Saturday, November 3, 2012

البطالة.. سيف على رقاب المواطنين

  • مبادرات تبحث عن حلول.. ويتلاشى تأثيرها وسط الأحداث
•حركة «لكل العاطلين»: نضغط من أجل قضيتنا ومن أجل قضايا العاملين

كتب ــ عبدالرحمن مصطفى:

«البطالة ليست حكرا فقط على الخريجين الجدد الذين لم يجدوا عملا، بل قد تصيب من منعتهم الظروف عن العمل، ولا يجدون دعما». يصف هانى سالم تلك الحالة التى مر بها عدة مرات فى السنوات الأخيرة، يبلغ من العمر 35 سنة، متزوج ويعول، ويسكن فى محافظة بنى سويف. بدأ يواجه تلك الأزمات المتتالية حين تعرض التاكسى الذى يعمل عليه للسرقة فى الأشهر الأولى من الثورة، ودخل بعدها فى شراكة فاشلة فى سيارة نقل ثقيل، جعلته يخسر مبلغا كبيرا، وقضى فترة من التعطل.
 يشرح ذلك: «هذه حياتنا الآن، خاصة فى مجال النقل، وفى مجال عمل السائقين، فأنا الآن أعمل مع مقاول بناء، ونظرا لأن سوق البناء تمر بفترة كساد، فهو ما اضطر المقاول إلى تقليل عدد السائقين العاملين فى نقل مواد البناء».  فى مثل تلك الفترات من التعطل ليس أمام هانى وزملائه سوى استخدام علاقاتهم من أجل الوصول إلى فرصة عمل أخرى كسائقى ميكروباص أو تاكسى، وفى هذه الأثناء قد يسقطون فى فترة تعطل. يقول عن ذلك: «لدى اهتمام ووعى بمشكلة البطالة، لكننى مررت بتجربة سيئة حين حاولت المشاركة فى مبادرة لخدمة القضية».
كان هانى أحد الأفراد الذين اندمجوا فى مبادرة تبناها مدير إحدى الجمعيات التى ترفع شعار محاربة البطالة، وقامت الفكرة على أن يشارك الأعضاء، بمبالغ يسددونها إلى أحد زملائهم حتى يبدأ مشروعه، على أن يسدد لهم ما دفعوه فى وقت لاحق، وهكذا تدور دائرة العمل. يعلق هانى: «ما حدث هو أن التجربة قد فشلت، وتعرض مدير الجمعية للحبس بسبب إخفاقه فى إدارة أموال المشاركين، وأنا خسرت معه مبلغا، وغيرى خسر فرصة سفر إلى الخارج». يطمح هانى كغيره إلى الحصول على قرض بنكى يدير به مشروعه الخاص، وأن يجد إعانة نقابية أو إعانة من الدولة فى حالة تعطله.
ليست كل المبادرات مثل التى شارك بها هانى والتى انتهت تلك النهاية المأساوية، فهناك من اتخذوا الطابع الحركى فى التظاهر والاعتصام للضغط على الحكومة، محمد عبد الله منسق عام حركة «لكل العاطلين» التى تأسست قبل عامين تقريبا، نجح أفراد منها فى مقابلة مسئولين منهم وزيرا قوى عاملة سابقان ورئيس الوزراء السابق كمال الجنزورى، كما التقوا أحد مستشارى الرئيس محمد مرسى، لكن ذلك كله لم يسفر عن الكثير، يرى محمد عبد الله المنسق العام أن هناك مكاسب تحققت، إذ يقول: «طوال الفترة الماضية كانت المشاغل السياسية هى الواجهة لكل الأحداث، لذا كانت قضيتنا تائهة وسط الزحام، مثل كثير من القضايا الاجتماعية الأخرى، فأنا وزميلى خالد الهوارى وبقية الزملاء حين أسسنا الحركة كان هدفنا أكبر من مجرد تشغيلنا فى وظيفة، بل كان أملنا فى طرح المشكلة والمساهمة فى التغيير الذى بدأ فى 25 يناير ولم يكتمل بعد..».
تضامن مع الحركة مئات شاركوا فى عدة مظاهرات، ووقّع 6500 شخص على بيان تبنته الحركة لدعم القضية كما يوضح محمد عبد الله: «أغلب الأعضاء النشطين بلا وظيفة حاليا، ومنا من يعمل فى ظروف غير مستقرة، وفى أعمال مؤقتة». ومن مطالب الحركة أن يتم تطبيق قانون العمل على القطاع الخاص، حتى لا يتعرض العاملون به لمعاملة متعسفة تضيع حقوقهم، وتمنع حقهم فى الحصول على عقد وتأمينات مدفوعة،  كما تطالب الحركة بمنع تعيين أبناء العاملين فى قطاعات الدولة كحق اكتسبته بعض الشرائح فى المجتمع، كما تطالب الحركة بتوفير إعانة بطالة لمن فرضت عليه الظروف أن يتعطل من وظيفته.
قبل سنوات كانت هناك محاولات للحصول على «إعانة بطالة» حسب قانون التأمينات الاجتماعية عن طريق مكاتب العمل، ما حدث وقتها أن رفض الموظفون الحكوميون قبول مثل تلك الطلبات، وكان مركز الأرض لحقوق الإنسان أحد المتابعين لهذه القضية فى العام 2008، حين حاول بعض العمال والموظفين تحريك إجراءات الحصول على إعانة بطالة، ويرى كرم صابر مدير مركز الأرض أن الواقع اليوم مختلف حيث يجب أن يتوجه النضال أولا إلى حقوق العاملين قبل العاطلين قائلا: «هناك عمال لا يحصلون على حقوقهم المادية سواء من الدولة أو من أصحاب العمل، علينا أن نبدأ أولا بهذه القضايا، لأننا ما زلنا أمام دولة تميل إلى صف صاحب رأس المال على حساب العامل.. لذا علينا أن نحقق شيئا فى هذه القضايا وبعدها يمكننا أن نحشد من اجل مشكلة البطالة والبحث عن إعانة بطالة».
 فى الفترة الماضية ظهرت عدة محاولات لتأسيس نقابات للعاطلين، منها محاولة فى إبريل الماضى تحت اسم  «نقابة العاطلين المستقلة» بمدينة دكرنس فى محافظة الدقهلية، وتم التقدم بها لمكتب العمل بالمنصورة،  لتكون أول نقابة مستقلة للعاطلين فى مصر، وبلغ عدد أعضائها فى بداية تدشينها 100 عضو، وكان على رأس أهدافها تشغيل أعضائها فى وظائف حكومية، لكن المحاولة لم تسفر عن شىء. بينما تكررت نفس الفكرة قبل أسابيع قليلة ليتم تسجيل أول نقابة للعاطلين فى مصر بوزارة القوى العاملة وذلك بمبادرة من نشطاء فى مدينة الإسماعيلية، وتهدف هذه النقابة الأخيرة إلى خصم نسبة 1% من الأجر الشامل من كل العمال المصريين فى داخل مصر وخارجها لمصلحة صندوق النقابة، مع صرف إعانة للعاطلين. وتعرضت تلك المحاولات إلى انتقادات حول فكرة تكوين كيان نقابى يدافع عن فئة (العاطلين) التى لم تمتهن مهنة بعد، إذ إن هذه النقابة ليس أمامها صاحب عمل تواجهه لمصلحة حقوق العاملين، كذلك فإن تسجيل هذه النقابة لدى الأجهزة الحكومية يمنعها من التعرض للسياسة حسب اللوائح المعمول بها لأى جمعية أو كيان مؤسسى غير حزبى. وكانت هناك عدة محاولات سابقة على ذلك لإنشاء كيانات تضم العاطلين من أشهرها تأسيس رابطة «للعاطلين» فى عام 2006.
ويعود محمد عبد الله منسق عام حركة «لكل العاطلين» قائلا: «ما لا يشعر به البعض هو أننا نضغط، ونحاول الظهور فى الإعلام، ولقاء المسئولين، ليس فقط لحل مشاكلنا الشخصية، بل لاختبار النظام الحالى ومدى جديته، لذا على الجميع أن يتضامن معنا لحق العامل والعاطل سويا». تلقى محمد عبدالله منسق حركة لكل العاطلين وزملاؤه عروضا وظيفية فى وزارة المالية، بعد لقاء مع أحد الوزراء السابقين، وحين اتجهوا لاختبار مدى جدية العرض، فوجئوا بالموظفين هناك يمتنعون عن الاستجابة لتأشيرات الوزير، ويعلنون أنه لا توجد وظائف لديهم. «توجهنا ببلاغ إلى النائب العام ضد الرئيس محمد مرسى، لأنه وعد بتشغيل العاطلين، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، وما زال لدينا المزيد». حسبما يؤكد منسق الحركة.
 
  •  مشاريع الخير فى مواجهة البطالة
تقدم الجمعيات الخيرية مشروعات تهدف بوضوح إلى التقليل من نسبة البطالة فى المجتمع المصرى من خلال مشروعات صغيرة تعمل فى مجالات مختلفة، وحسب دراسة لمركز المصريين للدراسات الاقتصادية، فإن المبالغ المالية التى تم التبرع بها للجمعيات الخيرية فى عام 2012 تبلغ نحو 5.5 مليار جنيه، لكن هذه الأموال لا تحقق فعالية فى تغيير حياة الفقراء، ولخصت الدراسة أسباب ذلك فى أن أصحابها لا يهتمون بمتابعة تلك الأموال وهل حقق إنفاقها الهدف منه أم لا.
وكانت دار الإفتاء المصرية قد أجازت إقامة مشاريع استثمارية وإنتاجية بأموال الزكاة والهبات والصدقات لتوفير فرص العمل للشباب. بعض الجمعيات الخيرية تعمل على ذلك بشكل مباشر فى شكل تمويل وتوجيه مشروعات صغيرة، وجمعيات أخرى تستغل البيانات المتاحة لديها عن أبناء الأسر المتعففة لديها، بهدف توظيفهم لدى من يرغب من الكفلاء المسجلين لدى الجمعية من المستثمرين وأصحاب الأعمال وغيرهم. يرى الدكتور مهدى القصاص -أستاذ علم الاجتماع المشارك بجامعة المنصورة أن الجمعيات الخيرية عليها دور فى تقليص الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وإتاحة الفرصة للفقير فى أن يكسب قوت يومه، ويشعره بالأمل. ويضرب الدكتور مهدى القصاص مثلا بثمانى دول غربية نجحت فى بداية التسعينيات من القرن الماضى فى توظيف 11 مليون شخص عن طريق مثل هذه المؤسسات الخيرية، بما يمثل نسبة 20 % من معدل التوظيف فى تلك الدول.
  ويشرح فى دراسة منشورة العام 2010 على موقع المركز الدولى للأبحاث والدراسات أن أفضل طرق دعم العاطلين عبر المشاريع الصغيرة هى أن تطبق بنظام القرض الحسن، ونظام المشاركة المنتهية بالتمليك، ونظام التأجير المنتهى بالتمليك، بعيدا عن أى أعباء (فوائد) كالتى تقدمها البنوك.
  • فى أوروبا والدول المتقدمة يصرفون إعانات 

 يأتى تطبيق فكرةإعانة البطالة فى الدول الغربية امتدادا لمحاولات قديمة بدأت قبل أكثر من قرنين من الزمان، إذ يرجع المؤرخون الغربيون أصولها إلى تأمين البطالة الذى تم تطبيقه فى سويسرا فى العام 1789 عبر الاتحادات العمالية، وبدأت التجربة فى التكرار داخل عدة دول أوروبية، خاصة فى نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين، وظهرت نماذج لافتة فى نظم تقديم إعانات البطالة أو «تأمين البطالة» فى عدة دول من أهمها فى تلك الفترة كانت التجربة البلجيكية فى عام 1901.
وانتقل نفس هذا النظام إلى دول أخرى مثل الدنمرك وفنلندا وأيسلندا والسويد. وتعد بريطانيا من أوائل الدول التى طبقت نظام تأمين البطالة بشكل إلزامى على العاملين لديها فى العام 1911 ، ولم يتم الأخذ بهذه الفكرة سوى فى إيطاليا بعدها بثمانى سنوات، أما فى الولايات المتحدة الأمريكية فقد اتضحت ملامح هذا النظام فى العام 1932 إثر الانهيار الاقتصادى الذى عرف فى هذه الفترة باسم «الكساد العظيم»، حين تحول 25% من القوى العاملة فى ذلك الوقت إلى عاطلين.
 وتختلف حاليا شروط الحصول على إعانة البطالة من بلد لآخر ، ويشرح موقع europa.eu لدول الاتحاد الأوروبى ذلك الاختلاف داخل الدول الأعضاء، موضحا بأمثلة حية، منها: أن الشابة القادمة من الدنمرك، التى اختارت العيش والعمل فى دولة قبرص، بإمكانها التقديم للحصول على إعانة بطالة من السلطات القبرصية، لكنها ستفاجأ بأن الإعانة تدوم لمدة 156 يوما فقط، بينما تدوم إلى أربع سنوات فى بلدها الأصلى الدنمرك. وتوضح الدول المختلفة شروط وقيمة إعانات البطالة لديها ، وهو ما يبرز الاختلافات من بلد لآخر تبعا لحالتها الاقتصادية، على سبيل المثال فى فرنسا يشترط على مستحق الإعانة أن يكون قد عمل لمدة أربعة أشهر على الأقل ، و 28 - 36 شهرا لمن هم فوق الخمسين، ثم يسجل اسمه فى مركز العمل- Pôle emploi، على أن يثبت جديته فى البحث عن عمل طوال هذه المدة.
ويتوقف مبلغ الإعانة فى بعض الحالات أيضا على الحالة الاقتصادية والاجتماعية للمستحق. ففى بلد مثل ألمانيا يحصل على العاطل على مساعدة لمدة عام كامل بشرط أن يكون قد عمل فى وظيفة لمدة 360 يوما فى آخر ثلاث سنوات، على أن يحصل على 60% من دخله السابق، فى حين أن دولة مثل إسبانيا قد رفعت قيمة الاعانة من 400 يورو شهريا إلى 450 يورو فى أغسطس الماضى على أن تكون الأولوية فى الزيادة لمن يعولون غيرهم، وليس لهم مصدر دخل آخر.
ويقدر عدد العاطلين فى العالم بـ200 مليون حسب آخر أرقام منظمة العمل الدولية منهم 75 مليونا تحت سن 25 سنة. أما فى مصر فتبلغ نسبة البطالة 12.6%  أى 3.3 مليون عاطل، ويمثل الشباب فى الفئة العمرية بين (15- 29 سنة) نحو 77.5٪ من إجمالى العاطلين.  وكانت فكرة إعانة البطالة مطروحة فى عهد النظام السابق، إذ وعد رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف بتفعيله ضمن قانون التأمينات الجديد آنذاك، كما طرحت فكرة إعانة البطالة فى العام الماضى مع إنشاء صندوق لإعانة البطالة وربطه بالتدريب.
PDF

Thursday, November 1, 2012

الخواتم تخفي أسرارها

 
عبدالرحمن مصطفى-مصر
في سوق الصاغة بحي الجمالية العتيق، يجلس صاحب المتجر مبرزاً أصابعه التي تحيط بها عدة خواتم فضية، تبدو أصابعه جزءاً من واجهة العرض؛ فهناك نسخ أخرى من خواتمه الشخصية في الواجهة الزجاجية للمتجر ضمن عشرات الخواتم المتنوعة، يشرح سر اختياره تلك التصميمات قائلاً: «يأتيني أحد التجار بتشكيلة من النماذج المتنوعة، وأختار أكثرها رواجاً لدى الزبائن». ليس لديه الكثير من المعلومات عن نقوش الخواتم أو غيرها من الحلي الفضية التي يعج بها متجره، يراها جميعاً «اجتهادات من مصممي الحلي».

