Thursday, September 23, 2010

فنادق شعبية وخدمة إنسانية

المصيفون والطلبة يمتنعون

لوكاندة الناصر ليست كغيرها من الفنادق الشعبية، فهى تحمل اسم الزعيم الراحل امتنانا من صاحبها لعهد الثورة الذى غير ملامح المدينة، كما تشير إلى بقايا تأثيرات قديمة حين كانت المدينة تستقبل تجار المتوسط. نزلاؤها ما هم إلا حالات إنسانية طلبت اللجوء فى غرفها ذات الأسرة الأربعة.
كتب - عبدالرحمن مصطفى
تصوير - أحمد ناجي


لا ينشغل السيد محمد نحلة برحيل المصيفين عن مدينة الإسكندرية أو مجىء موسم الدراسة، ففى لوكاندة الناصر الشعبية التى يديرها توجد قواعد خاصة لوجود الزبائن، فهى حسب وصفه «مجتمع صغير ومتجدد»، أما عن دوره فى هذا المكان فيقول: «أنا مثل رجل فتح بيته لغيره، دائما فى قلق مما قد يحدث، لذا تبرز أهمية العلاقات الإنسانية داخل المكان». الأمر بالنسبة إلى السيد محمد نحلة أعمق من كونه مجرد «لوكاندة شعبية» بل يلخص المشهد فى مجموعة من الحقائق تخالف التصورات التقليدية عن المكان، قائلا: «أنا لا أعمل حسب قواعد الصيف والشتاء، نزلاء المكان هنا لهم طبيعة خاصة وأغلبهم ليسوا من المصيفين أو الطلبة، بل المفاجأة أن أغلبهم من مدينة الإسكندرية، وحلوا ضيوفا على المكان بسبب مشكلات عائلية دفعتهم إلى الإقامة لأسابيع طويلة».
هذه الصورة التى يرسمها السيد نحلة تكسر التصور التقليدى عن الفنادق الرخيصة التى تستقبل زوار الأقاليم المجاورة وأصحاب الزيارات السريعة، يعلق على ذلك قائلا: «هذا النوع من الزبائن ليس النشاط الأساسى فى المكان، الزبون الأهم لدى هو الذى تستمر إقامته لأكثر من أسبوعين».
تقع لوكاندة الناصر فى حى بحرى فى أطراف حى المنشية العريق بمدينة الإسكندرية، وتكاد تبرز وحيدة على شريط الترام المجاور للكورنيش على عكس فنادق أخرى «شعبية» تتمركز حول ميدان محمد على الشهير فى حى المنشية وكذلك قرب محطة مصر، بعض مديرى تلك الفنادق يتحفظ فى الحديث عن نوعية زبائنه، إلا أن حصيلة الآراء تبرز الزبون الطارئ على حساب الزبون المستقر، على عكس الوضع فى لوكاندة الناصر الشعبية حيث تعلو مكانة هؤلاء الذين أصابتهم المشكلات الأسرية فى صلب حياتهم فانسحبوا إلى مساحة أخرى بعيدة. «لو جلس كاتب موهوب هنا لاستلهم عشرات القصص المأساوية التى يسطرها فى روايات وأفلام». يصمت السيد محمد نحلة ثم يضرب مثلا بأهم القصص التى مرت عليه حين وفد إليه طبيب يقطن بإحدى العمارات المجاورة، ثم خرج من منزل عائلته طريدا بعد أن انفرد أخوه بالشقة ليتزوج فيها، مثل هذا النزيل كان على الجميع معاملته معاملة خاصة نظرا لتردى حالته النفسية، وفى قصة أخرى كاد السيد مدير اللوكاندة أن يقع فى مأزق حين اضطر أن يتواصل مع أسرة نزيل مسن قاطعه أبناؤه رغم مرضه، وحاول عدة مرات أن يعيده إلى منزله، لكن الأهل رفضوا ولم يقبلوا سوى بعد فترة من التفاوض. فى تلك الأجواء تتحول اللوكاندة إلى منزل مؤقت لمن ترك أسرته أو فقد بيته كما يتحول مدير اللوكاندة إلى كاتم أسرار الزبائن وليس مجرد رجل يطلب الأجرة أول كل شهر.لهذا السبب يتضامن جميع النزلاء على الصمت والامتناع عن التحدث عن أسباب وجودهم فى اللوكاندة، لأنها تمس حياتهم الشخصية.

للرجال فقط
داخل اللوكاندة تتجاور الغرف فى الطابق الأول من العمارة القديمة أمام شريط الترام، وفى كل غرفة أربعة سرائر، ومع غياب التليفزيون وخدمات الغرف والطعام تتوطد العلاقات بشكل أكبر بين المقيمين، لا يبدو المشهد مزعجا لأحد حين يتخفف النزلاء من ملابسهم فى الصالة الرئيسية لأنهم «رجالة فى بعض» وهو ما يجعل وجود فتيات داخل اللوكاندة أمرا مستبعدا، بل أحيانا ما تنزعج الأسر من فكرة استخدام حمام مشترك مع نزلاء آخرين من الرجال. لذا لم يعد مدير اللوكاندة متحمسا لتسكين الأسر وهى كلها شرائح يخسرها وسط زبائنه، لكن همه الأكبر يكمن فى اختيار نزيل غير مثير للمتاعب، لذا يميل لا إراديا إلى الحذر عند اختيار نزيل جديد، وهو يوضح : «بعد قرابة ثلاثين عاما من العمل فى هذا المجال أصبح لدى الآن الحس الذى يجعلنى أتوسم فى أحدهم أنه يصلح للسكن هنا وأن الآخر لا يصلح، تكفى أسئلة بسيطة ومتابعة أدائه أثناء الإجابة كى تتضح الصورة، ولم يتولد لدى هذا الحس إلا بعد الوقوع فى عدد من المشكلات مع لصوص ومدمنين، لذا أصبح من حقى الآن أن أعلن تخوفاتى من أن يأتينى زبون مضطرب بشكل أو بآخر، فالأمن يحاسبنى على كل ما يحدث هنا». فى غرفة أسفل العمارة يقع مكتب السيد محمد نحلة حيث يستقبل زبائنه الجدد، ويسجل فى دفاتر إلى جواره بيانات الزبائن فى إجراء أمنى تقليدى، أمامه يجلس أحد قدامى الزبائن المسنين الذى اختار شرب الشاى ومشاهدة نشرة الأخبار معه. وفى الخلفية تعلو صورة الوالد محمد نحلة مؤسس المكان، حتى اليوم ما زال اسم والده مرفوعا أمامه على المكتب فى لمسة وفاء، رغم اختلاف كل شىء عن زمن الوالد حسبما يصف: «حين أنشئت هذه اللوكاندة فى الخمسينيات كان حى بحرى أكثر نشاطا بسبب الميناء، أما اليوم فالأوضاع راكدة، فى الماضى كان الرواج سببه العمالة الوافدة إلى الإسكندرية، على عكس من يأتى للعمل فى الإسكندرية اليوم، إذ يشترك مع غيره فى شقة واحدة بحثا عن الأجرة الزهيدة، وكذلك يفعل الطلبة مثلهم». يبلغ متوسط أجرة السرير فى الشهر 200 جنيه، أما أجرة اليوم الواحد فتبلغ 10 جنيهات، لكن الواقع أصعب من هذه الأرقام إذ يضيف: «لا أستطيع منع أحدهم إذا جاء فى ليلة ممطرة يطلب اللجوء، وأحيانا ما أتحمل تأخر أجرة البعض، خاصة من الزبائن القدامى، لذا أزعم أن هذا المشروع ليس مجرد بيزنس بل هو خدمة إنسانية أيضا، ورهانى دائما على الإنسان وطبيعته الأصيلة التى يأسرها الخير». فى عمله هذا لا يتأثر كثيرا بموسم الصيف إلا حين مجىء مجموعات الشباب وقت المصايف، وهو ما لم يشعر به أثناء رمضان الماضى، أما فى أوقات الدراسة فلا يفد إليه من الطلبة سوى من جاء لقضاء أيام الامتحانات أو أيام بسيطة حتى يجد سكنا مع زملائه.
عن هذه التجربة دوّن أحد طلبة كلية العلوم بجامعة الإسكندرية تجربة قضاء ليلة فى لوكاندة شعبية على مدونته المسماة «واحد جامعة» حين أصابه التخوف والأرق مع أصدقائه من فكرة العيش مع غرباء ينتمون لطبقات بسيطة.
النظر إلى لافتة «لوكاندة الناصر الشعبية» يعيد إلى الأذهان تعبيرات من عصور قد انتهت، فكلمة لوكاندة الإيطالية تشير إلى بقايا تأثيرات قديمة حين كانت المدينة تستقبل تجار البحر المتوسط ومهاجرى الشمال من إيطاليا واليونان، على عكس اللافتات الحالية التى تعتمد كلمة فندق العربية كبديل عن كلمتى لوكاندة أو بنسيون، أما اسم «الناصر» فقد اختاره الوالد امتنانا للرئيس جمال عبدالناصر وعهد الثورة الذى غيّر ملامح المدينة.
وسط قصص النزلاء وفحص وجوه العابرين يعيش السيد محمد نحلة متوائما مع هذه المهنة إلى جانب عمله الأصلى كمحاسب إدارى، يقول: «كل ميسر لما خلق له، أعتقد أن استمرارى فى هذا العمل هو نوع من الوفاء وارتباط بالمكان، إلى جانب أمر أهم وهو أن تعاملى مع هذا العمل به جانب خدمى، خاصة أن هذه الأسعار تستهدف شريحة متواضعة الحال بالفعل، بمعنى أن الشرائح الأعلى لن تتشجع على المرور هنا إلا فى ظروف طارئة». هل سيظل المكان مستمرا من بعده فى ظل هذه الأفكار الخاصة؟ يجيب : «لا أعتقد.. الأجيال الشابة تؤمن بالروح العملية وتنصاع للواقع، ولا أجد بين أبناء العائلة من يتحمس لاستمرار هذا المشروع، بل أحيانا ما ندخل فى جدل يجعلنى أتوقع أننى الجيل الأخير فى إدارة هذا المكان».

Wednesday, September 15, 2010

في المنصورية.. لهو جريء وآخر بريء

على ضفتى ترعة المنصورية القديمة ناحية منطقة الأهرامات الأثرية يزدهر ركوب الخيل والجمال لدى أصحاب الاسطبلات الخاصة وداخل الأماكن الترفيهية ذات الخدمات المتنوعة يختلف الطابع فى كل جهة وكأنهما عالمان منفصلان، كما تختلف نوعية الزبائن والمشكلات التى تواجه أصحاب تلك الأنشطة الترفيهية رغم بقاء الحصان رمزا لأهم أنشطة المنطقة هناك.

