Wednesday, February 24, 2010

رحلة البحث عن منحة

عبدالرحمن مصطفى
تصوير- مصطفى أحمد
الأشهر الأولى من كل عام أشبه بموسم تعلن فيه الجهات المختلفة عن شروطها بالنسبة للراغبين فى نيل منح التفرغ والدعم لمشروعاتهم الإبداعية والبحثية، ليست فترة لاقتناص مبالغ مالية كما قد يظن البعض، بل فرصة للبحث عن الاستقلال.

تضطر علياء مصدق أن تسافر بعيدا عن القاهرة لأكثر من ألف كيلومتر جنوب أسوان وأن تتوجه شرقا إلى مدينة السويس لجمع مادة بحثية من الأغانى الشعبية التى تستخدمها فى رسالتها للدكتوراه عن فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، إلى جانب هذا فهى مضطرة مثل معظم الباحثين إلى شراء مراجع والقيام بزيارات إلى المكتبات والتردد على الجهات المختلفة للحصول على الوثائق اللازمة لدراستها.
كثيرون لم يكملوا مثل هذه الرحلات البحثية الشاقة متنازلين عن إتمام بحوثهم نتيجة إحساسهم بغموض المستقبل وتراكم العبء المالى للنفقات، لكن علياء ما زالت مستمرة وقد سجلت رسالتها للدكتوراه فى كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية الشهيرة دون أن تتحمل نفقات الدراسة، ولم يكن أمامها فى سبيل ذلك سوى الحصول على منحة دراسية.
تقول علياء مصدق: «هناك عدم اهتمام بالعلوم الاجتماعية بشكل عام، والمفارقة أنه رغم تزايد أعداد المقبلين على الدراسات العليا فهناك حالة من الإحباط لدى الباحثين نتيجة عدم وجود مجال عمل يحتوى تخصصاتهم، رغم أنها بحوث منهكة وأن هناك وسائل كثيرة للاستفادة منها فى تنمية المجتمع إذا انتبهنا لهذا».
فى حديثها تركز على باحثى العلوم الاجتماعية مثل التاريخ والاجتماع والفلسفة وغيرها، وليس هذا نتيجة انغلاقها على تخصصها فقط، بل لأن ذلك يعكس واقعا آخر فى مجال المنح البحثية، وهو أن الكثير من الجهات المانحة فى مصر وهيئات التبادل العلمى والشركات الكبرى تركز على تخصصات فى مجالات الإدارة والتكنولوجيا والتخصصات العلمية.
يتفق مع هذا الرأى الدكتور أحمد زايد ــ أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، وهو ما دفعه إلى إجراء تجربة داخل جامعة القاهرة فى مركز البحوث الاجتماعية لمحاولة تعويض من لم تتوافر لهم هذه المنح، يوضح الدكتور زايد: «الباحثون فى العلوم الاجتماعية مظلومون لعدة أسباب مثل عدم وجود دخل كاف وغياب المنح التى توفر لهم الاحتكاك بالخارج وما وصلت إليه أساليب البحث. نقيم هنا فى هذا المركز ورشا تدريبية ونمد الباحثين بمواد حديثة تفيدهم فى رسائلهم، لكن المفارقة أن الخدمات التى تقدمها الجامعة للباحثين لا يسعى إليها سوى قلة قليلة».
محاولات الجامعة المصرية لتطوير حال الباحث لم تقلل من حماس الباحثين عن المنح للالتحاق بجامعات أمريكية وأوروبية أكثر تطورا وانفتاحا، على جانب آخر فهناك معضلة يواجهها بعض هؤلاء الباحثين حين يجدون أن بعض الجهات المانحة لها أجندتها البحثية وتختار ما يتوافق معها، وهو ما يضيق الفرص أمام الباحث فى الحصول على مبلغ مالى يعينه على التفرغ، خاصة إذا عطل البحث حياته المهنية، تقول علياء: «قبل إعداد الدكتوراه بحثت لدى جهات مختلفة لتمويل بحثى ونفقات الجامعة فى الخارج، مثل البنك الدولى وجهات أجنبية أخرى، لكن شعرت أنى مقيدة بحساباتهم الخاصة، حتى توفرت أمامى منحة مصرية تقبل دعم الباحثين فى العلوم الاجتماعية هى منحة مؤسسة القلعة».
