Tuesday, May 6, 2014

صلاة الاستخارة ضيف جديد على انتخابات الرئاسة


يستعد أحمد حسين كغيره من شباب الدعوة السلفية، لأداء صلاة الاستخارة قبل موعد التصويت فى الانتخابات الرئاسية المقبلة، على أمل أن يكون اختيارهم هو الاختيار السليم، ويأتى ذلك بعد إعلان حزب النور ومجلس شورى جماعة الدعوة السلفية، دعم المشير عبدالفتاح السيسى، وأداء عدد من الأعضاء صلاة الاستخارة فى اجتماع أقيم يوم السبت الماضى فى مدينة الإسكندرية، ويقول أحمد حسين الذى يشغل منصب أمين لجنة الاعلام بمحافظة القاهرة فى حزب النور: «ما الغريب فى أن يلجأ أبناء الدعوة السلفية إلى صلاة الاستخارة قبل التصويت؟ فالأصل فى الاستخارة هو الاستعانة بالله، لحسم اختيار تمت دراسته من قبل، حتى لا يشعر المسلم بالندم فى حالة عدم اتمام اختياره».
وكان الدكتور ياسر برهامى، نائب رئيس الدعوة السلفية بالإسكندرية، قد دعا شباب الدعوة السلفية إلى النزول لاختيار الحاكم بعد أداء صلاة الاستخارة.
ولم يكن لجوء أبناء الدعوة السلفية إلى صلاة الاستخارة هو الحالة الأولى من نوعها، إذ سبقها خروج المستشار مرتضى منصور فى مؤتمر صحفى قبل أسابيع، وإعلانه الانسحاب من سباق الانتخابات الرئاسية بعد أدائه صلاة الاستخارة، إذ ذكر المستشار المنسحب أنه رأى رؤيا على حد قوله، اعتبرها علامة من الله على أن هذه المرحلة هى توقيت تولى المشير السيسى رئاسة مصر.
فى جانب آخر يرى الدكتور عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن فى جامعة الأزهر، أن صلاة الاستخارة ليست مطلوبة قبل اختيار المرشح الرئاسى، مستندا إلى أنه لا توجد سابقة فى التاريخ الإسلامى حول هذا الأمر، ويشرح الدكتور عبدالفتاح إدريس وجهة نظره، قائلا: «لم يرد عن أى فرد من الصحابة الأوائل أنهم أدوا صلاة الاستخارة قبل أخذ البيعة لأبى بكر الصديق، أو عمر بن الخطاب، وليس هناك سند شرعى لهذا الأمر». ويفرق أستاذ الفقه المقارن بين الغرض من صلاة الاستخارة والهدف من عملية التصويت الانتخابى الذى يضعه فى مرتبة «أداء الشهادة». ويوضح ذلك: «إن الله يقول فى كتابه العزيز، ولا تكتموا الشهادة، وعملية التصويت هى بمثابة شهادة فى حق الأجدر من المرشحين، وهى واجب على كل مواطن، لذا فالأمر ملزم، ولا يحتاج لاستخارة».

Thursday, February 27, 2014

البروفايل.. تلخيص القصة الصحفية في شخصية


 عبدالرحمن مصطفى

قبل أن تكتب "بروفايل"، لابد أن تعتنق مبدأ مهما، وهو أنك تكتب عملا صحفيا لا يقل أهمية عن الخبر، والفيتشر، والقصة الخبرية، والحوار، والتحقيق .. البروفايل وسيلة لتقديم معلومات عن موضوع من خلال شخصية، وحتى يتمكن الصحفي من التوغل في عرض هذه الشخصية، لابد من اتخاذ زاوية للكتابة، هذه الزاوية ستمكن الكاتب من تحقيق أهدافه. من ضمن هذه الأهداف:

-          متابعة تطور مكان: كتقديم شخصية يتقاطع تاريخها مع تاريخ المكان.

-          فهم حدث طاريء: يتحول البروفايل هنا إلى عامل مساعد، شيق وإنساني في خدمة المحتوى الخبري في الصحيفة، عبر تقديم الشخصية مسار الحدث.

-          التعمق في شخصيات مختلفة: يبحث القاريء أحيانا عن شخصيات مختلفة وتجارب جديدة، لا يتيح لها الاعلام مساحات مناسبة.

-          نشر التفاؤل: من أكثر موضوعات البروفايل جاذبية، هي التي تعرض لقصة نجاح يتوحد معها القاريء باحثا عن الأمل والتفاؤل.

-          كشف التفاصيل الغائبة: أحيانا ما تغيب المعلومات عن تفاصيل الأخبار، وتتجمع كافة الخيوط بأيدي شخصية مفتاحية تكشف لنا مسار الأحداث.

وتتقاطع كتابة البروفايل مع كتابة الفيتشر، خاصة في استعارة أنواع المقدمات أثناء الكتابة، ويحتاج الصحفي إلى التحلى بمهارات لغوية عالية، إذ لا يكفي سرد مجموعة من التفاصيل والخلفيات التاريخية عن شخص، بل يتعدى ذلك إلى الدخول إلى عالم واسع مفتاحه مع هذه الشخصية، ومن الواجب أن يتم عرض ذلك بشكل شيق، حتى لا يتحول الأمر إلى ما يشبه التقرير التقليدي.

قبل البدء في الكتابة هناك مجموعة من التجهيزات، كأن يتم تحديد زاوية التناول، إذ أن عنصري الزمان والمكان قد يتحكمان في طريقة التعامل مع الشخصية، فإذا كتب أحدهم عن شخصية الدكتور محمد مرسي المتحدث الرسمي باسم الكتلة البرلمانية للإخوان (2000-2005)، فإن كتابته ستختلف تماما عن محمد مرسي الرئيس المعزول. وفي كل الأحوال على الصحفي أن يتساءل قبل أن يقابل مصدره، لماذا الآن؟ ومن أين يستمد المصدر جاذبيته التي تحوله إلى موضوع يهم القاريء؟ وأن يتخلى الصحفي عن إنحيازاته وأفكاره المسبقة.

يتعرض الصحفي أحيانا لأزمات أثناء كتابة البروفايل، حين يستحيل لقاء الشخصية المستهدفة، على سبيل المثال كان من الصعب إجراء حوار بين صحفي مصري ومدير المخابرات العامة اللواء عمر سليمان في العام 2005، لكن هناك من تغلب على ذلك بجمع معلومات وعقد لقاءات مع رجال مطلعين ساعدوه في رسم صورة لدور هذا الرجل داخل الدولة، وقد يروي الصحفي "حكاية سياسية" من خلال بروفايل ذي لغة شيقة، اعتمادا على البحث والحصول على ما هو متاح من معلومات، ودون لقاء المصادر، وهذا ما يتعرض له الصحفيون كثيرا في قسم "الخارجي" أو أخبار العالم. ووسط هذه الطرق في الكتابة لابد من تحليل المعلومات قبل تقديمها، حتى لا يكون المنتج النهائي مجرد سيرة ذاتية في قالب صحفي. وحسب أحد صحفيي "نيويورك تايمز" التي تميزت بتقديم البروفايل فإنه يؤكد على أهمية البروفايل كمدخل لفهم قضية، ضاربا المثل بما كتبه في مرة عن أحد الموردين في مصر، وكيف عرض من خلاله صورة للاقتصاد غير الرسمي في القاهرة، وهي مهمة لا تخلو من مشقة وتعب.

وفي ضوء كل ذلك لابد من اتخاذ بعض التجهيزات قبل الكتابة، من أهمها:

-          جمع أكبر قدر من المعلومات الأرشيفية عن الشخصية والظروف المحيطة بها، كما يفضل التواصل مع مصادر تستطيع تقديم معلومات إضافية، لأن ذلك يفيد بشكل كامل قبل لقاء الشخصية.

-          تحديد زاوية الكتابة والهدف من التعامل مع الشخصية المستهدفة، وتحديد القضية أو الموضوع الذي يمكن تقديمه من خلالها.

-          التفكير في الصورة المصاحبة للموضوع، سواء باختيار صورة أرشيفية معبرة، أو بالتنسيق مع المصور ومناقشته في زاوية التناول قبل اللقاء، وغالبا ما ترتبط الصورة مع العنوان الرئيسي للبروفايل.

-          التجهيز لإجراء حوار مع الشخصية، مع الوضع في الاعتبار ألا تقتصر الأسئلة على زاوية الموضوع، بل التعرف أكثر على روح هذه الشخصية، وتطورها حتى اللحظة الحالية، والنقاش مع الشخصية حول المعلومات التي جمعها الصحفي.

قد تبدو المقاربة بعيدة على البعض، حين نشبه كتابة البروفايل بالكتابة عن البطل الدرامي في الرواية، لكن الواقع في لحظة الكتابة يكون متقارب إلى حد كبير، إذ تتضح الشخصية الدرامية حين ينجح الكاتب في إبراز صراعاتها، وعرض ظروف تطورها، وارتباطها بالمكان، هذه العوامل لا تكون بعيدة أثناء كتابة البروفايل، لذا فالبروفايل الجيد هو الذي يقدم لنا شخصية درامية بأسلوب صحفي.

Thursday, February 20, 2014

كتابة الفيتشر الصحفي .. مساحة لجذب القارئ إلى عالم الأخبار



عبد الرحمن مصطفى

يهدف الفيتشر الصحفي (القصة الإنسانية) إلى إضفاء مزيد من العمق في التناول الخبري، ومحاولة تلطيف المحتوى الصحفي بالاقتراب من حياة الناس، ويمتاز الفيتشر بأنه أكثر أشكال الكتابة الصحفية صمودا أمام الزمن، ما يضعه أحيانا في صفحات نوعية أو أسبوعية.. وأمام كاتب الفيتشر اختيارين، الأول هو الكتابة عن موضوعات خارج الإيقاع الخبري السريع، كأن يكتب عن اهتمامات الناس وجوانب أخرى من حياتهم، كأن يزور مكان مميز كما نرى في هذا الموضوع “برقاش يعني سوق الجمال”، أو أن يكتب عن مبادرة شبابية تعمل لإصلاح المجتمع دون صخب، أما البديل الثاني فهو أن يتجه صحفي الفيتشر إلى البحث عن الهامش الذي يجعلنا نفهم عمق الحدث وخلفياته وجوانبه، وعلى الصحفي في هذه الحالة أن يبحث عن مصادر جديدة بعيدا عن المصادر التي استهلكت أثناء التغطيات الصحفية.

