Wednesday, September 26, 2012

القاهرة.. مدينة مستباحة

من الصعب على مواطن أن يلقى تحية الصباح على من يمر بهم، وهو يشعر أن هناك من يستبيح حقه. حين يطوف كالبهلوان فى شوارع المدينة تفاديا الصدام مع الباعة الجائلين الذى استقروا فى مساحات حيوية من الشارع، أو حين يرى فى طريقه شجارا تؤدب فيه مجموعة من المواطنين مواطنا آخر تسبب لهم فى مشكلة، وبعد تلك الرحلة اليومية قد يعود إلى منزله فيجد جار سوء انتهك حقه فى الخصوصية أو السكن أو الأمان بمخالفة فى البناء.
كلها أسباب وجيهة لفقدان ابتسامة الصباح، أما الأهم من ذلك فهو أن البطل فى كل تلك المواقف وغيرها هو الجسد، مدى حريته فى الحركة، أو ما يتعرض له من انتهاك، وهو ما يمثل انعكاسا لحالة مؤسسات الدولة ومدى فاعليتها بشكل عام. كتاب «المراقبة والمعاقبة» للمفكر الفرنسى ميشيل فوكو يطرح فرضية تقول إن العقوبات البدنية مثل التعذيب أو الحرق كانت ابنة العصور الوسطى، وأن العصر الحديث قد صنع شكلا جديدا للعقوبات يعتمد على التحكم فى جسد المذنب، إما من خلال السجن أو الأشغال العامة. وطوال السنوات الماضية كانت بعض مؤسسات الدولة تخرج عن هذا الإطار، إذ تكررت الاتهامات لمؤسسة مثل وزارة الداخلية أنها مازالت تمارس الطريقة القديمة نفسها فى التعامل مع المواطنين بالتعذيب والانتهاك الجسدى، لماذا؟ لا إجابة عن السؤال سوى أن هناك مؤسسات فى الدولة لم تدرك بعد أنها مؤسسة حديثة، وليست إقطاعيا أو سيدا على قرية يجلد من يخالفه.
ومؤخرا تكررت حوادث فى أعقاب الضعف الأمنى الذى ساد فى أثناء الفترة الانتقالية الماضية بعد الثورة، كأن نجد عقوبات بدنية متعسفة ضد بلطجية، يخرج فيها أهالى القرية ليمارسوا الحرق والتعذيب والتمثيل بجثث هؤلاء البلطجية، وكأن لسان حال هؤلاء الأهالى يقول: إن كان الأمن قد لجأ فى فترة سابقة إلى العقوبة البدنية داخل مقراته، فنحن قادرون على المهمة نفسها، وفى العلن. وهنا يشرح ميشيل فوكو من خلال الكتاب السابق أسباب ممارسة انتهاك الجسد فى التعذيب، مختصرا ذلك فى عبارة واحدة: «التعذيب لا يعيد العدالة إلى نصابها، بل يقوى السلطة». وهنا يصبح الخيار إما مؤسسة حديثة وعقوبات عادلة على الجميع، أو عقوبات بدنية قديمة على رأسها التعذيب والحرق، ووقتها لن تستطيع المؤسسات الأمنية أن تنافس قدرات الأهالى فى تطبيق العقوبات البدنية.
هذا المواطن البائس الذى يفتقد ابتسامة الصباح، أحيانا ما يضطر إلى المرور بإشغالات على الطريق تنتهك حقه فى السير بحــُرية، وفى هذه الجزئية تحديدا تتضح أكثر العلاقة بين المساحة المتاحة لأجساد المواطنين داخل المدينة، ومدى اتساعها أو تقلصها، بحالة مؤسسات الدولة ورؤيتها للمواطنين وحقوقهم فى الحركة والعمل.
فى فترة ما قبل الثورة كانت حملات رجال (البلدية) خلف الباعة الجائلين أشبه بإجراءات «رمزية» تفرض هيبة مؤسسات الدولة، حين يفر الباعة ببدنهم لساعات قليلة ثم يعودون كما كانوا قبلها تماما، أما (الحكومة) فتحمل غنائمها وأسلاب تلك المعركة الوهمية... والواقع الآن بعد ضعف الأداء الحكومى، أثناء الفترة الانتقالية الماضية، كان قرارا واضحا أعلنه الباعة عمليا، بعد أن غزوا مساحات واسعة من الشوارع فى مصر، رافعين شعار: نريد استباحة دائمة للشارع، وليست استباحة مؤقتة. هذا هو الصراع الدائر الآن، ولا تختلف الأوضاع كثيرا فى حالة البناء المخالف الذى يقدره مسئولون حكوميون بمئات الآلاف من المخالفات. قبل الثورة كان ذلك الحضور الرمزى لأجهزة الدولة يخفى حالة من التراخى والفساد الإدارى أوجدت مدنا كاملة قامت على المخالفة للقانون واستباحة أراضى الدولة والأراضى الخاصة. وهنا يتجلى نفس المنطق مرة أخرى من وجهة نظر المخالفين الذين لم يعودوا يطيقون ذلك الحضور الرمزى لمؤسسات الدولة، فيتكرر الموقف، باحثين عن استباحة دائمة وتقنين للأوضاع بدلا من التعامل القديم مع جهاز إدارى هش، والبذل من أجل موظف مرتش يصمت بالمال أو متخاذل لا يتحرك من مكتبه.
تلك الحالة من السعى لفرض قواعد الاستباحة، لم تعد تتجلى فقط فى الخروج على فكرة المؤسسة واستخدام أساليب قديمة مثل: التعذيب والعنف الجسدى، أو البيع والشراء فى الشارع والتضييق على حركة المواطنين فى الطريق العام، بل هو نمط تفكير امتد لأن يستبيح فى مرة أجساد الفتيات، وفى مرة مبنى حكومى وفى مرة ثالثة سفارة دولة أجنبية.

Sunday, September 23, 2012

الصراع على الأرض .. حقنا في المدينة

الدويقة ترفع شعار : احذروا غضب مــن ضاع حقه

عبدالرحمن مصطفى:
الأجواء هادئة داخل مكتب التسكين الرئيسى فى مدينة النهضة، مواطن يدفع المبلغ الشهرى لمحافظة القاهرة، وموظفون محاطون بالملفات والدفاتر، «اذهب إلى مكتب تسكين 3، هو الذى كان يتعامل مع متضررى المناطق المهددة بالإنهيار..» العبارة لأحد الموظفين، أما فى مكتب تسكين 3 على بعد 200 متر تقريبا، يشير على سيد ـ مدير المكتب ـ إلى ملفات على أرفف مجاورة قائلا: «هناك قائمة انتظار طويلة، لكننا لم نعد نقوم بتسكين مناطق الدويقة أو غيرها هنا فى النهضة». لم يكن الحال كذلك قبل عامين، بل كانت قوافل السكان تأتى فى حماية الأمن المركزى بعد الإخلاء حتى يستلموا شققهم هنا فى النهضة، وفى منطقة مجاورة لمكتب التسكين تقع مساكن معروفة باسم «المحتلة» أقام فيها مجموعة من المواطنين بعيدا عن المحافظة، طامحين فى تقنين أوضاعهم. يعلق مدير التسكين بمدينة النهضة قائلا: «لو أخرجتهم السلطات من تلك المساكن المحتلة، ربما يكون هناك فرصة لأصحاب قوائم الانتظار».
تبعد المسافة بين مدينة النهضة ومنطقة الشهبة قرب مساكن الحرفيين فى الدويقة حوالى 20 كم، وعلى مشارف الدويقة، تنتقل العربات المتهالكة من طريق الأتوستراد حتى نهاية مساكن الحرفيين بسرعة بطيئة، وفى أعلى تبة جبلية تقع الشهبة، وهى مصنفة لدى الدولة على أنها ضمن المناطق غير الآمنة وتنتظر الإزالة بأكملها.
تبدأ رحلة الوصول إلى منزل الحاج أبومصطفى بطريق صاعد إلى التبة ثم المرور فى ممرات تتسع لفرد واحد، أقرب إلى سلالم حجرية صنعها السكان، وفى حجرة ضيقة هى منزله الذى لا تصله المياه، يُخرج من جيبه قرار نيابة منشأة ناصر المحرر فى نوفمبر الماضى بشأن شكوى تقدم بها أهالى «الشهبة»، وينص القرار على: «تكليف رئيس الحى باستكمال الإجراءات اللازمة، والحصر المطلوب للسكان وتحديد إذا ما كانت المنطقة تمثل تهديدا للأرواح». على جدار الغرفة رقم مدون بالطباشير وضعه مسئول حصر السكان قبل مدة طويلة، «أخذوا أوراقنا وبياناتنا ولم نحصل على شقق، وليس هناك وعود حقيقية بأى شىء..». طوال الوقت يكرر الجالسون حول أبومصطفى عبارات تحمل الغضب والاستياء: «محدش حاسس بينا»، «فى ست أسر فى بيت واحد.. يرضى ربنا ده ؟!»، «إحنا لو معانا فلوس نقعد هنا ليه؟ المستفيد الوحيد هنا البلطجية!». يتدخل حنفى محمود أكثرهم صخبا وحماسا كى يوضح: «هناك فساد تسبب فى ضياع حقوقنا». يعمل حنفى بشكل متقطع فى مجال العمارة، وتوافرت له مؤخرا فرصة التواصل مع لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى لنقل معاناة أبناء تلك المنطقة، من نماذج المعاناة التى يستعرضها أن تقوم السلطات بإخلاء إحدى العشش أو البيوت المتهالكة، وتقوم بالهدم دون تعويض. ويروى قصة أخته التى تعرض بيتها المتواضع إلى تشققات بسبب تنقيب عشوائى عن آثار من قبل أحد سكان المناطق المجاورة. جاء فى دراسة بعنوان «الحماية الجنائية للحيازة» للدكتور عماد الفقى ـ المحاضر فى القانون الجنائى ـ بعض التوصيات بشأن تغليظ العقوبات المقررة لجرائم الاعتداء على الحيازة، سواء كانت الاعتداءات من الأفراد العاديين أو الموظفين العموميين، وهو هنا يجرم أيضا عملية الإخلاء القسرى على يد الأمن التى تتم فى أغلب المناطق العشوائية، وصدرت تلك الدراسة عن مركز «شفافية» للدراسات المجتمعية والتدريب الإنمائى، الذى يتابع حالة سكان الشهبة. يعلق حسين متولى، مدير المركز: «فى البداية علينا أن نشير إلى مخطط القاهرة 2050، الذى يقوم على رؤية تعتمد على الاستثمارات المستقبلية، فى المناطق العشوائية مثل مناطق ماسبيرو ورملة بولاق، وفى هذه المواقف يتحول المواطن إلى جزء من خطة لا دور له فيها، خاصة فى حالة الإخلاء، ولدينا نموذج أرض حكر أبودومة فى روض الفرج التى أزيلت للمنفعة العامة، وحتى الآن لم ننتفع كمواطنين بهذه المنطقة، إنه منطق السلطة فى التعامل مع الأهالى».
السير بحذر بين الدروب الصاعدة فى منطقة الشهبة، تكشف عن بيوت وعشش أقرب إلى مكعبات حجرية، ضربت التشققات بعض جدرانها، والجميع هنا يدبر أمره فى توفير الكهرباء أو المياه أيا كانت الوسيلة. يشير حنفى محمود من أعلى التبة الجبلية إلى مساكن سوزان مبارك بالأسفل، ويعلق حسام على الشاب الثلاثينى قائلا: «طوال السنوات الماضية كانت أمامنا هذه المساكن، ولم نفكر فى احتلالها مع من خاضوا هذه التجربة بعد الثورة، لكن أن نكتشف أنه قد سكنها من ليس لهم حق، ونحن هنا نطل عليها دون أن نسكن.. هذا ظلم». يشكك عدد من السكان فى إجراءات التسكين التى تجريها المحافظة، وفى وجود فساد حكومى يسمح لغير المستحقين أن يسجلوا أسماءهم محل سكان الشهبة، ويضربون الأمثال بحالات أخلت السلطات منازلهم، وتركتهم فى العراء، ووصل غيرهم إلى المساكن المجاورة بواسطة الحكومة.
تمثل المناطق غير الآمنة للسكن حوالى 25% من المناطق العشوائية فى القاهرة، ورغم هذه النسبة إلا أن المسئولين يصرون على ردهم المعتاد بعد كل شكوى: «ليس هناك مساكن متوافرة !».
العالم فى الشهبة صغير ومحدود، فى مناطق مجاورة هناك من هم أيسر حالا من سكان هذه التبة، وإن كانوا فى بيوت شبيهة، وفى عالم صغير كهذا تتلاقى الوجوه فى مقاهى مساكن الحرفيين المجاورة، بين العاملين فى الحى والسكان، وبين المستضعف والبلطجى، وتظل النار تحت الرماد. «لو قامت ثورة تانية، هنبقى إحنا اللى وراها، عشان ناخد حقنا من البلد». يلقى حنفى محمود عبارته، وفى الخلفية من بعيد أبراج على بعد كيلومترات لأحياء أرقى وأوفر حظا. قد تتعرض هذه المنطقة إلى انهيارات فى أى وقت وقد تتعرض بعض المساكن المتشققة إلى انهيارات قد تردم أسفلها حضانة للأطفال ومساكن أخرى، ويحتمى بعض السكان هنا بالحكومة كدرع لوجوده فى المنطقة... يقول حنفى محمود: «عرضوا علىّ أكثر من مرة أن أحصل على سكن فى أكتوبر، أو أى مكان آخر، لكن رفضت أن أترك أهلى وأهرب وحدى». المصير المحتوم هنا إما انهيار صخرى نتيجة بناء جديد أو تنقيب عشوائى، أو الانتقال إلى سكن آخر لا يعلم محله أحد حتى الآن.