تكاد تكون شروط المنح الدراسية متقاربة فى كثير من الجهات، حين يبدأ الباحث بمخاطبة الجامعة التى يريد إتمام دراسته بها، وفى حالة الدراسات العليا يتفق مع الجامعة فى الخارج على تفاصيل خطة بحث الماجستير أو الدكتوراه، وبعد موافقة الجامعة يقدم كل هذا فى مسابقة سنوية يتقدم لها المئات لنيل المنح الدراسية، وبالطبع عليه أن يوضح فى المقابلة مع لجنة المنحة أهمية موضوع بحثه ومدى استفادة المجتمع منه، ولذلك تشترط الكثير من المؤسسات اشتراك الباحث فى أنشطة مجتمعية كدليل ومؤشر على اهتمامه بقضايا مجتمعه.
فى هذه الفترة من العام تعيش ياسمين الضرغامى ــ المدير التنفيذى لمؤسسة القلعة للمنح الدراسية ــ زخم استقبال طلبات الحصول على منح المؤسسة، حاولت فى حديثها التأكيد أن الهدف من المؤسسة هو خدمة المجتمع، موضحة: «بعض التخصصات لا تدخل فى نطاق عمل الشركة الداعمة للمنح بأى شكل من الأشكال، مثل تخصصات التصوير السينمائى أو الإنثروبولوجى، لكن نشترط على الباحث أن يلتزم بالتفرغ الكامل لعمل دراسته العليا فى أفضل جامعة اختارها وأن يعود إلى مصر بعد إنهاء دراسته، فالهدف هو محاولة وقف هجرة العقول من البيئة الطاردة لهم فى مصر».
فى هذه الفترة يتساوى الجميع فى حصوله على دعم المؤسسة، سواء من خريجى الجامعة الأمريكية مثل علياء مصدق أو خريجى الجامعات الإقليمية وأبناء الريف. تضيف ياسمين الضرغامى: «فى تلك الفترة تقابل نماذج ذات طابع خاص، إحدى الباحثات على سبيل المثال من الحاصلات على المنحة كفيفة البصر، وقدمت ما يؤهلها للحصول على المنحة، خاصة أنها ستدرس موضوعا يهتم بقضيتها الشخصية».
ربما لا تسبب المنح المصرية ضغوطا على الحاصلين عليها مقارنة ببعض الجهات المانحة الأجنبية الأخرى، خاصة أن بعض هذه الجهات يتخذ منها مثقفون وأكاديميون موقفا لأسباب عديدة متعلقة بأجنداتها البحثية، ولم يعد سرا أن المنح الدراسية تحولت إلى وسيط سياسى بين الدول لدعم التشبيك بينها.
ففى خطاب الرئيس الأمريكى باراك أوباما تحت قبة جامعة القاهرة الصيف الماضى قال: «سوف نتوسع فى برامج التبادل ونرفع من عدد المنح الدراسية، مثل تلك التى أتت بوالدى إلى أمريكا»، هكذا داعب الرئيس الأمريكى حلم الهجرة عن طريق المنح الدراسية، ورغم هذا فإن مؤسسات عريقة فى مجال المنح الدراسية مثل فورد أو فولبرايت أصبحت تعانى من مشاكل أخرى بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، أوضحها رئيس مؤسسة فورد بكلمات مؤثرة عن مقاومة آثار الأزمة وسعى المؤسسة لمواجهة حالة الانكماش الحالية. وسط تلك الأجواء تمثل المنحة فرصة للتفرغ دون قلق العبء المالى، وكأنها تمثل عنصر البقاء لبعض الباحثين.