على سبيل المثال، كان حادث مقتل الجنود المصريين في رفح، أثناء إفطارهم في رمضان عام 2012 كارثيا بدرجة جعلت كافة وسائل الإعلام تتجه لا إراديا ناحية الخبر، ووسط هذا الزحام كان في الإمكان تناول فكرة عن شباب سيناء المتطوعين في المجال الخيري – أثناء شهر رمضان- وكيف يعمل هؤلاء وسط حملة عسكرية على الإرهاب. هذا الموضوع كان يمكن كتابته أيضا حال لم يقع حادث رفح، وستكون زاويته في تلك الحالة عن مشقة العمل الخيري في مجتمع سيناء المهمش، لكن وقوع الحادث جعل زاوية الموضوع عن العمل الخيري وسط أحداث ساخنة. وهنا ننتقل إلى خطوات اختيار فكرة الفيتشر وخطوات تنفيذها.


* الفكرة: على الصحفي أن يبتعد عن الحدث قليلا، ويتعامل معه كقضية تمس شريحة من المواطنين، ثم يطرح زاوية للتناول، كأنها خيط يتتبعه أثناء الكتابة، محاولا إبراز مبررات اختيار الفكرة واهميتها لدى القارئ، فسواء كان موضوع الفيتشر عن عالم الليل والسهر، أو عن تحضيرات الطلاب للإمتحانات، فالقارئ ينتظر تفاصيل لن يصل إليها سوى عن طريق كاتب الموضوع، كما أن زاوية كتابة الموضوع هي الهيكل الذي سيمنحه الصحفي جسدا بكلماته، على أن تكون الزاوية جديدة وغير مستهلكه.


المصادر: احشد لقصتك أقصى ما تستطيع جمعه من المعلومات قبل لقاء المصادر، من بيانات وتفاصيل عن طبيعة المكان، والاستعانة بمعلومات من شخصيات قريبة من فكرة الموضوع، والأهم من ذلك أن يكون ضمن المصادر شخصيات يدرس الصحفي من خلالها تأثير الأحداث وطبيعة المكان.


* العنوان : يعتاد الصحفي حين ينهي كتابة خبر أو تقرير أن يجعل العنوان هو آخر ما يكتبه قبل النشر، لكن النصيحة الأفضل لصحفي الفيتشر، هي أن يضع عنوان قصته في رأسه قبل البدء في العمل، وذلك لسبب بسيط، هو أن العنوان أحيانا ما يلخص زاوية الفيتشر. وتتبدل العناوين بين عنوان مكثف من نوعية “موسيقى تتحدى الحظر”، أو عنوان أكثر مباشرة مثل: “مقاهي غزة : مأوى للعاطلين ولعشاق كرة القدم”، ويعقب ذلك عنوان فرعي يشرح تفاصيل القصة. ويتراوح عدد كلمات القصة الانسانية بين 500 إلى 2000 كلمة، مع مقدمة جاذبة تربط موضوع الفيتشر بالبشر، وقد جرى الاتفاق على عدة أنواع من المقدمات تحقق هذا الهدف.


أنواع المقدمة

– الحكي: هنا يوجز الصحفي مشهدا من حياة أحد مصادر الموضوع، بهدف إبراز الفكرة وكيف أثرت بشكل مباشر في حياة الناس، وهذا النوع من المقدمات يكاد يكون الأكثر استخداما، إذ يعرض الصحفي “مشهدا” ينقل إلى القارئ إحساسا بالحركة والحياة. 

– الوصف: تبدأ الفقرة الأولى بوصف مكان الموضوع، ونلاحظ هنا أن هذا النوع يخدم الفكرة القائمة بأكملها على “المكان”، ما يجعل هناك مبرر واضح لاستخدام هذه المقدمة، ونلفت النظر إلى أنه على الصحفي ألا يستعرض عضلاته اللغوية ومهاراته الأدبية بشكل بارز، حتى لا يحدث تشتيت لدى القارئ، فيتوه عن الفكرة الأصلية.

-السؤال: بإمكان الصحفي أن يبدأ موضوعه بسؤال مباشر متصل بموضوع الفيتشر، وفي الغالب ستكون بقية الفقرات هي إجابة عن ذلك السؤال، وإما أن يطرح السؤال على لسان أحد المصادر، أو يطرحه الصحفي بنفسه داخل المقدمة.

– المواجهة مع القارئ: تـُستخدم أغلب تلك المقدمات في الفيتشر المكتوب لصفحة ذات طابع خدمي أو ترفيهي على السواء، مثل صفحات الصحة، التكنولوجيا، والأزياء، .. الخ. وتكون المقدمات على طريقة : “لو كنت أحد الذين يصابون بنوبات عطس متكررة في الربيع أو في شهري سبتمبر وأكتوبر، فتلك أعراض الحساسية الموسمية، …الخ”.

– المقارنة والتناقض: في هذا النوع من المقدمات، يلعب الصحفي على جذب القارئ بمفارقة تصنعها المتناقضات المرتبطة بالموضوع، ويتخللها عنصر المفاجأة كذلك، كاستغلال غرابة الحالة التي تعيشها سيدة تحولت من المسيحة إلى الاسلام، وكيف أصبح اسمها الرباعي الجديد مكونا من ثمانية أسماء.

– العرض التاريخي: وهي المقدمة التي تستعرض أصل موضوع الفيتشر بتسلسل تاريخي وبشكل شيق، ولا بد أن تتضمن المقدمة مدة زمنية أو تاريخ محدد، وأحيانا ما تنتهي تلك الفقرة التمهيدية إلى مفارقة أو مفاجئة، وتكتب بقية الفقرات بعدها.

– الاقتباس: وهي أكثر أنواع المقدمات سهولة، وخاصة في مجال التلفزيون، لكن كثرة استخدامها في عالم الصحافة أفقدهها جاذبيتها، لذا يفضل عدم البدء باقتباس، إلا إذا كان صادما وقويا.


بناء الفيتشر
يمكن للصحفي أن يبدع في مقدمة الفيتشر خارج الأنواع السابقة، كأن يبدأ بمثل شهير أو نتائج دراسة أو بتنويعات لغوية مشوقة. ثم ينتقل الصحفي بعد المقدمة إلى فقرة الاقتباس، ثم فقرة بعدها تشرح بشكل غير مباشر أهمية الموضوع ومبرر كتابته، وبعدها اقتباس آخر، ثم فقرة تعرض خلفيات أوسع للقضية، وفي هذه الفقرة تحديدا يحاول الصحفي تقريب فكرته إلى أكبر شريحة من القراء، وينتقل الموضوع بين اقتباس، ثم عرض للمعلومات، حتى تأتي الخاتمة التي تلخص نتائج الموضوع وانعكاساته في المستقبل، ومن المستحب ألا يختم الصحفي الفيتشر باقتباس، إلا في حالة إن كان ذلك الاقتباس مؤثرا.

أما أهم شروط كتابة الفيتشر، فهي الاعتماد على عبارات مكثفة، ووضوح الفكرة، واختيار زاوية واضحة لا تشتت الصحفي في تفاصيل لا تخدم موضوعه، ويجب الاستعانة ببيانات وأراء خبراء، حسب فكرة الموضوع، وفي النهاية على صحفي الفيتشر أن يؤمن بأهمية ما يكتب، حتى يظهر ذلك واضحا في موضوعه.

Saturday, January 11, 2014

الناس والدستور في بولاق الدكرور

- في الشارع مواطنون اختاروا "نعم" دون قراءة وآخرون اعتزلوا السياسة
- السؤال الشهير : هل ستتغير حياتنا بعد الاستفتاء ؟

بإمكانك أن تخوض التجربة مع من حولك، أن تختار مادة من مواد الدستور الجديد الذي سيستفتى عليه في 14 و15 يناير الجاري، ثم تبدأ في المناقشة، و تتلقي ردود الأفعال .. قد تجد من بدأ في الأهتمام، وآخر يطلب منك نسخة من الدستور لقراءتها، وهناك من سيواجهك بإحباط ولا مبالاة . ذلك ما حدث في هذه الجولة بين شوارع حي بولاق الدكرور، على اختلاف الشرائح التي تقطن هذا الحي.

كتب – عبدالرحمن مصطفى

المشهد الأول
مواطن امام بالوعة

في موقع قريب من نهاية شارع ناهيا في حي بولاق الدكرور، وبمحاذاة الطريق الدائري مباشرة، كان المشهد كالتالي، شاب يجلس جوار تل من القمامة، وأمامه حفرة واسعة يتضح فيما بعد أنها بالوعة تم إنشاءها قبل أيام، جلس الشاب في هذا المكان في انتظار تجهيز "غطا البلاعة"، تحسبا من أن يقع طفل صغير في هذه الحفرة . "التفاصيل كلها عند ورشة الحدادة اللي في الشارع الجاي ..". وبكل زهد يرفض الشاب التحدث عن الدستور أو عن الاستفتاء القادم، إذ كان لديه أمور أخرى تشغله على رأسها انتظار "غطا البلاعة".
تأسست هذه الناحية من بولاق الدكرور بشكل عشوائي دون الالتزام بقواعد في البناء أو بخطط في تقسيم الحي، وهو ما نتج عنه مشاكل في خدمات الصرف الصحي، تزداد كلما ازداد عدد المنازل المتجاورة، وطوال السنوات الماضية كان المشهد التقليدي هو ظهور برك من مياه الصرف الصحي، ما أضر سكان هذه الناحية .. ورغم هذه الظروف البائسة التي مروا بها، إلا أن عددا منهم لم يبد اهتماما حين قرأت لهم المادة رقم 46 التي جاء فيها : "لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة، وحمايتها واجب وطني. وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها، وعدم الإضرار بها .." .