يسأل السائق الشاب بعفوية: «هتركب خيل؟!»، الجميع هنا يبحث عن زبون، بعض الاسطبلات أرسلت مندوبين إلى مشارف منطقة نزلة السمان لرصد السيارات قرب مدخل أبوالهول السياحى على أمل اقتناص سائح من الطريق. أما السائق الشاب فلا تشغله تلك التفاصيل، يتابع أنشطتهم من بعيد كواحد من سكان المنطقة معلقا على ما رآه صباحا من بعض زبائن الخيل، يقول: «الشغل زيادة اليومين دول عشان فيه عرب جايين يركبوا خيل، لكن الصبح كان فيه لا مؤاخذة بنات مبسوطين زيادة وبيصرخوا وهما راكبين الخيل عشان الشباب يتفرج عليهم». لا يخفى فى حديثه نبرة الحسد من أجواء شارع جمال عبدالناصر طريق الاسطبلات حيث تتضاعف الأسعار أحيانا وتزيد المكاسب - حسب قوله. ينهى مشواره ثم يعود إلى شارع الهرم حيث يوجد الزبائن التقليديون. فى منطقة الاسطبلات التى لا يفصلها عن الأهرامات سوى سور عال، بدت الصورة أكثر ازدحاما بين حركة راكبى الخيل وانشغال أصحاب الجمال بتأديبها، أمام اسطبل (FG) انشغل عم محمد (الجمّال) مع رفاقه فى خوض معركة لغسل أحد الجمال المتمردة، ينهى مهمته ثم يجلس إلى جوار أحمد حسام احد مالكى الاسطبل، ويدور الحديث حول مستقبل المهنة، يشرح عم محمد تطور الموقف قائلا: «قبل أكثر من ستين عاما كان آباؤنا يعملون بحُرية حول الأهرامات وكنا نتعامل مباشرة مع السائحين وإرشادهم، ثم تطور الوضع مع بداية السبعينيات وظهور مهنة الإرشاد السياحى والشركات الكبرى، وأجرَّنا اسطبلات، ثم حدث قبل سنوات أن أنشئ هذا السور حول المنطقة منعا لنا من دخول المنطقة الأثرية بخيولنا، ولم يبق لنا إلا منفذ واحد». تأتى تلك الإجراءات ضمن مشروع تطوير الأهرامات الذى انتهت مرحلته الأولى العام الماضى وتقرر على أثره منع وجود الباعة الجائلين وقائدى الخيل والجمال من الوجود بجوار الأهرامات، تكفى زيارة إلى داخل الموقع كى تكشف عن استمرار هذا الوجود، رغم النجاح فى القضاء على وجود المتسولين داخل المنطقة، يذكر صاحب أحد الاسطبلات الذى تجرى خيوله حول الهرم أن العاملين فى هذا المجال قد حطموا جزءا من البوابات المانعة المجاورة كى يوجدوا مع الزبائن فى الداخل بجوار الأهرامات، وحاليا تتم الموافقة على دخولهم مقابل تذكرة مع الاطلاع على هوية الخيّال، لكن أزمة الخيّالة والجمّالة الكبرى تكمن فى خطة نقلهم جميعا ناحية طريق الفيوم، يعلق عم محمد: «لما ييجى أمر الله.. يحلها الله»، لا يقبل أحمد حسام (26 سنة) أحد مالكى الاسطبل تلك العبارة التى أطلقها عم محمد سائس الاسطبل معلقا: «هذا هو منطق كثير من العاملين هنا، بعضهم لا تشغله قضية مثل نقل مصدر رزقهم من خيل وجمال بعيدا عن أماكن عملهم وسكنهم».
بالنسبة لأحمد الذى أكمل دراسته حتى السنة الثانية فى إحدى الأكاديميات الخاصة فالأمر يستدعى القلق.. يلتقط ورقة وقلما ويبدأ فى رسم مخطط لمنطقة أبوالهول الأثرية، مشيرا إلى الموقع الذى تقترح الجهات المسئولة نقل الخيول والجمال إليه ناحية طريق الفيوم، ثم يقول بانفعال: «إيه اللى هيودينا الناحية دى؟»، يتابع قائلا: «مئات العاملين وآلاف الأسر من منطقتى نزلة السمان وكفر الجبل المجاورة يعملون فى تقديم خدمة ركوب الدواب حول الهرم، هل من السهولة نقلهم بهذه البساطة إلى مكان يبعد عشرات الكيلومترات بعد أن استقر عملهم هنا منذ عشرات السنوات». فى داخل المنطقة الأثرية تقل أعداد المصريين مقارنة بالسائحين الأجانب، أما المصريون فلهم أماكن أخرى يزدهر وجودهم فيها، خاصة فى الشتاء مع ازدياد أعداد الزبائن. يعود أحمد حسام إلى المخطط الذى رسمه للمنطقة قائلا: «هناك منطقة أغلب زبائنها من المصريين بعيدا عن المنطقة الأثرية، وأغلبهم من محترفى قيادة الخيل، حيث ينطلقون ليلا بحرية بعد الواحدة صباحا أنا عن نفسى أفضل التعامل مع الأجانب».
يتوقف الحديث وتبدأ النداءات لإنذار أحد الجمال المتمردة، ثم يتجه عم محمد بعصاه لتأديبه، فى إحدى تلك المرات التى حاول فيها تأديب الجمال تلقى عم محمد ضربة غادرة من أحد الجمال نتج عنها عملية جراحية كبيرة بعد تهتك الطحال، يعود مشغولا عن الحديث ثم يقول: «اللى بياخد القرارات دى بمنع دخول الخيل والجمال الهرم ميعرفش حاجة عن شغلنا». أما أحمد حسام فيعتقد أن ردود أفعال الخيّالة والجمّالة ستكون عنيفة إذا ما وجدوا أنفسهم بعيدين عن السائح أو منطقة الأهرامات، أما الهدوء الحالى فسببه الانشغال بالرزق، يقول: «فى داخل منطقة الهرم بإمكانى ممارسة بعض الحيل لإقناع الزبون بركوب الخيل وأن الطريق طويل بالداخل وانه مضطر للركوب، ثم أتفاوض معه على السعر.. هذا ما اعتدنا عليه طوال حياتنا». فى المستقبل القريب - حسب تصريحات مسئولى الآثار - سيُمنع وجود الدواب داخل المنطقة الأثرية، وفى الداخل ستكون وسيلة المواصلات هى العربات الكهربائية، حياة الخيّالة والجمّالة التى اعتادوها فى التعامل المباشر مع السائح ستنتقل إلى نمط آخر لا يستطيع البعض تفهمه، يعلق عبدالناصر الجابرى نائب الحزب الوطنى عن دائرة الهرم وأحد أبناء نزلة السمان، بأن الوضع يبدو غامضا لكثير من أصحاب الاسطبلات ولا يتفهمون فكرة النقل التى يراها غير عملية على أرض الواقع وإن كانت ستوفر مزيدا من التنظيم للمكان، ويقول: «هذه التطويرات لم تكن تشغل كثيرا من أصحاب الخيول لأن الجميع يلهث وراء رزقه فى حين كان الأثريون ينطلقون لإتمام مشروعهم، أما على أرض الواقع الآن فهناك محاولات لتوفيق الأوضاع المستقبلية للمكان وأهله على المخطط الجديد، وعن نفسى أستبعد وقوع تمرد أو أعمال عنف، لأنه على أرض الواقع أيضا حتى الآن لم يتم منع أحد من العاملين من ممارسة عمله داخل منطقة الهرم».
فكرة تنظيم عمل أصحاب الاسطبلات كانت إحدى دواعى إقامة المشروع نتيجة الإحساس بعدم الرقابة على هذا النشاط حسب تصريحات المسئولين، أما أحمد حسام فيدرك جيدا الاتهامات الموجهة إلى العاملين فى المجال باستغلال السائحين والزوار وتغاضيهم عن تجاوزات بعض الشباب، يجيب أحمد: «هناك شرطة السياحة لتلقى الشكاوى، أما من يتحدث عن تجاوزات من الشباب فهناك أيضا الشرطة، ليست مسئوليتى انتقاء الزبائن، أنا أتعامل مع جميع الملل والجنسيات». يصمت قليلا ثم يكمل حديثه قائلا: «على فكرة أنا أيضا أتعرض لاستغلال وأحيانا ما أدفع أموالا كى أنهى عملى، كما أن شركات السياحة تحصل على نسبة تتجاوز 50% من أى صفقة تتم، إلى جانب عمولات السائقين الذين يأتون بزبائنهم، كل هذا لا يره أحد، أقول لك فلسفة بعض الخيّالة عن فكرة تحديد أسعار الركوب، أنا لدى تقييم للزبون، والمسألة تفاوض، فحتى شركات السياحة ليست أسعارها واحدة، وخدماتها متنوعة، لذا فإذا استطعت أن أتفاوض للحصول على أجر كبير مع أحد الزبائن فبإمكانى أن أعوض أياما أخرى لا أعمل فيها». ينهى حديثه ثم يستقبل زوارا مصريين من الشباب والفتيات جاءوا للانطلاق بالخيول فى مجموعة، يستقبلهم بابتسامة على وجهه بينما يخفى داخله قلقا يوميا على حجم الزبائن وعلى مستقبل هذه المهنة بأكمله.
أجواء عائلية مع الخيول
يلخص عصام خليل المدير المالى فى قرية الخيول العربية رؤية المشروع فى عبارة قصيرة قائلا: «قبل تسع سنوات تقريبا دارت الفكرة برأس الحاج أحمد القبانى صاحب مشروعات دار الأورمان لرعاية الأيتام والذى فكّر فى مشروع سياحى يستهدف الطفل والعائلة». لا يخفى عصام أن الفكرة فى البداية كانت تستهدف أجواء مختلفة عن فكرة ركوب الخيل الحر ناحية نزلة السمان وعلى جانبى طريق المنصورية. لكن فى أشهر الصيف تقل أعداد الزوار نتيجة اتجاه الأسر إلى المصايف فى ذلك الوقت وغياب رحلات المدارس، وهو ما دفع القرية إلى الاعتماد على تنظيم الأفراح التى تزيد فى الصيف لتعويض قلة الحركة فى القرية مقارنة بالشتاء.
بإمكان الزائر إدراك الأجواء العائلية للمكان منذ الوهلة الأولى، أما رهان العاملين فى القرية فكان على لافتة كبيرة قرب الطريق الدائرى تشير إلى الخدمات التى يمكن للزبون أن يتلقاها مقابل عشرة جنيهات فقط، ويستثنى منها وجبة الطعام ونزول حمام السباحة، فى تلك الأجواء الصيفية قد تتحول رحلة عائلية إلى حدث مهم، يتابع عصام خليل قوله: «حين تدير مشروعا كهذا أنت تعلم أنك لن تستهدف الربح الكبير، خاصة فى مواسم مثل الصيف، لكن فى نفس الوقت عليك أن تكون من الذكاء بحيث تستغل ما لديك فى تقديم خدمات أخرى، وتخفيض التكلفة مثل استخدام ألعاب لا تستهلك الكهرباء، واستغلال حمام السباحة مساء فى إقامة الأفراح.. وهكذا». فى الجوار كانت هناك مجموعة تتجاوز الثلاثين فردا قد انشغلوا مع الفقرة الترفيهية للعبة الكراسى الموسيقية، بينما انشغل آخرون بلعب البلياردو والبينج بونج، وهذا بعد أن خاضوا تجربة ركوب الخيل فى بداية اليوم الذى بدأ فى الساعة العاشرة صباحا، يقول إميل إبراهيم منظم تلك الرحلة: «نداوم على المجىء إلى هنا منذ أربع سنوات ولهذا عدة أسباب أهمها السعر، كذلك فمن الصعب أن أتجه لركوب الخيل ناحية الهرم، حيث لا أعرف النظام أو الأسعار، كما أننا نبحث عن مكان آمن للأسرة والفتيات». يكمل لعب البلياردو بينما كان محمد السائس يعد لفقرة رقص الخيول، بعدها يجلس داخل الاسطبل فى انتظار من يريد إعادة تجربة ركوب الخيل، هكذا تطور عمله منذ بداية نشأة القرية حين بدأ طفلا صغيرا بها، وحتى الآن ما زال متمسكا بالعمل فى نفس النظام رغم انتمائه إلى نزلة السمان وإلى عائلة تعمل فى مجال الخيل والجمال، يقول: «الفرق بين ما أقدمه هنا وهناك هو نوعية الزبون، أغلبهم هنا من الأطفال الصغار، ودورى هو التوجيه، خاصة فى الشتاء مع ازدياد رحلات المدارس، كذلك فالمساحة هنا مهما اتسعت فهى محدودة مقارنة بما يحدث فى نزلة السمان حين نصعد التلال الصحراوية جوار الهرم، وهنا الرقابة أعلى».
تلك النقطة الأخيرة التى تحدث عنها محمد اجتذبت عصام خليل المدير المالى كى يعلق عليها: «أهم شىء فى مشروع كهذا أن أظل محافظا على الرؤية، بعض الأنشطة أقمناها ثم تخلينا عنها، كى نبقى على نفس الدرب». يذكر عصام أنه لا يعتمد على عروض الشركات السياحية بسبب اشتراط بعضها تقديم مشروبات روحية فى خدمته، الأكثر من هذا أنه قد لا يقبل تجاوزات من الزوار ويقول: «البعض يأتى إلى منطقة الهرم لركوب الخيل بغرض مشاهدة الفتيات وسماع صراخ من لم يركبن خيلا من قبل، كذلك هناك من يسعى إلى الانطلاق والتحرر بشكل قد يؤذى العائلات.. هذا ما لا نقبله هنا تماما». يشير بيده إلى أحد الأركان التى أغلقها فى فترة الصيف شارحا ذلك بقوله: «هذا المكان أستغله فى الشتاء مع ازدحام الزوار، أما فى الصيف فأغلقه، حتى يكون الوضع تحت السيطرة». رغم هذه القواعد التى قد تبدو صارمة، إلا أن ذلك لم يمنع زوار الرحلة فى ذلك اليوم من الرقص والانطلاق مع الموسيقى فى المطعم.
فى تلك الأجواء قد تصبح الخيل ضيفا على المكان، وهى النقطة التى يعلق عليها محمد سائس الخيل، بأنه لديه مهام يومية بعيدا عن نشاط القرية فى ترييض الخيل والاهتمام بها ومتابعتها، أما الأهم فهو خدمة التدريب، يقول: «هناك تدريب لمرة واحدة مقابل 25 جنيها، وهناك كورس يستمر لعدة أسابيع مقابل 200 جنيه، وهذه إحدى مهامى». مع توديع الزوار للمكان فى الساعة الخامسة، ينشط العاملون للتفكير فى أفراح المساء الصيفية، بينما يتجه محمد إلى نزلة السمان حيث يقطن، ليعيش مفارقة بين عالمين مختلفين يجمعهما حب الخيل.

* أساطير نزلة السمان
يقطن المنطقة المجاورة لأهرامات الجيزة جماعات من الأعراب منذ مئات السنين، وعرفت المنطقة في فترة سابقة باسم "بركة السمان" حيث كانت هناك بركة يجتمع حولها طائر السمان بينما يعيد البعض الآخر التسمية إلى الشيخ الصوفي "حمد السمان" الذي ما زال هناك ميدانا باسمه في المنطقة، وحسب قواعد تسمية الأماكن التي تسكنها القبائل العربية يطلق لفظ "نزلة" كدليل على فرض السطوة على مساحات من الأراضي نتيجة نزال. وينقل موقع touregypt.net المتخصص في المصريات والسياحة قصة أخرى عن المنطقة نقلا عن بعض قدامى المكان، حيث قصة أسطورية تحكي عن أحد أمراء الأسرة المالكة الذي كان يستقبل ضيوفه في خيمته جوار الهرم، وأنه وعد أحد كبار شيوخ المنطقة بأن يملكه وعشيرته تلك الأراضي المحيطة بعد ان لمس ضيق الشيخ المسن من غربته في ارضه دون ملكية موثقة امام الحكومة، مرت الأيام وعاد الأمير إلى التريض في نفس المكان، فاعترضه الشيخ مذكرا إيه بوعده الذي أخلفه، فتم توثيق الأراضي للسكان العرب في هذه الناحية جوار الأهرامات، وتذكر القصة أن الشيخ كان أحد أفراد عائلة الجابري إحدى أكبر عائلات المنطقة حاليا، و حتى اليوم ما زالت تقطن "نزلة السمان" عائلات ذات حضور تاريخي قديم يعمل كثير من أبنائها الآن في مجال السياحة ويمتلكون مزارع الخيول والإسطبلات جوار الأهرامات. حسب أرقام آخر تعداد للسكان في عام 2006 فإن عدد سكان نزلة السمان حوالي 26 ألف مواطن، بينما يسكن كفر الجبل المجاورة التي تشارك في العمل بقطاع السياحة حول منطقة الأهرامات حوالي 14 ألف مواطن.
خيل وأشياء أخرى
• الطريق إلى سقارة
"لا أرز الهرم إلا في الشتاء، في الصيف.. الأجواء غير مناسبة تماما" يصف عمرو أحد محبي ركوب الخيل في منطقة الهرم الرحلات التي اعتاد عليها كل شتاء حيث تصاحبه مجموعة من أصدقائه وسائس الخيل، تنطلق الرحلة في الليالي المقمرة بعد الواحدة صباحا في مقابل 30 جنيه حسب السعر الذي اعتادته المجموعة، ينطلقون في الصحراء إلى جوار المنطقة الأثرية ناحية صحاري سيتي، يتابع قائلا : "في الاستراحات على الطريق تستقر المجموعة وأحيانا ما نشرب ما نجلبه معنا من مشروبات، ثم نتابع الرحلة". ليست كل المشروبات بريئة حسبما يصف، غالبا ما يكون مشروبهم الرسمي هو الخمور، و لا تثير هذه الأجواء قلق بعض المجموعات المجاورة التي تضم فتيات من الصعود إلى التل في تلك الأوقات المتأخرة. أما بالنسبة إليه فكان أهم ما يبحث عنه هناك هو الهدوء والتأمل حسب تعبيره.

• سنة أولى خيل
في فيلم "عسل أسود" يطلب بطل الفيلم "مصري سيد العربي" ركوب أحد الخيول، فيظن السائس لأول مرة أنه أجنبي وحين يعلم أنه مصري يتركه مع فرس هزيلة وعنيدة، تلك الصورة الكوميدية قد لا تنطبق تفاصيلها تماما مع الواقع، شريف حسن الذي جاء مع أقاربه الشباب لركوب الخيل لا يجد حريته في الانطلاق بالفرس دون تدخلات السائس وتعليقاته المتكررة، يقول شريف الطالب بإحدى الجامعات الخاصة : "هذه ثاني زيارة لي للمكان، المرة السابقة كانت قبل سنوات طويلة مع أسرتي ولم تكن مرضية بعد الدخول في مفاوضات مع السائس داخل منطقة الهرم، ولم أستمتع". في هذه المرة يتجول شريف بحرية أكبر لولا تدخلات السائس الذي يدير الموقف تماما مراعيا الحركة المحدودة في شارع الاسطبلات، مكتفيا بنصف ساعة مقابل 25 جنيها، يقول شريف : "في البداية دربنا السائس على كيفية قيادة الخيل، لكن ما زال امامنا وقت طويل". لا يزد من إحباطه سوى الصبية الصغار الذي ينطلقون بجواره مندفعين كفرسان حقيقيين مسددين نظرات الزهو إلى من حولهم، إلى جانب ارتفاع السعر مقارنة بما كان يتوقعه، خاصة أنه لا يعرف التمييز بين الخيل الأصيلة وغيرها وهو ما يؤثر في الأسعار.

• نزهة مع المدام
في منتدى "العرب المسافرون" على الانترنت طرح أحد الأعضاء الخليجيين هذا السؤال: أين أجد إسطبل خيل بالقاهرة؟ وتلقى إجابات من خاضوا التجربة قبله.. إحدى الإجابات دونتها عضوة خليجية قائلة : "أبدا لا تفكر تروح على منطقة نزلة السمان اللي في الهرم، مكان ما هو نظيف .. وتلاقي فيها كل المستويات"، لكن الإجابة الأكثر إنصافا لنزلة السمان جاءته من عضوة أخرى قالت : " الاسطبلات موجودة بالهرم بنزلة السمان ولها دخلة خاصة يعرفها كل سائقين التاكسي، أهم شيء تكاسرهم – تتفاوض على السعر- والافضل إنك تروح بالصباح الباكر يعني الساعة 5 والجو رايق تقدر تاخذ راحتك مع زوجتك ". لم يسجل العضو بعدها تفاصيل تجربته في القاهرة، لكن على ارض الواقع تجتذب قيادة الخيول شريحة كبيرة من الزوار العرب من الجنسين.

• السمانيون يتحدثون
داخل مجموعة (proud to be a sammanian – فخور بأني من نزلة السمان) في شبكة فيسبوك الاجتماعية شارك مجموعة من شباب عائلات المنطقة في كتابة أرائهم حول فكرة طرحها أحد الأعضاء باللغة الانجليزية تحت عنوان : " That's why I hate nazlet el samman ! - لهذا أكره نزلة السمان !"، كتب مصطفى قاسم خطاب عن كرهه لاتجاه شريحة من الشباب للعمل بالسياحة وأنشطة مرتبطة بهذا قائلا: "ألم نسأل أنفسنا لماذا يقل عدد المهندسين والدكاترة لدينا في المنطقة؟"، يمر مصطفى ايضا بنقطة سلبية أخرى تثير ضجره وهي عن ضرورة أن يكون شباب المنطقة أكثر إيجابية في مواجهة مشكلة يتسبب فيها العاملون في إسطبلات الخيول وإلحاحهم على اصطياد الزبائن من الطريق وأبدى في تعليقه تأييد فكرة تجميع الإسطبلات في مكان واحد، أما يمنى الجابري ترى أن أجمل ما في نزلة السمان هو التقارب بين العائلات رغم اتساع المنطقة وانتقال غرباء إليها، وتقول : "أحيانا بيكون الواحد في نص هدومه لما حد يزوره من قلة نظافة الحي، لكن كفاية لما يبص الضيف من البلكونة على مشهد أبو الهول.. بينسى كل حاجة".
PDF