***
«العشوائيات ليسـت عنوانـا واحـدًا لمشاكلنا»
  • 3 أسئلة إلى الدكتورة رباب الحسينى، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية حول المناطق العشوائية وطرق التعامل معها 
•إلى أى مدى يتسبب التجاور بين العشوائيات  والمناطق الأوفر حظا فى مشاكل مجتمعية وأمنية؟
 هؤلاء القاطنون فى المناطق العشوائية حاولوا حل مشكلاتهم فى السكن بطريقتهم الخاصة بعد عجز الدولة عن توفير حلولا لهم ولأسباب أخرى متعلقة بهجرة بعضهم من الريف إلى الحضر، ومن المؤكد أن هناك سؤالا يدور فى أذهانهم هو «لماذا لا أحصل على حقى مثل بقية المناطق الأفضل حالا؟»، هذا السؤال لم تترجم اجابته إلى اعتداءات من مناطق عشوائية على مناطق راقية، وذلك حسب ما تؤكده الدراسات فى السنوات الماضية، وتفسير هذا الأمر هو أن سكان المناطق العشوائية فى موقف ضعيف أمام الدولة والمجتمع، بسبب مخالفتهم القوانين فى البناء والسكن. الأمر الآخر هو أن الدراسات تكشف عن أن شريحة كبيرة من أبناء هذه المناطق هم من أبناء الطبقة الوسطى، فليس كل سكان العشوائيات فى حالة متردية اقتصاديا، ما يجعلهم غير مضطرين إلى التعدى على المناطق الراقية، لكن تبقى الخطورة فى ضعف الحالة الأمنية الحالية، وانتشار السلاح مع المواطنين دون ترخيص، وهو يجعلنا نخشى أن نرى تلك المحاولات فى المستقبل.
 • ما الضوابط المفيد فى عمليات نقل السكان فى حالات المساكن المهددة بالانهيار والعشوائية؟
 فكرة نقل السكان فى حد ذاتها ليست الحل الوحيد لأزمة العشوائيات، لأن ما يحدد هذا الأمر هو الدراسات الهندسية والعمرانية لتلك المناطق، والفيصل هنا هو سلامة السكان، كأن تتوافر ـ على سبيل المثال ـ مساحات تسمح بمرور عربات الإطفاء والأمن فى حالات الطوارئ. ويبقى أمر آخر لا يقل أهمية وهو وجوب استطلاع آراء السكان ومدى ارتباط محل سكنهم بمعيشتهم واقتصادهم، وهل بالإمكان تقنين أوضاعهم أم الأفضل إعادة توطينهم فى مناطقهم داخل مساكن أكثر تطورا.. تلك الأمور كلها يجب أن تخضع للدراسة أولا.
 • هل تبتعد خطط الدولة أحيانا عن واقع سكان المناطق العشوائية وطموحاتهم المستقبلية؟
 للأسف إحدى أكبر الأزمات التى تعانى منها هذه المناطق هو تعامل الدولة معها لفترة طويلة بمنطق أمنى، وقد بدأ هذا التوجه بعد مقتل الرئيس الراحل أنور السادات واكتشاف بؤر إرهابية فى مناطق ذات طابع عشوائى. الأمر الآخر الذى يعانى منه سكان هذه المناطق هو وصمها بأنها أوكار للجريمة، ما يجعلها عرضة للتعسف الحكومى، علما بأن الدراسات الجنائية تكشف عن واقع آخر، فعلى سبيل المثال هناك تواجد لتجارة المخدرات فى مناطق أوفر حظا ولا يتم وصمها مثلما هو الحال مع العشوائيات. ما أراه هنا هو أن الدور الحكومى ضعيف بشكل عام، وليس ذلك عن نقص فى الاموال أو القدرة على توفير بدائل، فهناك جهاز متخصص مثل صندوق تطوير العشوائيات أنشئ خصيصا للتعامل مع هذه القضية، لكن ما هى إنجازاته حتى الآن؟ الأزمة هنا فى الإدارة والإرادة معا.
***
       الخصوص وأبوحشيش: الاسم عشوائيات والقصة مختلفة
  • حكاية قرية زراعية تحولت إلى مدينة غير مخططة..وسيرة عزبة فى قلب العاصمة
  تبعد المسافة بين مدينة «الخصوص» شمال شرق القاهرة وعزبة أبوحشيش فى وسط العاصمة حوالى 11 كم، وكلاهما مصنف ضمن المناطق ذات التخطيط العشوائى، لكن ما يعيشه محمد شحاتة المحاسب الشاب فى مدينة الخصوص مختلف تماما عما يعيشه الشيخ محمد سيد أحد قدامى سكان عزبة أبوحشيش.
 قبل أكثر من 15 سنة كان بإمكان المحاسب الشاب محمد شحاتة أن يرى من شرفة منزله فى قرية «الخصوص» القديمة مساحات واسعة من المزارع الخضراء تنتهى بعيدا، قرب ترعة الإسماعيلية على بعد مئات الأمتار. هذا الواقع تغير اليوم إلى مساحات مزروعة بمبان سكنية تتراوح ارتفاعاتها بين 6 إلى 12 طابق، «يمكن للساكن فى شقته أن يسمع تفاصيل حياة جاره فى العمارة المقابلة بسبب ضيق الشوارع، عمارات سكنية مقبولة المظهر، لكنها بنيت فى فوضى وعلى غفلة أحيانا من الدولة أو بتواطؤ من موظفيها فى أحيان أخرى»، يصف محمد شحاتة الذى يعمل فى مجلس مدينة الخصوص ذلك المشهد أثناء عبوره إلى منزله فى شارع البنزينة (داير الناحية سابقا) حيث مازالت هناك بعض ملامح القرية البائدة فى بعض المساكن القديمة. ذلك التطور النهائى لمدينة الخصوص يشبه قصة أكثر من 70% من العشوائيات فى مصر المقامة على أراض زراعية، حسب أرقام المركز الوطنى لتخطيط استخدامات أراضى الدولة. أما فى عزبة أبوحشيش بحى حدائق القبة فالواقع يحمل تطورا آخر أكثر اختلافا، حيث يلاحظ المارة هناك أزمة فى المرور من أمام مدخل العزبة الرئيسى ناحية شارع بورسعيد فى غمرة بسبب تضخم تجارة الروبابيكيا والخردة على أطرافها، وأغلب العاملين فيها من المهاجرين حديثا خاصة من محافظة الفيوم، وهو ما يصيب شخصا مثل الشيخ محمد، الذى عاش فى العزبة منذ ميلاده قبل 57 سنة، بحالة من الغضب. «كان أهلنا فى الماضى من سكان العزبة يعملون فى المصانع المجاورة التى أغلق معظمها الآن، ومنذ سنوات طويلة هناك حديث لا ينتهى عن إزالة المنطقة، لكن لم يحدث شيئا».
 قد تتشابه بعض المشكلات بين منطقة قديمة مثل أبوحشيش ومنطقة أخرى مثل الخصوص فى مشهد برك المجارى والتكدس السكانى، لكن الصورة لا تتطابق أبدا، إذ تظل الأحداث أكثر كثافة فى أبوحشيش لصغر مساحتها (حوالى 20 فدان) فى مقابل (1200 فدان) هى مساحة الخصوص منها (1000 فدان) من البناء العشوائى، وبينما ظلت أبوحشيش منسية من محاولات التغيير الجذرى، تضخمت الخصوص حتى تحولت من قرية إلى مدينة فى العام 2006. «تنتمى جذور عائلتى إلى العتامنة فى مركز طما بمحافظة سوهاج، وهذه الناحية من عزبة أبوحشيش كانت معروفة بهم، وفى مدينة الخصوص هناك مساحات أيضا قطنها العتامنة أبناء عمومتى حين بدأ العمران هناك». تلك المفارقة يذكرها الشيخ محمد صاحب الحضور فى عزبة أبوحشيش حين يطرح اسم مدينة الخصوص أمامه كبديل سكنى، كثير من سكان عزبة أبوحشيش الذين يقدرون بـ120ألف نسمة ـ حسب آخر إحصاء حكومى ـ ليس لديهم القدرة المالية للانتفال إلى شقة أخرى فى مناطق من نوعية الخصوص أو غيرها، إذ تتكرر عبارات على ألسنة الشباب الجالس فى المنطقة مثل: «إن كان هناك من يستطيع مساندة المنطقة فى تطويرها أو دعم سكانها فعليه ألا يتأخر». تقع عزبة أبوحشيش على خطة الدولة فى مشروع القاهرة 2050 ومصنفة ضمن المناطق غير الآمنة، وقبل سنوات أجرى حصر للسكان، وكانت هناك وعود بأن يتم تطوير المنطقة وتسليم شقق جديدة للمتضررين أو تعويض مالى. «قمنا بمبادرة أن نقيم أكشاكا وسوقا بديلا ناحية السكة الحديد لتجار البيكيا والخردة، لكن لم يتجاوب معنا أحد من الحكومة، ولم يتحمس كثير من السكان». الجملة للشيخ محمد الذى وصل إلى قناعة مفادها أن المنطقة بأسرها فى حاجة إلى قرار حكومى واضح، يشرح ذلك: «قد لا يتفق أغلب المالكين هنا فى العزبة مع وجهة نظرى فى التعاون مع أى محاولة تطوير أو إزالة، لأنهم يريدون الاستفادة من مساكنهم وإعادة بناءها، أما حل الإزالة والنقل هو الأنسب للمستأجرين أو السكان الأكثر بؤسا.. أنا عن نفسى ورغم أننى مالك سأحشد للقرار الصائب للعزبة حتى إن كان فيه قرار بإزالة منزلى القديم.. المهم الصالح العام». يتم هذا الحديث الآن فى خلفية واقع جديد فى عزبة أبوحشيش بعد الثورة، وهو ازدياد موجة بناء العمارات الجديدة بعد هدم المساكن القديمة المتهالكة. ورغم ضعف هذه الموجة لكنها قد تعيق أى تطوير مستقبلى، إذ بنيت عمارات يتجاوز بعضها العشرة طوابق، كذلك فإن بعض رجال الحزب الوطنى السابق كانوا يتعاملون مع المنطقة على أنها كتلة تصويتية يمكن الضغط عليها فى المواسم الانتخابية، لذا تم تكريس الوضع على ما هو عليه.
هذا الواقع مختلف تماما عن منطقة مثل الخصوص، فمشاكلها أضخم وفى حاجة إلى تطوير يتناسب مع عدد سكانها الذى تجاوز المليون مواطن. يصف الوضع محمد شحاتة، الذى كان ممثلا لحملة أبوالفتوح فى الخصوص قبل أشهر، قائلا: «حركة بيع وتقسيم الأراضى أوجدت مجالا جديدا للعمل، وكذلك اعتمدت على حالة الفساد فى الفترة الماضية، وبعد الثورة أصبح هناك نوعا من التمادى فى تعلية الطوابق السكنية.. الجميع يتعامل بسياسة الأمر الواقع، وهو أمر مخيف إذا ما أردنا إزالة مخالفة أو تطوير للمنطقة».
موقف الوافدين حديثا على المنطقتين سواء عزبة أبوحشيش أو القرية العملاقة «الخصوص» هو ضعف المشاركة المجتمعية. فى أبوحشيش يعمل أغلبهم فى تجارة الخردة، تاركين المسؤولية الاجتماعية لأهالى العزبة الأصليين، وفى الخصوص رغم اتساع مساحات السكن، إلا أن الأجواء العائلية ما زالت ذات حضور هناك. ورغم ما تعانى منه الخصوص من وصم بسبب أزمة التعامل مع القمامة والصرف الصحى ومشكلة المياه، لكنها لم تتعرض للوصم الذى تعرضت له عزبة أبوحشيش فى حملات إعلامية تناولت العشوائيات من موقف يعتبر سكان عزبة أبوحشيش بؤرة إجرامية. هناك قد تجد شابا مصابا بقنبلة «المونة» فى يده أثناء شجار، أو آخر مصاب بخرطوش عرضا بسبب نزاعات بين التجار ناحية الشارع الرئيسى، ويدافع أحد الشباب عن ذلك قائلا: «أى منطقة شعبية كده.. احنا ماختلفناش كتير». يعلق الشيخ محمد موضحا: «تجار المخدرات هنا معروفين لدى الأمن، وليسوا شريحة واسعة كما يدعى الإعلام، اسم المنطقة ليس له صلة بالمخدرات، لكن اسم إحدى العائلات القديمة هنا.. كل ما نطلبه هو أن تنصت الحكومة لمبادراتنا، فنحن أدرى بشئون عزبتنا».
 PDF