المشهد الثاني
عند ورشة الحدادة

في شارع أنور صديق المتفرع من شارع جمال عبدالناصر حيث تقع ورشة الحدادة التي تحدث عنها الشاب المنتظر جوار بالوعة الصرف، كان العمال يجهزون "غطا البلاعة" المرتقب، لإنهاء مشروع تصدى له الأهالي لتجديد شبكة الصرف الصحي هناك.
"ببساطة اجتمع سكان الشارع بعد صلاة الجمعة قبل شهور، وقرروا تجديد الصرف الصحي، وتكلف كل بيت حوالي 3000 جنيه، وكلفوا مقاول خاص بهذه المهمة ". الحديث هنا لمحمود الصادق الذي جاوز السادسة والستين و يشرف على العمال في تلك الورشة، وحين عدنا إلى المادة 46 الخاص الخاصة بالبيئة الصحية السليمة وعن موقفه من الاستفتاء على الدستور القادم، قال : "سأنزل وأصوت بنعم .. "، لم يكن ذلك نتيجة اهتمامه بمواد الدستور، فوجهة نظره أن اكتمال مؤسسات الدولة هو البداية، وفي النهاية يمكن للناس محاسبة الدولة.
في طريق العودة إلى شارع ناهيا بمحاذاة الطريق الدائري، ينخرط عمال الصرف الصحي الحكوميين في محاولة أخرى لتحسين وضع النفق أسفل الدائري الذي امتزجت فيه القمامة بمياه الصرف.. فيما مضى كانت هذه المنطقة تنقسم إلى مزارع ذات طابع قروي، قبل أن تتلاشى الأراضي الزراعية، ولا يتبقى سوى مساحات خضراء نادرة، في مربع مزدحم بالسكان.
المشهد الثالث
المزرعة المحاصرة

على بعد حوالي 300 متر من تقاطع شارع ناهيا مع الطريق الدائري السريع، تقع مزرعة وحيدة وسط حصار من المنازل المبنية بالطوب الأحمر والعمارات السكنية الكبيرة، حيث يجلس إبراهيم فوزي الشاب العشريني وسط هذه المزرعة الباقية، ويبدأ حديثه قائلا: " لم أقرأ الدستور، معك نسخة ..؟" كانت أقرب المواد إلى مجاله في الزراعة هي المادة رقم 29 التي جاء ضمنها أن : " تلتزم الدولة بحماية الرقعة الزراعية وزيادتها، وتجريم الاعتداء عليها، كما تلتزم بتنمية الريف ورفع مستوي معيشة سكانه وحمايتهم من المخاطر البيئية، وتعمل على تنمية الإنتاج الزراعى والحيوانى، وتشجيع الصناعات التي تقوم عليهما. وتلتزم الدولة بتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعى والحيوانى".
بعد أن اطلع على نسخة من الدستور وقرأ المادة باهتمام عاد ليعلق قائلا: "هذه الأرض لا تحصل على سماد مدعم لها، والسبب بسيط وهو أن الجمعية الزراعية التي كانت تتبعها هذه الأرض قد أغلقت أبوابها منذ فترة طويلة، حيث كانت في منطقة زنين المجاورة، التي تحولت هي الأخرى إلى منطقة سكنية، لذا نشترى المستلزمات الزراعية بسعر السوق". هذه الأرض الزراعية باقية بناء على رغبة مالكها، بينما يعمل أحمد فوزي كعامل يزرع أنواع مختلفة من الخضروات، خس ،جرجير ، لفت، وتباع لتجار السوق المجاور.
تأسست منطقة بولاق الدكرور في الأساس كغيرها من المناطق ذات الأصول الزراعية بفكرة البناء فوق الأراضي الزراعية، وحسب بيانات محافظة الجيزة فقد زاد عدد سكان بولاق الدكرور من 197000 نسمة سنة 1976 إلى أكثر من 500000 نسمة سنة 2003، وهي الفترة التي تضخم فيها الحي بسبب البناء العشوائي، أما الآن فيصل عدد السكان إلى حوالي 850 ألف نسمة، وقد تتكرر نفس تلك القصة في أماكن أخرى خارج محيط العاصمة، إذ سجلت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في تقرير نشر لها مؤخرا أن ارتفاع إجمالى حالات التعدى على الأراضى الزراعية منذ 25 يناير 2011 وحتى 9 ديسمبر 2013 وصل إلى معدل 942 ألفا و790 حالة تشمل مساحة 40 ألفا و354 فدان ، وذلك في كافة انحاء الجمهورية.
أما بالعودة لأحمد فوزي العامل الزراعي الذي اختار العمل في هذه المزرعة المتبقية في بولاق الدكرور، فهو يعلم بحكم انتمائه إلى قرية "قنبرة" المجاورة أن الفلاح لا يكتفي فقط بما يحصل عليه من مستلزمات زراعية مدعومة من الحكومة وأن الأمر مكلف، والزراعة أحيانا ما تكون مغامرة.
يشير إلى أطراف المزرعة الصغيرة حيث بقايا أشجار تهاوت بعد أن تسربت إليها مياه الصرف الصحي من إحدى العمارات السكنية المجاورة، وهو ما دفع مالك المزرعة إلى بناء سور محكم حول أرضه، التي تقاوم وسط مجتمع رفض الزراعة قبل سنوات طويلة.
وأثناء الحديث مع العامل الزراعي أحمد فوزي حول الدستور، كان صديقه أحمد الشريف الذي يعمل في ورشة النجارة المجاورة قد أعجبته فكرة البحث عن مادة قريبة من عمله، فسأل : "هل فيه مادة تخص التأمين على العاملين؟". يعمل احمد الشريف بلا عقد أو ضمان اجتماعي، وهي الحالة التي تعرضت لها المادة 17 في نص يقول "لكل مواطن لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعى الحق فى الضمان الاجتماعى، بما يضمن له حياة كريمة، إذا لم يكن قادرًا على إعالة نفسه وأسرته، وفى حالات العجز عن العمل والشيخوخة والبطالة. وتعمل الدولة على توفير معاش مناسب لصغار الفلاحين، والعمال الزراعيين والصيادين، والعمالة غير المنتظمة، وفقًا للقانون". ورغم وجاهة هذه المادة إلا أن ما تذكره هنا من نصوص قد لا يوفر لهذه الفئات إلا معاش لا يجاوز 200 جنيه في أقصى تقدير.
المشهد الرابع
شارع زحمة
حين نترك هذه الناحية من بولاق الدكرور ونسير مع شارع ناهيا في اتجاه شريط القطار، تزداد كثافة الباعة الجائلين، وعربات "التوك توك"، ووسط هذا الزحام تتبدل ردود أفعال الباعة عند الحديث معهم عن الاستفتاء على الدستور، بين من يقول "هو الدستور بيقول إيه؟ كله حبر على ورق" و آخر يرى أن السيسي سيضبط إيقاع البلد بعد الاستفتاء على الدستور، وهناك من اعتبر أن مجرد الحديث عن الدستور وسط شارع مزدحم وصخب المارة هو نوع من الاستهزاء به.
كانت هذه المنطقة تحديدا قد شهد قبل سبعة أشهر تقريبا، قيام مديرية أمن الجيزة بحملة علي شارع ناهيا ما زال بعض الباعة يتذكرونها حتى اليوم، حين كان الهدف إزالة تواجد الباعة الجائلين تماما من المنطقة، لكن الأمور عادت إلى طبيعتها فيما بعد.
"أذكر أننا حاولنا وقتها النزول لإقناع الباعة الجائلين بضرورة إيجاد حل لمشكلة تضييقهم الشارع، وكانت ردود الأفعال عنيفة، وغير متوقعة .. وللآسف أن التواصل مع السلطات لم يكن مفيدا في أي مبادرة نطرحها". الحديث هنا لمحمد مجدى أمين حزب مصر القوية في بولاق الدكرور، الذي كان يتابع قبل أيام حادث القبض على عدد من أعضاء حزبه أثناء توزيعهم منشورات تدعو المواطنين للتصويت بلا على استفتاء الدستور.
لا تبدو الصورة متفائلة في حديثه، إذ أن مجرد فتح النقاش حول المادة 244 من مشروع الدستور التي تتعرض لفئة السياسيين الشباب، تنقلنا إلى مشاهد أخرى قد يعانيها الناشط السياسي في حي مثل بولاق الدكرور، وتنص المادة 244 على أن تعمل الدولة على تمثيل الشباب تمثيلاً ملائماً في أول مجلس للنواب يُنتخب بعد إقرار هذا الدستور وفقا للقانون. هذه المادة لم تكن مبهرة لعدد من النشطاء السياسيين المنتمين إلى حي بولاق الدكرور، إذ اعتذر أحد المنتمين إلى حزب الدستور عن التعليق على الدستور أو هذه المادة تحديدا، معللا ذلك بأنه قد ابتعد عن السياسة مؤخرا، وآخر منتمي إلى حركة 6 إبريل رفض التعليق على أي من مواد الدستور، في حين يرى محمد مجدي الذي تبنى حزبه -مصر القوية- مقاطعة الاستفتاء ، أن الحالة في هذه المادة، قد تخدم النظام القديم بشكل أو بآخر، كيف ؟ يعرض ذلك قائلا: "أذكر في الانتخابات البرلمانية السابقة كيف حاول أعضاء الحزب الوطني المنحل أن يصنعوا تحالفات وبدائل لهم ، أعتقد أن التزام الدولة بتمثيل الشباب قد تفيد شاب له ولاء لبرلماني سابق في الحزب الوطني". يتحدث محمد مجدي دون أن يخفي أن منطقته تكاد تكون خالية لعودة أعضاء برلمان 2010 ، وغياب شباب الثورة من المشهد.
المشهد الخامس
المقر السابق لحزب النور
تكفي جولة بين الشوارع الرئيسية في بولاق الدكرور، حتى نتفهم نبرة الإحباط التي يتحدث بها بعض النشطاء الشباب داخل الحي، ففي الناحية الأخرى من الكوبري الخشب، كان يقع حزب النور السلفي، اليوم حين تسأل المواطنين من أبناء نفس المربع، تجدهم لا يعرفون أين انتقل المقر الجديد، بل إن بعضهم لم يكن يعلم مكانه القديم قبل أن يخلي مقره قبل عدة شهور، في حين أن هناك لافتة تتصدر الشارع الرئيسي لعضو سابق في الحزب الوطني، وقد ظلت تلك اللافتة على حالها وكأن انتخابات العام 2010 كانت بالأمس، أما إذا انتقلنا مرة أخرى في منطقة شارع 6 أكتوبر قرب نهاية شارع ناهيا، سنجد مقرا لخدمة المواطنين لسيد المناعي أحد الوجوه المعروفة التي كانت تنفق بذخ على انتخابات 2010. كل هذه المشاهد تجعل المادة 244 التي تخص الشباب العاملين في السياسة غير ذات قيمة في مجتمع بولاق الدكرور التي يتوقع أن يعود إلى قبضة أبناء النظام القديم.
أما في الطريق أسفل محور صفط اللبن، فتبرز بقايا لافتات لمتنافسين من عهد الحزب الوطني، ما زالت كما هي، دون تغيير، وفي الجهة الأخرى تقع منطقة أبو قتادة التي تدخل هي الآخرى في زمام بولاق الدكرور، هناك شريحة أخرى من الشباب السلفي وقد اعتزلوا الشأن السياسي بأكمله، أحدهم ينتمي فكريا إلى الدعوة السلفية، وهي نفس مرجعية حزب النور السلفي، أكد أنه لم يقرأ الدستور، بل يرفض الحديث عنه، لكن حين عرضت عليه المادة رقم 7 التي يمكن لها أن تكون مهمة بالنسبة إليه بحكم نشاطه الدعوي، كان رده أنه سيعمل بالدعوة في الحدود المسموح بها، حتى لو فرض عليه أن يدعو آل بيته فقط، وكانت المادة 7 تنص على أن الأزهر الشريف هو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم . وهو ما قد يهم أحد العاملين في مجال الدعوة بعيدا عن الأزهر ومنهجه.
في الناحية المقابلة من عزبة أبو قتادة تقع مستشفى بولاق الدكرور العام، في داخلها يعيش مجتمع صغير من الأطباء، يواجه مواقف يومية بعضها يصل إلى درجة أن يتعرض لاعتداء أهالي المرضى بسبب تدهور الخدمة، أو ظنونهم حول أن الأطباء يتكاسلون في خدمتهم. وفي يومي 1 و 8 يناير الماضيين شارك أطباء هذه المستشفى مع مستشفيات عديدة حول الجمهورية في إضراب جزئي، ما كان له ردود أفعال لدى بعض المواطنين في المناطق المجاورة من بولاق الدكرور.
المشهد السادس
المستشفى العام
وفي إحدى ساحات المستشفى تقف مجموعة من الأطباء في نقاش جانبي، شاركوا في الإضراب الأخير، بعضهم موافق على مواد الدستور وآخرون يرفضون المشاركة في الاستفتاء بسبب احباطهم من الحالة العامة في البلاد. على سبيل المثال فإن الطبيب الشاب عزت عطية من قسم الأطفال، قد بدأ حديثه قائلا: "المشكلة ليست في الدستور، المشكلة في تطبيق القوانين التي تخرج من عباءة الدستور، ثم هل تكفي نسبة 3 % من الناتج القومى فقط لإنفاقها على الصحة حسب هذا الدستور؟". يقضي أغلب هؤلاء الأطباء سنوات العمل الأولى من أجل الحصول على لقب أخصائي، على أمل افتتاح عيادة خاصة ، أو حتى السفر إلى الخارج .. ومن أحد أسباب الإضراب هو تدني أجور الأطباء الشبان، إلى جانب غياب المستلزمات الطبية في بعض حالات الطواريء، ما يستدعي نقل المريض إلى مستشفى أخرى . "أحيانا ما يأتينا مريض وهو يحتضر بعد جولة على مستشفيات عاجزة عن تقديم الخدمة الطبية.. إضرابنا من أجل المريض والطبيب معا". يستكمل الدكتور عزت عطية وزملائه الحديث. وحين أنقل إليهم عبارة من نص المادة 18 تقولأنه : " يجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان فى حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة.". يأتي الرد سريعا من الجميع، الاضراب ليس امتناعا عن تقديم خدمة الطواريء أو ما تمثل خطرا على الحياة، كافة الأقسام من هذا النوع تعمل طوال فترة الاضراب. وفي خارج المستشفى مدرعة وجنود متراصين لحماية المكان، أما في بقية بولاق الدكرور، فتسير الأمور كما اعتاد أهلها أن تسير، إما بالحلول الجماعية أو بالإنصياع لصوت السلطة أحيانا، وتبقى مواد الدستور حائرة، بين من لم يقرأ وقرر أن يصوت بنعم، ومن اختار المقاطعة، وآخر متحمس لاستكمال خطوات خارطة الطريق.

