Saturday, August 28, 2010

فرسان الخير على الطريق

فرق الامداد السريع بالبلح والتمر الهندي
لن يلاحظهم أحد سوى قبل أذان المغرب بنصف الساعة على الأكثر، يتفرقون فى الطرقات دون خطة مسبقة وبيد كل واحد إفطار سيوزعه على المارة فى الوقت المناسب، كان هذا العام هو التجربة الأولى لسمير عنتر، الذى انضم إلى هذه المجموعة مع بداية رمضان، فى الأعوام السابقة كان يشاهدهم من بعيد وقت الإفطار دون أن يشارك، أما اليوم فأصبحت له طقوس يومية من الصعب أن يتخلى عنها. قبل أذان المغرب بوقت مناسب يغلق باب المحل بإحكام ثم ينطلق فى رحلته مع الصائمين حتى يصل إلى منزله فى منطقة المرج، حيث نهاية خط مترو الأنفاق. يعمل سمير فى محل لخدمات المحمول جوار محطة غمرة، يقف نهارا فى شد وجذب مع الزبائن أثناء الصيام، وإلى جواره حقيبة لا تظهر أهميتها سوى وقت الإفطار يعبئها بالتمر فى كمية تتغير ما بين نصف الكيلو أو الكيلو. يقول: «قبل التوزيع أقوم بغسيل كل تمرة وأغلفها فى كيس صغير بحجمها». يتعامل سمير مع الأمر وكأنه سيضع هذه التمرات فى يد الله.
فى رحلته اليومية يودع غمرة متجها إلى المترو، يعلق قائلا: «فى أول رمضان حين جربت توزيع التمر على الركاب كنت أخشى ردود الأفعال العكسية، وشعرت بخجل شديد أثناء التوزيع، لكن كنت أقول لنفسى إننى وقفت فى يوم من الأيام فى الشارع كبائع حر، هل أخجل اليوم من عمل الخير؟».
أثناء عبوره ناحية المترو يظهر فى شارع رمسيس من اختار توزيع علب العصير على السيارات المارة أسفل كوبرى غمرة، أما داخل محطة المترو يتلقى سمير نفسه كيسا يحوى عصيرا وخبزا للإفطار من أحد المتطوعين داخل المحطة، بمجرد أن يظهر المترو المزدحم يتوقع سمير السيناريو اليومى: «قد أفرغ ما معى من تمر فى عربة مترو واحدة، ومن المهم جدا أن أنهى ما لدى قبل الأذان، وكذلك قبل محطة المطرية، حيث يظهر شباب آخرون فى المحطات التالية يوزعون بدورهم التمر ووجبات أخرى، وهؤلاء لن أدخل معهم فى منافسة، بل على العكس أحيانا ما أتعمد أن أفطر على ما يقدمونه كى أجرب إحساس من أوزع عليهم التمر». داخل عربة المترو تختلف الأجواء قليلا، ففى أوقات الزحام التى يزيد فيها التوتر والعصبية تتلاشى المشاعر السلبية ويخترق سمير صفوف الركاب بسهولة، وما إن ينهى عمله حتى يستقر فى مكانه كأى راكب آخر، وفى طريقه إلى المرج لا يتوقف الشباب عن عطائهم داخل المترو، بعض الشباب يلقون أكياس من خارج العربة خوفا من الدخول وإغلاق أبواب المترو عليهم، وآخرون تركوا بعض التمر فوق ماكينات التذاكر جوار أبواب المحطات. يعلق سمير بعد أن ينهى مهمته قائلا: «العبارة التى توجه إلى دائما بشكل متكرر هى جزاك الله خيرا، أوزع على الجميع.. حتى المسيحيين لا يرفضون التمر ويشاركون الصائمين فرحة الإفطار». أحد الركاب المسنين المداومين على استخدام عربات المترو يذكر أن مشهد توزيع التمر والعصائر على الصائمين لم يكن منتشرا بهذا الكم قبل سنوات، وحتى فى فترات صباه فى الخمسينيات والستينيات لم تكن هذه الفكرة منتشرة ما يجعله يشعر بالأمل قائلا: «الشباب دلوقتى أكثر التزاما من زمان، ومجتهدين أكتر». هذا الاتجاه نحو إفطار الصائمين سبقه فى السنوات السابقة تشجيع من عدد من الدعاة فى محطات التليفزيون الدينية وعلى الإنترنت. فى موقع (الطريق إلى الله) خرجت إحدى المطبوعات تحت عنوان: يوم فى حياة صائم و دعا ناشروها على الإنترنت إلى طبعها ونشرها فى الطرقات، إحدى أهم توصيات هذا الملصق تقول: فى موعد صلاة المغرب لا تنسى توزيع التمر فى الطريق إلى المسجد. أما سمير عنتر فقد اقتصر توزيعه للتمر داخل عربات المترو، وغالبا ما تنتهى الكمية، التى يحملها معه يوميا فى محطة منشية الصدر أو كوبرى القبة.
ينزل الراكب من محطة مترو كوبرى القبة ليفاجأ بمعتز حسن وهو يستقبله حاملا صينية عليها أكواب مشروب التمر هندى، يشاركه فى هذه المهمة أخته، التى تقف بعيدا جوار زوجها رضا سالم يعدان أكواب الشراب، وما إن ينهى العابرون أكوابهم حتى يكتشفوا وجود حبات تمر مقطعة داخل الكوب يفطرون عليها فى طريقهم، كل هذا احتاج إعداده ساعتين قبل الإفطار حسب حديث رضا سالم الذى قال: «الحقيقة أننا لا نأتى إلى هنا يوميا لتوزيع الشراب والتمر، أكثر الأيام المضمونة لنا هى يوم الجمعة أو فى أى يوم آخر نجده مناسبا لهذه المهمة». أثناء عملية التوزيع يدور العمل بين ثلاثتهم بشكل آلى دون حديث إلا من عبارات تحذيرية توجهها الزوجة لزوجها وأخيها من ألا يسقط منهما شىء، وتعلق بدورها قائلة: «جربنا توزيع الإفطار فى الشارع على المارة فى العام قبل الماضى، ثم توقفنا العام الماضى وتركنا المهمة للمسجد المجاور، لكن الحقيقة، التى اكتشفناها أن أمتع لحظة هى أن أقدم الخير بنفسى».
يحتفظ ثلاثتهم بابتسامة ترحيب أثناء حديثهم، وتستغرق المهمة نحو ثلث الساعة بعد أذان المغرب. يشير معتز إلى أن نفس هذه المهمة التى يقوم بها جوار محطة المترو مجموعة أخرى من الشباب والأصدقاء.
ما يقوم به هؤلاء المتطوعون على الطريق أصبح مثار اهتمام البعض، أحدهم وجه سؤالا إلى دار الإفتاء المصرية حول إمكانية تخصيص جزء من زكاة المال لهذا العمل، لكن رد دار الإفتاء كان واضحا، حيث اعتبرت هذا العمل «نوعا من وجوه الخير والتكافل كالصدقات والتبرعات، لا من الزكاة». حيث إن للزكاة المال مصارف محددة أوضحتها الفتوى المحفوظة على الموقع الالكترونى لدار الإفتاء على الانترنت.. ومؤخرا دخلت إلى فكرة توزيع التمور وقت الإفطار تأثيرات أخرى سياسية مثلما حدث مؤخرا فى مدينة الإسكندرية حين تطوعت إحدى الفتيات بتوزيع التمور على الصائمين مع ورقة صغيرة تطلب فيها الدعاء بالرحمة والمغفرة لروح الشاب خالد سعيد، الذى لقى مصرعه قبل عدة أشهر فى حادث أثار الجدل حول دور وزارة الداخلية فى وفاته، كما استغل البعض الفكرة فى الدعاية الانتخابية، أما سمير عنتر ورضا سالم وأسرته فهم بعيدون تماما عن مثل هذه الأهداف. بل إن محاولة الحديث مع هذه المجموعة كادت تفشل بسبب ما أفصح عنه رضا وأسرته قائلين: «من يعمل الخير لا يحب أن يتحدث عنه كثيرا».

Wednesday, August 25, 2010

الدعوة بأدوات مختلفة

عبدالرحمن مصطفى
«أيهما أفضل أن أجعل الطرف الآخر يشارك فى معالجة المشكلة أم أن أوجه إليه رسائل من طرف واحد؟» هكذا يرى محمد جاد الله الطريق الأمثل لمعالجة سوء الفهم الذى يتعرض له المسلم داخل المجتمعات الغربية، لم تعد الخطبة من وجهة نظره هى الحل الوحيد، خصوصا أنه لن يسمعها سوى المسلمين فى الغرب، يضرب مثلا بطريق آخر للوصول إلى داخل المجتمع الغربى بآخر ورشة تدريبية أقامها فى النمسا تحت عنوان «تاريخ الضمير»، اعتمد فيها على الربط بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية والحضارة المصرية القديمة وصولا إلى التاريخ الحديث والهدف حسب قوله: «استعراض منظومة القيم الإنسانية، وتعريف الغربى سواء كان طالبا فى المدرسة أو محاضرا أكاديميا بأن ما يعتنقه من مبادئ موجود لدى غيره، مما يخفف التوتر بين الشرق والغرب». يرأس محمد جاد الله مؤسسة «الجسر» للتسامح والسلام وأكاديمية التراث الحضارى المشترك والحوار. يلخص فلسفتها فى أهمية التركيز على تباين الثقافات وتأثير ذلك فى مشاكل الجالية المسلمة فى أوروبا، موضحا أن المشكلة ليست فى الأديان بقدر ما هى فى اختلاف الثقافات، والهدف من الورش التدريبية هو توضيح الوجه الحضارى للإسلام، بحيث يشعر الغربى باتصال مع الإسلام كدين وحضارة بعيدا عن أزمات الواقع الحالى الذى على الجميع تفهمه ووضع حلول له. وكى يتم الإعداد لمثل هذه الورش التدريبية لا بد من إعداد الشخص الذى يدير الورشة التدريبية كى يكون العمل احترافيا، فإلى جانب استخدام النصوص الدينية والآراء الفقهية المختلفة فى محاولة التعريف بوجهة نظر الإسلام، لابد من مهارات لإدارة هذا العمل، يعلق على ذلك قائلا: «أهم دراسة يفتقدها العاملون فى مجال الدعوة فى الغرب هى دراسة فض النزاعات والوساطة، أعترف أننى حين حصلت على دبلومة فى هذا المجال من معهد سالزبورج بالنمسا، تفتحت لى مجالات جديدة ورؤية أوسع وطرق مختلفة فى الوصول إلى الحاضرين، لم أعد أدير محاضرة، بل أتعامل مع جلسة نقاش واشتباكات فى الآراء وإدارة مفاوضات وإقناع أطراف مختلفة، فى هذا الموقف أكون الطرف المحايد، لا أتحدث من موقف المدافع عن الإسلام بل أبحث مع الجميع عن نتيجة واحدة ترضيهم، وهو ما لا يفعله كثيرون يعملون على تناول المشاكل بين الغرب والمسلمين». فى الورشة الأخيرة مارس محمد جادالله هذه المهارة بوضوح حين وقف فى القاعة وسط مجموعة من طلبة المدارس معتمدا على التفاعل بين الحضور وطرح الأسئلة والإجابة بواسطة تدريبات ذهنية تعمق الحوار وتشجع على التعرف على الطرف الآخر. كان العنوان الكبير هو «مفهوم التنوع» الذى نشط لدى الطلبة إحساسهم بتقبل اختلافات الآخرين وخصوصية كل دين مع التركيز على القيم المشتركة لدى جميع الأطراف. وسط هذا السعى يفاجأ أثناء عمله بأطراف أخرى قد لا تهدف حتى إلى الدعوة للإسلام بقدر ما تهدف إلى المناظرة والتحدى، ويعلق على ذلك: «هناك كارثة يعيشها المسلمون فى الغرب وهى أن المجتمعات الغربية أمامها صورة مشوشة تمزج ثقافة المهاجرين بالدين، خصوصا أن المراكز الإسلامية فى الغرب تتلقى تمويلها فى بعض الأوقات من دول إسلامية، وتروج كتبا ناتجة عن ثقافات الشعوب العربية والإسلامية، وكأننا نكرس للاختلاف، ولا نبحث فى المشترك بيننا وبين القيم والثقافة الغربية».
إرشاد دعوى
لم تأت تلك التجربة من فراغ حسب قوله بل بعد العمل على مدى 16 سنة فى مجال الإرشاد السياحى فى مصر، حين لاحظ محمد جادالله أن كثيرا من السائحين الأجانب يفتقدون إلى المعلومات الأساسية عن مصر والعالم الإسلامى، ما يجعلهم أسرى بعض الصور المضللة عن هذه المجتمعات. يقول: «فى مهنة الإرشاد السياحى أنت مقيد بأمر مهم وهو ألا تتجادل مع السائحين فى الدين أو فى السياسة، فليس هذا هو الزمان أو المكان المناسب لذلك». هكذا يصف قيود المهنة، وكأغلب زملائه احتفظ بهذه الملاحظات لنفسه واكتفى بالردود التى يجيدها المرشد السياحى المحترف، لكن الوضع اختلف بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بعد أن تأثرت حركة السياحة العالمية وبرزت صورة المسلم والعربى «كإرهابى». يعمل اليوم محمد جادالله إلى جانب عمله الرئيسى كمرشد سياحى فى مجال تطوعى اختار أن يقدم فيه ورشا تدريبية تهدف إلى إزالة اللبس لدى المجتمعات الغربية عن المسلمين، يشرح ذلك: «قبل خمس سنوات دعيت إلى أول ورشة أحضرها من هذا النوع بالتعاون مع هيئة الصليب الأحمر، وهى نفس الفترة التى كنت ألاحظ فيها الأزمة التى يتسبب فيها بعض الشيوخ الذين يجيدون اللغات الأجنبية حين يتعاملون مع الأوروبيين بنفس منطق التعامل مع العرب». كانت الورشة موجهة إلى الفئات التى تتعامل مع «المريض المسلم» فى المجتمع النمساوى، وهناك رأى على أرض الواقع عالما مختلفا وقضايا أخرى يشرحها : «ذهبت وأنا أعلم جيدا أبعاد مشاكل المهاجرين المسلمين سواء كانوا عربا أو أتراكا وكذلك انغلاق بعضهم على نفسه.. فى هذه الورشة كنت أهدف إلى التعريف بالجانب الدينى لدى المسلمين خصوصا فى أوقات المرض وفى إجراءات الوفاة وكيف يتعامل الطبيب والممرض مع هذا الجانب الغامض بالنسبة إليه، دون تبرير المشكلات الثقافية التى تعوق الاندماج». بعد عدة ورش على نفس النمط تهدف إلى صنع جسر بين الشرق والغرب اكتشف محمد جادالله أن ما يحكم العلاقة بين الطرفين هو الخوف، ولاحظ ذلك فى مثال واضح يذكره: «أثناء أزمة الرسوم المسيئة بين العالم الإسلامى والدنمارك وجدت أن صورة المسلمين الذين أحرقوا السفارات فى مظاهراتهم الغاضبة قد غطت تماما على المجهودات التى بذلها المسلمون للتواصل أو التعريف بخصوصية احترام الأنبياء لديهم، بل استدعى هذا الحادث صورا أخرى مضللة من أرشيف الذاكرة مثل صور بن لادن وغيره من الشخصيات المخيفة للمجتمعات الغربية». بالتوازى مع هذه الورش المختلفة عمل على تعميق دراساته الإسلامية حيث يدرس الآن فى مرحلة الدراسات التمهيدية للماجستير، لكن تظل مهارات تنظيم الورش التدريبية والتدريبات الذهنية هى أساس المناقشة داخل هذه الورش التدريبية، ويقول: «أراهن على أن مستقبل الدعوة سيتغير باستخدام هذه المهارات التى لا تعتمد على شكل الداعية التقليدى الذى اعتدنا عليه فى المنطقة العربية». يطمح محمد جادالله الذى يفضل استخدام لقب (وسيط فى فض النزاعات) إلى تأسيس أكاديمية لتدريب الدعاة على آليات ومهارات فض النزاع والوساطة التى تمكن الداعية من أن يعرض قضيته بشكل ناضج يجتذب المجتمع الغربى، ويعلق على ذلك: «أراهن شخصيا على وجود نماذج مثل الدكتور أحمد الطيب فى مشيخة الأزهر فى تنمية هذا الاتجاه لدى الدعاة وتوسيع آفاقهم». يلقى عبارته مبديا عدم القلق من أن يكون ضيفا طارئا على مجال الدعوة موضحا: «يكفينى أن يرى الأوروبيون مجهوداتنا التى تعلى من شأن القيم الإنسانية الراقية الموجودة فى جميع الحضارات والأديان، وأن يربطوا ذلك بأننا مسلمين، فعلينا ألا ننسى الإسلام انتشر فى أرجاء كثير نتيجة إعجاب غير المسلمين بسلوكيات المسلمين وقيمهم الإنسانية العالية».