Thursday, September 13, 2012

هنا القاهرة.. سوريون من أجل الثورة

 
ناشطة، ورجل أعمال، وفنانة، لم تجمعهم المهنة، وجمعتهم هوية واحدة: الجنسية السورية، ومقر واحد: القاهرة. «لم أكن أتصور أن تتبدل حياتى بهذا الشكل، ولا أن يزداد فخرى بأنى سورية هكذا بعد بدء الثورة فى بلادى». توضح سلمى جزايرلى الناشطة المقيمة فى القاهرة قبل 12 سنة أنها لم تكن جزءا من الجالية السورية طوال هذه السنوات وتحولت إلى أخت كبرى لكثيرين بعد بدء الربيع العربى. «اليوم أعمل فى عدة مجالات متعددة دعما للقضية، بعد أن كنت مكتفية بالعمل فى هندسة الديكور فقط..». تعطى أمثلة على ذلك، منها خدمة اللاجئين الوافدين على مصر وتوفير محل إقامة لمن ليس له قدرة على ذلك، إضافة إلى التواصل مع ناشطين سوريين فى عواصم عربية أخرى بهدف التنسيق، بعض تلك الأنشطة تتعلق بمتابعة نساء اغتصبوا وتعرضوا للعنف على يد النظام السورى، ومن خلال تواجدها فى القاهرة أصبحت أكثر اهتماما بالتواصل الكثيف مع الناشطين الداعمين من رجال أعمال لتوفير إعاشة مناسبة للمتضررين. فجأة تجد نفسها فى قلب المعمعة، حين تركض ناحية الرئيس المصرى الدكتور محمد مرسى قبيل كلمته فى جامعة الدول العربية مؤخرا، وتشير له من بعيد طلبا للدعم، هذه الروح كانت مخفية طوال سنوات عمرها بحكم انتمائها إلى أسرة مغضوب عليها من النظام السورى، إذ اضطر والدها الضابط السابق أن يبتعد عن البلاد لعقود فى دولة الكويت، ولم يكن هناك أى مجال للممارسة المعارضة، بسبب القبضة الأمنية العتيدة لهذا النظام.
فى كتاب «ملفات المعارضة السورية، مكتبة مدبولى، 1994» يوجز الكاتب تمام البرازى الحالة العامة للمعارضة السورية بعد وصول الرئيس السابق حافظ الأسد إلى السلطة فى عام 1970، إذ لم تكن المعارضة السورية واحدة فى رأيه، بل كانت «معارضات متباينة، وأحيانا مختلفة مع بعضها بعضا، وإن كانت تشترك بهدف واحد هو إسقاط النظام القائم وإقامة نظام بديل». أما النقطة الأهم التى يتعرض لها أيضا فهى أن بعض من هاجروا من المعارضين لنظام الأسد، «دفعوا ثمنا غاليا لتعلقهم بالمبادئ والحرية، هو حياتهم..». هذه الحالة هى التى دفعت كثيرين من رموز المجتمع السورى حاليا فى الداخل أن يصمتوا حتى حين، أو أن يلحقوا بقطار المعارضة متأخرين على عكس من اتخذوا تلك المغامرة مبكرا، ومنهم فنانون لم تشغلهم حسابات المستقبل كثيرا. «أنا شخصية متطرفة فى دعم الثورة، ليس لدى استعداد أن أتعامل مع فنان أو رجل أعمال لم يعلن دعمه للثورة السورية.. فالواقع تحول إلى قتل ودماء، ولم يعد هناك مجال للصمت».
تعلن الممثلة السورية الشابة لويز عبدالكريم موقفها بوضوح غير نادمة على اختياراتها، بل تزيد على ذلك: «أسعى بكل وسيلة ممكنة للوصول إلى الإعلام.. فهو نجدتنا الآن!». توضح عبارتها شارحة أن هناك حالة من الضبابية لدى الكثيرين حول الثورة السورية، تكمل: «بعض المثقفين المصريين يقارن بين الـ18 يوما الأولى من الثورة المصرية، وما يحدث الآن فى سوريا، وهذه مشكلة سببها أن صوتنا لا يصل إلى الجميع، وبالتالى تغيب الصورة الصحيحة عن الواقع السورى..». حسب حديثها، ليس لديها من وسائل الدعم سوى الحشد الاعلامى، إلى جانب الاستمرار فيما كانت تنشط فيه من مجموعات ثورية على الانترنت، وعلى رأسها (أمارجى ــ حملة الدولة المدنية السلمية) التى بثت ضمنها فيديوهات تضامنية على الإنترنت، ومرة تتصدر لويز عرضا مسرحيا «مونودرامى» تمثل فيه وحدها تحت عنوان: المندسة، أقامته فى قطر وتنتظر عرضه فى مصر الشهر المقبل. «المسئوليات أكبر منى ومن إمكانياتى، أنا ممثلة من الصف الثانى، لست مغنية فأقيم حفلا غنائيا لدعم القضية، ولست فى شهرة النجوم الذين ما زالوا صامتين عن دعم القضية، فى النهاية كل مبادراتى لها حدود». وفدت لويز عبدالكريم إلى القاهرة قبل 8 أشهر فقط، إلا أنها تتفق مع الناشطة سلمى جزايرلى فى أن أجواء الثورة المصرية وما تبعها من مسيرات وفاعليات أكسبتها روحا ثورية جديدة، كما اتفقتا على أن حضورهما فى الإعلام على رأس أولوياتهما إذا ما توافرت الفرصة من أجل دعم القضية، وذلك لهدف لا يخفيانه هو «إظهار الوجه المدنى للثورة»، ونفى ما يروجه النظام السورى عن الثورة من أنها انشقاقات لمتطرفين دينيين.
وسط الشرائح المتباينة من المجتمع السورى تبقى شريحة يراهن عليها كثيرون وهى الطبقة التجارية السورية العريقة، ودورها وسط الجالية السورية فى القاهرة. «هناك رجال أعمال اندمجوا فى النظام واستفادوا من فساده، هؤلاء هم من يدافعون عنه باستماتة، ويدعمون الشبيحة (البلطجية) ضد أى احتجاج، أما الباقون وهم الأكثرية فمنهم من يخشى الصدام مع نظام غاشم». يصف باسل كويفى رجال الأعمال السورى أوضاع الطبقة التجارية السورية، ورغم إقامته فى مصر قبل 10 سنوات، إلا أن دوره أصبح أكثر بروزا فى دعم اللاجئين السوريين بمصر، كغيره من رجال الأعمال المقيمين هنا فى مصر. وقبل أشهر خرج آلاف المتظاهرين فى عدة مناطق سورية تحت اسم «جمعة تجار وثوار يدا بيد حتى الانتصار» وذلك فى محاولة لحث الطبقة التجارية ورجال الاعمال فى سوريا على الانضمام للانتفاضة ضد النظام، وما زال البعض يراهن على دور هذه الطبقة فى حسم الصراع.
فى دراسة صدرت مؤخرا عن المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، تحت عنوان «أعيان الشام واستعصاء العلمانية فى سورية»، يشرح الباحث صقر أبوفخر ذلك العقم الذى أصاب ثلاث شرائح مهمة فى المجتمع السورى منذ بدايات القرن الماضى، وهم ملاك الأراضى الزراعية، ورجال الدين، والتجار، لذا كانت مهمة حزب البعث الحاكم فى سوريا هى السيطرة على شرائح المجتمع من خلال المؤسسة التى جاءت به إلى السلطة، وهى المؤسسة العسكرية. هذه الملامح تفسر المشهد الحالى لدبابات ومدفعية تواجه الثوار فى سوريا. كان المهندس باسل كويفى فى منصب أمين سر الغرفة التجارية السابق بريف دمشق، لكنه يرفض أن يعتبره البعض جزءا من النظام، إذ لا يخلو الأمر فى أوساط الناشطين السياسيين والمعارضين من اتهامات متبادلة فى بعض الأحيان يصفها قائلا: «الغرفة التجارية ليست جزءا من الحكومة، وقد تعرضت للتهديد أنا وعائلتى فى سوريا كأغلب من يبرز فى المشهد المعارض خارج الوطن.. مشكلة المعارضة الآن أن البعض يوجه اتهامات للطرف الآخر دون تقدير اللحظة الحالية، ورغم ذلك فإن الأزمة توحدنا فى النهاية». يرى باسل كويفى بحكم كونه رجل أعمال أن أهم طريق للمساندة الآن هو توفير المعيشة لشريحة من اللاجئين السوريين الذين لا يستطيعون مواجهة الحياة هنا، وقد نجح فى هذا الدعم بمساندة جمعيات خيرية ورجال أعمال من مصر. وفى جانب آخر يتحدث كعضو فى المجلس الوطنى السورى، قائلا: «كنا قبل الثورة السورية نخطط كمعارضة فى الخارج لتصورات من أجل نشر الديمقراطية فى الوطن، إلا أن الصحوة التى دبت فى البلدان العربية غيرت خططنا تماما».