Sunday, December 22, 2013

غزة .. سوريا.. أفغانستان.. صور تغزو عقول الإسلاميين وقلوبهم

شباب الإخوان الذين رفعوا لافتة «غزة فى القلب» فى العام الماضى أثناء التصعيد العسكرى الاسرائيلى ضد غزة، اختاروا الآن أن يرفعوا لافتة ذات عنوان شبيه «رابعة فى القلب»، لتنتقل رابعة محل غزة ويتحول شعار «غزة رمز الصمود» إلى «رابعة رمز الصمود»، وعلى هذا المنوال، تتمسك شريحة من شباب التيار الاسلامى بتشبيه تجربتهم بتجربة غزة فى مواجهة القوات الاسرائيلية.
ولا يتوقف الأمر عند حد الاستعارة من غزة فقط، بل يتجه بعضهم أيضا إلى اقتباس مشاهد من تجارب اسلامية أخرى، حتى يتحول الهدف فى النهاية إلى صنع نسخ من صور يقدسها شباب التيار الاسلامى سواء فى غزة أو سوريا أو العراق أو الشيشان أو أفغانستان وغيرها من النماذج الاسلامية.
«هناك عاطفة جارفة بين شباب الإخوان المسلمين تجاه غزة، بسبب طبيعة القضية الفلسطينية نفسها، وبسبب ما كان يحدث من حشد نفسى وعاطفى على مدار سنوات طويلة.. لقد رأيت بعينى كيف كان يتعامل شباب وفتيات الإخوان مع أفراد حماس، وتحديدا مع كتائب القسام.. هناك حالة ولع حقيقية». يتحدث الباحث الشاب عبدالرحمن عياش ــ العضو السابق فى جماعة الإخوان المسلمين ــ عن افتتان شباب الإخوان بتجربة المقاومة المسلحة فى غزة، وهو ما ظهرت أعراضه مؤخرا بشكل واضح، فى استدعاء صور من فلسطين المحتلة ومن غزة ومحاولة ربطها بتجربة اعتصام رابعة العدوية.
ويبرز عالم الانترنت كأحد الخنادق التى عاش فيها بعض شباب التيار الإسلامى متمسكين بنموذج حماس وتشبيه أنفسهم بأهل غزة وفلسطين مؤخرا. على سبيل المثال لم يكن مفاجئا أن تتداول الصفحات الإسلامية على الانترنت صورة، اشتهرت عقب فض اعتصام رابعة، تحمل فى نصفها الأيسر مشهدا لسيدة فلسطينية تقف أمام جرافة يقودها جندى إسرائيلى، وفى النصف الأيمن مشهد شبيه لسيدة مصرية تقف أمام جرافة يقودها جندى مصرى أثناء فض اعتصام رابعة. هكذا كان انغماس كثير من شباب الاخوان المسلمين فى قضية غزة وفلسطين حاضرا بشكل لا إرادى للتعبير عن مشكلتهم مع السلطة الحالية، وعلى مدار الأشهر الماضية استمر هؤلاء الشباب فى طريقهم دون تغيير، إذ تكرر الأمر فى مواقف أخرى، كان آخرها مع الطفل محمد بدوى الذى لقى مصرعه أثناء مسيرة لأنصار جماعة الاخوان المسلمين فى حى العمرانية، فالتقطت الصفحات المناصرة للرئيس السابق صورة الطفل القتيل وهو فى حضن أحد جيرانه، وأدمجوها مع صورة الطفل الفلسطينى محمد الدرة وهو فى حضن والده بعد مقتله على أيدى القوات الاسرائيلية، وهنا تتحول فلسطين إلى رابعة مرة أخرى، والاخوان المسلمون إلى ضحايا فلسطينيين.
وإذا بقينا قليلا فى عالم الانترنت، فقد كان معتادا أن يرفع الشاب الإخوانى صورة قيادى حمساوى على صفحته فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، وفى الجانب المقابل يؤكد الشاب السلفى على انتمائه القريب من الفكر الجهادى بأن يرفع صورة مجاهد إسلامى على حسابه فى الفيسبوك، مثل «خطاب»، الشاب السعودى الذى خاض معارك مسلحة فى أفغانستان والشيشان مع المقاتلين الاسلاميين. لكن الواقع تغير قليلا بعد 30 يونيو، إذ أصبح الشباب الإخوانى أكثر تعايشا مع أصحاب الفكر الجهادى، فأصبح الإخوانى لا يجد غضاضة فى رفع صورة المجاهد خطاب أو التسامح مع شعار القاعدة، فعالم الاعتصامات قد جمع الإخوانى والسلفى والجهادى سويا دفاعا عن «الشرعية» على حد تعبيرهم.
«ما حدث بين شباب الإخوان المسلمين، أنهم كانوا طوال الوقت يميزون أنفسهم عن السلفيين والجهاديين الأكثر تشددا، بحجة أن الاخوان أكثر تفتحا ويدركون معنى الديمقراطية، لذا كنا نجد المساجد والدروس الدينية ومواقع الانترنت التى يسيطر عليها الاخوان، أكثر تبجيلا لقادة حماس، فى حين يتغاضون عن سيرة أسامة بن لادن، وغيره من الجهاديين، والعكس تماما كان فى المعسكر السلفى الأقرب إلى سيرة الجهاديين عن قادة حماس، لكن الأمور اختلفت مؤخرا، وأصبح الشاب الإخوانى لا يمانع فى وضع صورة خطاب المجاهد الشهير على حسابه فى الفيسبوك». هذا الرأى ينقله عمار مطاوع أحد شباب جماعة الاخوان المسلمين، الذى خاض تجربة العمل فى منابر إعلامية إخوانية. وهو يضيف: «لقد اقتربت المسافات وبدأ الجميع يبحث عن رمز اسلامى، بعد سقوط مرسى الذى كان يعول عليه الاسلاميون، كما أن الشاب الإخوانى الآن متهم بالإرهاب، مثله فى ذلك مثل الجهاديين والتكفيريين الرافضين للديمقراطية والمدنية».
تلك الحالة من التقارب بين شباب الاخوان والمفتونين بالفكر الجهادى بحكم التجاور فى الاعتصامات، انعكست على مواقف على الأرض، منها ما جرى فى اعتصام رابعة العدوية بعد تغيير اللافتة الرئيسية فى منصة رابعة من «نحمى الثورة.. نحمى الشرعى»، إلى «مع الديمقراطية.. ضد الانقلاب». وهنا ظهرت انتقادات من تيارات سلفية وأخرى قريبة من الفكر الجهادى، ترفض فكرة الدفاع عن «الديمقراطية»، مؤكدين أن وجودهم فى الاعتصام كان دفاعا عن الشريعة بالأساس. «فى تلك اللحظة على سبيل المثال، حدث جدل بين شباب الاخوان وأصحاب الفكر الجهادى من الرافضين للديمقراطية، واطلعنا على حجتهم الشرعية، ووجهة نظرهم»، حسبما يستكمل عمار مطاوع. ومع الوقت تتكرر مواقف أخرى، كأن تظهر أعلام القاعدة وسط مسيرات أنصار الرئيس السابق مرسى، مثلما حدث فى أحداث مسجد الفتح فى أغسطس الماضى.
وكانت أغلب التيارات الاسلامية قد أيدت الثورة السورية، فالأدبيات السلفية التقليدية تتعامل مع المشهد هناك من زاوية الصراع الطائفى بين السنة والشيعة، فى حين يتعامل الجهادى مع الأزمة السورية على أنها أرض الشام وأرض المحشر، بينما تعامل معها شباب الاخوان وأعضاء حركة «حازمون» من منطلق أنها ثورة إسلامية، هذا الاجماع على تأييد الثورة السورية برز بشكل أكبر فى التفاف كافة تلك الاتجاهات حول الرئيس السابق محمد مرسى فى «مؤتمر الأمة المصرية لدعم الثورة السورية» الشهير فى يونيو الماضى بالصالة المغطاة، لذا لم يكن مستغربا أن تستعير هذه التيارات لفظ «الشبيحة» من التجربة السورية، وهو لفظ يطلق فى سوريا على مؤيدى النظام السورى الحالى، وأطلقوه فى فترة سابقة على مؤيدى 30 يونيو، واصفين إياهم بـ«شبيحة السيسى» ليكتب بعضهم هذا التعبير على الجدران، وتستخدمه كيانات سياسية مؤيدة للرئيس السابق مثل (التحالف الوطنى لدعم الشرعية) فى بيانات رسمية. هل يستمر شباب التيار الاسلامى فى مسار العزلة داخل عالم يستعير من تجارب إسلامية بدءا من القاعدة انتهاء بتجربة حماس فى غزة؟ يجيب عبدالرحمن عياش ــ العضو السابق فى تنظيم الإخوان المسلمين ــ بحكم قربه من شباب الجماعة: «أستبعد وقوع عنف جماعى، لكنى أتوقع ازدياد النزعة الانتقامية فى الفترة القادمة». بينما يعلق عمار مطاوع أحد شباب الجماعة قائلا: «أعيد مع بعض الزملاء قراءة الأدبيات الاخوانية من جديد، كى نخرج من حالة اليأس والكفر بالديمقراطية وبالمجتمع التى أصابت كثير من شباب التيار الاسلامى».