قبل عدة سنوات اتجهت فتاة ألمانية لمعرفة المزيد عن الدين الإسلامى، كان لقاؤها الأول مع كتيب تحت عنوان «حب الله للعبد» وهو فى الأصل محاضرة مترجمة إلى الألمانية للداعية عمرو خالد، اتصلت الفتاة بالمترجم الذى كان ضمن فريق المتطوعين فى دار الترجمة المكونة حديثا على منتدى عمرو خالد، وتسبب هذا الكتيب فى تحول الفتاة إلى الإسلام، تلك القصة لايزال يرددها أعضاء فريق دار الترجمة ولاتزال الرسالة الصوتية التى أرسلتها الفتاة الألمانية إلى منتدى عمرو خالد محفوظة حتى اليوم على الإنترنت. فى تلك الأجواء الإيمانية تأسست دار الترجمة وانتقلت من الإنترنت إلى الواقع، وحتى اليوم تزداد أعداد الرسائل التى تتلقاها نيرمين حسين رئيس مجلس إدارة دار الترجمة خصوصا فى شهر رمضان، البعض يرسل عبارات الدعم وآخرون يعبرون عن رغبتهم فى التطوع. حسب ملاحظتها فإن رمضان كان دوما موسم الحماس وعلو الهمة، وعلى الرغم من أن المشهد داخل دار الترجمة قد لا يختلف عن الكثير من الشركات الأخرى، لكن نظرة متعمقة تكشف عن أن الأمر بالنسبة إلى العاملين هنا ليس مجرد وظيفة فى شركة متخصصة فى الترجمة، بقدر ما هو مشاركة فى تجربة محورها الدين على الرغم من الطابع الاحترافى الحالى. توضح نيرمين حسين: «بعد أربع سنوات من تأسيس دار الترجمة لم نتخل عن الروح الدعوية التى قام عليها المشروع، منذ البداية عرفنا أن أمامنا طريقين للاستفادة من مهاراتنا فى اللغة، الأول هو نقل معلومة مفيدة عن الإسلام لغير المسلمين وهذا عمل أغلبه تطوعى، إلى جانب تعريب ما هو مفيد عن اللغات الأخرى لتنمية مجتمعنا». الأمر حسبما تصفه نيرمين يفرض على من يعمل هنا أن يكون ذا خلفية خاصة أو حسب عبارتها «العمل هنا نمط حياة، والأفضلية فى الانضمام للفريق لمن لديه حس التطوع وخدمة الدين».
تعود فكرة دار الترجمة إلى العام 2003 بعد شهور قليلة من إنشاء منتدى عمرو خالد على الإنترنت، حيث نشطت الفكرة وقتها على يد نيرمين ومجموعة لا تتعدى الخمسة أفراد على المنتدى، فى تلك المرحلة تكونت روح المشروع الذى دعمه عمرو خالد فى سنوات تالية بعد أن رأى إنتاجه. فى تلك الفترة التى كان فيها أسامة بن لادن هو المسلم الأشهر على الساحة العالمية حين تصاعدت موجات التحريض ضد الإسلام اعتمد العمل على ترجمة مواد مفيدة موجهة إلى الغرب عبر الإنترنت. تقول نيرمين حسين : «بدأنا بترجمة حلقات برنامج عمرو خالد، ثم بعض مقالات الدكتور زغلول النجار عن الإعجاز العلمى فى القرآن». تصمت قليلا ثم تضيف: « قد أتعجب اليوم من قدرة الدكتور عمرو خالد على الوثوق فينا لهذه الدرجة فى ترجمة أعماله على الرغم من أننا لم نكن متفرغين وقتها، لكننا كنا مخلصين فى عملنا». اليوم تقوم الشركة بترجمة حلقات عمرو خالد لهذا الموسم فى عادة سنوية لم تنقطع لكنها اتخذت شكلا أكثر احترافية ووصلت إلى حد دبلجة بعض البرامج.
من الإنترنت إلى أرض الواقع
المجموعة التى تكونت فى البداية من دارسى اللغات والترجمة وجدت فى شعار «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» فرصة لتحقيق رغبتهم التى شحنتها كلمات عمرو خالد فى منتداه. تعلق نيرمين على ذلك : «جاءتنا إشارة بأننا على الطريق الصحيح حين تصادف أن تكون أولى حلقات برنامج عمرو خالد بعد ظهورنا عن الترجمة وأهميتها فى المجتمع، كما ازدادت أعداد الراغبين فى التطوع معنا خصوصا فى رمضان وتزايد دعم عمرو خالد لنا عاما تلو عام». على مدى تلك السنوات كان كل أعضاء فرق الترجمة فى منتدى عمرو خالد مستمرون فى أعمالهم الأصلية وفى دراستهم حتى ظهرت إشارات أخرى تدعو إلى مزيد من التقدم فى تطوير فكرة المشروع، تقول نيرمين: «عن نفسى كنت أعمل فى مجال الإدارة لمدة 15 سنة وصلت فيها إلى منصب جيد فى إحدى شركات السياحة، لكن كان الحلم والهدف الذى تعلق به المئات هو مشروع تأسيس شركة مساهمة باسم دار الترجمة، وكان جميع من تبنوا التجربة فى قلق عند بدء الخطوات الجدية. كان الأمر يحتاج منى مغامرة كى أترك عملى وأخوض هذه التجربة، وهو ما تم فى رمضان العام 2006، فلم يكن لهذا المشروع أن يستمر فقط على الإنترنت، كان قد حان وقت نقله إلى الواقع» فى رمضان من كل عام تحتفل الشركة بذكرى تأسيسها، واختار المؤسسون أن يحددوا رؤيتهم فى «أن تقوم دار الترجمة بدور رائد وفعال فى التبليغ الأمين لرسالة الإسلام الحقيقية إلى جميع البشرية بكل اللغات الحية الممكنة. وبالمثل أن تلعب دار الترجمة دورا رائدا فى تعريب العلوم والتقنيات الحديثة لأجل رخاء ورفعة كل الأمة العربية». بعد انطلاق الشركة ودخولها عالم الاحتراف زاد تكريس نمط حياة العاملين على قواعد محددة، ولقب العاملون فى دار الترجمة أنفسهم بلقب «الدارجميين» وكأنها تسمية تخفى ورائها مجموعة من القناعات والتجارب التى نقلت «فكرة» فى منتدى إلى مشروع حقيقى. وما زال الخط الذى اختارته المجموعة فى البداية يحرك المشروع تحت التأثير الدعوى لمنتدى عمرو خالد، فقد نما اتجاه التعريب لخدمة المجتمع فى ترجمة الكثير من الأعمال إلى العربية خصوصا فى مجال التنمية البشرية وغيرها، وآخرها كانت تجربة دخلتها دار الترجمة مع جوجل لترجمة 5،6 مليون كلمة أى نحو 21000 صفحة من موسوعة ويكيبيديا الأشهر على الإنترنت التى يرتادها الملايين، والهدف إتاحة مزيد من المعلومات العامة باللغة العربية لمتصفحى الإنترنت، حسبما تقول رئيس مجلس الإدارة فإن عدد العاملين والمساهمين فى دار الترجمة اليوم حوالى 520 فرد، والفاعلين منهم فى مجال الترجمة حوالى 300 فرد، أما الملاحظة الواضحة فهى أن غالبية أعضاء فرق الترجمة (16 لغة) من النساء، وتقدر بنسبة 80%. لكن الأساس الذى اجتمع عليه أفراد التجربة منذ البداية فرض عليهم ثقافة واحدة تجمع بين الحس الأخلاقى والجانب التنموى، توضح نيرمين حسين هذه النقطة قائلة: «رغم أننا حققنا اسما طيبا فى مجال الترجمة وحققنا تواجدا كبيرا إلا أن الأهم هو الحفاظ على خصوصية هذا المشروع، يحصل الشباب من (الدارجميين) على ورش تدريبية فى الإدارة والتنمية البشرية، إلى جانب الأنشطة الموجهة إلى تدريب أبناء دار الترجمة من الأطفال». على موقع دار الترجمة صور الرحلات والحفلات التى قضاها الدارجميون معا فى فترة مبكرة حتى قبل تأسيس الشركة، لكن الفرق فى هذه الصداقة أنها تحولت إلى مشروع ناجح، تقول نيرمين: «بعض أبناء العاملين فى دار الترجمة أجدهم على نفس خطواتنا الأولى ويحملون نفس الروح، وهو ما يجعلنى شخصيا أتفاءل باستمرارية هذا المشروع بأيدى الأجيال القادمة، التى نتعمد أن نربطها بالمكان قدر الإمكان».
pdf

Wednesday, August 18, 2010

موسم الفاكهة المباركة

في رمضان من كل عام تنتعش تجارة البلح المرتبط بالعادات الغذائية للصيام، فتتسارع رحلة البلح من أماكن إنتاجه إلى الأسواق. أولئك الذين تعود أصولهم إلى المحافظات المنتجة للبلح مثل أسوان او الواحات، تمثل لهم هذه الرحلة قصة طموح أو مورد رزق موسمي إضافي.
كتب – عبدالرحمن مصطفى
بلح العام الماضي من أسوان

لو لم يكن "حسن محمد" ذا أصول أسوانية لكان المشهد قد اختلف كثيرا عن الصورة الحالية، فأمام العمارة التي يعمل بها حارسا بمنطقة باب اللوق وضع أجولة متراصة من البلح الأسواني الفاخر في مدخل العمارة، يتكرر هذا المشهد كل عام قبل بداية رمضان بأيام قليلة ويستمر حتى نهاية الشهر الكريم، في تلك الفترة تتحول هذه الأجولة إلى مصدر رزق إضافي يعينه على قضاء حياته في القاهرة إلى جانب ما يدخره لأسرته التي تقيم حاليا في مركز دراو بمحافظة أسوان. يقول حسن: "موسم تجارة البلح يزدهر في فترة محددة بدء من شهر شعبان حتى 25 رمضان، بعدها تركد هذه التجارة تماما". رحلة أجولة البلح المتراصة أمامه ليست بالبساطة التي يعتقدها البعض، حيث تبدأ خطة النقل باتفاق يتم بين عدد من أفراد العائلة والأهل العاملين في تجارة البلح ثم يؤجرون شاحنة كبيرة مقابل مبلغ لا يتجاوز 1200 جنيه، وتنتهي رحلة أجولة البلح قرب سور العبور الشهير في القاهرة حيث يستلم حسن نصيبه على أبواب المدينة كي لا يتحمل قيمة الرسوم المضافة إذا ما دخلت الشاحنة سوق العبور. يحاول حسن قدر الإمكان أن يوازن بين عملية البيع وإدارة شئون العمارة، فنجده في نفس الوقت الذي يعطي فيه أحد السكان مفتاح شقته نراه بعدها يلقي تحية على ساكنة أخرى حفاظا على علاقاته اليومية مع الجميع، ثم يأخذ هدنة يقتنصها في بيع البلح لزبون عابر. لكنه على مدار عشر سنوات من الإقامة في القاهرة أصبح لديه زبائنه الذين يقصدونه في كل عام، يعلق على ذلك قائلا : "لديّ زبائن أطباء ومستشارون وآخرون من مستوى راق وهو ما يفرض عليّ اختيار أجود الأنواع حتى لا أخسرهم مهما كانت الظروف، فأي سقطة أقع فيها ستؤثر علىّ العام القادم". يوضح حسن أن الأمر أكثر تعقيدا من مجرد الحفاظ على زبون، فأحيانا ما تبدأ المشاكل في أسوان، يشير إلى أجولة البلح شارحا ذلك بقوله : "هناك ملاحظة مهمة على الجميع أن يعرفها حدثت العام الماضي وستتكرر هذا العام وهي أننا نأكل بلح عام مضي، بمعنى أن موسم جني البلح يأتي في شهر سبتمبر، أي أن البلح المطروح حاليا في السوق قد تم شراؤه قبل عام بعد انتهاء رمضان الماضي مباشرة وتم تخزينه كي يتم بيعه الآن، وهذا الموقف سيتكرر هذا العام أيضا، فنحن في انتظار جني البلح فوق النخل، ثم شراؤه، وبعدها تخزينه". طوال العام الماضي تعرض البلح لمخاطر الأمطار والسيول التي ضربت جنوب البلاد، وحسب تقديره فإن نسبة كبيرة من كميات البلح التي احتفظ بها التجار قد تعرضت للأمطار والسيول وهو ما اضطرهم إلى التعامل معها بحساسية شديدة طوال العام، ولم تسلم إلا نسبة ضئيلة قدرها حسن بـ 20 %.
حسن الذي لم يجاوز الأربعين عاما بدا أثناء حديثه متورطا بشدة في تجارة البلح كاشفا عن حياة مختلفة تعيشها الكثير من عائلات الجنوب في أسوان التي تنشط في زراعة النخيل وتجارة البلح الأسواني، وتكفي جولة في شوارع مجاورة للعمارة التي يحرسها عم حسن كي تكشف عن وجود عدد آخر من حراس عمارات وسط البلد الذين ينتمون أيضا إلى أصول أسوانية ويعملون في تجارة البلح إلى جانب عملهم التقليدي كحراس عقارات. أما ما يميز بلح الجنوب تحديدا فهو عملية تجفيفه التي تسهل استخدامه في أطباق الخشاف وغير ذلك. يقول حسن معلقا على ذلك : "البيئة التي نشأت فيها ربطتني بتجارة البلح، حتى قبل استقراري في القاهرة، لأن هذا هو المحصول الأهم لدى كثير من العائلات التي تزرع النخيل، فكنت أعمل في بيع ما لدينا من محصول إلى جانب عمليات الشراء والبيع التي كنت أقوم بها مع التجار الآخرين، وكنت آت إلى القاهرة وتحديدا في ساحل روض الفرج لتفريغ شحنة البلح في شونة كبيرة حتى يتم بيعها". قبل عملية البيع هناك مراحل أهم في التخزين أصبح حسن الآن بعيدا عنها لكنه حاول شرحها موضحا أهمية رص البلح على هيئة أبراج بحيث يمر الهواء بين أكوام البلح، أما اليوم فتكفيه مهمة البيع التي أحيانا ما يسانده فيها أخيه الأصغر الذي تخلف عنه هذا العام فاضطر أن يعتمد على نفسه تماما.. على بعد أمتار منه محلات بيع تسالي ومقلة رصت أمامها هي الأخرى ياميش رمضان وأنواعا مختلفة من البلح، وفي الناحية الأخرى محلات فعلت نفس الشيء، لكن قرار حسن كان واضحا منذ البداية : "أنا لا أتعامل مع محلات، أتاجر بنفسي وبشكل مباشر مع زبائني، وكلما فرغت الأجولة أرسل لأهلي كي يرسلوا كمية أخرى أيا كان حجمها سواء كانت 20 كيلوا أو أقل". يراهن حسن على الزبائن الذين ارتبطوا به في كل عام لشراء البلح الأسواني المميز، لكن رهانه الأكبر كان على تأثير جذوره الأسوانية على المشترين إذ يأتيه الزبون وهو يراهن على انه سيشتري البضاعة الأجود من معقل تجارة البلح في أسوان.