تقع ورش صناعة الحلي داخل حارة الصالحية المجاورة على بعد أمتار من هذا المتجر، وفي أعلى الطابق الثاني من إحدى البنايات يجلس محمد خليل الصائغ المخضرم في حي الجمالية محاطاً بكثير من الحلي، بدأ حديثه موضحاً منهجه في العمل: «مهمتي إعطاء الوجه المصري للحلي الفضية، أي أنني آخذ شكل القالب المتعارف عليه عالمياً، ثم أضفي عليه نقوشاً مصرية خاصة». على أي أساس يختار نقوشه ؟ يحتاج الأمر إلى كثير من المحاولات لتشجيعه على الإفصاح بما لديه من أسرار الخواتم المنثورة أمامه. «يمكننا اعتبار الخاتم ملكاً على الحلي المختلفة، فهو الأبرز دائماً في الأيدي، ويحمل عدة وظائف قديمة، منها التبرك، وصيانة الصحة باستخدام أحجار معينة في فص الخاتم، ووظائف سحرية أخرى، لكن كل ذلك انحصر الآن في مهمة تكاد تكون الوحيدة، وهي طقس الزواج». تشرح ﺍﻟﺩﻜﺘﻭﺭﺓ ﺴﻌﺎﺩ ﻋﺜﻤﺎﻥ، ﺃﺴﺘﺎﺫ علم الاجتماع ﺒﻜﻠﻴﺔ ﺍﻟﺒﻨـﺎﺕ، جامعة ﻋﻴﻥ ﺸﻤﺱ، موقع الخاتم في ثقافة استخدام الحلي في مصر. ورغم هذا الرأي إلا أن الكتابات البحثية المهتمة بالحلي تتناول سيرة الخواتم في مساحات لا تقدمه كملك على الحلي مثلما هو متوقع، بل إن كثيراً من التجار لا يحملون معلومات كافية عن «موتيفات الخواتم» وصلتها بالموروث الثقافي المصري، وحسب أحاديثهم فإن إقبال الشباب على الإكسسوارات يرتبط بشكل عام بنجوم الغناء، بدءاً من سبحة تطوق عنق عمرو دياب، أو أخرى تحيط بمعصم محمد منير، أما الخواتم فإن قواعد السوق تجعل أكثرها بساطة هي أكثرها رواجاً، أما الفتيات فالأمر مختلف، إذ كانت المرأة قديماً تتزين ببعض الإكسسوارات لأهداف مختلفة مثل تعليق حجاب فضي (تميمة سحرية) على رأسها طلباً للشفاء، أما فتيات اليوم فتتجه بعضهن لشراء خواتم ذات استخدامات أخرى، حين يتحول فص الخاتم إلى وسيلة لطمأنة النفس والروح، وأحياناً ما ترتبط اختياراتهن بـأبراجهن الفلكية، أياً كان الحجر المستخدم مثل: العقيق، الياقوت، الزمرد، الفيروز..إلخ.

في ورشة صناعة الحلي يعمل الصنّاع بدأب شديد على تصميمات جاهزة، وأحياناً ما تكون بناء على طلب الزبون، وهو ما يوضحه صائغ الفضة محمد خليل قائلاً: «يأتيني أحدهم طالباً خاتماً فضياً منقوشاً بعبارة خاتم النبي: محمد.. رسول.. الله. في هذه الحالات أنقشه خصيصاً له، رغم أن ذلك ليس منتجاً أقدمه كل يوم». ليس لدى كل صائغي المجوهرات ذلك الوعي بخلفيات النقوش والرسوم المتواجدة على الخواتم والحلي، إذ يحتفظ محمد خليل بحلي تعود إلى أكثر من قرن مضى، «تلك النقوش تلهمنا في إبداع أفكار مختلفة، وهنا يتسلل الموروث الثقافي رويداً رويداً إلى خواتم حديثة الصنع، وبالتأكيد فإن الوظائف السحرية القديمة قد تضاءل الوعي بها تماماً، وانحسرت، وحتى ما أحتفظ به من حلي ريفية أو قاهرية قديمة أستعير منها النقوش فقط، ورغم علمي بمغزى بعض تلك النقوش القديمة بحكم القراءة والاهتمام، فإن أغلب الزبائن لن يعرفوا ذلك». حدثت نقلة في أشكال الحلي وعلى رأسها الخاتم منذ سنوات طويلة، إذ كان التركيز وقتها على استعارة النقوش المصرية القديمة، ثم ظهر تأثير الفن الإسلامي بعدها، وكذلك الطابع المصري الشعبي مؤخراً، ويتم ذلك باجتهاد من بعض المصممين الكبار في عالم الذهب والفضة.

على مسافة غير بعيدة من حارة الصالحية، يقع الأرشيف القومي للمأثورات الشعبية، في بيت الخرزاتي المجاور لبيت السحيمي الشهير بالجمالية، وأمام جهاز للكمبيوتر تجلس الباحثة نورهان فوزي بادئة حديثها: «البحث عن الموروث الثقافي الذي يتناقله صناع الصاغة في ورش الجمالية المجاورة أشبه بالبحث عن إبرة في كوم قش، لم يعد هناك ذلك الوعي..». تفتح فيديو سجلته إحدى جامعات التراث لأحد المتصوفة وهو يتحدث عن سر خواتمه الكثيرة في يده، أحد تلك الخواتم يحمل نقشاً يقول: العاطي الوهاب، وآخر يحمل حجر الزمرد، ولديه آخر يحمل فصاً من العقيق، زاعماً أن تلك الفصوص تؤثر بالإيجاب على الحالة النفسية. ومنذ العهد المصري القديم كانت تلك الاستخدامات مطروحة إذ كان خاتم الجعران جالباً للحظ والفأل الحسن، ومن أشهر تلك الأنواع المرتبطة بطقوس خاصة، «خاتم الزار»، الذي ارتبط بعادة الزار، حيث يرتديه من يرغب في العلاج من المس أثناء الرقص العنيف على الموسيقى الصاخبة، مع خاتم آخر اسمه خاتم العبد، وثالث اسمه خاتم بجلاجل، وبعض الصناع في الريف المصري- حيث بقايا لطقوس الزار- لا يدركون تفاصيل الاستخدام، حسبما يوضح أحدهم في فيديو آخر داخل الأرشيف القومي للمأثورات الشعبية، وتعلق الباحثة سونيا ولي الدين «إن ما رصدته في عالم الحلي يشير إلى أن البيئات البكر ما زالت محتفظة بأفكارها عن الحلي»، توضح ذلك: «جلست في حلايب وشلاتين أتابع الصائغ هناك وهو يصنع خواتم عليها نقوش أقرب إلى تمائم لحفظ صاحبها، وكل قبيلة لها رموزها». في دراسة لها تحت عنوان: الحلي وأدوات الزينة عند نساء جنوب مصر، ترصد خواتم متعلقة بالزار، على رأسها خاتم مختوم من أعلى وفي رمزية، وكأنه مغلق على الجن الشرير. هذه الطقوس تنسحب اليوم أمام طابع جديد يغلف المجتمع المصري، تعلو فيه روح الأصولية الدينية، التي ترفض الشكل الطقوسي خارج الشعائر الإسلامية المعروفة، وهو ما يجعلها نماذج فنية خارج إطار التداول الشعبي. تعلق ﺍﻟﺩﻜﺘﻭﺭﺓ ﺴﻌﺎﺩ ﻋﺜﻤﺎﻥ، ﺃﺴﺘﺎﺫ علم الاجتماع موضحة: «لا شك أن ظروف المجتمع تفرض أحكامها على صناع الحلي بشكل عام، لكن الأمل باق في عودة الموروث الثقافي إلى الساحة، فهذا أمر معتاد في الدراسات الشعبية، حين تختفي طقوس لفترة ثم تعود في ظروف أخرى بعد إحيائها، والفيصل هنا هو درجة الوعي بالموروث الثقافي ومدى القدرة على إتاحته أمام الصناع».

Thursday, October 11, 2012

التهجير.. ضيف ثقيل على الخريطة القبطية



عبدالرحمن مصطفى

فى احتفالات أكتوبر باستاد القاهرة، أعلن الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية: «العدوان على أقباط رفح، عدوان على كل مصرى، وعدوان علىَّ أنا بشكل شخصى». وذلك بعد ساعات قليلة من زيارته لسيناء وتكرار التهديدات إلى أقباط رفح. ولم يخف المعلقون قلقهم من أن تكون تلك الحادثة استكمالا لمسار جديد بدأ يضغط فى اتجاه عزل المسيحيين داخل تجمعات مغلقة. «الأزمة الآن أن هناك مجموعات متطرفة رأت فى صعود رئيس من التيار الإسلامى فرصة لخرق القانون، والتعبير عن ثقافة التمييز التى أصابت المجتمع المصرى قبل سنوات، وليس أدل على ذلك من أن تجد من أحرق الكتاب المقدس أمام السفارة الأمريكية فى حادثة فريدة، يعلن أمام الإعلام بعد إخلاء سبيله أنه أحرق كتابا محرفا، وأنه لا وجود للإنجيل على وجه الأرض.. فى إساءة جديدة!»، هكذا يعلق الدكتور عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية على الأحداث، ويصف صعود مصطلح «تهجير الأقباط» بأنه خطر قادم، ولا يستبعد أن يؤدى ذلك فى وقت من الأوقات إلى الدفع بالمسيحيين إلى التجمع فى مناطق جغرافية بعينها ابتعادا عن المجموعات المتطرفة والبحث عن الاحتماء بالجماعة الدينية. «بعض من تعرضوا للتضييق الطائفى، اتجهوا بالفعل إلى أحياء بها نسبة كبيرة من المسيحيين.. وهذا أمر مثير للقلق»، على حد قوله. لا يخفى أيضا اسحق إبراهيم، الباحث فى برنامج حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن تكرار هذه الحوادث القائمة على تهجير مسيحيين من مساكنهم قد بدأ يتخذ نمطا جديدا ظهر فى حادثتى العامرية فى مايو 2012 ودهشور فى أغسطس 2012، وحوادث أخرى سابقة حسبما يشرح: «لا توجد دراسات متوافرة الآن تؤكد أن هناك سعى من المسيحيين إلى التجمع فى أماكن بعينها، أو تفسر وجود أحياء أو قرى ذات كثافة مسيحية عالية عن غيرها من الأماكن. لكن ما تم رصده أن من تعرضوا للتضييق الطائفى فى الريف اتجهوا إلى المدن حيث العلاقات أقل تماسكا».
قديما عرفت المدينة فى العصور الإسلامية تجمعات مسيحية ويهودية فى أحياء وحوارى محددة، وذلك فى إطار منطق ساد وقتها فى السكن، حين كان يتجه أبناء الطوائف المهنية إلى السكن جوار ورشهم وأعمالهم، وأبناء القبائل فى حارات لهم، وكذلك أبناء الطوائف الدينية إلى السكن جوار دور عبادتهم، لذا عرف لفظ «حارة النصارى» فى عدة مواقع خلال تلك الحقبة وحتى فى العصر العثمانى، وذلك داخل القاهرة وخارجها. وتركز تجمع الأقباط فى القرن 18م ناحية بحيرة الأزبكية حيث انتقلت البطريركية إلى الأزبكية قبل أن تستقر البطريركية فى موقعها الحالى بالعباسية. «إن التجمعات المسيحية الحالية ناحية أحياء الفجالة والقللى والظاهر وشبرا هى امتداد طبيعى لذلك التمركز الذى كان موجود ناحية حى الأقباط فى الأزبكية فى القرن 18 حول الكاتدرائية القديمة». يفسر الدكتور محمد عفيفى رئيس قسم التاريخ بجامعة القاهرة أحد أسباب شهرة بعض الأحياء وعلى رأسها حى شبرا بوجود كثافة مسيحية. وكان قد أثير مؤخرا جدلا حول تعداد المسيحيين فى مصر، وتردد اسم حى شبرا على ألسنة مصادر كنسية مشككين فى الأرقام المذكورة حول تعداد المسيحيين واصفين إياها بأنها مناسبة لحى شبرا فى إشارة لسمعته بوجود كثافة مسيحية داخله. ويمثل هذا الحى نموذجا لانتقال تجمعات المسيحيين السكنية من عالم «حارة النصارى» القديم بالأزبكية إلى حى جديد فى النصف الثانى من القرن 19م. ويشرح الدكتور محمد عفيفى، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة : «لم يكن حى شبرا فقط امتدادا لتجمعات قبطية قديمة فى الأزبكية، بل سببا فى انتقال موظفى السكة الحديدية والبريد من الأقباط، وفى الوقت نفسه هاجر إلى الحى سكان جدد من مسلمى وجه بحرى عبر الكورنيش ومن الصعيد أيضا، كل هذا إلى جانب أقليات أجنبية يونانية وإيطالية وأرمينية وغيرها». هذه الحالة هى التى أعطت حى شبرا طابعا خاصا ما بين سمعته كحى يجمع كثافة سكانية مسيحية لافتة، لكنها غير منعزلة عن جوارها، ما جعله مادة درامية يستهلكها الإعلام والأدب فى التعبير عن التعايش. هل ينجح الساعون إلى إعادة عصر حارة النصارى فى سعيهم؟ يختم اسحق إبراهيم، الباحث فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: «النتيجة الواضحة أمامنا الآن هو أن عدم تفعيل القانون واللجوء إلى الأساليب العرفية كثيرا ما تسبب فى ظلم المواطنين، خاصة أننا رأينا أن عمليات التهجير القسرى التى جرت كانت تجرى بشكل عقاب جماعى.. لذا لا حل سوى فى تطبيق العدالة بشكل قانونى يحترم حق كل مواطن».

