك الفكرة بغرض إزاحة تلك الفئة من الصورة.
لذا فلا عجب إذا وجدنا أن تلك الفكرة قد بدأ تناولها والتعامل معها -ولن أقول الإيمان بها- بعد عهد محمد علي الذي حاول إضعاف النفوذ (السياسي) لرجال الأزهر والأشراف، ذلك النفوذ الذي اكتسبوه على أساس ديني أعطاهم شيئا من القداسة وجعل العامة تهرع إليهم كي يأتوا إليهم بحقوقهم الضائعة، مع وجود فئة التجار التي كان من الممكن أن تكون نواة لطبقة برجوازية قوية.
و لكن للأسف فمفكرينا لم يأتوا إلينا حتى اليوم بالفكرة التي تصلح لمجتمعاتنا بدلا من الأخذ بفكرة أوروبية جاهزة نتجت وتطورت في بيئة و ظروف مختلفة، على الجانب الآخر.. نجد النداءات واللعنات تنصب على (العلمانية) كمدخل لجعلها تهمة جاهزة يتهم بها المجتهدين أو المقترحين حتى لو كان اجتهادهم ذلك من خلال النص الديني. وهنا لا بد أن نتساءل أولا.. كم شخص خرج من بيننا يلعن هذا الدين (هذا غير الذين يقومون بسب الدين كنوع من السباب)...؟! و كم شخص أعلن للناس كفره بالدين..؟! وكم عدد أولئك الذين رفضوا أن يُستخدم الشرع في التشريع والقانون ..؟! قلة قليلة ذات صوت عال ، زعق حولها آخرون من "حماة الدين" فجعلوهم ظاهرة،
ولما كان البعض مستفيدا من وجود هؤلاء ممن لقبوا (بالأعداء) و (العملاء) لعدم قدرته على مواجهة أعدائه الحقيقيين ، فجاء ذلك الاتجاه نحو التكاثر عليهم واستضعافهم لتحقيق أي نوع من النصر في زمن كثرت فيه الهزائم. فتكون الحصيلة لدينا فريقين ،صُنِّفَ أحدهما على أنه إسلامي و صنف الأخر على انه علماني . وذلك رغم أنه من ضمن هؤلاء ممن سموا بالعلمانيين أناسا كان غرضهم طرح فكر جديد ، بل إن منهم من استخدم النص الديني في ذلك. ولأن العلمانية ليست من نتاج ثقافتنا ، فكثيرا ما يخفق من يحاول استخدامها حتى مع استعمال النص الديني في ذلك. ولكن الكارثة ليست في الإخفاق بقدر ما هي في إقصاء تلك الاجتهادات و التعامل معها على أنها ملعونة، مما قد يؤدي إلى تعنت هؤلاء المجتهدين بعد ذلك ممن أرادوا الخير لوطنهم. فكما يقال (العند يورث الكفر) . ولكن الأفضل والأفيد والأصدق لهؤلاء الذين يربطون بين كل من تعامل مع فكرة العلمانية وبين كون تلك الفكرة عير مقبولة و ليست نتاج حضارتنا أو أفكارنا ومن الصعب تطبيقها عمليا في مجتمعاتنا.. أقول أن الأصدق لهؤلاء أن يأتوا بأفكار من اجتهد، ويحاولوا دراستها و نقدها، ليس بغرض إنكارها كلية أو إظهارها بمظهر الكتابات الملعونة، ولكن بغرض تقويمها والوصول بها إلى ما يرضاه خالقنا وخالق عقلنا الذي جعله لنا وسيلة للاجتهاد والتصويب. ولكن حالة "البطالة" الفكرية التي نعيشها تجعلنا نستسهل أن نأخذ بقوالب جاهزة، فإما علمانية غربية تنفي الدين من الحياة السياسية. أو ممارسة كهنوتية للسلطة باسم الدين.
في النهاية أتمنى أيضا ألا نمزج بين فكرة سياسية -العلمانية- كان لها رؤيتها للدين، والتي ظهرت في بيئة وظروف تاريخية بعيدة عنا، وبين ما نعانيه اليوم من ابتذال أو عدم التزام أخلاقي أو حتى قيام البعض من بيننا – وهم ندرة- بالتهكم على الأديان، فلو لم يكن هنالك علمانية، لوُجدت كل تلك الأمور، لأنها تصرفات إنسانية تظهر في ظروف معينة علينا دراستها أولا.
و أخيرا أتمنى ألا يعتبر هذا المقال دفاعا عن الكفر ، الذي لقبه البعض منا "علمانية" .. أو أن يُعتبر دفاعا عن العلمانية التي اعتبرها البعض منا "كفرا".. فأكون بذلك علماني كافر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

Thursday, December 9, 2004

تم إيقاف العضوية..!!

بقلم : عبد الرحمن مصطفى ـ مصر

زملاؤه في العمل لا يرغبون في وجوده بينهم بسبب مقترحاته الدائمة في الشركة، ومع كل اقتراح كان يستعدي زميلا جديدا ضده، زادت حالته سوء بعد أن ذكر له الطبيب المعالج لوالدته أنه لا يوجد علاج حقيقي لمرضها.. يعيش معها الآن بعد أن هجرها إخوته إلى بلاد الله الواسعة وتركوه وحيدا معها دون أن يفكروا في أنه شاب يريد الانطلاق والمرح.. أما هو فاعتبر مساعدته لها فخرا له.. وبسبب وجوده أغلب الوقت في العمل أو في المنزل. كانت متعته الوحيدة هي التعامل مع الآخرين عبر الإنترنت، اشترك في عدة منتديات إلكترونية وغرف للدردشة. لكن .. أحد المنتديات على وجه الخصوص كان يجلس فيه بالساعات..! وفي الفترة الأخيرة.. بدأت عصبيته تزداد أثناء التعامل مع أعضاء المنتدى.. في تلك الليلة، دخل إلى المنتدى، قام بإدخال اسمه وكلمة السر، لكن لم يتم التسجيل .. كرر العملية أكثر من مرة ، ولا فائدة. لفت نظره عند مطالعته موضوعاته بالمنتدى عبارة مكتوبة تحت مشاركاته بالخط الأحمر.. ( تم إيقاف العضوية)..!! .. أغلق جهاز الكمبيوتر في برود ، جلس يفكر حتى قاطعه رنين الهاتف .. رد مسرعا كي لا يوقظ والدته النائمة. كانت المكالمة من زميلته في العمل (أماني).. اتصلت به لتخبره كي لا يفاجأ بأنه سيتلقى غدا خبر إنهاء عقد عمله مع الشركة، أغلق السماعة. عاد ليطمئن على والدته، وجد جسدا باردا لا يتحرك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - 2 - 3

Tuesday, December 7, 2004

الصراحة في غرفة العناية المركزة..!

كنت مارا يوم الأحد 5 ديسمبر ليلا بجانب كاتدرائية العباسية ، فلفت نظري ذلك الجمع الغفير المرابط حولها من رجال الشرطة والأمن المركزي ، والحقيقة أني كنت قد شعرت بالغيظ لعدم معرفتي ما يدور هناك حتى علمت تفاصيل الخبر - كالعادة- من مصدر إعلامي خارج وسائل إعلامنا الحكومية، والذي تحدث عن مظاهرة قام بها مسيحيون عقب جنازة الراحل / سعيد سنبل مطالبين فيها برفع المظالم عن الأقباط.. تلك المظالم التي كان آخرها - حسب زعم البعض- اختطاف زوجة أحد القساوسة من قبل زميل لها في العمل أجبرها على الدخول في الإسلام، و زعم البعض أن الجهات الأمنية تتستر على هذا الأمر.
هكذا قرأت الخبر في "إيلاف" ، ثم سمعته مرة أخرى من محطة الــ BBC التي تحدثت عن مظاهرة "قبطية" حول الكاتدرائية ، فجاءت كل تلك الأمور لتتلاءم مع ما رأيته بعيني في تلك الليلة من تواجد مكثف لقوات الشرطة. والحقيقة.. أن مثل تلك الادعاءات كوجود حالات إكراه على الدخول في الإسلام ليست بالأمر الجديد ، فقد اتهم منذ عدة أيام أمين الحزب الوطني في مدينة أسيوط ، الذي قيل بأنه يعمل على تحويل الأقباط وخصوصا النساء إلى الإسلام.

وأتذكر أنه منذ فترة ليست بالبعيدة ، قد تم توجيه إصبع الاتهام إلى أحد أصحاب محلات السوبر ماركت الذي قيل عنه أنه يستدرج الفتيات المسيحيات على وجه الخصوص من خلال عروض المحل إلى الدور العلوي بالمحل ، وهناك يقوم بإجبارهن على الدخول في الإسلام ، وقيل في بعض الروايات الأخرى أنه قد تم الاعتداء على البعض..! ورغم بلاهة بعض تلك القصص ، إلا أن البعض يروج لها ويعتبرها إحدى مرجعياته في تحديد علاقته مع المسلمين ، خصوصا من أبناء جيلي المرعوب من الحياة ، وما بها من مشاكل.هذا الجيل لم يشهد أحداث الزاوية الحمراء التي عرفت بأحداث الفتنة الطائفية ، و التي كانت كل علاقتنا بها ، هو تلك العبارات التي ذكرها الممثل "أحمد زكي " عن لسان الرئيس السادات في فيلم (أيام السادات)، والتي صورت الأمر على أنه " خناقة عادية بين إتنين مواطنين زي اللي بتحصل كل يوم .. مية غسيل نقطت على الجيران .. والظاهر إن هي مية مش ولا بد يعني .. تطورت إلى أحداث مؤسفة بتصور للعالم إن في مصر فتنة طائفية...إلخ" ، وصدَّق أبناء جيلي هذه العبارات من أحمد زكي ، لأن أسلوب السادات في تناول المشكلة ، هو نفس الأسلوب الذي نواجه به أزماتنا حاليا، فإذا كان هذا تناول السادات فعلا للموقف فعلا وقتها ، فهو تناول سطحي لازلنا نتعامل به حتى الآن في مسألة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين. فمثل تلك الأحداث أو حتى الإشاعات لا بد أن يكون لها دلالاتها لدى أبناء المجتمع ، خصوصا في عصر يفيض بالتعصب بين مختلف الطوائف ،, يظهر فيه فئة "محتكري الأديان" في مختلف الأديان والطوائف.

الأولى بنا - كشعب - قبل الحكومات أن نواجه مسألة عدم الصراحة وعدم القدرة على المواجهة لدى شعبنا ، والتي ينتج عنها دائما أن نلقي باللائمة على أطراف خارجية كنوع من الهروب ، أو أن نهرب إلى التقوقع في داخل جماعات دينية أو شلل (ترفيهية) كل همها المخدرات والحريم..! أما آن الأوان أن نكون أكثر صراحة وشفافية وصدقا مع بعضنا البعض ..؟؟ إننا في داخل الحوارات الرسمية نعترف كمصريين ـ مسلمين ومسيحيين ـ أنه لا توجد أي مشاكل أو مشاعر سلبية بين الطرفين.