التمر من الواحات إلى السوبرماركت

في هذه الفترة من كل عام ينشغل علاء الطحان بمتابعة حجم الطلبات وحركة بيع أنواع البلح المختلفة التي تنتجها شركته، دخل في هذا المجال في سن مبكرة بالعمل في أحد مصانع الوادي الجديد قبل سنوات حتى أصبح اليوم شريكا في مصنع كبير ينتج أنواعا مختلفة من منتجات التمور على مدار العام، يقول : "تعرضنا في بداية مشوارنا لكم كبير من الإخفاقات وعمليات النصب من التجار هنا في القاهرة حين كنا ننقل منتجات أصحاب النخيل في الواحات دون أن ندفع لهم ثم نغلف التمر ونبيعه هنا في القاهرة فيما بعد، وأحيانا ما كنا نتعرض للخسارة". هذا العمل الموسمي تخلى عنه علاء الطحان الذي ينتمي إلى واحة الخارجة في محافظة الوادي الجديد - الأولى في إنتاج التمور بمصر - واختار ان يسير مع زملائه في خطة أكثر طموحا مكنته من أن يدير مصنعا خاصا قادرا على المنافسة، تمثل قصة علاء الطحان وزملائه الشباب تطورا في علاقة أهالي الوادي بتجارة التمر وتصنيعه، وهو ما يعلق عليه قائلا : "نحن 13 شابا أغلبنا من حملة المؤهلات العليا، أنا عن نفسي عملت مدرسا بمقابل 210 جنيه شهريا، كان العمل في تعبئة البلح مجرد مورد دخل إضافي، لكنه تحول إلى حياة كاملة أعيشها مثل كثيرين في محافظة الوادي الجديد.". ينتقل علاء بين الوادي الجديد والقاهرة لمتابعة العمل بين المصنع ومقر الشركة بينما يتوزع زملائه بين المحافظتين، وفي هذه الفترة من كل عام في رمضان يزدهر النشاط بقوة ويعمل الجميع على عرض تمور الوادي بأفضل هيئة حيث يسعى كل سوبر ماركت إلى تزيين أركانه بعلب التمر ذات الأشكال المختلفة في هذه الفترة من العام، أما عن هذا المشروع الضخم الذي يرأسه شاب في الثالثة والثلاثين فقد بدأ قبل العام 2005 بوحدة إنتاجية بسيطة ساهمت محافظة الوادي الجديد في تيسيرها لهؤلاء الشباب، كان كل ما يفعلونه وقتها هو تغليف التمر في كراتين جاهزة وإعادة بيعها من جديد، لكن النقطة الفاصلة كانت حين لفتت منتجات هؤلاء الشباب نظر المسئولين في المعرض الذي أقيم عام 2008 لمنتجات الصعيد، وكان تواجدهم المكثف بعشرات الأنواع من التمر و عسل البلح والحلويات بالبلح دافعا للمسئولين كي يدعموا التجربة، يقول علاء : "أستطيع أن أذكر مثالا على دعم المحافظ شخصيا حين ساعد في إجراء بعض صفقات التصدير عبر إرشادنا إلى الزائرين الأجانب الذين يفدون إلى الوادي الجديد للسياحة". اليوم في داخل المصنع بالوادي الجديد عشرات الشباب والشابات من العاملين أمام خطوط الإنتاج قد لا يمثل لديهم رمضان اختلافا كبير سواء في ضغط العمل، أو في حجم الاستعدادات لموسم جني البلح الذي اقترب، لكن في داخل مقر الشركة في مصر يظهر تأثير رمضان بقوة، حين تتوافد بعض الأسر إلى المقر بحثا عن عبوات التمر تماشيا مع أجواء رمضان ومتطلباته. في تلك الأجواء قد تظهر لهجة واثقة على لسان علاء الطحان أو زملائه تخفي ورائها تجارب إخفاق عديدة كان من الممكن أن تحطم مشروعهم في مهده، يقول علاء : "في البداية كنا نمر على كل سوبر ماركت ونسأل عن سمعته، بل ونسأل مندوبي بيع الشركات الكبرى التي تتعامل معه، وذلك خوفا من وقوعنا في عمليات نصب جديدة تحرجنا أمام أصحاب النخيل الذين أمدونا بالتمر الذي نعيد تغليفه". حسب رأيه فإن ارتفاع مستواهم التعليمي أفاد أيضا في فترة إنشاء المصنع أثناء التواصل مع تجارب أخرى في تونس وسوريا لمعرفة تخطيط المصانع من الداخل والآلات المختلفة التي يحتاجها كي لا يكرر تجارب من سبقوه. اليوم لا يقلق علاء وشركائه الشباب من أن يكون ضمن العاملين معهم في المصنع أو من جيرانهم من يطمح إلى تكرار تجربتهم، وذلك لأن الجميع يعلم أن التمر في النهاية هو المنتج الأهم لدي سكان الوادي الجديد ومصدر رزق الكثير من العائلات هناك.
طري وجاف ونصف جاف
تتعدد مصادر إنتاج البلح باتساع جمهورية مصر العربية، من رشيد شمالا حتى أسوان جنوبا، وتنقسم أنواع البلح إلى ثلاثة فئات هي كالآتي : الأنواع ذات الثمار الطرية، والأنواع النصف جافة، وأخيرا الأنواع الجافة، وتظهر الاختلافات بين التمور المنتجة في محافظة الوادي الجديد ومحافظة أسوان حسب أنواع البلح التي يكثر انتاجها في كل محافظة، فبينما تشتهر الأنواع التي تنتجها محافظة الوادي الجديد بأنها من الأنواع ذات الثمار الطرية والنصف جافة، تشتهر محافظة أسوان بإنتاج الأنواع الجافة. ولا يقتصر إنتاج التمور في مصر على هاتين المحافظتين فقط، بل في محافظات أخرى منها دمياط والشرقية والجيزة والفيوم.

PDF

Saturday, August 14, 2010

عودة الشيخ همام

استدعى هذا الموسم الرمضاني ذكرى شيخ العرب همام بن يوسف من العصر العثماني ناقلا معه صورة الماضي عبر الدراما، أما الواقع فما زال أحفاده الهمامية في جنوب صعيد مصر يحتفظون به داخلهم.
كتب – عبدالرحمن مصطفى
الغائب الحاضر في قلوب الهمامية

لم يكن ظهور سيرة شيخ العرب همام مؤخرا عبر الدراما الرمضانية سوى حدث طارئ في علاقة الهمامية بجدهم الكبير، حسب عبارة أحمد محمد عمر الهمامي فإن "همام يعيش بداخلنا وسيرته متوارثة وكل منا يعرف نسبه وصلته بهذا الجد الكبير.. أفضل شعور يمكن أن يشعره الإنسان هو أن يستند إلى ماضي وشخصية تاريخية يحترمها الجميع"، يعيش أحمد الشاب الثلاثيني الذي يعمل محاسبا في مدينة فرشوط مسقط رأس الشيخ همام بن يوسف الذي نجح قبل أكثر من 250 سنة في صنع تحالفات وتوسيع أراضيه بحيث أسس حكما شبه مستقل من جنوب المنيا حتى أسوان انتهى في العام 1769، هذه المكانة مازالت لها تأثيرها في تشكيل حضور الهمامية وسط القبائل الأخرى، يضيف أحمد : "حتى اليوم ورثنا أحلافا مع قبائل أخرى تكونت في تلك الفترة، وليس لنا عداءات أو ثأر مع أحد". يسكن مركز فرشوط وما يتبعه من قرى قرابة 150 ألف مواطن حسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في عام 2006، ولم يتبقى من بهاء عصر همام ودولته سوى قلعة أثرية وجامع الأمير همام بفرشوط، أما الأهم لدى أفراد العائلة فهو الحفاظ على تماسك العائلة وقوتها، هذه النقطة يعلق عليها عبدالكريم الهمامي الأخ الأكبر ونقيب الأشراف بمركز فرشوط قائلا : "هناك بعض العوامل تحافظ على مكانة العائلة وخلفاء همام، حيث ترتفع نسبة التعليم بين الهمامية إلى حد كبير، ويلتحق الكثير من أبنائها بسلك القضاء والشرطة ما يعطي العائلة ثقلا". يحفظ عبدالكريم الهمامي ما قيل عن جده الكبير همام بن يوسف في تاريخ الجبرتي، ويعتقد أن صفات هذا البطل يتوارثها الهمامية كلما تولوا منصبا، ويؤكد ذلك بقصة عن والده حيث يقول : "أتذكر أثناء طفولتي أن تم ضبط لص سرق سجادة من ديوان الهمامية، بعد أن قضى أياما يأكل ويشرب كعابر سبيل، وأتذكر أن والدي لم يعاقبه، فقط سأله عن أسبابه، وان كان قد طلب شيئا ولم يحصل عليه.. هذه التقاليد الرحيمة والكريمة نحرص عليها منذ عهد همام الكبير".يرجح عبدالكريم الهمامي الذي يجاوز اليوم الثالثة والخمسين ويقيم أغلب وقته في إدارة أعماله التجارية في القاهرة أن عامل الثروة واقتناء الأراضي أحد نقاط القوة في العائلة التي تحرص عليها، هذا الفكر يدفع كثير من العائلات الصعيدية إلى اتخاذ إجراءات مثل عدم توريث المرأة كي لا تذهب الأراضي خارج اسم العائلة، حيث ذكرت دراسة صادرة عن جامعة جنوب الوادي مؤخرا ‬أن‮ ‬4‭.‬5 ٪‮ ‬فقط من نساء ريف الصعيد ‬يأخذن ميراثهن دون مطالبة،‮ ‬و59‭.‬5 ٪‮ ‬محرومات من المطالبة بميراثهن، يعلق عبدالكريم الهمامي أن هذا الأمر مستبعد داخل العائلة الهمامية لسبب بسيط وهو أن الزوجة تتزوج من العائلة، فلا تذهب الأراضي بعيدا يضيف : "المرأة الهمامية يمكنها أن تختار أرضها ومكان ميراثها بنفسها". تلعب قواعد العائلة والثروة دورا هاما في صعيد مصر، ولعل سيرة الأمير همام بن يوسف تجسد قصة تطور استندت إلى قوة ثروته واتساع ما تحت يديه من أراضي في تجربة استقلال لم تدم سوى سنوات انتهت في العام 1769مـ.
قبل أشهر قليلة كان كلا من الأخوين أحمد وعبدالكريم الهمامي في استقبال فريق عمل مسلسل "شيخ العرب همام" بفرشوط، لكن ما أن عرضت إعلانات المسلسل قبل رمضان بأيام حتى اتجه كل منهما لرفع دعوى قضائية ضد المسلسل حفاظا على ذكرى جدهما، صورة العائلة ورمزها أمر لا يحتمل العبث حسبما يؤكد أحمد الهمامي قائلا : "البعض قد لا يتفهم مشاعرنا الغاضبة، كيف يتم تصوير رجل سياسي وشريف من آل البيت في غرفة النوم مع عبارات مبتذلة؟ وكيف نجده في مشهد آخر يجر حمارا؟ هذه مشاهد لا تعبر عن حقيقة هذا الفارس والزعيم، لقد خاب ظني بشدة مع هذا المسلسل". يعلم أحمد الهمامي بحكم كونه مهتما بعلم الانساب وبحكم أنتقال كثير من وثائق العائلة ومكتبة والده إليه حسب وصيته أن تاريخ العائلات وماضيها يتحكم أحيانا في واقعها اليومي، نسبك يشكل صورتك في مجتمعك، هذه الملامح تبدو أكثر وضوحا في المنتديات ذات الطابع العائلي والصعيدي على الانترنت، أحيانا ما يدخل الأعضاء في جدل بسبب خلافات قديمة بين عائلتين تعود إلى مئات السنين، أحيانا يكون التشكيك في نسب الطرف الآخر أو عراقته نوعا من الحروب المحدودة على الانترنت. لكن أحمد يؤكد : "لا ندخل أبدا في هذه المهاترات، فالماضي أوضح من يتم الاختلاف حوله". لكن أخيه الأكبر عبدالكريم الهمامي يعلق قائلا : "بعض المعلومات الموثقة في أوقات سيادة بعض القبائل قد تحرج البعض الآخر والعكس، وهي أمور مسكوت عنها، لأنها لا تفيد". منذ عهد همام مرت الأسرة بكثير من التجارب، إحداها ما ذكره أحمد الهمامي عن عداء قديم مع الأسرة العلوية منذ عهد محمد علي، لكن ما يتذكره كبار الأسرة بشكل واضح هو ذلك الصراع الذي دخلته الأسرة مع الأمير يوسف كمال الذي كان له حضور قوي في نجع حمادي وحاول تقليل نفوذ الهوارة والهمامية تحديدا عبر الاستيلاء على أراضيهم، يعلق عبدالكريم الهمامي : "لذا فرحنا بالثورة فور قيامها، والمفارقة الأهم أن من ساهم في إذاعة بيان الثورة كان الإذاعي فهمي عمر ذو الأصل الهمامي". حتى الآن تحتفظ العائلة بتسمية أبنائها بأسماء همام وداوود وبكار وهم من أجداد الهمامية الذي أداروا شؤونها قبل شيخ العرب همام ومن بعده، يقول عبد الكريم الهمامي : "عن نفسي أنا في مرحلة تغيير نشاطي التجاري، أفكر في إنشاء شركة جديدة، ولكن تكون مفاجأة إذا قلت لك أنها ستحمل اسم همام.. جدنا الكبير".
الملتزم الذي صارع المماليك
ولد الأمير همام بن يوسف في فرشوط – تقع في محافظة قنا حاليا – وقد كان لديه من الثروة ما أعطاه ولأسرته الوجاهة والحضور الاجتماعي، ومن خلال مهمته كملتزم يقوم بتسديد ضريبة الأراضي الزراعية إلى الدولة بعد جمعها اتسعت سلطاته تدريجيا، لكن الأمير همام الذي نجح في صنع تحالفات بين القبائل العربية والهوارية بدأ مع اتساع نفوذه و إقصاء الملتزمين المماليك وغيرهم من العرب وبعض أقربائه، ليكون الملتزم الأول في ولاية جرجا التي تمثل الآن إقليم جنوب الصعيد، واستغرقت هذه الرحلة بين العامين 1721 حتى 1769، وفي أثنائها كان قد كون جيشا صغيرا لحماية الأرض وترسيخ نفوذه على طرق ومسالك الإقليم، لكن مشروعه السياسي الحقيقي لهمام بن يوسف قد ظهر في فترة متأخرة حين بدأ في المراهنة على صراعات المماليك واجتذاب بعضهم في صفه، ومع تطور هذا النفوذ نجح همام في الاستئثار بإدارة جنوب الصعيد، وكان لا بد من مواجهة حقيقية بين علي بك الكبير حاكم مصر وقتها والأمير همام، وبعد هزيمة جيش همام وخيانة أحد أقاربه له، انتهى همام وحيدا في إحدى قرى مدينة إسنا ومات حزنا بعدها مباشرة نتيجة انهيار ما بناه في سنوات. وينتسب أحفاده الهمامية اليوم إلى آل البيت على عكس الصورة التقليدية عن قبائل الهوارة تاريخيا بأنهم ينتسبون إلى البربر، ويذكر المهتمون بعلم الأنساب أن الهمامية الحاليين لا ينتسبون فقط للأمير همام بن يوسف بل إلى جد أقدم منه هو همام سبيك الذي وفد من المغرب إلى مصر، وأن لقب الهوارة حصلوا عليه نتيجة تحالف جدهم مع الهوارة، إلى جانب أنه لقب مكتسب ولا يعبر طوال الوقت عن النسب، مستندين في ذلك إلى تعبيرات المؤرخ الجبرتي الذي اعتبر في بعض المواضع أن "الهواري" هو لقب يكتسبه بعض الناس نتيجة إجادتهم الفروسية.
مشروع جمهورية صعيدية
* في عام 1769 وفد إلى مصر الرحالة الاسكتلندي جيمس بروس وسجل في كتابه (رحلات لاكتشاف منابع النيل) تفاصيل لقائه بشيخ العرب همام بن يوسف في مدينة فرشوط، حيث ذكر عنه أنه كان طويلا وضخما و وسيما وفي الستين من عمره، وأنه استقبله بأدب شديد وسأله عن ما يحدث في القاهرة أكثر من سؤاله عن أي مكان آخر. حيث كان هذا اللقاء في فترة صراع همام مع علي بك الكبير وهو نفس العام الذي توفي فيه همام.
* بعد تأثر الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي رائد التنوير بزيارته إلى فرنسا واطلاعه على نظام الحكم هناك وتفاصيل انتقال السلطة والحكم، عقد الشيخ مقارنة بسيطة بين النظام الجمهوري والمشروع السياسي للشيخ همام حين وصفه في كتاب تخليص الابريز في تلخيص باريز قائلا: "ولما كانت الرعية لا تصلح أن تكون حاكمة ومحكومة وجب أن توكل عنها من تختاره منها للحكم، وهذا هو مثل مصر في زمن حكم الهمامية، فكانت إمارة الصعيد جمهورية التزامية".
* نقل المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي عددا من ألقاب الشيخ همام بن يوسف وبعض مظاهر سلطته وثراؤه في كتابه الأشهر "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، حيث يقول في مساحة خاصة عن شيخ العرب واصفا إياه : "ملجأ الفقراء والأمراء، ومحط رحال الفضلاء والكبراء، عظيم بلاد الصعيد، ومن كان خيره يعم القريب والبعيد، وقد جُمع فيه من الكمال ما ليس فيه لغيره".
* تعاطف بعض المفكرين مع حركة التمرد التي قادها الأمير همام بن يوسف في الصعيد ومحاولته الاستقلال بحكم الصعيد، وعلى رأس هؤلاء المفكر لويس عوض الذي ذكر في كتابه "تاريخ الفكر المصري الحديث" واصفا ما قام به همام بأنه كان "ثورة كانت لها أهداف وطنية واجتماعية، أما الهدف الوطني الأول فكان استخلاص مصر من أيدي المماليك، وأما الهدف الاجتماعي الأول فكان تمليك الأرض للمصريين وتوزيعها على الفلاحين.
* من أولى الدراسات البحثية التي تناولت حياة شيخ العرب همام دراسة أجرتها الأستاذة الدكتورة ليلى عبد اللطيف في الستينات، وتذكر في نتائجها الآتي عن همام بن يوسف : لقد أحال الشيخ همام الصعيد من منبت للفتن ومسرح للصراع بين الأمراء المماليك المهزومين أمام زملائهم في القاهرة ومطاريدهم المنتصرين إلى منطقة استقرار ورخاء وأمن وازدهار وبهذا وضع أساس مجده وخلد ذكراه".