Wednesday, September 26, 2012

القاهرة.. مدينة مستباحة

من الصعب على مواطن أن يلقى تحية الصباح على من يمر بهم، وهو يشعر أن هناك من يستبيح حقه. حين يطوف كالبهلوان فى شوارع المدينة تفاديا الصدام مع الباعة الجائلين الذى استقروا فى مساحات حيوية من الشارع، أو حين يرى فى طريقه شجارا تؤدب فيه مجموعة من المواطنين مواطنا آخر تسبب لهم فى مشكلة، وبعد تلك الرحلة اليومية قد يعود إلى منزله فيجد جار سوء انتهك حقه فى الخصوصية أو السكن أو الأمان بمخالفة فى البناء.
كلها أسباب وجيهة لفقدان ابتسامة الصباح، أما الأهم من ذلك فهو أن البطل فى كل تلك المواقف وغيرها هو الجسد، مدى حريته فى الحركة، أو ما يتعرض له من انتهاك، وهو ما يمثل انعكاسا لحالة مؤسسات الدولة ومدى فاعليتها بشكل عام. كتاب «المراقبة والمعاقبة» للمفكر الفرنسى ميشيل فوكو يطرح فرضية تقول إن العقوبات البدنية مثل التعذيب أو الحرق كانت ابنة العصور الوسطى، وأن العصر الحديث قد صنع شكلا جديدا للعقوبات يعتمد على التحكم فى جسد المذنب، إما من خلال السجن أو الأشغال العامة. وطوال السنوات الماضية كانت بعض مؤسسات الدولة تخرج عن هذا الإطار، إذ تكررت الاتهامات لمؤسسة مثل وزارة الداخلية أنها مازالت تمارس الطريقة القديمة نفسها فى التعامل مع المواطنين بالتعذيب والانتهاك الجسدى، لماذا؟ لا إجابة عن السؤال سوى أن هناك مؤسسات فى الدولة لم تدرك بعد أنها مؤسسة حديثة، وليست إقطاعيا أو سيدا على قرية يجلد من يخالفه.
ومؤخرا تكررت حوادث فى أعقاب الضعف الأمنى الذى ساد فى أثناء الفترة الانتقالية الماضية بعد الثورة، كأن نجد عقوبات بدنية متعسفة ضد بلطجية، يخرج فيها أهالى القرية ليمارسوا الحرق والتعذيب والتمثيل بجثث هؤلاء البلطجية، وكأن لسان حال هؤلاء الأهالى يقول: إن كان الأمن قد لجأ فى فترة سابقة إلى العقوبة البدنية داخل مقراته، فنحن قادرون على المهمة نفسها، وفى العلن. وهنا يشرح ميشيل فوكو من خلال الكتاب السابق أسباب ممارسة انتهاك الجسد فى التعذيب، مختصرا ذلك فى عبارة واحدة: «التعذيب لا يعيد العدالة إلى نصابها، بل يقوى السلطة». وهنا يصبح الخيار إما مؤسسة حديثة وعقوبات عادلة على الجميع، أو عقوبات بدنية قديمة على رأسها التعذيب والحرق، ووقتها لن تستطيع المؤسسات الأمنية أن تنافس قدرات الأهالى فى تطبيق العقوبات البدنية.
هذا المواطن البائس الذى يفتقد ابتسامة الصباح، أحيانا ما يضطر إلى المرور بإشغالات على الطريق تنتهك حقه فى السير بحــُرية، وفى هذه الجزئية تحديدا تتضح أكثر العلاقة بين المساحة المتاحة لأجساد المواطنين داخل المدينة، ومدى اتساعها أو تقلصها، بحالة مؤسسات الدولة ورؤيتها للمواطنين وحقوقهم فى الحركة والعمل.
فى فترة ما قبل الثورة كانت حملات رجال (البلدية) خلف الباعة الجائلين أشبه بإجراءات «رمزية» تفرض هيبة مؤسسات الدولة، حين يفر الباعة ببدنهم لساعات قليلة ثم يعودون كما كانوا قبلها تماما، أما (الحكومة) فتحمل غنائمها وأسلاب تلك المعركة الوهمية... والواقع الآن بعد ضعف الأداء الحكومى، أثناء الفترة الانتقالية الماضية، كان قرارا واضحا أعلنه الباعة عمليا، بعد أن غزوا مساحات واسعة من الشوارع فى مصر، رافعين شعار: نريد استباحة دائمة للشارع، وليست استباحة مؤقتة. هذا هو الصراع الدائر الآن، ولا تختلف الأوضاع كثيرا فى حالة البناء المخالف الذى يقدره مسئولون حكوميون بمئات الآلاف من المخالفات. قبل الثورة كان ذلك الحضور الرمزى لأجهزة الدولة يخفى حالة من التراخى والفساد الإدارى أوجدت مدنا كاملة قامت على المخالفة للقانون واستباحة أراضى الدولة والأراضى الخاصة. وهنا يتجلى نفس المنطق مرة أخرى من وجهة نظر المخالفين الذين لم يعودوا يطيقون ذلك الحضور الرمزى لمؤسسات الدولة، فيتكرر الموقف، باحثين عن استباحة دائمة وتقنين للأوضاع بدلا من التعامل القديم مع جهاز إدارى هش، والبذل من أجل موظف مرتش يصمت بالمال أو متخاذل لا يتحرك من مكتبه.
تلك الحالة من السعى لفرض قواعد الاستباحة، لم تعد تتجلى فقط فى الخروج على فكرة المؤسسة واستخدام أساليب قديمة مثل: التعذيب والعنف الجسدى، أو البيع والشراء فى الشارع والتضييق على حركة المواطنين فى الطريق العام، بل هو نمط تفكير امتد لأن يستبيح فى مرة أجساد الفتيات، وفى مرة مبنى حكومى وفى مرة ثالثة سفارة دولة أجنبية.

Sunday, September 23, 2012

الصراع على الأرض .. حقنا في المدينة

الدويقة ترفع شعار : احذروا غضب مــن ضاع حقه

عبدالرحمن مصطفى:
الأجواء هادئة داخل مكتب التسكين الرئيسى فى مدينة النهضة، مواطن يدفع المبلغ الشهرى لمحافظة القاهرة، وموظفون محاطون بالملفات والدفاتر، «اذهب إلى مكتب تسكين 3، هو الذى كان يتعامل مع متضررى المناطق المهددة بالإنهيار..» العبارة لأحد الموظفين، أما فى مكتب تسكين 3 على بعد 200 متر تقريبا، يشير على سيد ـ مدير المكتب ـ إلى ملفات على أرفف مجاورة قائلا: «هناك قائمة انتظار طويلة، لكننا لم نعد نقوم بتسكين مناطق الدويقة أو غيرها هنا فى النهضة». لم يكن الحال كذلك قبل عامين، بل كانت قوافل السكان تأتى فى حماية الأمن المركزى بعد الإخلاء حتى يستلموا شققهم هنا فى النهضة، وفى منطقة مجاورة لمكتب التسكين تقع مساكن معروفة باسم «المحتلة» أقام فيها مجموعة من المواطنين بعيدا عن المحافظة، طامحين فى تقنين أوضاعهم. يعلق مدير التسكين بمدينة النهضة قائلا: «لو أخرجتهم السلطات من تلك المساكن المحتلة، ربما يكون هناك فرصة لأصحاب قوائم الانتظار».
تبعد المسافة بين مدينة النهضة ومنطقة الشهبة قرب مساكن الحرفيين فى الدويقة حوالى 20 كم، وعلى مشارف الدويقة، تنتقل العربات المتهالكة من طريق الأتوستراد حتى نهاية مساكن الحرفيين بسرعة بطيئة، وفى أعلى تبة جبلية تقع الشهبة، وهى مصنفة لدى الدولة على أنها ضمن المناطق غير الآمنة وتنتظر الإزالة بأكملها.
تبدأ رحلة الوصول إلى منزل الحاج أبومصطفى بطريق صاعد إلى التبة ثم المرور فى ممرات تتسع لفرد واحد، أقرب إلى سلالم حجرية صنعها السكان، وفى حجرة ضيقة هى منزله الذى لا تصله المياه، يُخرج من جيبه قرار نيابة منشأة ناصر المحرر فى نوفمبر الماضى بشأن شكوى تقدم بها أهالى «الشهبة»، وينص القرار على: «تكليف رئيس الحى باستكمال الإجراءات اللازمة، والحصر المطلوب للسكان وتحديد إذا ما كانت المنطقة تمثل تهديدا للأرواح». على جدار الغرفة رقم مدون بالطباشير وضعه مسئول حصر السكان قبل مدة طويلة، «أخذوا أوراقنا وبياناتنا ولم نحصل على شقق، وليس هناك وعود حقيقية بأى شىء..». طوال الوقت يكرر الجالسون حول أبومصطفى عبارات تحمل الغضب والاستياء: «محدش حاسس بينا»، «فى ست أسر فى بيت واحد.. يرضى ربنا ده ؟!»، «إحنا لو معانا فلوس نقعد هنا ليه؟ المستفيد الوحيد هنا البلطجية!». يتدخل حنفى محمود أكثرهم صخبا وحماسا كى يوضح: «هناك فساد تسبب فى ضياع حقوقنا». يعمل حنفى بشكل متقطع فى مجال العمارة، وتوافرت له مؤخرا فرصة التواصل مع لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى لنقل معاناة أبناء تلك المنطقة، من نماذج المعاناة التى يستعرضها أن تقوم السلطات بإخلاء إحدى العشش أو البيوت المتهالكة، وتقوم بالهدم دون تعويض. ويروى قصة أخته التى تعرض بيتها المتواضع إلى تشققات بسبب تنقيب عشوائى عن آثار من قبل أحد سكان المناطق المجاورة. جاء فى دراسة بعنوان «الحماية الجنائية للحيازة» للدكتور عماد الفقى ـ المحاضر فى القانون الجنائى ـ بعض التوصيات بشأن تغليظ العقوبات المقررة لجرائم الاعتداء على الحيازة، سواء كانت الاعتداءات من الأفراد العاديين أو الموظفين العموميين، وهو هنا يجرم أيضا عملية الإخلاء القسرى على يد الأمن التى تتم فى أغلب المناطق العشوائية، وصدرت تلك الدراسة عن مركز «شفافية» للدراسات المجتمعية والتدريب الإنمائى، الذى يتابع حالة سكان الشهبة. يعلق حسين متولى، مدير المركز: «فى البداية علينا أن نشير إلى مخطط القاهرة 2050، الذى يقوم على رؤية تعتمد على الاستثمارات المستقبلية، فى المناطق العشوائية مثل مناطق ماسبيرو ورملة بولاق، وفى هذه المواقف يتحول المواطن إلى جزء من خطة لا دور له فيها، خاصة فى حالة الإخلاء، ولدينا نموذج أرض حكر أبودومة فى روض الفرج التى أزيلت للمنفعة العامة، وحتى الآن لم ننتفع كمواطنين بهذه المنطقة، إنه منطق السلطة فى التعامل مع الأهالى».
السير بحذر بين الدروب الصاعدة فى منطقة الشهبة، تكشف عن بيوت وعشش أقرب إلى مكعبات حجرية، ضربت التشققات بعض جدرانها، والجميع هنا يدبر أمره فى توفير الكهرباء أو المياه أيا كانت الوسيلة. يشير حنفى محمود من أعلى التبة الجبلية إلى مساكن سوزان مبارك بالأسفل، ويعلق حسام على الشاب الثلاثينى قائلا: «طوال السنوات الماضية كانت أمامنا هذه المساكن، ولم نفكر فى احتلالها مع من خاضوا هذه التجربة بعد الثورة، لكن أن نكتشف أنه قد سكنها من ليس لهم حق، ونحن هنا نطل عليها دون أن نسكن.. هذا ظلم». يشكك عدد من السكان فى إجراءات التسكين التى تجريها المحافظة، وفى وجود فساد حكومى يسمح لغير المستحقين أن يسجلوا أسماءهم محل سكان الشهبة، ويضربون الأمثال بحالات أخلت السلطات منازلهم، وتركتهم فى العراء، ووصل غيرهم إلى المساكن المجاورة بواسطة الحكومة.
تمثل المناطق غير الآمنة للسكن حوالى 25% من المناطق العشوائية فى القاهرة، ورغم هذه النسبة إلا أن المسئولين يصرون على ردهم المعتاد بعد كل شكوى: «ليس هناك مساكن متوافرة !».
العالم فى الشهبة صغير ومحدود، فى مناطق مجاورة هناك من هم أيسر حالا من سكان هذه التبة، وإن كانوا فى بيوت شبيهة، وفى عالم صغير كهذا تتلاقى الوجوه فى مقاهى مساكن الحرفيين المجاورة، بين العاملين فى الحى والسكان، وبين المستضعف والبلطجى، وتظل النار تحت الرماد. «لو قامت ثورة تانية، هنبقى إحنا اللى وراها، عشان ناخد حقنا من البلد». يلقى حنفى محمود عبارته، وفى الخلفية من بعيد أبراج على بعد كيلومترات لأحياء أرقى وأوفر حظا. قد تتعرض هذه المنطقة إلى انهيارات فى أى وقت وقد تتعرض بعض المساكن المتشققة إلى انهيارات قد تردم أسفلها حضانة للأطفال ومساكن أخرى، ويحتمى بعض السكان هنا بالحكومة كدرع لوجوده فى المنطقة... يقول حنفى محمود: «عرضوا علىّ أكثر من مرة أن أحصل على سكن فى أكتوبر، أو أى مكان آخر، لكن رفضت أن أترك أهلى وأهرب وحدى». المصير المحتوم هنا إما انهيار صخرى نتيجة بناء جديد أو تنقيب عشوائى، أو الانتقال إلى سكن آخر لا يعلم محله أحد حتى الآن.