Sunday, September 12, 2010

العيد في أغنية مكررة

كتب ــ عبدالرحمن مصطفى
لا يخفى المهندس الشاب عمر صالح إحساس الملل الذى يصيبه عند إذاعة أغانى المناسبات فى كل موسم، يعلق قائلا: «حين أنظر إلى أغنية مثل (أهلا بالعيد) للفنانة صفاء أبوالسعود التى تذاع منذ أن كنت طفلا قبل أكثر من عشرين عاما لا أستطيع أن أتفهم هذا التكرار، عن نفسى أجده مملا، خاصة حين تتكرر الأغنية نفسها عدة مرات فى اليوم الواحد».
أسباب ضيق عمر ليس لها علاقة بهذه الأغنية تحديدا، بل هى حالة من الرفض لتكرار أغانى المناسبات بشكل عام، يقول: «طوال شهر رمضان تعاد أغنية (رمضان جانا) بتوزيعاتها المختلفة، وفى يوم عيد العمال أو ذكرى أكتوبر تعاد الأفلام والأغنيات نفسها، أتمنى أن تأتى مناسبة خالية من هذه الملامح القديمة». بعيدا عن المشاعر السلبية التى يظهرها عمر تجاه أغانى المناسبات فالمفارقة أن أسرته لا تتبنى هذه الرؤية، بل على العكس من ذلك أحيانا ما يواجه بعبارات من نوعية «العيد ميبقاش عيد من غير الأغانى دى!». ليست أسرة عمر فقط هى المتحمسة لهذه نوعية من الأغانى، بعض أبناء جيل الثمانينيات الذى ينتمى إليه اختاروا إظهار حفاوتهم الشديدة بأغانى المناسبات التى تذكرهم بطفولتهم، خاصة مع أغنية «أهلا بالعيد» للفنانة صفاء أبوالسعود، يظهر هذا من خلال مئات التعليقات التى تنتشر بين المنتديات الإلكترونية وعلى موقع يوتيوب لتحميل لقطات الفيديو، أسفل أحد هذه الفيديوهات كتب أحدهم: «هذه هى أغنية العيد المفضلة لدى حتى وأنا عندى 30 سنة.. أم كلثوم فى ليلة العيد وصفاء أبوالسعود.. يوم العيد الصبح». بعض هذه التعليقات جاء من الدول العربية ليؤكد أنها كانت أغنية رائجة لديهم أيضا، مما دفع البعض إلى تسجيل ذكراه مع الأغنية والاعتراف بحنينه المحبب إلى الماضى، لكن هذه الروح السمحة مع «أهلا بالعيد» لم تشمل الجميع، فمع هذه الأغنية تحديدا خرج أحد أكبر «إفيهات» الانترنت قبل أكثر من عام، والسبب هو أن عددا كبيرا من أبناء هذا الجيل قد اشتركوا فى «الحفظ الخاطئ» لإحدى جمل الأغنية، حيث تقول الأغنية: «العيد فرحة، وأجمل فرحة، تجمع شمل قريب وبعيد.. سعدنا بيها، بيخليها، ذكرى جميلة لبعد العيد». لكن تعبير سعدنا بيها تحول فى آذان الكثيرين منذ الصغر إلى «سعد نبيهة»!
وعلى شبكة فيس بوك الاجتماعية داخل مجموعة «ذكريات من السبعينيات للتسعينيات» طرح أحد الأعضاء هذا السؤال: «يا ترى كام واحد كان نفسه يعرف مين سعد نبيهة (سعدنا بيها) اللى كانت بتغنيله صفاء أبوالسعود؟» فى سلسلة الردود على هذا السؤال الغريب قال أحدهم إنه كان يظن أن المقصود هو «سعد نبينا». أما الشخصية الأسطورية «سعد نبيهة» فقد تكونت لها مجموعة أخرى على الفيس بوك وطرح مؤسس المجموعة رؤيته التى حملت بعض العمق، إذ يرى أن هذا اللبس فى فهم جملة «سعدنا بيها» هو دليل وشاهد على أن هذا الجيل قد تربى على الحفظ دون الفهم، حتى إن كان حفظا خاطئا، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت مجموعة أخرى على الفيس بوك ترشح «سعد نبيهة» لانتخابات الرئاسة القادمة، وهكذا لم تعد أغنية العيد للفنانة صفاء أبوالسعود مجرد أغنية تقليدية، بل تعامل البعض معها على أنها أحد رموز الجيل، خاصة فى جملة ملتبسة مثل «سعد نبيهة». فى المرات القليلة التى ناقش فيها عمر صالح والديه حول ضجره من أغانى العيد المكررة نقلت له والدته صورة أخرى تمعن فى الحنين إلى الماضى، كانت الأغنية الأهم لديها هى أغنية «ليلة العيد» للفنانة أم كلثوم، وفى نقاشها مع نجلها الشاب كانت حجتها فى الدفاع عن أغانى العيد كالآتى: «أغنية ليلة العيد هى إحدى علامات ثبوت رؤية هلال العيد، إذ لا تذاع إلا فى ليلة العيد، لكن الأهم من هذا أنها تمثل ذكرى شخصية للملايين، وتعيد كبار السن إلى عصر كان أكثر هدوءا وألفة من الآن، على عكس حالة الانغلاق والانشغال بالظروف الاقتصادية الحالية». بعيدا عن هاتين الأغنيتين الشهيرتين فقد ظهرت على مدى السنوات الماضية العديد من أغنيات العيد، لكن القليل منها هو الذى علق فى الأذهان، أحد هذه النماذج المندثرة أغنية ذات لحن فولكلورى تغنت خصيصا ليوم العيد غناها الفنان الصعيدى ــ حفنى أحمد حسن ــ الذى اشتهر فى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى، الأغنية التى يتذكرها بعض ذوى الأصول الصعيدية من كبار السن كانت تتغنى فى فضل بر الأم فى يوم العيد، وفى أحد كوبليهات الأغنية يقول الريس حفنى: «أمك وعايش فى ضلها.. خليك دايما فاضلها.. ولا تنسى أبدا فضلها، وعيد عليها.. يوم العيد». هذه الأغنية التى تكاد تكون اليوم مغمورة، كتب أحد أعضاء منتدى سماعى تعليقا عليها بعد أن انقطع عنها لسنوات طويلة، واسترجع ذكرى والدته التى كانت تحب سماعها، وفى منتدى آخر على الانترنت كتب أحدهم موضحا أن هذه الأغنية أيضا تذكره بأمه حين كانت تسمعها تحديدا فى يوم عيد الأم. وهى مناسبة جديدة ربما لم يفطن إليها صاحب الأغنية نفسه. أما عمر صالح فلم تمر بأسماعه هذه الأغنية أبدا، إذ اعتادت أذناه على كلاسيكيات أغانى المناسبات التى سئم منها، خاصة أغانى العيد.

Thursday, September 9, 2010

مواسم تقسيم الشوارع

يدير أحمد فودة مخبزا ومحلا لبيع الحلويات. كان يكتفى فقط منذ بداية شهر رمضان بمراقبة صخب التجار وما أقامه بعضهم من سرادقات وخيام غيرت ملامح الشوارع، أما الآن فقد حان موعد المشاركة ورفع خيمة لعرض منتجاته من كعك العيد. يقول فودة: «لا أنصب الخيمة حول المحل سوى فى هذه الفترة تقريبا، أى فى الأسبوع الأخير من شهر رمضان». يقول هذه العبارة فى نفس التوقيت، الذى تستعد فيه محال بيع الياميش والبلح لفض سرادقاتها وإزالة قماش الخيامية، الذى يزين مداخلها كى تتسلم منها الراية محال بيع كعك العيد. يقع المحل الذى يديره أحمد فودة فى سوق التوفيقية بوسط المدينة، ومن حوله ابتكر بعض أصحاب محال قطع الغيار المنتشرة طريقة للتعبير عن تآلفهم مع أجواء رمضان فى صنع ما يشبه (البوابة) على رأس الشارع، أقاموها على أعمدة خشبية وقماش الخيامية، أما فودة فكان الهدف من إقامة سرادقه الصغير دعائيا جدا، حيث اعتاد فى كل عام على إتمام مجموعة من الإجراءات لإقامة سرادقه، ويقول: «حين أطلب التصريح من الحى لعرض منتجاتى أمام المحل فى هذه المناسبة يأتى موظفون لأخذ المقاييس، التى ستحدد مساحة عرض منتجاتى أسفل الخيمة، وعن نفسى فقد اخترت أن تكون مدة العرض عشرة أيام فقط». حسبما يذكر فإن قيمة التأجير من الحى فى متناول التاجر العادى، ولا تتجاوز جنيهين للمتر فى اليوم الواحد. لكن هذه الإجراءات التى يتحدث عنها كشفت سر تحفظ البعض عن التحدث عن خيامهم، التى رفعوها بشكل عفوى. خاصة أن بعض أصحاب المحال أصبحوا يحرصون على امتلاك قماش الخيامية الشهير، الذى يسهل رفعه على أعمدة خشبية لبث أجواء الفرح لدى المارة، إلا أن البعض الآخر يلجأ إلى محال الفراشة، التى تقيم السرادقات والحفلات الدينية كى تقوم بهذه المهمة.
أحد العاملين فى مجال الفراشة هو الحاج حسن جمعة، الذى يدير محلا للفراشة فى منطقة بولاق أبوالعلا المجاورة، يقدم نفسه على أنه يعمل كمتعهد فنادق وحفلات دينية، لذا تكون إقامة السرادقات وواجهات المحال من الخيام بمثابة نشاط جانبى. يقول الحاج حسن جمعة: «التعامل مع المحال فى هذه الفترة أو فى الفترات الشبيهة مثل المولد النبوى هو عمل موسمى، لذا يكون التأجير مقابل 200 إلى 400 فى اليوم حسب نوع السرادق، الذى يختاره صاحب المحل». أما النقطة الأهم بالنسبة إليه فهى التأكد من وجود تصريح لدى صاحب المحل كى لا تصادر خيامه أثناء إحدى الضبطيات. بالعودة إلى أحمد فودة فقد تأكد له بعد أن خاض تجربة التعامل مع محال الفراشة أن الأوفر هو شراء قماش الخيامية، ويقول معلقا: «هذه الخيمة والأعمدة التى ترفعها كلها قد لا تتكلف 3000 جنيه، وهى قيمة تأجير فترة أقل من شهر لأى محل. فماذا يجبرنى على تكرار هذه التجربة؟».
يتبع محل أحمد فودة حى عابدين، حيث تجاوره مناطق تجارية أخرى متعددة، ويعلق اللواء خليل غازى رئيس حى عابدين قائلا: «فى هذه الفترة من ألسنة تبرز بعض الأنشطة مثل عمل الكنافة والقطايف فى الشارع أو عرض الكعك قرب نهاية رمضان مما يغير شكل الأنشطة، لكن الملاحظ بصورة عامة أن نسبة المخالفات تقل من عام إلى عام فى هذه الفترة من السنة، وتزيد نسبة الالتزام بإصدار التصاريح اللازمة، وهو ما يدعو إلى التفاؤل».
بعض المحال تلصق صورة من هذا التصريح على واجهة المحل للتأكيد على شرعيتهم، وهو ما فعله فودة صاحب منتجات الكعك. فى هذه الأجواء حين تتحول التجارة إلى مشهد احتفالى، قد يصدق التعبير الذى أطلقه باحث الانثروبولوجى الأمريكى «والتر ارمبروست» المهتم بدراسة الثقافة الشعبية المصرية حين صك مصطلح Christmas-ization of Ramadan أى تحويل رمضان إلى ما يشبه موسم الكريسماس فى الغرب، بما يصاحبه من أجواء احتفالية، إلا أن هذا التشبيه أسقط من حساباته تجاور المظاهر الدينية فى شوارع القاهرة بحيث تنافس سرادقات التجار وخيامهم.

Thursday, September 2, 2010

رمضان الآخر

كتب - عبدالرحمن مصطفى
رغم ابتعادهما آلاف الأميال عن الولايات المتحدة الأمريكية ووجودهما الحالى فى القاهرة، فإنه بإمكان كل منهما أن يرسم ملامح طالب مغترب أثناء قضاء شهر رمضان فى أمريكا، الأمر بالنسبة لأشرف الشريف تحول إلى ذكرى انتهت فى العام 2007،أما بالنسبة لصديقه محمد عز الدين فمازال أمرا واقعا، حيث إنه لم يكمل حتى الآن عامه الأول فى الولايات المتحدة الأمريكية، يقول أشرف الشريف المحاضر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة: «بالنسبة لى فالأمر مختلف قليلا، قضيت رمضان فى أمريكا لأربع سنوات متتالية منذ 2003 حتى 2007 فى أثناء دراستى للدكتوراه وأجدها تجربة مختلفة تماما عن قضاء رمضان فى مصر، حيث الأصدقاء والسهرات الرمضانية ومتابعة مباريات كرة القدم».
فى الفترة التى اتجه فيها أشرف إلى الولايات المتحدة كانت الأوضاع الداخلية قد تأثرت بأحداث 11 سبتمبر، لكن حسب قوله: «لم تكن هناك مشاكل كثيرة تواجه المسلم فى حياته اليومية مثلما قد يتخيل البعض.. المشكلة كانت فى الإعلام وبعض المواد التحريضية المذاعة، وأظن أن الأوضاع أصبحت أفضل الآن مع مجىء أوباما». بمجرد ذكر اسم الرئيس الأمريكى باراك أوباما يبتسم صديقه محمد عزالدين معلقا على هذه العبارة بقوله: «ربما كانت ظروفى أفضل من الذين سبقونى فى الذهاب إلى أمريكا، لكن هذا لا ينفى الأجواء الصعبة المفروضة على الصائم هناك، أبسطها أن تفتقد أجواء رمضان التقليدية وأن تفاجأ بالإفطار فى الساعة الثامنة والنصف مساء، وغير ذلك من التفاصيل البسيطة». فى العام الماضى تصادف أن تنطلق رحلته إلى أمريكا لدراسة الماجستير مع بدء شهر رمضان، فكان لقاؤه الأول مع بلد العم سام متزامنا مع مناسبة إسلامية خاصة. ومنذ ذلك الوقت مازال محمد عزالدين يكتشف أمريكا التى يصفها بأنها «متحف كبير»، موضحا أن هناك أشياء تحدد شكل حياتك فى أمريكا على رأسها اسم الولاية أو الإقليم الذى تقيم فيه، فأمريكا ليست نمطا واحدا.
عند هذه النقطة تحديدا يشارك الدكتور أشرف الشريف برأيه محاولا توضيح اختلافات المجتمع الأمريكى وكيف تنعكس على المسلم هناك، يقول: «كنت أدرس فى جامعة بوسطن بولاية ماساشوستس وهى ولاية ذات طبيعة ليبرالية تتسع للجميع فى قوانينها وفى نمط حياتها، ورغم ما كان يشاع عن التضييق على المسلمين فى أمريكا، فإننى لم أشعر بهذا، على العكس كنت أجد أحيانا احتراما لخصوصيتى ولطقوس العبادة التى أمارسها، فالمواطن العادى البسيط لا يهتم بمثل هذه التفاصيل الدينية نظرا لتنوع فئات وطوائف المجتمع، أما المواطن المثقف فهو يحترم خصوصيتك كى لا يتلقى عبارات الاستهجان من المحيطين». هذه التجربة مر بها محمد عزالدين أيضا الذى اتجه العام الماضى لدراسة التاريخ المصرى الحديث فى جامعة جورج تاون بالعاصمة واشنطن، يصف ذلك قائلا: «فى طريق عودتى إلى المنزل يتنوع الركاب حسب محطات الركوب والنزول، على سبيل المثال أعرف أن منزلى قد اقترب حين تمتلئ الحافلة بذوى الأصول اللاتينية من إحدى المحطات، هذا لن تجده فى ولايات أخرى بها أغلبية بيضاء، أو ولايات ذات طابع ريفى». يضرب مثلا بتجربة الأكاديمية المصرية الشابة زينب أبوالمجد ذات الجذور الصعيدية التى تركت واشنطن العاصمة كى تقوم بتدريس تاريخ الشرق الأوسط فى ولاية أوهايو، حيث اكتشفت عالما آخر فى أمريكا أغلبه من ذوى الأصول البيضاء، حيث المراعى والمزارع الكبرى، فى هذه البيئة الخاصة تحولت الفتاة السمراء المسلمة إلى كائن غريب. على عكس الحياة فى مدن أخرى مثل واشنطن ونيويورك، ونظرا لغرابة التجربة دونت الدكتورة زينب أبوالمجد مشاهداتها فى كتاب تحت عنوان: «يوميات أبله فى أرياف أمريكا». بعض تلك التفاصيل يدركها أشرف الشريف وصديقه محمد عزالدين.. فحتى داخل هذه المدن المليونية كانا يواجهان فى شهر رمضان أسئلة عن جدوى الصيام؟ وماذا إن شرب أحدهما أو أكل فى أثناء فترة الصيام؟ وعن فلسفة هذه العبادة؟ وحول ما إذا كان الهدف تعذيب الذات أم التعاطف مع الفقراء؟ كل هذه الأسئلة كان عليهما الإجابة عنها بإجابات مقنعة لأنها فى الغالب لن تتحول إلى جدل، بل قد تكون الإجابة الأولى هى الأخيرة.
يوميات صائم فى أمريكا
فى القرن الماضى قال المناضل الأسود مالكوم اكس: «وجودك هنا فى أمريكا لا يجعلك أمريكيا»، هذا ما أدركه كل من أشرف الشريف ومحمد عزالدين حين وجدا أعراقا مختلفة تعيش من حولهما وهو ما انعكس على واقع المسلمين هناك بحيث لم يتحولوا إلى مجموعة واحدة، بل أصحاب ديانة تجمع العديد من الثقافات، تلك الأجواء المزدحمة أحيانا ما تكون مكسبا للأقليات، وهى النقطة التى يوضحها أشرف ولمسها فى أثناء رمضان تحديدا، يقول: «أحيانا ما كنت أواجه بأن امتحاناتى ستستمر أثناء فترة الصيام حتى بعد الإفطار، كان الأساتذة يقدرون هذه الاختلافات، بل أحيانا ما كان يحصل الطلاب المسلمون على إجازة أثناء هذه المناسبة الدينية رغم أن ذلك بمثابة عرف داخل الجامعة وليس قانونا ملزما». وفى هذه الأجواء المزدحمة بالأعراق أيضا تكون تجمعات المسلمين فرصة لتخفيف غربة الصائم هناك، وهو ما دفع اتحاد الطلاب المسلمين فى الجامعة على سبيل المثال إلى تنظيم إفطار يومى فى الجامعة، أما صلاة التراويح فكان المركز الإسلامى هو المكان الأنسب لها.
هذه الطبيعة البسيطة فى الحياة الرمضانية لم تخل من مفارقات واجهت محمد عزالدين فى عامه الأول بأمريكا، يذكر منها نموذجا استفزه داخل جامعته، يقول: «تعين الجامعة واعظا لكل طائفة، نظرا للأصول الكنسية لهذه الجامعة تحديدا، لكن بالنسبة لواعظ المسلمين فقد أتوا بشخص أصابنى بالصدمة فى أيامى الأولى فى أمريكا». يذكر محمد عزالدين أنه واجه «واعظا مسلما» متحاملا على المسلمين وصاحب ابتكارات وبدع فى أصول الدين مثل إلغائه صلاة الجمعة بسبب أنها تزامنت مع يوم عطلة رسمى، أو أن يعلن بدء رمضان حسب الظن دون التقيد بالرؤية الشرعية. يضيف محمد «كل هذه الأمور أدت إلى مواجهة البعض لما يرتكبه من تفريط فى حق الدين وحقنا. هناك أمر آخر يظهر فى مثل تلك المواقف وهو الاتحاد بين المسلمين دون النظر إلى خلفية المذهب سواء كان سنيا أم شيعيا.
فى مثل هذه المواقف نتحد سويا للصالح العام». هذه الملحوظة أدركها أيضا أشرف الشريف موضحا أن فترة رمضان تخفف من روح المذهبية إلى حد كبير، فالجميع يعلم أن أنه إذا فتح الباب لاقتحام الثقافات فى الدين سيتشتت المسلمون.
بعيدا عن الولايات المتحدة يفتقد كل من أشرف الشريف ومحمد عزالدين بعض ما رأوه فى «رمضان الأمريكى» يقول أشرف بعد قضاء ثلاث سنوات فى مصر: «افتقدت من هذه التجربة أن تكون العبادة فردية، لا يجبرنى عليها أحد، كنت أصوم وأصلى وسط أغلبية لا تدرك ما أفعل.وهذا على عكس روح الاستهلاك التى طغت على أشياء كثيرة فى مصر، بدءا من المسلسلات والطعام حتى إنها تسللت إلى العبادة نفسها التى أصبح الاستعراض فيها أحد مظاهر رمضان». بنفس النبرة يكمل محمد عزالدين ما بدأه أشرف متحدثا عن حالة التأمل الروحانية التى وجدها فى أثناء وجوده فى أمريكا فى أثناء رمضان الماضى، يقول: «هناك توافرت لى فرصة التأمل فى عبادة الصيام التى أقوم بها، حين لم يكن الصيام ضمن جماعة». يصمت قليلا ثم يكمل: «فى أمريكا كنت أفتقد صوت الأذان بشدة، لكنى عندما عدت إلى مصر أخيرا صدمت بصخب الميكروفونات، وتعمد تعلية صوت القرآن الصادر من بعض المحال، كلها مظاهر تحيى الحس الجماعى فى العبادة وتقتل متعة تأمل الفرد فى عبادته».
صوم وحجاب بين ثلاث دول
حتى هذه اللحظة لم تتضح معالم الصورة أمام أميرة قطب في مجتمعها الجديد داخل ولاية كاليفورنيا الأمريكية، تقضي الآن أول رمضان لها في الولايات المتحدة التي انتقلت إليها بعد زواجها، أما ذكريات رمضان لثلاث سنوات مضت فكانت في كندا وتحديدا في مدينة كيبيك – داخل الإقليم الفرانكفوني - حيث تدرس الدكتوراه في التنمية الدولية عن "التعامل مع ظاهرة أطفال الشوارع في مصر". تقول أميرة : "حتى الآن لم تظهر اختلافات كثيرة، الوضع هنا يتشابه مع أداء الجالية المسلمة في كندا، خاصة في ظاهرة الإفطار الجماعي حيث تشارك الأسر بطعامها على الرغم من أن نسبة كبيرة من الطلبة المتواجدين هنا ليسوا مع عائلاتهم". في أول رمضان قضته أميرة في كندا قبل عدة سنوات لم تشعر بأجواء رمضان عدا المظاهر التقليدية التي تنشغل بها الجالية المسلمة كل عام مثل قضاء صلاة التراويح، وتنظيم الإفطار الجماعي، وحضور الدروس في المسجد. إلا أن الأعوام التالية أظهرت جوانب أخرى من المجتمع الكندي، تقول أميرة : "فوجئت في رمضان التالي أن بعض الكنديين غير المسلمين على دراية بحلول شهر رمضان، بل إن بعضهم لفت نظره صيام المسلمين فأصبح يمتنع عن تناول الطعام أمامنا مراعاة لشعورنا، و أكثر من هذا أن بعضهم جاء لحضور الإفطار الجماعي التي تنظمه الجالية للتعرف على هذه العبادة". حسبما تقول أميرة فإن الحديث هنا مع غير المسلمين يحتاج إلى اهتمام فبعض الطلبة سينشرون هذه المعلومات في مجلة الجامعة، وآخرون يطرحون أسئلة عن جدوى الصيام، لذا فالإجابة لا بد أن تكون ذكية دون إلحاح كي لا يعتقد الطرف الآخر أن هناك محاولة لدعوته إلى الإسلام. رمضان في كندا حسب وصف أميرة لا يحمل معه مشاكل كبيرة للمسلم رغم حساسية أهل كيبيك كأقلية ذات أصل فرنسي داخل كندا، قد تظهر مشاكل من نوعية أخرى مثل بعد المسجد عن السكن وقلة المواصلات بعد ساعات متأخرة من الليل، تقول أميرة : "الحقيقة أنني لم أواجه بعنف بسبب ممارسة عباداتي أو حتى بسبب ارتدائي الحجاب، هذا لم يحدث في كندا أو أمريكا، لكنه حدث لي من قبل في فرنسا حين وصفت إحدى النساء في الشارع حجابي بأنه رمز الإرهاب، ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد، فأثناء دراستي هناك قبل توجهي إلى كندا طالبتني إحدى الموظفات المسئولات ألا أصلي داخل المعهد وأن أصلي في منزلي وتهكمت على فكرة الإيمان بالله ..! هذا علما بأن بعض الجامعات تتيح قاعات لصلوات المسلمين على مدار اليوم". وسط عالم مليء بالأسئلة عن مظهرك وعبادتك أدركت أميرة قطب أن عليها دورا في الإجابة على هذه الأسئلة، تطوعت لفترة كمترجمة في مواقع تشرح الإسلام باللغة الفرنسية. كما حاولت المشاركة في جمعية الطلبة المسلمين في كندا (مدينة كيبيك) وكذلك من خلال المركز الإسلامي، لكن أحيانا ما كانت تفاجأ بمشاكل داخلية تذكرها : "وجدت جمعية الطلبة تقدم الإسلام المتشدد، أما المركز الإسلامي فكان هناك انقسام بين الجالية بسبب تشدد إمام المسجد، لكن بعيدا عن كل هذا كانت هناك مزايا أخرى مثل عدم الإطالة في صلاة التراويح كما أن بعض المساجد كانت تفتح أبوابها أمام النساء لأداء صلوات التهجد في ساعات متأخرة من الليل أثناء العشر الأواخر من رمضان". بعيدا عن مصر لا تشعر أميرة بافتقادها الشديد لرمضان المصري بل تقول : "أفضّل قضاء رمضان خارج مصر، لأنك حتى أثناء وجودك في مصر ستظل مشغولا بحياتك خارج مصر، كذلك فنسبة التشويش الذهني عالية جدا في مصر بسبب المسلسلات وتحول الصيام إلى عادة اجتماعية بدلا من كونها عبادة روحية.

