Sunday, April 21, 2013

من السوريات إلى النوبيين .. إعلانات خاصة وراءها حكايات

تنميط و تسويق
قد تخفي الاعلانات آلام شرائح عديدة من المجتمع ، سواء كانوا جزءاً أصيلا من نسيج الشعب أو حتى وافدين عليه بشكل مؤقت، إذ تستخدم الاعلانات عناوين تستدعي صورا نمطية لدى المتلقي، من نوعية مطلوب نوبي للتوظيف ، أو مطلوب فتاة محجبة ، أو مطلوب سكرتيرة حسناء، وغير ذلك. هنا يلعب المعلن لعبة مضمونة حين يخاطب صورة نمطية عن فئة من المجتمع، فيضمن جذب هذه الفئة إلى إعلانه ، وفي المرحلة التالية يراهن على أن يظل من جذبه الاعلان أسيرا لتلك الصورة النمطية إلى الأبد، فالحسناء عليها أن تظل حسناء مادام ذلك شرط الوظيفة، والمحجبة قد تفقد وظيفتها إذا ما خلعت الحجاب.
على أرض الواقع لا يحمل المعلن وحده ذنب تنميط الآخرين، بل قد ترسم بعض الفئات في المجتمع صورة نمطية عن نفسها تبرز قيم الصبر والقوة والأمانة ، ما يضمن لها مكانا في سوق العمل، وعلى الأجيال المتتالية أن تحافظ على تلك الصورة النمطية حتى يحتفظ القادمون بنفس السمعة المكتسبة. و في حالات أسوأ قد لا يكتفي المجتمع بالتنميط ، بل أحيانا ما يقوم بوصم فئات من المجتمع لنفس الأهداف التنافسية، فالشاب الخجول قد يكون هدفا لإعلان يكرس حالة الوصم تجاهه ويزيد من السخرية منه ، على أن يكون طوق النجاة لهذا الشاب في منتج يرفع عنه الوصم ، ويجعله رجلا كاملا . لذا ليس من المستهجن أن يكون أحد أشهر العناوين الملفتة في إعلانات الحائط بشوارع المدينة : مطلوب شباب بدون خبرة ، ففي هذه الحالة يأتي الشاب إلى وظيفة تتعامل معه كموصوم ، فيصبح في وضع لا يسمح له بمزيد من المطالب .
**
عبدالرحمن مصطفى
يجلس عبدالستار بازرباشى اللاجئ السورى الذى وفد إلى مصر قبل ثلاثة أشهر فقط إلى جوار عزت قاسم ــ مصرى الجنسية ــ صاحب المتجر المجاور فى مساكن عثمان، على أطراف مدينة 6 أكتوبر، يروى كل منهما عن المعاناة التى يتعرض لها الساكن فى هذه المنطقة قرب طريق الواحات، مع غياب الخدمات وانقطاع وسائل المواصلات، فمساكن عثمان ما هى إلا بلوكات سكنية شعبية كانت قد وفرتها الحكومة لبعض المصريين الذين فقدوا منازلهم. يوقف عبدالستار بازرباشى حديثه ثم يسأل: «ماذا تريد أن تعرف تحديدا؟ بالتأكيد جئت تسأل عن زواج السوريات من المصريين هنا!». اختار «بازرباشى» اللجوء إلى مصر قادما من دمشق، وترك عمله الأصلى كمدرس للغة العربية، هربا من طلقات الرصاص التى أصابت زوجته قبل انتقالهما إلى مصر. «اخترنا هذا البلد لأن موقفه واضح من القضية السورية، على عكس دول خليجية تدعم الجيش السورى الحر بالمال فقط، لكنها لا تستقبل لاجئا واحدا من سوريا». هذه الكلمات اللبقة تخفى مرارة ما يواجهه مع أسرته حين يستوقفهم أحد المارة ليسأله: هل تعرف فتاة سورية تقبل الزواج؟
هذا الموقف يتعرض له سوريون آخرون منذ شهور فى هذه المنطقة، بعد تعمد وسائل الإعلام وبعض الحقوقيين التلميح إلى أن هناك سوقا رائجة للزواج من اللاجئات السوريات فى مصر، وقد صنع الإلحاح على هذه الصورة كرة ثلج اتسع قطرها بمرور الوقت، دفعت مواقع الإنترنت إلى الاهتمام بصورة إعلان مغمور يصب فى نفس الفكرة، يقول الاعلان: «لدينا أخوات ملتزمات، ومحجبات، ومنتقبات، وسوريات». مثل هذا الإعلان أثار جدلا حول استغلال أوضاع اللاجئين السوريين فى مصر، وهو ما اضطر محمد عفيفى صاحب الإعلان إلى إغلاق هواتفه لعدة أسابيع، ورفض جميع الاستفسارات الهاتفية حول وجود سوريات لديه. وفى النهاية يعلق قائلا: «لم أكن أعلم أن الإعلان قد وصل إلى الإنترنت، فنحن وسطاء زواج للمحجبات والمنتقبات المصريات بالأساس»، وذكر صاحب الإعلان أن بعض الشباب البائس كان يسمع من شيوخ المساجد عن أسر سورية فى حالة مزرية تطلب الدعم المادى، فما كان من البعض إلا أن فكر فى استغلال الموقف، والسعى إلى الارتباط بفتاة منكسرة ذات مطالب قليلة.. هل نجح فى تزويج فتيات سوريات لمصريين؟ على حد عبارته: «لا لم أفعل ذلك».
فى ظل هذا الهوس تحولت منطقة مثل مساكن عثمان فى مدينة 6 أكتوبر إلى محط أنظار كثيرين، هنا يعود الحديث مرة أخرى إلى عبدالستار بازرباشى فى مساكن عثمان، وينضم إليه الشاب السورى أحمد عبدالواحد الذى علق بعصبية قائلا: «الإعلام صوّر منطقة مساكن عثمان على أنها منطقة مستباحة لراغبى الزواج من السوريات، هذه أوهام، ليس الأمر بتلك البساطة، أنا شاب سورى أعزب، ولم أفكر فى الزواج بهذه الطريقة من ابنة بلدى». يتوقف قليلا ثم يضيف بلهجة مصرية: «إحنا فـ إيه ولا فـ إيه؟!». هذه النبرة لم تمنعه من أن يشير إلى محاولات ما زالت تجرى لاصطياد الفتيات السوريات، ويروى قائلا: «فى المسجد المجاور خرجت بعض النساء بعد صلاة العشاء، وسألننى نفس السؤال المكرر: هل أمامك فتاة سورية يمكننا أن نوفر لها زوجا؟». هذا الموقف يؤكد استمرار وجود من أسماهم بالسماسرة، يظهرون على فترات متباعدة، على عكس آخرين يوجهون هذه الأسئلة بشكل عفوى دون هدف تجارى.
يعلق أحد النشطاء السوريين المقيمين فى مصر ــ تحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية ــ بقوله: «أعتقد أن الصخب المفتعل حول استغلال السوريات فى مصر هو نتيجة تصفية حسابات بين تيارات سياسية وتيارات دينية منخرطة فى العمل الخيرى بمصر، البعض مثلا روّج على الإنترنت قبل أشهر أن الشيخ خالد عبدالله دعا إلى زواج السترة بالسوريات، وهو ما نفاه الرجل تماما، أما الضحية الوحيدة فكانت سمعة النساء السوريات، بعد تصويرهن كسلعة تباع وتشترى، على عكس الواقع.. نحن نحافظ على كرامتنا فى مصر مثلما حافظنا عليها فى سوريا».
يختم الناشط السورى تعليقه بإضافة سيناريو آخر عن أن هناك من المحسوبين على نظام بشار الأسد من يتعمد تضخيم فكرة استغلال السوريات وتزويجهن تحت الإكراه، وهدفهم إرهاب السوريين فى الداخل حتى لا يفكروا فى اللجوء إلى دول مجاورة.
..
الشيخ شعراوى يغلق الهاتف
بعيدا عن هذه السيناريوهات، فإن الأمر يبدو أكثر عفوية فى عدد من المساجد التى ساهم بعض شيوخها فى التوسط بين عائلات سورية وشباب مصرى فى نطاق محدود، هذا ما جرى فى أحد مساجد حى إمبابة الشعبى، حين تقدم شاب وطلب الارتباط بفتاة سورية، وبحكم علاقة شيخ المسجد ببعض أسر اللاجئين فى مصر، فقد توسط لدى أسرة سورية، على أن يقدم الشاب تبرعا ماليا للمسجد، غير أن الزيجة لم تتم، بسبب توقعات العائلة السورية بأن يكفل العريس المصرى هذه الأسرة طوال فترة إقامتهم فى مصر، ورغم هذا الموقف إلا أن أحدا لا يرى شيئا مستهجنا فى تصرف شيخ المسجد، إذ إن الزواج عن طريق المساجد أمر مألوف لدى كثير من الشرائح الملتزمة التى تنتظم فى حضور الشعائر والأنشطة الاجتماعية.
«طوال الأشهر الماضية كانت تأتينى مكالمات من نوعية: هل فيه سوريات للزواج؟ فأغلق سماعة الهاتف فورا». العبارة للشيخ عادل شعراوى رئيس مجلس إدارة مسجد الخلفاء الراشدين بمدينة 6 أكتوبر التابع للجمعية الشرعية. هو نفسه قد اتهمه البعض بأنه متزوج من سوريات بحكم تحكمه فى التبرعات، ما جعله يشعر أنه بصدد حرب شرسة على الجمعية الشرعية فى رعاية اللاجئين بمدينة 6 أكتوبر، ويعترف بأن هناك أخطاء قد حدثت، مثل التعاون مع شخصيات سورية تبين فيما بعد أنها غير أمينة فى تعاملاتها، لكن هذه الأخطاء صنعت مادة إعلامية استخدمت ضد الجمعية الشرعية فى 6 أكتوبر.
وبحسب أرقام الشيخ عادل شعراوى فإن منطقة مساكن عثمان وحدها تضم 300 أسرة سورية تم تسكينها عن طريق مسجد الخلفاء الراشدين فى شقق سكنية يتكلف إيجارها 200 جنيه مصرى، ويعلق قائلا: «كنا سنغلق باب التبرعات للسوريين بسبب المشكلات المتتالية، سواء حين تعاملنا مع أشخاص غير مسئولين داخل الجالية، أو بسبب التشنيع الإعلامى، لكن هنا أريد أن أوضح أننا لسنا وسطاء زواج، ولسنا مسئولين عن أى صفقة تزويج خارج المسجد بين الأسر التى تفد علينا يوميا طلبا للمساعدات، أثناء جلوسهم أمام المسجد».
كان عدد من مساجد الجمعية الشرعية قد رفع لافتة تنفى إمكانية التوسط لدى أى أسرة سورية فى أمور الزواج، وكذلك سبقهم مسجد الحصرى فى نوفمبر الماضى حين أصدر بيانا ينفى مسئوليته هو الآخر عن تزويج السوريات، وذلك بعد أن استغل البعض أماكن تجمع السوريين أمام المساجد لغرض الوصول إلى فتيات سوريات فى ظروف اقتصادية سيئة، ورغم ذلك استمر الجدل فى الإعلام والأوساط الحقوقية حتى أيام قليلة مضت.
..
غجر مدينة نصر
ومع كل تلك الضغوط، يحاول أبناء الجالية الدفاع عن أنفسهم بمحاولات مثل ما قام به البعض من تقديم بلاغ إلى السلطات المصرية عن مجموعات ادعت أنها من اللاجئين السوريين، يعيش أفرادها فى خيام بمنطقة مدينة نصر، وينتمون إلى «الغجر»، بعد أن قاموا بالاحتيال على أهل الخير وباعوا التبرعات العينية بمساعدة مصريين. أما آخر الضربات التى مثلت ضغطا نفسيا شديدا على اللاجئين السوريين فقد كانت فى المذكرة التى تقدم بها الاتحاد العالمى للمرأة المصرية بهولندا إلى الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية، من أجل وقف زواج السوريات اللاجئات بمصر من الشباب المصرى مقابل 500 جنيه للزوجة، وقالت المذكرة إن هناك نحو 12 ألف حالة زواج خلال العام الماضى تمت بهذه الطريقة، ولم يكشف الاتحاد عن مصادر هذه الأرقام حتى الآن، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أرسل المجلس القومى للمرأة مؤخرا، خطابين إلى وزيرى الداخلية والعدل، مطالبا إياهما بالعمل على وقف ظاهرة زواج المصريين من اللاجئات السوريات، وعدم استغلال ظروفهن المعيشية السيئة، مشيرا إلى المذكرة السابقة وما تحمله من أرقام. ويوضح محمد عبدالسلام، المتحدث الإعلامى للمجلس القومى للمرأة، أن موقف المجلس القومى للمرأة كان فقط فى الإشارة إلى الأرقام المذكورة فى مذكرة الاتحاد العالمى للمرأة المصرية بهولندا، وليس تبنى هذه الأرقام كنتائج نهائية، ويضيف قائلا: «كنا قد أتحنا الخط الساخن بمكتب شكاوى المرأة فى المجلس، لتلقى شكاوى اللاجئات السوريات فى حالة إجبارهن على الزواج، وطوال عدة أسابيع مضت لم نتلق شكوى واحدة.. مثل تلك الزيجات فى الأغلب يتم باتفاق، ورضا بين الطرفين». وعلى الرغم من نفى العديد من السوريين أن يكون زواج السوريات من مصريين ظاهرة حقيقية، فإن الدليل الحقيقى على غياب مصداقية هذه الأرقام يبقى فى تفاصيل الأرقام نفسها. إذ تسجل المفوضية العليا لشئون اللاجئين لديها 50 ألف سورى، نصفهم من الإناث، وثلث هؤلاء الإناث فقط هن فى سن الزواج، أى نحو 8 آلاف سورية لسن كلهن عازبات، وعلى الرغم من أن تقديرات الحكومة المصرية لأعداد السوريين فى مصر ترفع الرقم إلى 100 ألف نسمة، فإن رقم 12 ألف حالة زواج سوريات من مصريين حسب تلك المذكرة، لا يوائم نسبة السوريين فى مصر، لذا تثير هذه الأرقام حفيظة الكثيرين، خاصة مع إعلان وزارة العدل مؤخرا عن أن تعداد حالات زواج المصريين من السوريات بشكل رسمى لم يتعد 170 حالة، منذ بداية عام 2012 وحتى 31 مارس 2013. ووسط كل ذلك يخفت صوت اللاجئ السورى، أمام مبالغات إعلامية وحقوقية، تزيد من الأعباء النفسية التى يواجهها، وتزيد من اغترابه فى داخل المجتمع المصرى.
**
 