فوق السرج هواري
ظلت ذكرى شيخ العرب همام محفوظة على ألسنة كثيرين في أشعار ومواويل تأثر أصحابها بانهيار حلم الفارس الهواري، يقول الشاعر في موال
قم يا همام وروح سنار ** وازرع وقوت عيالك
فرشوط قادت عليك نار ** والبيه عندي وجالك
في الأبيات السابقة ينادي الشاعر على همام متمنيا لو كان قد اتجه إلى مملكة سنار في السودان بعيدا عن فرشوط وغضب (البيه) محمد بك ابو الدهب وهي الحسرة التي استخدمها الشاعر في موال آخر ينعي ذكرى قصر الأمير همام الذي قيل انه ضم 90 غرفة، وتخرب على يد محمد بك أبو الدهب رجل السلطة المملوكية
هياك يا باب هياك ** بس ضبتك غيروها
تسعين أوضة وشباك ** في تلا يلك كسروها
منذ تلك الفترة ظلت صورة الفارس الهوارى تمثل نموذجا للفارس المحارب، وهو ما دفع مسرحيا مثل جورج أبيض لتقديم مسرحية تحت عنوان الفارس الهواري من الحان الموسيقار سيد درويش، عدا ذلك قد تنتشر أبياتا مجهول حفظتها الذاكرة الشعبية تمدح في فروسية الهوارة من أشهرها الأبيات التالية
انظر الي خيل هوارة تري عجبا
فيسيرها عندما يسري بها الساري
لم تفخر الخيل قط براكبها
ما لم يكن فوق السرج هواري

Friday, August 13, 2010

مغلق في رمضان

مع بداية شهر رمضان يقل الإقبال على محال بعينها، البعض ينسحب حفاظا على الأجواء الإيمانية للشهر الكريم، وآخرون ينسحبون انصياعا لتعير المزاج العام
كتب عبدالرحمن مصطفى
تصوير : فيليب شباليك، محمد حسن

موسم انسحاب الكشرى

قبل ساعات من الإفطار تتجه العيون إلى أطعمة ومشروبات تتوزع على جانبى الطريق، بدءا من التمر هندى والعرقسوس حتى أكياس المخلل، فى تلك اللحظات لن يبحث كثيرون عن محال الكشرى المغلقة التى يطلى بعضها واجهته الزجاجية باللون الأبيض إعلانا عن توقف نشاطه، لماذا لا يصمد هذا النشاط بالذات فى رمضان؟ يجيب محمد جابر مدير أحد مطاعم الكشرى فى حى الدقى بأن الأمر ببساطة يتلخص فى أن «فتح المطعم فى رمضان أمر غير مربح بالقدر الكافى»، بعد تجارب سابقة تأكد مالكو المحل أن العمل فى رمضان يكاد يغطى أجور العاملين لكنه لا يكفى لسداد مصاريف استهلاك الكهرباء والغاز، لذا يعيش العاملون فى تلك الفترة فى إجازة مقابل حصولهم على جزء من الراتب، أحمد وهبى الطباخ الرئيسى فى المطعم الذى يعمل فى نفس المكان منذ العام 97 كان قبل بدء شهر رمضان بأيام قليلة يستعد لإجازته السنوية التى يقضيها فى بلدته بمحافظة المنوفية، وذكر أنها عادة سنوية اعتادها للراحة والاستجمام، أما موعد العودة فسيكون قبل انتهاء رمضان بأيام قليلة، يعلق محمد جابر مدير المطعم قائلا: «فى هذه الفترة أجرى عمليات الصيانة والتجديدات، التى أؤجلها سنويا، فى العادة لا يلاحظ المارة ما يتم داخل محال الكشرى، لأن المحل مغلق».
فكرة استمرار العمل فى رمضان غير مطروحة تماما، يؤكد مدير المحل: «هذا الأمر مستبعد تماما خاصة فى حالة مطاعم الكشرى الكبيرة أو التى تقع فى مناطق راقية أو حتى في المناطق ذات الدخل المتوسط، فإلى جانب أن مزاج الطعام فى رمضان يختلف حين يبحث الجميع عن وجبة دسمة على الإفطار، فهناك سبب أهم وهو اعتماد محل مثل محلنا على فئة الموظفين والمارة، وهؤلاء ينهون عملهم مبكرا فى رمضان ويتجهون إلى منازلهم لتناول طعام الإفطار، كما أن خدمة توصيل الطلبات لن تجد من يستخدمها، لكن هذا الوضع يختلف أحيانا مع مطاعم أخرى فى مناطق أكثر ازدحاما».
بعيدا عما يذكره محمد جابر فإن بعض مطاعم الكشرى تفتح أبوابها وتعمل بكامل طاقتها ليلا ونهارا فى رمضان دون حرج، خاصة فى المناطق الشعبية المزدحمة والتجارية مثل العتبة ورمسيس ومنطقة وسط البلد، على أبواب هذه المطاعم ينتظر العاملون الضيف الشارد الذى خرج عن القطيع وقرر تناول وجبة كشرى، سواء كانت الوجبة لمغامر أتى يأكل فى نهار رمضان أو لمن لم يكتف بوجبة الإفطار وجاء ليلا بحثا عن المزيد. ما يحدث لأغلب مطاعم الكشرى من توقف يضرب أنشطة أخرى مثل السينما والمسرح ويؤثر فى مطاعم أخرى مثل مطاعم السمك والفطائر، لكن ذلك كله يأتى فى إطار تبدل مزاج الصائم وتغير عاداته الغذائية فى رمضان، حيث تذكر دراسة نشرت نتائجها العام الماضى عن مركز البحوث الاجتماعية والجنائية والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أن المصريين ينفقون ما يوازى 15% من إنفاقهم السنوى على الغذاء فى شهر رمضان، وهو ما يتجسد فى أن يرتفع استهلاكهم من الحلوى بنسبة 66.5% وأن يتزايد استهلاكهم من اللحوم والطيور بنحو 63% والمكسرات بنسبة 25%. كل هذه التطورات فى رمضان تجعل وجبة الكشرى غريبة على المزاج الرمضانى. أما بالنسبة لذوى الدخل البسيط ومن يبحثون عن الوجبات الرخيصة فيجدون ضالتهم فى موائد الرحمن، وهو ما يضرب نشاط محال الكشرى فى مقتل، لكن رغم هذه الأجواء تتجه نسبة ضئيلة من محال الكشرى إلى معاندة هذا المزاج المختلف، يقول أحمد عبدالعزيز مدير فرع سلسلة من محال الكشرى الشهيرة بمنطقة وسط البلد إن هذا الفرع اختار العمل فى رمضان، ربما قد لا يوازى نشاط محال أخرى فى منطقة العتبة الأكثر كثافة، لكنه اعتاد على إجراء سنوى يشرحه قائلا: «فى الأيام الأولى من شهر رمضان أغلق المحل وأقلل نشاطى لكننى أعود فى النصف الثانى من رمضان ونستمر حتى فترة العيد، ويأخذ العاملون مكافأة فى فترة التوقف القصيرة، أما عن سبب الاستمرار فى رمضان فهو الخوف من أن ينتقل العمال إلى عمل آخر خاصة القاهريين منهم، أما الزبائن الذين أنتظرهم فإما عابر سبيل أو سائحون أجانب فى منطقة وسط البلد». حسب حديثه فإن سبب الاستمرارية ليس البحث عن المكسب بقدر ما هو الحفاظ على إيقاع العمل وارتباط العاملين بالمكان، ويؤكد فى حديثه أن العمل فى شهر رمضان يفرض تعاملا حذرا مع مخزون الأرز والمكرونة وغيرهما من مكونات الكشرى، حيث تتجه المطاعم القليلة، التى تصر على فتح أبوابها فى رمضان إلى تقليل الخسائر قدر الإمكان حتى الوصول إلى أيام العيد، التى تتحول إلى فرحة من نوع خاص لمحال الكشرى حيث يعود نشاطها بقوة فى تلك الفترة.

البار فى إجازة إجبارية

لم يعد هناك مجال الآن لأن يمر أحدهم من أمام البارات الموجودة فى وسط البلد ويلقى عبارة من نوعية «حسبى الله ونعم الوكيل»، تلك العبارات يتلقاها أحيانا بعض العاملين فى مجال تقديم الخمور على مدى العام من الرافضين لفكرة تقديم الخمور فى كافتيريات أو بارات مخصصة، في شهر رمضان يتوقف تقديم الخمور وتغلق فيه أغلب البارات أبوابها تماما. بالنسبة لموريس مكارى مدير كافتيريا عرابى السياحى فالأمر بمثابة إجازة سنوية يبتعد فيها عن الضغوط اليومية التى كان يتعرض لها فى غير شهر رمضان، يقول موريس: «لا يوجد قرار رسمى بإيقاف خدمة تقديم الخمور، لكنه أصبح عرفا أن أغلق فى الأعياد الدينية مثل المولد النبوى ورأس السنة الهجرية وفى شهر رمضان». يستطيع موريس أن يتقبل فكرة إغلاق الكافتيريا التى تعتمد على تقديم الخمور منعا لأى حساسية قد تصيب البعض فى هذه الفترة، فقد شهد المحل الذى افتتح فى عام 60 تطورات عديدة حتى ظل باقيا إلى الآن، لكن ما لا يقتنع به موريس هو مشكلة أخرى يذكرها قائلا: «الضرائب تحاسبنى على أساس أنى أعمل طوال أيام السنة بما فيها شهر رمضان الذى أتوقف فيه عن العمل، وأدفع أجور العاملين، وهذه المشكلة ليست إلا جزءا بسيطا مما نتعرض له على مدى العام من زيارات لرجال شرطة الآداب بحثا عن ضبطية إلى جانب غيرها من زيارات موظفى الحى واعتراضاتهم على رفع أى إعلان عن الخمور.. كلها مشاكل نعيشها طوال العام، ونرتاح منها فى شهر رمضان». يعتقد موريس أن جميع مقدمى الخمور يمتنعون تماما فى رمضان سواء فى البارات أو الكافتيريات أو المطاعم، لكن على أرض الواقع فالوضع يبدو مختلفا، حيث يعرض موقع على الانترنت تحت عنوان (baladibar.com البار البلدى) حصرا وخريطة لجميع البارات والأماكن التى تقدم الخمور على مدى العام، لكن لم يفت مؤسسو الموقع أن يضعوا علامة مميزة على الأماكن، التى تقدم الخمور فى رمضان دون مشاكل، وحددت أربعة أماكن، اثنان منها أندية لجاليات أجنبية والمكانان الآخران يقعان داخل مطاعم ملحقة بفنادق، وتعتمد إمكانية تقديم الخمور للزائر المصرى أثناء رمضان على مدى علاقته بالمكان فى الأساس، خاصة الأماكن التى يرتادها الأجانب، بالعودة إلى موريس وغيره من البارات فلديهم مشكلة، وهى انحصار نشاطهم فى فكرة «البار» وتقديم الخمور، على عكس أماكن أخرى مثل مقهى الحرية ذى الطابع التاريخى فى منطقة وسط البلد، حيث يقدم المقهى الخمور بتصريح رسمى، لكنه يتوقف تماما عن تقديمها فى رمضان، وحتى فى ساعات النهار يحرص على نفس الإجراء التى تحرص عليه بعض المقاهى فى مداراة زبائنها من أعين الصائمين، يقول محب نيقولا مدير مقهى الحرية: «أحاول فى بداية رمضان أن أغلق أبوابى على سبيل الراحة وتقليل النشاط، والعمل كمقهى تقليدى بقية الشهر». يذكر عدد من العاملين فى البارات أن نسبة الخسارة ليست بالحجم الضخم، لكن الجميع يتعامل معها على أنها إجازة سنوية، يقول وجدى الكردانى رئيس غرفة المنشآت السياحية إنه لا توجد توصيات أو قرارات مصاحبة لعمل البارات تفرض حجب نشاطها فى رمضان، ويضيف: «هذا الإجراء تتخذه المحال من نفسها تماشيا مع الروح العامة لرمضان، فحتى الملاهى الليلية تغلق أبوابها، وبعض المطاعم السياحية تغير فقراتها كى تقدم رقصات فلكلورية، لكن على جانب آخر، فالأمر غير محظور لمراعاة احتمالية وجود مجموعات سياحية فى هذه المطاعم أو الفنادق». أحد العاملين فى بار وسط البلد الشهيرة ذكر قبل بدء شهر رمضان بأيام أنها فرصة سنوية للهدوء والتأمل بعيدا عن الصخب، خاصة أن زبائن بارات وسط البلد لا يتغيرون كثيرا، هم نفس الزبائن يتنقلون بين عدد من البارات، لكن فى شهر رمضان ينقطعون غالبا.

PDF

Thursday, July 29, 2010

يوميات المخالفة والكارتة

ما لا يتحدث عنه سائقو الميكروباص
كتب – عبدالرحمن مصطفى
في منتصف المسافة بين ميدان روكسي ومحطة المظلات بشبرا يطل من جانب الطريق أحد جامعي الكارتة حيث يتلقى في يده جنيها معدنيا، بعدها يحيي السائق الشاب تحية عنيفة معاتبا إياه على تجاهله في "الدورة السابقة"، يتنصل السائق سريعا من الموقف، ويبدأ في تبرير صبره بسرد قصص عن نفوذ جامع الكارتة داخل قسم الشرطة ولدى رجال المرور. "لأ.. الحاجات دي مش بتحصل عندنا" يعلق محمد أحد سائقي موقف المظلات بأنه ليس في سلطة جامع الكارتة على الطريق أن يمارس العنف تجاه السائق بأي حال، يتحدث محمد مع ابتسامة واثقة مخفيا الكثير من المشاكل التي يواجهها يوميا، يوضح : "من المفترض عدم وجود كارتة على الطريق، لأننا ندفع كل ثلاثة أشهر كارتة مجمعة ضمن مشروع السرفيس إلى جانب المصاريف الأخرى وتختلف حسب طول الخط بين 450 أو 600 جنيه أو أكثر !".واقع الأمر أن السائق على هذا الخط في فترة النهار قد لا يمر فقط بشخص واحد يطلب منه جنيها كلما مر، بل أحيانا ما يواجه شخصا آخر قرب نهاية الخط، وعلى عكس الرجل الأول ذو الملامح القاسية، يبدو الثاني أكثر بؤسا وهو يطلب جنيها من سائق الميكروباص، يقول محمد السائق الذي جاوز الأربعين: "في النهاية ندفع عن طيب خاطر، بعض هؤلاء سائق قديم أصيب في حادث أو شخص له ظروف خاصة".. يكشف عن ساقه ويقول أنه هو أيضا يسير بساق بها شريحة معدنية لكنه اختار العمل اليومي بدلا من جمع أموال السائقين بهذه الطريقة.. الصورة التي يرسمها محمد ليست بهذه البساطة، رغم استخدامه لغة حذرة في حديثه عن "جامعي الكارتة" لكنه يعترف أيضا بدورهم وأنهم أحيانا ما يساندون السائقين لدى رجال المرور. يبدو متصالحا مع الحال في هذا الخط، إلا أن مشكلته الحقيقة تكمن مع رجال المرور، يشير إلى طابور السيارات أمامه، "من المفترض أن يكون الموقف أسفل كوبري المظلات، لكننا نأتي هنا لتحميل الركاب لأن هذا الموقع أيسر إلى الناس"، يعلم كل سائق أن هناك من سينافسه دائما بدء من زملائه حتى وسائل النقل الأخرى، لذا فالإجماع على المخالفة يكون أهون، لكن مثل تلك التصرفات تعرض السائقين لمخالفات، خاصة ناحية ميدان روكسي في بداية الخط حيث يكون المشهد أكثر توترا، فالسائقين لا يمرون أبدا بالموقف المخصص لهم، يقفون في الإشارة للتحميل وأحيانا ما يتلقون عبارات قاسية من رجال المرور يكون بديلها هو سحب الرخصة والمخالفة، أما المفاجأة فأن من التزموا الموقف الرسمي يدفعون هم أيضا كارتة غير مبررة لعمال آخرين تحت دعوى "المحبة والترضية"، يضيف محمد : "في مرة فكرنا في الإضراب بعد أن وصل الحال بأحد زملائنا أن حرر له الضابط مخالفات بألف وخمسمائة جنيه إلى جانب سحب الرخصة، هذه هي المشكلة الحقيقية وهي أهون مشكلة جامعي الكارتة". يشير محمد إلى الجانب الآخر من المظلات حيث أميال توصل إلى شبرا الخيمة، هناك عمال الكارتة أكثر ضراوة، السيارة الغريبة قد تدفع خمسة جنيهات، الحياة المزدحمة في الموقف لا تحتمل ضيف جديد، وعمال الكارتة ليسوا في بساطة العاملين على الخطوط الأخرى فهم يجمعون أموالا لحساب المحافظة، الموقف العشوائي في محطة عرابي بشبرا الخيمة أقرب إلى سيرك، علامات مشروع السرفيس غائبة من على زجاج السيارات، الشجار لايتوقف بين السائقين على التحميل، ومفاوضات مع رجال المرور الجالسين جوار الموقف، اختار أحد السائقين أن يكون الحديث في سيارته خشية الصدام مع أحد، يقول : " في أي وقت يمكن لأمين الشرطة أن يأخذ مفتاح السيارة وينطلق بها إلى القسم أمامي و أن يحرر الضابط مخالفة قد تصل إلى خمسمائة جنيه"، في هذه المنطقة أزمة يعيشها السائقون، أعرب عنها هذا السائق في استعداده أن يدفع خمسين جنيها - لمخالفة خط السير ضمن مشروع السرفيس - على أن يقع في قبضة رجال المرور كل فترة، هؤلاء السائقين بين القاهرة والقليوبية أقاموا إضرابا قبل أكثر من عام نتيجة تعرضهم المتكرر للمخالفة، أما هذا السائق و زملائه تحديدا فيعملون بين المسافة في محطة عرابي في شبرا الخيمة إلى شارع شبرا في القاهرة، وهو خط ابتكروه بأنفسهم، ولم يتحول إلى خط رسمي ضمن مشروع السرفيس. في هذه الأجواء تظهر سلطة جامعي الكارتة، إما بمثابة وسطاء، أو عمال لدى المحافظة في جمع الأموال رغم عدم مشروعية عملهم.
هذا المشهد يكون أوضح بعد الساعة الثانية عشر صباحا ناحية ميدان رمسيس، حين يظهر "عم أحمد" بشكله التقليدي، وملامحه التي تجمع الغضب والجدية، مرتديا بدلته القديمة، مزهوا بجسمه النحيل المتعارض مع ما له من سطوة على سائقي الميكروباص المتجهين ناحية عين شمس.. يظهر رجل المرور مطالبا السائقين بالرحيل، حسب الملصق المكتوب على زجاج سياراتهم عليهم أن يبدؤوا رحلة تحميل الزبائن من موقف أحمد حلمي، لكن هذا لا يحدث، يظهر "عم أحمد" يدفع له السائق جنيهان معدنيان، ويعود "عم أحمد" للتفاوض مع عساكر المرور كي يسمحوا للسائقين بالوقوف دقائق معدودات، يعلق سيد السائق الميكروباص الذي دفع لعم أحمد جنيهان في إجراء يومي قائلا : "محدش عارف الصح من الغلط.. احنا بنعك"، يعترف انه يجب أن يبدأ من موقف أحمد حلمي لكنه على أرض الواقع يعلم أن المكان الأنسب لتحميل الركاب هو من شارع رمسيس، وإذا لم يأتي إليه سيأتي غيره، وفي هذه الأزمة اليومية ظهر "عم أحمد" الذي يعمل فقط حتى الثالثة إلى الرابعة صباحا، يقول سيد : "الكارتة المجمعة الرسمية تصل عند التجديد إلى أكثر من 900 جنيه، ما أدفعه لعم أحمد لا أعلم جدواه، يقول لنا أنه يدفع لرجال المرور، لكننا كل يوم نتعرض للتضييق أو المخالفة، أو نختبئ في شوارع مجاورة، أحيانا ما ينجح في أن نظهر لدقائق سريعة في ميدان رمسيس وأحيانا يخفق مثلما حدث اليوم". يعلم سيد انه في موقف عبثي، لكنه سيستمر على هذه الخطة كل يوم، دون ملل أو تعب.