ألا تجدون معي أن هذا أمرا غير مألوف ، خصوصا وسط ما نعيشه اليوم من تعصب وتطرف وكراهية للآخرين..؟؟
إنني أجد وسط أبناء جيلي أن المسافات تتباعد بين أبناء الوطن ، ليس فقط بسبب الدين ، بل بسبب أمور كثيرة ، أما عن الدين .. فالبعض ـ مسلم أو مسيحي ـ أصبح يتخذه كهفا يتقوقع بداخله ، فينسي باقي البشر ، الذين يبدأ في النظر إليهم نظرة فوقية مليئة بالنرجسية والتعالي.

فأحيانا أجد بعض إخوتي المسيحيين يتجهون للانزواء والتعامل المتكلف الحذر مع الآخرين ، وأحيانا أجد بعض المسلمين يتعاملون مع المسيحيين بنفس التكلف غير المبرر.. الأمر الذي يجعل العلاقة بين الطرفين تملأها الحساسية.. هذا بالإضافة إلى داء (ضيق الأفق).. فبالرغم من انتشار التعليم عن ذي قبل ، إلا أن ضيق الأفق في تزايد مستمر ، والشخص ضيق الأفق غالبا ما يلقى المشاكل في طريقه ، ولكن مشاكله تلك يصبح لها تفسيرات أخرى إذا ما كانت من شخص مخالف في الديانة. وللأسف .. أجدنا نحن أبناء هذا الجيل أكثر سطحية ، وأقل معلومات ، مما يجعلنا أسهل انقيادا ، وأكثر تعصبا ، ثم أقل حرية و أقل إحساسا بالفردية ، وكل تلك الأمور تصنع شخصا ضيق الأفق، هذا بالإضافة إلى أن قلة المعرفة تدفع بصاحبها إلى الانضمام إلى مجموعة أيا كان تفكيرها، فيخضع لها مقابل حمايتها له من إحساسه بالوحدة وسط هذا العالم المخيف.

في النهاية.. أحب أن اعبر عن رأيي كواحد من جيل الشباب في مثل تلك الحوادث التي تعبر عن حالة الخرس الجماعي الذي يعيشه مجتمعنا و كذلك عن مستقبل الشباب مع مثل تلك الأحداث . أرى أنه إذا لم يتم تحويل الشباب عن ذلك الطريق الذي أصبح فيه الشاب خاضعا مستأنسا للأقوى ، سواء كان هذا الأقوى المتمثل في تدخلات و سلطة الأسرة أو المتمثل في أصحاب الصوت العالي بالمساجد والكنائس، ستكون النتيجة أن يلقى أبناء مصر جميعا مشاكل جمة ستعوق بالتأكيد مسيرة تنمية المجتمع.
خصوصا.. عندما تكون الصراحة المبنية على المعرفة واتساع الأفق قد أصبحت كالمريض بالغيبوبة الذي لا يغادر غرفة الإنعاش.
ــــــــــــــــــــــــــ

Sunday, December 5, 2004

حكمة الملائكة

بقلم : عبد الرحمن مصطفى حسن ـ مصر

حين كان الرئيس الفلسطيني الراحل عرفات محاصرا اندهش الكثيرون من أن يكون رئيس الدولة محاصرا، وكذلك فعلوا حين تقدم أمين سر حركة فتح مروان البرغوثي – المعتقل لدى إسرائيل- ليرشح نفسه رئيسا لفلسطين ، وكأنه يصنع التطور الطبيعي لحال رئيس فلسطين ، فبعد أن كان الرئيس عرفات محاصرا من قبل إسرائيل، يكون الرئيس التالي له ( البرغوثي) سجينا لدى إسرائيل. و رغم أن البرغوثي قد سحب ترشيحه ، ثم عاد إليه مرة أخرى إلا أن فكرة وجوده ضمن المرشحين للرئاسة قد أثارت الكثيرين من أبناء منظمة فتح نفسها ، وهم الذين اعتبروا أن هذا "عبثا سياسيا" ، وتشويشا على دور الحركة.. ولن أدعي أني قد شققت عن صدور رجال منظمة التحرير الفلسطينية لأعلم ما بداخلهم تجاه مروان البرغوثي ، و لكن الدلائل تشير إلى علو نجم الرجل على الساحة الفلسطينية، خصوصا وأن الكثيرين يعتبرونه رمزا للمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. فلماذا لم يتم قبول مروان البرغوثي ضمن المرشحين للرئاسة..؟ هل هي الغيرة ؟؟ أم عدم قدرة شعوبنا على قبول منافسين لحكامهم ينازعونهم في شعبيتهم..؟! أعتقد أن المشكلة الحقيقية هنا ليست مشكلة فلسطينية فحسب، بل هي مشكلة كل قطر عربي لا يقبل بتوزيع القوى السياسية على عدة هيئات أو مؤسسات أو حتى أفراد ، فشعوبنا تؤمن بالحاكم المقدس .. الفرد الصمد.. الذي لا شريك له..! و ما دامت الشعوب العربية تؤله حكامها، وتنظر على الحاكم على أنه إله لا يخطأ ، ولا يُنافس ، ولا يشرَك به .. فبناءا علي ذلك .. لا يجب أن يكون هنالك آلهة أخرى تنازع هذا الحاكم الإله في الحكم ، اللهم إلا أن تكون آلهة للشر..! وبالتالي.. ففكرة أن يكون هنالك عدة مرشحين للرئاسة لن تجد قبولا في بلادنا العربية ما دامت هنالك قدسية للحاكم ، حيث أن ذلك الأمر سيكون نتيجته إما الفتنة ـ تنازع الآلهةـ أو أن يتجه العامة لانتخاب شخص واحد من المرشحين – كبير الآلهة- ويكون باقي المرشحين مجرد ديكور للواجهة المطلة على الشارع الدولي. فالمشكلة التي أثيرت حول ترشيح البرغوثي نفسه في الإنتخابات الفلسطينية المقبلة سببها أن البعض يخشى من تزايد شعبية مروان البرغوثي خلال الانتخابات ، الأمر الذي سيوجد منافس للحاكم الإله الذي سيعقب عرفات بما كان له قداسة كبيرة لدى شعبه، وفكرة أن يكون هنالك منافس لدى الحاكم هي أمر غير مقبول لدى العرب، فهو إضعاف للحاكم، وبداية لفتنة قادمة بين أنصار الطرفين ، حيث أنه من المفترض لدينا ألا يُنازَع الحاكم في شعبيته (قدسيته) من قِبل أحد أيا كان. و أجدني الآن بعد حديثي عن نظرة شعوبنا إلى حكامهم على أنهم آلهة، أتجه بتفكيري إلى الله.. خالق الحكام والشعوب ، لأتذكر موقف الملائكة – التي هي أفضل منا- مع الله خالق الشعوب و الحكام (الذين تم تقديسهم محليا) في موقف يرويه القرآن عن قصة خلق آدم.. فأجد أن الملائكة تسأل ربها – وليس حاكمها- في توقيت ملائم عن المخلوق الجديد ، وحكمة خَلقه، وعندما أمِرَت الملائكة بالسجود لهذا المخلوق الجديد ، سجدت طاعة لأوامر الله الملك ، بينما ظهر حمق الشيطان في تمرده على تلك الأوامر نتيجة قلقه و غيرته من المنافس الجديد فكان تكبره على القوانين الإلهية .. ومع الفارق..للأسف.. نجد أن شعوبنا أحيانا تقع في نفس خطأ الشيطان ، فتتمرد على القوانين، و تثير الفتن نتيجة رفضها أن يكون هنالك منافسا لحاكمها المقدس.. فإذا كان الشيطان لم يقبل أن يسجد لآدم تكبرا وحرصا على مصلحته الشخصية في أن يكون هو الأفضل.. فشعوبنا لا تريد أفرادا متنافسون في الانتخابات ، ثم متعاونون خارجها ، إنما تريد حاكما مقدسا بغير منافس. الشيطان يتمرد على القوانين لمصلحته بعد ظهور منافس جديد لم يعجبه ، ونحن نتمرد عل القوانين ونثير الفتن عندما يظهر منافس لحاكمنا..!! وماذا عن الملائكة..؟! ماذا حدث لها..؟؟ لم يُنتقص من مكانتها من شيء .. أما آدم الذي سجدوا له ، فقد هبط من الجنة مذنبا .. وأما الشيطان ، كان تكَّبره على قبول منافس له قد جعله في لعنة أبدية إلى يوم الدين .. ليتنا نتعلم من حكمة الملائكة التي كانت أكثر ثقة في نفسها، وأكثر التزاما بالتشريعات .. فبمثل تلك الحكمة قد تصبح انتخاباتنا أكثر مصداقية ، بدلا من أن تكون كالموالد الشعبية ، التي يكثر فيها دراويش صاحب المولد.
ـــــــــــــــــ