عدسة حرة مستقلة
بعيدا عن تفاصيل العمل البحثي الأكاديمي ففي مجال آخر حيث يقف المخرج خلف الكاميرات لإخراج أفلام ذات طابع مختلف، قد يظن البعض أن مشكلة المخرج منتهية مع وجود جهة الإنتاج، لكن التفاصيل تكشف أوجه أخرى لمبدعون يبحثون عن فرصة للاستقلال وتحقيق أحلام خاصة.. أحد هؤلاء الشباب هو المخرج ياسر نعيم، يكاد الحديث لا ينقطع من حوله عن منح دعم مشروعات الأفلام وذلك حول الطاولات المجاورة له في مقهى سوق الحميدية حيث يجتمع عدد من المخرجين والممثلين الشباب بشكل عفوي هناك، لم يخف ياسر أنه ينتظر حاليا نتائج منحة تقدم لها لإخراج مشروعه، فقبل أسابيع تقدم بمشروع الفيلم بما يتضمنه هذا من ميزانية وتفاصيل خطة العمل، إلى جانب استمارة مكونة من 13 صفحة.. تهتم لجنة المنح بهذه التفاصيل، لكنها من المؤكد انها لا تعلم ما وراء قصص المتقدمين من أبعاد إنسانية واجهوها في سبيل تحقيق مشروعاتهم.
"أعمل في مجال إخراج الأفلام المستقلة و الوثائقية التي تعرض في المحطات الإخبارية، لكن طوال السنوات الماضية أسعى لصنع تجربتي الخاصة من خلال فكرة أعمل على تنفيذها منذ سنوات، لكن في النهاية هذا النوع من الأفلام غير التقليدي ما زال لم يعتد عليه الجمهور بشكل كاف، لذا فجهات الإنتاج تنحصر في جهات معينة، مثل المنتجين المنفذين الذين يعملون حسب اتفاق مع محطة فضائية ذات خط إخباري يعتمد على الأفلام الوثائقية، إلى جانب وجود بعض الجهات الإنتاجية الخاصة التي تمولها هيئات عالمية".
في كلا الحالتين الذين ذكرهما ياسر فالحرية ليست مطلقة، إما الخضوع لأجندة محطة فضائية ستشترى الفيلم، أو قواعد المنتجين وشروطهم، لكن ياسر يبحث عن الحرية الكاملة في إنتاج عمله حسبما يريد.
الجهات الحكومية ليست متاحة بسهولة ويسر، تكفي جلسة وسط عدد من مخرجي الأفلام المستقلة لتوضح أن الأمر ليس بهذه البساطة.
ينتمي هذا الجيل الذي يعيش المرحلة الثلاثينية من عمره بين جيل سبقه صنع شكلا للأفلام التسجيلية التقليدية التابعة للتلفزيون المصري، وجيل أصغر أصبحت التكنولوجيا لعبة في يده يصنع بها أفلاما بواسطة كاميرا المحمول بل والدخول في مسابقات والمنافسة فيها، لكن ما زال هذا الجيل يراهن على أن يحقق الجماهيرية التي تحققها الأفلام التجارية التي تستند إلى شركات الإنتاج العملاقة، مازال يراهن على أن الأدوات البسيطة، ومساندة هؤلاء الشباب لبعضهم ستصنع فارقا يراهن عليه ياسر وزملاؤه.. إذن لماذا المنحة؟ يوضح ياسر : "الحاجة إلى التفرغ الكامل والإنفاق بشكل متصل على المشروع دون توقف، والتعايش مع مصادر الفيلم، على سبيل المثال بدأت مشروعي الذي تقدمت به إلى الجهة المانحة منذ 2006، في قالب يخلط الدراما بالتسجيل، لكنه توقف لأسباب عديدة أغلبها انشغالي أنا وزميلي المشارك في إعداد الفيلم -رحمه الله- عن استكمال مشروعنا بسبب واقع تفاصيل عملنا في أماكن أخرى لإتاحة المال الذي ننفق به على مشروعنا".
التوقف عن استكمال العمل، قد يفقدك التواصل مع من يظهروا على الشاشة، بعضهم قد يسافر أو يرحل وتفقد أحد مصادر عملك، أما الجانب الأصعب أيضا في مسألة الحصول على منحة فهو الجهة المانحة، لا بد من أن يكون الاختيار من جهة ذات سمعة طيبة، حتى لا يخسر المشروع بسبب تشنيع الآخرين عليه.
يضيف ياسر: "في حياة كل منا عمل يجلب منه المال، وليس معنى هذا أنه لا يؤديه بإخلاص، لكن هناك عمل آخر يكون بمثابة مشروع، يمثل توجهات الشخص واختياراته وقناعاته، ويعبر عنه بشكل مباشر، هذا العمل يحتاج تفرغ وتمويل متصل، واستقلال كامل، وهدوء بال.. هذا ما أبحث عنه".