Tuesday, August 21, 2012

الإعلانات ترحل.. وتبقى الأجساد محاصرة بالمرض


«أمنية حياتى أن تتاح لى فرصة التحدث عبر الاعلام لساعات، عن تجربتى مع ابنى المصاب بالروماتويد، فالكثيرون لا يعلمون شيئا عن هذا المرض ولا عن كم المعاناة التى يتعرض لها المريض وأهله». تتحدث وردة يوسف عن تجربتها مع ابنها مصطفى فى القاعة الرئيسية لجمعية «رسالة نور على نور»، برفقتها مجموعة من مرضى الروماتويد جاءوا للحصول على علاجهم الدورى، تجلس وردة جوار محمود عامر القادم من محافظة الفيوم، وقد ظهر كلاهما فى إعلانين ضد مرض الروماتويد المفصلى ظلا يعرضان منذ شهر رمضان. فى الإعلان الأول من الحملة الدعائية التى انفردت بها قناة فضائية واحدة، قام المعلنون بتشبيه مريض الروماتويد بالطفل المدفون فى تابوت وهو ما زال على قيد الحياة، وبعد انتقادات شديدة لقسوة المشهد، ظهر الإعلان التالى الذى تصدره محمود عامر قائلا: «الناس زعلانة إنهم جابوا إعلان لطفل فى تابوت مدفون بالحياة.. إحنا فعلا مدفونين بالحياة، وما حدش بيسأل فينا». لا يجد محمود طريقة أخرى للتعبير عن أزمته، قائلا إنه كان مقتنعا بالظهور على الشاشة، فى الوقت الذى رفضت فيه سيدة أخرى جاءت لعلاج ابنها التصوير.
تبعد المسافة بين القاهرة ومقر الجمعية فى قرية شبرامنت نحو 15 كم، بينما يفد مرضى الروماتويد الذين ترعاهم الجمعية ــ نحو 25 فردا فقط ــ من محافظات شتى، فى حين تقدر الأرقام مرضى الروماتويد بـ800 ألف حالة، تحمل شريحة منهم مضاعفات خطيرة بسبب الإهمال وسوء التشخيص، ما يجعلهم فى حاجة إلى علاج باهظ الثمن قد تصل تكلفته إلى 8000 جنيه شهريا، وجميع من يتوافدون على الجمعية من هذه الشريحة التى تفاقم معها المرض.
وبعد تلك الانتقادات التى لاحقت الجملة الإعلانية، أعلنت الجمعية عن موقفها عبر شبكة فيس بوك الاجتماعية وذكرت: «قمنا بعمل الإعلان الذى أذى مشاعركم.. وتتبادلون النقد غير البناء، وتتبارون فى الهجوم على من حملوا على عاتقهم مساعدة هؤلاء الأحياء الأموات، فى الوقت الذى رفضت فيه الدولة علاجهم». فى القاعة الرئيسية بالجمعية يجلس حاتم فراج نائب رئيس مجلس الإدارة ليدير أعمالا أخرى تقوم بها الجمعية، ويعلق قائلا: «من ينتقدوننا هم بعيدون عن تفاصيل القصة، ولم يكن لدينا أسلوب آخر، نحن نتسول من أجل هؤلاء المرضى.. من يريد المساعدة فليتبرع !!».
كانت الإنترنت من أكبر الساحات التى شهدت انتقادات لإعلانات التبرعات الخيرية، إذ لم يقتصر الأمر على الحملة الإعلانية عن مرض الروماتويد، بل امتدت لإعلانات أخرى مثل إعلان مؤسسة مجدى يعقوب لأمراض القلب الذى تصدرته الطفلة «صهيبة فاروق» المصابة بثقب فى القلب، صاحبة العبارة الأشهر وسط إعلانات رمضان الخيرية «أنا نفسى أعيش».
قبل أسابيع دونت رشا عبدالله ــ أستاذة الإعلام بالجامعة الأمريكية فى القاهرة ــ رأيها على موقع تويتر للتدوين القصير، قائلة إن «إعلانات الشحاتة» على الأمراض والمستشفيات تنتهك أبسط حقوق المرضى وخاصة الأطفال، وتشرح ذلك الآن بقولها: «هذه الإعلانات ليست أفضل وسيلة لدعم الأعمال الخيرية، بل أستطيع أن ألمس فيها حالة من امتهان كرامة الانسان، علينا أن نفكر فى نفسية طفلة مثل صهيبة حين تلاحقها هذه الصورة لسنوات قادمة وتختزنها فى ذاكرتها». لا تخفى الدكتورة رشا عبدالله انفعالها أثناء الحديث وتنتقل إلى بعض القواعد الأخلاقية فى فن الإعلان، مشددة على أن جميع المواثيق الدولية التى وقعت عليها الحكومة المصرية تحفظ كرامة المريض والطفل وتمنع استغلالهما. وحسب مصادر فى مؤسسة مجدى يعقوب للقلب فإن صهيبة فاروق مصابة بالفعل بثقب فى القلب، وكذلك أخوها، وأن ظروف ظهورها فى الإعلان قد جاءت برضا الأسرة وفى أجواء تصوير إعلانات الحملة فى المستشفى بأسوان. «لعل نجاح الإعلان هو ما زاد من حدة الانتقادات ضده، ويكفينا أن عبارة: أنا نفسى أعيش، قد جاءت من صهيبة بشكل عفوى، دون تدخل أحد أثناء تصوير الإعلان، والأهم من كل هذا هو خدمة القضية». يشرح وليد سرى ــ المسئول عن إبداع الأفكار فى شركة الدعاية التى أنتجت إعلان «صهيبة» ــ أن الشركة فى العادة لا تستخدم الأطفال داخل إعلاناتها إلا فى نطاق محدود، لكن فكرة الإعلان هى التى فرضت أن تظهر بهذا الشكل، ويضيف قائلا: «طالما لا يوجد امتهان لأحد، فما المشكلة؟! أدعو من يبدون الضجر والضيق بالإعلان أن يكونوا أكثر إيجابية ويتبرعوا لدعم هؤلاء الأطفال». فى هذا الموسم تجد بعض شركات الدعاية الفرصة أن تشارك فى أعمال الخير بجهدها الإعلانى. ورغم ما حققته عبارة «أنا نفسى أعيش» من رواج وصل بإحدى الحملات السياسية أن تتخذ مؤخرا عنوان «عايزين نعيش»، إلا أن ذلك لا يعد دليلا فى نظر الدكتورة رشا عبدالله ــ أستاذة الإعلام بالجامعة الأمريكية ــ على أن إعلان صهيبة قد كان على المسار الصحيح، وتدعم وجهة نظرها بأن تشير إلى أنه لا توجد دراسة علمية تعرض رغبات المرضى فى أن يظهر من يمثلهم عبر إعلانات بهذا الشكل، أما من الناحية العلمية فإن الأبحاث تشير إلى أن الاعلانات تفقد تأثيرها إذا ما اعتمدت بكثافة على فكرة الصدمة أو جذب التعاطف.
ما وراء الإعلانات
كل هذا الجدل حول استخدام المرضى والأطفال فى الإعلانات الخيرية يخفى وراءه خلفيات أخرى تكشفها عبارات مباشرة كالتى استخدمها نائب رئيس مجلس إدارة «رسالة نور على نور» مثل: «إحنا فيه مرحلة كنا بنشحت فيها عشان مرضى الروماتويد». وفى خلفية هذه الجملة الأخيرة تسلسل يعرضه عن كيفية انخراط الجمعية فى قضية مرض الروماتويد من الأساس، إذ بدأ الأمر بأن تم تحويل أول حالة إليهم، وبعدها لجأت حالات أخرى إليهم طلبا للدعم الطبى. وحين أصبح ذلك عبئا ماليا على الجمعية، اتجهت الإدارة إلى المؤسسات الكبرى التى تقتسم سوق الخير فى رمضان، إذ جرت العادة أن تلجأ بعض الجمعيات إلى تلك الجمعيات والمؤسسات الكبرى وتحول إليهم حالات مرضية أو حالات فى حاجة إلى دعم مالى، كما تتجه بعض الجمعيات إلى تلك المؤسسات الخيرية الكبرى للحصول على دعم مباشر لمشروعاتها. ما يرويه مشرفو جمعية «رسالة نور على نور» هو أنهم اتخذوا تلك الخطوات ولم ينجحوا فى الحصول على دعم من أحد، ولا حتى من وزارة الصحة، فى حين أن الحالات المسجلة لديهم قد يتكلف الفرد منها نحو 8000 جنيه، ما وضعهم فى أزمة، خاصة مع تأكيد عدد من أصحاب الحالات المتقدمة أن أزمة هذا المرض لا تنحصر فقط فى توفير العلاج، بل أيضا فى غياب الوعى لدى الطبيب والمواطن العادى على السواء، إذ تتشابه قصة محمود عامر أو الطفل مصطفى وغيرهما فى أنهما قد قضوا سنوات أسرى التشخيص الطبى الخاطئ حتى سيطر المرض على مفاصلهم، وأضعف قدرتهم على الحركة، بل وأفقد شابا مثل محمود فى السابعة والثلاثين عينه اليمنى، يصف محمود ذلك: «هذا الدواء هو الذى يجعلنى أتحرك وأغدو وأروح إلى المسجد، بدونه أتمدد أمام أبنائى دون حركة، ولا يستطيعون معى سبيلا سوى البكاء على حالى». من هنا لجأت «رسالة نور على نور» إلى الإعلان الصادم للفت الأنظار وسط سوق الخير الذى أصبحت تحتكره أسماء كبرى، وبحثا عن تبرعات لهذه الفئة المهمشة. وتأتى مؤسسة الدكتور مجدى يعقوب لأمراض القلب على رأس تلك المؤسسات التى نجحت فى جذب تبرعات كفيلة بالإنفاق الجيد على احتياجاتها، رغم أن حجم الحالات التى يستقبلها المستشفى لا يوازى ما يستقبله مكان حكومى آخر مثل معهد القلب القومى. وتلك الحالة نفسها تتشابه مع مثال آخر بين حالة النجومية التى نالتها مستشفى سرطان الأطفال 57357 فى المقارنة مع معهد الأورام الذى يعالج الشريحة الأكبر من المرضى فى مصر.
وفى مقر مؤسسة الدكتور مجدى يعقوب بمنطقة الزمالك فى القاهرة، تدار التبرعات والحملة الإعلانية التى بدأت قبل ثلاث سنوات. يعمل هناك خمسة عاملين فقط على رأسهم أنيسة حسونة ــ المدير التنفيذى للمؤسسة ــ التى تؤكد أن سمعة جراح القلب العالمى وأسلوب إدارته هما ما أعطيا مصداقية للمشروع، ولا يعود الأمر فقط لنجاح الحملة الإعلانية. وتكمل أنيسة حسونة: «أحب أن أوضح أن عملنا يقوم من الألف إلى الياء على التبرعات، ودونها لن نعمل تماما، لذا فإن المقارنة غير متكافئة تماما مع معهد القلب القومى، إذ إنه أيضا جهة حكومية تتلقى دعم الدولة مباشرة.. وكنا قد أخذنا عهدا على أنفسنا ألا نتنازل عن مستوى الخدمة الحالية للمريض، وألا نكلفه مليما واحدا، وأن نوفر حياة كريمة للطبيب المعالج».
وتعانى المعاهد والمستشفيات الحكومية من ضعف فى الخدمات والموارد رغم تلقيها للتبرعات من المواطنين، لكن تظل اللوائح الحكومية عائقا أمام إدارة حملة إعلانية شبيهة بحملات مستشفى سرطان الأطفال 57357 أو مؤسسة مجدى يعقوب لأمراض القلب.
يستقبل معهد القلب القومى أكثر من 12000 مريض سنويا، كما يجرى 300 عملية (قلب مفتوح) شهريا، ونحو 1000 عملية قسطرة بالقلب، وغيرها من الخدمات الطبية، لكنه يظل بعيدا عن الحالة الإعلانية فى رمضان أو حتى فى بقية شهور السنة، يوضح ذلك الدكتور محمد المراغى ــ نائب عميد معهد القلب القومى: «كانت التبرعات المقدمة إلى المعهد قد وصلت فى رمضان قبل سنوات إلى 5 ملايين جنيه، أما فى هذا العام فقد تدنت إلى مليون جنيه فقط، لقد اتجهت التبرعات إلى المؤسسات الأكثر نجاحا فى الدعاية، نحن نعمل بأموال الحكومة التى لن توفر مستوى الخدمات الفندقية من أموال التبرعات مثل مستشفى مجدى يعقوب، كما ينحصر الإنفاق على المريض ومستلزماته وليس على أجور الأطباء».
هكذا تبدو الانتقادات الموجهة إلى الإعلانات طوال الأسابيع الماضية مجرد انعكاس لواقع يخص المؤسسات والجمعيات نفسها، بين مؤسسات تحوز النسبة الأكبر من الشهرة والتبرعات، وأخرى تحتاج الأموال ولا تجدها بسهولة.