Wednesday, November 17, 2004

فِتنة طائفيّة

بقلم : عبدالرحمن مصطفى حسن ـ مصر
ما يحدث في العراق وفلسطين أصبح مادة رخيصة للذين يتصيدون أخبار نكسات وهزائم المسلمين كي يندبون وينوحون بها.. و قد جاءت وسط زحام الأحداث أخبار جديدة من أوروبا ، وتحديدا من هولندا ، لتخبرنا عن إحراق و تخريب مبان إسلامية ، عقب مقتل مخرج هولندي على يد شاب متطرف مسلم ، والذي قتله بسبب كون هذا المخرج من أصحاب الآراء التي تَعيبُ في الإسلام والمسلمين ، وهي الآراء التي ظهرت واضحة في آخر أفلامه. ولم ينته الأمر عند هذا الحد ، بل حاول بعض المسلمين الرد على تلك العمليات بعمليات انتقامية مضادة ، حتى تطلب الأمر ذهاب رئيس وزراء هولندا إلى أحد مساجد المسلمين ليطلق من هناك بعض التصريحات التي تدين العنف وتدعو للحوار بين مختلف الطوائف. ولكن.. ما موقفنا نحن هنا أبناء المشرق من مثل تلك الأحداث..؟؟ لاشيء.. فالبعض يعتبر هذا شأنا داخليا . ولكن إذا كان الأمر كذلك ، فهل المسلمين (الأوروبيين) يعلمون هذا الأمر ..؟ هل قلنا لهم ذلك صراحة ، و أعلنا لهم أننا لن نتدخل لهم في شأن يخصهم هم وحكوماتهم..؟ لا.. لقد كان رد الفعل الملموس فقط هو الندب و النواح من قبل هواة صيد مثل تلك الأخبار ، الذين بدأوا في الحديث عن نهاية قريبة للمسلمين في أوروبا ، وعن أندلس جديدة ، وعن الحروب ضد الإسلام في الشرق وفي الغرب..! و لكن ، بعيدا عن كل ذلك ، دعونا الآن نفكر سويا.. لماذا أتى هؤلاء الغربيين أصلا إلى أراضينا ..؟ ألم يكن ذلك تعبيرا عن استهتارهم بنا كدول وحكومات ، و تأكيدا على ضعفنا..؟ فإذا كان الأمر كذلك ، فلنوجه رسالة واضحة للمسلمين في أوروبا ، نحثهم فيها على أن ينتموا بكل أمانة إلى الأوطان التي اختاروا أن يعيشوا فيها ، وأن يبدأوا في كفاح سلمي ورسم صورة لأنفسهم هناك مستمدة من الإسلام ، ومن الثقافة الأوروبية. بدلا من أن ينقلوا عادات الشرق بمزاياها، وعيوبها إلى الغرب ، فيخسروا الغرب - وطنهم الجديد- في الوقت الذي لن ينجدهم فيه الشرق ، الذي لا يستطيع أن ينجد نفسه. أعتقد أنه على المسلمين في أوروبا أن يندمجوا في الغرب ، و أن يكونوا جزءا منه ، بحيث يكون هنالك فرق واضح بين من أقام في أوروبا بغرض التعلم أو العمل ، وبين ذلك الذي أصبح جزءا من الثقافة الأوروبية التي يحمل هويتها . وأعتقد أنه ليس هنالك ما يمنع الاندماج في المجتمعات الأوروبية إلا مسألة الانتماء الإسلامي ، الذي يجعل المواطن الغربي يشعر وكأن المسلمين الشرقيين يحاولون (مشرقة) الغرب، فتستدعي ذاكرته القومية ما كان من الوجود العربي الإسلامي القديم في أوروبا في تلك الفترة التي كانت صورة الإسلام فيها تشوه على يد الكنيسة وأعوانها في العصر الوسيط ، لذا فعلى المسلمين الأوروبيين أن يصنعوا صورة جديدة للإسلام في أوروبا، منابعها من الحضارة الغربية ، دون محاولة إقحام العادات والتقاليد الشرقية عليها، على ألا يكون ذلك على حساب خسرانهم لدينهم أيضا . ولنا أمثلة عديدة لمسلمين استطاعوا تحقيق مثل تلك المعادلة ، فها هم إخواننا في أفريقيا وشرق آسيا لهم انتماءاتهم الأفريقية و الآسيوية ، دون أن يكون ذلك سببا في خسرانهم لدينهم ، رغم محاولات البعض لإقحام الهوية العربية على الدين الإسلامي هناك محاولين ربطها به.
في النهاية ، ليت المسلمين في أوروبا يدركوا حقيقة أنهم أصحاب حق في أوروبا ، بدلا من أن يتعامل البعض منهم وكأنه ضيف يقضى بعضا من الوقت ، حتى يعود من حيث جاء ، فيكون ذلك دافعا لبعض المتطرفين من أهل أوروبا – الأصليين- إلى التعجيل بالمطالبة بعودة هؤلاء – المهاجرين- المسلمين إلى أرض آبائهم وأجدادهم في الشرق

Monday, November 15, 2004

الحس السينمائي : بين الفقيد والعقيد

رحم الله الفقيد/ ياسر عرفات..
سنفتقد بموت هذا الرجل رئيسا عربيا يمتاز بحس سينمائي عال.. ولن يعوض هذا الفراغ إلا الأخ العقيد/ معمر القذافي، فكلاهما كان يتحدث في المقابلات الصحفية، أو حتى في المؤتمرات الدولية وكأنه يصور فيلما سينمائيا. وهانحن الآن نشاهد كلمة النهاية على آخر مشاهد فيلم النجم ياسر عرفات.
لقد كان للفقيد ياسر عرفات العديد من "الإفيهات" التي أضحت ملازمة له.
يا جبل ما يهزك ريح"، "معا و سويا حتى تقام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف"، إلى آخر كل تلك الجمل والعبارات التي لم يمل الرئيس الراحل من تكرارها، مع عدم جدواها، ورغم موت الرئيس الفلسطيني فلا أعتقد أن أحدا من الساسة العرب سيتعظ و يدرك عدم جدوى مثل تلك العبارات الفخمة.
ولعل أخانا العقيد/ معمر القذافي هو أحد هؤلاء المنتمين إلى تلك المدرسة التي تهوى العبارات الرنانة، فهو صاحب تعبير دولة "إسراطين" المعبر عن فكرته في دولة تضم الإسرائيليين و الفلسطينيين، وهو أيضا صاحب فكر "الجماهيرية".. و أعتقد أنه لو كان القذافي قد عرض فكره في هدوء و في أطروحات تقليدية، لكانت رؤيتنا إلى فكره قد اختلفت.
أنا هنا لا أقف لأوزع الاتهامات على القادة العرب وكأن مصر قد سلمت من كل داء، فنحن نعلم جميعا أن قادتنا العظام كان منهم من اتسم بذلك الحس السينمائي، الذي تطور في بعض الأحيان إلى مرحلة من الافتتان بالذات، حتى أن بعض الإخوة العرب يتهمون مصر بأنها من صدَّر (التفيهق)إلى الشعوب العربية، وأن العبارات الرنانة نحن - المصريين - أول من صنعها.
ولكن – في رأيي – أن الأمر ليس بتلك الصورة، خصوصا بعد هزيمة 1967، التي حدَّت قليلا من هذه الروح، و مع ذلك فنحن لا نستطيع نسيان تلك الحالة التي كان عليها عبدالناصر وهو يخطب في الجماهير، كان كأنه يصور فيلما سينمائيا، حتى جاء عام 1967 ليفشل الفيلم فشلا ذريعا.. ثم يأتي السادات من بعده وهو من لم يكترث به الناس، حتى أنهم كانوا يرونه ظلا لعبدالناصر، حتى حقق شيء من الإنجازات، فبدأ أداؤه التمثيلي يزداد تدريجيا حتى أصبح غير مقبولا بعد ذلك، فانتهي فيلمه بمقتل البطل.
والآن.. يبدو لي أن الحس السينمائي التمثيلي لا يرتبط وجوده بفترات السلام والأمان والطمأنينة، أو بفترات الحروب و القلق والخوف. يا ليت هؤلاء الذين انفصلوا عن الواقع وبدأوا في الشعور بأنهم أبطال في فيلم، أن يدركوا أن النهاية قادمة لا محالة، وأن الباقي للناس وللآخرة هو العمل وليس الكاريزما المتصنعة، ولن يفيد أبدا الحس السينمائي بعد أن يكون المرء فقيدا، حتى و لو كان عقيدا.
ــــــــــــــــــــــ

Sunday, November 7, 2004

بين التواصي و الوصاية شعرة

بقلم : عبدالرحمن مصطفى حسن ـ مصر
ألم يحدث لك في مرة من المرات أن ألَحَّ عليك صديق في الذهاب معه إلى المسجد..؟! أو أن سألك في مرة من المرات " هل صليت قبل أن تأتي؟ " أو قال لك " هل قلت أذكار كذا و كذا اليوم..؟! " ربما .. و حينئذ تكون إجابتك إما بنعم أو بلا .. فيكون رد فعل صديقك إما الإعلاء من شأنك، أو العتاب عليك.. وهنا أنا أتحدث بخصوص حدود العلاقة بين أفراد المسلمين ، فهل من حق المسلم ، أن يقوم بالإلحاح في سؤال أخيه المسلم عما أداه من عبادات .. حتى و لو كان ذلك بغرض النصح و التذكرة..؟!
أعتقد أن الإجابة المنطقية هي.. لا، ليس من حقه ذلك. ولكنك عندما تَصدِم صديقك بهذه الحقيقة ، ستجده وقد اتخذ منك موقفا عدائيا ، وقد تنتهي العلاقة نتيجة تفسيراته الخاصة. يقول تعالى: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ (1)إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)صدق الله العظيم وكما يتضح من الآية، أن على المسلمين أن يتواصوا في ما بينهم بالحق ، وبالصبر على الشدائد.. و لكن المشكلة أن البعض لا يستطيع تطبيق مفهوم التواصي هذا بصورة مقبولة. أمر آخر نجده في قول الرسول " ‏انصر أخاك ظالما أو مظلوما " يتعلق بشكل التواصي المطلوب بين المسلمين ، وذلك حين يقف المسلم مع أخيه المسلم حين يُظلم على يد الغير ، وكذلك حين يجده قد اتجه إلى ظلم غيره أو ظلم نفسه ، فهنا يظهر دور المسلم لأخيه المسلم فيرده عن ظلمه. ولكننا إذا عدنا إلى هؤلاء الذين يحاولون اختراق خصوصيتك ، والتحري عن علاقتك بربك ، فنجد أن تصرفهم هذا لا ينتج عنه كثيرا من الفائدة، بل أحيانا يسبب جرحا للبعض ممن قصروا في شيء، فيتولد عن هذا رد فعل عكسي كنوع من الدفاع عن النفس.. و إذا تجاوزنا ذلك إلى تساؤل آخر حول ما تنتهي إليه مثل تلك الأسئلة التي ذكرتها في أول المقال..؟! فإنها في بعض الأحيان تنتهي إلى عدة طرق مؤسفة :
الطريق الأول.. أن ُيسأل الشخص .. فيجيب بصراحة.. فيتصيد الطرف الآخر هذه الصراحة .. ويظهره بمظهر المقصر في دينه ..فيكون العند والتكبر و الحدة هم رد الفعل على مثل تلك الأسئلة.
الطريق الثاني .. يكون رد الفعل على مثل تلك الأسئلة هو الرضوخ وطلب النجدة من صاحب السؤال كنوع من التخلص من هذا الموقف ، فيكون التخلص من صاحب السؤال عن طريق الإطراء عليه و إعطاؤه دورا مزعوما في حياة من ُسئل . وغالبا ما يتسم الحوار هنا بعدم الصدق. ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد ، بل يترتب على ذلك أن يقوم من سَأل بمتابعة الصديق ـ الذي يراه مقصراـ فيبدأ بفرض وصايته عليه ، و أحيانا يكون ذلك من خلال مجموعة (تقية).
الطريق الثالث.. أما في حالة إذا ما كانت إجابتك على أسئلة السائل بالإيجاب ، فهنا تجد الثناء والمدح على أعمالك التي بيد الله، وهو أمر منهي عنه من الرسول ‏الكريم الذي قال "إذا مدح أحدكم صاحبه لا محالة فليقل إني أحسبه كما يريد، أن يقول ولا ‏ ‏أزكيه على الله" .
وهكذا، فالإلحاح على مراجعة الآخرين وعلاقاتهم بالإله ، أمر لا فائدة منه ، بل هو أمر مضر. وإذا كنا نبحث عن وسيلة لتقييم إنسان ، فلا أعتقد أن تلك هي الوسيلة المناسبة. إنما المطلوب هو التذكرة والتنبيه ، إما عن خطأ يمارس أو عن خير فائت ، حتى لا نحول أمر الله بالتواصي إلى محاولة للوصاية