***
«العشوائيات ليسـت عنوانـا واحـدًا لمشاكلنا»
  • 3 أسئلة إلى الدكتورة رباب الحسينى، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية حول المناطق العشوائية وطرق التعامل معها 
•إلى أى مدى يتسبب التجاور بين العشوائيات  والمناطق الأوفر حظا فى مشاكل مجتمعية وأمنية؟
 هؤلاء القاطنون فى المناطق العشوائية حاولوا حل مشكلاتهم فى السكن بطريقتهم الخاصة بعد عجز الدولة عن توفير حلولا لهم ولأسباب أخرى متعلقة بهجرة بعضهم من الريف إلى الحضر، ومن المؤكد أن هناك سؤالا يدور فى أذهانهم هو «لماذا لا أحصل على حقى مثل بقية المناطق الأفضل حالا؟»، هذا السؤال لم تترجم اجابته إلى اعتداءات من مناطق عشوائية على مناطق راقية، وذلك حسب ما تؤكده الدراسات فى السنوات الماضية، وتفسير هذا الأمر هو أن سكان المناطق العشوائية فى موقف ضعيف أمام الدولة والمجتمع، بسبب مخالفتهم القوانين فى البناء والسكن. الأمر الآخر هو أن الدراسات تكشف عن أن شريحة كبيرة من أبناء هذه المناطق هم من أبناء الطبقة الوسطى، فليس كل سكان العشوائيات فى حالة متردية اقتصاديا، ما يجعلهم غير مضطرين إلى التعدى على المناطق الراقية، لكن تبقى الخطورة فى ضعف الحالة الأمنية الحالية، وانتشار السلاح مع المواطنين دون ترخيص، وهو يجعلنا نخشى أن نرى تلك المحاولات فى المستقبل.
 • ما الضوابط المفيد فى عمليات نقل السكان فى حالات المساكن المهددة بالانهيار والعشوائية؟
 فكرة نقل السكان فى حد ذاتها ليست الحل الوحيد لأزمة العشوائيات، لأن ما يحدد هذا الأمر هو الدراسات الهندسية والعمرانية لتلك المناطق، والفيصل هنا هو سلامة السكان، كأن تتوافر ـ على سبيل المثال ـ مساحات تسمح بمرور عربات الإطفاء والأمن فى حالات الطوارئ. ويبقى أمر آخر لا يقل أهمية وهو وجوب استطلاع آراء السكان ومدى ارتباط محل سكنهم بمعيشتهم واقتصادهم، وهل بالإمكان تقنين أوضاعهم أم الأفضل إعادة توطينهم فى مناطقهم داخل مساكن أكثر تطورا.. تلك الأمور كلها يجب أن تخضع للدراسة أولا.
 • هل تبتعد خطط الدولة أحيانا عن واقع سكان المناطق العشوائية وطموحاتهم المستقبلية؟
 للأسف إحدى أكبر الأزمات التى تعانى منها هذه المناطق هو تعامل الدولة معها لفترة طويلة بمنطق أمنى، وقد بدأ هذا التوجه بعد مقتل الرئيس الراحل أنور السادات واكتشاف بؤر إرهابية فى مناطق ذات طابع عشوائى. الأمر الآخر الذى يعانى منه سكان هذه المناطق هو وصمها بأنها أوكار للجريمة، ما يجعلها عرضة للتعسف الحكومى، علما بأن الدراسات الجنائية تكشف عن واقع آخر، فعلى سبيل المثال هناك تواجد لتجارة المخدرات فى مناطق أوفر حظا ولا يتم وصمها مثلما هو الحال مع العشوائيات. ما أراه هنا هو أن الدور الحكومى ضعيف بشكل عام، وليس ذلك عن نقص فى الاموال أو القدرة على توفير بدائل، فهناك جهاز متخصص مثل صندوق تطوير العشوائيات أنشئ خصيصا للتعامل مع هذه القضية، لكن ما هى إنجازاته حتى الآن؟ الأزمة هنا فى الإدارة والإرادة معا.
***
       الخصوص وأبوحشيش: الاسم عشوائيات والقصة مختلفة
  • حكاية قرية زراعية تحولت إلى مدينة غير مخططة..وسيرة عزبة فى قلب العاصمة
  تبعد المسافة بين مدينة «الخصوص» شمال شرق القاهرة وعزبة أبوحشيش فى وسط العاصمة حوالى 11 كم، وكلاهما مصنف ضمن المناطق ذات التخطيط العشوائى، لكن ما يعيشه محمد شحاتة المحاسب الشاب فى مدينة الخصوص مختلف تماما عما يعيشه الشيخ محمد سيد أحد قدامى سكان عزبة أبوحشيش.
 قبل أكثر من 15 سنة كان بإمكان المحاسب الشاب محمد شحاتة أن يرى من شرفة منزله فى قرية «الخصوص» القديمة مساحات واسعة من المزارع الخضراء تنتهى بعيدا، قرب ترعة الإسماعيلية على بعد مئات الأمتار. هذا الواقع تغير اليوم إلى مساحات مزروعة بمبان سكنية تتراوح ارتفاعاتها بين 6 إلى 12 طابق، «يمكن للساكن فى شقته أن يسمع تفاصيل حياة جاره فى العمارة المقابلة بسبب ضيق الشوارع، عمارات سكنية مقبولة المظهر، لكنها بنيت فى فوضى وعلى غفلة أحيانا من الدولة أو بتواطؤ من موظفيها فى أحيان أخرى»، يصف محمد شحاتة الذى يعمل فى مجلس مدينة الخصوص ذلك المشهد أثناء عبوره إلى منزله فى شارع البنزينة (داير الناحية سابقا) حيث مازالت هناك بعض ملامح القرية البائدة فى بعض المساكن القديمة. ذلك التطور النهائى لمدينة الخصوص يشبه قصة أكثر من 70% من العشوائيات فى مصر المقامة على أراض زراعية، حسب أرقام المركز الوطنى لتخطيط استخدامات أراضى الدولة. أما فى عزبة أبوحشيش بحى حدائق القبة فالواقع يحمل تطورا آخر أكثر اختلافا، حيث يلاحظ المارة هناك أزمة فى المرور من أمام مدخل العزبة الرئيسى ناحية شارع بورسعيد فى غمرة بسبب تضخم تجارة الروبابيكيا والخردة على أطرافها، وأغلب العاملين فيها من المهاجرين حديثا خاصة من محافظة الفيوم، وهو ما يصيب شخصا مثل الشيخ محمد، الذى عاش فى العزبة منذ ميلاده قبل 57 سنة، بحالة من الغضب. «كان أهلنا فى الماضى من سكان العزبة يعملون فى المصانع المجاورة التى أغلق معظمها الآن، ومنذ سنوات طويلة هناك حديث لا ينتهى عن إزالة المنطقة، لكن لم يحدث شيئا».
 قد تتشابه بعض المشكلات بين منطقة قديمة مثل أبوحشيش ومنطقة أخرى مثل الخصوص فى مشهد برك المجارى والتكدس السكانى، لكن الصورة لا تتطابق أبدا، إذ تظل الأحداث أكثر كثافة فى أبوحشيش لصغر مساحتها (حوالى 20 فدان) فى مقابل (1200 فدان) هى مساحة الخصوص منها (1000 فدان) من البناء العشوائى، وبينما ظلت أبوحشيش منسية من محاولات التغيير الجذرى، تضخمت الخصوص حتى تحولت من قرية إلى مدينة فى العام 2006. «تنتمى جذور عائلتى إلى العتامنة فى مركز طما بمحافظة سوهاج، وهذه الناحية من عزبة أبوحشيش كانت معروفة بهم، وفى مدينة الخصوص هناك مساحات أيضا قطنها العتامنة أبناء عمومتى حين بدأ العمران هناك». تلك المفارقة يذكرها الشيخ محمد صاحب الحضور فى عزبة أبوحشيش حين يطرح اسم مدينة الخصوص أمامه كبديل سكنى، كثير من سكان عزبة أبوحشيش الذين يقدرون بـ120ألف نسمة ـ حسب آخر إحصاء حكومى ـ ليس لديهم القدرة المالية للانتفال إلى شقة أخرى فى مناطق من نوعية الخصوص أو غيرها، إذ تتكرر عبارات على ألسنة الشباب الجالس فى المنطقة مثل: «إن كان هناك من يستطيع مساندة المنطقة فى تطويرها أو دعم سكانها فعليه ألا يتأخر». تقع عزبة أبوحشيش على خطة الدولة فى مشروع القاهرة 2050 ومصنفة ضمن المناطق غير الآمنة، وقبل سنوات أجرى حصر للسكان، وكانت هناك وعود بأن يتم تطوير المنطقة وتسليم شقق جديدة للمتضررين أو تعويض مالى. «قمنا بمبادرة أن نقيم أكشاكا وسوقا بديلا ناحية السكة الحديد لتجار البيكيا والخردة، لكن لم يتجاوب معنا أحد من الحكومة، ولم يتحمس كثير من السكان». الجملة للشيخ محمد الذى وصل إلى قناعة مفادها أن المنطقة بأسرها فى حاجة إلى قرار حكومى واضح، يشرح ذلك: «قد لا يتفق أغلب المالكين هنا فى العزبة مع وجهة نظرى فى التعاون مع أى محاولة تطوير أو إزالة، لأنهم يريدون الاستفادة من مساكنهم وإعادة بناءها، أما حل الإزالة والنقل هو الأنسب للمستأجرين أو السكان الأكثر بؤسا.. أنا عن نفسى ورغم أننى مالك سأحشد للقرار الصائب للعزبة حتى إن كان فيه قرار بإزالة منزلى القديم.. المهم الصالح العام». يتم هذا الحديث الآن فى خلفية واقع جديد فى عزبة أبوحشيش بعد الثورة، وهو ازدياد موجة بناء العمارات الجديدة بعد هدم المساكن القديمة المتهالكة. ورغم ضعف هذه الموجة لكنها قد تعيق أى تطوير مستقبلى، إذ بنيت عمارات يتجاوز بعضها العشرة طوابق، كذلك فإن بعض رجال الحزب الوطنى السابق كانوا يتعاملون مع المنطقة على أنها كتلة تصويتية يمكن الضغط عليها فى المواسم الانتخابية، لذا تم تكريس الوضع على ما هو عليه.
هذا الواقع مختلف تماما عن منطقة مثل الخصوص، فمشاكلها أضخم وفى حاجة إلى تطوير يتناسب مع عدد سكانها الذى تجاوز المليون مواطن. يصف الوضع محمد شحاتة، الذى كان ممثلا لحملة أبوالفتوح فى الخصوص قبل أشهر، قائلا: «حركة بيع وتقسيم الأراضى أوجدت مجالا جديدا للعمل، وكذلك اعتمدت على حالة الفساد فى الفترة الماضية، وبعد الثورة أصبح هناك نوعا من التمادى فى تعلية الطوابق السكنية.. الجميع يتعامل بسياسة الأمر الواقع، وهو أمر مخيف إذا ما أردنا إزالة مخالفة أو تطوير للمنطقة».
موقف الوافدين حديثا على المنطقتين سواء عزبة أبوحشيش أو القرية العملاقة «الخصوص» هو ضعف المشاركة المجتمعية. فى أبوحشيش يعمل أغلبهم فى تجارة الخردة، تاركين المسؤولية الاجتماعية لأهالى العزبة الأصليين، وفى الخصوص رغم اتساع مساحات السكن، إلا أن الأجواء العائلية ما زالت ذات حضور هناك. ورغم ما تعانى منه الخصوص من وصم بسبب أزمة التعامل مع القمامة والصرف الصحى ومشكلة المياه، لكنها لم تتعرض للوصم الذى تعرضت له عزبة أبوحشيش فى حملات إعلامية تناولت العشوائيات من موقف يعتبر سكان عزبة أبوحشيش بؤرة إجرامية. هناك قد تجد شابا مصابا بقنبلة «المونة» فى يده أثناء شجار، أو آخر مصاب بخرطوش عرضا بسبب نزاعات بين التجار ناحية الشارع الرئيسى، ويدافع أحد الشباب عن ذلك قائلا: «أى منطقة شعبية كده.. احنا ماختلفناش كتير». يعلق الشيخ محمد موضحا: «تجار المخدرات هنا معروفين لدى الأمن، وليسوا شريحة واسعة كما يدعى الإعلام، اسم المنطقة ليس له صلة بالمخدرات، لكن اسم إحدى العائلات القديمة هنا.. كل ما نطلبه هو أن تنصت الحكومة لمبادراتنا، فنحن أدرى بشئون عزبتنا».
 PDF