Wednesday, July 28, 2010

صفحة من دفتر مهاجر سابق

كتب – عبدالرحمن مصطفى
رغم مرور عدة سنوات ما زال عمرو محمد السيد (26 سنة) محتفظا في ذاكرته بهذين التاريخين جيدا: 17 يوليو، 30 سبتمبر 2005، الأول هو يوم بدء رحلته الأولى في محاولة الهجرة إلى إيطاليا، والثاني هو يوم الإخفاق في إتمام نفس الرحلة. منذ ذلك الوقت حتى الآن ترفض أسرته فكرة تكرار التجربة مرة أخرى، أو حسب تعبيرهم : "لو بيرلسكوني جه بطيارة عشان ياخدك بنفسه على إيطاليا.. مش هتروح"، واكتفى بمتابعة أحوال المهاجرين والرضا بالواقع. يعيش عمرو السيد في قرية قلمشاه التي يقدر عدد سكانها بثلاثين ألف نسمة وتتبع مركز إطسا بمحافظة الفيوم إحدى أشهر المحافظات التي يتجه شبابها إلى الهجرة سرا إلى إيطاليا، لماذا إيطاليا ؟ يجيب عمرو: "كان في راسي وقتها نفسي السيناريو الذي نفذه آخرون، فإما أن تدخلني مافيا التهجير إلى إيطاليا وأعيش هناك، أو أن يتسلمني الصليب الأحمر كلاجئ هارب من إحدى مناطق الحروب ويتم الإنفاق عليّ أثناء إقامتي.. حتى أن ربان المركب التي قادتنا إلى إيطاليا في البحر ذكر لي أنني من الممكن أن أدخل المدرسة هناك وأتعلم لأن ملامحي كانت أصغر من سني".
في تلك الفترة كان عمرو في سن العشرين يدرس في كلية التربية بقسم اللغة الفرنسية، ووصل وقتها إلى قناعة بعدم جدوى التعليم الجامعي، وأن الهجرة هي المستقبل الحقيقي في ظل انعدام فرص العمل. يقول: "كان أمامي أيضا تجربة عمي الذي سبقني في الهجرة إلى إيطاليا بعام واحد فقط، ونجح في البقاء هناك لمدة ست سنوات من العمل". المفارقة التي يعيشها عمرو الآن هي أنه يقطن كعريس جديد في الطابق العلوي من شقة عمه الذي عاد إلى مصر مؤخرا محققا نموذج النجاح في إيطاليا. تذكر دراسة نشرت عام 2006 تحت عنوان "اتجاهات الشباب المصري حول الهجرة لأوروبا" وأجريت على عينة من شباب عدة محافظات مصرية أن حوالي 94% من عينة الدراسة حددوا دولة المهجر بناء على أحاديث الأصدقاء والأقارب، وكانت نسبة 61% من الشباب في ذلك الوقت قد اختارت إيطاليا كدولة هجرة مؤقتة، وهكذا كان عمرو أيضا.
لم يكن التيار وحده هو الذي دفع عمرو وأصدقاؤه إلى رحلة البحث عن إيطاليا بل واقع آخر.. فعلى مسافة عدة كيلومترات تقع قرية "تطون" الشهيرة كإحدى القرى الطاردة إلى إيطاليا، وطوال سنوات مضت راقب سكان القرى المجاورة ذلك التطور الذي أصاب تطون في غلاء أسعار الأراضي والعقارات إلى عشرة أضعاف، وارتفاع مستوى المعيشة وتغير طباع القرية الهادئة، وكانت إيطاليا هي كلمة السر، كما ان حالة الزهو التي تصيب بعض العائدين من هناك ما زالت تحرك غيرة الآخرين. الرحلة التي قطعها عمرو في 2005 لم تختلف عن التي قطعها عمه في العام السابق عليه، ولا عن الرحلات التي خاضها بعض أصدقاءه ومعارفه فيما بعد، ربما اختلفت الأسعار قليلا عن مبلغ 12000 جنيه الذي دفع عمرو نصفه على أمل أن يدفع النصف الآخر بعد إتمام العملية، بينما وصل المبلغ الآن إلى ما يقارب أربعة أضعاف هذا المبلغ. في 17 يوليو 2005 انطلق عمرو بجواز سفر سليم مباشرة إلى ليبيا بواسطة ميكروباص من الفيوم، يقول عمرو : "كنا أربعة، اثنان من الفيوم واثنان من طنطا، أقمنا في إحدى القرى الليبية ثم تركناها بعد يومين سريعا خشية الأمن، وانتقلنا إلى مكان آخر أقرب إلى مزرعة خاصة، حيث كنا نقيم في مكان محدد يلقب بالحوش، وتم تخزيننا هناك ". المكان الذي لا يزيد على ثلاث غرف وصالة توافد عليه من يأتي به مندوب التهريب، وبدأ عمرو مع مرور الوقت يشارك في استلام القادمين من مصر، وحين يسأله أحد في الشارع يقول : "أنا سائح من مصر !"، لكن مع مرور الأيام ثم الأسابيع بدأت الأجواء داخل "الحوش" تتوتر مع تزايد الأعداد وطول فترة "التخزين"، بدأ عمرو وقتها في تعلم أمور خاصة بالملاحة ومتابعة نشرات أخبار الطقس على أمل ظهور الوقت المناسب للإبحار، وبعد مرور أكثر من شهرين دون تسفير أحد، بدأ البعض يهدد المهربين بالعودة إلى مصر، يعلق عمرو : "في هذه المرة كنا على وشك الاشتباك مع المندوبين، خاصة أن الاتفاق كان مع أبناء الفيوم على أن ينفق الشاب على إقامته من جيبه على عكس أبناء بحري الذين دفعوا 25 ألف جنيه شاملة كل شيء". بعد ثورة المهاجرين كان يوم 29 سبتمبر هو الموعد الذي نقل فيه المهاجرون سرا عبر الساحل حيث تسلمهم أعضاء مافيا التهريب الليبية وانتقلوا إلى مركب صيد لا تتجاوز 12 مترا يقودها مصري من بلطيم وسط أكثر من 100 مهاجر سري، وكان الخوف الرئيسي من السقوط في قبضة البوليس الإيطالي في جزيرة لامبيدوزا نظرا لسمعتها في اتساع مراكز الإيواء بها للاجئين ثم ترحيلهم. حين يستدعي عمرو هذه التجربة الآن يحمد الله على نجاته وعودته سالما، ورغم أن له زملاء من فترة الجامعة اتجهوا إلى نفس التجربة في إيطاليا وجنوب أفريقيا كمهاجرين غير شرعيين ونجحوا، إلا تجربته كانت أكثر بؤسا. يقول عمرو : "مع ثورة البحر أصيب البعض بالوجوم وآخرون انهاروا تماما، وكان المشهد مروعا في المساء حين تتحول الأمواج إلى جبال تتحكم في الدفة، وزاد من بؤس الرحلة أن تعطلت بوصلة المركب واتجه الربان بالخطأ إلى جزيرة مالطة في اتجاه المعاكس حيث انتهت الرحلة هناك، وأغرق خفر السواحل المركب أمامنا". بعد معركة مع أمواج البحر يصفها عمرو ومعركة أخرى مع الربان الذي أراد عدم تسليم نفسه لخفر السواحل المالطيين، استقر الجميع في المعسكرات، يقول عمرو : "بعد أن وصلنا نفذت السيناريو الذي كانت سأتمه في إيطاليا، فقد كنا قد تخلينا عن جوازات سفرنا على الشاطي الليبي، فقلت في مالطا أنني فلسطيني على أمل أن أحصل على حق لجوء، لكن أخفقت بعد أن علمت أن مصيري هو السجن في تلك الحالة". عادت المجموعة إلى مصر عن طريق السفارة بعد أن شاهدت أهوالا أخرى داخل معسكر اللاجئين ومعارك مع اللاجئين الأفارقة هناك وتضاعف الإحساس بالهزيمة. قد تبدو القصة مسلية حين يرويها عمرو في منزله وفي خلفيته منازل القرية ومزارعها الخضراء، لكنه منذ ذلك الوقت ما زال مرتبكا بين واقع البقاء وفكرة الرحيل يقول : "بعض زملائي من الجامعة يعملون الآن عمالا وباعة في المحلات بأجر زهيد". يقول الجملة وهو محاط بتجارب العائدين من إيطاليا وتأثير اليورو في بلدة مثل "تطون" المجاورة، لديه قناعة أن الحياة في إيطاليا أفضل حيث شعار "الدين لله والوطن للجميع" حسب تعبيره، في إشارة منه إلى إحساس من خاضوا التجربة بالاحترام هناك رغم أنهم مهاجرين. عدا ذلك يحمد الله بعض من لم يهاجروا أنهم لم تطرأ عليهم تحولات مدينة تطون التي ابتعدت عن الطابع الريفي الهادئ وازداد صخبها نتيجة حركة الأموال الايطالية هناك .