Monday, October 25, 2004

هذا مقال اسلامي

بقلم : عبدالرحمن مصطفى حسن ـ مصر
مثلما أن هنالك بنك إسلامي، و مدرسة إسلامية، ومحل إسلامي.. الخ فلماذا لا يكون هذا المقال أيضا إسلامي..!! فربما يكون السر في ذلك الوصف الذي سيجذب الزبائن والزوار ، ويجعلهم يشعروا بالأمان والطمأنينة لي قبل قراءة مقالي..أما لو أردنا قول الجد.. فأعتقد أن القرآن والسنة لو أصبحا حقا في عقولنا و صدورنا ، لكانت تصرفاتنا تلقائيا تأتي ونحن راضين عنها، ولن نكون حينئذ في حاجة إلى أن نصف أنفسنا بالمسلمين أو الإسلاميين بين كل كلمتين ننطق بهما .. وفي السياسة.. يكون لهذا الوصف (الإسلامي) بريقا آخر ، وذلك عندما يحاول البعض تحويل الإسلام إلى مذهب سياسي.. وحينئذ ، يكون تحويل الدين إلى مذهب سياسي دافعا إلى التعامل مع القرآن والسنة بانتقائية..! بمعنى أيسر فنكون وكأننا نقوم بتفصيل ثوب صغير( مذهب سياسي) من هذا القماش العريض اللانهائي (القرآن والسنة).. فبدلا من أن يكونا القرآن وسنة الرسول في داخلنا ، عليهما الآن أن يكونا غطاءا خارجيا لما نقوم به من أعمال.. فيكون الحزب إسلامي.. والبنك إسلامي .. ومحل الملابس إسلامي وكأن كل صاحب نشاط ينتقي من الدين قطعة القماش التي ستفصَّل كي تكون رداء لنشاطه.. مع أن الطبيعي أن يكون في داخلنا القرآن وسنة الرسول معا ، فتكون أفعالنا مبنية على هذا الأساس ، فيكون نظام دولتنا - تلقائيا- مبني على هذا الأساس أيضا.. و لكن ما نراه هو ذلك التكرار على المسميات الإسلامية ، والتأكيد على الهوية الإسلامية.. فما معنى أن نجد جماعة إسلامية ، ومدرسة إسلامية ، وبنك إسلامي ، محل إسلامي ،..الخ ، في دول الغالبية العظمى من سكانها مسلمين..؟!! قد يرد البعض هنا بأننا فعلا مسلمين ، ولكن الدولة لا تسير على تعاليم الإسلام ..! ولو افترضنا جدلا هذا الأمر.. فمَن السبب في ذلك..؟ الحكام.. ومن أين أتوا الحكام ..؟! جاءوا من الشعب.. وهنا أعيد فكرتي مرة أخرى ، لو كانت نصوص القرآن - التي يجب أن نؤمن أن إدراكها سيختلف من جيل إلى جيل - إلى جانب أفعال الرسول، مختزنة في قلوبنا وعقولنا، لكانت أفعالنا مبنية على هذا الأساس ولكان دستورنا يقوم على القرآن والسنة دون أن يكون دستورا (إسلاميا) ، ولكان تعليمنا ، و اقتصادنا ، و سياستنا يعمل بما في القرآن والسنة دون أن يكون تحت مسمى إسلامي.. لا أدري..! إنني عندما أجدنا نكرر لفظ إسلامي .. وإسلامية.. أجدني أشعر أننا وكأننا دخلنا في الإسلام حديثا ، ونتحدث بهذه الصورة لأننا "محدثين نعمة" .. أو أننا كالمرأة اللعوب التي تذكر كلمة (الشرف) بعد كل كلمة . فهي تعمل بشرف .. وأغلى شيء في حياتها هو الشرف .. وتتحدث عن النساء الآخرين عديمي الشرف ..الخ أعتقد أن تعامل البعض منا مع الإسلام على أنه غطاء.. أو وصف .. أو رداء.. هو الذي يدفعنا للبحث عن لصق الإسلام بأفعالنا ، كنوع من تأنيب الضمير ، حيث أننا نعلم أننا نضيق واسعا عندما نبحث - بتكلف وتصنع - في كل نشاط عن شكل إسلامي، بينما الطبيعي أن نكون أكثر طبيعية ،عندما نكون على وعي بديننا ، فيأتي تعاملنا مع مختلف الأنشطة طبيعيا ... لا أن ننتقي من الدين الجزئيات الخاصة بنشاط ما و نضيفها أو نقحمها على النشاط كما تعلق الصورة على الحائط كي يكون للنشاط علاقة بالدين.. بل المفترض أن يكون الدين في تفكيرنا ، وقبل فعلنا عند أي تعامل ، وقبل وضع أي فكرة.. فنكون نحن الدين نفسه يسير عل الأرض. أليس الرسول الكريم محمد كان قرآنا يمشي على الأرض كما وصفته أم المؤمنين عائشة..؟! ولقد كان يعيش الصحابة على طريقتهم الأولى ، فدخلوا الإسلام .. ولأنهم كانوا أكثر ثقة في أنفسهم منا ، فلم يكن عندهم هذا النقص الموجود لدينا الآن ، فتعاملوا مع مختلف الشعوب ، ووُضعوا في مختلف المواقف الصعبة والجديدة .. فتعاملوا معها بتلقائية من يعيش المنهج بداخله.. أما نحن فعلينا الآن أن نبحث في سر هذا التكلف الذي نعيش به ، فأصبحنا وكأننا ننافق الإسلام بأن نضع اسمه على أنشطة حياتنا ، وكأنه شخص نريد أن نرضيه لقداسته.. بينما في اعتقادي أننا يجب أن نكون نحن أنفسنا الإسلام..! أليس رسولنا كان تجسيد القرآن..؟! وفي النهاية أريد أن أذكر أن فكرة أن يحتكر البعض الصفة الإسلامية دون الباقين ، هي بداية كل خطر ، وفيها استعداء لباقي أفراد المجتمع ، وقد تولد تيارا مضادا

Thursday, October 21, 2004

نحن والدين .. من يخضع للآخر ؟!

بقلم : عبدالرحمن مصطفى حسن ـ مصر
هل حدث في يوم من الأيام أن نظرت إلى الدين على أنه كائن حي..؟! وبدأت في تحديد العلاقة بينك وبينه ، ومن منكما يخضع للآخر .. ربما لم يحدث هذا من قبل.. تعال نتحدث حول هذا الأمر .. حول علاقتنا بالدين..!

هل نحن خاضعون للدين ؟ أم أن الدين هو الخاضع لنا..؟ سيجرنا هذا التساؤل جرا إلى أمر آخر، وهو .. ما هو الدين أصلا..؟ وهنا، لنتفق على تعريف بديهي بدلا من أن نتجه إلى المراجع التي تختلف توجهات مؤلفيها، ولنعتبر أن الدين هو تعليمات الإله - للمؤمنين بوجود إله – التي وجهها للبشر بغرض أن يعملوا على تطبيقها في دنياهم وذلك من خلال نص أنزله إليهم . فالخالق هو الأعلم بما خلق ، وهو الأدرى بتنظيم العلاقة بين الدنيا والبشر.. ولكن.. أليس البشر مختلفون ..؟! والدنيا تتغير بتغير الزمن..؟! إذن فمن المفترض أن يكون هنالك مناهج مختلفة من الخالق لهؤلاء البشر المختلفين تتغير بتغير الزمن. وهذا ما كان ، حتى جاء الإسلام ، فأصبح لكل بشر آت ، وكل زمان قادم ، لذا اعتنى الخالق بأن يكون هذا الدين الأخير لائقا لكافة البشر ولكل العصور القادمة. مع العلم.. أن الخالق قد أخبر البشر في نفس المنهج الذي أرسله إليهم أنه مع مسيرة الأيام سيبدأ الناس في الابتعاد عن هذا المنهج الأخير (الإسلام) ، حتى يعود غريبا كما بدأ ، وهذا أمر منطقي لتطور الأحداث عبر الزمان. ومع مرور الزمن نستطيع ملاحظة علاقة الناس بالدين ، وذلك عن طريق ملاحظة فريقين من الناس .. الفريق الأول .. يرى في الدين نوع من التعليمات التي عفا عليها الزمن ، ومرت عليها العديد من القرون ومن الواجب الابتعاد عنها، لأنه من الحمق أن نتبع ما هو قديم.. حيث أن ترك تلك التعليمات أمر يسير ، وله متعة خاصة، خصوصا عندما يتحول تارك الدين إلى بطل أو زعيم. أما الفريق الثاني.. فيؤمن بهذه التعليمات التي أنزلت منذ قرون عديدة.. ولأنها أنزلت منذ قرون عديدة فقد نظر إليها أصحاب الفريق الأول على أنها قديمة ، بينما رأى أصحاب هذا الفريق الثاني أن الصورة المثلى للحياة كانت وقت نزول الدين (عصر السلف)، وكأنهم نسوا أن هذا الدين مفترض فيه أن يكون صالح لكل بشر آت ولكل عصر قادم ، وكأنهم بذلك اتفقوا – دون أن يعلموا- مع أصحاب الإتجاه الأول في أن تعليمات الإله (الدين) قديمة ، فأخذوا يقلدون السلف بدلا من أن يتعلموا منهم. إذن فأمامنا الآن فريقان.. الأول ، رفض الدين لأنه قديم ، والثاني، تمسك بالدين على أنه قديم . وكلا الفريقان اتجه هذا الاتجاه في تحديد علاقته بالدين ، هروبا من التعامل مع النص الديني، فاحتقر الأول النص ، واتجه الثاني لتقليد من كان يعيش بالقرب من عصر نزول النص.. وهنا نعود لنتذكر مرة أخرى أنه من المفترض أن يكون آخر الأديان (الإسلام) صالح لكل بشر آت ، ولكل عصر قادم ، ولكن الفريقين السابقين قد نظرا للدين على أنه مرتبط بحقبة ما على رغم من تعارض الفريقين. إذن فعلينا ألا نهرب من النص الديني سواء بالكفر به ، أو بتقليد السلف في تكلف، فيصبح الدين في الحالتين وكأنه دين السلف فقط، أو أنه تراث. فالإسلام ـ نظريا ـ هو دين السلف ومن بعدهم حتى نهاية التاريخ ، خصوصا وأن النصوص ثابتة في أي وقت ، فتتحدد علاقتنا بالدين من خلال قراءتنا للنص الديني. ومن أئمة الإسلام من فسر تلك النصوص فشكلت تفسيراته و رؤيته في بعض الأحيان مذهبا باسمه ، هذا بالإضافة إلى ما قدموه للمسلمين من علم حُفظ باسمهم حتى اليوم . ولكن عندما يختزل الدين في مذهب واحد ، أو تفسيرات شيخ واحد أيا كان عصره ، فهذا في اعتقادي ظلم للنصوص الدينية ، مع العلم أن هؤلاء الأئمة لم يقولوا برأيهم في الدين ، إنما اجتهدوا من خلال اللغة وما تركه من قبلهم.
إذن فيظل أملنا في بقاء علاقتنا بهذا الدين متزنة ومتماسكة ، ببقاء الاجتهاد الذي سيحكمه النص والظروف الزمنية المحيطة ، وذلك حين يأتي الجيل من الناس فينظر فيما قدمه من قبله من تفسيرات و اجتهادات ، فينتقي منها ما يلائم ظروفه.. أو أن يقدم جديدا فتصبح إضافة في قائمة طويلة من التفسيرات و الإجتهادات. وهذا هو عمل من يريد أن يجدد أمر دين هذه الأمة.. " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها أمر دينها " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآن.. ريما نستطيع الإجابة على السؤال الذي طرحناه في البداية.. هل نحن خاضعون للدين ؟ .. أم أن الدين هو الخاضع لنا ..؟ في رأيي أن الإجابة هي أن الدين هو الذي يخضع لنا ، وذلك رغم أن النص لا يخضع لنا لا بتغيير أو بتعديل.