تفرغ الشعراء موضوع حساس جدا!
تفرغ المبدع قد يختلف قليلا عن تفرغ الباحث أو تفرغ المخرج المتمكن من أدواته رغم أن فى كل من هذين المجالين ابتكارا، إلا أن بعض المجالات الإبداعية مثل الشعر يكاد يكون قائما على التفرغ الذهنى.. هناك تفاصيل أخرى يرويها من حصلوا على منحة التفرغ فى هذا المجال، خاصة فى ظل ما يعتقده البعض بأن الشعر عليه أن يكون حرا من أى دعم وأن الشعراء أبدعوا فى السجون والرحلات الشاقة دون دعم من أحد.
فى العام 2008 تقدم الشاعر الشاب محمد طلبة للمرة الأولى مع زملائه إلى وزارة الثقافة المصرية للحصول على منحة التفرغ، ونجحوا فى الحصول على منح ذلك العام، يوضح من خلال تجربته: «ما لا يقدره البعض هو أن إنتاج الشعر يحتاج تفرغا ذهنيا بعيدا عن أعباء الحياة اليومية فى العمل وساعات الإجهاد فى المواصلات العامة، هناك أيضا جانب آخر قد لا يدركه البعض وهو أن إنتاج الشعر لا يأتى من فراغ، بل بعد قراءات تستحث الذهن على الإبداع وقراءات أخرى لتطوير المهارات اللغوية والنقدية، كل هذا يحتاج إلى تفرغ وعيش كريم».
على خلاف المنح الأخرى لم يكن محمد طلبة على دراية بتفاصيل كثيرة، سوى عرض فكرة ديوانه فى موعد الإعلان.. وفى مبنى تابع لوزارة الثقافة بحى الدقى القاهرى تقع الإدارة العامة لمنح التفرغ ورعاية الفنانين والأدباء، تشرح إيمان نجم مديرة هذه الإدارة القواعد المعمول بها فى قبول منح التفرغ: «فى هذه الفترة من كل عام تعلن مسابقة التفرغ فى عدة فروع إبداعية يتقدم لها المئات سنويا، لكن اللجنة المكونة من أساتذة أكاديميين برئاسة مقرر اللجنة الدكتور على أبوشادى تختار عددا معينا من أصحاب أفضل مشروعات حسب الميزانية المقررة فى كل عام، وعلى الحاصل على المشروع أن يسلم عمله بعد عام، وبالطبع يتم مراجعته من لجنة متابعة كل 3 أشهر».
الحاصلون على المنحة يقدمون موافقة من جهة العمل، والتفرغ يكون فى مقابل شهرى يبدأ من 850 جنيها، وحسب إيمان نجم فإن الشباب هم الفئات الأكثر إقبالا على هذه المنحة.. ورغم تعدد فروعها إلا أنها تكاد تكون الوحيدة فى مجال الشعر داخل مصر.
الشاعر والناقد محمد الفارس الذى أصدر أول دواوينه فى الستينيات كتب فى مجالات أخرى غير الشعر ومنها الرواية التى حصل بها على منحة تفرغ قبل عدة أعوام، لكنه مر بالمشكلة التى يمر بها بعض من لم يتكرر حصولهم على منح التفرغ مرة أخرى، وهى متعلقة بطبع عمل التفرغ، ويوضح: «بعد أن سلمت روايتى بعد سنة التفرغ قبل عدة أعوام، لم يتم طبعها، وكنت أرغب فى معرفة معايير الرفض، حتى أننى عرضت أن أعيد مبلغ التفرغ إن كانوا يرون أن عملى غير جيد أو إذا ما كان تفرغى غير مجد!».
محمد طلبة ــ الشاعر الشاب ــ هو الآخر شعر بالإحباط حين لم يقبل فى المنحة العام التالى لفوزه بها، وكتب شكوى لنفس الغرض، تعلق إيمان نجم مدير إدارة المنح: «التعامل مع المبدع أمر حساس جدا، لأنه ليس من السهل أن يقبل رفض اللجنة، ونحن نترك الأمور الفنية للجنة المنح المكونة من المتخصصين، وتعود إلى تقديرهم وهم لديهم الكفاءة فى ذلك، كذلك المنحة لا تلزم الوزارة بطبع جميع الأعمال، بل يتم نشر بعضها فى سلسلة إبداعات التفرغ مما تحدده اللجنة».
على قدر السعادة التى يمر بها الحاصل على المنحة وإحساسه بشىء من التكريم والرعاية والدعم إلا أن عدم تكرارها يدفع إلى محاولة التعرف على الأسباب وقليل من القلق، يقول محمد الفارس: «لنكن منصفين ونقول إن الشباب هم الأولى بهذه المنح على أمل أن يتخرج منهم أسماء جديدة، لكن أحيانا ما يحتاج من أفنى عمره فى العمل الشاق إلى جانب الإبداع أن يحصل على فترة تفرغ ومساندة، خاصة إذا ما كان هناك من يحصل على المنحة بشكل متكرر».
قد يظن البعض أن الإبداع لا يحتاج إلى دعم مالى أو تفرغ، على عكس تكاليف البحوث وإدارة مشروع سينمائى، لكن محمد طلبة يدافع عن هذا الحق قائلا: «تجارب الشعراء حملت معها ما يكفل لهم حياة كريمة، بدءا من رعاية الملوك للشعراء قديما، انتهاء برعاية المؤسسات، حتى الشعراء الحديثين مثل صلاح جاهين وغيرهم كانت لهم موارد دخل تكفيهم وتكفل لهم حق الإبداع، فدعم الإبداع ليس بدعة».