Sunday, July 18, 2010

أسوان.. مدينة تتحدى الصيف

في الوقت الذي تتجه فيه الأعين ناحية المدن الساحلية المطلة على البحرين الأحمر و المتوسط، تظل مدينة أسوان في أقصى جنوب مصر صبورة على الصيف وما يصاحبه من انخفاض في معدلات السياحة.. رغم ذلك تواجه المدينة قسوة الصيف بتحد. و داخل البيوت النوبية على أطراف المدينة و في حكايات تجار السوق تدور أحاديث ذات طابع خاص.
كتب - عبدالرحمن مصطفى
يمر محمد عبداللطيف جوار كورنيش مدينة أسوان محتميا بسيارته من حرارة الجو الحارقة، يشير إلى البواخر النيلية الطافية جوار الطريق متحدثا بضيق عن تأثير الصيف على نشاط المدينة وحركة السياحة، قد لا يعلم محمد أن مدينة أسوان قد سجلت في العام الماضي 2009 حسب تقديرات هيئة الأرصاد الجوية أعلى درجة حرارة في مصر وتحديدا في يوم السادس من إبريل حين بلغت درجة الحرارة العظمي 47 درجة مئوية، حين تذكر مثل هذه المعلومة هنا أمام أحد أهالي أسوان قد يشكك في الرقم مرجحا أنها تتجاوز ذلك بكثير، أما محمد فيقول : "لا يدرك حقيقة التحول الذي يطرأ على أسوان في الصيف سوى من زارها في الشتاء، أو من شهد عصور ازدهار السياحة قبل سنوات". حسب بيانات محافظة أسوان فإن الأرقام في السنوات الماضية تشير إلى هوة في أعداد السائحين عند المقارنة بين شهرين مثل فبراير ويوليو على سبيل المثال، وتكشف المقارنة عن أن الأعداد في الصيف تنخفض إلى الثلث تقريبا حسب أرقام العام 2008، يكمل محمد حديثه معلقا عن أنه انتقل قبل عدة أشهر إلى شركة الكهرباء هروبا من تقلبات العمل في السياحة حيث يعمل في نقل السائحين بمركبه الصغير في النيل بين البواخر العملاقة والمواقع السياحية على الشاطئ، يقول : "وجدت أن الاعتماد الكامل على السياحة ليس في صالحي"، يتلقى مكالمة من أحد زملائه يعرض عليه عملا لنقل فوج سياحي بمركبه، لكنه يبدي عدم الاهتمام، ثم ينطلق بسيارته إلى قريته النوبية "نجع المحطة" حيث ينتمي، هناك يختفي اسم محمد ويناديه الجميع بـاسم "حمادة"، يسير بين دروب القرية حيث تبرز مفارقات في الطريق إلى منزله، البعض اختار الجلوس على مصاطب المنازل، والبعض الآخر هرب من الحر تاركا دروب القرية خالية من السكان، أما المفارقة الأوضح فتظهر ظهور ذلك العدد القليل من المنازل ذات العمارة النوبية التقليدية ومنازل أخرى ذات طابع لا يختلف كثيرا عن بيوت مدينة أسوان. يشير "حمادة" إلى أحد المنازل القديمة التي صممت على الطراز النوبي القديم قائلا: "مثل هذه المنازل المبنية بالطوب الني كانت تساعد القباب فيها على موجهة حرارة الجو صيفا". المعلومة التي يذكرها "حمادة" استرعت انتباه الكثير من المعماريين وعلى رأسهم المعماري الشهير حسن فتحي الذي لفت نظره هذا النموذج الملائم للبيئة في البيت النوبي، حيث تعكس أسقف المنازل المصممة على شكل قباب أشعة الشمس، وتعمل فتحات تهوية في أسقفها على خفض درجة الحرارة و تجديد الهواء داخل المنزل، كذلك فاتجاهات بناء المنزل تراعي حركة الرياح في الشتاء والصيف، في منزل حمادة الذي بناه بيده "طوبة طوبة" كلما تجمع معه بعض المال، يظهر نمط معماري لا يكترث كثيرا بحر الصيف، ففي داخل المنزل تكييف صحراوي يعمل بالمياه وموفرا الكهرباء، ولم يعد تصميم المنزل هو الفيصل في مواجهة تقلبات الجو. إلا أنه لم يتخل عن بعض اللمسات النوبية في الديكور وطلاء المنزل. بعد صلاة الظهر في مسجد القرية يجتمع بعض الشباب والشيوخ على غير موعد أمام مبنى جمعية "نجع المحطة"، هناك جلس عم "حسّون" دون اهتمام بأشعة الشمس الساقطة على رؤوس الجميع، يتأمل مشهد المجموعة التي تكونت أسفل إحدى الأشجار للعب الورق وتبادل الأحاديث، يعلق عم "حسون" الذي جاوز عامه السبعين قائلا:"قبل ستين عاما لم تكن هناك مثل تلك الجلسات المختلطة التي تجمع الشيوخ مع الشباب". اليوم أصبح الشيخ المسن يلتمس العذر لأي شاب ينفخ الدخان جواره من ضيقه بالحياة، قد يبدو سؤالا ساذجا في مثل تلك الأوقات: "كيف تقضون فصل الصيف؟!"، بعيدا عن قلقه وغضبه المكتوم من خمول حركة السياحة يعلق حمادة: "آخذ الأطفال واتجه إلى النادي – مركز الشباب- وأحيانا ما يكون الاستحمام في النيل هو الحل للهروب من هذه الأجواء". يتدخل عم "حسون" في الحديث معلقا : "علاقة النوبي بالنيل لم تختلف في أي جيل، ربما في الماضي كانت منازلنا أكثر بساطة ونواجه تغير الصيف والشتاء بتصميم بسيط، أما اليوم فمنازل القرية أصبح الدش والتكييف جزء منها". يعلل عم حسون انحسار وجود التصميم النوبي في البناء الملائم لطقس القرية أن ذلك ارتبط بحوادث السيول التي دفعت الناس إلى البيوت الإسمنتية التقليدية، ولأن الاسمنت يزيد من حرارة المنزل فأصبح التكييف ضروريا. يعلق حمادة على تلك العبارة قائلا : "في قرية غرب سهيل ستجد التصميمات النوبية أكثر عددا، حتى من يبني على طرز حديثة مختلفة يفعل ذلك خارج البيوت النوبية القديمة، خاصة أن تلك البيوت أصبحت مزارا للسائحين". في محافظة أسوان يمثل النوبيون نسبة 20% من السكان، ويجمع قريتي نجع المحطة وغرب سهيل أن سكانهما ينتميان إلى النوبيين من فرع "الكنوز"، كما أن كلا من القريتين انتقل إليها المهاجرون بعد مشروعات إنشاء خزان أسوان، ثم من توالت الهجرات إليهما بعد تعليته في عامي 1912 و 1933، لكن أجواء الصيف تختلف إلى حد كبير بين القريتين، خاصة في غرب سهيل .
إلى غرب سهيل
كان حمادة على موعد في اليوم التالي مع قرية غرب سهيل حيث زملاء العمل في السياحة وأبناء العمومة، يصاحبه في الزيارة صديقه الشاب محمد الحلفاوي عضو المجلس المحلي عن قرية "نجع المحطة" الذي تحدث في أثناء الرحلة عن مشاكل تعيشها القرية قائلا : "هناك أشياء بسيطة نبذلها مثل طلب أعمدة إنارة للقرية، لكن هناك مشاكل أكبر مثل عدم تملك سكان القرية لأراضيهم التي عاشوا عليها منذ تهجيرهم نتيجة إنشاء خزان أسوان وتعليته، كذلك عدم تعويض بعض من تعرضوا لهدم بيوتهم أثناء القيام بأعمال توسعة الطريق التي جرت قبل سنوات.. رغم وعود المسئولين". يحاول كلا من حمادة ومحمد الحلفاوي نسيان مشاكل قريتهم "نجع المحطة" أثناء توجههما إلى قرية غرب سهيل.. وعلى مشارف القرية يبدو الاختلاف واضحا مع ظهور الأفواج السياحية والجمال والبازارات السياحية، إلى جانب حركة "الفلوكات" الصغيرة على الشاطئ.. في المواسم التقليدية تستقبل القرية يوميا بين الألف والثلاثة ألاف زائر، ورغم قلة الأعداد الآن إلا أن الصيف الأسواني لم يتسبب في ركود الحال تماما، الأفواج السياحية جاءت مباشرة إلى غرب سهيل للاستمتاع بالسياحة البيئية حيث المنازل التي حافظت على تصميمها النوبي التقليدي، يوضح حمادة قائلا : "حتى من يبني منزلا على نمط حديث يبتعد بعيدا عن قلب القرية، هذا أحد مميزات المكان هنا". أمام أحد المنازل النوبية المطلة على النهر يخرج عم "ناصر" مستقبلا زواره، وداخل منزله الفسيح كان المشهد مختلفا، حيث المنزل النوبي التقليدي ذو الأسقف ذات القباب و الساحة الفسيحة والمصاطب. إلا أن كل هذا لم يمنع وجود التكييف داخل المكان، يعلق عم ناصر قائلا: "لم يكن الحال هكذا في البداية كان كل شيء مختلف.. في التسعينات جاءني أحد المرشدين مستأذنا في زيارة منزلي مع مجموعة من السائحين، وبعد أيام تكرر الأمر، وبدأ يتطور إلى اتفاق، ثم بدأ في تسديد النصائح إلى حول كيفية تطوير المنزل كي يكون صالحا لاستقبال السائحين الراغبين في التعرف على النوبيين، بدء من إعداد أكواب الشاي، حتى إضافة مصاطب للجلوس وتسقيف الحوش بسعف النخل، وتطورت الفكرة بالقرية وبدأت الجمال تظهر للسائحين، وتبرز البازارات على الطريق" . رغم هدوء صيف أسوان إلا أن هناك فئة من السائحين يعتمد عليها البعض في هذه الفترة وهم الأسبان والإيطاليين الذين يؤجرون منازلهم صيفا ويأتون إلى مصر في هذا التوقيت بأسعار الصيف الرخيصة. يأتي الكركديه البارد فيصب عم "ناصر" لضيوفه تاركا مساحة من الحديث لمحمد عبدالباسط الذي انضم إلى الجلسة وهو أحد مشاهير القرية، حيث يغني ويحفظ تاريخ النوبة كما أن له تأويلات كثيرة لبعض الكلمات والعبارات في العامية المصرية يعيدها إلى جذورها النوبية.. يعود السؤال إلى الظهور مرة أخرى في الجلسة: "كيف اختلف التعامل مع صيف أسوان على مدار هذه السنوات؟"، يجيب محمد عبدالباسط الذي جاوز الخامسة والستين قائلا : "هناك أشياء جربناها ولم تعد متواجدة اليوم مثل الاستمتاع بفيضان النيل، والصيد، والغطس أمام المنزل مباشرة"، يتدخل عم ناصر صاحب الضيافة مشيرا إلى باب منزله قائلا : "كانت المياه في وقت الفيضان تصل إلى الباب، كان بإمكاني اصطياد السمك من أمام المنزل، كان الخير يفيض حتى أننا كنا نعطي فائض الصيد لجيراننا". بعد إنشاء السد العالي اختلفت الطبيعة تماما، واختفى الفيضان الطائش واستبدل بصيف راكد، يضيف محمد عبدالباسط : "في الصيف هناك بعض الأكلات التي تتحدى حرارة الجو ولن تجدها إلا هنا في أسوان وتحديدا لدى النوبيين.. أشهر أنواع الطعام هو الـ (أب-ريه) قبل أن نعده كنا نبدل المياه بين كل زير وآخر للحفاظ على برودة المياه، هذه الأكلة بالذات كانت حلا رائعا في وقت الحر، عبارة عن خبز شبيه بالرقاق يغطس في مياه باردة مع ليمون وبلح وسكر، مع مشروب مثل قمر الدين.. ويكون كافيا عن الغداء". يعلق عم ناصر : "قل عمله الآن، لكنه ضيف عزيز في موائد رمضان". كان الحديث عن العادات النوبية قديما وكيف تغير بعضها سببا في الحديث عن النوبيين بصفة عامة، ربما شهد هذا الصيف عودة هذا الحديث من خلال مؤتمرات وتصريحات عن "القضية النوبية" مرة أخرى، لكن الجلسة لم تكن تحتمل مزيدا من السخونة.. فجأة يشير محمد عبدالباسط قائلا : "على فكرة.. نحن لم نتحدث بعد عن الفرح النوبي!؟".. كثرة الأفراح في الصيف إحدى اللحظات التي تنسى فيها أسوان وقرى النوبة ضجر الصيف، أما الفرح النوبي تحديدا فله طقوس خاصة قد تستمر لأسبوع حيث تعتمد في البداية على المرور بين دروب القرية ومنازلها لدعوة الجيران والأهل، وانتقال ليالي الاحتفال بين منزلي أهل العريس والعروس، مرورا بليلتي الحنة والزفاف حيث يستمر الغناء حتى الصباح. كل تلك الأجواء تغير من مزاج الصيف العكر.. يودع حمادة ورفاقه قرية غرب سهيل عائدا إلى نجع المحطة، لم يخلو طريق العودة من مفارقة أذاعها كاسيت سيارته لأغنية تحت عنوان "غرب سهيل"، أما المغني لم يكن سوى محمد عبدالباسط الذي كان يتحدث في منزل عم ناصر قبل قليل، دندن الشباب في السيارة مع الكاسيت معاندين الصيف وضجره.
الحرارة فوق الأربعين !
ليست مدينة أسوان هي المدينة الوحيدة التي انفردت بتسجيل أعلى درجات الحرارة في الصيف الماضي، بل نافستها حسب أرقام الهيئة العامة المصرية للأرصاد الجوية مدن أخرى خلال أشهر يونيو ويوليو وأغسطس وسبتمبر، حيث تصدرت القوائم مدينة الأقصر ولم تنتزع منها أسوان المركز الأول سوى في شهر أغسطس، أما أعلى درجة حرارة على الإطلاق سجلت في العام الماضي فقد كانت في شهر إبريل أثناء فصل الربيع، وحققتها أسوان حين وصلت إلى 47 درجة مئوية، ويفسر ذلك الدكتور علي قطب المتحدث الإعلامي باسم هيئة الأرصاد الجوية قائلا : "من المعلوم أن صيف الكرة الشمالي يسجل دائما أعلى درجات الحرارة خاصة في المنطقة العربية نظرا لطبيعتها الصحراوية، بل وأحيانا ما تسجل درجات حرارة مرتفعة في النصف الثاني من فصل الربيع نتيجة الموجات الخماسينية والحرارية القادمة من جبال أطلس القادمة من الغرب مرورا بمصر" . ويوضح الدكتور علي قطب أن درجة الحرارة ليست العنصر الوحيد المؤثر على الشعور بالحرارة، فهناك عوامل أخرى مثل ارتفاع الرطوبة وسرعة الرياح. على جانب آخر يشرح الدكتور جمال سعودي مدير مركز التحاليل الجوية الرئيسي كيف تتم عملية تسجيل معدل درجة الحرارة التي تتم في ظروف خاصة، ويقول : "في مصر حوالي 114 محطة، تتم عملية التسجيل في كشك خشبي يسمح بمرور الهواء من فتحات شيش، وتغطي أرضيته العشب حتى لا تنعكس حرارة الأرض مباشرة على الترمومتر، وتلك الظروف هي المتفق عليها عالميا وهي الأقرب للحياد". يوضح الدكتور جمال أن عدم اقتناع البعض بدرجة الحرارة المذكورة في نشرة الأخبار سببه أن الشعور يختلف من مكان لآخر، يوضح قائلا : "من يقيم في وادي أو شارع ضيق، يختلف عن آخر يجلس أمام النيل، كما أن تأثير الضغط الجوي ونسبة الرطوبة والرياح أمور تزيد من الشعور بالحرارة أو العكس، لذا يتم قياس درجة الحرارة في محطاتنا داخل ظروف محايدة .
PDF

Thursday, July 15, 2010

الحياة على شريط الترام

رحلة الصبر وطول البال
في المقهى المقابل لجراج الترام ومكتب الاشتراكات بحي محرم بك يجلس وائل قناوي إلى جوار سعيد سليمان في انتظار لحظة الانطلاق إلى رحلة الصبر في شوارع الاسكندرية، قد يختلفان في العمر وفارق الخبرة، لكن الزمالة وظروف العمل الواحدة جمعتهما فأذابت تلك الفوارق. تمر من أمامهما عربات ترام "البلد" بلونها الأصفر حيث تتفرع الخطوط في اتجاهات مختلفة على عكس ترام "الرمل" بلونه الأزرق الأكثر استقرارا فوق قضبانه، يقول وائل : "أعترف بأنه أصبح من الصعب الآن أن ينسجم البعض مع فكرة سير الترام في عكس طريق السيارات بتلك السرعة البطيئة، لكن لا سبيل الآن للتغيير". يحاول وائل الشاب الثلاثيني الذي بدأ عمله قبل 12 سنة سائقا في هذا الخط أن يوضح بهذه العبارة جزء من حياته اليومية التي يعيشها هناك، لم يعد يزعجه صوت العربات الترام التي تهز جدران المقهى من حوله. قبل عدة أشهر شهد هذا المكان احتجاجات بعض العاملين في ترام النزهة على انخفاض حوافزهم التي تتأثر تلقائيا بحجم إيرادات الترام، في تلك الفترة كان جزء من طريقهم معطلا بسبب الاصلاحات وهو ما انعكس على حوافزهم في النهاية، لكن سرعان ما هدأت النفوس بعد معالجة الإدارة لهذا الأمر، هذه القصة استوقفت زميله سعيد سليمان الذي يعمل محصلا للتذاكر منذ 43 سنة، يعلق قائلا : "الدخل الحقيقي لنا هو الحوافز التي تتحرك صعودا وهبوطا حسب إيراد الترام وبيع التذاكر"، تلك النقطة هي كلمة السر في حياة العاملين هنا، إلى جانب بعض التفاصيل الأخرى التي يشرحها سعيد قائلا: " يجب أن يتجاوز عدد أيام العمل 25 يوما في الشهر، إن قلت عن هذا الرقم تتدهور الحالة المالية بشكل حاد، على سبيل المثال فإن مقابل الوجبة اليومي يصبح جنيهان ونصف بدلا من خمسة جنيهات ونصف، وكذلك تقل قيمة النسبة التي يحصل عليها المحصل أو السائق من الإيراد"، يبتسم ثم يكمل حديثه قائلا: "ومن الواجب أن أعمل يومين جمعة على الأقل في الشهر.. كل تلك الظروف منهكة لرجل في السابعة والخمسين". يرى وائل الأمر بصورة أخرى تمثل وجهة نظر سائق يقضي نصف يومه في شوارع المدينة، ركز في حديثه على حالة العربات العتيقة وتكالب الناس على السائق في حالة وقوع حادث. يقول : "لا أحد يرحم السائق حين يقع حادث" ينهيان حديثهما مودعين المقهى ويتوجهان إلى الضفة الأخرى من الشارع أمام مكتب الاشتراكات، يشير وائل مبتسما إلى مكتب الاشتراكات قائلا : "أحد أسباب قلة الإيراد اليومي ازدياد الاقبال على الاشتراكات". أما سعيد فيقلقه أمر آخر لا يخفيه، قائلا : "أحد أصدقائي من العاملين في هيئة السكك الحديدية نال 100 ألف جنيه كمكافأة نهاية الخدمة، أما نحن فلا نصل إلى ربع هذا المبلغ". ينهى عبارته ويحين وقت توديع زميله الشاب، حيث لن يعملا سويا في هذا اليوم، هناك محصل آخر سيشارك وائل في رحلته.

الطريق إلى النزهة
داخل الترام المتجه إلى النزهة يبدو وائل أكثر صمتا مع زميله المحصل أحمد إبراهيم، والأسباب واضحة فأمامه طريق مزدحم بالسيارات والعربات الكارو والدراجات، والركاب يزداد عددهم في الداخل، مع الوقت تنتقل أجواء التحمل والجلد إلى الركاب، في تلك الأجواء يبدو سؤالا من نوعية "لماذا تركب الترام رغم بطء سرعته؟" من الأسئلة السخيفة التي تثير ضجر البعض، وهو ما دعا أحد الركاب إلى رفض التعليق مكتفيا باستكمال رحلة التأمل في المجهول.. في ترام "الرمل" المجاور لطريق الكورنيش بعيدا عن ترام البلد ذكر أحد الركاب أنه يجد في الرحلة من محطة الرمل إلى باكوس حيث يقطن متعة خاصة دأب عليها منذ عشرات السنوات قضاها طالبا ثم معلما ثم مفتشا في التربية والتعليم، تلك الرؤية المختلفة لقضاء الوقت داخل عربة الترام لم تجذب الركاب في ترام البلد ذي اللون الأصفر، علق أحد الركاب ساخرا : "هل هناك متعة في الوقوف هكذا!؟ .. أنا لا أستخدم الترام أثناء توجهي إلى العمل صباحا، وحين أنهي عملي أحيانا ما أستخدمه إلى نقطة محددة حيث لا توجد وسيلة مواصلات أخرى، أنزل في محطة قريبة ثم أكمل مشواري بسيارات المشروع ". قبل أن يفترق وائل قناوي و سعيد سليمان كان حديثهما منصبا على أن الترام لم يعد هو وسيلة المواصلات الأساسية، سيارات المشروع – الميكروباص باللهجة السكندرية – زحفت حول خط الترام واجتذبت الزبائن، ولم يتبق من المحافظين على ركوب الترام سوى البسطاء وأصحاب المزاج الخاص أو من اضطرتهم الظروف إلى تحمله لمسافة قصيرة. راكب مسن يضع وصفا من عنده قائلا : "الترام هو عكاز العجوز" مستبعدا فكرة "التنطيط" في عربات الميكروباص، في تلك الأثناء كان وائل يضغط دواسة الجرس محاولا إفساح الطريق المزدحم بالسيارات، بينما كان زميله المحصل أحمد إبراهيم يحاول إقناع أحد الركاب بأن وائل لا يتباطأ في طريقه، لكن الراكب يغادر دون اقتناع.
يشير وائل إلى محطة"الوكالة" التي تمثل كارثة كبرى في طريقه، العاملون في مجال التجارة لن يلتفتوا إلى عربات الترام، يفرغ العمال حمولتهم دون اكتراث، في تلك المواقف قد يتلقى السائق والمحصل عبارة عنيفة من أحد الركاب، إحدى تلك العبارات دفعت المحصل أحمد إبراهيم إلى استرجاع قصة التحاقه بالعمل محصلا للتذاكر قائلا: "قبل أن أعمل في هذه المهنة جربت حظي في مجال السياحة، وكان عملا مربحا، لكني كنت أبحث عن العمل الحكومي الأكثر استقرارا، حيث المعاش والتأمين الصحي، وهو ما يجعلني مستمرا في هذه المهنة، كذلك فأنا لم يكن أمامي فرص كثير للعمل في تخصصي الأصلي كفني تكييفات". يحصل أحمد على مرتب أساسي لا يتجاوز 180 جنيها بعد العمل ستة عشر سنة في الهيئة العامة لنقل الركاب، قد يصل دخله إلى 800 جنيه في أفضل الأحوال، لكن هناك نقاط أخرى يوضحها : "مرتباتنا تعتمد على إيراد الترام لذا تنخفض بصورة ملحوظة في مواسم الشتاء على سبيل المثال، فقد لا يصل محصل في سنوات خبرتي إلى مبلغ 600 جنيه، هذا إلى جانب ما يخصم من المرتب بسبب السلفيات والقروض". قد تكون مثل تلك المشاكل جوهرية في حياة أحمد إبراهيم وزملائه لكن هناك تفاصيل أخرى اعتاد عليها، مثل تكرار الوجوه التي تستقل الترام بشكل دائم، بعضها يكون مثيرا للضجر على عكس آخرين يلقون عليه التحية لأنه هو الآخر قد تحول إلى جزء من حياتهم، هناك تفاصيل أخرى لا ترضيه، يوضح ذلك : "أفتقد وعي بعض الركاب الذين لا يقدرون قيمة التذكرة التي في أيديهم، فبعيدا عن أن احتفاظهم بها هو أمر هام بالنسبة لي وقت التفتيش لكنها في ذات الوقت حقهم الذي عليهم الا يفرطوا فيه". ما يتحدث عنه أحمد إبراهيم من مشاهدات يومية لا تختلف كثيرا عن ملاحظات بعض العاملين في ترام الرمل الذي كان مستقلا بذاته حتى انضم إلى الهيئة العامة لنقل الركاب بمحافظة الاسكندرية، وحتى الآن يقع ترام الرمل تحت نفوذ إدارة مستقلة في الهيئة، وبينما تمتلك الهيئة في خط ترام الرمل الأفضل حالا من حيث نوعية المركبات وحالة الطريق 42 مركبة على خطين فقط، تدير الهيئة في ترام المدينة 119 مركبة تنتقل بين 15 خطا. أحد العاملين في ترام البلد ذي اللون الأصفر المميز ذكر أن هناك روح طبقية تظهر أحيانا حين يمر الترام الأصفر ناحية محطة الرمل لا يخفيها العاملون هناك تجاه أقرانهم. قد يجد سائق الترام الأصفر مضطرا إلى انتظار الترام الأزرق حتى ينطلق قبله.. الترام الأصفر أحيانا ما يعامل كضيف ثقيل في خط الرمل. في الطريق الذي قد يستغرق قرابة الساعة يتبادل وائل وزميله المحصل الحديث، يرفع يده لتحيه زميل قادم في الاتجاه المقابل، قد تطول الأوقات في بعض الأيام مثلما يشرح وائل : "شارع محرم بك على سبيل المثال يزدحم في أيام الخميس والجمعة والأحد في أوقات معينة بسبب وجود ستوديوهات التصوير ومحلات الكوافير التي تستقبل زبائنها من العرائس، وليس في يدي تجاوز الزفة ". في الشهر الماضي أعلن وزير النقل عن قرب إصدار قرار بإنشاء مترو أنفاق الاسكندرية، الفكرة التي تبدلت الأماكن المقترحة لتنفيذها لم تستقر بعد، لكنها في الغالب ستكون بعيدة عن شريط الترام الذي يسير عليه وائل و رفاقه، لا يشغل العاملون في الترام بالهم بهذا التصريح، كل قضيتهم هي العبور اليومي إلى نهاية الخط.. يشير وائل بيده إلى إحدى النقاط الضيقة أمام محطة مصر طريق ضيق يكاد يسمح بعبور الترام بسبب ازدحام الرصيف بمحلات الملابس وصخب الزبائن، يحافظ وائل على هدوء أعصابه محاولا السيطرة على ما هو خارج العربات تاركا مهمة السيطرة على ما هو داخل العربة لزميله المحصل مثلما اعتاد كليهما في كل يوم.