Saturday, October 16, 2004

يارايحين الغورية

بقلم : عبد الرحمن مصطفى حسن
كثيرا ما يحدث أن نمر بمناطق الأزهر والحسين ، أو الموسكي والعتبة ، سواء بغرض
الصلاة في أحد المساجد الكبيرة الموجودة هناك ، أو بغرض شراء بعض المستلزمات. وفي رمضان يتجه البعض لتناول طعام الإفطار أو السحور بجانب مسجد سيدنا الحسين ، وهكذا تنحصر علاقتنا بهذه المناطق فقط في تلك الأسباب، وغالبا لا نلتفت إلى ما في تلك المناطق من آثار عظيمة لازالت باقية لتشهد على عظمة مدينة القاهرة.
و ربما تكون قد سمعت عزيزي القاريء عن القاهرة الفاطمية، وما تحويه من مساجد ، ومنازل ، ووكالات أثرية ، هذا بالإضافة إلى الأحياء، والحواري ، و الشوارع التي مازال بعضها يحمل نفس تسميته منذ مئات السنين.. ولكن .. ما هي القاهرة الفاطمية ..؟!
عندما قرر الفاطميون اتخاذ عاصمة لهم في مصر ، اختاروا منطقة تقع شمال الفسطاط ، قليلة المباني ، وأقاموا حولها سورا له ثمانية أبواب ، لم يتبق منها اليوم إلاَّ ثلاثة فقط.
باب زويلة (بوابة المتولي) وتقع في منطقة الدرب الأحمر ، وبابي الفتوح والنصر ناحية منطقة باب الشعرية والجمالية. و العجيب أن هذه الأبواب الثلاثة المتبقية ، ستجد منها باب زويلة في أقصى جنوب القاهرة الفاطمية ، بينما بابي الفتوح والنصر قابعين في أقصى شمال القاهرة الفاطمية ، وكأن هذه الأبواب الثلاثة تحدد لك نطاق القاهرة الفاطمية من الشمال والجنوب.. هل رأيت هذه البوابات أو الأبواب من قبل ..؟ لو كانت إجابتك لا.. فاعلم أن الأمر سهل.. فكم مرة نسير في شارع بورسعيد ونمر بمنطقة باب الخلق ، فهناك و بمجرد أن تدخل إلى الشارع الذي تقع عليه مديرية أمن القاهرة ستجد بوابة المتولي شامخة من بعيد ، وحتما ستلفت نظرك ، وستجد أمامها مسجدا رائع البناء ، هو جامع الصالح طلائع .. لا تتردد في الدخول إلى هذا المسجد ، ستجد بالقرب منه شارع الخيامية المميز. هل تعرف ذلك الشارع الذي يقع بين المسجد والبوابة ..؟! إنه شارع الدرب الأحمر.. بمجرد أن تترك قدميك تسير في هذا الشارع ، ستجد كمَّا ليس بالقليل من المساجد والمدارس الأثرية، حتى تصل في النهاية لتجد القلعة في مواجهتك..!
والآن .. لنعد إلى بابي الجنوب (باب الفتوح ، وباب النصر).
لعلك سرت في يوم من الأيام قادما من العتبة متجها إلى العباسية عن طريق شارع الجيش.. فقط، بعد أن تمر على جامع الشعراني في ميدان باب الشعرية ، ادخل يمينا في الشارع الكبير القادم (البنهاوي) ، سيلفت نظرك بقايا سور القاهرة القديم ، وما يتم فيه من أعمال ترميم ، و ستجد أول باب (باب الفتوح) ثم يليه باب النصر.. أما إذا دخلت من باب الفتوح ستجد على يسارك جامع الحاكم بأمرالله ، المعروف لدى العامة بجامع "الأنور"..
جرب يا أخي الكريم أن تصلي الجمعة مرة في هذا المسجد ، و ستندهش حقا وتتساءل كيف لم أكتشف هذا المسجد من قبل.؟!
ثم انطلق عبر هذا الشارع الذي يقع عليه المسجد ، في تلك المنطقة البعيدة عن مواصلات هيئة النقل العام ، ستجد بيت السحيمي على يسارك ، ثم سيلفت نظرك أسماء الشوارع التي هي نفس أسماء ثلاثية نجيب محفوظ ، فأنت الآن في شارع بين القصرين (المعز لدين الله حاليا) ، وبجانبك السكرية ثم قصر الشوق الذي سيأخذك إلى جامع الحسين في النهاية. وبعد أن تولِ ظهرك للحسين عابرا الطريق إلى الجامع الأزهر ستجد خلف الجامع منطقة الغورية ، وهناك حاول أن تسترق النظر و أن تتطلع إلى وكالة الغوري ، و تأمل ما بها من عظمة البناء . و إذا كنت قد شاهدت وكالة "بازرعة" التي تركتها الآن في الجمالية بعد عبورك للغورية.فقل أيهما أروع بناءا..؟
لا تتعجل في الإجابة ، فالرحلة لم تنته بعد..
فبإمكانك الدخول إلى شارع العقادين (المعز لدين الله حاليا) ، وهو امتداد للشارع الموجود في الجمالية ، وستجد هناك البعض ممن أخذتهم أرجلهم هروبا من شارع الموسكي المزدحم.
أتعلم يا أخي الكريم،ماذا ستجد في نهاية هذا الشارع..؟!
ستجد بوابة المتولي .. تلك البوابة المتبقية في أقصى جنوب القاهرة الفاطمية. أرأيت كم هو سهل التجول بين آثار الماضي الباقية.. ؟!!
فقط إذا أردت أن تشعر بعظمة مدينة القاهرة ، تجول بين أبوابها الثلاث المتبقية، حينئذ ستجد كمَّا عظيما من الآثار الإسلامية المتبقية . و أساس دعوتي اليوم ، هو ألاَّ نجعل منطقة القاهرة الفاطمية مجرد " نزولة " إلى العتبة أو الموسكي أو الغورية لشراء بعض المستلزمات ، ولا حتى مجرد وجبة إفطار أو سحور بجانب مسجد سيدنا الحسين. أعلم أن دعوتي لك قد تكون غريبة بعض الشيء..! ولكن بمجرد أن تجد في تلك المناطق سياحا غربيين بأيديهم خرائطهم و هم يقومون بالتجول والتأمل ، ستشعر أننا فقدنا الكثير حينما جعلنا القاهرة الفاطمية ، مجرد "نزولة" تسوق أو "أكلة" في الحسين.
يا رايحين الغورية ، والدرب الأحمر ، والسيدة زينب ، والخليفة ، و الجمالية ، وباب الشعرية .. تمتعوا بتاريخ القاهرة ، فربما نشعر بعظمة تلك المدينة، و عندئذ تتغير طريقة تعاملنا معها إلى الأفضل .

Thursday, October 7, 2004

حان الآن .. موعد الأذان

بقلم : عبد الرحمن مصطفى حسن
عندما أعلن وزير الأوقاف المصري عن خطته في ربط جميع مساجد القاهرة بشبكة صوتية واحدة يذاع من خلالها الأذان في وقت واحد وبصوت مؤذن واحد مركزيا، هبَّ الكثيرون معارضين للفكرة.. ولم يتم ذلك بعد تفكير أو نقد .. إنما تم على أساس التشكيك في نوايا المسئولين، وأن القرار جاء بتعليمات من أمريكا ضمن مخططها لهدم الأمة ، وان هذا الوزير كانت له سابقة خطيرة عندما أعلن عن نيته في تجديد الخطاب الديني، وأن هذه مؤامرة هدفها أساسا إسكات أذان الفجر..! وربما لم يلاحظ أغلب هؤلاء أن مدة الأذان المذاع حاليا في التلفزيون المحلى قد تم اختصارها عن طريق المونتاج ، وذلك بإزالة أجزاء من مدد السكوت الموجودة في بين كل جملة والتالية.
ــــ تنازع السلطة

من أهم أسباب المعارضة إحساس العاملين في المساجد من مؤذنين وأئمة وشيوخ أن الوزارة تسعى لإحكام قبضتها على المساجد، وهو أمر غير مرغوب فيه.. فلو نظرنا إلى مساجدنا سنجد أن لكثير من المساجد مجلس إدارة ، أعضاؤه هم مجموعة من (الحُجّاج)، في الغالب يقومون على الإمامة ، وأحيانا إلقاء الدروس في غياب الأمام. أما المساجد الصغيرة فتدار غالبا من قِبل الأهالي، وربما تجد شخصا يعمل في المسجد فقط لأن الأهالي تعطف عليه ، دون أي علاقة بالوزارة. هذا بالإضافة إلى فوضى التعامل مع الميكروفونات ، التي أصبحت في بعض الأحيان أشبه بأداة إنذار، وليس نداء للصلاة. إذن.. عندما يأتي السيد الوزير، ويحاول تنحية هؤلاء ، و وَضْع نفسه في صورة من ينظم الفوضى، كان ولا بد أن يقف هؤلاء الفوضويون في وجهه . هؤلاء الذين ينادون بالشيخ أو الحاج ، والذين هم في نظر الوزارة فوضويين ، لن يقبلوا بكسر هيبتهم أو تدخل (الحكومة) في شئونهم، فهم في نظر أنفسهم أفيد للدين من الحكومة.
ــــ حول الفكرة