Saturday, August 28, 2010

فرسان الخير على الطريق

فرق الامداد السريع بالبلح والتمر الهندي
لن يلاحظهم أحد سوى قبل أذان المغرب بنصف الساعة على الأكثر، يتفرقون فى الطرقات دون خطة مسبقة وبيد كل واحد إفطار سيوزعه على المارة فى الوقت المناسب، كان هذا العام هو التجربة الأولى لسمير عنتر، الذى انضم إلى هذه المجموعة مع بداية رمضان، فى الأعوام السابقة كان يشاهدهم من بعيد وقت الإفطار دون أن يشارك، أما اليوم فأصبحت له طقوس يومية من الصعب أن يتخلى عنها. قبل أذان المغرب بوقت مناسب يغلق باب المحل بإحكام ثم ينطلق فى رحلته مع الصائمين حتى يصل إلى منزله فى منطقة المرج، حيث نهاية خط مترو الأنفاق. يعمل سمير فى محل لخدمات المحمول جوار محطة غمرة، يقف نهارا فى شد وجذب مع الزبائن أثناء الصيام، وإلى جواره حقيبة لا تظهر أهميتها سوى وقت الإفطار يعبئها بالتمر فى كمية تتغير ما بين نصف الكيلو أو الكيلو. يقول: «قبل التوزيع أقوم بغسيل كل تمرة وأغلفها فى كيس صغير بحجمها». يتعامل سمير مع الأمر وكأنه سيضع هذه التمرات فى يد الله.
فى رحلته اليومية يودع غمرة متجها إلى المترو، يعلق قائلا: «فى أول رمضان حين جربت توزيع التمر على الركاب كنت أخشى ردود الأفعال العكسية، وشعرت بخجل شديد أثناء التوزيع، لكن كنت أقول لنفسى إننى وقفت فى يوم من الأيام فى الشارع كبائع حر، هل أخجل اليوم من عمل الخير؟».
أثناء عبوره ناحية المترو يظهر فى شارع رمسيس من اختار توزيع علب العصير على السيارات المارة أسفل كوبرى غمرة، أما داخل محطة المترو يتلقى سمير نفسه كيسا يحوى عصيرا وخبزا للإفطار من أحد المتطوعين داخل المحطة، بمجرد أن يظهر المترو المزدحم يتوقع سمير السيناريو اليومى: «قد أفرغ ما معى من تمر فى عربة مترو واحدة، ومن المهم جدا أن أنهى ما لدى قبل الأذان، وكذلك قبل محطة المطرية، حيث يظهر شباب آخرون فى المحطات التالية يوزعون بدورهم التمر ووجبات أخرى، وهؤلاء لن أدخل معهم فى منافسة، بل على العكس أحيانا ما أتعمد أن أفطر على ما يقدمونه كى أجرب إحساس من أوزع عليهم التمر». داخل عربة المترو تختلف الأجواء قليلا، ففى أوقات الزحام التى يزيد فيها التوتر والعصبية تتلاشى المشاعر السلبية ويخترق سمير صفوف الركاب بسهولة، وما إن ينهى عمله حتى يستقر فى مكانه كأى راكب آخر، وفى طريقه إلى المرج لا يتوقف الشباب عن عطائهم داخل المترو، بعض الشباب يلقون أكياس من خارج العربة خوفا من الدخول وإغلاق أبواب المترو عليهم، وآخرون تركوا بعض التمر فوق ماكينات التذاكر جوار أبواب المحطات. يعلق سمير بعد أن ينهى مهمته قائلا: «العبارة التى توجه إلى دائما بشكل متكرر هى جزاك الله خيرا، أوزع على الجميع.. حتى المسيحيين لا يرفضون التمر ويشاركون الصائمين فرحة الإفطار». أحد الركاب المسنين المداومين على استخدام عربات المترو يذكر أن مشهد توزيع التمر والعصائر على الصائمين لم يكن منتشرا بهذا الكم قبل سنوات، وحتى فى فترات صباه فى الخمسينيات والستينيات لم تكن هذه الفكرة منتشرة ما يجعله يشعر بالأمل قائلا: «الشباب دلوقتى أكثر التزاما من زمان، ومجتهدين أكتر». هذا الاتجاه نحو إفطار الصائمين سبقه فى السنوات السابقة تشجيع من عدد من الدعاة فى محطات التليفزيون الدينية وعلى الإنترنت. فى موقع (الطريق إلى الله) خرجت إحدى المطبوعات تحت عنوان: يوم فى حياة صائم و دعا ناشروها على الإنترنت إلى طبعها ونشرها فى الطرقات، إحدى أهم توصيات هذا الملصق تقول: فى موعد صلاة المغرب لا تنسى توزيع التمر فى الطريق إلى المسجد. أما سمير عنتر فقد اقتصر توزيعه للتمر داخل عربات المترو، وغالبا ما تنتهى الكمية، التى يحملها معه يوميا فى محطة منشية الصدر أو كوبرى القبة.
ينزل الراكب من محطة مترو كوبرى القبة ليفاجأ بمعتز حسن وهو يستقبله حاملا صينية عليها أكواب مشروب التمر هندى، يشاركه فى هذه المهمة أخته، التى تقف بعيدا جوار زوجها رضا سالم يعدان أكواب الشراب، وما إن ينهى العابرون أكوابهم حتى يكتشفوا وجود حبات تمر مقطعة داخل الكوب يفطرون عليها فى طريقهم، كل هذا احتاج إعداده ساعتين قبل الإفطار حسب حديث رضا سالم الذى قال: «الحقيقة أننا لا نأتى إلى هنا يوميا لتوزيع الشراب والتمر، أكثر الأيام المضمونة لنا هى يوم الجمعة أو فى أى يوم آخر نجده مناسبا لهذه المهمة». أثناء عملية التوزيع يدور العمل بين ثلاثتهم بشكل آلى دون حديث إلا من عبارات تحذيرية توجهها الزوجة لزوجها وأخيها من ألا يسقط منهما شىء، وتعلق بدورها قائلة: «جربنا توزيع الإفطار فى الشارع على المارة فى العام قبل الماضى، ثم توقفنا العام الماضى وتركنا المهمة للمسجد المجاور، لكن الحقيقة، التى اكتشفناها أن أمتع لحظة هى أن أقدم الخير بنفسى».
يحتفظ ثلاثتهم بابتسامة ترحيب أثناء حديثهم، وتستغرق المهمة نحو ثلث الساعة بعد أذان المغرب. يشير معتز إلى أن نفس هذه المهمة التى يقوم بها جوار محطة المترو مجموعة أخرى من الشباب والأصدقاء.
ما يقوم به هؤلاء المتطوعون على الطريق أصبح مثار اهتمام البعض، أحدهم وجه سؤالا إلى دار الإفتاء المصرية حول إمكانية تخصيص جزء من زكاة المال لهذا العمل، لكن رد دار الإفتاء كان واضحا، حيث اعتبرت هذا العمل «نوعا من وجوه الخير والتكافل كالصدقات والتبرعات، لا من الزكاة». حيث إن للزكاة المال مصارف محددة أوضحتها الفتوى المحفوظة على الموقع الالكترونى لدار الإفتاء على الانترنت.. ومؤخرا دخلت إلى فكرة توزيع التمور وقت الإفطار تأثيرات أخرى سياسية مثلما حدث مؤخرا فى مدينة الإسكندرية حين تطوعت إحدى الفتيات بتوزيع التمور على الصائمين مع ورقة صغيرة تطلب فيها الدعاء بالرحمة والمغفرة لروح الشاب خالد سعيد، الذى لقى مصرعه قبل عدة أشهر فى حادث أثار الجدل حول دور وزارة الداخلية فى وفاته، كما استغل البعض الفكرة فى الدعاية الانتخابية، أما سمير عنتر ورضا سالم وأسرته فهم بعيدون تماما عن مثل هذه الأهداف. بل إن محاولة الحديث مع هذه المجموعة كادت تفشل بسبب ما أفصح عنه رضا وأسرته قائلين: «من يعمل الخير لا يحب أن يتحدث عنه كثيرا».