Thursday, August 16, 2012

من الهامش إلى قلب الأحداث سيناء.. أطياف من التدين وواقع لا يتغير

فى الشيخ زويد أهل السنة والجماعة: ليس كل صاحب لحية تكفيريًا
يمر الشيخ هانى محلاب بين المعتكفين فى مسجد التوحيد بمدينة الشيخ زويد، مستقبلا استفساراتهم ومحاولا طمأنتهم بعد حملة اعتقالات داهمت منازل عدد من السلفيين فى المدينة قبل أيام، يبدأ حديثه ساخرا عن الصورة النمطية التى تلاحق السلفيين هنا، فكانت عبارته: «مرحبا بك فى معقل الإرهابيين.. ألا يرانا البعض هكذا؟!». فى جنبات المسجد الذى يعد من أهم مراكز السلفية فى شمال سيناء، يجلس بعض من تعرضوا للاعتقال والمساءلة فى السنوات الماضية قبل الثورة، أما تصنيف رواد المسجد لأنفسهم فهم «جماعة أهل السنة والجماعة»، ويتبعون «مشايخ مثل محمد حسان وأبو إسحق الحوينى»، حسب أحد أفراد الجماعة.
تستغرق المسافة من مسجد التوحيد إلى بوابات المدينة نحو خمس دقائق بالسيارة، حيث الموعد المحدد مع الشيخ حمدين أبوفيصل أحد القيادات السلفية فى شمال سيناء، وهو من تعرض للاعتقال أيضا بعد تفجيرات طابا فى عام 2004 لمدة 18 شهرا، وازداد اهتمامه بعدها بالعلوم الشرعية حتى أصبح مقصدا للمشورة، وعلى اتصال بمشايخ آخرين خارج سيناء.
فى الطريق من مسجد التوحيد إلى منزل القيادى السلفى الشيخ أبو فيصل، اتجهنا بسيارة حمدان أحد الشباب السلفى من أبناء المدينة، ولم يخف حمدان سخريته من التناول الإعلامى للإسلاميين فى سيناء، معلقا: «فى أحد الدروب الجبلية الوعرة اتجهنا إلى منزل أحد كبار المتطرفين الدينيين.. أليس كذلك يكتب بعض الصحفيين؟». يطلق حمدان الجملة الساخرة دون أن يخلو الأمر من مرارة وقلق، هذه المرارة نفسها التى دفعت الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد أن يرفض لقاء بعض الفضائيات خشية «الإفك الإعلامى، وتحريف الأقوال»، على حد قوله.
تقع مدينة الشيخ زويد على مسافة 35 كيلومترا شرق مدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء، من هنا مر أحد مجاهدى الفتوحات الإسلامية فى عهد عمر بن الخطاب ويعتبره المتصوفة من أولياء الله الصالحين ويتبرك به بعض سكان المنطقة. ولم تشفع تلك السيرة الجهادية من أن يتم تخريب ضريحه فى عدة محاولات بعد الثورة، وتتوارد الأقوال حول إن كان الفاعل سلفيا متحمسا أم تكفيريا من خارج المدينة التى يقدر عدد سكانها بما يتبعها من قرى أكثر من 50 ألف نسمة، ويتبنى السلفيون هنا آراء تدين زيارة المقابر والتبرك بها وأنها عقيدة الضلال. وفى منزل بسيط يقتطع مساحة من أرض صحراوية يجلس الشيخ حمدين أبو فيصل أمام جهاز الكمبيوتر الشخصى «اللابتوب» متوجسا من تصاعد الأحداث فى الأيام الماضية، «قبل الثورة كان ضابط أمن الدولة يدخل السوق وينادى على من معه قائلا: (لم التكفير دول). أخشى أن تعود هذه الأيام، وتبدأ حملات اعتقالات عشوائية ضد الإسلاميين، لأن هذا سيصنع أعداء جدد للسلطة، وقد يتحول المعتدل إلى معتدى.. أملى ألا يحدث ذلك». هذه الحالة القلقة بين السلفيين فى المدينة هى حصاد صورة رسمتها الأحداث لمنطقة شمال سيناء على مدى أكثر من عام ونصف مضت منذ ثورة 25 يناير، بعد أن ترددت بكثافة تعبيرات مثل «الإمارة الاسلامية فى سيناء» بين وسائل الإعلام المختلفة، نتيجة العمليات التخريبية المتكررة، ورغم إنكار تنظيمات معروفة بنهجها الجهادى مثل «مجلس شورى المجاهدين» و«جند الإسلام» أى صلة بهجوم رفح المسلح، إلا أن الجميع هنا يؤكد وجود مجموعات تتبنى النهج المسلح، وليس لأحد عليها سلطان، يجمع أفرادها علاقات الجوار والقبلية والفكر الواحد، سواء كان جهاديا أو تكفيريا. فى ظل هذا التشابك المعقد يخشى السلفيون فى المدينة من «أهل الجماعة والسنة» أن يتحولوا إلى كبش فداء أو أن يتعرضوا لاعتقالات واسعة على يد الجهات الأمنية الباحثة عن معلومات جديدة، ليس هذا ما يخشاه «أهل السنة والجماعة» فقط، بل إن بروزهم فى المشهد يجعلهم فى مرمى النيران، خصوصا بعد مشروع مهم لفت أنظار شمال سيناء والمهتمين بالمنطقة، هو «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء»، التى تضم الشيخ حمدين أبو فيصل والشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد، وتعتمد تجربة «اللجنة الشرعية» على فكرة تطبيق القضاء الشرعى كبديل عن القضاء العرفى القبلى فى سيناء.

لسنا بديلا عن الدولة..
على صفحة «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء» فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، بعض الفيديوهات لمجاهدين فى أفغانستان ولأسامة بن لادن، قد لا يكون ذلك دليلا على دعم مباشر من أهل السنة والجماعة لأنشطة جهادية أو تكفيرية، فالتكفيريون لن يقبلوا إمامة شيخ يعمل لدى الحكومة، كما لن يقبلوا موقف أهل السنة والجماعة من تأييد الدكتور محمد مرسى منذ فترة الانتخابات حتى الآن، ولن يهتموا بمشروع مثل اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء، لكن هل تمثل هذه اللجنة الشرعية منازعة للدولة فى سلطانها؟ أو هى بمثابة تكوين نخبة سلفية تدير المجتمع، تمهيدا لشريحة أخرى تستخدم السلاح فى إقصاء الدولة تماما ؟ يعتدل الشيخ حمدين أبو فيصل فى جلسته دون أن يخفى ضيقه بالسؤال، مجيبا بلهجة بدوية ممزوجة بالفصحى: «لسنا بديلا عن الدولة، لكن يجب أن نفهم طبيعة المجتمع هنا، لقد كان هناك قضاء عرفى لا يستند إلى أحكام شرعية واضحة، وهناك ملتزمون دينيا يريدون بديلا أكثر انضباطا، فاتخذنا هذا الطريق، وذلك فى الوقت الذى انهارت فيه أجهزة الدولة بعد الثورة مباشرة.. نحن لا ننازع الدولة، هذه فى النهاية مبادرات».
يأتى هذا الحديث بعد أيام من عودة قسم شرطة الشيخ زويد إلى العمل للمرة الأولى منذ يناير 2011 الماضى. يدرك أبو فيصل تماما أن البعض يعتبره متطرفا رغم أنه لا يعتبر نفسه كذلك موضحا وجهة نظره: «أنا متطرف بالنسبة لشريحة من الإسلاميين، أو هكذا يروننى، لكنى فى الوقت نفسه معتدل بالنسبة لإسلاميين آخرين».
وفى مجتمع تحكمه القبلية مع الصعود الإسلامى فى هذه الناحية من سيناء تدور أفكار وهواجس عن فئات أخرى أهم من الجماعات الجهادية أو التكفيرية، وتحديدا فى ذلك الحضور القديم لأمن الدولة وحلفاء الحزب الوطنى المنحل وتجار السلاح والمخدرات، فالقلق الدائم لدى السلفيين هنا هو أن يكون تصدرهم المشهد سببا فى صدام مع قوى قديمة. وسط هذا الزحام، لا بد للفرد أن يستند إلى تجمع واضح بين قبيلة أو جماعة.. أو كليهما، وهو ما يدفع البعض إلى التقليل من شأن الجماعات المسلحة ويرونها مجموعات صغيرة لكن صخبها عال وضررها أعلى.
قبل توديع الشيخ أبو فيصل والعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى يشرح الشيخ بعض مواقفه مع رجال الأمن وكيف قدم إليهم بعض التوصيات التى كان من ضمنها أنه رأى عدم عودة الشرطة إلى المدينة قبل عدة أشهر، إذ رأى بحكم تواجده فى المجتمع انتشارا للسلاح وموجات من العنف بين الأفراد والقبائل فى شمال سيناء أغلبها بعيد عن التطرف الدينى، «لقد استحسنت القيادات رأيى فيما بعد، وأدركوا إخلاصى فى رأيى حول تلك المسألة»، حسبما ينقل الشيخ أبو فيصل. أما فى طريق العودة فقد أصبح مشهد العربات المجنزرة وسيارات الشرطة والجيش وصوت الرصاص أمرا مألوفا فى الشيخ زويد كحال بقية بقاع أخرى فى سيناء. لم يعد أحد يتوقع مفاجآت جديدة، إذ أصبحت هناك ألفة مع التفجيرات المتكررة وأصوات إطلاق النار، وهو ما دفع شيخا مثل هانى محلاب أن يصدر فتوى قبل عدة أشهر بتحريم « إطلاق النار لأنه يؤدى إلى ترويع الآمنين وقتل النفس على جهة الخطأ».

«أبو عبيدة» لتنمية المجتمع
بالعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى كان هناك لقاء آخر فى جمعية أبو عبيدة بن الجراح لتنمية المجتمع المحلى المجاورة، حيث جلسة كبيرة بعد صلاة العصر، تضم أكثر من عشرين فردا من «أهل السنة والجماعة» انضم إليهم بعض رواد المسجد، ودار سؤال فى بداية الجلسة أخذ يطوف على الحاضرين: من يقوم بهذه الهجمات؟ ولماذا يربط البعض حتى فى العريش المجاورة بين أهل الجماعة والسنة وعمليات التفجير المتكررة ؟ القصة قديمة حين أثيرت الأسئلة نفسها فى نهاية يوليو من العام الماضى، وقتها أقيمت فى ميدان التحرير ما عرف بجمعة تطبيق الشريعة، أما فى شمال سيناء فقد خرجت مسيرة باتجاه مدينة العريش مطالبة بتطبيق الشريعة، أعقبتها اعتداءات على قسم للشرطة بمدينة العريش، وعلى تمثال الرئيس أنور السادات فى ميدان الحرية وسط مدينة العريش. وفى نفس اليوم وقع اعتداء على خط لأنابيب الغاز فى سيناء، وحتى اليوم تظهر فيديوهات هذه المسيرة حين يأتى ذكر الإرهاب فى سيناء، يرد الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد: «كنت هناك وقتها، وجاءتنا مكالمة من ضابط فى جهة أمنية رفيعة يخبرنا عن تلك الاعتداءات على قسم الشرطة، واتصل وقتها حتى نأخذ حذرنا من بعض المتهورين، لكن أخذنا الإعلام والعامة بذنب هؤلاء، رغم أن من قام بها هم مجموعة من المغامرين غير المحسوبين علينا».
«من يقوم بهذه العمليات ليسوا أشباحا خفية، فهم معروفون للأمن جيدا»... تتكرر الجملة على ألسنة السلفيين وغيرهم بحكم تشابك العلاقات القبلية وما تفرضه تجارة الأنفاق من تبادل معلومات، لكن لا توجه الاتهامات إلى أشخاص محددين، ومع اتساع نطاق «عملية النسر» الأمنية للقضاء على المسلحين فى سيناء، يتخذ البعض نبرة الاستبشار بإنهاء الموقف، مع خشية الاستجواب أو الاعتقال القسرى مثلما كان يتم قبل الثورة. يقطع الحديث الشيخ هانى محلاب إمام الأوقاف ذى النهج السلفى، مؤكدا: «نحن ندين اعتداءات رفح وما تبعها من اعتداءات تهدد الآمنين، لكننا أيضا ندين اعتقال أتباعنا ومن نعلم أنه بعيد عن الارهاب».
قبل إفطار المغرب بوقت قليل تبدو مدينة الشيخ زويد كمدينة يختلط فيها هدوء الصائم وجمود المذهول مما حوله من أحداث، فى طريق العودة إلى العريش تلتقى مرة أخرى فى طريقك بعض السلفيين الذين كانوا قبل دقائق فقط فى مسجد التوحيد، فى الطريق إلى منازلهم، وهم على حذر من المستقبل.
حزب النور.. ساعة للسياسة وساعة للاعتكاف