إذا نظرنا إلى الفكرة نفسها، فسنجد أنفسنا نتساءل بعض الأسئلة:-
أولا : إذا كنا نتحدث عن توحيد إذاعة الأذان بصوت جميل، وذلك بغرض أن نبتعد عن أصحاب الأصوات المنفرة وحجتنا في ذلك أن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) ، قد اختار بلال بن رباح مؤذنا لجمال صوته.. فلماذا لم نقتد به منذ البداية واخترنا الأصوات الجميلة كي تؤذن للصلاة ؟
ثانيا : من أكبر المشاكل التي تواجه السكان هي مشكلة علو صوت المكبرات بصورة فجة .. فحتى لو تم إذاعة الأذان مركزيا ستظل المكبرات على نفس درجة صوتها لم تتغير . وهنا نتساءل .. أليس معنى هذا أن إذاعة الأذان مركزيا لن تقدم شيئا مفيدا للناس؟
ثالثا : ماذا عما تقوم به بعض المساجد من إذاعة قرآن ما قبل صلاة الجمعة على ميكروفوناتها الخارجية بصوت عالى؟ وماذا عن إذاعة صلاة التراويح في رمضان على الميكروفونات عالية الصوت؟ كيف سيتم التحكم في ذلك ؟
ــــ نتيجة

والآن .. ألن يعاني السيد الوزير من مشكلة كبيرة في السيطرة على القائمين على إدارة المساجد ؟ وأن مثل تلك الفكرة إنما جاءت من حنقه على دكتاتورية هؤلاء الأخيرين؟ حيث أنه كان الأولى بالسيد الوزير، أن يوجه هؤلاء المهندسين الذين ستكون مهمتهم القادمة توحيد ميكروفونات القاهرة على صوت واحد ، إلى أن يقوموا بمهمة رقابية ـ من صميم عملهم ـ وهي متابعة أصوات ميكروفونات مساجد القاهرة ، حرصا على راحة الناس. كما أنه كان من واجب الوزارة أن تتابع أولئك الذين يعملون في المساجد ، أو من يعملون على إدارتها، ليس فقط من ناحية أصواتهم ، ولكن من ناحية أخلاقياتهم. فلا يكفي لقب "حاج" كي أقوم على إدارة بيت من بيوت الله ، وبالطبع أنا أقصد بالإدارة هنا ، تلك المشاريع التي تقوم بها العديد من المساجد، بالإضافة إلى النشاط الثقافي بالمسجد.
إذن.. كانت عدم قدرة الوزارة على مواجهة هؤلاء ـ خاصة في مساجد الأهالي خارج مساجد الأوقاف ـ سببا في مثل هذا القرار، الذي لا يستبعد أن يكون غير جِدِي، إنما جاء الحديث عنه بغرض إثبات قدرة الوزارة على التفكير في مثل تلك القرارات . كذلك ، كانت عدم قدرة الوزارة على المواجهة سببا في اتجاه البعض إلى عدم مواجهة الوزارة (الحكومة) بما في صدره ، عن طريق إطلاق الشائعات والتجني على شخص الوزير واتهامه بالباطل.

Monday, September 20, 2004

علمانية

بقلم : عبد الرحمن مصطفى حسن ـ مصر
"علماني كافر" ، "يريدونها علمانية، فيعود الإسلام غريبا " ، "هؤلاء من ضيعوا الدين فسيضيعهم الله" .. إلخ. تلك بعض العبارات التي نسمعها دائما عندما يأتي الحديث عن العلمانية، التي أصبحت مرادفا للكفر لدى شريحة كبيرة من الناس، على الرغم من أن أغلب المسلمين المتجهين لاستغلال تلك الفكرة الأوروبية غرضهم الأساسي هو الإصلاح..!
و كما يعلم البعض منا أن العلمانية لم تكن شرقية المنشأ بأي حال من الأحوال .. إنما نشأت نتاج تفكير أوروبي بحت يسعى لحل أزمة المجتمع الأوروبي الذي خرج رجال الدين المسيحي فيه عن دورهم ، و دأبوا على منازعة الحكام سلطانهم ، فأرادوا السيطرة على الناس من خلال الدين حتى يصلوا إلى الحكم، من خلال سيطرتهم على الأمور الدنيوية إلى جانب الأمور الدينية .
وقد كانت الحركة الصليبية حلقة في هذا النزاع بين رجال الدين والملوك والأمراء على اختطاف السلطة الزمنية، حين أصبح رجال الدين هم من يأمرون الناس للخروج إلى تلك الحملات ، بل أصبحوا يأمرون الملوك أنفسهم بذلك ويُصدرون ضدهم قرارات الحرمان الكنسي في حالة عدم استجابتهم.. فيتم إذلال الملوك وخضوعهم للسلطة الدينية .
من هنا، كان رد الفعل الأوروبي ضد كل هذا .. هو محاربة تلك الفئة ( السلطة الدينية المتمثلة في رجال الكنيسة) وكسر نفوذها الذي أفسد أوروبا وجعلها مرتعا للجهالة ..
فجاء فصل الدين عن الدولة ... الدين المتمثل في أي سلطة دينية وأي نص ديني ، حيث أن استخدام النصوص الدينية في الحكم سيجعلها منفذا لدخول رجال الدين مرة أخرى للحكم ... رجال الدين الذين كانوا من قبل قد احتكروا قراءة الكتاب المقدس وتفسيره (المكتوب باللاتينية) .
وهكذا نجد أن العلمانية مفيدة لأوروبا فبها تحررت وانطلقت تغزو العالم (بعيدا عن قيادة رجال الدين كما في الحروب الصليبية) . أما هنا في بلاد الإسلام : وفي اعتقادي أن اتجاه البعض في بلادنا إلى العلمانية إنما هو رد فعل على قيام البعض من بيننا - ليس بدافع تقليد الأوروبيين طبعا - بمحاولة القيام بدور مشابه للدور الذي كان يقوم به رجال الكنيسة في العصور الوسطى ، أي محاولة استخدام الدين في الوصول للحكم أو حتى مناطحة الحاكم ، والادعاء بأنه بعيد عن الدين .
و كثير ممن يؤمن بالعلمانية ، ينظر إليها من وجهة نظر أخرى غرضها الإصلاح، لا بغرض إنكار الدين .. ولكن لأن الفكرة غربية فتطبيقها صعب ، والواجب هو الإتيان بفكرة جديدة لعلاج استغلال البعض للدين ، وذلك على يد مجموعة من المفكرين الذين هضموا فقهنا وتراثنا ومشاكلنا ليأتوا بفكر جديد .
ولكن حتى يتم ذلك فعلينا الانتظار ، ومتابعة ما يقوم به المتحدثون باسم الإسلام والمسلمين من مهاجمةٍ لما يقدمه أولئك بدلا من تقويمهم وتعديل فكرهم للخروج بنظرية جديدة .
ولكن لماذا نتجادل ونفكر ونتعاون.. ؟! فالبعض يستفيد من كونه يظهر بصورة البطل المسلم ، حامي الإسلام ، خصوصا وأنه يكتسب قوة أكثر وأكثر بمثل تلك الأمور قد تؤهله فيما بعد لمناطحة الحاكم !
إذن عندما يختفي هؤلاء الذين يستغلون الدين للوصول إلى مآربهم سيختفي أولئك الذين يريدون نفي الدين من حياتنا.
وعموما فمن النادر أن نجد شخصا مسلما يخرج إلى الناس زاعما أن هذا الدين يضر بحياتنا ويفسدها ولابد من هجرانه (وقد يحدث) ، إنما في الغالب أن ما يحدث هو استغلال سقطات لبعض الكتاب أو التفسير السيئ لما كتبوه ، وذلك من قِبَل أولئك الذين يزعمون أنهم حماة الدين ، ومن بعض المتسرعين ، وبالطبع يثير ذلك حفيظة الناس ويستغل تدين شعوبنا وحماسة بعض الشباب منا (الشباب الذي لا يقرأ كثيرا) . وتدور المعارك .. بالضبط مثلما كان يفعل رجال الكنيسة في العصور الوسطى عندما أثاروا حمية الناس في دعواتهم الصلييبة ، لتعود مرة أخرى نفس الدائرة على الساحة، تلك الدائرة التي يدور فيها طرفان أحدهما يحتكر الدين ، والآخر يريد نزع الدين وطرحه بعيدا خارج الدائرة حتى لا يحتكره أحد بعد ذلك .
وربنا يهدي الجميع

Wednesday, September 15, 2004

ستة شباب مصريون

بقلم : عبد الرحمن مصطفى حسن ـ مصر
محمد سعيد أبو دهب ، محمود جمال عزت علي، مصطفي يوسف المحمدي، سالم يسري محمد، عماد سعيد التهامي ، و مصطفي علي أبو ضيف ، هم ستة طلاب جامعيين مصريين ، يواجهون حاليا عدة تهم من قبل السلطات الإسرائيلية تتمثل في " التخطيط لخطف واغتيال عسكريين إسرائيليين ، والاستيلاء على أسلحتهم وعلى دبابة وقتل طاقمها وسرقة مصرف ميتزبي رامون ثم العودة إلى مصر مع المال من اجل تمويل عمليات أخرى ضد إسرائيل " .
و تطالعنا الأخبار عن هؤلاء الفتية، أنهم طوال الفترة من 2001 ـ 2004 وهم يخططون للقيام بعمليات ضد الجيش الإسرائيلي ، تتمثل في عمليات قتل، و كذلك عمليات أسر لعسكريين إسرائيليين من أجل المساومة عليهم لإطلاق سراح الأسري في السجون الإسرائيلية ، وأن هؤلاء الطلبة المصريين قد حاولوا قبل ذلك تخطي الحدود الإسرائيلية عدة مرات، ولكنهم فشلوا.
و قد قبض عليهم الشهر الماضي بعد أن تخطوا بالفعل الحدود الإسرائيلية وتوغلوا لثلاثة كيلومترات في داخل إسرائيل، وعندما ضبطوا.. وُجدَ معهم 14 سكينا وأجهزة راديو ومنظار ومصابيح كهربائية. العجيب في أمر هؤلاء الفتية أنهم لا ينتمون إلى أيٍ من الجماعات التي تتبنى مثل تلك العمليات، خبر غامض .. و ربما تأتي الأيام القادمة بمزيد من التفاصيل عنه.
يتشابه هذا الخبر مع حادثة جرت في عام 2001 عندما توجه خمسة مراهقين (مابين 12 – 17 عام) إلى حدود مصر مع إسرائيل من وراء ذويهم من أهل بني سويف ، للاشتراك في الانتفاضة مع إخوانهم الفلسطينيين، وقام رجال الأمن المصري بضبطهم وإعادتهم لأهلهم بعد ذلك.. ولعل أول ما يتبادر للذهن هو موقف الحكومة من مصير هؤلاء الفتية، فهو موقف معقد لأن هؤلاء الطلبة قد تحملوا أن يقوموا بعمليتهم هذه على مسئوليتهم، فإذا حدثت ضجة إعلامية حولهم ، اهتبلت إسرائيل الفرصة لتروج للعالم أن المصريين يبعثون بأبنائهم لينهبوا خيراتها ويقتلوا أبناءها.
وقد تَفتح ملف عمليات الهروب التي يقوم بها البعض إلى داخل إسرائيل تحت وطأة الظروف الاقتصادية.. فعلى سبيل المثال منذ يومين فقط .. سلمت إسرائيل السلطات المصرية مجموعة من السودانيين ـ من أهل دارفور المقيمين في مصرـ بعد ضبطهم أثناء محاولتهم الفرار إلى داخل إسرائيل بحثا عن عمل.. إذا فموقف الحكومة صعب. وخصوصا ، وأنها تبدو وكأنها لا تستطيع السيطرة على مواطنيها ، أو بمعنى آخر لا تستطيع الحفاظ على السلام مع إسرائيل ، أي أنه لو تكررت مثل تلك العمليات مرة أخرى ـ ولو بتدبير من إسرائيل نفسها ـ فسيعطي ذلك إسرائيل الفرصة للمطالبة بملاحقة (الإرهابيين) ، أيا كانوا.. حتى لو كانوا في داخل سيناء.
أما على الصعيد الداخلي.. فلمثل هذا الحادث مؤشرات خطيرة، فاليوم يجتمع مجموعة من الشباب، ويخططوا لأمر ما طوال ثلاث سنوات، على أن يتم تنفيذ هذا الأمر خارج مصر. إذا . فلنتوقع أن يفكر البعض بعد ذلك – كمرحلة تالية - في أن يخطط لأمر ما يتم تنفيذه في داخل مصر، خصوصا وأن مثل تلك العمليات يكون تنفيذها في الداخل أسهل. وعلى الرغم من الحزن الشديد على هؤلاء الفتية ، إلا أنه يؤخذ عليهم إتباعهم ذلك الأسلوب، خاصة أننا لا نريد صنع عرب أفغان جدد سواء في فلسطين أو في العراق.