Wednesday, November 27, 2013

المناظرة .. أضمن وسائل قبول الآخر

طلاب بعيدا عن العنف و التعصب

كتب – عبد الرحمن مصطفى
في العام 2010 قرأت هبة هنداوي إعلانا عن مسابقة فريدة من نوعها تضم فرقا جامعية من دول مختلفة، بهدف المناظرة .. جذبتها الفكرة، وسافرت إلى الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا التي نظمت المسابقة، و تصف ذلك قائلة : "شاركت وقتها على نفقتي الشخصية، و مثلت مصر هناك ، لكن الاستفادة كانت في التدريبات التي تلقيتها في فن المناظرة، وحين عدت إلى مصر فكرت في إنشاء ناد للمناظرات في جامعة حلوان ، حيث كنت أدرس ، لكن لم تسمح لي الجامعة وقتها بإقامة هذا النادي، وبعدها اشتعلت ثورة 25 يناير". تدير هبة هنداوي الآن نادي " مناظرات مصر" الذي يعمل كمبادرة تحتوي 10 أندية تتوزع على عدد من الجامعات المصرية ، و كلها تعمل لهدف واحد ، التدريب وممارسة المناظرة بين الطلاب .
إحدى المفارقات المرتبطة بنشأة أندية المناظرة، أن التجربة الأولى في تدشين ناد للمناظرة باللغة العربية كانت في ماليزيا، حيث تأسس رسميا نادي الخطابة والمناظرة في الجامعة العالمية الاسلامية هناك في العام 2004، ثم انتقل هذا الاهتمام نفسه إلى قطر التي تبنت تأسيس "مركز مناظرات قطر" في العام 2007 ، أما في مصر فقد بدأ الاهتمام متأخرا حسبما تكمل هبة هنداوي : "منذ العام 2011 وحتى نهاية 2012 ، كنا في محاولات لتأسيس مبادرة نادي مناظرات مصر، و نجحنا في التنسيق بين عدة جامعات، و أصبح لدينا 10 أندية طلابية في جامعات مختلفة، كما حصلنا على دعم فني من مركز جون جيرهارت للأعمال الخيرية والمشاركة المدنية بالجامعة الأمريكية، الذي ساعدنا في إقامة أول مسابقة ومعسكر تدريبي للمناظرات في مصر".
في المسابقة الأخيرة التي أجريت في الجامعة الأمريكية قبل أسابيع، كانت الفكرة أكثر وضوحا، حين تنافست 10 فرق جامعية ، انتهت بالمناظرة النهائية بين جامعتي أسيوط والاسكندرية حول إن كان إلغاء مجانية التعليم العالي ضرورة لضمان جودته. حاول كل فريق إرباك منافسه ودفعه إلى الخوض في السياسة، أو العصبية في الحوار ، وهي أمور تخالف قواعد العمل. وتقوم المناظرة على أن يصعد المنصة شاب من أحد الفريقين شارحا وجهة نظره في زمن محدد، ويتلقى بعدها تعقيبا من الفريق المنافس لدحض وجهة نظره. في مثل هذه المناظرات ، قد يتبنى عضو الفريق وجهة نظر مخالفة لقناعاته الشخصية، وهنا تتلخص مهمته في أن يخوض التجربة بالأدوات التي تدرب عليها من قبل.
"يتدرب الطالب على عدة مهارات ، منها الخطابة ، و العمل الجماعي ، و لغة الجسد، وهو ما تدربت عليه مع فريق مناظرات مصر ، ثم حاولت نقله إلى العديد من الطلاب الذين يتبنون مبادرات جادة في جامعة بنها ، و من هؤلاء الطلاب أسسنا أول نادي للمناظرات في الجامعة " . كان ذلك في العام الدراسي الماضي، حسبما يروى عبد الرحمن أحمد مؤسس نادي المناظرات في جامعة بنها، وطالب كلية الحقوق بنفس الجامعة. هناك يجتمع الطلاب بشكل دوري للتناظر حول قضية يختارونها، أما الهدف فهو "تأسيس طالب لديه القدرة على الانصات لوجهة النظر الأخرى، وعرض وجهة نظره بشكل متحضر"، على حد قول عبد الرحمن أحمد.
يمكن للكثيرين أن يكرروا تجربة أندية المناظرات، إذ تتوافر - مادة أغلبها باللغة الانجليزية- على الانترنت تفيد من يريد خوض التجربة، وهو ما قام به مجموعة من الشباب في العام 2010 بمدينة الاسكندرية، لكن تجربتهم لم تصل إلى نفس انتشار نادي "مناظرات مصر" ، بينما يستخدم كل نادي طلابي من الأندية العشرة التابعة لمبادرة "مناظرات مصر" نفس المنهج والهيكل التنظيمي، الذي يمنع المناظرات السياسية، تاركين هذه المهمة لمؤسسات أخرى سياسية وحقوقية خاضت تجربة المناظرات بعناوين مختلفة.
قبل 30 يونيو الماضي بأيام دعا نادي طلاب بنها إلى مناظرة تحت هذا العنوان : "الدعوة إلى رحيل الرئيس المنتخب بعد عام فيها افتئات على إرادة الشعب المصري وظلم للنظام الجديد" . "كانت المرة الأولى و الأخيرة التي نضع فيها عنوانا سياسيا بهذا الشكل، فالقواعد تحتم علينا البعد عن المناظرات السياسية"، هذا ما ذكره عبد الرحمن أحمد- مؤسس نادي مناظرات جامعة بنها. وكذلك شرحت هبة هنداوي، مدير مبادرة "مناظرات مصر" التي قالت : "البعض لا يعلم عن المناظرات سوى تلك المناظرة التي جرت بين عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح قبيل انتخابات الرئاسة، لكن الحقيقة أن المناظرة هي عملية تدريب دائم واكتساب مهارات قد تفيد هؤلاء الطلبة في المستقبل، و ليست نشاط سياسي". هذا ما وضحه أيضا محمد السيد عبد- المجيد طالب الفرقة الثالثة بكلية التجارة بجامعة بنها ، وعضو نادي المناظرات هناك- إذ كان مسؤولا عن مبادرة طلابية في الجامعة، ولخص تجربته مع نادي المناظرة في الجامعة قائلا: "أصبحت أكثر استعدادا للاستماع والانصات ، كما اكتسبت مهارة مواجهة الجمهور ، مهما كان الضغط النفسي الذي أواجهه، وكلها مهارات ستفيدني فيما بعد داخل أي نشاط جامعي".
طرح بعض هؤلاء الطلاب أفكارا عن إمكانية الاستفادة من مناظراتهم الداخلية في عرض وجهات نظر مختلفة أمام بقية الطلاب، وأمام إدارة الجامعات، بهدف تغيير الأجواء المشحونة التي تسيطر على الجامعات الآن، لكن يظل الهدف الأساسي للجميع، هو ذلك الشعار الذي اتفقوا عليه منذ البداية ، وهو "اسمع ، تــُـسمَع".