PDF

Thursday, February 18, 2010

تاريخ من التملك والايجار

عبدالرحمن مصطفى
تصوير- مجدي ابراهيم

فى المسافة بين تملك السكن وتأجيره كانت الأولوية لدى المصريين لفكرة التملك، حتى جاء العصر الحديث بتعقيداته ليفرض عليهم واقعا مختلفا، فمنذ آلاف السنين احتفظ الفلاح القديم بحقه فى منزل مستقل أشبه بالحصن الأخير الذى يحقق له إحساسا بالتملك حتى إن كان أجيرا فى أراضى الآخرين.
بيت الأحلام كما يصفه ت.ج.جيميز فى كتابه «الحياة أيام الفراعنة» هو أقرب إلى الفيللا، تحيط به الشوارع، وله حديقة وبركة، وطيور وأشجار، وهو ما يقع فى سلطة كبار العسكريين والكتبة، على عكس مساكن المتواضعين الذين قد يسكنون فى مساكن تصل المسافة بين بعضها إلى متر ونصف المتر فقط دون شوارع ممهدة، وعلى عكس ملكية الأراضى الزراعية التى قد تنزع أو تفتت بالوراثة ظل حق السكن مكفولا للجميع منذ تلك الفترات القديمة، سواء للمرأة أو الرجل.
يؤكد الدكتور محمد محيى الدين ــ أستاذ علم الاجتماع السكانى فى كلية الآداب بجامعة المنوفية ــ أن فكرة تملك السكن ظلت هى الأصل لدى المصريين حين كان النمط الريفى فى السكن هو السائد طوال العصور، ويضيف: «مازال هذا الواقع مستمرا فى الريف المصرى، لكن مع ازدياد معدلات التحضر وتضخم المدن الكبرى فى مصر بدأت فكرة الاستئجار تكون مطروحة بقوة».
فى العصور الإسلامية وما أعقبها فى الفترة المماليكية ــ العثمانية لم تطرأ تغييرات فارقة على علاقة المصريين بالسكن سوى فى ملاحظة يسجلها الدكتور عاصم الدسوقى، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر فى كلية الآداب بجامعة حلوان، إذ يوضح: «الظاهرة الأهم فى هذا المجال كانت فى المدن، وكانت الملكية مستقلة بطبيعة الحال، لكن ساد حس جماعى بين أصحاب الطوائف الدينية والمهنية، ليسكنوا الحوارى ذات الباب الواحد، لتصبح الورشة جزء عضويا من السكن وملكيته، ولم تكن فكرة الإيجار مطروحة بجدية سوى فى بدايات القرن الماضى».
بعد تطور شكل الدولة الحديثة فى عهد خلفاء محمد على ودخول قوانين تنظيمية وظهور الجاليات الأجنبية فى الحياة العملية، كان لابد من تطور فى علاقة المصرى بسكنه، خاصة بعد ظهور شركات الاستثمار العقارى التى أنشأت أحياء بأكملها، لكن المفارقة التى سجلها الدكتور عاصم الدسوقى فى كتابه «كبار ملاك الأراضى الزراعية ودورهم فى المجتمع المصرى» (دار الشروق/2007)، أن الزراعة ظلت هى المصدر الرئيسى للإنتاج لفئة كبار الملاك، ويعلق على هذا قائلا: «ظل كبار الملاك مرتبطين بالريف ونمط السكن والإنتاج هناك، وبعضهم أجر الفيللات فى العاصمة، لكن حقيقة الأمر أن الطبقة الوسطى فى المدن أثناء النصف الأول من القرن العشرين وقبل الثورة تحديدا كانت قد بدأت فى الانتقال بقوة لشكل الإيجار السكنى».