Thursday, September 13, 2012

هنا القاهرة.. سوريون من أجل الثورة

 
ناشطة، ورجل أعمال، وفنانة، لم تجمعهم المهنة، وجمعتهم هوية واحدة: الجنسية السورية، ومقر واحد: القاهرة. «لم أكن أتصور أن تتبدل حياتى بهذا الشكل، ولا أن يزداد فخرى بأنى سورية هكذا بعد بدء الثورة فى بلادى». توضح سلمى جزايرلى الناشطة المقيمة فى القاهرة قبل 12 سنة أنها لم تكن جزءا من الجالية السورية طوال هذه السنوات وتحولت إلى أخت كبرى لكثيرين بعد بدء الربيع العربى. «اليوم أعمل فى عدة مجالات متعددة دعما للقضية، بعد أن كنت مكتفية بالعمل فى هندسة الديكور فقط..». تعطى أمثلة على ذلك، منها خدمة اللاجئين الوافدين على مصر وتوفير محل إقامة لمن ليس له قدرة على ذلك، إضافة إلى التواصل مع ناشطين سوريين فى عواصم عربية أخرى بهدف التنسيق، بعض تلك الأنشطة تتعلق بمتابعة نساء اغتصبوا وتعرضوا للعنف على يد النظام السورى، ومن خلال تواجدها فى القاهرة أصبحت أكثر اهتماما بالتواصل الكثيف مع الناشطين الداعمين من رجال أعمال لتوفير إعاشة مناسبة للمتضررين. فجأة تجد نفسها فى قلب المعمعة، حين تركض ناحية الرئيس المصرى الدكتور محمد مرسى قبيل كلمته فى جامعة الدول العربية مؤخرا، وتشير له من بعيد طلبا للدعم، هذه الروح كانت مخفية طوال سنوات عمرها بحكم انتمائها إلى أسرة مغضوب عليها من النظام السورى، إذ اضطر والدها الضابط السابق أن يبتعد عن البلاد لعقود فى دولة الكويت، ولم يكن هناك أى مجال للممارسة المعارضة، بسبب القبضة الأمنية العتيدة لهذا النظام.
فى كتاب «ملفات المعارضة السورية، مكتبة مدبولى، 1994» يوجز الكاتب تمام البرازى الحالة العامة للمعارضة السورية بعد وصول الرئيس السابق حافظ الأسد إلى السلطة فى عام 1970، إذ لم تكن المعارضة السورية واحدة فى رأيه، بل كانت «معارضات متباينة، وأحيانا مختلفة مع بعضها بعضا، وإن كانت تشترك بهدف واحد هو إسقاط النظام القائم وإقامة نظام بديل». أما النقطة الأهم التى يتعرض لها أيضا فهى أن بعض من هاجروا من المعارضين لنظام الأسد، «دفعوا ثمنا غاليا لتعلقهم بالمبادئ والحرية، هو حياتهم..». هذه الحالة هى التى دفعت كثيرين من رموز المجتمع السورى حاليا فى الداخل أن يصمتوا حتى حين، أو أن يلحقوا بقطار المعارضة متأخرين على عكس من اتخذوا تلك المغامرة مبكرا، ومنهم فنانون لم تشغلهم حسابات المستقبل كثيرا. «أنا شخصية متطرفة فى دعم الثورة، ليس لدى استعداد أن أتعامل مع فنان أو رجل أعمال لم يعلن دعمه للثورة السورية.. فالواقع تحول إلى قتل ودماء، ولم يعد هناك مجال للصمت».
تعلن الممثلة السورية الشابة لويز عبدالكريم موقفها بوضوح غير نادمة على اختياراتها، بل تزيد على ذلك: «أسعى بكل وسيلة ممكنة للوصول إلى الإعلام.. فهو نجدتنا الآن!». توضح عبارتها شارحة أن هناك حالة من الضبابية لدى الكثيرين حول الثورة السورية، تكمل: «بعض المثقفين المصريين يقارن بين الـ18 يوما الأولى من الثورة المصرية، وما يحدث الآن فى سوريا، وهذه مشكلة سببها أن صوتنا لا يصل إلى الجميع، وبالتالى تغيب الصورة الصحيحة عن الواقع السورى..». حسب حديثها، ليس لديها من وسائل الدعم سوى الحشد الاعلامى، إلى جانب الاستمرار فيما كانت تنشط فيه من مجموعات ثورية على الانترنت، وعلى رأسها (أمارجى ــ حملة الدولة المدنية السلمية) التى بثت ضمنها فيديوهات تضامنية على الإنترنت، ومرة تتصدر لويز عرضا مسرحيا «مونودرامى» تمثل فيه وحدها تحت عنوان: المندسة، أقامته فى قطر وتنتظر عرضه فى مصر الشهر المقبل. «المسئوليات أكبر منى ومن إمكانياتى، أنا ممثلة من الصف الثانى، لست مغنية فأقيم حفلا غنائيا لدعم القضية، ولست فى شهرة النجوم الذين ما زالوا صامتين عن دعم القضية، فى النهاية كل مبادراتى لها حدود». وفدت لويز عبدالكريم إلى القاهرة قبل 8 أشهر فقط، إلا أنها تتفق مع الناشطة سلمى جزايرلى فى أن أجواء الثورة المصرية وما تبعها من مسيرات وفاعليات أكسبتها روحا ثورية جديدة، كما اتفقتا على أن حضورهما فى الإعلام على رأس أولوياتهما إذا ما توافرت الفرصة من أجل دعم القضية، وذلك لهدف لا يخفيانه هو «إظهار الوجه المدنى للثورة»، ونفى ما يروجه النظام السورى عن الثورة من أنها انشقاقات لمتطرفين دينيين.
وسط الشرائح المتباينة من المجتمع السورى تبقى شريحة يراهن عليها كثيرون وهى الطبقة التجارية السورية العريقة، ودورها وسط الجالية السورية فى القاهرة. «هناك رجال أعمال اندمجوا فى النظام واستفادوا من فساده، هؤلاء هم من يدافعون عنه باستماتة، ويدعمون الشبيحة (البلطجية) ضد أى احتجاج، أما الباقون وهم الأكثرية فمنهم من يخشى الصدام مع نظام غاشم». يصف باسل كويفى رجال الأعمال السورى أوضاع الطبقة التجارية السورية، ورغم إقامته فى مصر قبل 10 سنوات، إلا أن دوره أصبح أكثر بروزا فى دعم اللاجئين السوريين بمصر، كغيره من رجال الأعمال المقيمين هنا فى مصر. وقبل أشهر خرج آلاف المتظاهرين فى عدة مناطق سورية تحت اسم «جمعة تجار وثوار يدا بيد حتى الانتصار» وذلك فى محاولة لحث الطبقة التجارية ورجال الاعمال فى سوريا على الانضمام للانتفاضة ضد النظام، وما زال البعض يراهن على دور هذه الطبقة فى حسم الصراع.
فى دراسة صدرت مؤخرا عن المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، تحت عنوان «أعيان الشام واستعصاء العلمانية فى سورية»، يشرح الباحث صقر أبوفخر ذلك العقم الذى أصاب ثلاث شرائح مهمة فى المجتمع السورى منذ بدايات القرن الماضى، وهم ملاك الأراضى الزراعية، ورجال الدين، والتجار، لذا كانت مهمة حزب البعث الحاكم فى سوريا هى السيطرة على شرائح المجتمع من خلال المؤسسة التى جاءت به إلى السلطة، وهى المؤسسة العسكرية. هذه الملامح تفسر المشهد الحالى لدبابات ومدفعية تواجه الثوار فى سوريا. كان المهندس باسل كويفى فى منصب أمين سر الغرفة التجارية السابق بريف دمشق، لكنه يرفض أن يعتبره البعض جزءا من النظام، إذ لا يخلو الأمر فى أوساط الناشطين السياسيين والمعارضين من اتهامات متبادلة فى بعض الأحيان يصفها قائلا: «الغرفة التجارية ليست جزءا من الحكومة، وقد تعرضت للتهديد أنا وعائلتى فى سوريا كأغلب من يبرز فى المشهد المعارض خارج الوطن.. مشكلة المعارضة الآن أن البعض يوجه اتهامات للطرف الآخر دون تقدير اللحظة الحالية، ورغم ذلك فإن الأزمة توحدنا فى النهاية». يرى باسل كويفى بحكم كونه رجل أعمال أن أهم طريق للمساندة الآن هو توفير المعيشة لشريحة من اللاجئين السوريين الذين لا يستطيعون مواجهة الحياة هنا، وقد نجح فى هذا الدعم بمساندة جمعيات خيرية ورجال أعمال من مصر. وفى جانب آخر يتحدث كعضو فى المجلس الوطنى السورى، قائلا: «كنا قبل الثورة السورية نخطط كمعارضة فى الخارج لتصورات من أجل نشر الديمقراطية فى الوطن، إلا أن الصحوة التى دبت فى البلدان العربية غيرت خططنا تماما».