Saturday, August 28, 2004

الصحافة والسبوبة

بقلم : عبدالرحمن مصطفى حسن
سين، و باء، و واو، و باء، وتاء مربوطة .. كلمة لن تجدها في المعاجم و لا في القواميس، مع كونها أساس لإدارة بعض الأعمال الخاصة في مصر، وفيها يتطفل الفرد على مجالات أخرى بعيدة عن عمله الأصلي بغرض الكسب السريع . وقد أصبحت الصحافة بالنسبة للباحثين عن الكسب السريع، مجرد "سبّوبة" يتم تحقيق المصالح و جني الأموال من ورائها، حتى لو تم ذلك عن طريق استغلال حاجة العديد من الشباب إلى العمل.
ولكي تدرك حجم المشكلة.. ضع نفسك محل شاب يبحث عن عمل، ستجده يتابع إعلانات الوظائف الخالية، خصوصا عندما يكون هذا الشاب طالب، أو في انتظار التجنيد، أو ليس لديه (واسطة) تعينه في مكان محترم، فيلفت نظره إعلان كالآتي: " مطلوب لجريدة كبرى : محررين و مندوبي إعلانات و علاقات عامة"، يتصل الشاب تليفونيا.. فتخبره السكرتيرة أنهم يطلبون شخصا ليعمل بوظيفة محرر صحفي ، فيذهب إلى العنوان فيفاجأ بأن العنوان عبارة عن شقة عادية لا تدل معالمها على وجود أي عمل صحفي ، وأحيانا أخرى يجد نفسه وقد دخل إلى شركة دعاية وإعلان، أو إلى شركة سياحة.. إلخ ، ويفاجأ أكثر عندما يجد البعض من المتقدمين للوظيفة قد سافروا من بلادهم خصيصا لحضور المقابلة.

و بعد أن يقدم الشاب مؤهلاته وجزءا من أعماله المكتوبة سابقا، وما أن يقبل في الوظيفة، يجد نفسه مطالبا بالعمل كمندوب تسويق لمنتجات الشركة صاحبة الجريدة. فعلى سبيل المثال قد يجد نفسه يجري مقابلة مع محامي أو دكتور ثم يعرض عليه بعد المقابلة الصحفية أن يصنع له كروتا شخصية، و طبعا يكون ذلك في المطبعة التي يملكها صاحب الجريدة (المزعومة)، أو أن يعرض عليه التعامل مع الشركة السياحية التي تمتلك الجريدة.
كل هذا إما بدون مقابل، على أساس أن ذلك نوع من التدريب الصحفي، وأن الجريدة لم يصدر عددها الأول بعد، أو أن يكون المقابل هو تلك (العمولة) التي يحصل عليها الشاب بعد أن ينجح في اصطياد الزبون.
وبعد فترة، تغلق الجريدة التي لم يصدر منها أي عدد بالأسواق، وذلك بعد فترة من الكلام الكبير مع المحررين الشبان عن العدد الزيرو، وقرب موعد صدور العدد الأول، وعن واجباتهم نحو جريدتهم، والتي من الواجب عليهم أن يتكاتفوا مع بعضهم البعض حتى يصدر عددها الأول، وما إلى ذلك من الحوارات. تغلق الجريدة التي لم تفتح أصلا ، ويجد الشاب نفسه وقد عمل كمندوب للتسويق بدلا من محرر صحفي، ويعود مرة أخرى ليكتب مقالاته ثم يضعها في درج مكتبه، ويبحث عن وظيفة أخرى غير وظيفة المحرر الصحفي.
هكذا هي" سبوبة" الصحافة، والسؤال الآن إلى متى ستستمر هذه الفوضى؟! .. الله أعلم.

Wednesday, July 28, 2004

خبر في صفحة الحوادث

كان الجو حارا, والعرق يتصبب من جبينه بالرغم من وجود أجهزة التكييف داخل محطات مترو الأنفاق. بدأت حرارة الجو في إثارة عصبية البعض, أما هو.. فقد وقف في هدوء ينتظر مجيء المترو. في أثناء ذلك, لفت نظره لفتاة ممتلئة القوام, ترتدي الجينز الأزرق الضيق, مع تلك البلوزة الصفراء التي أبرزت كافة مفاتنها, معها شاب مفتول العضلات بدا له كواحد من أولئك الذين يعتمدون على الأحماض الأمينية و المقويات التي تجعل عضلاتهم متورمة هكذا. استفزه منظر جلوس الفتاة ذات الملابس المثيرة مع الشاب في انسجام, حتى أنهما لم يهتما لأمر مجيء المترو, بينما انحشر صاحبنا بين الناس أثناء تدافعهم لدخول عربة المترو.
وفي أثناء انتظار سماع تلك الصفارة التي تسبق غلق أبواب المترو.. تلتقي عيناه بعيني الفتاة , يغمز لها بعينه وهو يبتسم ابتسامة باهتة.. تحاول أن تتجاهله.. ويزحف التوتر على ملامحها. كانت أبواب المترو قد بدأت في الانغلاق, في الوقت الذي لاحظ فيه الشاب مفتول العضلات ما يقوم به صاحبنا مع رفيقته، وفي ثوان قليلة.. كان أمام عربة المترو التي بها صاحبنا.. يسبه ويلعنه.
ولما كانت أبواب جميع عربات المترو قد أغلقت, فقد دفع ذلك صاحبنا إلى الاستئساد في وجه رفيق الفتاة, وكلاهما وراء زجاج باب عربة المترو.. فقام بعمل إشارات غير لائقة بيديه و أصابعه للشاب مفتول العضلات.
- ده لو مسكك حيبهدلك
عبارة وجهها له الرجل المسن الواقف بجواره, والذي كان متابعا للموقف منذ البداية.. زادت تلك العبارة من توتر صاحبنا, الذي تصنع عدم الاكتراث. ولم يطمئنه إلا إحساسه بأن المترو قد بدأ في التحرك. حينئذ فقط حدث أمر من النادر أن يحدث.. توقف المترو الذي لم يسير إلا مسافة لن تتخطى المترين بأي حال من الأحوال.. و الأدهى من ذلك, أنه و بعد فترة قصيرة.. تُفتَح أبواب المترو, والتي كانت إحداها مغلقة على قدم أحد الركاب, مما دفع زوجة هذا الراكب التي انهارت لهذا المنظر إلى استخدام الزر الأحمر الخاص بحالات الطوارىء.
هذا ما ذكره الخبر الذي نشر في صفحة الحوادث لإحدى الصحف, تحت عنوان (علقة ساخنة لشاب يعاكس فتاة بصحبة خطيبها), كانت العلقة الساخنة من نصيب صاحبنا, و الذي ضُرب على يد بطل الجمهورية في المصارعة نتيجة قيام المجني عليه بمعاكسة خطيبته الحسناء. بعد أن فُتحت أبواب المترو..!
ــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, July 27, 2004

عفوا.. فلنكتف بهذا القدر

بقلم : عبد الرحمن مصطفى حسن ـ مصر
كنت وقتها طفلا صغيرا يصطحبه والده إلى المسجد الجامع لصلاة الجمعة, ولم نكن ندري أنه كان يصلي معنا في نفس المسجد, وقبل إقامة الصلاة مباشرة, تقدمت الصفوف لرؤيته, وبالفعل, نظر إلي وتبسم, فلم أصدق أنه هو, ففرت إلى جانب والدي و أدينا الصلاة, ثم رأيت تجمهر الناس من حوله بعد الصلاة فتأكدت أنه هو, وذكرت لكل أقراني وقتها أن ياسر عرفات كان يصلي معنا في نفس المسجد, وأنه تبسم لي. كانت تلك الحادثة في نهاية الثمانينيات, وكان ياسر عرفات قد عُرف وقتها كزعيم وممثل للشعب الفلسطيني, و رغم ذلك فقد كان عليه الكثير كي يتحول إلى شخصية دولية مقبولة عالميا, وقد تم ذلك بعد قبول التفاوض مع الإسرائيليين.

ــــ رجل سلام في زي عسكري

يخوض عرفات بعد ذلك طريق السلام الذي رفض خوضه من قبل مع الرئيس السادات, فتبدأ مباحثات مدريد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, ثم يلي ذلك توقيع اتفاقية أوسلو في عام 1993, فيكون انسحاب إسرائيل من غزة و أريحا في العام التالي, وتزدهر الأمور أكثر لعرفات بأن ينال جائزة نوبل للسلام في نفس العام, ليتحول إلى بطل للسلام برغم ماضيه كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية, التي كان البعض يعتبرها منظمة إرهابية. وبعد اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995, و برغم مقتل رايبن شريكه في جائزة نوبل للسلام، يصبح عرفات في يناير 1996 أول رئيس للسلطة الفلسطينية بعد انتخابه بنسبة تفوق 88 % من الأصوات.