مطلـــــــــوب نوبــــــــــــى للتوظيــــــــف
فى أحد شوارع حى الزمالك بالقاهرة، ترك أحدهم إعلانا على واجهات السيارات المركونة، كتب فيه: نتشرف بتوفير جميع أنواع العمالة النوبية من نوبة مصر، بالوظائف التالية: سائق، سفرجى، طباخ، حارس، مزارع، وفى أسفل الإعلان رقم هاتف للتواصل. وتلقى عدة مكالمات من بينها مكالمة لغرض مختلف تماما. «اتصل بى أحد الإخوة النوبيين، يعيب علىّ صيغة الإعلان، واعتبره مهينا للنوبيين..!». يشرح ضياء حسن ــ صاحب الإعلان ــ رد الفعل الذى تلقاه مؤخرا، ويستكمل قائلا: «فكرة الإعلان عفوية جدا، وكل هدفى هو أن أساعد من لا يجدون عملا من معارفى ومن أقاربى النوبيين، وأن أوصلهم إلى أرباب العمل». يعمل ضياء حسن (36سنة) سائقا محترفا منذ سنوات طويلة، وقضى 12 سنة سائقا خارج مصر فى دولة الإمارات، حيث عمل داخل قصر تملكه إحدى العائلات الشهيرة، وهناك توزع بعض أقاربه على عدة وظائف داخل القصر، فى حين كان هناك من أفراد عائلته أيضا من يعمل فى قطاعات أخرى فى الدولة بعيدا عن المهن المنزلية.
«فكرة الإعلان جاءتنى من العائلة التى أعمل سائقا معهم الآن، إذ رأوا أننى أسعى طوال الوقت لخدمة أقاربى ومعارفى، فاقترحوا أن أكتب إعلانا لتسهيل الحصول على فرص توظيف، واستجبت للفكرة لأنى ذقت من قبل مرارة فقدان وظيفتى والبحث عن عمل».
لا يرضى نشطاء نوبيون عن هذا النوع من الإعلانات المنشورة فى الصحف اليومية أو على الإنترنت، ومن أشهر عناوينها: «مطلوب سائق نوبى»، «مطلوب سفرجى نوبى».
فى أحد المواقع الساخرة كتب الناشط النوبى مازن علاء الدين مقالا يشرح سر العنوان الشهير: مطلوب سفرجى نوبى، وذكر أن بداية اقتراب شريحة من النوبيين إلى مثل تلك الوظائف المنزلية كان فى بدايات القرن الماضى بعد بناء خزان أسوان حين بدأت ما وصفه بالمأساة النوبية، إذ فقد أصحاب أراضى النخيل ممتلكاتهم، بعد أن كان النوبيون فى وضع أفضل من كثير من الفلاحين المصريين الذين وقعوا آنذاك تحت تسلط الباشوات الإقطاعيون. اضطرت شريحة بسيطة من أبناء النوبة إلى المجىء إلى القاهرة والإسكندرية بعد هذه الأزمة مع مؤهلاتهم الضعيفة، وضعف اللغة العربية، واضطروا إلى العمل فى مهن بعينها مثل الحراسة والطبخ والقيادة، وفى وقت لاحق استمر البعض فى هذه المهن لوجود سمعة طيبة للنوبيين. لكن الناشط النوبى لا يخفى مرارة فى كلماته حين يكتب قائلا: «مازال النوبى فى عيون المصريين الأسود البربرى السفرجى، ومازالت النكت علينا كما هى ببواختها، ومازالت قنوات التلفزيون الرسمى لا يوجد بها مذيع أسود ولا برنامج بلغتنا، ومازال كل هذا العبث، لا يجد رادعا قانونيا له».
هذه الإعلانات هى التى تثير شجن بعض النشطاء النوبيين.. وأحيانا ما تحمل هوية أوسع حين تتبدل كلمة نوبى بأسوانى، وهذا ما فعله طارق عيد (31 سنة) وإعلان نشره على الإنترنت طلبا لوظيفة سائق، استعرض فيه خبراته السابقة، مبرزا هويته كأسوانى فى واجهة الإعلان. «فى حقيقة الأمر أنا لست نوبيا، أنا أسوانى من إدفو، وإن كان أهلى وجيرانى نوبيين!». جاء طارق إلى القاهرة قبل سنوات، وعمل سائقا مع أحد قيادات وزارة الداخلية، حيث لا شىء يشغله سوى العمل، ويكاد لا يرى أهله فى إدفو سوى فى المناسبات فقط. ما يميزه عن كثير من أقرانه القاهريين، على حد قوله، هو الالتزام بالمواعيد، أو حسب عبارته «مفيش لف ولا دوران، ولا حجج زى معلش أصلى تعبان شوية، ولا راحت عليا نومة، ولا مراتى بتولد!»، هذه الانطباعات هى التى وصلته من زبائنه. وبالعودة إلى ضياء حسن الذى وزع إعلانه فى حى الزمالك، فإنه قد أفصح عن أن هناك مجتمعات مغلقة تعمل معا لدى أسر بعينها فى البلدان الخليجية التى تفضل العمالة النوبية لأمانتها وحفاظها على أسرار المنزل، لذا يحدث أن تتوزع مهام عائلة كاملة على أعمال المنزل بين سائق ومزارع وطباخ..الخ. وهناك من يريد المساعدة بنشر إعلانات فى المنتديات النوبية على الإنترنت أو فى داخل الجمعيات النوبية لدعم أعضائها من أبناء القرية الواحدة، أيا كانت تلك الوظائف.
قبل سنوات كانت قد أثيرت قضية أخرى تخص النوبيين، حين ظهرت إعلانات تطلب موظفين نوبيين للعمل فى مكاتب الصرافة، وظهرت انتقادات ضدها رأت فيها تمييزا لصالح شريحة من المواطنين، ورأت أن مثل تلك الإعلانات لا تحقق المساواة ولا العدل، واختفت بعدها تماما.. ويذكر مصطفى عبدالقادر ــ الباحث فى التراث والتاريخ النوبى ــ هذا المثال كحالة أخرى تربط التوظيف بالسمعة النوبية الشهيرة المرتبطة بالأمانة والالتزام، وقد خلقت هذه السمعة الطيبة فرص عمل فى مجال العمالة المنزلية فى دول الخليج.
على أرض الواقع فإن كثيرا من العاملين فى مجال السياحة بمحافظة أسوان قد خذلهم الموسم الماضى، حين فوجئوا فى أعياد الكريسماس بأن نسبة الإشغال فى الفنادق لم تتجاوز 20%، وانخفضت نسبة الحركة السياحية إلى 10% على مدى عام 2012 حسب تصريحات مسئولين حكوميين، وهذا على عكس سنوات سابقة قبل الثورة وصلت فيها نسبة الإشغال إلى 100% فى مناسبات مثل الكريسماس ورأس السنة، وهو ما دفع من كانوا يحترفون العمل فى قطاع السياحة إلى السفر والعمل فى دول الخليج، حسبما يصف طه حسين (28 سنة) الذى درس السياحة والفنادق فى أسوان، ثم نشر مؤخرا إعلانا على أحد مواقع التوظيف تحت عنوان: شاب مصرى من النوبة يطلب العمل كسفرجى أو عامل مشروبات أو عامل نظافة أو حارس عقار.
سافر أغلب أصدقائه إلى الخليج للعمل، أما هو فيبحث عن عمل شريف، على حد قوله، ولا خجل فى أن تتصدر هويته النوبية إعلان طلب الوظيفة، ويقول: «النوبى لا يحتاج إلى فيش وتشبيه، انتماؤه وحده يكفى». يتحدى طه أن يجد المتابع لصفحات الحوادث، جريمة سرقة أو قتل ارتكبها أحد العمال النوبيين، وعلى الرغم من ذلك فإنه لم ينس ذلك الجدل الذى لفت نظره فى أحد المنتديات النوبية أثناء رحلة بحثه عن وظيفة حول أن هذه الإعلانات تسىء للنوبيين، لكنه لا يبدى اهتماما ويحسم حديثه قائلا: «لا أهتم بهذه الانتقادات، فبعض أصحاب الأعمال يفضلون الصعايدة فى بعض مهن البناء، ولا أحد يتحدث عن ذلك.. أنا أعيش الواقع وأستغل ميزة لدىّ، وهى أنى نوبى».