Thursday, November 7, 2013

رحلة الطماطم .. من المزرعة إلى المستهلك

- قانون السوق: بين كل موسمين للحصاد هناك موسم غلاء
- أصلحوا حال المزارع ينصلح حال السلعة

تستيقظ "أم رجب" بعد صلاة الفجر مباشرة كي تستعد لرحلتها اليومية إلى سوق العبور، و تعود من هناك ومعها كل ما تحتاجه من خضروات، أما في بقية اليوم ، فتجلس أمام لافتة متجرها الصغير "الصابح" في الحي التاسع في مدينة نصر حيث تنتظر الزبائن . تشير بيدها إلى أقفاص الطماطم قائلة : "كيلو الطماطم اللي بأبيعه بأربعة جنيه انهارده، كان من شهر بس بجنيه واحد و بأقل من كده كمان .. محدش عارف بعد أسبوعين تلاتة هيبقى بكام ".
في رحلتها الصباحية إلى سوق العبور، تستأجر سيارة (ربع نقل)، ثم تقوم بجولة سريعة بين عنابر الخضار لدراسة أسعار السوق. في الأيام الماضية كان سعر قفص الطماطم يتحرك بين 35 جنيها إلى 80 جنيها، حسب جودة الصنف و ظروف البيع ، علما بأن حمولة القفص الواحد تتراوح بين 18 إلى 20 كيلوجرام . في زيارتها الأخيرة إلى سوق العبور اشترت قفص الطماطم (العداية حسب لغة السوق) بحوالي 40 جنيها . و بحسبة بسيطة قد يظن البعض أن ثمن الكيلوجرام من الطماطم حسب هذه الأسعار سيتكلف جنيهان فقط، فلماذا تبيعه "أم رجب" بأربعة جنيهات ؟ تجيب على ذلك قائلة : "هناك مصاريف لا يراها أحد، مثل أجرة سيارة النقل يوميا، وقيمة تأمين القفص بـ 6 جنيهات ، كما أن التاجر يضيف وزن القفص -حوالي 2 كيلوجرام – إلى الحمولة الاجمالية، كذلك فإن هناك نسبة من الطماطم تفسد يوميا لدى كل بائعي الخضروات، والأهم من كل ذلك هو إيجار المحل الذي يتكلف 1200 جنيه شهريا".
في أسواق الجملة الكبرى مثل سوق 6 أكتوبر أو سوق العبور، أحيانا ما تكون العلاقات المباشرة بين تجار هذه الأسواق و صغار البائعين هي الفيصل، حيث يتم الاتفاق على الطلبيات عبر الهاتف على عكس المجهود اليومي الذي تقوم به "أم رجب". و في طريق مصر/الاسماعيلية الصحراوي حيث يقع سوق العبور لتجارة الخضروات والفاكهة، تبرز شاحنات محمّلة بأقفاص الطماطم قادمة رأسا من المزرعة، تتجه إلى عنابر الخضار حيث تجار الجملة، مهمتهم الوساطة بين المزرعة والأسواق الصغيرة أوالمحلات، لذا يقدم بعض التجار أنفسهم بوصفهم "قوموسيونجي". وفي داخل أحد العنابر الكبرى، وقف المعلم أبوعلي فرغلي جوار شاحنة كبيرة تبلغ حمولتها 240 قفص طماطم .. في انتظار البيع. هناك وسيلة شهيرة للبيع وهي المزاد، خاصة في المواسم الشحيحة، حين ينتظر التاجر تجمع المشترين حول شاحنة الطماطم القادمة من المزرعة، ثم يبيع لأعلى سعر. أما في حالة المعلم أبوعلي فرغلي فقد جلس إلى جوار ابنه جلال على دكة خشبية محاولا بيع "حمولة الطماطم" بهدوء ، منتظرا الزبون المناسب .. وهناك بين أغلب التجار كلمتان خفيفتان على لسان كل تاجر منهم، يرددونها كل حين : "السوق عرض وطلب، ماينفعش حد يتحكم في الأسعار، خصوصا مع الطماطم".
تتم زراعة الطماطم على مدار السنة، في مناطق مختلفة من الجمهورية، وفي أثناء الفترات الفارغة بين كل فترة حصاد يقل المعروض تدريجيا في السوق، وبالتالي تزيد الأسعار. هذا بعيدا عن لعبة التجارة نفسها التي قد يحدث فيها تذبذب في الأسعار على مدار اليوم الواحد : "في يوم بعت القفص بسعر 65 جنيه ، وبقية البضاعة بعتها آخر النهار على 45 جنيه". هكذا يحاول كل من جلال ووالده أبوعلي فرغلي تشبيه عملية التجارة في سوق العبور على أنها أشبه بالبورصة أو المقامرة .
وبسبب تقلبات السوق، يعمل كثير من التجار على تأمين أنفسهم مبكرا، بأن يدفعوا أموالا للمزارعين قبل زراعة الطماطم، بل و يضخوا أموالا في شكل أقساط للمزارع الذي يحتاج هذه الأموال للإنفاق على الأرض الزراعية و على أسرته، وبهذه الطريقة يضمن تاجر الجملة أن يحصل على المحصول بسهولة في وقت الحصاد، وكأنه شريك في الأرض. "كل ذلك حتى نضمن أن نحصل على الطماطم، بدلا من أن نجدها في أسواق الشلايش (السوق السوداء) غير الرسمية، لذا فإن من يتحدث عن تثبيت الأسعار يبتعد عن الواقع، وأي محاولة في هذا الاتجاه ستفتح سوقا سوداء للمزارعين تقضي على أسواق الجملة، الوضع السليم أن نترك السوق يحدد الأسعار حسب العرض والطلب" . يختم جلال أبوعلي تاجر الجملة في سوق العبور بتلك العبارة.
من المنتظر في الأيام القادمة أن تطرح أسواق بني سويف والجيزة ومناطق متفرقة في غرب الدلتا كميات من الطماطم مع بدء موسم حصادها، أما في الأسابيع الماضية فكانت هناك مناطق أخرى هي التي تمد الأسواق بحصادها، منها أراضي وادي النطرون المجاورة لطريق مصر/الاسكندرية الصحراوي.
وبصورة عامة ، تبلغ المساحة المزروعة بالطماطم في مصر سنويا حوالي 550-600 ألف فدان ، تنتج حوالي 10 مليون طن سنويا، وذلك حسب أرقام مركز البحوث الزراعية، التابع لوزارة الزراعة . على مسافة نصف ساعة بالسيارة من مدخل مدينة وادي النطرون، تتوزع حقول الموالح والفاكهة، إلى جانب الطماطم، أما محصول الطماطم قد تم بيع أغلبه في الأسابيع الماضية، عدا مساحات ضئيلة مازالت تنتظر الحصاد، ومن المتوقع أن يحصل أصحاب هذه المساحات الضئيلة المتبقية على مقابل جيد، بعد أن قلَّ ضخ الطماطم في الأسواق الكبرى .
"المسألة حظ، و أشبه بالقمار" حسبما يصف السائق الذي يقودنا إلى مزرعة المعلم علاء هاشم ذي الجذور الصعيدية، الذي كان يجلس في غرفة حجرية مع عدد من العمال الزراعيين المقيمين معه في الأرض، وبدأ في الحديث قائلا: "بإمكاننا أن نزرع الأرض في ثلاث تواريخ هي أول يونيو، أو أول يوليو، أو في منتصف يوليو تقريبا، وبالتالي سيختلف موعد حصاد أصحاب المزارع، وأيضا سينعكس ذلك على الكمية المطروحة في سوق الجملة، وهو ما سيؤثر على تجار التجزئة، ثم المستهلك العادي". في هذه الأرض الصحراوية يستأجر كثيرون مثل المعلم علاء أراض هنا ويزرعونها، وهناك من حقق أرباحا خيالية، وهناك من أصابته لوثة بعد أن فسد محصوله ولم يستطع بيعه بعد أن أصيبت الطماطم بداء قضى على أغلبها، وفي مثل هذه الحالات حين يفسد جزء كبير من محصول الطماطم في منطقة، فإن الفرقة الناجية من المزارعين هي التي تحقق أكبر الأرباح.
في وادي النطرون على بعد أكثر من 90 كيلو متر من القاهرة يمر المعلم علاء هاشم بين الحقول المجاورة، لمزرعته، حيث مازال البعض لم يجن ثمار الطماطم بعد، فهل سيحقق هؤلاء أرباحا أكثر من التي حققها هو في الأسابيع الماضية أثناء فترة رواج الطماطم؟ يجيب علاء هاشم سريعا :" من يضمن ذلك !؟ قد يتزامن ذلك مع نضج محصول في منطقة أخرى مثل العامرية، ما سيقلل من فرص هؤلاء.. لا شيء مضمون" . يصمت قليلا ثم يردد مثلا شهيرا يعرفه أغلب المزارعين :"حـُسن السوق ، ولا حــُسن البضاعة".
يخرج المعلم علاء من جيبه فواتير يعود تاريخها إلى أول الشهر الماضي، وتكشف فاتورتان لعمليتي بيع في نفس اليوم، أنه باع لتاجر في سوق الجملة في مدينة 6أكتوبر 40 قفص طماطم بسعر 10 جنيهات للقفص الواحد، وفي اليوم نفسه أيضا باع بقية الكمية لتاجر آخر بسعر 17 جنيه للقفص الواحد، هذا عدا نسبة العمولة التي تصل إلى 10% من المبلغ، في حين كان متوسط التسعيرة المعلنة على موقع سوق العبور على الانترنت هو 25 جنيها، "الأسعار تتبدل في نفس اليوم، وتختلف من تاجر لآخر .. نصيب" هكذا يختم المزارع الصعيدي.
قد تختلف الأسعار بين الأسواق الكبرى مثل السادس من أكتوبر وسوق العبور، كذلك قد يتباين سعر نقل المحصول حسب طول المسافة، أما الأهم فهو ما يتكلفه المزارع من مصاريف أثناء عملية الزراعة، "يتكلف الفدان أثناء الزراعة على الأقل 10 ألاف جنيه في الموسم". حسبما أكد عدد من المزارعين، لكن تتلخص رحلة الطماطم في حظ المزارع أثناء عملية البيع، وذكاء تاجر الجملة كوسيط، و نشاط تاجر التجزئة في البحث عن السعر الأفضل، أما الزبون العادي فليس أمامه سوى الشراء دون مقاومة.