يتقدم من بين المعتكفين داخل مسجد عمر بن الخطاب فى مدينة العريش شاب ملتح ذو جلباب أبيض، بادئا حديثه: «دعنا نتفق على أن التيار الاسلامى ذو أطياف متعددة، بين تميع وتشدد، بين إسلامى يصافح النساء ويسمع الأغانى، وآخر منعزل عن المجتمع ويكفر من حوله، نحن أبناء الدعوة السلفية وحزب النور نحسب أنفسنا وسطا بين ذلك وذاك». الحديث لضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء، الذى انضم إلى اعتكاف قيادات حزب النور بالمحافظة، حيث يوزعون أوقاتهم بين العبادة وشئون السياسة.
لا يبدو المشهد مختلفا عن مساجد سلفية أخرى فى المحافظات المصرية، إلا أن صعود حزب النور التابع فكريا لمدرسة «الدعوة السلفية بالإسكندرية» يحمل قصة ذات مذاق مختلف، فليست مفارقة غريبة أن يكون تاريخ تأسيس صفحة «الدعوة السلفية بسيناء» على شبكة فيسبوك الاجتماعية هو نفسه تاريخ تنحى الرئيس السابق مبارك 11 فبراير 2011، إذ كانت الثورة بداية رفع التضييق عليهم. «قبل الثورة أبلغت قيادات أمن الدولة عن أن سيناء فى مأزق، وطلبت منهم أن يتركوا لى فرصة الدعوة فى الأماكن النائية التى يزهد الناس فى الاهتمام بأهلها، لكنهم كانوا يمنعوننا من التحرك شبرا واحدا خارج العريش»، هكذا يعرض شاب آخر من قيادات حزب النور تطور الوصول السلفى إلى السياسة، هو مصطفى عبدالرحمن أمين الحزب بشمال سيناء.
سريعا، ينتقل الحديث إلى الطابق الثانى من المسجد حتى لا ينزعج بقية المعتكفين، وينضم إلى الجلسة قيادات حزب النور الواحد تلو الآخر، بعضهم من ذوى الأصول العريشية، وآخرون من ذوى الأصول العربية القبلية، إلى جانب من تعود أصولهم إلى محافظات وادى النيل. بدأ النقاش بسؤال طاف على جميع الحاضرين عما إذا كان وصول السلفيين إلى السياسة قد مهد الطريق إلى تيارات أخرى أكثر تشددا تحاول هى أيضا أخذ نصيبها من السلطة؟ «وجود الإسلاميين فى السياسة هو صمام أمان حتى لا تختطف السلطة من جماعات متطرفة أو من رجال النظام القديم فى سيناء». هذه الإجابة التى طرحها ضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء تلقى قبولا لدى الجميع، لكنها لا تكشف عن المسافة بين أنماط السلفية الكبرى الموجودة فى المحافظة، فبعيدا عن القطيعة التى يعلنها أتباع حزب النور والدعوة السلفية مع النمط الجهادى إذا ما ارتكبت باسمه أعمال تخريبية، إلا أن مساحة العلاقات بين الدين والسياسة تجعله فى طرف آخر من المعادلة السياسية بشكل عام إذا ما قورن بتيارات أخرى ليبرالية أو اشتراكية، لكن غياب مثل تلك التيارات على أرض الواقع فى سيناء ينتج عنه أن يكون حزب النور وسطا بين جهادى وإخوانى، فى حين يكون الإخوانى وسطا بين سلفى وليبرالى فى محافظات أخرى، وخصوصا فى العاصمة، تلك الملامح قد ظهرت فى نتائج الانتخابات الرئاسية بشكل واضح.. إذ دائما ما كان يلاحق محمد مرسى فى شمال سيناء أحد ممثلى فترة ما قبل الثورة، مثلا تقدم عمرو موسى إلى المركز الثانى من المرحلة الأولى للانتخابات الرئاسية حاصدا آلاف الأصوات، وفى انتخابات الإعادة كانت نسبة ثلث الأصوات تقريبا من نصيب أحمد شفيق، وهذا ما يطرح سؤالا عن هل لا يمثل القوى السياسية المدنية سوى رموز فترة ما قبل الثورة؟ «لا تقلق القوى السياسية فى سيناء من منافس سوى رجال النظام القديم والحزب الوطنى»، هذا ما تردد على ألسنة عدد من الإسلاميين فى مدينة العريش. ويطرح مصطفى عبدالرحمن أمين حزب النور بشمال سيناء تحليلا آخر: «للأسف.. فالواقع الحالى لم يختلف كثيرا عن الماضى، إذ ما زال التهميش يحيط بأهالى سيناء، وهو ما انعكس على غياب روافد فكرية أخرى منافسة». على هذه الأرضية يمارس حزب النور السياسة فى بيئة قد تختلف قليلا عن بقية المحافظات، وفى أثناء الحديث ينضم إلى الجلسة كمال الأهتم من قيادات حزب النور فى شمال سيناء، وهو ضابط شرطة سابق استقال فى العام 2007 بعد اعتكاف مع الشيخ حازم شومان، وأنهى خدمته فى 2009. بدأ حديثه بأن لا فصل بين الدين والسياسة، فأسس اختيار القيادات قائمة على منهج الدعوة السلفية، ويشرح موضحا: «هناك منهج وتربية للفرد وهو ما يمنع أن يقع أحدنا على سبيل المثال فى بئر التطرف المسلح، وذلك رغم انتشار السلاح من حولنا بشكل بالغ». هذا الواقع لا ينفى تعددية من نوع آخر بدت ملامحها داخل المسجد، وفى هذا الجلسة نفسها نجد ذى الأصول العربية القبلية يرتدى القميص والبنطلون، والذى تنتمى أصوله إلى أهل وادى النيل يرتدى زيا عربيا، بل قد لا يعبر الزى نفسه عن هوية دينية، «ليس كل نقاب أو جلباب هو سلفية أو تدينا»، حسبما يقول أمين الحزب. فى الدور السفلى حيث ساحة المسجد، أكثرية من الملتحين إلى جانب ذوى المظهر العربى البدوى التقليدى، لا تبدو الاختلافات قوية، أما المشهد فى منطقة وسط المدينة «البلد»، فيحمل شكلا آخر من التعددية، اللهجات الصعيدية والبدوية والفلسطينية، إلى جانب لهجة العريش، وتقل تلك أجواء التعددية على أطراف المدينة، وتكاد تتلاشى فى بقية مدن شمال سيناء الأخرى.
صناعة الحياة فى زمن الرصاص
فى أرض صحراوية تتخللها زروع خفيفة داخل مدينة العريش، جلس شباب متطوعون فى سن صغيرة يعبئون حقائب بلاستيكية بالأرز والمكرونة والسكر وغيرها من المواد الغذائية، «هؤلاء فى المرحلة الثانوية، ورغم الاعتداءات المتكررة داخل العريش وخارجها، والعمليات العسكرية بين قوات الأمن والمسلحين إلا أن قرارنا واحد، وهو أن تصل حقائب الخير إلى المدن والقرى المجاورة». يشرح جهاد سليمان (23 سنة) الضغوط التى يتعرض لها فريق «صناع الحياة» فى شمال سيناء، أثناء تنسيقه إرسال الحقائب الرمضانية إلى زملائه كى يوزعوها فى (بير العبد، الشيخ زويد، رفح). هذه الحالة الطارئة لا يراها جهاد كذلك، بل يرى أن «الموقف دائما فى صعوبة داخل سيناء».
عمل جهاد بعد تخرجه مباشرة مدرسا للحاسب الآلى فى مدرسة «بئر معين» ناحية وسط سيناء، حيث يهرب الكثيرون من العمل فى قرى وسط الصحراء، وفى هذه المناطق لمس حالة التهميش مقارنة بالوضع فى مدينته العريش، فلجأ إلى أعمال تطوعية مع زملاء له، يتذكر منها زيارتهم إلى مدرسة «المغارة» فى وسط سيناء، التى لا تبعد كثيرا عن جبل «الحلال» الشهير بأنه مأوى المسلحين، يقول عن ذلك: «قمنا بطلاء المدرسة وتركيب شبابيك جديدة، وأذكر الموقف حين تاه أحد أصدقائنا، وفقدنا الاتصال بسبب غياب شبكات المحمول، فأتى به أحد البدو من سكان المغارة، هذه الأجواء الصعبة لم تنعكس بشدة على الأهالى، إذ أنهم رحبوا بمبادرتنا، وكلهم أمل فى التواصل مع العالم». فى تلك الزيارة التى يتحدث عنها جهاد كان قد توجه إلى أهل القرية الصحراوية مرتديا «تيشيرتات» عليها صور شهداء 25 يناير، «كانت رسالة واضحة إليهم أن يندمجوا مع المتطوعين دون أن يكون هناك أى غرض دعائى أو سياسى».
بحكم تلك الأنشطة الموزعة بين مدن وقرى شمال ووسط سيناء تتعدد المخاطر، «الجميع الآن يتحدث عن التكفيريين والمتطرفين المسلحين، ونسوا الواقع خارج مدن سيناء، بل وداخل بعض الأجزاء فى مدينة كبيرة مثل العريش، ستجد قصة مكررة فى كثير من القرى الصحراوية، لإمام جامع معادى للدولة، يخطب فى الناس بقوة أنصاره، ولا يذهب إلى تلك البقاع أحد من الدولة أو حتى متطوعا، ومثل هذا الإمام هو محسوب على قبيلة، ما يجعل الأمور أكثر تعقيدا». مثل تلك النوعية من الحالات رغم عدم شيوعها تثير قلق من يعمل فى مجال التطوع. أما عن مجموعة صناع الحياة فى شمال سيناء التى يقدر عدد أعضائها بخمسين متطوعا، فحتى اليوم لم يحصلوا على مقر ثابت منذ أن بدأوا نشاطهم فى 2004 بعد طرح الفكرة بواسطة الداعية عمرو خالد، وتصدت لها إلهام أبو حية من مدينة العريش. وعلى مدى تلك السنوات ظلت هذه المجموعة المتجددة من الشباب المتطوع، تمر على جمعيات أخرى وداخل معاهدهم وكلياتهم، وأحيانا ما اختطف الحزب الوطنى مجهوداتهم ونسبها إلى نفسه، تعلق الهام أبو حية: «بعض الجمعيات اجتذبت الشباب بالمقابل المالى، وهى فكرة غربية لا تتواءم مع موروثنا الاسلامى، ولا أخلاقنا العربية التى تحض على البذل والكرم، أنا أتحدث عن تجارة مع الله». هذه المواقف يضاف عليها بعض العوامل الثقافية التقليدية، مثل مشاركة الفتيات فى العمل التطوعى، وتوضح ذلك قائلة: «حين أردنا أن ندعم حملة (إوعى) المناهضة للإدمان شتتنا الأحداث المتتالية من التفجيرات، وأعلنت لزملائى خارج العريش أننا فى شمال سيناء نواجه ظروفا صعبة تمنعنى من المغامرة بالفتيات فى أى عمل تطوعى.. لقد أصبح الوضع يذكرنى بغزة التى اعتاد أهلها صوت إطلاق النار». تنتمى إلهام أبو حية إلى أصول فلسطينية، ما جعلها ترى جانبا سيئا من الأحداث الأخيرة حين تعرض بعض الفلسطينيين المقيمين فى العريش إلى التضييق وجرى اتهامهم بأنهم وراء أعمال التخريب المتتالية فى سيناء.
تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو الهام في عملهم الميداني، يروي جهاد أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا له: "كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة .."، يعلق جهاد الذي ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه : "هذه الأنماط المتشددة موجودة في كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا في سيناء هي المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة، وضعف المبادرات التطوعية".
**
من أقوال العابرين
● أنا آخذ الأجرة مضاعفة من الفلسطينيين مقارنة بالمصريين، فأنا لا أحب التعامل معهم
(سائق أجرة أمام منفذ رفح البرى)
● الفرق بين القاهرة وما يحدث هنا فى شمال سيناء من اشتباكات وعمليات مسلحة، هى أن هناك من كانوا مشاركين فى أحداث ومواجهات عند ميدان التحرير ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية، أما هنا فى شمال سيناء فمساحة الاعتراض والاشتباك محدودة، ولا يمارسها سوى الإرهابيين والجماعات المسلحة.
(شاب من مدينة العريش فى وسط المدينة)

● لا أرى شيئا جديدا، اشتباكات، ومحاولات تطهير شمال سيناء، لكن لا أحد يبحث فى الأسباب.
(شاب من العريش ذو أصول بدوية)

● «لماذا يعتبر البعض تجارة الأنفاق أمرا غير مشروع؟ لقد كانت تتم فى أجواء علنية ونظام معروف.. ليست كل الأنفاق لتجارة المسروقات وتهريب اللاجئين».
(شاب سلفى عمل فى تجارة الأنفاق)
**
هاجس التجربة البورسعيدية يخترق الأذهان