Monday, April 1, 2013

عزبة النخل .. مسلمون ومسيحيون في الهم سواء

البلطجة والصرف الصحى والطرق الرديئة أبرز مشكلات العزبة.. والطائفية على الهامش
عبد الرحمن مصطفى
كان القطار يمر من هنا وسط زروع ونخيل، قبل تعمير المنطقة وإنشاء خط مترو الأنفاق المتجه إلى المرج فى نهاية الثمانينيات، فحلت محل الأشجار ببنايات عشوائية، وحل محل الدواب  «بتوتوك» طائش يخترق عزبة النخل بلا هوادة طوال الليل والنهار.  «عزبة النخل الغربية هى الأصل، لكن الناحية الشرقية أقرب إلى أن يكون جزءا من حى عين شمس». يلخص أحد الأهالى الوصف الجغرافى للمكان، وفى تلك النقطة تحديدا أمام بوابة محطة مترو عزبة النخل، يبرز فى واجهة الحى مسجد تحت الإنشاء على بعد أمتار من كنيسة العذراء مريم فى شارع الفريد. ويتكرر هذا المشهد مرات عديدة فى أرجاء عزبة النخل الشاسعة.
يقع الباحث عن نسبة المسيحيين والمسلمين داخل الحى فى مأزق غياب أرقام دقيقة عن سكان الحى الذى يتمزق إلى أجزاء تتبع كل منها قسم شرطة، مثل المطرية، والمرج، والخصوص. بينما تشير التقديرات إلى أن منطقة عزبة النخل تحتوى ما بين ربع مليون إلى نصف مليون نسمة، حسب أحد القيادات المحلية بالمنطقة.
«تكثر هنا نسبة المسيحيين مقارنة بأحياء أخرى، حتى إذا قارناها بالأحياء ذات الكثافة المسيحية، وعلى مدى أكثر من 30 سنة ازدادت أعداد السكان بسبب الهجرة من الشرق والغرب، قاهريين وصعايدة، مسلمين ومسيحيين، ومع نمط السكن العشوائى نشأ أسلوب خاص فى إدارة العلاقات داخل المكان.. وما زالت بقاياه موجودة حتى اليوم». يصف ذلك المهندس الشاب أحمد حنفى الذى سكنت عائلته منطقة عزبة النخل الغربية قبل عشرات السنوات، ويضرب مثالا يدعم به وجهة نظره قائلا: «على سبيل المثال،  كان لدى مشكلة مع جار مسيحى، والمفارقة أن بعض جيرانى المسيحيين كانوا يتأذون من الشخص نفسه.. لم أجد حلا سوى شكواه لأحد قساوسة الكنيسة المجاورة كى أرفع عنهم الحرج، وانتهت المشكلات!».
أمام محطة مترو عزبة النخل كان من المفترض أن تنشأ نقطة شرطة خاصة بالحى، لكن الثورة قضت على هذا الطموح، خصوصا بعد حرق الأقسام المجاورة فى أثناء اشتباكات المواطنين مع الشرطة، وهو ما زاد من حالة الفوضى المستمرة إلى الآن، إذ يضع الأهالى مشكلة البلطجة على رأس قائمة مشكلاتهم، وفى حى تزداد فيه كثافة التواجد المسيحى، قد يقع المتابع فى هاجس من أن تتسبب حالة الفوضوية فى أحداث طائفية مع توافر السلاح فى الأيدى، وبروز الحس العدوانى بشكل عام فى الشارع.
«كل المشكلات التى كانت صغيرة فى السابق، تضخمت بعد الثورة، مثل البلطجة، الصرف الصحى، الطرق الرديئة، لكن تظل الطائفية هى آخر المشكلات التى يفكر فيها أحد هنا». العبارة هنا لسمير عبدالله صاحب مصنع للملابس الجاهزة فى عزبة النخل، يتحدث بهدوء دون قلق من وقوع مشكلات بين مسلمين ومسيحيين، اختار أن يجلس فى كوفى شوب «أبو شوك».
وهو يمثل كتلة من السكان وفدت إلى عزبة النخل فى الثمانينيات هروبا من ضيق المناطق القديمة المجاورة، مثل: المطرية، الزاوية الحمراء، حدائق القبة، شبرا.. هؤلاء القاهريون جاءوا إلى منطقة ناشئة آنذاك على أمل عيش أفضل، لكن عشرات السنوات لم تحقق كل أمانيهم.
«دعنى أصف الوضع كما هو.. أنا كمسيحى لن أجد نفسى مسرورا حين أرى جيرانى يفترشون الأرض فى صلاة الجمعة، فوق طرق غير مستوية، وشوارع غير مرصوفة، وأخرى أغرقتها مياه المجارى.. ما يجمعنا أننا فى الهم سواء، نطمح إلى تطوير لم يحدث حتى الآن!».
يجلس سمير عبدالله فى بداية شارع عرب أبو طويلة الأقرب إلى ناحية المطرية، وأثناء السير من محطة مترو عزبة النخل تظهر شعارات على الجدران كتبها شباب منتمون إلى الألتراس وحركة 6 إبريل. وفى ظل هذا الواقع لا يبدى الكثيرون اهتماما سياسيا أو انخراطا فعالا. هذا ما يوضحه سيد المصرى، منسق مجموعة عزبة النخل بحركة 6 إبريل،  وحسب عبارته: «كل ما نحاول فعله فى التوعية السياسية أو فى مبادراتنا أن نصنع شرعية لنا فى المكان وننقل توعية بمخاطر الوضع السياسى الحالى، مقدرين فى ذلك الحالة المادية التى تحرك الاختيارات السياسية لشريحة من الأهالى.. نحن لا نراهن كثيرا على أن يشارك الكثيرون فى مسيرات أو مظاهرات داخل الحى». يختلف هذا الوضع عن مناطق شعبية أخرى حيث نجح النشطاء فى تعويد السكان على قبول المسيرات والمظاهرات والهتاف أمام منازل الشهداء مثل إمبابة وميت عقبة وغيرها. أما الوضع فى عزبة النخل فيختلف إلى حد ما حسبما يصف أحد أصحاب المتاجر الذى يشير إلى أن التركيبة القديمة للمنطقة ما زالت لا تسمح بحرية الحركة دون استئذان ومراعاة الأهالى. يعلق سيد المصرى، من حركة 6 ابريل، بعزبة النخل: «فى الماضى كنا نتعرض لمضايقات من بلطجية معروفين بعلاقاتهم مع الأمن والحزب الوطنى القديم، لكننا فى فاعلياتنا الأخيرة قبل الاستفتاء على الدستور،  كنا نواجه الإسلاميين فقط!». هذه الأجواء لا تقلقه تجاه العلاقات بين المسلمين والمسيحيين مع صعود التيار الإسلامى فى البلاد، حتى بعد قصة الناشط ألبير صابر الذى حوصر منزله فى عزبة النخل وحوكم بعدها بتهمة ازدراء الأديان بسبب نشاطه على الانترنت.
«مثل هذه المشكلات قد يتعرض لها مسلم أو مسيحى، وأعتقد أن وصول الإسلاميين إلى السلطة سيجعل أتباعهم أهدأ حالا تجاه القضايا الطائفية بحثا عن تجميل صورتهم أمام الجماهير»، هذا ما يراه الناشط الشاب.

مضيفة عائلة مخاليف
فى رحلة البحث عن القيادات الطبيعية التى انتجتها المنطقة على مدى السنوات الماضية، كان لا بد من مراجعة بعض الأسماء مثل «مخاليف، الكرداسى، أبو عيدة، الزقلة..»، وخاصة فى هذه الناحية الملاصقة لحى المطرية، فهذه الأسماء هى لعائلات يمثلون أقدم سكان عزبة النخل، إذ برزت منهم أسماء فى البرلمان قبل وبعد الثورة وانخرط كثير منهم فى مبادرات شعبية تخص المنطقة. حين تودع مقهى «أبو شوك» مستكملا المسيرة فى شارع عرب أبو طويلة، تظهر أسماء تلك العائلات، لكنها هذه المرة فى أسماء شوارع بعينها، مثل: عبده مخاليف، وإمام مخاليف وتظهر أسماء أخرى لأبناء هذه العائلات على واجهات المحال التجارية واللافتات الدعائية فى المناسبات المختلفة. وعلى مسافة غير بعيدة من بيت الشهيد مينا دانيال، تقع مضيفة عربية لعائلة مخاليف ذات الحضور القديم فى هذه الناحية من العزبة، تكشف عن تفاصيل جديدة تحملها المنطقة. «كانت وصية والدى رحمه الله، ألا نتخلى عن هذا المكان، مهما دارت الأيام». العبارة لمحمود مخاليف، أحد كبار رجالات العائلة، ونائب مجلس الشعب فى آخر دورة برلمانية قبل الثورة مباشرة. أما المكان فهو مضيفة شبيهة بدوار العمدة، شهدت الكثير من جلسات الصلح وفض المنازعات. يجلس الشيخ محمود بوقار فى جلسة عربية مرتديا عباءة وجلباب، وحوله عدد من أفراد العائلة.
فى البداية.. عليك أن تخلع نعليك وأن تفترش الأرض فى جلستك، فتطالع حولك صور معلقة على الحائط لرموز العائلة، وللنائب السابق محمود مخاليف، ووالده عبده مخاليف. يستقبل هذا المكان فى المناسبات أبناء عمومة العائلة من المناطق المجاورة ومختلف أرجاء الجمهورية من ذوى النسب العربى والقبلى. «كان والدى عبده مخاليف يفض الخصومات والمنازعات بين العائلات القاطنة هنا، وما زلنا نحاول أن نستمر على هذا النهج رغم اختلاف إيقاع الحياة الآن». هذه الأجواء العرفية ما زالت تقاوم حالة التحرر التى صنعتها الثورة، ثم حالة الانفلات التى صنعتها المرحلة الانتقالية بعدها، لكن ما زال للعائلات القديمة دور فى فض المنازعات بين الأهالى قدر الإمكان، خصوصا مع استمرار هجرة الكثير من العائلات الصعيدية المتآلفة مع هذا المنطق فى إدارة العلاقات بين الأهالى. أما فى مضيفة آل مخاليف والأماكن الشبيهة، لا يصبح مستغربا أن يكون ضمن الزوار رجال الدين المسيحيين لتعميق التواصل بين القادة الطبيعيين فى الجانبين المسلم والمسيحى، وإعلان موقف «الوحدة الوطنية» أمام بقية سكان العزبة. وحسب عبارة محمود مخاليف: «المشكلات هنا فى عزبة النخل لا تنتهى.. بلطجة، نزاعات عائلية، انفلات أمنى، سوء خدمات،  لذا فالطائفية على هامش كل هذه المشكلات، ولا أحد يفكر بهذا المنطق».
فى مايو 2011 بعد أسابيع قليلة على رحيل مبارك نشب توتر طائفى فى منطقة عرب الطوايلة على أطراف عزبة النخل، حين سعى البعض لتحويل مبنى مصنع للملابس الجاهزة إلى كنيسة بشكل غير رسمى، وهو ما اعترضه السكان فى هذه الناحية من عرب الطوايلة، بدعوى أن هذا الجزء ذى أغلبية مسلمة ولا يستدعى تأسيس كنيسة تقيم شعائرها أمام مسجد حديث النشأة هناك، فى حين أن أكثرية المسيحيين يقيمون فى الجانب الآخر من عزبة النخل حيث عدد متوافر من الكنائس. وتم إنهاء هذا التوتر الطائفى فى وقتها على يد لجنة شعبية مكونة من أطراف كنسية وممثلى العائلات ومشايخ وناشطين فى المجتمع، ويكشف مثل هذا النموذج عن ملامح عرفية مازالت فى أجواء عزبة النخل، ولم ترحل بعد.
أما الجانب المضىء فى الصورة فهو أن اللجان الشعبية للحفاظ على الأمن التى تكونت فى تزامن مع اعتصام التحرير قبل تنحى مبارك،  قد عمقت علاقات أهالى المنطقة، ورفعت مستوى التنسيق فى الأزمات المتتالية التى يتعرض لها الحى من غياب خدمات وغير ذلك.