Wednesday, August 25, 2010

الدعوة بأدوات مختلفة

عبدالرحمن مصطفى
«أيهما أفضل أن أجعل الطرف الآخر يشارك فى معالجة المشكلة أم أن أوجه إليه رسائل من طرف واحد؟» هكذا يرى محمد جاد الله الطريق الأمثل لمعالجة سوء الفهم الذى يتعرض له المسلم داخل المجتمعات الغربية، لم تعد الخطبة من وجهة نظره هى الحل الوحيد، خصوصا أنه لن يسمعها سوى المسلمين فى الغرب، يضرب مثلا بطريق آخر للوصول إلى داخل المجتمع الغربى بآخر ورشة تدريبية أقامها فى النمسا تحت عنوان «تاريخ الضمير»، اعتمد فيها على الربط بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية والحضارة المصرية القديمة وصولا إلى التاريخ الحديث والهدف حسب قوله: «استعراض منظومة القيم الإنسانية، وتعريف الغربى سواء كان طالبا فى المدرسة أو محاضرا أكاديميا بأن ما يعتنقه من مبادئ موجود لدى غيره، مما يخفف التوتر بين الشرق والغرب». يرأس محمد جاد الله مؤسسة «الجسر» للتسامح والسلام وأكاديمية التراث الحضارى المشترك والحوار. يلخص فلسفتها فى أهمية التركيز على تباين الثقافات وتأثير ذلك فى مشاكل الجالية المسلمة فى أوروبا، موضحا أن المشكلة ليست فى الأديان بقدر ما هى فى اختلاف الثقافات، والهدف من الورش التدريبية هو توضيح الوجه الحضارى للإسلام، بحيث يشعر الغربى باتصال مع الإسلام كدين وحضارة بعيدا عن أزمات الواقع الحالى الذى على الجميع تفهمه ووضع حلول له. وكى يتم الإعداد لمثل هذه الورش التدريبية لا بد من إعداد الشخص الذى يدير الورشة التدريبية كى يكون العمل احترافيا، فإلى جانب استخدام النصوص الدينية والآراء الفقهية المختلفة فى محاولة التعريف بوجهة نظر الإسلام، لابد من مهارات لإدارة هذا العمل، يعلق على ذلك قائلا: «أهم دراسة يفتقدها العاملون فى مجال الدعوة فى الغرب هى دراسة فض النزاعات والوساطة، أعترف أننى حين حصلت على دبلومة فى هذا المجال من معهد سالزبورج بالنمسا، تفتحت لى مجالات جديدة ورؤية أوسع وطرق مختلفة فى الوصول إلى الحاضرين، لم أعد أدير محاضرة، بل أتعامل مع جلسة نقاش واشتباكات فى الآراء وإدارة مفاوضات وإقناع أطراف مختلفة، فى هذا الموقف أكون الطرف المحايد، لا أتحدث من موقف المدافع عن الإسلام بل أبحث مع الجميع عن نتيجة واحدة ترضيهم، وهو ما لا يفعله كثيرون يعملون على تناول المشاكل بين الغرب والمسلمين». فى الورشة الأخيرة مارس محمد جادالله هذه المهارة بوضوح حين وقف فى القاعة وسط مجموعة من طلبة المدارس معتمدا على التفاعل بين الحضور وطرح الأسئلة والإجابة بواسطة تدريبات ذهنية تعمق الحوار وتشجع على التعرف على الطرف الآخر. كان العنوان الكبير هو «مفهوم التنوع» الذى نشط لدى الطلبة إحساسهم بتقبل اختلافات الآخرين وخصوصية كل دين مع التركيز على القيم المشتركة لدى جميع الأطراف. وسط هذا السعى يفاجأ أثناء عمله بأطراف أخرى قد لا تهدف حتى إلى الدعوة للإسلام بقدر ما تهدف إلى المناظرة والتحدى، ويعلق على ذلك: «هناك كارثة يعيشها المسلمون فى الغرب وهى أن المجتمعات الغربية أمامها صورة مشوشة تمزج ثقافة المهاجرين بالدين، خصوصا أن المراكز الإسلامية فى الغرب تتلقى تمويلها فى بعض الأوقات من دول إسلامية، وتروج كتبا ناتجة عن ثقافات الشعوب العربية والإسلامية، وكأننا نكرس للاختلاف، ولا نبحث فى المشترك بيننا وبين القيم والثقافة الغربية».
إرشاد دعوى
لم تأت تلك التجربة من فراغ حسب قوله بل بعد العمل على مدى 16 سنة فى مجال الإرشاد السياحى فى مصر، حين لاحظ محمد جادالله أن كثيرا من السائحين الأجانب يفتقدون إلى المعلومات الأساسية عن مصر والعالم الإسلامى، ما يجعلهم أسرى بعض الصور المضللة عن هذه المجتمعات. يقول: «فى مهنة الإرشاد السياحى أنت مقيد بأمر مهم وهو ألا تتجادل مع السائحين فى الدين أو فى السياسة، فليس هذا هو الزمان أو المكان المناسب لذلك». هكذا يصف قيود المهنة، وكأغلب زملائه احتفظ بهذه الملاحظات لنفسه واكتفى بالردود التى يجيدها المرشد السياحى المحترف، لكن الوضع اختلف بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بعد أن تأثرت حركة السياحة العالمية وبرزت صورة المسلم والعربى «كإرهابى». يعمل اليوم محمد جادالله إلى جانب عمله الرئيسى كمرشد سياحى فى مجال تطوعى اختار أن يقدم فيه ورشا تدريبية تهدف إلى إزالة اللبس لدى المجتمعات الغربية عن المسلمين، يشرح ذلك: «قبل خمس سنوات دعيت إلى أول ورشة أحضرها من هذا النوع بالتعاون مع هيئة الصليب الأحمر، وهى نفس الفترة التى كنت ألاحظ فيها الأزمة التى يتسبب فيها بعض الشيوخ الذين يجيدون اللغات الأجنبية حين يتعاملون مع الأوروبيين بنفس منطق التعامل مع العرب». كانت الورشة موجهة إلى الفئات التى تتعامل مع «المريض المسلم» فى المجتمع النمساوى، وهناك رأى على أرض الواقع عالما مختلفا وقضايا أخرى يشرحها : «ذهبت وأنا أعلم جيدا أبعاد مشاكل المهاجرين المسلمين سواء كانوا عربا أو أتراكا وكذلك انغلاق بعضهم على نفسه.. فى هذه الورشة كنت أهدف إلى التعريف بالجانب الدينى لدى المسلمين خصوصا فى أوقات المرض وفى إجراءات الوفاة وكيف يتعامل الطبيب والممرض مع هذا الجانب الغامض بالنسبة إليه، دون تبرير المشكلات الثقافية التى تعوق الاندماج». بعد عدة ورش على نفس النمط تهدف إلى صنع جسر بين الشرق والغرب اكتشف محمد جادالله أن ما يحكم العلاقة بين الطرفين هو الخوف، ولاحظ ذلك فى مثال واضح يذكره: «أثناء أزمة الرسوم المسيئة بين العالم الإسلامى والدنمارك وجدت أن صورة المسلمين الذين أحرقوا السفارات فى مظاهراتهم الغاضبة قد غطت تماما على المجهودات التى بذلها المسلمون للتواصل أو التعريف بخصوصية احترام الأنبياء لديهم، بل استدعى هذا الحادث صورا أخرى مضللة من أرشيف الذاكرة مثل صور بن لادن وغيره من الشخصيات المخيفة للمجتمعات الغربية». بالتوازى مع هذه الورش المختلفة عمل على تعميق دراساته الإسلامية حيث يدرس الآن فى مرحلة الدراسات التمهيدية للماجستير، لكن تظل مهارات تنظيم الورش التدريبية والتدريبات الذهنية هى أساس المناقشة داخل هذه الورش التدريبية، ويقول: «أراهن على أن مستقبل الدعوة سيتغير باستخدام هذه المهارات التى لا تعتمد على شكل الداعية التقليدى الذى اعتدنا عليه فى المنطقة العربية». يطمح محمد جادالله الذى يفضل استخدام لقب (وسيط فى فض النزاعات) إلى تأسيس أكاديمية لتدريب الدعاة على آليات ومهارات فض النزاع والوساطة التى تمكن الداعية من أن يعرض قضيته بشكل ناضج يجتذب المجتمع الغربى، ويعلق على ذلك: «أراهن شخصيا على وجود نماذج مثل الدكتور أحمد الطيب فى مشيخة الأزهر فى تنمية هذا الاتجاه لدى الدعاة وتوسيع آفاقهم». يلقى عبارته مبديا عدم القلق من أن يكون ضيفا طارئا على مجال الدعوة موضحا: «يكفينى أن يرى الأوروبيون مجهوداتنا التى تعلى من شأن القيم الإنسانية الراقية الموجودة فى جميع الحضارات والأديان، وأن يربطوا ذلك بأننا مسلمين، فعلينا ألا ننسى الإسلام انتشر فى أرجاء كثير نتيجة إعجاب غير المسلمين بسلوكيات المسلمين وقيمهم الإنسانية العالية».

قبل عدة سنوات اتجهت فتاة ألمانية لمعرفة المزيد عن الدين الإسلامى، كان لقاؤها الأول مع كتيب تحت عنوان «حب الله للعبد» وهو فى الأصل محاضرة مترجمة إلى الألمانية للداعية عمرو خالد، اتصلت الفتاة بالمترجم الذى كان ضمن فريق المتطوعين فى دار الترجمة المكونة حديثا على منتدى عمرو خالد، وتسبب هذا الكتيب فى تحول الفتاة إلى الإسلام، تلك القصة لايزال يرددها أعضاء فريق دار الترجمة ولاتزال الرسالة الصوتية التى أرسلتها الفتاة الألمانية إلى منتدى عمرو خالد محفوظة حتى اليوم على الإنترنت. فى تلك الأجواء الإيمانية تأسست دار الترجمة وانتقلت من الإنترنت إلى الواقع، وحتى اليوم تزداد أعداد الرسائل التى تتلقاها نيرمين حسين رئيس مجلس إدارة دار الترجمة خصوصا فى شهر رمضان، البعض يرسل عبارات الدعم وآخرون يعبرون عن رغبتهم فى التطوع. حسب ملاحظتها فإن رمضان كان دوما موسم الحماس وعلو الهمة، وعلى الرغم من أن المشهد داخل دار الترجمة قد لا يختلف عن الكثير من الشركات الأخرى، لكن نظرة متعمقة تكشف عن أن الأمر بالنسبة إلى العاملين هنا ليس مجرد وظيفة فى شركة متخصصة فى الترجمة، بقدر ما هو مشاركة فى تجربة محورها الدين على الرغم من الطابع الاحترافى الحالى. توضح نيرمين حسين: «بعد أربع سنوات من تأسيس دار الترجمة لم نتخل عن الروح الدعوية التى قام عليها المشروع، منذ البداية عرفنا أن أمامنا طريقين للاستفادة من مهاراتنا فى اللغة، الأول هو نقل معلومة مفيدة عن الإسلام لغير المسلمين وهذا عمل أغلبه تطوعى، إلى جانب تعريب ما هو مفيد عن اللغات الأخرى لتنمية مجتمعنا». الأمر حسبما تصفه نيرمين يفرض على من يعمل هنا أن يكون ذا خلفية خاصة أو حسب عبارتها «العمل هنا نمط حياة، والأفضلية فى الانضمام للفريق لمن لديه حس التطوع وخدمة الدين».
تعود فكرة دار الترجمة إلى العام 2003 بعد شهور قليلة من إنشاء منتدى عمرو خالد على الإنترنت، حيث نشطت الفكرة وقتها على يد نيرمين ومجموعة لا تتعدى الخمسة أفراد على المنتدى، فى تلك المرحلة تكونت روح المشروع الذى دعمه عمرو خالد فى سنوات تالية بعد أن رأى إنتاجه. فى تلك الفترة التى كان فيها أسامة بن لادن هو المسلم الأشهر على الساحة العالمية حين تصاعدت موجات التحريض ضد الإسلام اعتمد العمل على ترجمة مواد مفيدة موجهة إلى الغرب عبر الإنترنت. تقول نيرمين حسين : «بدأنا بترجمة حلقات برنامج عمرو خالد، ثم بعض مقالات الدكتور زغلول النجار عن الإعجاز العلمى فى القرآن». تصمت قليلا ثم تضيف: « قد أتعجب اليوم من قدرة الدكتور عمرو خالد على الوثوق فينا لهذه الدرجة فى ترجمة أعماله على الرغم من أننا لم نكن متفرغين وقتها، لكننا كنا مخلصين فى عملنا». اليوم تقوم الشركة بترجمة حلقات عمرو خالد لهذا الموسم فى عادة سنوية لم تنقطع لكنها اتخذت شكلا أكثر احترافية ووصلت إلى حد دبلجة بعض البرامج.
من الإنترنت إلى أرض الواقع
المجموعة التى تكونت فى البداية من دارسى اللغات والترجمة وجدت فى شعار «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» فرصة لتحقيق رغبتهم التى شحنتها كلمات عمرو خالد فى منتداه. تعلق نيرمين على ذلك : «جاءتنا إشارة بأننا على الطريق الصحيح حين تصادف أن تكون أولى حلقات برنامج عمرو خالد بعد ظهورنا عن الترجمة وأهميتها فى المجتمع، كما ازدادت أعداد الراغبين فى التطوع معنا خصوصا فى رمضان وتزايد دعم عمرو خالد لنا عاما تلو عام». على مدى تلك السنوات كان كل أعضاء فرق الترجمة فى منتدى عمرو خالد مستمرون فى أعمالهم الأصلية وفى دراستهم حتى ظهرت إشارات أخرى تدعو إلى مزيد من التقدم فى تطوير فكرة المشروع، تقول نيرمين: «عن نفسى كنت أعمل فى مجال الإدارة لمدة 15 سنة وصلت فيها إلى منصب جيد فى إحدى شركات السياحة، لكن كان الحلم والهدف الذى تعلق به المئات هو مشروع تأسيس شركة مساهمة باسم دار الترجمة، وكان جميع من تبنوا التجربة فى قلق عند بدء الخطوات الجدية. كان الأمر يحتاج منى مغامرة كى أترك عملى وأخوض هذه التجربة، وهو ما تم فى رمضان العام 2006، فلم يكن لهذا المشروع أن يستمر فقط على الإنترنت، كان قد حان وقت نقله إلى الواقع» فى رمضان من كل عام تحتفل الشركة بذكرى تأسيسها، واختار المؤسسون أن يحددوا رؤيتهم فى «أن تقوم دار الترجمة بدور رائد وفعال فى التبليغ الأمين لرسالة الإسلام الحقيقية إلى جميع البشرية بكل اللغات الحية الممكنة. وبالمثل أن تلعب دار الترجمة دورا رائدا فى تعريب العلوم والتقنيات الحديثة لأجل رخاء ورفعة كل الأمة العربية». بعد انطلاق الشركة ودخولها عالم الاحتراف زاد تكريس نمط حياة العاملين على قواعد محددة، ولقب العاملون فى دار الترجمة أنفسهم بلقب «الدارجميين» وكأنها تسمية تخفى ورائها مجموعة من القناعات والتجارب التى نقلت «فكرة» فى منتدى إلى مشروع حقيقى. وما زال الخط الذى اختارته المجموعة فى البداية يحرك المشروع تحت التأثير الدعوى لمنتدى عمرو خالد، فقد نما اتجاه التعريب لخدمة المجتمع فى ترجمة الكثير من الأعمال إلى العربية خصوصا فى مجال التنمية البشرية وغيرها، وآخرها كانت تجربة دخلتها دار الترجمة مع جوجل لترجمة 5،6 مليون كلمة أى نحو 21000 صفحة من موسوعة ويكيبيديا الأشهر على الإنترنت التى يرتادها الملايين، والهدف إتاحة مزيد من المعلومات العامة باللغة العربية لمتصفحى الإنترنت، حسبما تقول رئيس مجلس الإدارة فإن عدد العاملين والمساهمين فى دار الترجمة اليوم حوالى 520 فرد، والفاعلين منهم فى مجال الترجمة حوالى 300 فرد، أما الملاحظة الواضحة فهى أن غالبية أعضاء فرق الترجمة (16 لغة) من النساء، وتقدر بنسبة 80%. لكن الأساس الذى اجتمع عليه أفراد التجربة منذ البداية فرض عليهم ثقافة واحدة تجمع بين الحس الأخلاقى والجانب التنموى، توضح نيرمين حسين هذه النقطة قائلة: «رغم أننا حققنا اسما طيبا فى مجال الترجمة وحققنا تواجدا كبيرا إلا أن الأهم هو الحفاظ على خصوصية هذا المشروع، يحصل الشباب من (الدارجميين) على ورش تدريبية فى الإدارة والتنمية البشرية، إلى جانب الأنشطة الموجهة إلى تدريب أبناء دار الترجمة من الأطفال». على موقع دار الترجمة صور الرحلات والحفلات التى قضاها الدارجميون معا فى فترة مبكرة حتى قبل تأسيس الشركة، لكن الفرق فى هذه الصداقة أنها تحولت إلى مشروع ناجح، تقول نيرمين: «بعض أبناء العاملين فى دار الترجمة أجدهم على نفس خطواتنا الأولى ويحملون نفس الروح، وهو ما يجعلنى شخصيا أتفاءل باستمرارية هذا المشروع بأيدى الأجيال القادمة، التى نتعمد أن نربطها بالمكان قدر الإمكان».
pdf

Wednesday, August 18, 2010

موسم الفاكهة المباركة

في رمضان من كل عام تنتعش تجارة البلح المرتبط بالعادات الغذائية للصيام، فتتسارع رحلة البلح من أماكن إنتاجه إلى الأسواق. أولئك الذين تعود أصولهم إلى المحافظات المنتجة للبلح مثل أسوان او الواحات، تمثل لهم هذه الرحلة قصة طموح أو مورد رزق موسمي إضافي.
كتب – عبدالرحمن مصطفى
بلح العام الماضي من أسوان