ــــ زعيم و رئيس حتى النهاية

و هنا يصبح عرفات أكثر الشخصيات الفلسطينية شهرة دولية و قبولا إعلاميا, إضافة إلى ذلك فهو لم يتخذ الصفة الإسلامية الجهادية لنفسه, مما أعطاه تميزا, هذا إلى جانب تاريخه النضالي الطويل. ولكن, وعلى الرغم من عدم استقرار الأمور مع إسرائيل و تعثر المفاوضات معها, إلا أن نوعا من الاستقرار قد حدث بين الفلسطينيين, وأقصد هنا ذلك الاتفاق غير المعلن على أن عرفات هو الزعيم الأبدي للفلسطينيين, وأنه قد تحول إلى تلك الحالة التي عليها أقرانه من الرؤساء في مصر وسوريا و ليبيا, أي أن يبقى في منصبه حتى يتوفاه الله. ولكن على ما يبدو أن ذلك الأمر قد دعا الرجل إلى أن يركن إلى الراحة, فيدب الفساد في الإدارة الفلسطينية, حتى يصل إلى الأجهزة الأمنية, بل إن حوادث الفساد لم تقتصر على الجانب المالي فحسب, بل امتدت إلى الجانب الأخلاقي, فنجد على سبيل المثال في الفترة الواقعة قبل انتفاضة الأقصى, أنه يتم معاقبة ثلاثة من كبار ضباط جهاز الشرطة الفلسطينية, بعد اتهامهم بإدارة شبكة للدعارة و ممارستهم للابتزاز.

ـــــ عرفات و الفساد

لعل التنظيم الإداري للأجهزة الأمنية الفلسطينية يساعد أكثر على الفساد, نظرا لضعف السيطرة المركزية عليه, حيث أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تتسم بالكثرة, وقد كان ذلك متعمدا منذ البداية حتى لا يتحول أفراد الأمن الفلسطينيين يوما ما إلى قوة عسكرية لها القدرة على مواجهة إسرائيل, ومن ثمَّ دخلت المحسوبية مع الفساد كردِ فعلٍ لضعف السلطة المركزية, وكنتيجة أيضا لسياسة عرفات الخاطئة في التعامل مع الفاسدين, فنجده منذ عدة أعوام (عام 2001) يفرج عن أحد المتهمين في قضايا الاختلاس, والذي اختلس أموالا من الصندوق القومي الفلسطيني الذي كان يرأسه, وقد جاء قرار الإفراج دون إبداء أسباب واضحة. ولعل مثل تلك الأمور قد دفعت البعض إلى تصديق الشكوك حول فساد عرفات نفسه, وبالنسبة للمتابع فقد يتخطى الأمر مرحلة الشكوك.
فوكالات الأنباء العالمية تتناقل أخبار السيدة سهى عرفات, والتي ذكرت بعض التقارير عنها أنها تتلقى أموالا من زوجها تقدر بالملايين وتحوَّل إلى حسابها في باريس, فمنذ عدة أشهر أثيرت قضية السيدة سهى حين أكد مكتب المدعي العام في باريس أنه يريد فحص تحويلات من مؤسسة سويسرية إلى حسابين منفصلين لسهى في باريس خلال الفترة الواقعة بين يوليو 2002 إلى يوليو 2003.
وتصف السيدة سهى تلك التقارير التي تتحدث عن تحويل 9 ملايين يورو لحسابات باسمها بأنها كاذبة و مجنونة, و أن شارون يسعى لتشويه صورة زوجها عن طريقها, و ليغطي أيضا على فضائحه هو و أسرته, ورغم ما تذكره السيدة سهى عرفات, إلا أن تقريرا أصدره صندوق النقد الدولي يتحدث عن 900 مليون دولار قد نقلت من حسابات السلطة الفلسطينية إلى الخارج, في الفترة الواقعة بين عامي 1997إلى 2003. حتى قريع رئيس الوزراء الفلسطيني (المستقيل), كان اسم عائلته ضمن قضية أثيرت منذ عدة أشهر داخل أروقة المجلس التشريعي, عن قيام البعض بتهريب أسمنت مصري إلى الإسرائيليين, و استخدامه في بناء المستوطنات و الجدار العازل, ولم تتضح صحة هذا الأمر من عدمه!
واتخذت مسألة الفساد داخل السلطة الفلسطينية بعدا دوليا, فها هو الرئيس الأمريكي بوش يطالب في تصريح له منذ أكثر من عامين بتغيير القيادة الفلسطينية, ويصف المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع فاسد ولا يتمتع بالشفافية. ويؤكد وزير خارجيته كولن باول رأي بوش, بأن قال وقتها " نريد قيادة فلسطينية جديدة نستطيع التعامل معها", وكان رد فعل السلطة حينذاك أن أمريكا تريد عميلا لها في الأراضي الفلسطينية. ورغم كل تلك الأمور يظل عرفات في منصبه, ويجدد انتخابه رئيسا. ولكن في نفس الوقت يتزامن مع كل تلك الأمور, قيام المنظمات الفلسطينية- ذات الطابع الجهادي - بعملياتها من تفجير و ما إلى ذلك, مما يجعلها تصطدم أحيانا مع السلطة التي لا تريد للأمور أن تخرج أكثر عن سيطرتها, حيث أن تلك الفصائل قد حازت على التعاطف والتأييد الشعبي, و خصوصا بعد ما قامت به إسرائيل من اغتيال لقادتها. ويبدو أنه سيقدر لتلك الفصائل المسلحة تشكيل مرحلة جديدة في حياة عرفات (المحاصر).

ــــ الإحلال

لما كان البقاء للأقوى, ولما كانت الفصائل الفلسطينية المسلحة كحماس و كتائب شهداء الأقصى و غيرها, هي التي تمارس الفعل الوحيد الذي يقوم به الفلسطينيين, في الوقت الذي ظهر فيه عرفات عاجزا حتى عن مواجهة الفساد الذي دب في الأجهزة الأمنية و الإدارية التي تقع تحت سلطانه, كان من الواجب على الأقوى أن يحل محل الأضعف, وقد بدأت مظاهر ذلك الأمر تظهر بالفعل, وبدأ التجرؤ على السلطة, وإن لم يكن الأمر موجها لشخص عرفات, حيث أنه الآن قد أصبح لدى شعبه أحد هؤلاء الرؤساء الذين لا يتركون مناصبهم إلا بموتهم. فها هي حركة (حماس) تسعى - في شهر إبريل الماضي- إلى أن تقوم هي على إدارة قطاع غزة في حالة انسحاب الجيش الإسرائيلي منه, وقد قوبل طلبها بالرفض من جانب السلطة الفلسطينية التي تعللت بأن لها مؤسساتها و أجهزتها الأمنية التي تستطيع أن تؤدي واجبها بكفاءة. ثم نجد بعض الجماعات الفلسطينية المسلحة تنتقد عرض مصر المساعدة في تسيير أمن غزة, من حيث إعادة الهيكلة والتدريب, ونجد كتائب شهداء الأقصى المنبثقة عن حركة فتح – التي يرأسها عرفات –­­ تقوم بالتعامل الفردي مع بعض المعروفين بالفساد, سواء بالخطف أو بغيره, بالإضافة إلى الإعدام مع المتعاونين مع الاحتلال, هذا فضلا عن انتقادها العلني للسلطة الفلسطينية على ما تغلغل فيها من فساد ومحسوبية. إذا فلدينا الآن عددا من الفصائل الفلسطينية وقد ضج بأخبار الفساد الموجود داخل أجهزة السلطة الفلسطينية, و خصوصا الأمنية منها.

ـــــ الصِدام الأخير.. ليس الأخير !!

لعل مسألة عدم توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية تثير حفيظة الكثير من الفلسطينيين, فكما ذكرنا من قبل أن تفرق الأجهزة الأمنية الفلسطينية و كثرتها, و عدم إحكام قبضة السلطة الفلسطينية عليها, قد جعلها أوكارا للفساد والمحسوبية و الشللية, وقد جاء تعدد تلك الأجهزة نظرا لنشأتها الأولى هكذا, حتى لا تتحول في يوم من الأيام إلى جيش في وجه إسرائيل. أما اليوم, فقد أصبح هذا الوضع يمثل خطرا على إسرائيل نفسها, فالأفضل لإسرائيل أن تحكم السلطة الفلسطينية قبضتها على الأمن الفلسطيني بدلا أن يقوم غيرها بذلك, ولن يتم ذلك إلا بأن يتم توحيد أجهزة الأمن الفلسطيني وتقليص عددها, وخصوصا بعد قيام عناصر فلسطينية مسلحة الأسبوع الماضي, باختطاف مجموعة من الفرنسيين للفت الأنظار, إلى جانب اختطاف عدد من المسئولين الفلسطينيين, وحرق المنشآت الحكومية وذلك بغرض الضغط كي يتم الإصلاح. لذا كان قرار عرفات بأن يتم توحيد تلك الأجهزة الأمنية ليصبح عددها ثلاثة فقط, بعد أن أصبحت مسألة الانفلات الأمني تمثل مشكلة حقيقية, وخصوصا أن هنالك ضغوطا خارجية على عرفات كي يقوم بنقل مزيدا من الصلاحيات الأمنية إلى رئيس وزرائه. ولكن جاء إخفاق عرفات دليلا على حالة الانهيار التي يعيشها, وذلك في الوقت الذي تعلو فيه أسهم الفصائل المسلحة. فكان الصدام. حيث أن ياسرعرفات قد اختار قريبه اللواء موسى عرفات لمنصب مدير الأمن الفلسطيني, وكأنه يؤكد للجميع أن المحسوبية قد أضحت قانونا في داخل السلطة الفلسطينية, والأكثر من ذلك أن موسى هذا تعتبره الفصائل الفلسطينية المسلحة عدوا للمقاومة, فكانت المواجهات المسلحة بين اللواء موسى و العناصر الفلسطينية المسلحة, والتي كان منها قيام كتائب شهداء الأقصى بالسيطرة على مقر الاستخبارات في خان يونس ثم إحراقه. وقبلها بقليل نجد عددا من الاستقالات يقدم وعلى رأسها استقالة رئيس الوزراء, التي لا ندري هل قدمها لكسب الصلاحيات الأمنية التي حثت عليها العديد من الأطراف خارج فلسطين, أم أن تلك الاستقالة تهربا من المسئولية ؟! ورغم الهدوء النسبي للأوضاع حاليا, إلا أن السبب الأساسي لتلك الفتنة لم يزل حتى الآن, ألا وهو وجود الفساد و المحسوبية في داخل السلطة الفلسطينية.

ــــ رسالة إلى عرفات

سيدي الرئيس عرفات.. إنك لست مثل حسني مبارك أو القذافي أو الأسد, فهؤلاء جميعا في دول مستقرة نسبيا, أما أنت فمن السهل الانقلاب عليك لولا الخوف من الفتنة, فقد تركت الفساد يرعى من حولك, مع ازدياد قوة الفصائل الفلسطينية من حولك أيضا, وأظن أنه قد آن الأوان كي تنسحب في هدوء, وأن تستقيل من منصبك هذا, بدلا من أن تقضي بقية عمرك منفيا بواسطة الإسرائيليين, أو أن تقتل على يد أحد المتهورين من أبناء شعبك, وفي كلا الحالتين, سيكون الضياع مصير الفلسطينيين إلى أن يشاء الله.
سيدي الرئيس.. فلنكتف بهذا القدر, ولتترك الأمر لمن هو أصح منك و أجدر منك بالحكم.