منطقة لقيطة
يختلف العالم قليلا فى عرب الطوايلة عن الجانب الآخر من عزبة النخل الغربية فى اتجاه مدينة الخصوص، حيث شوارع أضيق وبنية تحتية أسوأ، ناحية «عزبة النوار» و«مدينة الزهور». لا توجد وسيلة نقل مناسبة إلى هناك سوى التوك توك، ومن أمام محطة مترو عزبة النخل مرة أخرى، كان سائقو توك توك فى اشتباك تقليدى حول أولوية تحميل الزبائن، وما أن ينهوا مشاكلهم مع بعضهم حتى يدخلون فى مشادات مع المارة طوال الطريق. ينطلق التوك توك قاصدا شارع الشيخ منصور، فى طرق غير ممهدة حولت السائق الصغير إلى فارس على حصان، حين يقفز التوك توك إلى أعلى طوال تلك المسافة، ولا يخلو الأمر من رعونة حين يخترق السائق بعربته الصغيرة الجموع الغفيرة التى تفسح له الطريق دون مقاومة تذكر. «قدامنا مليون سنة عشان البلد تتعدل!» يطلق الراكب المجاور عبارته، معلقا على صعوبة الطريق. أما فى عزبة النوار نفسها فتزداد أسماء محلات مثل «أم النور»، «الراعي»، وصور السيدة العذراء والسيد المسيح، ومرة أخرى يبرز الحضور الصعيدى فى أسماء مقاهى أو فى أزياء المارة، والجميع يكشف عن هويته بحرية تامة.
فى ركن من شارع الشيخ منصور تظهر لافتة لمقر خدمة إصدار الرقم القومى، وهى مبادرة تبنتها جمعية فى مجال المجتمع المدنى وحماية البيئة، وكانت هذه المنطقة أرضا مقسمة إلى أحواض زراعية فى السبعينيات وبداية الثمانينيات حتى بدأ تعميرها بعد ذلك. أحد قدامى القاطنين فى المنطقة، التى جمعت كثيرا من الوافدين من الصعيد وبعض من انتقلوا من أحياء قاهرية مجاورة، يعلق على ذلك: «حين وفدنا على هذه المنطقة كنا نمر بمشاعر مختلطة، لم تزول تماما، فبعض جيراننا فى الخصوص يعاملوننا كوافدين، والحكومة تنظر إلينا إداريا كمنطقة لقيطة، ما جعلنا ندير الموقف بأنفسنا».
هذه الحالة أنتجت قيادات داخل المكان، خاصة أنه كان على الأهالى فى البداية إدخال الخدمات إلى منطقتهم، وأن يناضلوا مع الحكومة فى هذا الشأن، ومازال الوضع قائما فى بيئة ملوثة، ومشكلات فى الحصول على المياه والصرف الصحى. فى هذه المساحة من الخصوصية، تبرز إلى الواجهة قيادات محلية من تجار وأبناء عائلات قديمة وناشطين فى قضايا المواطنة وقسس ومشايخ، وسواء فى هذه الناحية من عزبة النخل أو ناحية عرب الطوايلة، تظهر الحلول العرفية أحيانا لعلاج كثير من مشكلات البلطجة والعشوائية التى لا تنتهى، وتبقى الطائفية فى إطار أضيق ذى صلة بصراعات النفوذ والسيطرة.
**
*سؤال طائفي*
ينضم حى عزبة النخل إلى قائمة من الأحياء ذات الكثافة المسيحية مثل: شبرا والعمرانية، وغيرها، أما عن عزبة النخل تحديدا فقد كان سؤال: «ما سبب كثافة التواجد المسيحى فى هذا الحى؟» مثيرا لاستياء عدد من السكان، إذ اعتبروه سؤالا طائفيا، بينما أرجعه آخرون إلى حادثة الزاوية الحمراء فى العام 1981، وانتقال بعض المسيحيين إلى منطقة الفيلات قرب الموقع الحالى لمحطة مترو الأنفاق، ثم جلبت العائلات بضعها البعض. والأهم من ذلك هو أن بعض الأحياء المجاورة مثل المطرية وعين شمس والزيتون القريبة من مسار العائلة المقدسة فى مصر قد اجتذبت فى أوقات سابقة المسيحيين الذين اختاروا أن يكونوا فى أماكن ذات تاريخ مبارك.
يشرح صبحى عبدالمسيح، الناشط وعضو لجنة المواطنة فى عزبة النخل، خلفيات أهم عن شكل العلاقات بين المسلمين والمسيحيين فى الجزء الأكثر كثافة مسيحية ناحية «عزبة النوار»، إذ يقول: «من جاءوا هنا من الصعيد أو من القاهرة، سواء مسلما أو مسيحيا بحثوا عن فرصة وعن متنفس، لكن بطبيعة الحال فإن تلك التركيبة الصعيدية أحيانا ما تصنع أجواء عائلية فى أى مكان، وقد فرضت علينا الظروف جميعا أن نتعاون، فأصبحنا هنا أقرب إلى عائلة، وهو ما أوجد أجواء عرفية فى بعض حالات النزاع، أيا كان سببها».
مع قرب الحديث عن الانتخابات البرلمانية فى الفترة المقبلة، تظهر مشكلة جديدة، حول الكتلة التصويتية فى هذا الجانب من عزبة النخل، إذ إن تغيير النظام الانتخابى بالرقم القومى بديلا عن البطاقة الانتخابية، مزق أصوات المنطقة بين عدة أقسام، وخصوصا أن هناك تعديلات جرت على تبعية هذا الجزء من عزبة النخل لم يجرى تعديلها فى بطاقة الرقم القومى لكثير من السكان، لذا وسط هذه الصورة الضبابية، يخفت الحديث عن الطائفية، وسط زحام أكبر.
«فى ليلة رأس السنة الماضية، وردت تهديدات بأن مجموعة مسلحة ستهاجم الكنيسة المجاورة، ولم أبد أى اهتمام حقيقى، لسبب مهم، هو أن هذه المنطقة محصنة جغرافيا بأهلها، سواء مسلمين ومسيحيين، مثل هذه الحالات ستكون أقرب إلى عملية انتحارية.. حين تتحدث عن الطائفية فأنت تتحدث عن شخص غير منخرط فى الحياة اليومية هنا»، هذا الحديث لصبحى عبدالمسيح، عضو لجنة المواطنة التى تضم شيوخ وقسس ومواطنين من أهالى المنطقة.
تتشابه قصة نشأة عزبة النخل مع نشأة حى شبرا، حين كانت شبرا قريبة من أحياء الظاهر والأزبكية والقللى التى كانت قريبة بدورها من المقر القديم للكاتدرائية، لكن تطور تاريخ شبرا فى مسار الدولة الحديثة والانفتاح على جنسيات متعددة فى النصف الأول من القرن العشرين لا يتوافر فى منطقة مثل عزبة النخل، التى تضخمت فى السبعينيات والثمانينيات لتكون نموذجا لعصر «العشوائيات» بما تحمله من مشكلات.