«أنا أخشى أن ترتبط سيناء فى أذهان المصريين بأنها المكان الذى قتل فيه جنودنا فى رمضان»، هذه العبارة يقولها حسن شعبان الذى يعمل فى إدارة موقف العريش، إذ لاحظ منذ الليالى الأولى لاعتداءات رفح والعريش وقوع اعتداءات على سيارات تعمل على خط العريش إلى المحافظات، وإن لم تكن اعتداءات عنيفة فقد واجه بعض السائقين نظرات الازدراء خارج سيناء، رغم أن هذه الحالة من العداء قد خفت مع مرور الوقت. يخشى حسن شعبان الذى يعمل فى موقف أجرة العريش منذ 30 سنة من أن تواجه المدينة ما واجهته بورسعيد، بعد حادث مقتل لاعبى النادى الأهلى فى ستاد المدينة: «نحن هنا نرتبط بمصالح وعلاقات مع جميع المحافظات، ولا أحد يريد أن تتغير صورته أو أن يرتبط فى الأذهان باعتداءات أو بالإرهاب». ذلك ما يتمناه حسن شعبان، أما عن الخطاب السائد فى شوارع المدينة، فهو أن إسرائيل هى من وراء هذا الحادث، وأنه من المستحيل أن يعادى أحد الجيش المصرى. هذه الحالة من الإنكار لا تستسلم أمام ما تسفر عنه العمليات من نتائج تثبت صلات أفراد من الداخل بالحوادث المتكررة فى شمال سيناء. أما الفئة التى تعرضت هى الأخرى للوصم هنا، فهم الفلسطينيون المقيمون فى العريش، وخصوصا بعد إغلاق معبر رفح البرى، إذ أسند بعض العامة التهمة إلى جماعات فلسطينية مسلحة، وهو ما أثار نقاشات حادة ضد الفلسطينيين. ورغم هذه النبرة المتداولة والتى بدأت فى الزوال تدريجيا من مدينة العريش، فإن الحياة تبدو طبيعية فى أغلب الأوقات، حتى داخل أجزاء المدينة شهد اشتباكات بين قوات الأمن والمجموعات المسلحة. يجلس الحاج حسن شعبان نفسه فى كافيه شهير على البحر ومن حوله أجواء ترفيهية على الشاطئ ليلا، وصبية يركبون الخيل محدثين ضجة من حوله. أما فى مكان عمله الذى يبعد بمسافة طويلة عن هنا، فيدير موقف السيارات وعلاقات السائقين بشكل مختلف عن كثير من مواقف السيارات فى المحافظات الأخرى، «هنا ما زالت للعائلة والقبيلة سلطة على أفرادها، فكل من يعصى له كبير نعود إليه». ينتمى إلى أصول عريشية من المدينة، لكن الحديث عن سطوة العائلة على أفرادها، جلب معه حديثا آخر عن الجانب السيئ حين يتحول الأمر إلى نزاعات بين العائلات، «أصبح السلاح فى يد الجميع، ويطوفون به فى الشوارع، هذا ما زاد من حس التمرد والعنف، لقد أصبحت جلسات الصلح أمرا مألوفا، وأتمنى أن تكون المرحلة التالية للحرب على الإرهاب هى ضبط العلاقات بين الناس، بدلا من يدير الناس علاقاتهم بأنفسهم».
**
عاصمة شمال سيناء
تمتد أصول مدينة العريش إلى العهد المصرى القديم حين اتخذت موقعا على طريق حورس الذى اتخذه الجيش المصرى قبل آلاف السنين طريقا فى تحركاته داخل تلك الناحية من مصر، واستمر هذا الموقع المميز ضاغطا على المدينة فى أن تتلقى الصدمات والغزوات القادمة من الشرق أو من الشمال، لذا تعد قلعة العريش من أهم آثار المدينة، أما بقايا طريق القطار القديم الذى كان يعبر سيناء فما تزال بعض الملامح موجودة فى لافتات كانت فى يوم من الأيام مستخدمة كلافتة فى محطة قطار. ويقدر سكان المدينة بما تضمه من قرى مجاورة نحو 160 ألف نسمة (عام 2011)، وتعود أصول أهل العريش إلى ثلاثة روافد، الأول هو هجرة أبناء القبائل العربية التى استوطنت سيناء وتواجدت داخل المدينة، أما الرافد الثانى فهم أبناء المدينة الذين تشكلوا على مدى العصور من هجرات مختلفة فلسطينية وشامية وغيرها، كذلك فقد شهدت العريش فى الفترة العثمانية هجرات من البلقان والأرنؤوط، أما الرافد الأخير فهو ما ازداد بعد تحرير سيناء من هجرات قادمة من وادى النيل.
جبل الحلال.. الخير حين يحتوى الشر
 
يقلل عدد من أبناء قبائل شمال سيناء من شأن الاهتمام الزائد «بجبل الحلال»، وتصويره على أنه أرض الشرور فى سيناء وأن القضاء على ساكنيه سيوفر الأمن والأمان. «إن لم يتم القضاء على الأسباب المؤدية إلى الهروب إلى الجبل، سيظل جبل الحلال عامرا بالهاربين إلى يوم الدين»، هذا ما أكده أحد المتواصلين مع سكان الجبل. تبدأ أسطورة جبل «الحلال» مع بدايات الألفية الثانية بعد أن انتشرت فى سيناء أنواع جديدة من الجرائم، مثل تهريب الأجانب إلى إسرائيل، وازدياد مساحة الاشتباك بين أبناء القبائل والشرطة وتوالى العمليات الإرهابية والتفجيرات. تحول هذا المكان إلى ملجأ للفارين من الأحكام والهاربين من الاعتقالات، وكانت البداية القوية مع تفجيرات طابا ونويبع فى 2004، إذ جرت وقتها حملة أمنية واسعة تعرض فيها الآلاف من أبناء سيناء إلى الاعتقال، قدرتهم المصادر الحقوقية ب3000 مواطن، وتعرضت شريحة منهم للاعتقال التعسفى والتعذيب على يد الشرطة، ولجأ بعض الفارين منهم إلى الجبل.. وهناك تدير «القبلية» الموقف فى أغلب الأوقات، ويتحول ذلك التجمع فى جبل «الحلال» إلى جماعة ضاغطة تظهر نفوذها فى بعض المواقف. ويقدر بعض خبراء الأمن وجود آلاف المسلحين فى الجبل، بينما يؤكد عدد من أبناء القبائل العربية المحيطة أن العدد يحمل الكثير من المبالغة. هذا التقليل من شأن جبل «الحلال» ودوره فى احتواء الجماعات المسلحة على اختلاف انتماءاتها، يناقضه تلك السمعة التى حظى بها بين المنتديات الداعمة للجهاديين على الإنترنت، إذ يلفت نظر الزائر لشبكة «أنصار المجاهدين» موضوعا تحت عنوان: «اللهم احفظ مجاهدى جبل الحلال»، وبعدها يتلقى ردودا متفاعلة، أحدها تظهر فيه النبرة التكفيرية بجدارة، ويقول أحدهم معلقا على هجمات الجيش على الجبل: (لعنة الله على هذا الجيش المجرم المرتد). ما يعبر عن مكانة عظيمة لهذا الجبل فى نفوس المتمردين والتكفيريين، خصوصا مع إخفاق السلطات خلال السنوات السابقة فى تطهير هذا الجبل من الجماعات المسلحة، إذ وصل التقدم بهذه الجماعات أن زرعت ألغاما أرضية لمنع تقدم قوات العمليات الخاصة داخل جبل الحلال فى العام 2005 على خلفية تفجيرات شرم الشيخ. حين تحول جبل «الحلال» إلى رمز الإجرام والعنف، أخفى ذلك العديد من الجوانب الإيجابية فى سيرته، على رأسها كم المعادن والثروات الموجودة فى هذه المنطقة، مثل الرمال البيضاء المستخدمة فى صناعة الزجاج والسيراميك والأسمنت الأبيض، وكذلك بعض الخامات الأساسية الأخرى منها الزلط والحجر الجيرى. ويقع جبل «الحلال» على بعد نحو 60 كلم جنوب العريش باتجاه وسط سيناء، حيث تضعف القبضة الأمنية ووتغيب الأنشطة المهمة التى تجتذب الهجرات إليها على عكس منطقتى شمال وجنوب سيناء، وقد اقترح عدد من مشايخ القبائل والقيادات المحلية فى هذه المنطقة أن تقام محافظة لوسط سيناء، كى يتوافر لها النهوض واستغلال ما بها من موارد، وعلى رأسها سياحة الجبال والطبيعة، إذ مازال عالقا فى أذهان بعض أهالى سيناء ذكريات عن جبل «الحلال» قبل تحويله إلى فندق للهاربين، أحد هؤلاء كان الشاعر السيناوى أشرف العنانى الذى سجل فى مدونته على الإنترنت وصفا لهذا الجبل وكيف كان مساحة للتأمل ومغازلة الطبيعة، يقول عن ذلك: «هذا المكان الذى يظنه البعض موحشا فى حين أنه على الأقل بالنسبة لمن يعرفونه جيدا هو قطعة من جنان الصحارى، نعم قاسية دروبه ولكن ليس على من أحبه، نعم وعرة مسالكه، ولكن ليس على من تنفس هواءه بلا تذمر، وشرب سكونه الفادح دون خوف». ويستطرد أن ذلك كان فى سنوات مضت قبل أن يكتسب المكان سمعته الحالية، ثم تلاشت سيرته المحببة إلى سكان تلك الناحية، كما فقد البعض أملهم بعد التأكد من أوهام ما كان يتداول إعلاميا عن تعمير وسط سيناء، ويختم أشرف العنانى قائلا: «هذا هو جبل (الحلال) الذى أعرفه ويعرفه أبناؤه كمرادف الخير، الربيع، جنان الصحارى، لكن المفارقة أن تتحول هذه الجنان إلى جحيم! أن يرتبط اسم جبل الحلال بالعنف والقتل والمطاردة». تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو إلهام فى عملهم الميدانى، يروى جهاد مثلا أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا: «كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة..»، يعلق جهاد الذى ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه: «هذه الأنماط المتشددة موجودة فى كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا فى سيناء هى المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة وضعف المبادرات التطوعية».

Saturday, August 11, 2012

الإتيكيت الإسلامى.. فن الذوق وإرضاء الرب

حين ألقت المهندسة إيمان مجدى أول ورشة تدريبية لها قبل عامين، اختارت أن يكون موضوعها عن «الاتيكيت الإسلامى»، وهى تصف ذلك قائلة : «كانت تشغلنى الاتهامات الموجهة إلى الملتزمين دينيا، عن أن بعضهم يفتقد اللباقة واللياقة، فاستخدمت ما لدى من خبرة فى العلوم الشرعية، ووجدت ضالتى فى أن أقدم تدريبا عن فن الذوق والإتيكيت حسب تعاليم الإسلام، فى شكل تدريب دون وعظ». تعمل إيمان مجدى مهندسة معمارية منذ سنوات، وقبل عامين، بدأت العمل مع فريق (أنوار رسالة-المهندسين)، وهو فريق ذو صلة بجمعية رسالة الخيرية، وهدفه تقديم ورش تدريبية للشباب من الجنسين فى مجالات متعددة. وترى إيمان مجدى أن «الإتيكيت ليس بعيدا عن الدين، فكثيرا من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية توضح كيفية التعامل فى كل الحركات والسكنات». بعض هذه النصوص استخدمتها فى ورشتها التدريبية عن الإتيكيت الإسلامى، منها نصوص تتعرض تفصيلا لضوابط الأكل والشرب والضيافة وغيرها من الممارسات اليومية، وتضرب مثالا بكتاب «الأدب المفرد» الذى جمع فيه الإمام البخارى ما يخص الآداب الإسلامية من أحاديث نبوية تشكل نمط حياة الفرد المؤمن، كدليل على اهتمام علماء المسلمين قديما بهذا المجال.
خاضت إيمان مجدى تجربة الدعوة الدينية، والتدريس فى المساجد، حتى انضمت قبل عامين، إلى فريق أنوار رسالة، الذى ساعدها على أن تحصل على دورة تدريبية فى كيفية إعداد المدربين (TOT)، قبل أن تبدأ خطوتها الأولى. وبعيدا عن تجربتها فقد أصبح «الإتيكيت الإسلامى» ضيفا على مراكز تدريبية أخرى تقدمه فى شكل ورش تدريبية، خاصة مع الطلبة الصغار الذين لا يتوافر لديهم التعرف الكافى على الدين الإسلامى، بسبب نمط دراستهم فى مدارس دولية. ورغم ارتباط كلمتى الإتيكيت والبروتوكول فى الأذهان بعالم كبار الساسة والدبلوماسيين، إلا أن هناك تعريفات أكثر شمولا من ذلك.. «نستطيع أن نوجز الإتيكيت فى أنه علاقة الإنسان بنفسه عن طريق حركات الجسد، أما البروتوكول فهو علاقة الإنسان بالآخرين .. وهنا يجب التأكيد أن الإتيكيت علم سلوكى وليس كما يتصور البعض مجرد عرض طرق الأكل بالشوكة والسكين»، هذا التعريف يقدمه الدكتور رفعت الضبع، أستاذ الإعلام وخبير البروتوكول الدولى، الذى أمضى قرابة 20 سنة فى تدريب قيادات بأجهزة الدولة المختلفة على البروتوكول، وكذلك فى تدريب البعثات الدبلوماسية المقيمة فى مصر على البروتوكول والإتيكيت فى البلدان العربية، ومؤخرا اتجه اهتمامه إلى دراسة العلاقة بين الدين والإتيكيت وأصدر كتابا بعنوان «الإتيكيت وفقا للأديان السماوية»، ويشرح سبب ذلك: «كنت أبحث عن أصل تلك القواعد والضوابط التى تلجأ إليها الشعوب فى مواقف معينة، وكان الدين هو أهم تلك المصادر، أما الأهم فهو أن اتباع هذا الإتيكيت وما تمليه القواعد الدينية، يرفع معنويات الإنسان المؤمن ويرضيه عن علاقته بربه، وعن نفسى أطمح أن يؤثر هذا الاتجاه فى مجتمعنا الذى أصبح يفتقد فن الذوق وتطبيق ما جاءت به الأديان من سلوكيات حميدة». يرفض الدكتور رفعت الضبع ممارسة التدريب على الإتيكيت إلا بواسطة خبراء، واضعا شروطا صارمة فى هذا المجال، منها: «العمل فى التخصص أكثر من 20 سنة أو الدراسة الأكاديمية بكليات متخصصة وأغلبها فى خارج الوطن العربى». كذلك يتحفظ الدكتور رفعت الضبع على أن يكون المدرب حاصلا فقط على دورة إعداد مدربين حتى يدرب على الإتيكيت قائلا: «بعد 20 سنة من التدريب، ما زلت أحضر الورش التدريبية فى الخارج كمتدرب، كى أستفيد من كل جديد». وعلى الجانب الآخر تسعى إيمان مجدى وغيرها من المدربين إلى نشر هدفهم وهذا النوع من المعرفة عبر ما يقدمونه من ورش على أمل التغيير فى المجتمع. كيف تنتشر المعرفة حول الاتيكيت الإسلامى ؟ هل نموذج المدربين مثل إيمان مجدى وفريق «أنوار رسالة» هو الحل ؟ تعلق إيمان قائلة : «أعد الآن مع فريق (أنوار رسالة) لمشروع بعنوان (سبيلى)، هدفه إعداد دعاة ومدرسين على العديد من المهارات، وفى هذه الحالة ستكون ورشة مثل الاتيكيت الإسلامى التى تعيد كل تحركاتنا إلى أصل دينى أمر يمكن أن يستخدمه الداعية الشاب فى عمله، وكذلك المعلمين فى مدارسهم، والأهم هو طريقة تدريبهم التى تختلف عن التلقين التقليدى، على أمل أن نسهم فى تطوير الخطاب الدينى فى المجتمع».
يعمل فريق «أنوار رسالة» فى منظومة أكبر تضم ورشا تدريبية أخرى مهتمة بالأخلاق، حسبما تشرح ماهيتاب محمد مسئولة الورش التدريبية، قائلة: «هناك على سبيل المثال مشروع ثورة الأخلاق الذى بدأناه قبل 3 سنوات، وساهم فيه الشباب المتطوع بالتوعية عن أهمية الالتزام الأخلاقى فى المعاملات داخل مواقف الميكروباصات، وكانت هناك حملة فى بداية الثورة هدفها الحفاظ على أخلاقيات ميدان التحرير». أما الدكتور رفعت الضبع فيرى أن نشر الاتيكيت بين المواطنين، يجب أن يتم عن طريق الكتب والتوعية الإعلامية، وكذلك أن تعد الدولة كوادر فى وزارات الأوقاف والتعليم لنقل تلك المعرفة إلى المواطنين، بل ويجب تدريس الاتيكيت الإسلامى للطلبة فى المدارس، يكمل: «من ضمن ما أطمح إليه أن أنجح فى تأسيس شعبة لدراسة الاتيكيت والبروتوكول فى إحدى الجامعات الخاصة، لأننا فى حاجة إلى متخصصين، خاصة أن الجامعات فى الخارج هى من يحتكر هذا النوع من العلوم».