Tuesday, August 21, 2012

الإعلانات ترحل.. وتبقى الأجساد محاصرة بالمرض


«أمنية حياتى أن تتاح لى فرصة التحدث عبر الاعلام لساعات، عن تجربتى مع ابنى المصاب بالروماتويد، فالكثيرون لا يعلمون شيئا عن هذا المرض ولا عن كم المعاناة التى يتعرض لها المريض وأهله». تتحدث وردة يوسف عن تجربتها مع ابنها مصطفى فى القاعة الرئيسية لجمعية «رسالة نور على نور»، برفقتها مجموعة من مرضى الروماتويد جاءوا للحصول على علاجهم الدورى، تجلس وردة جوار محمود عامر القادم من محافظة الفيوم، وقد ظهر كلاهما فى إعلانين ضد مرض الروماتويد المفصلى ظلا يعرضان منذ شهر رمضان. فى الإعلان الأول من الحملة الدعائية التى انفردت بها قناة فضائية واحدة، قام المعلنون بتشبيه مريض الروماتويد بالطفل المدفون فى تابوت وهو ما زال على قيد الحياة، وبعد انتقادات شديدة لقسوة المشهد، ظهر الإعلان التالى الذى تصدره محمود عامر قائلا: «الناس زعلانة إنهم جابوا إعلان لطفل فى تابوت مدفون بالحياة.. إحنا فعلا مدفونين بالحياة، وما حدش بيسأل فينا». لا يجد محمود طريقة أخرى للتعبير عن أزمته، قائلا إنه كان مقتنعا بالظهور على الشاشة، فى الوقت الذى رفضت فيه سيدة أخرى جاءت لعلاج ابنها التصوير.
تبعد المسافة بين القاهرة ومقر الجمعية فى قرية شبرامنت نحو 15 كم، بينما يفد مرضى الروماتويد الذين ترعاهم الجمعية ــ نحو 25 فردا فقط ــ من محافظات شتى، فى حين تقدر الأرقام مرضى الروماتويد بـ800 ألف حالة، تحمل شريحة منهم مضاعفات خطيرة بسبب الإهمال وسوء التشخيص، ما يجعلهم فى حاجة إلى علاج باهظ الثمن قد تصل تكلفته إلى 8000 جنيه شهريا، وجميع من يتوافدون على الجمعية من هذه الشريحة التى تفاقم معها المرض.
وبعد تلك الانتقادات التى لاحقت الجملة الإعلانية، أعلنت الجمعية عن موقفها عبر شبكة فيس بوك الاجتماعية وذكرت: «قمنا بعمل الإعلان الذى أذى مشاعركم.. وتتبادلون النقد غير البناء، وتتبارون فى الهجوم على من حملوا على عاتقهم مساعدة هؤلاء الأحياء الأموات، فى الوقت الذى رفضت فيه الدولة علاجهم». فى القاعة الرئيسية بالجمعية يجلس حاتم فراج نائب رئيس مجلس الإدارة ليدير أعمالا أخرى تقوم بها الجمعية، ويعلق قائلا: «من ينتقدوننا هم بعيدون عن تفاصيل القصة، ولم يكن لدينا أسلوب آخر، نحن نتسول من أجل هؤلاء المرضى.. من يريد المساعدة فليتبرع !!».
كانت الإنترنت من أكبر الساحات التى شهدت انتقادات لإعلانات التبرعات الخيرية، إذ لم يقتصر الأمر على الحملة الإعلانية عن مرض الروماتويد، بل امتدت لإعلانات أخرى مثل إعلان مؤسسة مجدى يعقوب لأمراض القلب الذى تصدرته الطفلة «صهيبة فاروق» المصابة بثقب فى القلب، صاحبة العبارة الأشهر وسط إعلانات رمضان الخيرية «أنا نفسى أعيش».
قبل أسابيع دونت رشا عبدالله ــ أستاذة الإعلام بالجامعة الأمريكية فى القاهرة ــ رأيها على موقع تويتر للتدوين القصير، قائلة إن «إعلانات الشحاتة» على الأمراض والمستشفيات تنتهك أبسط حقوق المرضى وخاصة الأطفال، وتشرح ذلك الآن بقولها: «هذه الإعلانات ليست أفضل وسيلة لدعم الأعمال الخيرية، بل أستطيع أن ألمس فيها حالة من امتهان كرامة الانسان، علينا أن نفكر فى نفسية طفلة مثل صهيبة حين تلاحقها هذه الصورة لسنوات قادمة وتختزنها فى ذاكرتها». لا تخفى الدكتورة رشا عبدالله انفعالها أثناء الحديث وتنتقل إلى بعض القواعد الأخلاقية فى فن الإعلان، مشددة على أن جميع المواثيق الدولية التى وقعت عليها الحكومة المصرية تحفظ كرامة المريض والطفل وتمنع استغلالهما. وحسب مصادر فى مؤسسة مجدى يعقوب للقلب فإن صهيبة فاروق مصابة بالفعل بثقب فى القلب، وكذلك أخوها، وأن ظروف ظهورها فى الإعلان قد جاءت برضا الأسرة وفى أجواء تصوير إعلانات الحملة فى المستشفى بأسوان. «لعل نجاح الإعلان هو ما زاد من حدة الانتقادات ضده، ويكفينا أن عبارة: أنا نفسى أعيش، قد جاءت من صهيبة بشكل عفوى، دون تدخل أحد أثناء تصوير الإعلان، والأهم من كل هذا هو خدمة القضية». يشرح وليد سرى ــ المسئول عن إبداع الأفكار فى شركة الدعاية التى أنتجت إعلان «صهيبة» ــ أن الشركة فى العادة لا تستخدم الأطفال داخل إعلاناتها إلا فى نطاق محدود، لكن فكرة الإعلان هى التى فرضت أن تظهر بهذا الشكل، ويضيف قائلا: «طالما لا يوجد امتهان لأحد، فما المشكلة؟! أدعو من يبدون الضجر والضيق بالإعلان أن يكونوا أكثر إيجابية ويتبرعوا لدعم هؤلاء الأطفال». فى هذا الموسم تجد بعض شركات الدعاية الفرصة أن تشارك فى أعمال الخير بجهدها الإعلانى. ورغم ما حققته عبارة «أنا نفسى أعيش» من رواج وصل بإحدى الحملات السياسية أن تتخذ مؤخرا عنوان «عايزين نعيش»، إلا أن ذلك لا يعد دليلا فى نظر الدكتورة رشا عبدالله ــ أستاذة الإعلام بالجامعة الأمريكية ــ على أن إعلان صهيبة قد كان على المسار الصحيح، وتدعم وجهة نظرها بأن تشير إلى أنه لا توجد دراسة علمية تعرض رغبات المرضى فى أن يظهر من يمثلهم عبر إعلانات بهذا الشكل، أما من الناحية العلمية فإن الأبحاث تشير إلى أن الاعلانات تفقد تأثيرها إذا ما اعتمدت بكثافة على فكرة الصدمة أو جذب التعاطف.
ما وراء الإعلانات
كل هذا الجدل حول استخدام المرضى والأطفال فى الإعلانات الخيرية يخفى وراءه خلفيات أخرى تكشفها عبارات مباشرة كالتى استخدمها نائب رئيس مجلس إدارة «رسالة نور على نور» مثل: «إحنا فيه مرحلة كنا بنشحت فيها عشان مرضى الروماتويد». وفى خلفية هذه الجملة الأخيرة تسلسل يعرضه عن كيفية انخراط الجمعية فى قضية مرض الروماتويد من الأساس، إذ بدأ الأمر بأن تم تحويل أول حالة إليهم، وبعدها لجأت حالات أخرى إليهم طلبا للدعم الطبى. وحين أصبح ذلك عبئا ماليا على الجمعية، اتجهت الإدارة إلى المؤسسات الكبرى التى تقتسم سوق الخير فى رمضان، إذ جرت العادة أن تلجأ بعض الجمعيات إلى تلك الجمعيات والمؤسسات الكبرى وتحول إليهم حالات مرضية أو حالات فى حاجة إلى دعم مالى، كما تتجه بعض الجمعيات إلى تلك المؤسسات الخيرية الكبرى للحصول على دعم مباشر لمشروعاتها. ما يرويه مشرفو جمعية «رسالة نور على نور» هو أنهم اتخذوا تلك الخطوات ولم ينجحوا فى الحصول على دعم من أحد، ولا حتى من وزارة الصحة، فى حين أن الحالات المسجلة لديهم قد يتكلف الفرد منها نحو 8000 جنيه، ما وضعهم فى أزمة، خاصة مع تأكيد عدد من أصحاب الحالات المتقدمة أن أزمة هذا المرض لا تنحصر فقط فى توفير العلاج، بل أيضا فى غياب الوعى لدى الطبيب والمواطن العادى على السواء، إذ تتشابه قصة محمود عامر أو الطفل مصطفى وغيرهما فى أنهما قد قضوا سنوات أسرى التشخيص الطبى الخاطئ حتى سيطر المرض على مفاصلهم، وأضعف قدرتهم على الحركة، بل وأفقد شابا مثل محمود فى السابعة والثلاثين عينه اليمنى، يصف محمود ذلك: «هذا الدواء هو الذى يجعلنى أتحرك وأغدو وأروح إلى المسجد، بدونه أتمدد أمام أبنائى دون حركة، ولا يستطيعون معى سبيلا سوى البكاء على حالى». من هنا لجأت «رسالة نور على نور» إلى الإعلان الصادم للفت الأنظار وسط سوق الخير الذى أصبحت تحتكره أسماء كبرى، وبحثا عن تبرعات لهذه الفئة المهمشة. وتأتى مؤسسة الدكتور مجدى يعقوب لأمراض القلب على رأس تلك المؤسسات التى نجحت فى جذب تبرعات كفيلة بالإنفاق الجيد على احتياجاتها، رغم أن حجم الحالات التى يستقبلها المستشفى لا يوازى ما يستقبله مكان حكومى آخر مثل معهد القلب القومى. وتلك الحالة نفسها تتشابه مع مثال آخر بين حالة النجومية التى نالتها مستشفى سرطان الأطفال 57357 فى المقارنة مع معهد الأورام الذى يعالج الشريحة الأكبر من المرضى فى مصر.
وفى مقر مؤسسة الدكتور مجدى يعقوب بمنطقة الزمالك فى القاهرة، تدار التبرعات والحملة الإعلانية التى بدأت قبل ثلاث سنوات. يعمل هناك خمسة عاملين فقط على رأسهم أنيسة حسونة ــ المدير التنفيذى للمؤسسة ــ التى تؤكد أن سمعة جراح القلب العالمى وأسلوب إدارته هما ما أعطيا مصداقية للمشروع، ولا يعود الأمر فقط لنجاح الحملة الإعلانية. وتكمل أنيسة حسونة: «أحب أن أوضح أن عملنا يقوم من الألف إلى الياء على التبرعات، ودونها لن نعمل تماما، لذا فإن المقارنة غير متكافئة تماما مع معهد القلب القومى، إذ إنه أيضا جهة حكومية تتلقى دعم الدولة مباشرة.. وكنا قد أخذنا عهدا على أنفسنا ألا نتنازل عن مستوى الخدمة الحالية للمريض، وألا نكلفه مليما واحدا، وأن نوفر حياة كريمة للطبيب المعالج».
وتعانى المعاهد والمستشفيات الحكومية من ضعف فى الخدمات والموارد رغم تلقيها للتبرعات من المواطنين، لكن تظل اللوائح الحكومية عائقا أمام إدارة حملة إعلانية شبيهة بحملات مستشفى سرطان الأطفال 57357 أو مؤسسة مجدى يعقوب لأمراض القلب.
يستقبل معهد القلب القومى أكثر من 12000 مريض سنويا، كما يجرى 300 عملية (قلب مفتوح) شهريا، ونحو 1000 عملية قسطرة بالقلب، وغيرها من الخدمات الطبية، لكنه يظل بعيدا عن الحالة الإعلانية فى رمضان أو حتى فى بقية شهور السنة، يوضح ذلك الدكتور محمد المراغى ــ نائب عميد معهد القلب القومى: «كانت التبرعات المقدمة إلى المعهد قد وصلت فى رمضان قبل سنوات إلى 5 ملايين جنيه، أما فى هذا العام فقد تدنت إلى مليون جنيه فقط، لقد اتجهت التبرعات إلى المؤسسات الأكثر نجاحا فى الدعاية، نحن نعمل بأموال الحكومة التى لن توفر مستوى الخدمات الفندقية من أموال التبرعات مثل مستشفى مجدى يعقوب، كما ينحصر الإنفاق على المريض ومستلزماته وليس على أجور الأطباء».
هكذا تبدو الانتقادات الموجهة إلى الإعلانات طوال الأسابيع الماضية مجرد انعكاس لواقع يخص المؤسسات والجمعيات نفسها، بين مؤسسات تحوز النسبة الأكبر من الشهرة والتبرعات، وأخرى تحتاج الأموال ولا تجدها بسهولة.

Thursday, August 16, 2012

من الهامش إلى قلب الأحداث سيناء.. أطياف من التدين وواقع لا يتغير

فى الشيخ زويد أهل السنة والجماعة: ليس كل صاحب لحية تكفيريًا
يمر الشيخ هانى محلاب بين المعتكفين فى مسجد التوحيد بمدينة الشيخ زويد، مستقبلا استفساراتهم ومحاولا طمأنتهم بعد حملة اعتقالات داهمت منازل عدد من السلفيين فى المدينة قبل أيام، يبدأ حديثه ساخرا عن الصورة النمطية التى تلاحق السلفيين هنا، فكانت عبارته: «مرحبا بك فى معقل الإرهابيين.. ألا يرانا البعض هكذا؟!». فى جنبات المسجد الذى يعد من أهم مراكز السلفية فى شمال سيناء، يجلس بعض من تعرضوا للاعتقال والمساءلة فى السنوات الماضية قبل الثورة، أما تصنيف رواد المسجد لأنفسهم فهم «جماعة أهل السنة والجماعة»، ويتبعون «مشايخ مثل محمد حسان وأبو إسحق الحوينى»، حسب أحد أفراد الجماعة.
تستغرق المسافة من مسجد التوحيد إلى بوابات المدينة نحو خمس دقائق بالسيارة، حيث الموعد المحدد مع الشيخ حمدين أبوفيصل أحد القيادات السلفية فى شمال سيناء، وهو من تعرض للاعتقال أيضا بعد تفجيرات طابا فى عام 2004 لمدة 18 شهرا، وازداد اهتمامه بعدها بالعلوم الشرعية حتى أصبح مقصدا للمشورة، وعلى اتصال بمشايخ آخرين خارج سيناء.
فى الطريق من مسجد التوحيد إلى منزل القيادى السلفى الشيخ أبو فيصل، اتجهنا بسيارة حمدان أحد الشباب السلفى من أبناء المدينة، ولم يخف حمدان سخريته من التناول الإعلامى للإسلاميين فى سيناء، معلقا: «فى أحد الدروب الجبلية الوعرة اتجهنا إلى منزل أحد كبار المتطرفين الدينيين.. أليس كذلك يكتب بعض الصحفيين؟». يطلق حمدان الجملة الساخرة دون أن يخلو الأمر من مرارة وقلق، هذه المرارة نفسها التى دفعت الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد أن يرفض لقاء بعض الفضائيات خشية «الإفك الإعلامى، وتحريف الأقوال»، على حد قوله.
تقع مدينة الشيخ زويد على مسافة 35 كيلومترا شرق مدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء، من هنا مر أحد مجاهدى الفتوحات الإسلامية فى عهد عمر بن الخطاب ويعتبره المتصوفة من أولياء الله الصالحين ويتبرك به بعض سكان المنطقة. ولم تشفع تلك السيرة الجهادية من أن يتم تخريب ضريحه فى عدة محاولات بعد الثورة، وتتوارد الأقوال حول إن كان الفاعل سلفيا متحمسا أم تكفيريا من خارج المدينة التى يقدر عدد سكانها بما يتبعها من قرى أكثر من 50 ألف نسمة، ويتبنى السلفيون هنا آراء تدين زيارة المقابر والتبرك بها وأنها عقيدة الضلال. وفى منزل بسيط يقتطع مساحة من أرض صحراوية يجلس الشيخ حمدين أبو فيصل أمام جهاز الكمبيوتر الشخصى «اللابتوب» متوجسا من تصاعد الأحداث فى الأيام الماضية، «قبل الثورة كان ضابط أمن الدولة يدخل السوق وينادى على من معه قائلا: (لم التكفير دول). أخشى أن تعود هذه الأيام، وتبدأ حملات اعتقالات عشوائية ضد الإسلاميين، لأن هذا سيصنع أعداء جدد للسلطة، وقد يتحول المعتدل إلى معتدى.. أملى ألا يحدث ذلك». هذه الحالة القلقة بين السلفيين فى المدينة هى حصاد صورة رسمتها الأحداث لمنطقة شمال سيناء على مدى أكثر من عام ونصف مضت منذ ثورة 25 يناير، بعد أن ترددت بكثافة تعبيرات مثل «الإمارة الاسلامية فى سيناء» بين وسائل الإعلام المختلفة، نتيجة العمليات التخريبية المتكررة، ورغم إنكار تنظيمات معروفة بنهجها الجهادى مثل «مجلس شورى المجاهدين» و«جند الإسلام» أى صلة بهجوم رفح المسلح، إلا أن الجميع هنا يؤكد وجود مجموعات تتبنى النهج المسلح، وليس لأحد عليها سلطان، يجمع أفرادها علاقات الجوار والقبلية والفكر الواحد، سواء كان جهاديا أو تكفيريا. فى ظل هذا التشابك المعقد يخشى السلفيون فى المدينة من «أهل الجماعة والسنة» أن يتحولوا إلى كبش فداء أو أن يتعرضوا لاعتقالات واسعة على يد الجهات الأمنية الباحثة عن معلومات جديدة، ليس هذا ما يخشاه «أهل السنة والجماعة» فقط، بل إن بروزهم فى المشهد يجعلهم فى مرمى النيران، خصوصا بعد مشروع مهم لفت أنظار شمال سيناء والمهتمين بالمنطقة، هو «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء»، التى تضم الشيخ حمدين أبو فيصل والشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد، وتعتمد تجربة «اللجنة الشرعية» على فكرة تطبيق القضاء الشرعى كبديل عن القضاء العرفى القبلى فى سيناء.