Saturday, March 23, 2013

باحثون من أجل الخبز

كتب - عبدالرحمن مصطفى
في معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية بالجيزة ، يتحول رغيف الخبز إلى مجرد "عينة" تتم دراستها تحت المجهر من أجل جودة أفضل، وتتوزع المهام بين عشرات الباحثين والمهندسين والخبراء من أجل تحقيق هذا الهدف، لذا هم الأقرب إلى تفاصيل انتاج الخبز عن صانعيه و آكليه . توجز الدكتورة بثينة عبد اللطيف- مدير قسم بحوث الخبز والعجائن في المعهد- مشكلات رغيف الخبز في قولها: "يمكن تلخيص عيوب الخبز المصري في نقاط محددة، مثل عدم تخمير العجين بشكل جيد، وعدم فرد الرغيف بشكل صحيح، ومشاكل أخرى فنية ذات صلة بطريقة عمل الأفران .. هي في النهاية مشكلة ضمير بعض الخبازين، تجعلنا نرى أرغفة عجيبة الشكل، ذات جودة رديئة ". كان الخبز هو محور إنشاء معهد تكنولوجيا الأغذية، حين بدأ الأمر في العام 1983 كوحدة تجريبية للمخبز التجريبي، ثم تحول إلى المعمل المركزي للصناعات الزراعية عام 1989، ومع انشاء المعهد بشكل مؤسسي في العام 1991 ، أصبح هناك قسم مخصص تحت اسم " قسم بحوث الخبز والعجائن ".
تتراكم الأبحاث التي أنتجت في السنوات العشر الماضية لتتجاوز 160 بحثا في هذا المجال، فهل أسهمت نتائجها في تطوير حالة الخبز المصري ؟ ترى الدكتورة بثينة عبداللطيف أن أهم انجازات الفترة الماضية كان في انتاج خبز من خليط دقيق الذرة بالقمح، ما يمكننا من تقليل استهلاك كميات القمح المستوردة، غير أن هذه التجربة نفسها لم يتم تعميمها، نتيجة انتقادات لها، وظهور نتائج بحثية من جهات أخرى ترفض الفكرة، إذ ترى تلك النتائج أن خلط دقيق الذرة بالقمح أدى إلى تدني جودة الخبز وشكاوى المستهلكين. و ترد الدكتورة بثينة مدافعة عن نتائج أبحاث المركز قائلة: "المشكلة أن هناك حالة فشل في كثير من أجهزة الدولة، على سبيل المثال، إذا أردنا تطبيق تجربة خلط دقيق الذرة بالقمح فهناك أساليب لضمان الجودة، على رأسها استيراد نوعية جيدة من القمح، بدلا من النوعيات الرديئة التي يتم استيرادها ، كذلك فقد لوحظ أن عملية طحن الذرة قد جرت في المطاحن بشكل سيء، وهو ما يترتب عليه اختلاف حجم حبيبات الذرة عن حبيبات القمح، فيصبح لدينا خبزا رديئا .. لكننا ما زلنا في بداية التجربة". بعيدا عن نتائج الأبحاث وإحباطاتها يعمل المركز في مجالات أخرى ذات صلة بالخبز، على رأسها تدريب العاملين في قطاع المخابز على أمل إنتاج أفضل، إذ يشارك الباحث مع الفني في عملية الخبز داخل ورشة تدريبية أمام المتدربين حتى يصل معهم إلى أفضل طريقة للإنتاج، "مع ارتفاع تكلفة الأيدي العاملة في المخابز، أصبح بعض أصحاب المخابز لا يهتمون بعملية الخبز لحساب سرعة الانتاج، وينصاع الخبازين لهذا الاتجاه ، ما يؤثر على الجودة". ما زالت هناك نتائج أبحاث تسعى إلى الحصول على استخلاصات عالية من القمح بنسبة 93% بدلا من 87% وهو ما يفيد في الاستفادة من القمح بأكبر قدر ممكن، غير أن ذلك ما زال يواجه عقبات أخرى تشرحها الدكتورة بثينة عبد اللطيف مدير قسم بحوث الخبز والعجائن بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية: "نحن مجرد جهة بحثية، نرسل نتائج الأبحاث للجهات المختصة، لكن ما زال هناك قيادات في تلك الجهات تبسط نفوذها التقليدي ، ما يعيق تحقيق أهداف أبحاثنا".

Tuesday, March 19, 2013

الميليشيات الإسلامية فى أسيوط.. آخر منتجات الوهم

كتب - عبدالرحمن مصطفىفى مسجد «السوق» بمدينة أبنوب على مسافة 14 كيلومترا من مدينة أسيوط، كان ميعاد الدرس الأسبوعى للشيخ حمادة نصار ــ عضو الجماعة الإسلامية ــ الذى جلس أمام المحراب وأمامه نصف دائرة من أعضاء الجماعة بالمحافظة فى درسه الأسبوعى بالمسجد، مختتما حديثه معهم بانتقاد ما صاغه الاعلام عن «ميليشيا الجماعة الاسلامية « قائلا: «اتهمونا بأننا نعد شرطة إسلامية لاحتلال المدينة، واستندوا لبعض الحوادث كى يزيدوا من مساحة الانقسام فى المجتمع، هل هذا معقول؟ تسجيلات الفيديو التى أذيعت فى كل مكان كانت مجرد مسيرة لتطمين الشارع، وقد تم تصويرها على غير حقيقتها». القصة لم تبدأ هنا فى أبنوب، بل بدأت من مدينة أسيوط عاصمة المحافظة، وتحديدا فى مسجد أبو بكر الصديق الشهير، أهم مراكز تجمع الجماعة الاسلامية فى المحافظة، حين بادرت الجماعة فى بيان لها إلى تكوين لجان شعبية لسد الفراغ الأمنى الذى نتج عن إضراب الشرطة فى أقسام ومراكز المحافظة، ولم يطف ببال أحد وقتها أن تدور كرة الثلج ويتفجر الموقف تماما بعد انطلاق مسيرة فى شوارع أسيوط، تضم أبناء الجماعة وهم يرتدون قمصان اللجان الشعبية، فوق جلاليبهم البيضاء. هذا المشهد تحديدا قد تكرر عرضه على الانترنت وفى بعض الوسائل الاعلامية على أنها ميليشيات منظمة انطلقت لترهب المواطنين، وتحل محل الشرطة، وبدا الموقف خارج السيطرة مع استخدام بعض الحوادث التى تبعت هذه المبادرة كوسيلة للطعن فى أهداف الجماعة الاسلامية، هذا ما كان يوضحه الشيخ حمادة نصار فى جلسته ضاربا المثل بحادثة الاشتباه فى أحد الشباب وهو يعتدى على فتاة فى المدينة، فتم التحفظ عليه، وتبين فيما بعد أنه مسيحى الديانة، وحسب تعبير الشيخ حمادة نصار فلقد تم الاتصال بالشرطة كإجراء عادى، فما كان منها إلا أن تلكأت ووصلت لاستلام الشاب «عن طريق رأس الرجاء الصالح». أما ما زاد من حدة الأمور، هو نبرة التعنيف التى ظهرت فى تصريحات قيادات الداخلية ضد اللجان الشعبية واعتبارها محاولات لاختطاف دور الشرطة، بل انعكست نبرة الغضب على تصريحات ائتلافات أمناء وأفراد الشرطة الذين قاموا بالإضراب الأخير، وانتقل ذلك إلى صفحاتهم على الانترنت، إحدى تلك الصفحات تحت اسم «الائـتـلاف الرسمى لأمـنـاء وأفـراد الـشـرطـة» كتب مديرها ما وصفه بالبيان ضد الجماعة الاسلامية، وذكر قائلا: «نتحدث لكل سفيه يتصور أنه بديل للأمن، بدلاً من أن تقحم نفسك فيما لا يعنيك، حتى لا تسمع ما لا يرضيك، عليك أن تتحلى بضبط النفس، وأن تقوم بعملك فقط وبذلك سينصلح الحال».
لم يكن هناك حضور حقيقى لأفراد الجماعة الاسلامية فى الشارع الأسيوطى فى تلك الفترة، عدا ما قام به أفرادها من مسيرة فى شوارع أسيوط لبث الطمأنينة فى النفوس على حد قولهم، بعد تلك الحادثة، بدت الأمور فى أوضاعها الطبيعية، إلا أن الصخب الاعلامى الذى صاحب هذه المبادرة قد صوّر المشهد وكأن أسيوط قد سقطت فى قبضة الجماعة الاسلامية، على عكس حالة الشارع فى أسيوط، المزدحم بالسيارات وحركة البيع والشراء، ودوريات الشرطة فى حضورها التقليدى بعد فض الاضراب مباشرة، وكأن شيئا لم يكن، مع استمرار الذعر الاعلامى من «الميليشيات الاسلامية».

مسيرة العيد

فى الطريق إلى مدينة أبنوب، ينصب الحديث بين ركاب الميكروباص على حوادث السرقة والخطف التى تقع للمواطنين، منتقدين أداء الشرطة فى التواجد حول أماكن لا تفتقد الأمن، بينما يغيب الحديث تماما عن «ميليشات الجماعة الاسلامية»، ويبدو استخدام هذا اللفظ مضحكا لدى كثيرين فى الشارع الأسيوطى. أما الجماعة الاسلامية نفسها فقد أصدرت قياداتها بيانات وتصريحات تنفى حدوث أى محاولات لاحتكار الدور الأمنى فى المدينة، بل دعت القيادات نفسها القوى السياسية المختلفة إلى الانضمام إلى تلك اللجان الشعبية، حتى تكون معاونة للأمن، عدا ذلك، لم يكن هناك أى نشاط حقيقى لتلك اللجان سوى المسيرة الشهيرة التى لم تكن غريبة على أهالى مدينة أسيوط، ففى بعض المناسبات، مثل العيدين أو الحشد للتصويت بنعم، أو تأييد الرئيس مرسى كانت هناك مسيرات شبيهة، بالموتوسيكلات، مع الخيول أحيانا.

« مافيش حاجة، السنية خرجوا فى مسيرة، ولفوا شوية فى الشوارع، وخلاص على كده». مجرد تعليق مقتضب من أحد أصحاب المحال المجاورة لمسجد أبو بكر الصديق فى مدينة أسيوط، حيث تبدو الشوارع هادئة فى هذه الناحية، ولا يخلو الأمر من مرور دوريات الشرطة كل حين، ما يقلق البعض هنا فى هذه الناحية هو حسابات أخرى، كأن يحدث صدام لأى سبب، سواء بين الأمن والجماعة الاسلامية، أو لأسباب طائفية، وأن يتفجر الموقف فى لحظات، فما زال كبار المدينة يتذكرون ما كان قبل أكثر من ثلاثين سنة حين شهدت أسيوط صدامات وسقوط قتلى من الشرطة فى أعقاب مقتل السادات عام 1981، حين هاجم أفراد الجماعة الاسلامية مديرية أمن أسيوط. وعلى مدار فترة الثمانينيات والتسعينيات، كانت المدينة محكومة بالقبضة الحديدية الأمنية، حتى أصبح العمل فى أسيوط أمرا ضروريا فى السجل الوظيفى لأى وزير داخلية، بسبب ما كان من مشاحنات ضد أبناء الجماعة الاسلامية، حتى انتهت تلك الأوضاع تماما، وشهدت السنوات الماضية تنسيقا دائما وتعاونا بين أبناء الجماعة والشرطة.