لو لم يكن "حسن محمد" ذا أصول أسوانية لكان المشهد قد اختلف كثيرا عن الصورة الحالية، فأمام العمارة التي يعمل بها حارسا بمنطقة باب اللوق وضع أجولة متراصة من البلح الأسواني الفاخر في مدخل العمارة، يتكرر هذا المشهد كل عام قبل بداية رمضان بأيام قليلة ويستمر حتى نهاية الشهر الكريم، في تلك الفترة تتحول هذه الأجولة إلى مصدر رزق إضافي يعينه على قضاء حياته في القاهرة إلى جانب ما يدخره لأسرته التي تقيم حاليا في مركز دراو بمحافظة أسوان. يقول حسن: "موسم تجارة البلح يزدهر في فترة محددة بدء من شهر شعبان حتى 25 رمضان، بعدها تركد هذه التجارة تماما". رحلة أجولة البلح المتراصة أمامه ليست بالبساطة التي يعتقدها البعض، حيث تبدأ خطة النقل باتفاق يتم بين عدد من أفراد العائلة والأهل العاملين في تجارة البلح ثم يؤجرون شاحنة كبيرة مقابل مبلغ لا يتجاوز 1200 جنيه، وتنتهي رحلة أجولة البلح قرب سور العبور الشهير في القاهرة حيث يستلم حسن نصيبه على أبواب المدينة كي لا يتحمل قيمة الرسوم المضافة إذا ما دخلت الشاحنة سوق العبور. يحاول حسن قدر الإمكان أن يوازن بين عملية البيع وإدارة شئون العمارة، فنجده في نفس الوقت الذي يعطي فيه أحد السكان مفتاح شقته نراه بعدها يلقي تحية على ساكنة أخرى حفاظا على علاقاته اليومية مع الجميع، ثم يأخذ هدنة يقتنصها في بيع البلح لزبون عابر. لكنه على مدار عشر سنوات من الإقامة في القاهرة أصبح لديه زبائنه الذين يقصدونه في كل عام، يعلق على ذلك قائلا : "لديّ زبائن أطباء ومستشارون وآخرون من مستوى راق وهو ما يفرض عليّ اختيار أجود الأنواع حتى لا أخسرهم مهما كانت الظروف، فأي سقطة أقع فيها ستؤثر علىّ العام القادم". يوضح حسن أن الأمر أكثر تعقيدا من مجرد الحفاظ على زبون، فأحيانا ما تبدأ المشاكل في أسوان، يشير إلى أجولة البلح شارحا ذلك بقوله : "هناك ملاحظة مهمة على الجميع أن يعرفها حدثت العام الماضي وستتكرر هذا العام وهي أننا نأكل بلح عام مضي، بمعنى أن موسم جني البلح يأتي في شهر سبتمبر، أي أن البلح المطروح حاليا في السوق قد تم شراؤه قبل عام بعد انتهاء رمضان الماضي مباشرة وتم تخزينه كي يتم بيعه الآن، وهذا الموقف سيتكرر هذا العام أيضا، فنحن في انتظار جني البلح فوق النخل، ثم شراؤه، وبعدها تخزينه". طوال العام الماضي تعرض البلح لمخاطر الأمطار والسيول التي ضربت جنوب البلاد، وحسب تقديره فإن نسبة كبيرة من كميات البلح التي احتفظ بها التجار قد تعرضت للأمطار والسيول وهو ما اضطرهم إلى التعامل معها بحساسية شديدة طوال العام، ولم تسلم إلا نسبة ضئيلة قدرها حسن بـ 20 %.
حسن الذي لم يجاوز الأربعين عاما بدا أثناء حديثه متورطا بشدة في تجارة البلح كاشفا عن حياة مختلفة تعيشها الكثير من عائلات الجنوب في أسوان التي تنشط في زراعة النخيل وتجارة البلح الأسواني، وتكفي جولة في شوارع مجاورة للعمارة التي يحرسها عم حسن كي تكشف عن وجود عدد آخر من حراس عمارات وسط البلد الذين ينتمون أيضا إلى أصول أسوانية ويعملون في تجارة البلح إلى جانب عملهم التقليدي كحراس عقارات. أما ما يميز بلح الجنوب تحديدا فهو عملية تجفيفه التي تسهل استخدامه في أطباق الخشاف وغير ذلك. يقول حسن معلقا على ذلك : "البيئة التي نشأت فيها ربطتني بتجارة البلح، حتى قبل استقراري في القاهرة، لأن هذا هو المحصول الأهم لدى كثير من العائلات التي تزرع النخيل، فكنت أعمل في بيع ما لدينا من محصول إلى جانب عمليات الشراء والبيع التي كنت أقوم بها مع التجار الآخرين، وكنت آت إلى القاهرة وتحديدا في ساحل روض الفرج لتفريغ شحنة البلح في شونة كبيرة حتى يتم بيعها". قبل عملية البيع هناك مراحل أهم في التخزين أصبح حسن الآن بعيدا عنها لكنه حاول شرحها موضحا أهمية رص البلح على هيئة أبراج بحيث يمر الهواء بين أكوام البلح، أما اليوم فتكفيه مهمة البيع التي أحيانا ما يسانده فيها أخيه الأصغر الذي تخلف عنه هذا العام فاضطر أن يعتمد على نفسه تماما.. على بعد أمتار منه محلات بيع تسالي ومقلة رصت أمامها هي الأخرى ياميش رمضان وأنواعا مختلفة من البلح، وفي الناحية الأخرى محلات فعلت نفس الشيء، لكن قرار حسن كان واضحا منذ البداية : "أنا لا أتعامل مع محلات، أتاجر بنفسي وبشكل مباشر مع زبائني، وكلما فرغت الأجولة أرسل لأهلي كي يرسلوا كمية أخرى أيا كان حجمها سواء كانت 20 كيلوا أو أقل". يراهن حسن على الزبائن الذين ارتبطوا به في كل عام لشراء البلح الأسواني المميز، لكن رهانه الأكبر كان على تأثير جذوره الأسوانية على المشترين إذ يأتيه الزبون وهو يراهن على انه سيشتري البضاعة الأجود من معقل تجارة البلح في أسوان.

التمر من الواحات إلى السوبرماركت

في هذه الفترة من كل عام ينشغل علاء الطحان بمتابعة حجم الطلبات وحركة بيع أنواع البلح المختلفة التي تنتجها شركته، دخل في هذا المجال في سن مبكرة بالعمل في أحد مصانع الوادي الجديد قبل سنوات حتى أصبح اليوم شريكا في مصنع كبير ينتج أنواعا مختلفة من منتجات التمور على مدار العام، يقول : "تعرضنا في بداية مشوارنا لكم كبير من الإخفاقات وعمليات النصب من التجار هنا في القاهرة حين كنا ننقل منتجات أصحاب النخيل في الواحات دون أن ندفع لهم ثم نغلف التمر ونبيعه هنا في القاهرة فيما بعد، وأحيانا ما كنا نتعرض للخسارة". هذا العمل الموسمي تخلى عنه علاء الطحان الذي ينتمي إلى واحة الخارجة في محافظة الوادي الجديد - الأولى في إنتاج التمور بمصر - واختار ان يسير مع زملائه في خطة أكثر طموحا مكنته من أن يدير مصنعا خاصا قادرا على المنافسة، تمثل قصة علاء الطحان وزملائه الشباب تطورا في علاقة أهالي الوادي بتجارة التمر وتصنيعه، وهو ما يعلق عليه قائلا : "نحن 13 شابا أغلبنا من حملة المؤهلات العليا، أنا عن نفسي عملت مدرسا بمقابل 210 جنيه شهريا، كان العمل في تعبئة البلح مجرد مورد دخل إضافي، لكنه تحول إلى حياة كاملة أعيشها مثل كثيرين في محافظة الوادي الجديد.". ينتقل علاء بين الوادي الجديد والقاهرة لمتابعة العمل بين المصنع ومقر الشركة بينما يتوزع زملائه بين المحافظتين، وفي هذه الفترة من كل عام في رمضان يزدهر النشاط بقوة ويعمل الجميع على عرض تمور الوادي بأفضل هيئة حيث يسعى كل سوبر ماركت إلى تزيين أركانه بعلب التمر ذات الأشكال المختلفة في هذه الفترة من العام، أما عن هذا المشروع الضخم الذي يرأسه شاب في الثالثة والثلاثين فقد بدأ قبل العام 2005 بوحدة إنتاجية بسيطة ساهمت محافظة الوادي الجديد في تيسيرها لهؤلاء الشباب، كان كل ما يفعلونه وقتها هو تغليف التمر في كراتين جاهزة وإعادة بيعها من جديد، لكن النقطة الفاصلة كانت حين لفتت منتجات هؤلاء الشباب نظر المسئولين في المعرض الذي أقيم عام 2008 لمنتجات الصعيد، وكان تواجدهم المكثف بعشرات الأنواع من التمر و عسل البلح والحلويات بالبلح دافعا للمسئولين كي يدعموا التجربة، يقول علاء : "أستطيع أن أذكر مثالا على دعم المحافظ شخصيا حين ساعد في إجراء بعض صفقات التصدير عبر إرشادنا إلى الزائرين الأجانب الذين يفدون إلى الوادي الجديد للسياحة". اليوم في داخل المصنع بالوادي الجديد عشرات الشباب والشابات من العاملين أمام خطوط الإنتاج قد لا يمثل لديهم رمضان اختلافا كبير سواء في ضغط العمل، أو في حجم الاستعدادات لموسم جني البلح الذي اقترب، لكن في داخل مقر الشركة في مصر يظهر تأثير رمضان بقوة، حين تتوافد بعض الأسر إلى المقر بحثا عن عبوات التمر تماشيا مع أجواء رمضان ومتطلباته. في تلك الأجواء قد تظهر لهجة واثقة على لسان علاء الطحان أو زملائه تخفي ورائها تجارب إخفاق عديدة كان من الممكن أن تحطم مشروعهم في مهده، يقول علاء : "في البداية كنا نمر على كل سوبر ماركت ونسأل عن سمعته، بل ونسأل مندوبي بيع الشركات الكبرى التي تتعامل معه، وذلك خوفا من وقوعنا في عمليات نصب جديدة تحرجنا أمام أصحاب النخيل الذين أمدونا بالتمر الذي نعيد تغليفه". حسب رأيه فإن ارتفاع مستواهم التعليمي أفاد أيضا في فترة إنشاء المصنع أثناء التواصل مع تجارب أخرى في تونس وسوريا لمعرفة تخطيط المصانع من الداخل والآلات المختلفة التي يحتاجها كي لا يكرر تجارب من سبقوه. اليوم لا يقلق علاء وشركائه الشباب من أن يكون ضمن العاملين معهم في المصنع أو من جيرانهم من يطمح إلى تكرار تجربتهم، وذلك لأن الجميع يعلم أن التمر في النهاية هو المنتج الأهم لدي سكان الوادي الجديد ومصدر رزق الكثير من العائلات هناك.
طري وجاف ونصف جاف
تتعدد مصادر إنتاج البلح باتساع جمهورية مصر العربية، من رشيد شمالا حتى أسوان جنوبا، وتنقسم أنواع البلح إلى ثلاثة فئات هي كالآتي : الأنواع ذات الثمار الطرية، والأنواع النصف جافة، وأخيرا الأنواع الجافة، وتظهر الاختلافات بين التمور المنتجة في محافظة الوادي الجديد ومحافظة أسوان حسب أنواع البلح التي يكثر انتاجها في كل محافظة، فبينما تشتهر الأنواع التي تنتجها محافظة الوادي الجديد بأنها من الأنواع ذات الثمار الطرية والنصف جافة، تشتهر محافظة أسوان بإنتاج الأنواع الجافة. ولا يقتصر إنتاج التمور في مصر على هاتين المحافظتين فقط، بل في محافظات أخرى منها دمياط والشرقية والجيزة والفيوم.

PDF

Saturday, August 14, 2010

عودة الشيخ همام

استدعى هذا الموسم الرمضاني ذكرى شيخ العرب همام بن يوسف من العصر العثماني ناقلا معه صورة الماضي عبر الدراما، أما الواقع فما زال أحفاده الهمامية في جنوب صعيد مصر يحتفظون به داخلهم.
كتب – عبدالرحمن مصطفى
الغائب الحاضر في قلوب الهمامية

لم يكن ظهور سيرة شيخ العرب همام مؤخرا عبر الدراما الرمضانية سوى حدث طارئ في علاقة الهمامية بجدهم الكبير، حسب عبارة أحمد محمد عمر الهمامي فإن "همام يعيش بداخلنا وسيرته متوارثة وكل منا يعرف نسبه وصلته بهذا الجد الكبير.. أفضل شعور يمكن أن يشعره الإنسان هو أن يستند إلى ماضي وشخصية تاريخية يحترمها الجميع"، يعيش أحمد الشاب الثلاثيني الذي يعمل محاسبا في مدينة فرشوط مسقط رأس الشيخ همام بن يوسف الذي نجح قبل أكثر من 250 سنة في صنع تحالفات وتوسيع أراضيه بحيث أسس حكما شبه مستقل من جنوب المنيا حتى أسوان انتهى في العام 1769، هذه المكانة مازالت لها تأثيرها في تشكيل حضور الهمامية وسط القبائل الأخرى، يضيف أحمد : "حتى اليوم ورثنا أحلافا مع قبائل أخرى تكونت في تلك الفترة، وليس لنا عداءات أو ثأر مع أحد". يسكن مركز فرشوط وما يتبعه من قرى قرابة 150 ألف مواطن حسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في عام 2006، ولم يتبقى من بهاء عصر همام ودولته سوى قلعة أثرية وجامع الأمير همام بفرشوط، أما الأهم لدى أفراد العائلة فهو الحفاظ على تماسك العائلة وقوتها، هذه النقطة يعلق عليها عبدالكريم الهمامي الأخ الأكبر ونقيب الأشراف بمركز فرشوط قائلا : "هناك بعض العوامل تحافظ على مكانة العائلة وخلفاء همام، حيث ترتفع نسبة التعليم بين الهمامية إلى حد كبير، ويلتحق الكثير من أبنائها بسلك القضاء والشرطة ما يعطي العائلة ثقلا". يحفظ عبدالكريم الهمامي ما قيل عن جده الكبير همام بن يوسف في تاريخ الجبرتي، ويعتقد أن صفات هذا البطل يتوارثها الهمامية كلما تولوا منصبا، ويؤكد ذلك بقصة عن والده حيث يقول : "أتذكر أثناء طفولتي أن تم ضبط لص سرق سجادة من ديوان الهمامية، بعد أن قضى أياما يأكل ويشرب كعابر سبيل، وأتذكر أن والدي لم يعاقبه، فقط سأله عن أسبابه، وان كان قد طلب شيئا ولم يحصل عليه.. هذه التقاليد الرحيمة والكريمة نحرص عليها منذ عهد همام الكبير".يرجح عبدالكريم الهمامي الذي يجاوز اليوم الثالثة والخمسين ويقيم أغلب وقته في إدارة أعماله التجارية في القاهرة أن عامل الثروة واقتناء الأراضي أحد نقاط القوة في العائلة التي تحرص عليها، هذا الفكر يدفع كثير من العائلات الصعيدية إلى اتخاذ إجراءات مثل عدم توريث المرأة كي لا تذهب الأراضي خارج اسم العائلة، حيث ذكرت دراسة صادرة عن جامعة جنوب الوادي مؤخرا ‬أن‮ ‬4‭.‬5 ٪‮ ‬فقط من نساء ريف الصعيد ‬يأخذن ميراثهن دون مطالبة،‮ ‬و59‭.‬5 ٪‮ ‬محرومات من المطالبة بميراثهن، يعلق عبدالكريم الهمامي أن هذا الأمر مستبعد داخل العائلة الهمامية لسبب بسيط وهو أن الزوجة تتزوج من العائلة، فلا تذهب الأراضي بعيدا يضيف : "المرأة الهمامية يمكنها أن تختار أرضها ومكان ميراثها بنفسها". تلعب قواعد العائلة والثروة دورا هاما في صعيد مصر، ولعل سيرة الأمير همام بن يوسف تجسد قصة تطور استندت إلى قوة ثروته واتساع ما تحت يديه من أراضي في تجربة استقلال لم تدم سوى سنوات انتهت في العام 1769مـ.
قبل أشهر قليلة كان كلا من الأخوين أحمد وعبدالكريم الهمامي في استقبال فريق عمل مسلسل "شيخ العرب همام" بفرشوط، لكن ما أن عرضت إعلانات المسلسل قبل رمضان بأيام حتى اتجه كل منهما لرفع دعوى قضائية ضد المسلسل حفاظا على ذكرى جدهما، صورة العائلة ورمزها أمر لا يحتمل العبث حسبما يؤكد أحمد الهمامي قائلا : "البعض قد لا يتفهم مشاعرنا الغاضبة، كيف يتم تصوير رجل سياسي وشريف من آل البيت في غرفة النوم مع عبارات مبتذلة؟ وكيف نجده في مشهد آخر يجر حمارا؟ هذه مشاهد لا تعبر عن حقيقة هذا الفارس والزعيم، لقد خاب ظني بشدة مع هذا المسلسل". يعلم أحمد الهمامي بحكم كونه مهتما بعلم الانساب وبحكم أنتقال كثير من وثائق العائلة ومكتبة والده إليه حسب وصيته أن تاريخ العائلات وماضيها يتحكم أحيانا في واقعها اليومي، نسبك يشكل صورتك في مجتمعك، هذه الملامح تبدو أكثر وضوحا في المنتديات ذات الطابع العائلي والصعيدي على الانترنت، أحيانا ما يدخل الأعضاء في جدل بسبب خلافات قديمة بين عائلتين تعود إلى مئات السنين، أحيانا يكون التشكيك في نسب الطرف الآخر أو عراقته نوعا من الحروب المحدودة على الانترنت. لكن أحمد يؤكد : "لا ندخل أبدا في هذه المهاترات، فالماضي أوضح من يتم الاختلاف حوله". لكن أخيه الأكبر عبدالكريم الهمامي يعلق قائلا : "بعض المعلومات الموثقة في أوقات سيادة بعض القبائل قد تحرج البعض الآخر والعكس، وهي أمور مسكوت عنها، لأنها لا تفيد". منذ عهد همام مرت الأسرة بكثير من التجارب، إحداها ما ذكره أحمد الهمامي عن عداء قديم مع الأسرة العلوية منذ عهد محمد علي، لكن ما يتذكره كبار الأسرة بشكل واضح هو ذلك الصراع الذي دخلته الأسرة مع الأمير يوسف كمال الذي كان له حضور قوي في نجع حمادي وحاول تقليل نفوذ الهوارة والهمامية تحديدا عبر الاستيلاء على أراضيهم، يعلق عبدالكريم الهمامي : "لذا فرحنا بالثورة فور قيامها، والمفارقة الأهم أن من ساهم في إذاعة بيان الثورة كان الإذاعي فهمي عمر ذو الأصل الهمامي". حتى الآن تحتفظ العائلة بتسمية أبنائها بأسماء همام وداوود وبكار وهم من أجداد الهمامية الذي أداروا شؤونها قبل شيخ العرب همام ومن بعده، يقول عبد الكريم الهمامي : "عن نفسي أنا في مرحلة تغيير نشاطي التجاري، أفكر في إنشاء شركة جديدة، ولكن تكون مفاجأة إذا قلت لك أنها ستحمل اسم همام.. جدنا الكبير".
الملتزم الذي صارع المماليك
ولد الأمير همام بن يوسف في فرشوط – تقع في محافظة قنا حاليا – وقد كان لديه من الثروة ما أعطاه ولأسرته الوجاهة والحضور الاجتماعي، ومن خلال مهمته كملتزم يقوم بتسديد ضريبة الأراضي الزراعية إلى الدولة بعد جمعها اتسعت سلطاته تدريجيا، لكن الأمير همام الذي نجح في صنع تحالفات بين القبائل العربية والهوارية بدأ مع اتساع نفوذه و إقصاء الملتزمين المماليك وغيرهم من العرب وبعض أقربائه، ليكون الملتزم الأول في ولاية جرجا التي تمثل الآن إقليم جنوب الصعيد، واستغرقت هذه الرحلة بين العامين 1721 حتى 1769، وفي أثنائها كان قد كون جيشا صغيرا لحماية الأرض وترسيخ نفوذه على طرق ومسالك الإقليم، لكن مشروعه السياسي الحقيقي لهمام بن يوسف قد ظهر في فترة متأخرة حين بدأ في المراهنة على صراعات المماليك واجتذاب بعضهم في صفه، ومع تطور هذا النفوذ نجح همام في الاستئثار بإدارة جنوب الصعيد، وكان لا بد من مواجهة حقيقية بين علي بك الكبير حاكم مصر وقتها والأمير همام، وبعد هزيمة جيش همام وخيانة أحد أقاربه له، انتهى همام وحيدا في إحدى قرى مدينة إسنا ومات حزنا بعدها مباشرة نتيجة انهيار ما بناه في سنوات. وينتسب أحفاده الهمامية اليوم إلى آل البيت على عكس الصورة التقليدية عن قبائل الهوارة تاريخيا بأنهم ينتسبون إلى البربر، ويذكر المهتمون بعلم الأنساب أن الهمامية الحاليين لا ينتسبون فقط للأمير همام بن يوسف بل إلى جد أقدم منه هو همام سبيك الذي وفد من المغرب إلى مصر، وأن لقب الهوارة حصلوا عليه نتيجة تحالف جدهم مع الهوارة، إلى جانب أنه لقب مكتسب ولا يعبر طوال الوقت عن النسب، مستندين في ذلك إلى تعبيرات المؤرخ الجبرتي الذي اعتبر في بعض المواضع أن "الهواري" هو لقب يكتسبه بعض الناس نتيجة إجادتهم الفروسية.
مشروع جمهورية صعيدية
* في عام 1769 وفد إلى مصر الرحالة الاسكتلندي جيمس بروس وسجل في كتابه (رحلات لاكتشاف منابع النيل) تفاصيل لقائه بشيخ العرب همام بن يوسف في مدينة فرشوط، حيث ذكر عنه أنه كان طويلا وضخما و وسيما وفي الستين من عمره، وأنه استقبله بأدب شديد وسأله عن ما يحدث في القاهرة أكثر من سؤاله عن أي مكان آخر. حيث كان هذا اللقاء في فترة صراع همام مع علي بك الكبير وهو نفس العام الذي توفي فيه همام.
* بعد تأثر الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي رائد التنوير بزيارته إلى فرنسا واطلاعه على نظام الحكم هناك وتفاصيل انتقال السلطة والحكم، عقد الشيخ مقارنة بسيطة بين النظام الجمهوري والمشروع السياسي للشيخ همام حين وصفه في كتاب تخليص الابريز في تلخيص باريز قائلا: "ولما كانت الرعية لا تصلح أن تكون حاكمة ومحكومة وجب أن توكل عنها من تختاره منها للحكم، وهذا هو مثل مصر في زمن حكم الهمامية، فكانت إمارة الصعيد جمهورية التزامية".
* نقل المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي عددا من ألقاب الشيخ همام بن يوسف وبعض مظاهر سلطته وثراؤه في كتابه الأشهر "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، حيث يقول في مساحة خاصة عن شيخ العرب واصفا إياه : "ملجأ الفقراء والأمراء، ومحط رحال الفضلاء والكبراء، عظيم بلاد الصعيد، ومن كان خيره يعم القريب والبعيد، وقد جُمع فيه من الكمال ما ليس فيه لغيره".
* تعاطف بعض المفكرين مع حركة التمرد التي قادها الأمير همام بن يوسف في الصعيد ومحاولته الاستقلال بحكم الصعيد، وعلى رأس هؤلاء المفكر لويس عوض الذي ذكر في كتابه "تاريخ الفكر المصري الحديث" واصفا ما قام به همام بأنه كان "ثورة كانت لها أهداف وطنية واجتماعية، أما الهدف الوطني الأول فكان استخلاص مصر من أيدي المماليك، وأما الهدف الاجتماعي الأول فكان تمليك الأرض للمصريين وتوزيعها على الفلاحين.
* من أولى الدراسات البحثية التي تناولت حياة شيخ العرب همام دراسة أجرتها الأستاذة الدكتورة ليلى عبد اللطيف في الستينات، وتذكر في نتائجها الآتي عن همام بن يوسف : لقد أحال الشيخ همام الصعيد من منبت للفتن ومسرح للصراع بين الأمراء المماليك المهزومين أمام زملائهم في القاهرة ومطاريدهم المنتصرين إلى منطقة استقرار ورخاء وأمن وازدهار وبهذا وضع أساس مجده وخلد ذكراه".