Thursday, October 17, 2013

ذاكرة الثورة تقاوم التآكل

التاريخ "غير الرسمي" يستكمل مشواره في تدوين الأحداث:
صورة وفيديو و موقع على الانترنت ..
.
كتب – عبد الرحمن مصطفى
"بعد فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر اضطررنا إلى التأكد بأنفسنا من أرقام القتلى ، زرنا المشرحة و أحصينا الجثث ، بعد أن توقفت وزارة الصحة عن إعلان بياناتها، لكن في الحقيقة مهمتنا القادمة هي توثيق الثورة المصرية"، الحديث هنا لتامر موافي، الباحث في  المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عن تجربة موقع "ويكي ثورة". كانت الأسابيع الماضية قد تكرر فيها اسم الموقع، بعد أن تحول إلى مصدر هام لحصر أعداد القتلى والضحايا مؤخرا، و لم يدرك بعض الزوار أن هذا الموقع ما زال في مرحلته الأولية وأن توثيقه للأحداث الأخيرة بعد عزل الرئيس السابق مرسي ، هو مجرد جزء من مشروع  أكبر لتوثيق أحداث الثورة وبيانات المصابين والقتلى بدءً من 25 يناير 2011.
دار الحديث مع تامر موافي في شارع متفرع من شارع طلعت حرب الشهير بوسط المدينة، حيث يقع  المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي يرعى هذا المشروع، و بدأ قائلا: "الهدف الأبعد للمشروع هو توثيق أحداث الثورة من كل المصادر الممكنة و الموثوق فيها. نستقبل شهادات من المواطنين عن كافة تلك المرحلة من تاريخنا ، إلى جانب توثيق ما تمت كتابته بالفعل في الفترة الماضية". ما الذي يدفع إلى العودة إلى ثورة 25 يناير مرة أخرى و مابعدها من أحداث ؟ السبب الرئيسي هو محاولة إشراك المواطنين في عملية التوثيق، إذ لاحظ العاملون على المشروع وجود كم من الشهادات المتناثرة على الانترنت بحاجة إلى التوثيق، كما اختار العاملون بالمشروع نموذج (Wiki ويكي ) إشارة إلى ذلك النمط من المواقع الذي يسمح للجمهور العادي أن يضيف معلومات ، تحت أعين مراقبين وهم سيكونون من المركز في هذه الحالة. يعمل في المشروع ثلاثة أفراد أساسيين، يجهزون لتدشين موقع أكثر تطورا يضم المواد و الشهادات التي جمعوها خلال الفترة الماضية.
و عند زيارة النسخة الحالية من الموقع يبرز أحد أسباب ظهور فكرة المشروع في فترة الرئيس السابق محمد مرسي ، إذ سجل الموقع أرقام ضحايا تلك الفترة ، ونسبة كبيرة منهم هم من أبناء الشريحة نفسها التي خرجت ضد السلطة في 25 يناير 2011 .
"سيكون محتوى الموقع مفيد أيضا في أعمال بحثية تحلل هذا الكم من المعلومات"، حسبما يصف تامر موافي من المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. أما المتاح حاليا من بيانات فهو توثيق للمرحلة الأخيرة في فترة حكم محمد مرسي، وما أعقبها من أحداث.
منذ تاريخ تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، خرجت مبادرات تهدف إلى توثيق الثورة المصرية، بعضها اختار العمل على شبكات التواصل الاجتماعية، وهناك من اختار توثيق الثورة بالصورة ، وهناك من دمج الأسلوبين. وتفيد عملية التوثيق الدائم في كشف التزييف الذي قد يلجأ إليه البعض لأسباب سياسية، لذا تكون عملية التوثيق بمثابة مادة متاحة، تفيد من يريد التأكد من معلومات بعينها. هذا هو أحد الأسباب التي جعلت مشروعا مثل (صفحة توثيق الثورة المصرية) يستمر حتى الآن على شبكة فيسبوك الاجتماعية، إذ جمع المتطوعون في هذه الصفحة حوالي 15000 صورة تغطي حوالي ثلاث سنوات، بدء من الحركة الاحتجاجية التي ازدادت في العام 2010 ، حتى الآن . بدأت الفكرة فى ديسيمبر 2011 لتوثيق الثورة المصرية بالصور، سواء في مليونيات أو اشتباكات أو وقفات داخل وخارج مصر، أمام السفارات المصرية ،وبدأ "المشروع" على حد وصفهم بسبب ما رأوه تزييفا للصور وللحقائق.
لكن كافة تلك المحاولات ما زالت تجرى بأدوات بسيطة ، دون إمكانيات تحقق جماهيرية لمثل هذه النوعية من المشروعات ، كما أن هذه الأفكار تكشف غياب الدولة في المساهمة بتوثيق ما جرى من أحداث.
تجاوزت بعض الدول التي عاشت فترات قمعية حساسية التعامل مع ماضيها ، و من أشهر تلك التجارب ما حدث في ألمانيا بعد سقوط جدار برلين ، إذ تحولت قصة تعامل الألمان مع تلك الفترة بعد العام 1990 إلى فخر ينقلوه إلى بقية دول العالم ، وحتى اليوم يمكن للمواطنين الاطلاع على ملفات جهاز أمن الدولة لديهم (الشتازي). و أظهر الاستطلاع، الذي أجراه معهد "يوغوف" لقياس الرأي العام في 2011 أن 58 % من الألمان يؤيدون استمرار الإطلاع على وثائق جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا حتى الآن، إذ أتاحت الوثائق للبعض تحريك دعاوى قضائية ضد انتهاكات تعرض لها قبل توحيد ألمانيا. كما أفادت الباحثين في فهم آليات القمع في تلك المرحلة من تاريخ ألمانيا.
.
مهمة لم تتم بعد
لم تقتصر محاولات التوثيق المصرية على عالم الانترنت، فهناك مشروعات أخرى ذات طابع أكاديمي حاولت العمل على فكرة توثيق الثورة، ومن أشهر تلك التجارب كانت لجنة لتوثيق الثورة التابعة لدار الوثائق القومية، التي تأسست من عدد من المتطوعين و الأكاديميين بهدف جمع أكبر كم من المعلومات والشهادات عن الثورة. تشكلت هذه اللجنة في مارس 2011 ، عقب تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك بأسابيع ، لكن استمرارية هذا المشروع كانت متوقفة على عدة عوامل، منها تسهيل العمل بعيدا عن البيروقراطية، وتخفيف القبضة الأمنية على الوثائق المطلوبة في عملية التوثيق... ومع ازدياد حدة المعوقات ، تم حل اللجنة وانتهى دورها عمليا في العام الماضي.
يرى الباحث تامر موافي أن عمليات التوثيق إذا ما تبنتها مبادرات المجتمع المدني، قد لا تختلف كثيرا عن جهود الدولة في التوثيق، "لكن تظل لدى الدولة وثائق تفيد جدا في توثيق الحدث، وقد تكون غير متاحة للاطلاع مثل تقارير لجنة تقصى الحقائق"، على حد قوله.
ما زال عدد من مؤسسات المجتمع المدني يعمل على فكرة توثيق الثورة المصرية، إذ يعتبر البعض أن توثيق الثورة "مهمة لم تتم بعد"، خاصة بعد أن امتدت الأحداث وتشابكت على مدار أكثر من عامين ونصف .
بعد تجربة التعاون مع المؤسسات الحكومية- مثل دار الكتب والوثائق المصرية- في محاولة توثيق الثورة، عادت مؤسسات المجتمع المدنى لترعى الفكرة مرة أخرى بعيدا عن الدور الحكومي. على سبيل المثال كان أحمد غربية- الخبير التقني وعضو مؤسسة التعبير الرقمي العربي- متطوعا في لجنة لتوثيق الثورة التابعة لدار الوثائق القومية، و واجه البيروقراطية الحكومية و غياب الرغبة لدى الحكومة في عملية التوثيق ، لكنه عاد ليشارك في ورش تدريبية  ما زالت تعمل على فكرة توثيق الثورة من جديد.
كذلك أقامت مؤسسة التعبير الرقمي ورش تدريبية تستهدف "توثيق الثورة"، سواء على موقع ويكيبيديا الشهير "الموسوعي"، أو على شبكات تضم فيديوهات. الجانب الايجابي الذي يراه أحمد غربية أن هناك تقاربا يحدث بين مجموعات لديها الاهتمام بفكرة التوثيق، وبعضهم كان يقوم بالتصوير فعليا، لكن ينتظر المزيد من تطوير مهاراته. و يعلق غربية :"المشكلة أحيانا تكون مع المؤسسات التقليدية في تقدير قيمة ما لديها من وثائق أو فيديوهات. على سبيل المثال هناك برامج تقنية تساعد في الاستفادة من الصور والفيديوهات وتنظيمها وتوثيقها داخل مؤسسات مثل الصحف والمؤسسات الاعلامية، وهنا أنا هدفي أن تتاح المادة غير المستخدمة من تلك الفيديوهات للجماهير لأنها تفيد ".
مع غياب الرغبة الحكومية في التوثيق الجاد لأحداث ثورة 25 يناير و ما تبعها من أحداث متتالية، يتبقى هامش بسيط للتوثيق، يتحرك فيه  أفراد مستقلون وبعض مؤسسات المجتمع المدني، على أمل تقديم رواية بديلة للثورة المصرية .
.
"المَزج" رحلة داخل المزاج الثوري
.
- مقاطع و أصوات تمس الواقع البائس
- أيمن بدر : "العفن" الذي يحيط بنا هو قديم ، يسبق الثورة بفترة.
.
في العام 2011 أصيب أيمن بدر- المهندس المعماري الشاب- أثناء تصويره تفاصيل ما جرى في شارع محمد محمود من اشتباكات ضد قوات الأمن، وسجلت كاميرا الهاتف المحمول صوته حين تلقى الاصابة. ظل محتفظا بهذا الفيديو حتى العام 2013، و عاد إليه مؤخرا كي يستعير الأصوات المسجلة عليه لهدف آخر، إذ قرر صنع عمل فني يمزج فيه أصواتا و موسيقى بشكل يعبر به عن الثورة ، تجربة فنيا قام بإخراجها بنفسه.