لجان شعبية للأنابيب

كان لا بد من العودة إلى مدينة أبنوب لمعرفة حقيقة «الميليشيات المزعومة»، أو «اللجان الشعبية» حسب وصف الجماعة الاسلامية. بعد انتهائه من درسه الأسبوعى فى مسجد السوق بأبنوب، بدأ الشيخ حمادة نصار المتحدث الرسمى للجماعة الاسلامية فى أسيوط فى شرح بداية الأزمة، قائلا: «نحن لنا باع طويل فى إدارة اللجان الشعبية منذ بداية الثورة، يكفى أن أذكر أن هناك أخا لنا قد قتل وآخر قد فقئت عينه أثناء عملنا فى اللجان الشعبية لتنظيم توزيع أنابيب البوتاجاز، ولعل الجميع يتذكر كيف شكرتنا قيادات وزارة الداخلية بسبب موقفنا فى العام 2011 حين وقفنا نحمى مديرية أمن اسيوط حتى لا يهاجمها المتظاهرون.. كل هذا تم نسيانه فجأة، وأصبحنا فى أيام نسعى لإقامة شرطة بديلة !».
فى الطرف الآخر، كان هناك من أبناء القوى السياسية فى أسيوط من يراقبون هذا الموقف باهتمام، خاصة نشطاء اتحاد شباب الثورة بأسيوط، إذ إنهم خاضوا من قبل تجربة إقامة «اللجان الشعبية» بعد قيام الثورة، وكانوا يدخلون أحيانا فى شراكة مع أبناء الجماعة الاسلامية فى إدارة هذه اللجان، باعتبارهم فصيلا سياسيا من أبناء المجتمع الأسيوطى. ثلاثة من اتحاد شباب الثورة هم «إسلام خشبة، عقيل اسماعيل، محمود النفادى» أبدوا عدم اهتمامهم بالضجة التى أثيرت إعلاميا وسياسيا حول «الميليشيات الاسلامية»، جلسوا حول طاولة فى أحد المقاهى الشهيرة، شارحين فكرة اللجان الشعبية بشكل عام. بدأ إسلام خشبة قائلا: «اللجان الشعبية هدفها الأساسى هو العمل الخدمى، وأحيانا ما تتخذ طابعا أمنيا، نحن قمنا بذلك فى يوليو 2011، حين أقمنا حواجز بشرية أمام مديرية الأمن خشية اقتحامها من الشباب الغاضب فى ذلك الوقت، ونحن الثلاثة ننتمى إلى حزب الوفد.. ورغم هذه التجربة، إلا أننا لم نطالب فى أى وقت بأن نكون بديلا عن الشرطة أو أن نستغل موقف إضراب رجال الشرطة بهذا الشكل، مثلما فعلت الجماعة الاسلامية».
ينهى اسلام خشبة حديثه كى يستلم زميله عقيل اسماعيل طرف الحديث بعد أن اجتهد فى الفترة الماضية بحثا عن لجان أمن الجماعة الاسلامية فى شوارع أسيوط، إذ أفزعته الضجة الاعلامية، بينما لم يجد لها صدى على أرض الواقع. إذاً.. ما الهدف من مبادرة اللجان الشعبية للجماعة الاسلامية ؟ يعلق عقيل قائلا: «ببساطة أصبحت هناك مناطق نفوذ للكيانات السياسية الكبرى، بحيث أصبحت القاهرة والاسكندرية للكيانات الثورية، ومدن القناة فى يد القوات المسلحة، ومحافظات أخرى مع الاخوان المسلمين، وهكذا.. فعلى ما يبدو أن الجماعة الاسلامية بدأت استعراضا للقوة مستغلة غياب الأمن، كى تعيد ذكرى الخوف إلى نفوس المواطنين، حين كانت الجماعة اسما يسبب القلق للجميع خلال فترة ارهاب الثمانينيات والتسعينيات».
كان هذا السيناريو قد نفاه المتحدث الرسمى للجماعة، مستندا فى ذلك إلى أن الجماعة الاسلامية لو أرادت استعراضا حقيقيا للقوة لكانت نفذت الفكرة نفسها فى المنيا وسوهاج حيث هناك حضور قوى لأفرادها، وكانت قد صنعت سمعة جيدة فى جنوب الصعيد. هل هى لعبة استعراضية تفيد رصيد الجماعة الاسلامية فى حالة انعقاد انتخابات مجلس الشعب فى الفترة المقبلة؟ يجيب محمود النفادى ــ ثالث شباب اتحاد شباب الثورة فى أسيوط ــ قائلا إنها مغامرة لن تفيد، حتى إن كان قد تبناها أى تيار سياسى آخر، شارحا طبيعة المجتمع فى أسيوط، إذ ينتمى محمود النفادى عائليا إلى مركز البدارى أحد معاقل القبلية وانتشار السلاح، ويقول: «دعنا نلاحظ أن الفترة الماضية قد شهدت قطعا للطرق بسبب أزمة السولار، وازداد كم الحوادث الثأرية، ولأننا هنا نتحدث عن مجتمع ذى طبيعة قبلية، فمن الصعب على أى أحد أن يراهن على السيطرة على هذا المجتمع، فهى مهمة أخفقت فيها وزارة الداخلية أمام مناطق مليئة بالأسلحة والتكتلات العائلية».

سلم سلاحك!

على النمط نفسه تبنى اتحاد شباب الثورة فى فترة سابقة مبادرة «سلم سلاحك» فى مركز البدارى بالتنسيق مع وزارة الداخلية المصرية، لكن ما زالت المشكلة قائمة. «لو اعتقدت الجماعة الاسلامية، أن لديها قدرة للقيام بدور الأمن، فهذا أشبه بانتحار كامل، ولا أعتقد أنهم يفكرون بهذا المنطق الساذج»، حسبما يقول عقيل اسماعيل، عضو اتحاد شباب الثورة فى أسيوط.
على أرض الواقع، فإن العلاقات بين الجماعة الاسلامية ووزارة الداخلية تحمل شكلا من الشراكة فى كثير من الأوقات، أحد أبرز ملامح تلك الشراكة فى لجنة المصالحات التى تتم تحت أعين الشرطة، سواء قبل الثورة أو بعدها، لذا كان لا بد من العودة مرة أخرى إلى أبنوب، حيث الشيخ حمادة نصار ــ المتحدث الرسمى للجماعة الاسلامية فى أسيوط ــ وسط مدينة تعانى من أزمة فى السولار وتوفير رغيف الخبز. «البعض لا يدرك كيف كنا ننسق بشكل جيد مع وزارة الداخلية، سأذكر موقفا يوضح ذلك، وقد حدث هنا فى أبنوب، حين جاء اللواء محمد إبراهيم مدير أمن أسيوط ــ وزير الداخلية الحالى ــ لإزالة إشغالات من السوق، وطلب منا التواجد إلى جواره كى نعطى غطاء شعبيا لهذا الموقف، وقبلنا ذلك، وساندناه من أجل الحفاظ على النظام، رغم ما سببه هذا الموقف فيما بعد من مشاكل مع أهلنا هنا فى المدينة، كذلك لا أدرى لماذا لم يتذكر أحد مبادرتنا فى سد الفراغ الذى تركه عمال النظافة حين أضربوا فى فترة سابقة ؟ هذا هو منطقنا».
هل كان بالإمكان أن تتفكك العلاقات بين وزارة الداخلية والجماعة الاسلامية بهذه السهولة، وتعادى الجماعة الجهاز الأمنى فى أيام..؟ ينضم إلى الجلسة الشيخ محمود الضامر ــ الرجل الثانى فى الجماعة الاسلامية بأسيوط ــ حسبما قدمه الشيخ حمادة نصار.. وشرح كلاهما سبب طرح مبادرة اللجان الشعبية لمعاونة وزارة الداخلية، بحسب عبارتهما، فإن «الحفاظ على الأمن من أهم القضايا التى تشغل بال الجماعة طول الوقت». وذلك لسبب أكدا عليه، إذ كان هناك تخوف من أن تقع أى حادثة طائفية فى فترة إضراب الشرطة، ويتم إلصاق التهمة بأبناء الجماعة، وسط كل هذا الغموض تتصاغر فكرة الميليشيات تماما، بحيث تصبح وهمًا لا وجود له، ولم يعد هناك سوى سيناريو أخير حول ذلك الصخب الذى دار مؤخرا وانتهى بزيارة وفد من الجماعة الاسلامية لمدير أمن أسيوط اللواء أبو القاسم أبو ضيف، بهدف تصفية النفوس بين الطرفين، وتقديم توضيح للداخلية أن الجماعة لا تسعى للحلول محلها. ما زال هناك سيناريو أخير أدركه الشيخ حمادة نصار، وذكره ضاحكا : «أعلم ما قد يفكر فيه البعض فى أن نزول لجاننا الشعبية كان لعبة تهدف إلى إنهاء اضراب الشرطة، وإجبارها على العودة تحت ضغط فزاعة الميليشيات». يصمت قليلا، ثم يضيف: «كان نزولنا عن قناعة خاصة، نحن قضيتنا الحفاظ على الأمن، وأريد أن أؤكد بعد حالة الفزع التى أصابت الكثيرين.. انتهى زمن حمل السلاح فى وجه الدولة، لم يعد هذا محل حديث الآن».

**
ثلاثة مشاهد يومية
  السولار
 «بقى لنا أسبوع مش عارفين نشتغل..!» لخصت الجملة حالة سائق الميكروباص المتجه إلى أسيوط من موقف رمسيس، بسبب أزمة السولار التى تفجرت مؤخرا، ورغم ذلك فقد اختار الكثير من المسافرين الابتعاد عن استقلال القطار، واستخدموا الميكروباصات وأتوبيسات النقل، خشية أن يتم قطع السكة الحديد فى أى وقت من الأهالى المحتجين على تلك الأزمة، خاصة وأن الأزمة لم تقتصر على نقص تموين سيارات الأجرة، بل انعكست أيضا على عمل المخابز، وتحكمت السوق السوداء فى حركة البيع.

 الفقر
 فى مواجهة مسجد أبوبكر الصديق التابع للجمعية الشرعية بمدينة أسيوط، سرادق لبيع اللحوم بأسعار مخفضة للمواطنين، وفى لوحة الاعلانات الملحقة بالمسجد إعلانات للوظائف، وطلب تعيين موظفين ضمن النشاط الخدمى الذى تقوم به إدارة المسجد الذى يستضيف لقاءات أبناء الجماعة الاسلامية بالمحافظة. تبدو مثل هذه المشاهد نجدة للبعض فى محافظة تقع على رأس قائمة المحافظات الأكثر فقرا، فبحسب أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء للعام 2011، فإن نسبة 69.3 % من سكان أسيوط يقعون تحت خط الفقر القومى، وتمثل نسبة البطالة 10.6 % من إجمالى قوة العمل بالمحافظة.

 الجدران
 فى عدد من شوارع المدينة يظهر شعار حزب البناء والتنمية على الجدران، ولا ينافسه فى احتكار الجدران سوى رسومات وشعارات ثورية لحركة 6 أبريل، وبعض المجموعات الثورية الأخرى. وعلى عكس حالة الصخب التى تظهر على جدران مدينتى القاهرة والاسكندرية عن فاعليات ومظاهرات متتالية، تبقى آخر محاولات الحشد الثورى التى ما زالت متواجدة بكثافة على جدران وسط المدينة، تحمل ذكرى 25 يناير الماضى. وعلى استحياء تظهر شعارات الألتراس فى بعض شوارع المدينة، بشكل أكثر تحفظا عن مثيلتها فى العاصمة.
**
اللجان الشعبية.. جدل متكرر
 لم يكن حزب التنمية والبناء ــ الواجهة السياسية للجماعة الاسلامية ــ هو الأول فى طرح فكرة تقنين «اللجان الشعبية»، إذ تكشف صفحة الجهاز الاعلامى لوزارة الداخلية عن مبادرة تعود إلى الأشهر الأولى من الثورة تبناها النقيب مصطفى عبدالفتاح الضابط بقوات الأمن المركزى، حين طرح تصورا تحت عنوان : اللجان الشعبية وكيفية عملها، واصفا اللجان الشعبية فى تعريف مختصر بأنها: مجموعة من التشكيلات ذات الطابع شبه العسكرى، إذ يلجأ فيها الفرد للسعى إلى فرض النظام والأمن فى المنطقة، مع عدم الإخلال بحقوق المواطن المصرى. ويلخص خطة عملها فى عدة نقاط على رأسها معاونة رجال الأمن والمرور، وإخطار جهاز الشرطة بحدوث جرائم تقع فى دائرة عمل اللجنة الشعبية.
 وحسبما يستكمل النقيب مصطفى عبدالفتاح على صفحة الفيس بوك، تتسع دائرة عمل هذه اللجان لتقوم بتنظيم أماكن الازدحام، مثل المباريات والاختناقات المرورية، على أن يكون سن المتطوع بين 20-40 سنة. وتختلف هذه الرؤية عن المبادرة الأخيرة التى قدمها حزب البناء والتنمية التى اقترحت أن تكون اللجان الشعبية جهازا معاونا للشرطة وتابعا لمؤسسة الرئاسة، إذ تنوى الجماعة الاسلامية عبر واجهتها السياسية (الممثلة فى حزب البناء والتنمية) أن تتقدم بمشروع قانون لمجلس الشورى، يقنن أوضاع اللجان الشعبية التى ما زال بعضها يعمل حاليا بإيقاع أبطأ عن ذى قبل. أما المبادرة التى كان قد اقترحها النقيب مصطفى عبدالفتاح قبل عامين من الآن، فكانت تضع تصورا يعتمد كليا على وزارة الداخلية فى إصدار كارنيهات لهذه اللجان لضمان سلامة المتطوعين فيها، وأن يحصل هؤلاء الشباب على تدريب لمدة أسبوع فى كلية الشرطة يؤهلهم للقيام بواجبهم.