Tuesday, July 31, 2012

فوق المنبر.. إمام و خطيب



كتب – عبد الرحمن مصطفى

ما زال الشيخ الشاب يتذكر أول خطبة ألقاها بشكل احترافي في القاهرة، كانت في نفس المسجد الصغير الذي مازال يخطب فيه حتى الآن بشارع بستان الجيش في حي العباسية، "تصادف أن كانت أول خطبة لي في جمعة الرحيل 11-2 -2011 ، لذا لم يكن غريبا أن يكون موضوعها عن الظلم، وعاقبة الظالمين"، يتذكر الشيخ علاء أمين (22 سنة) الطالب بكلية الدعوة الإسلامية في جامعة الأزهر، هذا اليوم الذي اختار فيه أن يقيم في هذا المسجد أسفل إحدى العمارات، حيث سكن مناسب، وتدريب مبكر على مهنة المستقبل، يشرح ذلك : "إذا قمت بزيارة إلى كلية الدعوة الإسلامية ستجد أن نسبة القادمين من الأقاليم خارج القاهرة تقرب من 99% دون مبالغة، وهم مجبرون على الاغتراب، كذلك فنحن لا تتوافر لدينا فرصة ممارسة الخطابة بشكل احترافي أثناء الدراسة، عدا اختبارات الكلية التي تتم داخل قاعات المحاضرات، لذا أنا هنا في تدريب عملي حتى أتخرج، والجيد في الأمر أن رواد المسجد يدبرون لي نفقات تعينني على عملي". يحتفظ الشيخ علاء بعلاقات طيبة مع الشباب الذين أصبحوا أكثر تواجدا الآن في المسجد أثناء شهر رمضان، لكن ذلك لم يمنع إحساسه بالمفارقة التي عاشها حين انتقل من مركز الإبراهيمية في محافظة الشرقية إلى بيئة عمل مختلفة تماما في القاهرة، و يروي: "أتذكر أول تجربة في حياتي لإلقاء خطبة الجمعة، كنت في الصف الأول الثانوي، وشجعني المصلون على صعود المنبر بسبب مظهري الأزهري بعدما تأخر الإمام، تلك الهيبة وذلك الحضور لدى إمام المسجد والخطيب يتلاشيان هنا تماما في القاهرة، بل يضعف دور الإمام في الإصلاح بين الناس، و يختفي تبجيل المشايخ، وبعد الثورة ازدادت الأمور اختلافا".
في الشوارع القريبة من مسجد "بستان الجيش" ما زالت بقايا طلاء على الجدران تحمل اسم أحد شباب العباسية الذين قتلوا في مايو الماضي أثناء اشتباكات بين المعتصمين أمام وزارة الدفاع وبعض أهالي العباسية، خصوصية المكان دفعت خطيب المسجد أن يشتبك مع الواقع وهو مضطر، خاصة أن جامع النور في العباسية أيضا كان قد شهد صدامات وقتها بين إمام المسجد هناك وبعض المعتصمين، ويقول الشيخ علاء أمين : "كانت هناك حالة حداد في حي العباسية، لذا لم يكن هناك أي معنى لتناول موضوعات بعيدة عن الحدث، فكان موضوع الخطبة عن القتل وعقوبته في الإسلام" . لم يكن هذا الموقف هو الأول الذي اقتحمت فيه السياسة ساحة المسجد، إذ تعرض مرة لموقف محرج أثناء الاستفتاء على تعديل دستور في مارس من العام الماضي ، يقول: " فجأة قاطعني أحدهم أثناء الخطبة رغم أن هذا السلوك منهي عنه بشدة في الدين، وبدأ في اتهامي بأنني أروج ل(نعم) في استفتاء التعديلات الدستورية، وهذا موقف لم أكن لأتعرض له من قبل".

جرعة سياسة

 ما رآه الشيخ الشاب علاء أمين في الفترة الماضية هي تجربة خاضها أئمة و مشايخ وفدوا قبله إلى القاهرة، أحدهم هو الشيخ أحمد عبد الظاهر – موجه أزهري بالمعاش- و يخطب الجمعة في مسجد تابع لإحدى الشركات الكبرى في حي الأميرية بالقاهرة، إذ وفد من محافظة سوهاج إلى القاهرة قبل أربعين سنة، كي يدرس الشريعة والقانون، ومنذ العام 78 اختار العمل في مجال التدريس الأزهري إلى جانب عمله كخطيب مقابل مكافأة شهرية من وزارة الأوقاف. على مدار تلك السنوات، تنقل بين عدد من المساجد داخل أحياء شعبية، و رصد تطورات حدثت داخل المساجد، يوضح: "عبر تلك السنوات من السبعينات حتى الآن رأيت كيف يتنامى دور الإعلام بشدة في التأثير على الناس، وكيف أصبح رواد المسجد ينقلون بعض القضايا الدينية المفتعلة مثل زواج الجارية، وقبلها إرضاع الكبير، وغير ذلك إلى المسجد، وفي جانب آخر تماما فقد ازدادت جرعة السياسة داخل المساجد بشكل لم يكن موجودا من قبل بسبب تراخي القبضة الأمنية مؤخرا". يتحول الخطيب أحيانا إلى صمام أمان يمنع اختطاف المنبر لحساب تيار أو صاحب مصلحة، على حد قوله: "بعد سنوات أصبحت ألقي خطبة الجمعة في مسجد تابع لشركة كبيرة، و يرتاده أيضا سكان المنطقة المجاورة، لذا من مهامي هنا ألا يستغل المنبر كوسيلة ضغط من أجل مطالب فئوية للعاملين في الشركة، أو أن يختطفه أحد المنتمين إلى تيار بعينه، وهو ما حدث من قبل حين فوجئت بمن يصعد إلى المنبر من نفسه دون استئذان وتسبب ذلك في مشكلة، وكان ذو ميول متطرفة". هذه المواقف التي يواجهها الشيخ أحمد عبد الظاهر الذي تجاوز 65 سنة، لم تنسيه نفس الملاحظة التي لاحظها الشيخ الشاب علاء أمين، حول اختلاف دور الخطيب من القرية إلى المدينة، إذ خطب الشيخ أحمد لأول مرة وهو في الصف الثالث الإعدادي في ستينات القرن الماضي بسوهاج، ويعلق قائلا: "كان للشيخ في القرية أدوارا مهمة، في الصلح بين الناس، وتوزيع الصدقات، أما الآن فالواقع مختلف، خاصة مع سيطرة الجمعيات على إدارة بعض المساجد، ومن سلبيات إدارة الجمعيات للمساجد، هو وقوع صراعات على إدارة الأموال داخل مجالس إدارات الجمعيات، ويتنافس البعض في السيطرة على شؤون المسجد كنوع من الوجاهة الاجتماعية، لذا اخترت لنفسي أن أمارس دورا اجتماعيا بشكل تطوعي، خاصة في مساعدة الفقراء، بعيدا عن المساجد الخاضعة لنفوذ أشخاص".
أما الجانب الفني المتعلق بالخطابة نفسها فيتفق كلا من الشيخ الشاب علاء، والشيخ أحمد الأكبر سنا، على أن ما يصنع الثقة على المنبر – حتى في سن صغير- هو الحصيلة العلمية، فكلما ازداد حضور النصوص في الذهن، كلما أسعف ذلك الخطيب، يعلق الشيخ أحمد عبد الظاهر قائلا: "في الثمانينات سافرت في إعارة إلى دولة اليمن، وهناك طالبتني إدارة المساجد أن أقرأ خطبة الجمعة من ورقة، واعترضت، وامتنعت عن الخطابة، إذ أؤمن أن من يفتقد الذهن الحاضر عليه ألا يكون خطيبا".
هاتين الحالتين رغم تباين عمريهما إلا أنهما لا يواجهان كم الضغوط التي يتعرض لها خطباء المساجد الكبرى، التي تحول بعضها إلى منصات لإطلاق المسيرات والمظاهرات، أحد أهم تلك المساجد هو مسجد مصطفى محمود في حي المهندسين، ومنذ جمعة الغضب يشهد الدكتور محمد قاسم المنسي - أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة - تسلل السياسة إلى ساحات الصلاة، وهو ما برز واضحا في خطبته الشهيرة يوم 28 -1 -2011 والمتاحة على موقع يوتيوب لتحميل لقطات الفيديو، حين حاول تهدئة الثوار في كلمته، مطالبا بنبذ العنف، ومراعيا حالة الغضب التي ذكر أنه كان آنذاك يلمسها بين الناس بشدة، وعلى مدار أكثر من عام ونصف لم يخلو الأمر من حوارات ساخنة بين الدكتور المنسي- خطيب مسجد مصطفى محمود- وبين بعض المتظاهرين، خاصة حين يجدون في خطبته دعوة إلى التهدئة، يعلق قائلا: "بالفعل حدثت حوارات جانبية بعد الصلاة مع شباب رأوا في كلماتي تهدئة، فأوضحت أنني أؤمن بأنه ليس على الخطيب أن يثير الثائر، بل أن يعمل على تهدئته من أجل مصلحة البلاد". لا يخفي الدكتور محمد قاسم المنسي رفضه لبعض الهتافات التي كانت تعقب مباشرة صلاة الجمعة مثل : "يسقط حكم العسكر"، عدا ذلك فيؤمن بأن على الخطيب أن يحقق معادلة هامة هي : ألا يسمح بتوظيف المسجد في خدمة السياسة. وحسبما يذكر فإن "هناك أزمة حقيقية في إدارة المساجد على مستوى الحكومة، و على مستوى الجمعيات التي تدير شؤون المساجد، في عدم قدرتهما على مراقبة كفاءة من يخطبون على المنابر، وهل يستغلوا المسجد في الترويج السياسي أم لا". ويتفق أغلب الفقهاء على شروط واجبة في الإمام والخطيب على رأسها: سعة العلم، وإجادة القرآن، والتفقه في الدين، وحسن الخلق، يضيف الدكتور محمد قاسم المنسي أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة صفات أخرى تلائم المرحلة التي نعيشها الآن ، وهي " الثبات النفسي وسعة العلم وكثرة الاطلاع ".