فوق السرج هواري
ظلت ذكرى شيخ العرب همام محفوظة على ألسنة كثيرين في أشعار ومواويل تأثر أصحابها بانهيار حلم الفارس الهواري، يقول الشاعر في موال
قم يا همام وروح سنار ** وازرع وقوت عيالك
فرشوط قادت عليك نار ** والبيه عندي وجالك
في الأبيات السابقة ينادي الشاعر على همام متمنيا لو كان قد اتجه إلى مملكة سنار في السودان بعيدا عن فرشوط وغضب (البيه) محمد بك ابو الدهب وهي الحسرة التي استخدمها الشاعر في موال آخر ينعي ذكرى قصر الأمير همام الذي قيل انه ضم 90 غرفة، وتخرب على يد محمد بك أبو الدهب رجل السلطة المملوكية
هياك يا باب هياك ** بس ضبتك غيروها
تسعين أوضة وشباك ** في تلا يلك كسروها
منذ تلك الفترة ظلت صورة الفارس الهوارى تمثل نموذجا للفارس المحارب، وهو ما دفع مسرحيا مثل جورج أبيض لتقديم مسرحية تحت عنوان الفارس الهواري من الحان الموسيقار سيد درويش، عدا ذلك قد تنتشر أبياتا مجهول حفظتها الذاكرة الشعبية تمدح في فروسية الهوارة من أشهرها الأبيات التالية
انظر الي خيل هوارة تري عجبا
فيسيرها عندما يسري بها الساري
لم تفخر الخيل قط براكبها
ما لم يكن فوق السرج هواري

Friday, August 13, 2010

مغلق في رمضان

مع بداية شهر رمضان يقل الإقبال على محال بعينها، البعض ينسحب حفاظا على الأجواء الإيمانية للشهر الكريم، وآخرون ينسحبون انصياعا لتعير المزاج العام
كتب عبدالرحمن مصطفى
تصوير : فيليب شباليك، محمد حسن

موسم انسحاب الكشرى

قبل ساعات من الإفطار تتجه العيون إلى أطعمة ومشروبات تتوزع على جانبى الطريق، بدءا من التمر هندى والعرقسوس حتى أكياس المخلل، فى تلك اللحظات لن يبحث كثيرون عن محال الكشرى المغلقة التى يطلى بعضها واجهته الزجاجية باللون الأبيض إعلانا عن توقف نشاطه، لماذا لا يصمد هذا النشاط بالذات فى رمضان؟ يجيب محمد جابر مدير أحد مطاعم الكشرى فى حى الدقى بأن الأمر ببساطة يتلخص فى أن «فتح المطعم فى رمضان أمر غير مربح بالقدر الكافى»، بعد تجارب سابقة تأكد مالكو المحل أن العمل فى رمضان يكاد يغطى أجور العاملين لكنه لا يكفى لسداد مصاريف استهلاك الكهرباء والغاز، لذا يعيش العاملون فى تلك الفترة فى إجازة مقابل حصولهم على جزء من الراتب، أحمد وهبى الطباخ الرئيسى فى المطعم الذى يعمل فى نفس المكان منذ العام 97 كان قبل بدء شهر رمضان بأيام قليلة يستعد لإجازته السنوية التى يقضيها فى بلدته بمحافظة المنوفية، وذكر أنها عادة سنوية اعتادها للراحة والاستجمام، أما موعد العودة فسيكون قبل انتهاء رمضان بأيام قليلة، يعلق محمد جابر مدير المطعم قائلا: «فى هذه الفترة أجرى عمليات الصيانة والتجديدات، التى أؤجلها سنويا، فى العادة لا يلاحظ المارة ما يتم داخل محال الكشرى، لأن المحل مغلق».
فكرة استمرار العمل فى رمضان غير مطروحة تماما، يؤكد مدير المحل: «هذا الأمر مستبعد تماما خاصة فى حالة مطاعم الكشرى الكبيرة أو التى تقع فى مناطق راقية أو حتى في المناطق ذات الدخل المتوسط، فإلى جانب أن مزاج الطعام فى رمضان يختلف حين يبحث الجميع عن وجبة دسمة على الإفطار، فهناك سبب أهم وهو اعتماد محل مثل محلنا على فئة الموظفين والمارة، وهؤلاء ينهون عملهم مبكرا فى رمضان ويتجهون إلى منازلهم لتناول طعام الإفطار، كما أن خدمة توصيل الطلبات لن تجد من يستخدمها، لكن هذا الوضع يختلف أحيانا مع مطاعم أخرى فى مناطق أكثر ازدحاما».
بعيدا عما يذكره محمد جابر فإن بعض مطاعم الكشرى تفتح أبوابها وتعمل بكامل طاقتها ليلا ونهارا فى رمضان دون حرج، خاصة فى المناطق الشعبية المزدحمة والتجارية مثل العتبة ورمسيس ومنطقة وسط البلد، على أبواب هذه المطاعم ينتظر العاملون الضيف الشارد الذى خرج عن القطيع وقرر تناول وجبة كشرى، سواء كانت الوجبة لمغامر أتى يأكل فى نهار رمضان أو لمن لم يكتف بوجبة الإفطار وجاء ليلا بحثا عن المزيد. ما يحدث لأغلب مطاعم الكشرى من توقف يضرب أنشطة أخرى مثل السينما والمسرح ويؤثر فى مطاعم أخرى مثل مطاعم السمك والفطائر، لكن ذلك كله يأتى فى إطار تبدل مزاج الصائم وتغير عاداته الغذائية فى رمضان، حيث تذكر دراسة نشرت نتائجها العام الماضى عن مركز البحوث الاجتماعية والجنائية والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أن المصريين ينفقون ما يوازى 15% من إنفاقهم السنوى على الغذاء فى شهر رمضان، وهو ما يتجسد فى أن يرتفع استهلاكهم من الحلوى بنسبة 66.5% وأن يتزايد استهلاكهم من اللحوم والطيور بنحو 63% والمكسرات بنسبة 25%. كل هذه التطورات فى رمضان تجعل وجبة الكشرى غريبة على المزاج الرمضانى. أما بالنسبة لذوى الدخل البسيط ومن يبحثون عن الوجبات الرخيصة فيجدون ضالتهم فى موائد الرحمن، وهو ما يضرب نشاط محال الكشرى فى مقتل، لكن رغم هذه الأجواء تتجه نسبة ضئيلة من محال الكشرى إلى معاندة هذا المزاج المختلف، يقول أحمد عبدالعزيز مدير فرع سلسلة من محال الكشرى الشهيرة بمنطقة وسط البلد إن هذا الفرع اختار العمل فى رمضان، ربما قد لا يوازى نشاط محال أخرى فى منطقة العتبة الأكثر كثافة، لكنه اعتاد على إجراء سنوى يشرحه قائلا: «فى الأيام الأولى من شهر رمضان أغلق المحل وأقلل نشاطى لكننى أعود فى النصف الثانى من رمضان ونستمر حتى فترة العيد، ويأخذ العاملون مكافأة فى فترة التوقف القصيرة، أما عن سبب الاستمرار فى رمضان فهو الخوف من أن ينتقل العمال إلى عمل آخر خاصة القاهريين منهم، أما الزبائن الذين أنتظرهم فإما عابر سبيل أو سائحون أجانب فى منطقة وسط البلد». حسب حديثه فإن سبب الاستمرارية ليس البحث عن المكسب بقدر ما هو الحفاظ على إيقاع العمل وارتباط العاملين بالمكان، ويؤكد فى حديثه أن العمل فى شهر رمضان يفرض تعاملا حذرا مع مخزون الأرز والمكرونة وغيرهما من مكونات الكشرى، حيث تتجه المطاعم القليلة، التى تصر على فتح أبوابها فى رمضان إلى تقليل الخسائر قدر الإمكان حتى الوصول إلى أيام العيد، التى تتحول إلى فرحة من نوع خاص لمحال الكشرى حيث يعود نشاطها بقوة فى تلك الفترة.

البار فى إجازة إجبارية

لم يعد هناك مجال الآن لأن يمر أحدهم من أمام البارات الموجودة فى وسط البلد ويلقى عبارة من نوعية «حسبى الله ونعم الوكيل»، تلك العبارات يتلقاها أحيانا بعض العاملين فى مجال تقديم الخمور على مدى العام من الرافضين لفكرة تقديم الخمور فى كافتيريات أو بارات مخصصة، في شهر رمضان يتوقف تقديم الخمور وتغلق فيه أغلب البارات أبوابها تماما. بالنسبة لموريس مكارى مدير كافتيريا عرابى السياحى فالأمر بمثابة إجازة سنوية يبتعد فيها عن الضغوط اليومية التى كان يتعرض لها فى غير شهر رمضان، يقول موريس: «لا يوجد قرار رسمى بإيقاف خدمة تقديم الخمور، لكنه أصبح عرفا أن أغلق فى الأعياد الدينية مثل المولد النبوى ورأس السنة الهجرية وفى شهر رمضان». يستطيع موريس أن يتقبل فكرة إغلاق الكافتيريا التى تعتمد على تقديم الخمور منعا لأى حساسية قد تصيب البعض فى هذه الفترة، فقد شهد المحل الذى افتتح فى عام 60 تطورات عديدة حتى ظل باقيا إلى الآن، لكن ما لا يقتنع به موريس هو مشكلة أخرى يذكرها قائلا: «الضرائب تحاسبنى على أساس أنى أعمل طوال أيام السنة بما فيها شهر رمضان الذى أتوقف فيه عن العمل، وأدفع أجور العاملين، وهذه المشكلة ليست إلا جزءا بسيطا مما نتعرض له على مدى العام من زيارات لرجال شرطة الآداب بحثا عن ضبطية إلى جانب غيرها من زيارات موظفى الحى واعتراضاتهم على رفع أى إعلان عن الخمور.. كلها مشاكل نعيشها طوال العام، ونرتاح منها فى شهر رمضان». يعتقد موريس أن جميع مقدمى الخمور يمتنعون تماما فى رمضان سواء فى البارات أو الكافتيريات أو المطاعم، لكن على أرض الواقع فالوضع يبدو مختلفا، حيث يعرض موقع على الانترنت تحت عنوان (baladibar.com البار البلدى) حصرا وخريطة لجميع البارات والأماكن التى تقدم الخمور على مدى العام، لكن لم يفت مؤسسو الموقع أن يضعوا علامة مميزة على الأماكن، التى تقدم الخمور فى رمضان دون مشاكل، وحددت أربعة أماكن، اثنان منها أندية لجاليات أجنبية والمكانان الآخران يقعان داخل مطاعم ملحقة بفنادق، وتعتمد إمكانية تقديم الخمور للزائر المصرى أثناء رمضان على مدى علاقته بالمكان فى الأساس، خاصة الأماكن التى يرتادها الأجانب، بالعودة إلى موريس وغيره من البارات فلديهم مشكلة، وهى انحصار نشاطهم فى فكرة «البار» وتقديم الخمور، على عكس أماكن أخرى مثل مقهى الحرية ذى الطابع التاريخى فى منطقة وسط البلد، حيث يقدم المقهى الخمور بتصريح رسمى، لكنه يتوقف تماما عن تقديمها فى رمضان، وحتى فى ساعات النهار يحرص على نفس الإجراء التى تحرص عليه بعض المقاهى فى مداراة زبائنها من أعين الصائمين، يقول محب نيقولا مدير مقهى الحرية: «أحاول فى بداية رمضان أن أغلق أبوابى على سبيل الراحة وتقليل النشاط، والعمل كمقهى تقليدى بقية الشهر». يذكر عدد من العاملين فى البارات أن نسبة الخسارة ليست بالحجم الضخم، لكن الجميع يتعامل معها على أنها إجازة سنوية، يقول وجدى الكردانى رئيس غرفة المنشآت السياحية إنه لا توجد توصيات أو قرارات مصاحبة لعمل البارات تفرض حجب نشاطها فى رمضان، ويضيف: «هذا الإجراء تتخذه المحال من نفسها تماشيا مع الروح العامة لرمضان، فحتى الملاهى الليلية تغلق أبوابها، وبعض المطاعم السياحية تغير فقراتها كى تقدم رقصات فلكلورية، لكن على جانب آخر، فالأمر غير محظور لمراعاة احتمالية وجود مجموعات سياحية فى هذه المطاعم أو الفنادق». أحد العاملين فى بار وسط البلد الشهيرة ذكر قبل بدء شهر رمضان بأيام أنها فرصة سنوية للهدوء والتأمل بعيدا عن الصخب، خاصة أن زبائن بارات وسط البلد لا يتغيرون كثيرا، هم نفس الزبائن يتنقلون بين عدد من البارات، لكن فى شهر رمضان ينقطعون غالبا.