Monday, March 11, 2013

يوميات الهاربين من السياحة

ربع قرن من الإرشاد وبحث عن بداية جديدة
 **
فى الأيام الأولى من أحداث الثورة أدرك عادل عبدالظاهر المرشد السياحى المخضرم، أن هذا الوضع ستنعكس ظلاله على قطاع السياحة لفترة طويلة، ويعلق ضاحكا: «عرفت أن الثورة ستكون بمثابة قرار معاش مبكر بالنسبة لى». فى جزيرة الزمالك على مسافة غير بعيدة من مقر عمله الجديد، اختار أن يكون اللقاء هناك، لا يخفى فى حديثه مرارة 25 سنة قضاها فى مجال الإرشاد السياحى، واضطراره للبدء من جديد فى مجال آخر تماما، خاصة أنه من شريحة رأت الحقيقة بعد تدهور العمل السياحى فى العامين الماضيين. «عشنا طوال فترة عملنا ملوكا، لم نفكر فى تأمين علاجى أو فى تأمينات اجتماعية، حتى جاءت لحظة الحصاد فى العامين الأخيرين، فالعمل بشكل حر بين الشركات حسب قوة الموسم السياحى، كانت مغامرة طويلة، لم تعد مجدية الآن فى ظل تردى الحالة السياحية فى مصر».
 ينتمى عادل عبدالظاهر ــ الذى أتمَّ عامه الخمسين ــ إلى شريحة احترفت الارشاد السياحى فى وقت كان للمهنة وجاهتها، وذلك فى نهاية الثمانينات من القرن الماضى بعد تخرجه فى كلية الألسن، «الشركات كانت بتخطفنا» على حد قوله. كانت أعداد الشركات السياحية والعاملين بها أقل من الآن، كما كانت نظم العمل تتيح للمرشد السياحى أن يتفرغ لمهنته فقط. «منذ نهاية التسعينيات علت موجة جديدة من نمط العمل حوّلت المرشد السياحى إلى مندوب تسويق برامج الشركة ورحلاتها، كما أن انخفاض الأسعار أدخل شرائح من السائحين أقل ثقافة، وهمّشت حضور السياحة الثقافية لحساب السياحة السطحية، التى لا تسوق الحضارة أو تؤثر فى زوار مصر». هذا ما يصفه عادل عبدالظاهر، ومع ازدياد أعداد الشركات وتضخم القطاع، بدأ الشباب فى التوافد على المدن السياحية مثل الأقصر وأسوان بحثا عن العمل حتى لو أنفق مئات الجنيهات فى سبيل ذلك، فى تلك الأثناء تأثرت وجاهة مهنة المرشد السياحى، حين ازدادت نسبة تخريج المرشدين السياحيين من المعاهد السياحية، ما بدا فى تدهور الحال شيئا فشىء.
 فى أثناء العامين الماضيين، لم يتجاوز مجموع الفترة التى عملت فيها لحساب الشركات السياحية سوى شهرين، وهى فترة لا تكفى سداد التزاماته اليومية، «أعمل الآن فى مجال الترجمة من اللغة الألمانية فى وكالة للأنباء، والمصادفة أنى قد وجدت زميلا من نفس جيلى يعمل فى الترجمة أيضا». فى زحام السنوات الماضية انطوى عادل عبدالظاهر ضمن فئة من المرشدين السياحيين ابتعدت عن الأجواء التجارية التى غلبت على المجال، فبدأوا فى تثقيف أنفسهم، والعمل على أفواج سياحية ذات ثقافة عالية. «فى مرة وجدت أستاذا أكاديميا فى مجال العلوم بألمانيا، قضى قبلها 20 سنة فى تعلم اللغة الهيروغليفية، مثل هؤلاء السائحين لا بد أن تكون مسلحا أمامهم بالثقافة والعلم، ولهذا فإن بعض الشركات الألمانية كانت نادرا ما تستعين بمرشدين مصريين، إلا من يثقون فى ثقله المهنى». يصمت قليلا، ثم يضيف قائلا: «كنت فى أشهر الركود السياحى أقضى الصيف فى القراءة والكتابة والدراسة، والآن أنا مهتم بأن أكمل تلك البحوث، وأن أجمعها فى كتاب..».
 كانت التجربة الأكثر بؤسا فى العامين الماضيين، حين جرّب العمل فى خدمة العملاء لحساب إحدى شركات الاتصالات الكبرى، متلقيا شكاوى العملاء من المتحدثين بالألمانية عبر مكتب القاهرة، كان حوله شباب صغير السن، وواجه معاملة متعسفة من المديرين، وكل تعاملاته كانت مع زبائن ساخطين على مدى 9 ساعات دون توقف.
 يمر فى حديثه على أهمية دور المرشد السياحى، كسفير لحضارته بادئا بصورة الحضارة المصرية فى كتابات المستشرقين، وأهمية كسر تلك الصورة المغرضة بشكل علمى امام الزائر، وأن السياحة الثقافية أكبر من سياحة الترفيه وجلب الأموال. ينهى حديثه، مودعا المقهى، ومودعا مهنة عاش فيها بكل جوارحه لأكثر من ربع قرن.
**
شباب فى مهن أخرى: نسينا السياحة مثلما نستنا
 **
يتحدث مصطفى عبدالتواب (30 سنة) عن السياحة وكأنها من الزمن الماضى، قضى 10 سنوات من عمره كمندوب لإحدى الشركات السياحية الشهيرة، ينجز كل الشئون الادارية المتعلقة بالرحلات الوافدة إلى مصر، ونجح أن يجمع فى تلك السنوات خبرة بكل مسالك تخليص الاجراءات المطلوبة فى عمله، أما الآن فهو فى مجال آخر تماما، بعد تردى أحوال العاملين فى هذا القطاع بأكمله. «شغل السياحة كان صيت أونطة.. وفلوسها مش من المرتب، إنما من كذا حاجة تانية». يعمل مصطفى اليوم فى مركز صيانة بإحدى شركات السيارات الشهيرة، «فى أكتوبر 2011 أخدت القرار، إنى أشوف مجال تانى»، من هنا التحق ببرنامج «التدريب من أجل التشغيل»، وتسلم وظيفته قبل أسابيع قليلة، حيث يجيد العمل الآن على إصلاح أغلب أعطال السيارات، وذلك بعد أكثر من عام من التدريب، مستثمرا وقته فى زمن توقف السياحة عن العمل. يتحدث بحماس وإلى جواره زميل من عمله الجديد، ويشاركهما الجلسة صديقه عاطف شبل (30 سنة)، جاره الذى شاركه العمل فى مجال السياحة منذ سنوات قبل أن يتفرغ لقيادة التاكسى.
 حول المقهى الذى اجتمعوا فيه بحى الأميرية، تنطلق أصوات الخرطوش فى شجار بعيد، ما يجبر الجميع على تحويل الحديث إلى قضية الانفلات الأمنى. «السلاح مع الجميع، كيف تعمل السياحة فى هذه الأجواء!؟». لخصوا قولهم فى هذه العبارة. كان مصطفى عبدالتواب ضمن شريحة تحمل كل ضغوطات العمل السياحى. «لا شىء يتم سوى بالرشوة، كانت تلك قواعد الدولة فى إدارة العمل.. فكيف ينصلح حال هذا القطاع؟ لقد انكشفت الصورة الآن بعد تبدل الأحوال عقب الثورة، يجب إصلاح موظفى الدولة والشرطة والجهاز الإدارى بأكمله». يضرب مثلا بحالات رآها فى أثناء عمله كيف مكنت الرشوة بعض الشركات أن تلحق سائحيها الأجانب بقطار النوم وبنفس الأسعار المخصصة للمصريين. أما صديقه عاطف شبل فكان ضمن شريحة السائقين، إذ عمل مع عدة شركات سياحية، إحداها الشركة التى عمل بها صديقه مصطفى. نظام العمل هو «التشغيلة»، وله نصيب من عمولات يحصل عليها المرشد، وما يقدمه أصحاب المحال والبازارات من إكراميات على ما يشتريه السائحون من هدايا وتذكارات. «أنا فاكر لما اشتغلت مضيت استقالة مع عقد العمل زى أغلب الشباب»، هكذا يصف عاطف شبل واقع العمل فى السياحة قبل أن يتوقف.
 كلاهما يريان الأمر الآن بشكل أهدأ، إذ لا يندمان على وقوع الثورة وتبعاتها، بل يصنفان أنفسهما على أنهما من الشباب الثورى، الساخط على ما كان. «كان من الممكن أن يهيننى سائح، وأن تقف الشرطة فى صفه ضدى، اليوم أصبحت لى كرامة، خاصة وانا أعمل على التاكسى»، حسبما يقول عاطف شبل.
 بعد الثورة ظهر صوت المندوبين السياحيين وقائدى الأفواج السياحية، حين بدأ بعضهم فى تنظيم أنفسهم فى مجموعات وائتلافات لحل مشكلات الماضى، لكن هذا الأمر لم تتسع دائرته لتشمل جميع العاملين فى هذا القطاع، كثيرون تحولوا إلى مهن أخرى أو بقوا صابرين على سوء الأوضاع، وقلة الأفواج السياحية. ربما أصبح لدى مصطفى عبدالتواب الآن نصيب أفضل فى العمل بعد عامين من التشتت، فقبل عمله الحالى جرب العمل مع صديقه عاطف فى قيادة التاكسى، أما الآن فقد جرب الاستقرار فى وظيفته الجديدة لأول مرة بعقد جيد، يوفر له العلاج الصحى. أما عاطف الذى مازال يطوف الشوارع كسائق للتاكسى، فمازال يبحث عن فرصة عمل كسائق لدى جهة حكومية، وهو يعلق على ذلك قائلا: «رغم تفاؤلى بالثورة، لكن إن لم أجد فرصة فى العمل الحكومى، سأبحث عن عمل خارج مصر.. لقد رأيت ما يكفى».
 من بعيد يتابعان زملاءهم الذين ما زالوا يعملون فى شركات السياحة، بعضهم مستمر فى مهنته، وآخرون يبحثون عن بديل.
**
«الرئاسة لا ترى مصر بلدا سياحيا»
 **
  3 أسئلة إلى إيهاب موسى  رئيس ائتلاف دعم السياحة حول تحولات مجتمع العاملين فى قطاع السياحة بعد الثورة

1-هل حققت ائتلافات العاملين فى قطاع السياحة، تطورا بالنسبة للمهنة، أم أن الركود السياحى قد وقف عائقا فى وجه أى تغيير؟
تأسس ائتلاف دعم السياحة فى مارس 2011 ليكون أول ائتلاف يضم أبناء هذا القطاع، ولا يخفى أنه قد تكون من مجموعة عاشت سويا فى فترة اعتصام التحرير الأولى، وكنا على صلة وثيقة بائتلاف شباب الثورة، كان هدفنا ومازال هو خلق بيئة عمل سياحية جيدة تنهض بهذا القطاع، ما جعلنا نتداخل مع أحزاب ومجموعات ثورية بهدف الاطلاع على برامجهم السياسية، والتنسيق كى يهتموا أكثر بقضايا السياحة وهمومها، نحن هنا لا نحول الأمر إلى حركة مطالب فئوية، فهذا دور النقابة والغرف السياحية، وأحيانا ما نوصل المشاكل إلى تلك الجهات المختصة.
  