"نشرت أول ملف صوتي بهذه الطريقة تحت اسم المزيج العميق (عفن) ، دربت نفسي قبلها على برامج الصوتيات المتاحة على الانترنت لأنفذ تصورا في رأسي ، كنت أطرح أسئلة عن مصير الثورة، وأرى أن (العفن) الذي يحيط بنا هو قديم ، يسبق الثورة بفترة". اتجه أيمن في تلك الفترة، قبل ستة أشهر، إلى موقع ساوند كلاود soundcloud.com الملائم لمثل هذه التجارب ، و رفع عليه تجربته الأولى ، ونجحت التجربة وسمعها الآلاف حسب احصائيات الموقع .
الهدف من هذه التجربة ليس تقديم عرض إذاعي، لكن ما يحدث هنا هو مزج لأصوات مثل أم كلثوم وصيحات الثوار في التحرير، متقاطعا مع مقتطفات من أفلام شهيرة، و كل ذلك يتعايش معه المستمع ليس لمتابعة تسلسل موسيقي، بل للاستسلام لحالة يستعيد فيها المستمع أصوات الثورة ، مع جمل و مقاطع تمس الواقع البائس. ويبدأ في التأرجح بين الحنين و التفكير في المستقبل.  وفي تجربة "المزج" الأولى التي تحمل اسم "عفن"، يقرأ عماد حمدي بصوته جزءً من فيلم "ثرثرة فوق النيل"، وفي خلفيته صوت الثوار.
بعد أن انتشرت التجربة الأولى في مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت، انطلق أيمن بدر ليبدأ سلسلة "المزيج العميق" ، وانطلق إلى المزيج الثاني بعنوان "دم"... استعان فيه بصوت الفيديو الذي أصيب فيه أثناء اشتباكات شارع محمد محمود، وذلك جنبا إلى جنب مع أصوات أهالي شهداء و هم يتحدثون ، مع جزء من خطاب مبارك الثاني، وصوت بكاء وائل غنيم في برنامج "العاشرة مساءً"، فور إطلاق سراحه من الاعتقال، مع مقتطفات أخرى متنوعة، أما الهدف فاستمر كما هو .. استعادة ذكرى الثورة و التفكير في جدواها و مصيرها، دون توجيه مباشر، فالهدف هو توثيق أفكار ومشاهد وأحاسيس، حسبما يصف أيمن بدر.
و مع نجاح الفكرة في جذب جمهور لها، بدأ شباب آخرون في تقليدها، على سبيل المثال صنع أحدهم "مزجا" يجمع صوت الدكتور مصطفى محمود من برنامج "العلم و الإيمان" وهو يصف الأمم المتخلفة، ثم ينتقل إلى أصوات شخصيات إسلامية كانت قد أثارت جدلا في الفترة الماضية، وفي خلفيته موسيقى تعبر عن الحالة المراد توصيلها. شاب آخر صنع "مزجا" تحت اسم "جيكا" جمع فيه أقوال مسجلة لصديقه الشهيد جيكا وأحاديث لأهله، مع خلفية موسيقية وأصوات اشتباكات وتعليق من الاعلامي يسري فودة. و كتب مؤلف هذه التجربة قائلا: "إليكم مزج لتراكم أصوات جيكا بداخلنا جميعا".
أغلب تلك التجارب تم تحميلها على موقع "ساوند كلاود" قبل تاريخ 30 يونيو، لذا لم تخلو من المرارة، واستخدم أحد أعمال أيمن بدر ضمن فقرات برنامج تلفزيوني شهير. وبدأت الفكرة تنطلق رويدا رويدا خارج الانترنت ، ويعلق أيمن بدر على ذلك قائلا: "جاءني عرض من مخرج مسرحي لاستخدام أحد أعمالي في عرض مسرحي معاصر، كما أن أستأذنتني إذاعات على الانترنت في بث أعمالي عدة مرات ، والآن أجهز لورشة عمل من أجل صنع مزج صوتي خاص مصاحب لعرض مسرحي عن قضية التحرش". كان آخر عمل نشره أيمن على الانترنت بعنوان "قدوس"، و هو يطرح سؤال: هل نحن في مشكلة مع الله أوصلتنا إلى هذا الطريق المسدود؟ وتصادف أن نشره ليلة فض اعتصامي نهضة مصر ورابعة العدوية، فجاءته تعليقات على الانترنت من نوعية "لماذا كل هذا الألم ؟ ألا يكفيك ما حدث من مذابح؟" مثل هذه التعليقات انفعلت بالعمل نفسه الذي ذكرها بالواقع البائس.
يستغرق صنع "مزج" واحد حوالي ثلاثة أسابيع لإعداد ملف صوتي قد يمتد من 5 إلى 25 دقيقة ، لكن تظل مثل تلك التجربة فريدة من نوعها لتوثيق مزاج الثوار بين القلق و الحنين والترقب ، هي مساحة للخيال عن طريق الاستماع، بحسب تعبير أيمن بدر ... تجربة متوائمة مع عالم مركب و متشابك، يلائم مزاج رواد الانترنت، وخاصة أصحاب التوجه الثوري.
.
الأفلام الوثائقية في هدنة إجبارية
.
انطلقت مع ثورة 25 يناير شريحة من الشباب، حملوا كاميراتهم ، وعملوا على توثيق الأحداث المتتالية في فيديوهات و أفلام وثائقية، بعضهم يعمل بشكل مستقل و بتكلفة قليلة ، بينما اعتمد فريق آخر على شركات لإنتاج أفلامه ، و استهدف الفريق الثاني بشكل كبير أن يعرض أعماله في قناة الجزيرة للأفلام الوثائقية، التي تكاد تكون المتنفس الوحيد في عالم الأفلام الوثائقية .. يواجه الفريقان الآن أزمة التوقف عن العمل بشكل مؤقت لأسباب مختلفة. على سبيل المثال أوقف البراء أشرف العمل في شركته الانتاجية خلال الأسابيع الماضية، وذلك في الوقت نفسه الذي تعمدت فيه قناة الجزيرة تكرار عرض فيلم "صناعة الكذب" طيلة الفترة الماضية ، في رسالة ضمنية إلى أن الاعلام المصري ما زال على مساوئه القديمة التي رصدها الفيلم في توثيقه للفترة الأولى من الثورة.
يقول البراء: "أتذكر في لقاء تلفزيوني جمعني مع إبراهيم الصياد، رئيس قطاع الأخبار باتحاد الإذاعة والتليفزيون، أنه أثنى على الفيلم و طرح فكرة عرضه على التلفزيون الرسمي ". و هو يوضح جانبا من الضغوط التي أصابت أبناء هذه الشريحة من العاملين في انتاج الأفلام الوثائقية والفيديوهات حين يؤكد أن أغلب العاملين في هذا المجال كانوا يستهدفون "الجزيرة" لأنها القناة الوحيدة المتخصصة في المنطقة، لكن الواقع السياسي حاليا الذي يظهر العداء ضد القناة أربك الموقف قليلا. و يستكمل البراء أشرف كلامه قائلا: "قبل أسابيع تعرض أحد أصدقاءنا في شركته لتفتيش أمني بعد توارد معلومات حول تعامله السابق مع قناة الجزيرة، مثل تلك المواقف جعلتنا ننسحب قليلا، ونحن قلقون على مستقبل هذا المجال. هناك آلاف الشباب الذين شاركوا في هذه الصناعة النامية، يتساءلون اليوم عن المستقبل".
يختلف الوضع هنا كثيرا عن شريحة أخرى من الفنانين المستقلين الذين يعملون دون اهتمام كبير بتسويق منتجاتهم بشكل دوري لدى قناة الجزيرة، غير أنهم لم يبتعدوا كثيرا عن نفس الأزمة مع الإعلام التقليدي، فبينما تستغل الجزيرة الأعمال التي بيعت لها حسب وجهة نظرها و في التوقيتات التي تحددها، نجد بعض الفنانين المستقلين والنشطاء يتعرضون لاستغلال فيديوهاتهم من فضائيات ومحطات تلفزيونية لخدمة هدف آخر، هو دعم السلطة الحالية. يكاد يكون ذلك واضحا لدى مجموعة مثل "مُصرين" التي قضى أفرادها الأعوام الماضية في تصوير وتوثيق الحركة الاحتجاجية ضد السلطة ، إذ فوجئوا في الفترة الأخيرة بأن المواد الفيلمية التي كانت تستخدم في الماضي لمعارضة حكم المجلس العسكري قد استخدمها الاسلاميون في دعايتهم ضد القوات المسلحة. وعلى الجانب الآخر استغلت بعض الفضائيات المؤيدة للسلطة الحالية بعض المواد الفيلمية من مجموعة "مُصرين"  التي سجلت معارضة لجماعة الإخوان المسلمين. تعلق سلمى سعيد، من مؤسسي "مُصرين" : "وسط هذه الصورة الضبابية، وجدنا أنفسنا وقد توقفنا لا إراديا عن تصوير المزيد من الفيديوهات، فقد اعتدنا طوال الوقت دعم الثورة والتغيير، أما الآن فالصورة ملتبسة ".
تعمل مجموعة "مصرين" بشكل غير هادف للربح، وتضم نشطاء و صناع سينما مستقلين، وأغلبهم كان قريبا من الأحداث المتتالية منذ 25 يناير حين كانت الأحداث جزء من حياتهم كنشطاء أو مهتمين بالشأن العام. أما في الوقت الحالي فبحسب تعبير سلمى سعيد "طوال الوقت كنا ندعم المسار الثوري بالتوثيق بالصورة، أما الآن فأنت بين طرفين لكل منهما آلة إعلامية قوية تعتمد على الدعاية ، فأين سنكون في هذه المرحلة ؟ و رغم ذلك زرنا و صورنا داخل المشارح ، كمحاولة لتوثيق الضحايا هناك ..".
لم يختلف الأمر مع كثير من الشباب المستقلين بالنسبة لإنتاج فيديوهات أو أفلام من ناحية الامكانيات بقدر ما أصبحت الأزمة في كيفية إيصال قناعاتهم الشخصية في ظل تلك الفترة الضبابية ، أما من يعملون بشكل تجاري، فلم يبتعدوا هم أيضا عن مشاكل المرحلة، يعود البراء أشرف ليقول : "حالة الاستقطاب التي نعيشها لن تؤثر فقط على طريقة توزيع الأفلام الوثائقية ، و لكن أيضا على مدى قابلية الضيوف في هذه الأفلام أو الفيديوهات".
أما الناشطة سلمى سعيد فتتحدث عن ضرورة الاجتماع والنقاش بين المجموعات المستقلة التي اعتمدت على توثيق الأحداث طوال الوقت، حتى تكون هناك رؤية موحدة في التعامل مع الموقف.
قد تجمع الأحداث فنان مستقل يستخدم كاميرته لخدمة فكرة يعتنقها، وفنان آخر يعمل لحساب شركة إنتاج وثائقية ، لكن في النهاية .. اتفق الجميع على هدنة الآن و إلى حين.

PDF