لسنا بديلا عن الدولة..
على صفحة «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء» فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، بعض الفيديوهات لمجاهدين فى أفغانستان ولأسامة بن لادن، قد لا يكون ذلك دليلا على دعم مباشر من أهل السنة والجماعة لأنشطة جهادية أو تكفيرية، فالتكفيريون لن يقبلوا إمامة شيخ يعمل لدى الحكومة، كما لن يقبلوا موقف أهل السنة والجماعة من تأييد الدكتور محمد مرسى منذ فترة الانتخابات حتى الآن، ولن يهتموا بمشروع مثل اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء، لكن هل تمثل هذه اللجنة الشرعية منازعة للدولة فى سلطانها؟ أو هى بمثابة تكوين نخبة سلفية تدير المجتمع، تمهيدا لشريحة أخرى تستخدم السلاح فى إقصاء الدولة تماما ؟ يعتدل الشيخ حمدين أبو فيصل فى جلسته دون أن يخفى ضيقه بالسؤال، مجيبا بلهجة بدوية ممزوجة بالفصحى: «لسنا بديلا عن الدولة، لكن يجب أن نفهم طبيعة المجتمع هنا، لقد كان هناك قضاء عرفى لا يستند إلى أحكام شرعية واضحة، وهناك ملتزمون دينيا يريدون بديلا أكثر انضباطا، فاتخذنا هذا الطريق، وذلك فى الوقت الذى انهارت فيه أجهزة الدولة بعد الثورة مباشرة.. نحن لا ننازع الدولة، هذه فى النهاية مبادرات».
يأتى هذا الحديث بعد أيام من عودة قسم شرطة الشيخ زويد إلى العمل للمرة الأولى منذ يناير 2011 الماضى. يدرك أبو فيصل تماما أن البعض يعتبره متطرفا رغم أنه لا يعتبر نفسه كذلك موضحا وجهة نظره: «أنا متطرف بالنسبة لشريحة من الإسلاميين، أو هكذا يروننى، لكنى فى الوقت نفسه معتدل بالنسبة لإسلاميين آخرين».
وفى مجتمع تحكمه القبلية مع الصعود الإسلامى فى هذه الناحية من سيناء تدور أفكار وهواجس عن فئات أخرى أهم من الجماعات الجهادية أو التكفيرية، وتحديدا فى ذلك الحضور القديم لأمن الدولة وحلفاء الحزب الوطنى المنحل وتجار السلاح والمخدرات، فالقلق الدائم لدى السلفيين هنا هو أن يكون تصدرهم المشهد سببا فى صدام مع قوى قديمة. وسط هذا الزحام، لا بد للفرد أن يستند إلى تجمع واضح بين قبيلة أو جماعة.. أو كليهما، وهو ما يدفع البعض إلى التقليل من شأن الجماعات المسلحة ويرونها مجموعات صغيرة لكن صخبها عال وضررها أعلى.
قبل توديع الشيخ أبو فيصل والعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى يشرح الشيخ بعض مواقفه مع رجال الأمن وكيف قدم إليهم بعض التوصيات التى كان من ضمنها أنه رأى عدم عودة الشرطة إلى المدينة قبل عدة أشهر، إذ رأى بحكم تواجده فى المجتمع انتشارا للسلاح وموجات من العنف بين الأفراد والقبائل فى شمال سيناء أغلبها بعيد عن التطرف الدينى، «لقد استحسنت القيادات رأيى فيما بعد، وأدركوا إخلاصى فى رأيى حول تلك المسألة»، حسبما ينقل الشيخ أبو فيصل. أما فى طريق العودة فقد أصبح مشهد العربات المجنزرة وسيارات الشرطة والجيش وصوت الرصاص أمرا مألوفا فى الشيخ زويد كحال بقية بقاع أخرى فى سيناء. لم يعد أحد يتوقع مفاجآت جديدة، إذ أصبحت هناك ألفة مع التفجيرات المتكررة وأصوات إطلاق النار، وهو ما دفع شيخا مثل هانى محلاب أن يصدر فتوى قبل عدة أشهر بتحريم « إطلاق النار لأنه يؤدى إلى ترويع الآمنين وقتل النفس على جهة الخطأ».

«أبو عبيدة» لتنمية المجتمع
بالعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى كان هناك لقاء آخر فى جمعية أبو عبيدة بن الجراح لتنمية المجتمع المحلى المجاورة، حيث جلسة كبيرة بعد صلاة العصر، تضم أكثر من عشرين فردا من «أهل السنة والجماعة» انضم إليهم بعض رواد المسجد، ودار سؤال فى بداية الجلسة أخذ يطوف على الحاضرين: من يقوم بهذه الهجمات؟ ولماذا يربط البعض حتى فى العريش المجاورة بين أهل الجماعة والسنة وعمليات التفجير المتكررة ؟ القصة قديمة حين أثيرت الأسئلة نفسها فى نهاية يوليو من العام الماضى، وقتها أقيمت فى ميدان التحرير ما عرف بجمعة تطبيق الشريعة، أما فى شمال سيناء فقد خرجت مسيرة باتجاه مدينة العريش مطالبة بتطبيق الشريعة، أعقبتها اعتداءات على قسم للشرطة بمدينة العريش، وعلى تمثال الرئيس أنور السادات فى ميدان الحرية وسط مدينة العريش. وفى نفس اليوم وقع اعتداء على خط لأنابيب الغاز فى سيناء، وحتى اليوم تظهر فيديوهات هذه المسيرة حين يأتى ذكر الإرهاب فى سيناء، يرد الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد: «كنت هناك وقتها، وجاءتنا مكالمة من ضابط فى جهة أمنية رفيعة يخبرنا عن تلك الاعتداءات على قسم الشرطة، واتصل وقتها حتى نأخذ حذرنا من بعض المتهورين، لكن أخذنا الإعلام والعامة بذنب هؤلاء، رغم أن من قام بها هم مجموعة من المغامرين غير المحسوبين علينا».
«من يقوم بهذه العمليات ليسوا أشباحا خفية، فهم معروفون للأمن جيدا»... تتكرر الجملة على ألسنة السلفيين وغيرهم بحكم تشابك العلاقات القبلية وما تفرضه تجارة الأنفاق من تبادل معلومات، لكن لا توجه الاتهامات إلى أشخاص محددين، ومع اتساع نطاق «عملية النسر» الأمنية للقضاء على المسلحين فى سيناء، يتخذ البعض نبرة الاستبشار بإنهاء الموقف، مع خشية الاستجواب أو الاعتقال القسرى مثلما كان يتم قبل الثورة. يقطع الحديث الشيخ هانى محلاب إمام الأوقاف ذى النهج السلفى، مؤكدا: «نحن ندين اعتداءات رفح وما تبعها من اعتداءات تهدد الآمنين، لكننا أيضا ندين اعتقال أتباعنا ومن نعلم أنه بعيد عن الارهاب».
قبل إفطار المغرب بوقت قليل تبدو مدينة الشيخ زويد كمدينة يختلط فيها هدوء الصائم وجمود المذهول مما حوله من أحداث، فى طريق العودة إلى العريش تلتقى مرة أخرى فى طريقك بعض السلفيين الذين كانوا قبل دقائق فقط فى مسجد التوحيد، فى الطريق إلى منازلهم، وهم على حذر من المستقبل.
حزب النور.. ساعة للسياسة وساعة للاعتكاف

يتقدم من بين المعتكفين داخل مسجد عمر بن الخطاب فى مدينة العريش شاب ملتح ذو جلباب أبيض، بادئا حديثه: «دعنا نتفق على أن التيار الاسلامى ذو أطياف متعددة، بين تميع وتشدد، بين إسلامى يصافح النساء ويسمع الأغانى، وآخر منعزل عن المجتمع ويكفر من حوله، نحن أبناء الدعوة السلفية وحزب النور نحسب أنفسنا وسطا بين ذلك وذاك». الحديث لضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء، الذى انضم إلى اعتكاف قيادات حزب النور بالمحافظة، حيث يوزعون أوقاتهم بين العبادة وشئون السياسة.
لا يبدو المشهد مختلفا عن مساجد سلفية أخرى فى المحافظات المصرية، إلا أن صعود حزب النور التابع فكريا لمدرسة «الدعوة السلفية بالإسكندرية» يحمل قصة ذات مذاق مختلف، فليست مفارقة غريبة أن يكون تاريخ تأسيس صفحة «الدعوة السلفية بسيناء» على شبكة فيسبوك الاجتماعية هو نفسه تاريخ تنحى الرئيس السابق مبارك 11 فبراير 2011، إذ كانت الثورة بداية رفع التضييق عليهم. «قبل الثورة أبلغت قيادات أمن الدولة عن أن سيناء فى مأزق، وطلبت منهم أن يتركوا لى فرصة الدعوة فى الأماكن النائية التى يزهد الناس فى الاهتمام بأهلها، لكنهم كانوا يمنعوننا من التحرك شبرا واحدا خارج العريش»، هكذا يعرض شاب آخر من قيادات حزب النور تطور الوصول السلفى إلى السياسة، هو مصطفى عبدالرحمن أمين الحزب بشمال سيناء.
سريعا، ينتقل الحديث إلى الطابق الثانى من المسجد حتى لا ينزعج بقية المعتكفين، وينضم إلى الجلسة قيادات حزب النور الواحد تلو الآخر، بعضهم من ذوى الأصول العريشية، وآخرون من ذوى الأصول العربية القبلية، إلى جانب من تعود أصولهم إلى محافظات وادى النيل. بدأ النقاش بسؤال طاف على جميع الحاضرين عما إذا كان وصول السلفيين إلى السياسة قد مهد الطريق إلى تيارات أخرى أكثر تشددا تحاول هى أيضا أخذ نصيبها من السلطة؟ «وجود الإسلاميين فى السياسة هو صمام أمان حتى لا تختطف السلطة من جماعات متطرفة أو من رجال النظام القديم فى سيناء». هذه الإجابة التى طرحها ضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء تلقى قبولا لدى الجميع، لكنها لا تكشف عن المسافة بين أنماط السلفية الكبرى الموجودة فى المحافظة، فبعيدا عن القطيعة التى يعلنها أتباع حزب النور والدعوة السلفية مع النمط الجهادى إذا ما ارتكبت باسمه أعمال تخريبية، إلا أن مساحة العلاقات بين الدين والسياسة تجعله فى طرف آخر من المعادلة السياسية بشكل عام إذا ما قورن بتيارات أخرى ليبرالية أو اشتراكية، لكن غياب مثل تلك التيارات على أرض الواقع فى سيناء ينتج عنه أن يكون حزب النور وسطا بين جهادى وإخوانى، فى حين يكون الإخوانى وسطا بين سلفى وليبرالى فى محافظات أخرى، وخصوصا فى العاصمة، تلك الملامح قد ظهرت فى نتائج الانتخابات الرئاسية بشكل واضح.. إذ دائما ما كان يلاحق محمد مرسى فى شمال سيناء أحد ممثلى فترة ما قبل الثورة، مثلا تقدم عمرو موسى إلى المركز الثانى من المرحلة الأولى للانتخابات الرئاسية حاصدا آلاف الأصوات، وفى انتخابات الإعادة كانت نسبة ثلث الأصوات تقريبا من نصيب أحمد شفيق، وهذا ما يطرح سؤالا عن هل لا يمثل القوى السياسية المدنية سوى رموز فترة ما قبل الثورة؟ «لا تقلق القوى السياسية فى سيناء من منافس سوى رجال النظام القديم والحزب الوطنى»، هذا ما تردد على ألسنة عدد من الإسلاميين فى مدينة العريش. ويطرح مصطفى عبدالرحمن أمين حزب النور بشمال سيناء تحليلا آخر: «للأسف.. فالواقع الحالى لم يختلف كثيرا عن الماضى، إذ ما زال التهميش يحيط بأهالى سيناء، وهو ما انعكس على غياب روافد فكرية أخرى منافسة». على هذه الأرضية يمارس حزب النور السياسة فى بيئة قد تختلف قليلا عن بقية المحافظات، وفى أثناء الحديث ينضم إلى الجلسة كمال الأهتم من قيادات حزب النور فى شمال سيناء، وهو ضابط شرطة سابق استقال فى العام 2007 بعد اعتكاف مع الشيخ حازم شومان، وأنهى خدمته فى 2009. بدأ حديثه بأن لا فصل بين الدين والسياسة، فأسس اختيار القيادات قائمة على منهج الدعوة السلفية، ويشرح موضحا: «هناك منهج وتربية للفرد وهو ما يمنع أن يقع أحدنا على سبيل المثال فى بئر التطرف المسلح، وذلك رغم انتشار السلاح من حولنا بشكل بالغ». هذا الواقع لا ينفى تعددية من نوع آخر بدت ملامحها داخل المسجد، وفى هذا الجلسة نفسها نجد ذى الأصول العربية القبلية يرتدى القميص والبنطلون، والذى تنتمى أصوله إلى أهل وادى النيل يرتدى زيا عربيا، بل قد لا يعبر الزى نفسه عن هوية دينية، «ليس كل نقاب أو جلباب هو سلفية أو تدينا»، حسبما يقول أمين الحزب. فى الدور السفلى حيث ساحة المسجد، أكثرية من الملتحين إلى جانب ذوى المظهر العربى البدوى التقليدى، لا تبدو الاختلافات قوية، أما المشهد فى منطقة وسط المدينة «البلد»، فيحمل شكلا آخر من التعددية، اللهجات الصعيدية والبدوية والفلسطينية، إلى جانب لهجة العريش، وتقل تلك أجواء التعددية على أطراف المدينة، وتكاد تتلاشى فى بقية مدن شمال سيناء الأخرى.
صناعة الحياة فى زمن الرصاص
فى أرض صحراوية تتخللها زروع خفيفة داخل مدينة العريش، جلس شباب متطوعون فى سن صغيرة يعبئون حقائب بلاستيكية بالأرز والمكرونة والسكر وغيرها من المواد الغذائية، «هؤلاء فى المرحلة الثانوية، ورغم الاعتداءات المتكررة داخل العريش وخارجها، والعمليات العسكرية بين قوات الأمن والمسلحين إلا أن قرارنا واحد، وهو أن تصل حقائب الخير إلى المدن والقرى المجاورة». يشرح جهاد سليمان (23 سنة) الضغوط التى يتعرض لها فريق «صناع الحياة» فى شمال سيناء، أثناء تنسيقه إرسال الحقائب الرمضانية إلى زملائه كى يوزعوها فى (بير العبد، الشيخ زويد، رفح). هذه الحالة الطارئة لا يراها جهاد كذلك، بل يرى أن «الموقف دائما فى صعوبة داخل سيناء».
عمل جهاد بعد تخرجه مباشرة مدرسا للحاسب الآلى فى مدرسة «بئر معين» ناحية وسط سيناء، حيث يهرب الكثيرون من العمل فى قرى وسط الصحراء، وفى هذه المناطق لمس حالة التهميش مقارنة بالوضع فى مدينته العريش، فلجأ إلى أعمال تطوعية مع زملاء له، يتذكر منها زيارتهم إلى مدرسة «المغارة» فى وسط سيناء، التى لا تبعد كثيرا عن جبل «الحلال» الشهير بأنه مأوى المسلحين، يقول عن ذلك: «قمنا بطلاء المدرسة وتركيب شبابيك جديدة، وأذكر الموقف حين تاه أحد أصدقائنا، وفقدنا الاتصال بسبب غياب شبكات المحمول، فأتى به أحد البدو من سكان المغارة، هذه الأجواء الصعبة لم تنعكس بشدة على الأهالى، إذ أنهم رحبوا بمبادرتنا، وكلهم أمل فى التواصل مع العالم». فى تلك الزيارة التى يتحدث عنها جهاد كان قد توجه إلى أهل القرية الصحراوية مرتديا «تيشيرتات» عليها صور شهداء 25 يناير، «كانت رسالة واضحة إليهم أن يندمجوا مع المتطوعين دون أن يكون هناك أى غرض دعائى أو سياسى».
بحكم تلك الأنشطة الموزعة بين مدن وقرى شمال ووسط سيناء تتعدد المخاطر، «الجميع الآن يتحدث عن التكفيريين والمتطرفين المسلحين، ونسوا الواقع خارج مدن سيناء، بل وداخل بعض الأجزاء فى مدينة كبيرة مثل العريش، ستجد قصة مكررة فى كثير من القرى الصحراوية، لإمام جامع معادى للدولة، يخطب فى الناس بقوة أنصاره، ولا يذهب إلى تلك البقاع أحد من الدولة أو حتى متطوعا، ومثل هذا الإمام هو محسوب على قبيلة، ما يجعل الأمور أكثر تعقيدا». مثل تلك النوعية من الحالات رغم عدم شيوعها تثير قلق من يعمل فى مجال التطوع. أما عن مجموعة صناع الحياة فى شمال سيناء التى يقدر عدد أعضائها بخمسين متطوعا، فحتى اليوم لم يحصلوا على مقر ثابت منذ أن بدأوا نشاطهم فى 2004 بعد طرح الفكرة بواسطة الداعية عمرو خالد، وتصدت لها إلهام أبو حية من مدينة العريش. وعلى مدى تلك السنوات ظلت هذه المجموعة المتجددة من الشباب المتطوع، تمر على جمعيات أخرى وداخل معاهدهم وكلياتهم، وأحيانا ما اختطف الحزب الوطنى مجهوداتهم ونسبها إلى نفسه، تعلق الهام أبو حية: «بعض الجمعيات اجتذبت الشباب بالمقابل المالى، وهى فكرة غربية لا تتواءم مع موروثنا الاسلامى، ولا أخلاقنا العربية التى تحض على البذل والكرم، أنا أتحدث عن تجارة مع الله». هذه المواقف يضاف عليها بعض العوامل الثقافية التقليدية، مثل مشاركة الفتيات فى العمل التطوعى، وتوضح ذلك قائلة: «حين أردنا أن ندعم حملة (إوعى) المناهضة للإدمان شتتنا الأحداث المتتالية من التفجيرات، وأعلنت لزملائى خارج العريش أننا فى شمال سيناء نواجه ظروفا صعبة تمنعنى من المغامرة بالفتيات فى أى عمل تطوعى.. لقد أصبح الوضع يذكرنى بغزة التى اعتاد أهلها صوت إطلاق النار». تنتمى إلهام أبو حية إلى أصول فلسطينية، ما جعلها ترى جانبا سيئا من الأحداث الأخيرة حين تعرض بعض الفلسطينيين المقيمين فى العريش إلى التضييق وجرى اتهامهم بأنهم وراء أعمال التخريب المتتالية فى سيناء.
تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو الهام في عملهم الميداني، يروي جهاد أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا له: "كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة .."، يعلق جهاد الذي ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه : "هذه الأنماط المتشددة موجودة في كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا في سيناء هي المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة، وضعف المبادرات التطوعية".
**
من أقوال العابرين
● أنا آخذ الأجرة مضاعفة من الفلسطينيين مقارنة بالمصريين، فأنا لا أحب التعامل معهم
(سائق أجرة أمام منفذ رفح البرى)
● الفرق بين القاهرة وما يحدث هنا فى شمال سيناء من اشتباكات وعمليات مسلحة، هى أن هناك من كانوا مشاركين فى أحداث ومواجهات عند ميدان التحرير ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية، أما هنا فى شمال سيناء فمساحة الاعتراض والاشتباك محدودة، ولا يمارسها سوى الإرهابيين والجماعات المسلحة.
(شاب من مدينة العريش فى وسط المدينة)