ما لم يقله الترام لركابه !


بعد أكثر من ثلاثين سنة من العمل سائقا ومحصلا داخل عربات ترام الرمل، اختار محمد محمد عبد الحميد (58 سنة) العمل على هامش شريط ترام الرمل الشهير، المهنة : مفتاحجي، تمتد يده كل بضعة دقائق لسحب ذراع طويلة مثبتة في الأرض بقوة ليحدد مسار العربة القادمة حسب رقمها، يقول : "اخترت الشغلانة دي عشان أبعد عن وجع الدماغ"، تلك العبارة الحاسمة لخص بها معاناة عشرات السنوات التي شاركته فيها أسرته في تحملهم الضغط العصبي الذي كان يصيبه يوميا، يبدأ عمله في الساعة الثانية والنصف عصرا حتى الثانية صباحا، لكنه يعتبر ذلك "أرحم" من العمل داخل عربات الترام. كل شيء تغير من حوله وزاد من تعكر مزاجه الذي لم يخفيه أثناء حديثه، في بعض الأيام يؤنسه زميله السبعيني الذي ترك الخدمة ويأتي للجلوس إلى جواره متابعا مشهد الترام، يقول محمد عبد الحميد : " نوعية الراكب تغيرت وأصبحت أكثر شراسة، كثيرا ما كنت أواجه بمن يرفع صوته محتدا قائلا: انت متعرفش انت بتكلم مين؟، رغم أننا في وسيلة مواصلات لا تتجاوز قيمة أجرتها الخمسة وعشرون قرشا، اليوم تعاملاتي في أضيق الحدود". لم يشهد محمد عصور ازدهار الترام حين كانت تديره شركة خاصة يعمل فيها الخواجات، يتدخل زميله السبعيني معلقا : "أنا أيضا لم أشهد تلك الفترة، لكن شهدت في صباي فترة قبل التأميم وبعدها.. كانت الأجواء أكثر هدوءا". لم يتوافر لأي منهما فرصة الاستمتاع بقراءة تحولات المباني المحيطة بالمحطة الرئيسية (محطة الرمل) أو المباني الخلفية في حي المنشية، المقاهي التي كانت تستقبل في نهاية القرن قبل الماضي رواد البورصة تحولت اليوم إلى جزء من معالم المدينة، وتخلي أغلبها مع هجرة الأجانب في الخمسينيات عن (البار) الذي كان يعمل بكامل كفاءته في خدمة الأجانب من سكان المدينة.

في أي وقت يترك محمد عبد الحميد من يحدثه متجها إلى ذراع النقل ليحول الطريق أمام الترام القادم، في محطة بولكلي (إيزيس) اختار أن يختم حياته المهنية في إحدى المحطات التي تتفرع فيها خطوط الترام، مثلها مثل محطات أخرى كسبورتنج "الكبرى"، ومصطفى كامل، وسان ستيفانو، لكن أهم ما يميز هذه المحطة تحديدا هو أنها كانت نهاية أول خط ترام في مصر وإفريقيا حين تأسس في العام 1860، اليوم يتذكر محمد عبد الحميد تواريخ أقرب كانت تمثل أحداث هامة في حياته المهنية، يصف ذلك قائلا : "لن أنسي أحد أعياد عام 1980 بعد عام واحد من التحاقي بالعمل في ترام الرمل، وقع حادث لطفل مد جسده خارج شباك العربة فاصطدم بأحد الأعمدة الجانبية، ووجدت نفسي مسئولا عن الحادث أثناء عملي سائقا، هل مسؤوليتي حراسة الركاب؟!" لم يكن ذلك أخطر ما واجهه، أقسى ما واجهه وما زال يراه بحكم عمله اليوم خارج عربات الترام هو ركوب بعض الشباب على جانبي العربات، ووقوع عدد من الحوادث لم ينساها بسبب تهور بعض الشباب، يعلق على ذلك بشجاعة: "نحن بحاجة إلى شرطة خاصة بهذا المرفق تضبط مخالفات الركاب وصفاقة بعض الشباب". تلك الحالة التي تصيب بعض الركاب بالرعونة وحب الاستعراض كانت سببا في وصم الترام منذ نشأته الأولى بأنه أداة انفلات اجتماعي، فحسبما تروى سوزان عابد في مقال تحت عنوان "الترمواي.. عفريت يجوب شوارع المحروسة" (مجلة ذاكرة مصر المعاصرة-العدد الثاني .مارس 2010) صاحب نشأة الترام ظهور قلق اجتماعي من تشجيع النساء على الخروج من المنزل واستغلال الشباب له كمكان لتحديد لقاءاتهم الغرامية، وهي الفئة التي لقبها البعض آنذاك "الشباب الترامي"، في محطة بولكلي حيث يعمل محمد عبد الحميد كانت نهاية خط أول ترام بدأ رحلته من محطة الرمل بعربات تجرها الخيول على قضبان، وفي عام 1863 كانت البداية الحقيقية لتشغيل خط الترام للجمهور خاصة مع استخدام القاطرة البخارية. الفترة الطويلة التي قضاها محمد عبد الحميد في حياته العملية هي قصيرة جدا في عمر الترام، لكن طرأت في السنوات الأخيرة مشاهد لم يكن ليراها احد من قبل حسبما يروي، أهمها ظهور فئة "أبناء الشوارع" بقوة في حياة العاملين في الترام، بعضهم يقيم في محطات بعينها، لكن الأمر قد يتجاوز ذلك بكثير، يقول : "يكفي أن أصف ما ارتكبه بعضهم قبل أيام في شجار استخدموا فيه النيران التي أصابت إحدى العربات وأفزعت الركاب، هذا إلى جانب محاولاتهم الدائمة لركوب الترام ومضايقة النساء ". تلك المواقف التي كان يتعرض لها يوميا ما زال على صلة بها بسبب تواصله الدائم بزملائه المارين بعرباتهم من أمامه حاملين له حكايات "أعداء الترام" ضدهم. على هامش هذا الخط حياة أخرى، أجانب الماضي قد استبدلوا بزوار الصيف و من جاءوا إلى المدينة المليونية لغرض ما، فاندمجت ذكرى ما قبل الثورة بما بعدها، يمكن تتبع ذلك بإشارات ما زالت موجودة حتى اليوم، فالمستشفى اليوناني التي أنشاها اليوناني ثيوخارى كوستيكا عام 1938 مـ كدليل على وجود يوناني راسخ في المدينة تحولت في الستينات إلى مستشفى جمال عبد الناصر، أما الترام الذي كان يحمل الخواجات والسكندريين إلى المستشفى اليوناني قد تبدل زبائنه، تتضح الصورة أكثر أمام مستشفى الشاطبي الجامعي على مسافة غير بعيدة من رصيف محطة الشبان المسلمين حيث تجلس مجموعات قادمة من محافظات مجاورة افترشوا الرصيف في انتظار دورهم للدخول، حيث لا يسمح إلا بزائر واحد حسبما يصف أحدهم. المدينة التي جذبت ألأجانب في بدايات القرن الماضي وكانوا سببا تطويرها أصبحت اليوم تستقبل حسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في العام 2008 حوالي 280 ألف مهاجر من المحافظات الأخرى جاء أغلبهم للعمل. الفارق بين هؤلاء وإسكندرية الأربعينات أن الأجانب كانوا ضمن المهاجرين إلى المدينة حسبما يذكر الدكتور محمد صبحي عبد الحكيم في كتابه (مدينة الإسكندرية - الهيئة المصرية للكتاب، 2007) فقد وصلت نسبة الأجانب عام 1947 إلى 7% من مجموع السكان بعد أن كانت تمثل ربع سكان المدينة في تعداد 1907، والحقيقة التي يؤكدها صبحي عبد الحكيم في دراسته هي انخفاض النسبة كان أحد أسبابه تجنس الأجانب بالجنسية المصرية، حتى أن اعتبرهم البعض مجرد "خواجات"، لكنهم عملوا في جميع المهن وضمنها العمل داخل عربات الترام.

عفاريت الترام
الترام الذي اعتبره المصريون في بدايته عفريتا يجوب شوارع المحروسة يقابل اليوم بعفاريت بشرية، يشير محمد عبد الحميد إلى صبية اختاروا التعلق في العربة الأخيرة من الترام قائلا: "هؤلاء من أقصدهم.. كيف أتعامل معهم وليس لدي سلطة عليهم؟!". أثناء عمله محصلا قابل محمد عفاريت أخرى يقتحمون الترام في شلل ويضايقون المحصل. نفس الترام الذي تعاطف مع احتجاجات الوطنيين على إثر اندلاع ثورة 1919 وأعلن عماله الإضراب، يمر اليوم بعبارات احتجاجية من نوع آخر.. في الطريق إلى بولكلي حيث يقف محمد عبد الحميد، إحدى تلك العبارات كتبت على جدران مجاورة لشريط الترام بإمضاء "جمال الدولي" مشجع نادي الاتحاد السكندري الشهير الذي ملأ شوارع الإسكندرية في فترة من الفترات بعباراته الساخطة ضد السلطات، في هذه النقطة تحديدا كتب عبارة ضد إسرائيل، مثل تلك العبارات استقبلتها قد يجد الزائر عبارات شبيهة بها على جدران شواطئ الإسكندرية حيث يدعو بعضها إلى العفة وأخرى من نوعية:" لا تحلموا بعالم سعيد .. خلف كل قيصر يموت"، وقبل أسابيع قليلة شهدت ساحة القائد إبراهيم مظاهرات بسبب قتيل الإسكندرية الشاب خالد سعيد على مسافة قليلة من محطة الرمل الرئيسية، مثل تلك الأحداث "الطارئة" لا تشغل بال كثير من العاملين داخل عربات الترام بقدر ما تشغلهم الأحداث اليومية، يشير محمد عبد الحميد من موقعه الراسخ ناحية محطة الشبان المسلمين قائلا : "هناك محطات أصبحت تثير قلق العاملين، مثل الشبان المسلمين حيث مدرسة محمد علي التي يتكرر شغب طلابها وشجارهم هناك". في محطة الرمل الرئيسية عمل محمد في إحدى المهام الإدارية التي اعتزلها ابتعادا عن تعقيدات العمل اليومية.. هناك في محطة الرمل أجواء أفضل حيث العمارات الفخمة العتيقة بعيدا عن مشاكل الركاب والطلبة في موسم الدراسة، حديث محمد عبدالحميد عن تجاوزات الشباب في الترام تثير مفارقة في أن بداية هذا الخط في محطة الرمل تقع جدارية ضخمة عليها صورة فنان الشعب السكندري سيد درويش، إلى جانب رائدة التعليم نبوية موسى، أحد العاملين في الجوار لم يعرف من صاحبة الصورة. تبدو الصورة وكأن المرأة التي تعرضت للتضييق من رجعية المجتمع وسلطات الاحتلال البريطاني نتيجة سعيها للعمل في مجال التربية وإنشاء مدارس البنات ستظل في موقعها هذا شاهدة هي الأخرى على تطور حال المدينة وشبابها