PDF

Thursday, July 29, 2010

يوميات المخالفة والكارتة

ما لا يتحدث عنه سائقو الميكروباص
كتب – عبدالرحمن مصطفى
في منتصف المسافة بين ميدان روكسي ومحطة المظلات بشبرا يطل من جانب الطريق أحد جامعي الكارتة حيث يتلقى في يده جنيها معدنيا، بعدها يحيي السائق الشاب تحية عنيفة معاتبا إياه على تجاهله في "الدورة السابقة"، يتنصل السائق سريعا من الموقف، ويبدأ في تبرير صبره بسرد قصص عن نفوذ جامع الكارتة داخل قسم الشرطة ولدى رجال المرور. "لأ.. الحاجات دي مش بتحصل عندنا" يعلق محمد أحد سائقي موقف المظلات بأنه ليس في سلطة جامع الكارتة على الطريق أن يمارس العنف تجاه السائق بأي حال، يتحدث محمد مع ابتسامة واثقة مخفيا الكثير من المشاكل التي يواجهها يوميا، يوضح : "من المفترض عدم وجود كارتة على الطريق، لأننا ندفع كل ثلاثة أشهر كارتة مجمعة ضمن مشروع السرفيس إلى جانب المصاريف الأخرى وتختلف حسب طول الخط بين 450 أو 600 جنيه أو أكثر !".واقع الأمر أن السائق على هذا الخط في فترة النهار قد لا يمر فقط بشخص واحد يطلب منه جنيها كلما مر، بل أحيانا ما يواجه شخصا آخر قرب نهاية الخط، وعلى عكس الرجل الأول ذو الملامح القاسية، يبدو الثاني أكثر بؤسا وهو يطلب جنيها من سائق الميكروباص، يقول محمد السائق الذي جاوز الأربعين: "في النهاية ندفع عن طيب خاطر، بعض هؤلاء سائق قديم أصيب في حادث أو شخص له ظروف خاصة".. يكشف عن ساقه ويقول أنه هو أيضا يسير بساق بها شريحة معدنية لكنه اختار العمل اليومي بدلا من جمع أموال السائقين بهذه الطريقة.. الصورة التي يرسمها محمد ليست بهذه البساطة، رغم استخدامه لغة حذرة في حديثه عن "جامعي الكارتة" لكنه يعترف أيضا بدورهم وأنهم أحيانا ما يساندون السائقين لدى رجال المرور. يبدو متصالحا مع الحال في هذا الخط، إلا أن مشكلته الحقيقة تكمن مع رجال المرور، يشير إلى طابور السيارات أمامه، "من المفترض أن يكون الموقف أسفل كوبري المظلات، لكننا نأتي هنا لتحميل الركاب لأن هذا الموقع أيسر إلى الناس"، يعلم كل سائق أن هناك من سينافسه دائما بدء من زملائه حتى وسائل النقل الأخرى، لذا فالإجماع على المخالفة يكون أهون، لكن مثل تلك التصرفات تعرض السائقين لمخالفات، خاصة ناحية ميدان روكسي في بداية الخط حيث يكون المشهد أكثر توترا، فالسائقين لا يمرون أبدا بالموقف المخصص لهم، يقفون في الإشارة للتحميل وأحيانا ما يتلقون عبارات قاسية من رجال المرور يكون بديلها هو سحب الرخصة والمخالفة، أما المفاجأة فأن من التزموا الموقف الرسمي يدفعون هم أيضا كارتة غير مبررة لعمال آخرين تحت دعوى "المحبة والترضية"، يضيف محمد : "في مرة فكرنا في الإضراب بعد أن وصل الحال بأحد زملائنا أن حرر له الضابط مخالفات بألف وخمسمائة جنيه إلى جانب سحب الرخصة، هذه هي المشكلة الحقيقية وهي أهون مشكلة جامعي الكارتة". يشير محمد إلى الجانب الآخر من المظلات حيث أميال توصل إلى شبرا الخيمة، هناك عمال الكارتة أكثر ضراوة، السيارة الغريبة قد تدفع خمسة جنيهات، الحياة المزدحمة في الموقف لا تحتمل ضيف جديد، وعمال الكارتة ليسوا في بساطة العاملين على الخطوط الأخرى فهم يجمعون أموالا لحساب المحافظة، الموقف العشوائي في محطة عرابي بشبرا الخيمة أقرب إلى سيرك، علامات مشروع السرفيس غائبة من على زجاج السيارات، الشجار لايتوقف بين السائقين على التحميل، ومفاوضات مع رجال المرور الجالسين جوار الموقف، اختار أحد السائقين أن يكون الحديث في سيارته خشية الصدام مع أحد، يقول : " في أي وقت يمكن لأمين الشرطة أن يأخذ مفتاح السيارة وينطلق بها إلى القسم أمامي و أن يحرر الضابط مخالفة قد تصل إلى خمسمائة جنيه"، في هذه المنطقة أزمة يعيشها السائقون، أعرب عنها هذا السائق في استعداده أن يدفع خمسين جنيها - لمخالفة خط السير ضمن مشروع السرفيس - على أن يقع في قبضة رجال المرور كل فترة، هؤلاء السائقين بين القاهرة والقليوبية أقاموا إضرابا قبل أكثر من عام نتيجة تعرضهم المتكرر للمخالفة، أما هذا السائق و زملائه تحديدا فيعملون بين المسافة في محطة عرابي في شبرا الخيمة إلى شارع شبرا في القاهرة، وهو خط ابتكروه بأنفسهم، ولم يتحول إلى خط رسمي ضمن مشروع السرفيس. في هذه الأجواء تظهر سلطة جامعي الكارتة، إما بمثابة وسطاء، أو عمال لدى المحافظة في جمع الأموال رغم عدم مشروعية عملهم.
هذا المشهد يكون أوضح بعد الساعة الثانية عشر صباحا ناحية ميدان رمسيس، حين يظهر "عم أحمد" بشكله التقليدي، وملامحه التي تجمع الغضب والجدية، مرتديا بدلته القديمة، مزهوا بجسمه النحيل المتعارض مع ما له من سطوة على سائقي الميكروباص المتجهين ناحية عين شمس.. يظهر رجل المرور مطالبا السائقين بالرحيل، حسب الملصق المكتوب على زجاج سياراتهم عليهم أن يبدؤوا رحلة تحميل الزبائن من موقف أحمد حلمي، لكن هذا لا يحدث، يظهر "عم أحمد" يدفع له السائق جنيهان معدنيان، ويعود "عم أحمد" للتفاوض مع عساكر المرور كي يسمحوا للسائقين بالوقوف دقائق معدودات، يعلق سيد السائق الميكروباص الذي دفع لعم أحمد جنيهان في إجراء يومي قائلا : "محدش عارف الصح من الغلط.. احنا بنعك"، يعترف انه يجب أن يبدأ من موقف أحمد حلمي لكنه على أرض الواقع يعلم أن المكان الأنسب لتحميل الركاب هو من شارع رمسيس، وإذا لم يأتي إليه سيأتي غيره، وفي هذه الأزمة اليومية ظهر "عم أحمد" الذي يعمل فقط حتى الثالثة إلى الرابعة صباحا، يقول سيد : "الكارتة المجمعة الرسمية تصل عند التجديد إلى أكثر من 900 جنيه، ما أدفعه لعم أحمد لا أعلم جدواه، يقول لنا أنه يدفع لرجال المرور، لكننا كل يوم نتعرض للتضييق أو المخالفة، أو نختبئ في شوارع مجاورة، أحيانا ما ينجح في أن نظهر لدقائق سريعة في ميدان رمسيس وأحيانا يخفق مثلما حدث اليوم". يعلم سيد انه في موقف عبثي، لكنه سيستمر على هذه الخطة كل يوم، دون ملل أو تعب.

Wednesday, July 28, 2010

صفحة من دفتر مهاجر سابق

كتب – عبدالرحمن مصطفى
رغم مرور عدة سنوات ما زال عمرو محمد السيد (26 سنة) محتفظا في ذاكرته بهذين التاريخين جيدا: 17 يوليو، 30 سبتمبر 2005، الأول هو يوم بدء رحلته الأولى في محاولة الهجرة إلى إيطاليا، والثاني هو يوم الإخفاق في إتمام نفس الرحلة. منذ ذلك الوقت حتى الآن ترفض أسرته فكرة تكرار التجربة مرة أخرى، أو حسب تعبيرهم : "لو بيرلسكوني جه بطيارة عشان ياخدك بنفسه على إيطاليا.. مش هتروح"، واكتفى بمتابعة أحوال المهاجرين والرضا بالواقع. يعيش عمرو السيد في قرية قلمشاه التي يقدر عدد سكانها بثلاثين ألف نسمة وتتبع مركز إطسا بمحافظة الفيوم إحدى أشهر المحافظات التي يتجه شبابها إلى الهجرة سرا إلى إيطاليا، لماذا إيطاليا ؟ يجيب عمرو: "كان في راسي وقتها نفسي السيناريو الذي نفذه آخرون، فإما أن تدخلني مافيا التهجير إلى إيطاليا وأعيش هناك، أو أن يتسلمني الصليب الأحمر كلاجئ هارب من إحدى مناطق الحروب ويتم الإنفاق عليّ أثناء إقامتي.. حتى أن ربان المركب التي قادتنا إلى إيطاليا في البحر ذكر لي أنني من الممكن أن أدخل المدرسة هناك وأتعلم لأن ملامحي كانت أصغر من سني".
في تلك الفترة كان عمرو في سن العشرين يدرس في كلية التربية بقسم اللغة الفرنسية، ووصل وقتها إلى قناعة بعدم جدوى التعليم الجامعي، وأن الهجرة هي المستقبل الحقيقي في ظل انعدام فرص العمل. يقول: "كان أمامي أيضا تجربة عمي الذي سبقني في الهجرة إلى إيطاليا بعام واحد فقط، ونجح في البقاء هناك لمدة ست سنوات من العمل". المفارقة التي يعيشها عمرو الآن هي أنه يقطن كعريس جديد في الطابق العلوي من شقة عمه الذي عاد إلى مصر مؤخرا محققا نموذج النجاح في إيطاليا. تذكر دراسة نشرت عام 2006 تحت عنوان "اتجاهات الشباب المصري حول الهجرة لأوروبا" وأجريت على عينة من شباب عدة محافظات مصرية أن حوالي 94% من عينة الدراسة حددوا دولة المهجر بناء على أحاديث الأصدقاء والأقارب، وكانت نسبة 61% من الشباب في ذلك الوقت قد اختارت إيطاليا كدولة هجرة مؤقتة، وهكذا كان عمرو أيضا.
لم يكن التيار وحده هو الذي دفع عمرو وأصدقاؤه إلى رحلة البحث عن إيطاليا بل واقع آخر.. فعلى مسافة عدة كيلومترات تقع قرية "تطون" الشهيرة كإحدى القرى الطاردة إلى إيطاليا، وطوال سنوات مضت راقب سكان القرى المجاورة ذلك التطور الذي أصاب تطون في غلاء أسعار الأراضي والعقارات إلى عشرة أضعاف، وارتفاع مستوى المعيشة وتغير طباع القرية الهادئة، وكانت إيطاليا هي كلمة السر، كما ان حالة الزهو التي تصيب بعض العائدين من هناك ما زالت تحرك غيرة الآخرين. الرحلة التي قطعها عمرو في 2005 لم تختلف عن التي قطعها عمه في العام السابق عليه، ولا عن الرحلات التي خاضها بعض أصدقاءه ومعارفه فيما بعد، ربما اختلفت الأسعار قليلا عن مبلغ 12000 جنيه الذي دفع عمرو نصفه على أمل أن يدفع النصف الآخر بعد إتمام العملية، بينما وصل المبلغ الآن إلى ما يقارب أربعة أضعاف هذا المبلغ. في 17 يوليو 2005 انطلق عمرو بجواز سفر سليم مباشرة إلى ليبيا بواسطة ميكروباص من الفيوم، يقول عمرو : "كنا أربعة، اثنان من الفيوم واثنان من طنطا، أقمنا في إحدى القرى الليبية ثم تركناها بعد يومين سريعا خشية الأمن، وانتقلنا إلى مكان آخر أقرب إلى مزرعة خاصة، حيث كنا نقيم في مكان محدد يلقب بالحوش، وتم تخزيننا هناك ". المكان الذي لا يزيد على ثلاث غرف وصالة توافد عليه من يأتي به مندوب التهريب، وبدأ عمرو مع مرور الوقت يشارك في استلام القادمين من مصر، وحين يسأله أحد في الشارع يقول : "أنا سائح من مصر !"، لكن مع مرور الأيام ثم الأسابيع بدأت الأجواء داخل "الحوش" تتوتر مع تزايد الأعداد وطول فترة "التخزين"، بدأ عمرو وقتها في تعلم أمور خاصة بالملاحة ومتابعة نشرات أخبار الطقس على أمل ظهور الوقت المناسب للإبحار، وبعد مرور أكثر من شهرين دون تسفير أحد، بدأ البعض يهدد المهربين بالعودة إلى مصر، يعلق عمرو : "في هذه المرة كنا على وشك الاشتباك مع المندوبين، خاصة أن الاتفاق كان مع أبناء الفيوم على أن ينفق الشاب على إقامته من جيبه على عكس أبناء بحري الذين دفعوا 25 ألف جنيه شاملة كل شيء". بعد ثورة المهاجرين كان يوم 29 سبتمبر هو الموعد الذي نقل فيه المهاجرون سرا عبر الساحل حيث تسلمهم أعضاء مافيا التهريب الليبية وانتقلوا إلى مركب صيد لا تتجاوز 12 مترا يقودها مصري من بلطيم وسط أكثر من 100 مهاجر سري، وكان الخوف الرئيسي من السقوط في قبضة البوليس الإيطالي في جزيرة لامبيدوزا نظرا لسمعتها في اتساع مراكز الإيواء بها للاجئين ثم ترحيلهم. حين يستدعي عمرو هذه التجربة الآن يحمد الله على نجاته وعودته سالما، ورغم أن له زملاء من فترة الجامعة اتجهوا إلى نفس التجربة في إيطاليا وجنوب أفريقيا كمهاجرين غير شرعيين ونجحوا، إلا تجربته كانت أكثر بؤسا. يقول عمرو : "مع ثورة البحر أصيب البعض بالوجوم وآخرون انهاروا تماما، وكان المشهد مروعا في المساء حين تتحول الأمواج إلى جبال تتحكم في الدفة، وزاد من بؤس الرحلة أن تعطلت بوصلة المركب واتجه الربان بالخطأ إلى جزيرة مالطة في اتجاه المعاكس حيث انتهت الرحلة هناك، وأغرق خفر السواحل المركب أمامنا". بعد معركة مع أمواج البحر يصفها عمرو ومعركة أخرى مع الربان الذي أراد عدم تسليم نفسه لخفر السواحل المالطيين، استقر الجميع في المعسكرات، يقول عمرو : "بعد أن وصلنا نفذت السيناريو الذي كانت سأتمه في إيطاليا، فقد كنا قد تخلينا عن جوازات سفرنا على الشاطي الليبي، فقلت في مالطا أنني فلسطيني على أمل أن أحصل على حق لجوء، لكن أخفقت بعد أن علمت أن مصيري هو السجن في تلك الحالة". عادت المجموعة إلى مصر عن طريق السفارة بعد أن شاهدت أهوالا أخرى داخل معسكر اللاجئين ومعارك مع اللاجئين الأفارقة هناك وتضاعف الإحساس بالهزيمة. قد تبدو القصة مسلية حين يرويها عمرو في منزله وفي خلفيته منازل القرية ومزارعها الخضراء، لكنه منذ ذلك الوقت ما زال مرتبكا بين واقع البقاء وفكرة الرحيل يقول : "بعض زملائي من الجامعة يعملون الآن عمالا وباعة في المحلات بأجر زهيد". يقول الجملة وهو محاط بتجارب العائدين من إيطاليا وتأثير اليورو في بلدة مثل "تطون" المجاورة، لديه قناعة أن الحياة في إيطاليا أفضل حيث شعار "الدين لله والوطن للجميع" حسب تعبيره، في إشارة منه إلى إحساس من خاضوا التجربة بالاحترام هناك رغم أنهم مهاجرين. عدا ذلك يحمد الله بعض من لم يهاجروا أنهم لم تطرأ عليهم تحولات مدينة تطون التي ابتعدت عن الطابع الريفي الهادئ وازداد صخبها نتيجة حركة الأموال الايطالية هناك .