● لا أرى شيئا جديدا، اشتباكات، ومحاولات تطهير شمال سيناء، لكن لا أحد يبحث فى الأسباب.
(شاب من العريش ذو أصول بدوية)

● «لماذا يعتبر البعض تجارة الأنفاق أمرا غير مشروع؟ لقد كانت تتم فى أجواء علنية ونظام معروف.. ليست كل الأنفاق لتجارة المسروقات وتهريب اللاجئين».
(شاب سلفى عمل فى تجارة الأنفاق)
**
هاجس التجربة البورسعيدية يخترق الأذهان

«أنا أخشى أن ترتبط سيناء فى أذهان المصريين بأنها المكان الذى قتل فيه جنودنا فى رمضان»، هذه العبارة يقولها حسن شعبان الذى يعمل فى إدارة موقف العريش، إذ لاحظ منذ الليالى الأولى لاعتداءات رفح والعريش وقوع اعتداءات على سيارات تعمل على خط العريش إلى المحافظات، وإن لم تكن اعتداءات عنيفة فقد واجه بعض السائقين نظرات الازدراء خارج سيناء، رغم أن هذه الحالة من العداء قد خفت مع مرور الوقت. يخشى حسن شعبان الذى يعمل فى موقف أجرة العريش منذ 30 سنة من أن تواجه المدينة ما واجهته بورسعيد، بعد حادث مقتل لاعبى النادى الأهلى فى ستاد المدينة: «نحن هنا نرتبط بمصالح وعلاقات مع جميع المحافظات، ولا أحد يريد أن تتغير صورته أو أن يرتبط فى الأذهان باعتداءات أو بالإرهاب». ذلك ما يتمناه حسن شعبان، أما عن الخطاب السائد فى شوارع المدينة، فهو أن إسرائيل هى من وراء هذا الحادث، وأنه من المستحيل أن يعادى أحد الجيش المصرى. هذه الحالة من الإنكار لا تستسلم أمام ما تسفر عنه العمليات من نتائج تثبت صلات أفراد من الداخل بالحوادث المتكررة فى شمال سيناء. أما الفئة التى تعرضت هى الأخرى للوصم هنا، فهم الفلسطينيون المقيمون فى العريش، وخصوصا بعد إغلاق معبر رفح البرى، إذ أسند بعض العامة التهمة إلى جماعات فلسطينية مسلحة، وهو ما أثار نقاشات حادة ضد الفلسطينيين. ورغم هذه النبرة المتداولة والتى بدأت فى الزوال تدريجيا من مدينة العريش، فإن الحياة تبدو طبيعية فى أغلب الأوقات، حتى داخل أجزاء المدينة شهد اشتباكات بين قوات الأمن والمجموعات المسلحة. يجلس الحاج حسن شعبان نفسه فى كافيه شهير على البحر ومن حوله أجواء ترفيهية على الشاطئ ليلا، وصبية يركبون الخيل محدثين ضجة من حوله. أما فى مكان عمله الذى يبعد بمسافة طويلة عن هنا، فيدير موقف السيارات وعلاقات السائقين بشكل مختلف عن كثير من مواقف السيارات فى المحافظات الأخرى، «هنا ما زالت للعائلة والقبيلة سلطة على أفرادها، فكل من يعصى له كبير نعود إليه». ينتمى إلى أصول عريشية من المدينة، لكن الحديث عن سطوة العائلة على أفرادها، جلب معه حديثا آخر عن الجانب السيئ حين يتحول الأمر إلى نزاعات بين العائلات، «أصبح السلاح فى يد الجميع، ويطوفون به فى الشوارع، هذا ما زاد من حس التمرد والعنف، لقد أصبحت جلسات الصلح أمرا مألوفا، وأتمنى أن تكون المرحلة التالية للحرب على الإرهاب هى ضبط العلاقات بين الناس، بدلا من يدير الناس علاقاتهم بأنفسهم».
**
عاصمة شمال سيناء
تمتد أصول مدينة العريش إلى العهد المصرى القديم حين اتخذت موقعا على طريق حورس الذى اتخذه الجيش المصرى قبل آلاف السنين طريقا فى تحركاته داخل تلك الناحية من مصر، واستمر هذا الموقع المميز ضاغطا على المدينة فى أن تتلقى الصدمات والغزوات القادمة من الشرق أو من الشمال، لذا تعد قلعة العريش من أهم آثار المدينة، أما بقايا طريق القطار القديم الذى كان يعبر سيناء فما تزال بعض الملامح موجودة فى لافتات كانت فى يوم من الأيام مستخدمة كلافتة فى محطة قطار. ويقدر سكان المدينة بما تضمه من قرى مجاورة نحو 160 ألف نسمة (عام 2011)، وتعود أصول أهل العريش إلى ثلاثة روافد، الأول هو هجرة أبناء القبائل العربية التى استوطنت سيناء وتواجدت داخل المدينة، أما الرافد الثانى فهم أبناء المدينة الذين تشكلوا على مدى العصور من هجرات مختلفة فلسطينية وشامية وغيرها، كذلك فقد شهدت العريش فى الفترة العثمانية هجرات من البلقان والأرنؤوط، أما الرافد الأخير فهو ما ازداد بعد تحرير سيناء من هجرات قادمة من وادى النيل.
جبل الحلال.. الخير حين يحتوى الشر
 
يقلل عدد من أبناء قبائل شمال سيناء من شأن الاهتمام الزائد «بجبل الحلال»، وتصويره على أنه أرض الشرور فى سيناء وأن القضاء على ساكنيه سيوفر الأمن والأمان. «إن لم يتم القضاء على الأسباب المؤدية إلى الهروب إلى الجبل، سيظل جبل الحلال عامرا بالهاربين إلى يوم الدين»، هذا ما أكده أحد المتواصلين مع سكان الجبل. تبدأ أسطورة جبل «الحلال» مع بدايات الألفية الثانية بعد أن انتشرت فى سيناء أنواع جديدة من الجرائم، مثل تهريب الأجانب إلى إسرائيل، وازدياد مساحة الاشتباك بين أبناء القبائل والشرطة وتوالى العمليات الإرهابية والتفجيرات. تحول هذا المكان إلى ملجأ للفارين من الأحكام والهاربين من الاعتقالات، وكانت البداية القوية مع تفجيرات طابا ونويبع فى 2004، إذ جرت وقتها حملة أمنية واسعة تعرض فيها الآلاف من أبناء سيناء إلى الاعتقال، قدرتهم المصادر الحقوقية ب3000 مواطن، وتعرضت شريحة منهم للاعتقال التعسفى والتعذيب على يد الشرطة، ولجأ بعض الفارين منهم إلى الجبل.. وهناك تدير «القبلية» الموقف فى أغلب الأوقات، ويتحول ذلك التجمع فى جبل «الحلال» إلى جماعة ضاغطة تظهر نفوذها فى بعض المواقف. ويقدر بعض خبراء الأمن وجود آلاف المسلحين فى الجبل، بينما يؤكد عدد من أبناء القبائل العربية المحيطة أن العدد يحمل الكثير من المبالغة. هذا التقليل من شأن جبل «الحلال» ودوره فى احتواء الجماعات المسلحة على اختلاف انتماءاتها، يناقضه تلك السمعة التى حظى بها بين المنتديات الداعمة للجهاديين على الإنترنت، إذ يلفت نظر الزائر لشبكة «أنصار المجاهدين» موضوعا تحت عنوان: «اللهم احفظ مجاهدى جبل الحلال»، وبعدها يتلقى ردودا متفاعلة، أحدها تظهر فيه النبرة التكفيرية بجدارة، ويقول أحدهم معلقا على هجمات الجيش على الجبل: (لعنة الله على هذا الجيش المجرم المرتد). ما يعبر عن مكانة عظيمة لهذا الجبل فى نفوس المتمردين والتكفيريين، خصوصا مع إخفاق السلطات خلال السنوات السابقة فى تطهير هذا الجبل من الجماعات المسلحة، إذ وصل التقدم بهذه الجماعات أن زرعت ألغاما أرضية لمنع تقدم قوات العمليات الخاصة داخل جبل الحلال فى العام 2005 على خلفية تفجيرات شرم الشيخ. حين تحول جبل «الحلال» إلى رمز الإجرام والعنف، أخفى ذلك العديد من الجوانب الإيجابية فى سيرته، على رأسها كم المعادن والثروات الموجودة فى هذه المنطقة، مثل الرمال البيضاء المستخدمة فى صناعة الزجاج والسيراميك والأسمنت الأبيض، وكذلك بعض الخامات الأساسية الأخرى منها الزلط والحجر الجيرى. ويقع جبل «الحلال» على بعد نحو 60 كلم جنوب العريش باتجاه وسط سيناء، حيث تضعف القبضة الأمنية ووتغيب الأنشطة المهمة التى تجتذب الهجرات إليها على عكس منطقتى شمال وجنوب سيناء، وقد اقترح عدد من مشايخ القبائل والقيادات المحلية فى هذه المنطقة أن تقام محافظة لوسط سيناء، كى يتوافر لها النهوض واستغلال ما بها من موارد، وعلى رأسها سياحة الجبال والطبيعة، إذ مازال عالقا فى أذهان بعض أهالى سيناء ذكريات عن جبل «الحلال» قبل تحويله إلى فندق للهاربين، أحد هؤلاء كان الشاعر السيناوى أشرف العنانى الذى سجل فى مدونته على الإنترنت وصفا لهذا الجبل وكيف كان مساحة للتأمل ومغازلة الطبيعة، يقول عن ذلك: «هذا المكان الذى يظنه البعض موحشا فى حين أنه على الأقل بالنسبة لمن يعرفونه جيدا هو قطعة من جنان الصحارى، نعم قاسية دروبه ولكن ليس على من أحبه، نعم وعرة مسالكه، ولكن ليس على من تنفس هواءه بلا تذمر، وشرب سكونه الفادح دون خوف». ويستطرد أن ذلك كان فى سنوات مضت قبل أن يكتسب المكان سمعته الحالية، ثم تلاشت سيرته المحببة إلى سكان تلك الناحية، كما فقد البعض أملهم بعد التأكد من أوهام ما كان يتداول إعلاميا عن تعمير وسط سيناء، ويختم أشرف العنانى قائلا: «هذا هو جبل (الحلال) الذى أعرفه ويعرفه أبناؤه كمرادف الخير، الربيع، جنان الصحارى، لكن المفارقة أن تتحول هذه الجنان إلى جحيم! أن يرتبط اسم جبل الحلال بالعنف والقتل والمطاردة». تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو إلهام فى عملهم الميدانى، يروى جهاد مثلا أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا: «كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة..»، يعلق جهاد الذى ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه: «هذه الأنماط المتشددة موجودة فى كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا فى سيناء هى المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة وضعف المبادرات التطوعية».