2-ما ملامح المعركة الحالية من أجل تطهير بيئة العمل فى قطاع السياحة؟
المشكلة أننا نواجه نظاما حاليا لا يرى السياحة فى حساباته، ولعل عبارة الرئيس محمد مرسى عن رؤيته لمصر كبلد زراعى، وأنه يتمنى تحويلها إلى بلد صناعى تكشف عن أن السياحة لا حضور لها فى تفكيره، رغم أننا ساندناه وجلسنا معه كباقى المرشحين فى فترة الانتخابات الرئاسية. هناك مشكلة أكبر فى ظهور ائتلافات أخرى تضم أفرادا لهم مصالح شخصية ولهم صلات بالنظام القديم، وهى لا تتبنى فكر التغيير الجذرى فى قطاع السياحة، لذا نجد بعضهم يتعامل مع مشاكل العاملين فى السياحة كمشكلة فئوية، لا يهتمون بإصلاح الكيان كله، فبعضهم نجح بالفعل فى تحقيق بعض المطالب مثل: نسبة الـ12% التى يدفعها العملاء مقابل الخدمة فى المنشآت السياحية، والاتفاق على إيصال حق العاملين منها، لكننا نتحدث عن هذه الأمور فى وقت توقفت فيه السياحة بشكل مروع، أما إذا تحدثنا عن تطهير، فأنا أقدر أن دخل السياحة قد يصل إلى 50 مليار دولار وليس 12 مليار دولار مثلما كانت تقول بيانات وزارة السياحة، وذلك بسبب نسبة التهرب الضريبى العالية لدى العاملين فى هذا المجال والعمل بشكل غير مقنن أو بصورة مخالفة.
  
3-هل نجحت الحالة الثورية فى العامين الماضيين فى زيادة وعى فئة العاملين فى السياح أم انصبت اهتماماتهم على تحقيق مطالبهم الفئوية؟
هناك عشرات الآلاف انضموا إلى الائتلاف مكونين مجموعات لهم فى المحافظات، وكنا نعمل على حملات توعية حيادية لمساعدة أبناء هذا القطاع فى اختياراتهم السياسية، لكن حين نجد أن أغلب العاملين يفقدون قدرتهم على التصويت بحكم عملهم خارج محافظاتهم الأم، ندرك أن هناك رغبة فى تهميش هؤلاء، وعدم تيسير سبل المشاركة السياسية بالنسبة إليهم، خشية قوة تصويتهم التى ستصب فى غير مصلحة التيار المسيطر على الدولة الآن.
**
تحذيرات وأرقام

• فى نهاية العام 2010 كان عدد السائحين قد بلغ 14.7 مليون، وانخفض فى عام الثورة 2011 إلى 9.8 مليون سائح حتى ارتفع الرقم قليلا فى العام الماضى 2012 إلى 11.5 مليون سائح، وتستهدف وزارة السياحة زيادة عدد السائحين الوافدين إلى مصر إلى 13 مليون سائح بنهاية العام الحالى حسب تصريحات حكومية.
 • شهدت بداية العام الحالى 2013 تحذيرات من عدد من الدول الغربية نتيجة الاشتباكات وبعض القرارات الرئاسية التى صاحبت ذكرى الثورة فى يناير الماضى، إذ أغلقت سفارة كندا أبوابها لأسباب أمنية بعد إعلان حالة الطوارئ فى ثلاث محافظات مصرية، وكذلك فعلت السفارة البريطانية فى القاهرة، كما حذرت وزارتا الخارجية فى كل من ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية مواطنيها من السفر إلى مصر فى الشهر الماضى، بعد ارتفاع أعداد القتلى إثر اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن، وتلك التحذيرات ليست الأولى التى توجه فى الموضوع نفسه، بل شهد العامان الماضيان تحذيرات شبيهة أطلقتها دول غربية أخرى.

Tuesday, February 12, 2013

أطباء سوريون يخدمون جاليتهم فى 6 أكتوبر

لم يمت الطفل فى اشتباكات داخل الأراضى السورية، بل مات فى الطريق من مساكن عثمان قرب طريق الواحات إلى مدينة 6 أكتوبر جنوب القاهرة، حين لم يجد الأب وسيلة مواصلات تنقله فى ذلك الوقت المتأخر من الليل، فأخفق فى إنقاذ نجله المريض. «لمثل تلك الحالات أسسنا مركز عيادات النخبة التخصصية لرعاية أبناء الجالية السورية فى مدينة 6 أكتوبر». الحديث هنا لـ (ب. أ) المدير الطبى للمركز الذى تعمد إخفاء هويته خشية إلحاق الضرر بأسرته فى سوريا. يقع المركز على بعد 10 دقائق بالسيارة من ميدان الحصرى الشهير بمدينة 6 أكتوبر، وتكاد تقتصر المواصلات فى تلك الناحية على سيارات النقل والتوك توك، حيث تقع مشقة أكبر على المريض، الذى لا يجد بديلا سوى المستشفيات ذات التكلفة العالية.
«ثمن تذكرة الزيارة 10 جنيهات فقط، وهو أجر رمزى إذا ما قورن بتكلفة الكشف فى أى مستشفى آخر، أما الهدف الأساسى من المركز فهو إبعاد شبح الإفلاس عن الأسرة السورية التى ترعى مرضى يتكلفون مئات الجنيهات شهريا»، مازال الحديث للمدير الطبى للمركز .
تكثر أعداد الأسر السورية فى مدينة 6 أكتوبر عن بقية المدن المصرية، لذا تبرز بينهم شرائح فقيرة من اللاجئين لا تستطيع الإنفاق على علاج أفرادها المرضى، ويدير مركز النخبة الطبى مجموعة من الأطباء السوريين الذين يعانون هم أيضا من تدنى أجورهم مقارنة بما كانوا عليه فى بلدهم، إذ قارب دخل الطبيب السورى قبل الثورة السورية حوالى 2000 دولار شهريا، فى حين يتقاضى الطبيب هنا فى المركز حوالى 1500 جنيه مصرى تقدمها (الرابطة الطبية للمغتربين السوريين) الراعية للمركز . تلك النقلة الاقتصادية شعر بها كل الأطباء السوريين المقيمىن فى مصر، ما دفع بعضهم إلى الانتقال إلى دول أخرى مثل موريتانيا أو السودان أو ليبيا بحثا عن وضع اقتصادى مقبول. يعلق المدير الطبى للمركز قائلا: :«هربت من سوريا ولم أستطع خدمة أهلى هناك، لذا أتشبث بموقعى هنا بحثا عن خدمة إخوانى .. أما الأهم فهو أن مصر أكثر أمنا عن غيرها من الدول».
فى بلدته الواقعة جنوب سوريا تعرض للتضييق أثناء عمله كطبيب، حتى وصل الأمر إلى تصفية الكوادر الطبية من زملائه لأسباب طائفية بين الجبهات المتناحرة .
يخرج ورقة من أمام مكتبه فى حضور المدير الإدارى وبدأ كل منهما فى سرد احتياجات المركز، من أجهزة ومستلزمات طبية . «عرضت على أحدهم أن يشترى جهازا لمعمل التحليل على أن يسترده حين نعود جميعا إلى سوريا، وما زلنا فى الانتظار». الحديث للمدير الإدارى للمركز.
بدأت قصة المكان حين قررت الدكتورة المصرية فاتن حسن تأسيس المركز ثم قدمته بإيجار زهيد لمجلس الإدارة الحالى بهدف خدمة الجالية السورية، تتحدث عن ذلك قائلة: «كنت على صلة بإحدى الجمعيات الخيرية، وعلمت بالفكرة من هناك، واتخذت قرارى بالمشاركة». تعمل الدكتورة فاتن الآن كطبيبة طوارئ داخل المركز فى ساعات محددة بشكل يومى لاستقبال الحالات العاجلة، أما أهم ما وفرته الطبيبة المصرية لزملائها السوريين فهو أن المركز يحمل تصريحا حكوميا، ما سهل عليهم اجراءات البدء.
تنفق الرابطة الطبية للمغتربين السوريين على المشروع، وقد تأسست بهدف خدمة اللاجئين السوريين فى المخيمات وتطبيب متضررى العمليات فى الداخل السورى، وتضم الرابطة أطباء سوريين متخذة مقرها الرئيسى فى المملكة العربية السعودية، وترخيصا من فرنسا.
يعلق منسق الرابطة الطبية للمغتربين السوريين فى القاهرة ــ متحفظا على ذكر اسمه أيضا ــ قائلا: «كان وجود كوادر طبية ومهنية عالية فى مصر عاملا مساعدا فى تأسيس المركز، وكل طموحنا الآن أن يكون المركز أكثر تطورا، وأن يكون همزة وصل بين لجنة الإغاثة فى نقابة الأطباء المصريين وأصحاب الحالات الحرجة فى الجالية السورية».
يخفى الجميع هويته أثناء الحديث، خاصة بعد ما راج داخل مجتمع الجالية السورية فى مدينة 6 أكتوبر، عن وجود مندسين تابعين للنظام السورى داخل العمل الإغاثى، ما يصنع أزمة عند التوسع فى الدعاية للمركز، وخشية لدى العاملين وأهلهم من أن يكونوا أهدافا لشبيحة بشار الأسد .
يختم المدير الطبى لمركز عيادات النخبة التخصصية : «أستقبل حوالى من 50 إلى 70 مريضا بصورة يومية .. بعضهم من غير السوريين، لكن ما زلنا نعمل بالحد الأدنى، ونحتاج المزيد من الأجهزة، وهذا ما نسعى إليه فى القريب العاجل».