Thursday, July 1, 2010

المحاماة بيـن مجـد غابـر وواقع بائس

رغم أن كليهما قد اضطر إلى الالتحاق بكلية الحقوق حسب قواعد مكتب التنسيق، فأن ذلك لم يمنع سرّاء أسامة (19 سنة) من التعلق بأمجاد مهنة المحاماة القديمة، فى الوقت الذى اختار فيه عماد أحمد (27 سنة) طريقا آخر يصفه قائلا: «بعض طلبة الحقوق يشعرون بأنهم موصومون بالفشل نتيجة تذيل كليتهم قائمة التنسيق وازدحام الطلبة فيها، لكن تجربتى كانت أسوأ بسبب انتقالى من كلية العلوم بعد رحلة إخفاق وانضمامى إلى طلبة السنة الأولى ضمن المحولين من كليات أخرى، وقتها قررت ألا يكون لدى هدف سوى الحصول على شهادة التخرج وإنهاء الخدمة العسكرية لأعمل بعدها بشكل حر». يعمل عماد اليوم بعد تخرجه مصمم جرافيك، حيث يجلس بالساعات أمام شاشات الكمبيوتر، ورغم تخرجه قبل عامين فإن أعوام الدراسة لم تمثل له أى فائدة فى مشواره العملى، حسب قوله فهو «لم يدخل محكمة فى حياته»، بل كان ضيفا خفيفا على الجامعة قضى أغلب وقته أثناء الدراسة فى التدرب على الكمبيوتر حتى لحظة التخرج.أما على الجانب الآخر فتختلف الصورة تماما لدى «سرّاء» طالبة الفرقة الثالثة التى اختارت الانتظام فى تدريب عملى داخل مكتب للمحاماة، تمهيدا للحصول على خبرة تفيدها فى ممارسة المهنة بعد التخرج، تعلق على ذلك: «تجربة التدرب على المحاماة كانت مبهرة لى فى البداية، الجميع ينادوننى بلقب أستاذة وأحصل على تقدير سواء فى المكتب أو فى المحكمة.. غير أن الواقع أحيانا ما يتغير حين أتعامل مع الأفراد العاديين الذين يصابون بالريبة من مهنة المحامى». فى تلك المواقف تستعيد «سرّاء» ما قيل على لسان بعض أساتذتها داخل قاعات المحاضرة عن فضل مهنة المحاماة وقدسيتها، وتحاول نسيان ما تواجهه من تحديات يومية.
صورة من يمارس المحاماة كانت قد تبدلت منذ نشأة المهنة فى مصر حتى اليوم، حين كانت الصورة فى البداية لشخص «غلباوى» كثير الكلام يعتمد على لسانه أكثر من اعتماده على قوة حجته، خاصة أنها لم تعتمد فى البداية على فئة مؤهلة تعليميا، هذه الملامح سجلها المفكر المصرى أحمد لطفى السيد ــ خريج مدرسة الحقوق ــ فى كتابه قصة حياتى (هيئة الكتاب 2008) فى موقف محدد واصفا حال والد الزعيم الوطنى محمد فريد الذى بكى حزنا على ابنه الذى اختار العمل بالمحاماة قائلا: «هل يصح أن يهزأنى محمد فريد فى آخر الزمن ويفتح دكان أفوكاتو؟». لم تدم هذه الصورة كثيرا بفضل إجراءات التحديث التى اتخذتها الدولة آنذاك لاستبعاد غير المؤهلين، وتبدلت الصورة إلى حال أفضل مع ازدياد أعداد دراسى الحقوق الذين استقطبتهم أجهزة الدولة حتى تكونت فيما بعد نخبة حقيقية من العاملين فى مجال المحاماة لأسباب أخرى توردها د. أمانى الطويل فى كتابها «المحامون بين المهنة والسياسة» (الشروق، 2007) الذى رسمت فيه ملامح تطور صورة المحامى بعد ظهور شخصيات من أمثال سعد زغلول وقاسم أمين الذين عمل بعضهم على تطوير المهنة.وفى فترة التحرر الوطنى امتزجت المواقف الوطنية بالسياسية فلمعت صورة المحامى المدافع عن الحقوق، خاصة حين تحولت نقابة المحامين إلى ساحة يبرز فيها الانتماء السياسى والمواقف الوطنية. تلك الفترة التى احتفى بها المجتمع بمهنة المحاماة قد يتذكرها بعض شيوخ المهنة أو الأكاديميين الذين التحقوا بكلية الحقوق ــ قبل ظهور مكتب التنسيق ــ وكلهم أمل فى اللحاق بركب النخبة السياسية والحكومية.فى ذلك الوقت اتخذت حفاوة المجتمع بالمحاماة أشكالا أخرى مثل التعلق ببعض تفاصيل المهنة التى تتجلى فى «أدب المرافعة» الذى تظهر فيه عناصر البلاغة والفصاحة لدى المحامى. وكانت المرافعة تستمد أهميتها من أهمية الحدث وأحيانا من شهرة المحامى، فتفرد مساحات فى الصحف لهذا الغرض، وهو ما حول بعض هذه المرافعات إلى ميراث مطبوع فى كتب حتى يومنا هذا كما انتقل بعضها أخيرا إلى الانترنت. «كلية الوزراء»، حسبما يردد بعض أساتذة كلية الحقوق حتى اليوم لم تعد اختيار أغلب من دخلوها، وهذه الصورة التى كانت تظهر المحامى فى سينما الأبيض والأسود بملابس مهيبة وصوت رصين استبدلت منذ عقود بصورة مختلفة تناولتها أفلام مثل «الأفوكاتو» للفنان عادل إمام الذى أثار عددا من المحامين ضده فيما اعتبروه إساءة لهم، بينما أعقب ذلك أفلاما أخرى تناولت مافيا محامى التعويضات مثل فيلم «ضد الحكومة».وتحولت صورة المحامى إلى شكل جديد متعارض مع الصورة التى كانت عليها من قبل. بعيدا عن التطور الذى أصاب صورة المحامى يجلس عماد فى عمله راضيا عن وجوده أمام شاشة الكمبيوتر التى أدمن الجلوس أمامها منذ سنوات، لم يعد يربطه بالكلية سوى شهادة تخرج حصل عليها قبل عامين، أما سراء أسامة فتقول: «لا أشغل بالى بالمستقبل بعد التخرج، أعلم أن ممارسة المحاماة ليست سهلة، فأنا أحصل من تدريبى على 150 جنيها، ما يثير سخرية أصدقائى رغم أنه مبلغ كبير مقارنة بغيرى.. الجميع يفكر فى العمل فى مؤسسات كبرى وهو ما يحتاج إلى إجادة عدة لغات، أما أنا فأسعى وراء صورة أحببتها ومهنة تعلقت بها».

Wednesday, June 23, 2010

الانترنت.. رقيب جديد على السلطة


كانت غاية من يضبط مخالفة أن يتوجه بها إلى صحفي "شريف" يفجر بها قضية رأي عام، اليوم حلت الانترنت بديلا سريعا لطرح كافة المخالفات أمام المجتمع، وعلى رأسها مخالفات التعذيب والاعتداءات البدنية على المواطنين، بعض المدونين تحولوا إلى منفذ عبور لهذه الكليبات، لكن ما زالت هذه القناة مليئة بالعوائق وما زال الإبحار فيها يمثل نوعا من المغامرة

كتب – عبدالرحمن مصطفى
داخل صفحة أنا اسمي خالد محمد سعيد في شبكة فيس بوك الاجتماعية لقطات فيديو متنوعة من مظاهرات وبرامج إخبارية تناولت قصة الشاب السكندري الذي ما زالت التحقيقات تبحث عن ملابسات مصرعه والاتهامات الموجهة إلى مخبرين ينتميان إلى جهاز الشرطة بأنهما كانا وراء الحادث، إلا أن إسهامات أكثر من 200 ألف مشترك في الصفحة لم تسفر عن ظهور "الكليب البطل" الذي يقطع الشك باليقين، كان أقصى ما توصل إليه البعض هو نشر لقطة تحت عنوان "الفيديو الذي قتل بسببه خالد"، حيث ذكر ناقلوه أنه تم تصويره داخل أحد أقسام الشرطة لضابط يوزع كمية من الحشيش على بعض معاونيه، لكن اللقطة التي يشوبها كثير من الغموض لم تكن مقنعة للبعض، أحدهم علّق قائلا: " ازاى يكون الفيديو ده هو اللى قتل خالد الله يرحمه وازاى الناس دى عارفة إنها بتتصور وعادى يعنى ومبسوطين"، ناشر الكليب دافع عن وجهة نظره قائلا أن "لكل جواد كبوة"، في تلك الأثناء كان وائل عباس أحد أهم ناشري كليبات التعذيب في السنوات الماضية يطرح القضية بمنظور آخر في موقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة قائلا: " فيه ناس صوروا حادثة ضرب خالد ومش عايزين يدوني الفيديو بيقولوا لما يشوفوا التحقيقات ها تعمل ايه! "، الجملة أكدتها أسرة خالد التي ذكرت أن بعض شهود الواقعة قد صوروها لكنهم لم ينشروا تسجيلاتها بعد، وهو ما يعيد إلى الأذهان بقوة صورة كليبات مخالفات الشرطة والتعذيب التي أتاحت لها الانترنت الظهور على الساحة في السنوات الأخيرة. يقول جمال عيد مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان: "بعض المعلومات الأولية التي انتشرت بعد حادثة خالد سعيد وجدت فيها بعض التشابه مع قصة نشر كليب عماد الكبير، إلا أن ظروف نشر الكليب وقتها بواسطة المدون محمد خالد كانت أفضل بكثير". قضية عماد الكبير التي يشير إليها جمال عيد الذي دافع عن بعض المدونين الذين تعرضوا لمضايقات أمنية دارت أحداثها في بداية العام 2006 حين تعرض أحد سائقي الميكروباص للتعذيب في قسم شرطة بولاق وأسفرت القضية عن حبس رجلي شرطة أحدهما برتبة نقيب، يتابع جمال عيد : "لم يكن المدون محمد خالد الذي نشر الكليب أول مرة على درجة كبيرة من الشهرة، لذا استعان بزملائه المدونين وخاصة المدون وائل عباس لينشروا بالتزامن ويفجروا القضية التي تابعتها الصحافة فيما بعد وأسفرت عن نتائج طيبة". منذ تلك الفترة حتى اليوم يتوالى نشر كليبات التعذيب والتجاوزات المختلفة، ولم تسجل خلال هذه الفترة حوادث اعتقال أو اعتداء مباشر بسبب نشر كليب بعينه على عكس ما شاع مؤخرا على الانترنت مع حادث خالد سعيد الذي يتناقل رواد الفيس بوك أن مصرعه كان بسبب اللقطة التي نشرها من داخل قسم الشرطة، يختلف وائل عباس صاحب مدونة الوعي المصري مع هذه الصورة التي تروج أن نشر كليبات التعذيب يتم في أمان، قائلا : "من قال أن نشر مثل هذه الكليبات لا يعرض صاحبه للمضايقات؟ أنا عن نفسي أتعرض للتضييق في كل مرة أعبر منها بوابات المطار". تحوي مدونة وائل عباس أرشيفا كاملا من كليبات التعذيب وتسجيل المخالفات المتنوعة التي حصل عليها من زوار مدونته أو بالبحث المباشر عنها. يتابع قائلا : "كنت شاهدا على ضغوط تعرض لها البعض، وكتبت في مدونتي عن أحد المدونين الذي أضطر إلى ترك مصر والهرب بزوجته إلى ليبيا من جراء التهديدات والملاحقات التي طالته، الأجواء العامة في مصر ليست بهذه السلاسة، حتى في قضية خالد سعيد كل شيء بدأ بالتعتيم، وربما تكشف الأيام القادمة عن كليبات جديدة توضح حقيقة الموقف أو إذا ما كان تعرض للقتل بالفعل بسبب حيازته على كليبات تدين رجال شرطة".
تلك الأجواء الشائكة التي تحيط بمن قرر التعامل مع الكليبات التي تظهر مخالفات السلطات هي التي دفعت محمد خالد ناشر كليب "عماد الكبير" في 2006 إلى اللجوء إلى زملائه حسبما يروي : "اتفقنا على نشر الكليب بشكل متزامن لينتشر بعدها على الانترنت، وبعدها أصبح الأمر يتكرر بشكل تلقائي دون اتفاق كنوع من التضامن بين رواد الانترنت.. الحقيقة أنني اليوم أقدر المشكلة التي يتعرض لها من يملك لقطة لمخالفة ما ولا يعرف كيفية نشرها، وأؤكد أنني شاهدت لقطات كثيرة على موقع يوتيوب - لتحميل لقطات الفيديو- لمواطنين نقلوا ما يحدث في الشارع من مخالفات إلى الانترنت، لكنها لم تحقق أي نجاح، بل إن بعضهم حذفها فيما بعد".
ما يذكره محمد خالد قد تؤكده جولة مخلصة بين ربوع موقع يوتيوب الذي يكشف عن وجود مستخدمين مغمورين يحملون أسماء مستعارة سجلوا لقطات لما اعتبروه تجاوزات في الشارع المصري، لكن لقطاتهم ظلت خبيئة في الانترنت، أحدهم نشر لقطة تحت عنوان "الي من يهمه الامر في قسم الحدائق في مصر" هذا العنوان قد يظهر أثناء البحث على الانترنت لكن بمجرد الدخول إلى اللقطة يكتشف الزائر أنه قد تم حذفها دون سبب واضح، شاب آخر يحمل حسابا تحت اسم dode706 نشر كليبات وقعت في حي عين شمس القاهري تحت عنوان "بلطجة الحكومة المصرية في عين شمس"، تاركا تعليقا يشرح فيه الفيديوهات التي تصور اشتباكات بين رجال الشرطة والأهالي بسبب تنفيذ قرار إزالة أحد المنازل موجها شكواه إلى السيد حبيب العادلي وزير الداخلية. التواصل مع صاحب هذا الكليب لم يسفر عن استجابة، كما لم يحقق نشر الكليب أي تأثير تذكر.
يرى المحامي الحقوقي جمال عيد أن نشر الكليبات التي تكشف عن عنف بدني أو وقائع تعذيب من الأفضل أن تتم عبر مؤسسات متخصصة، كذلك فهناك حل أفضل يشرحه : "هناك مجموعة من المدونين نجحوا في تحقيق اسم ومصداقية عبر نشر لقطات التعذيب وغيرها، بإمكان من لديه مثل هذه المواد أن يتضامن مع هؤلاء المدونين، سواء اختار أن يعلن هويته أو أن يكتفي بإرسالها فقط تاركا المهمة لآخرين في المجال الحقوقي". هذا الثقل الذي اكتسبه بعض المدونين في السنوات الماضية يعتقد البعض أنه يمثل نوعا من الحماية لهم، لكن محمد خالد "صاحب مدونة دماغ ماك" يقول : "لا أحد يضمن حمايته من أحد، حتى إن كنت عاملا في المجال الحقوقي، كل ما هناك هو أن سمعة بعض المدونات في كشف بعض التجاوزات الجسيمة وتسليطها الأضواء على قضايا جديدة من نوعها، قد رسخ مصداقيتها سواء في مصر أو في الخارج حين نتحدث عن تجربة المدونات المصرية". لا يخفي محمد خالد أن هناك من حاولوا ركوب هذه الموجة بحثا عن مكاسب، حسب تعبيره :"كان ممكن تلاقي واحد جاي بيقول أنا عايز أبقى مدون مشهور..!"، لكن هذا لم يمنع أن تقوم بعض المنابر الإعلامية وبيانات وزارة الداخلية بالتشكيك في مصداقية المدونات، بل تجاوز الأمر هذا الحد إلى أن تقوم بعض المدونات بهذا الدور الذي يشير إلى الاستفادة المادية التي قد يحصل عليها الشخص من سمعته كمدون، يعلق وائل عباس على هذه النقطة : "أنا مثال واضح على كذب مثل هذه الادعاءات، فالرد الوحيد هو أنني كان بإمكاني أن أحصل على دعم من أي مؤسسة حقوقية عالمية وافتتح مركزا أديره بنفسي، وهو ما فعله آخرون لم يحققوا ربع مصداقيتي أو يبذلوا الذي بذلته في السنوات الماضية، هذا إلى جانب ما أتعرض له من تضييقات أمنية أثناء أسفاري المتكررة". يختلف أداء مدون مثل وائل عباس في تعامله مع قضية نشر الكليبات التعذيب أو غيرها من المخالفات عن مدونات أخرى أكثر تخصصا في قضية التعذيب مثل مدونة "التعذيب في مصر"، فبينما يعلن هو وبعض زملائه عن هويتهم، اتجهت محررة المدونة إلى الاكتفاء باسم المدونة محاولة الابتعاد عن إعلان هويتها موضحة ذلك قائلة : " السبب في ذلك ببساطة هو إكساب المدونة مظهرا احترافيا، فالزائر لن يهتم بالناشر بقدر اهتمامه بالمادة المنشورة. في مدونة التعذيب في مصر كل ما تقرأه هو حصريا عن هذه القضية". تعتمد مدونة التعذيب في مصر على عدة مصادر مختلفة مثل : المنظمات الحقوقية، والإعلام، والمواقع والمدونات الموثوق فيها على الإنترنت، إلى جانب ما يرسله الضحايا أنفسهم، وتضيف محررة المدونة قائلة: "في البداية طبعا كان الأمر أصعب بكثير، لأن المؤسسات الحقوقية لم يكن لها تواجد كبير على شبكة الانترنت، ولم تولي الصحافة اهتماما كبير لقضية التعذيب قبل ظهور كليبات التعذيب، خاصة كليب عماد الكبير وتصعيد قضيته، لكن مؤخرا أصبح الأمر مجهدا فهناك كثير من المواد، وهو أمر يحتاج إلى تدقيق". على نفس درب "مدونة التعذيب في مصر" تأسس قبل أقل من أسبوعين موقع "التعذيب عندهم .. واحنا ضدهم" وهو يعتمد في عمله على نشاط مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، حيث يبرز في أحد أركانه أرقام الخط الساخن لمركز النديم، إلى جانب إشارة من الموقع تحت عنوان " لو كنت مدون، تقدر تساعدنا أكثر" الذي يعتمد فها على التشبيك مع المدونين دعوتهم إلى رفع شعار الموقع الجديد في مدوناتهم، يوضح مصطفى حسين مدير الموقع : "هناك لدى الكثير من المدونين مهارات جيدة في صنع الأفلام إلى جانب رصد بعضهم لحالات تعذيب بعينها، وبصفة عامة يعمل الموقع تحت مظلة ما يسمى قوة العمل المناهضة للتعذيب وهي مجموعة من المنظمات الحقوقية و الأطباء والمحامين والصحفيين والمدونين يعملون ضد التعذيب ". حسبما يذكر مصطفى حسين فإن إنشاء الموقع كان مخطط له منذ فترة ولم يكن بسبب إثارة القضية مؤخرا بعد حادث الشاب السكندري خالد سعيد. بين أكثر من 14 مليون مستخدم للانترنت في مصر قد يتصادف أن يسجل أحدهم لقطة ترصد مخالفة من داخل خبايا المجتمع المصري، لكن هل سيجد مثل هذا المستخدم تأييدا أو أدنى اهتمام؟ يقول جمال عيد مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان : "دور الصحافة المستقلة أن ترصد مثل هذه اللقطات التي تكشف لنا عن مشاكل في المجتمع، وسأضرب مثالا بما حدث في دولة المغرب حين توالى نشر كليبات على موقع يوتيوب بواسطة شخص مجهول رصد فيها فساد بعض رجال الشرطة هناك، وأثار جدلا بعدها في الصحافة، أما في مصر فقد كانت قضية عماد الكبير هي النموذج الأهم في هذا المجال، الذي تسبب في عودة العدالة للمظلوم عن طريق نشر كليب فيديو في البداية".
PDF