مجتمع المدينة فى تلك الفترة كان ينشط فى اتجاهات جديدة من النشاط الاقتصادى، وكان الأفندية ومن هم أدنى فى السلم الاجتماعى أكثر قبولا لفكرة التأجير، وهو ما اعتبره الدكتور محمد محيى الدين فرصة لتحقيق «الحراك المكانى»، لكن هذا الأمر كان له وجه آخر: «قبل ثورة 1952 كان من حق المالك أن يخلى الشقة من المستأجر، وهو ما تغير بعد الثورة بتحديد قيمة الإيجار وتخفيضها، وأصبح المستأجر أكثر ارتباطا بشقته وأوجد ذلك حالة من الغضب المكتوم بين المالك والمستأجر، حتى بدأنا مؤخرا فى الحديث عن قانون الإيجار الجديد لرفع قيمة الإيجار».
يتفق كل من الدكتور عاصم الدسوقى والدكتور محمد محيى الدين على أن عصر السادات كان نقطة مفصلية مع سياسة الانفتاح التى اتبعها، فأدى ذلك إلى انتقال رأس المال الزراعى ــ حسب تعبير د.عاصم الدسوقى ــ إلى مجال البناء فى العقارات، فزادت فرص التملك من جديد، خاصة مع عودة أموال العائدين من الخليج فى الثمانينيات.
فى حين يرصد د. محمد محيى الدين ما أدى إليه هذا التوجه الجديد فى ظل الأزمة السكنية فى السبعينيات وازدياد معدلات الهجرة من الريف إلى الحضر، شارحا أنه قد بدأ «ترييف المدينة» وهو ما أثر على شكل تملك السكن بوجود شكل «البيت العائلى» داخل العاصمة، واتجاه القادمين من الريف إلى تأجير شقق فى أماكن قريبة من بيئتهم الأصلية فى أحياء ذات أصل ريفى، على عكس «الحراك المكانى» القديم الذى كان يقوم به أبناء المدينة فى انتقالاتهم.
هذه الفوارق الواضحة التى كانت بين الأحياء الشعبية والراقية، وبين الريف والحضر، أذابتها الهجرة الداخلية وطورها ارتفاع مستوى التعليم فى فئات ورثت طبقة الأفندية القديمة، وأصبحت هناك حالات تصلح للدراسة يشير إليها الدكتور محمد محيى الدين مثل حيى بولاق والجمالية فى القاهرة اللذين تحولا من نمط السكن القديم حين كانا مستقرين لحوارى قامت على أساس الطائفة، ثم نشوء الطبقة الوسطى الأكثر تعلما، وأخيرا استقطاب الهجرات الريفية، ولكل فئة فلسفتها فى التملك والإيجار.

Saturday, February 6, 2010

تراجع نسبة المصريات اللاتي تعرضن للختان إلى ٩١٪

عبدالرحمن مصطفى
تصوير: هبة خليفة

«الشيخ قال إن ختان البنت سنة!.. طب مين اللى قال إنه ختان البنت مؤذى؟» هذه الأسئلة يتلقاها العاملون بالمجلس القومى للطفولة والأمومة على الخط الساخن 16000 الخاص بنجدة الطفل.
تذكر سارة فتحى ــ إحدى منسقات المشروع القومى لمناهضة ختان الإناث بالمجلس ــ أنها كانت تتلقى أسئلة كثيرة من هذه النوعية إلى جانب الأسئلة الطبية الأخرى، وتقول: «من خلال الخبرات السابقة فى المجال والتعامل المباشر مع الجمهور فى الخط الساخن أصبح واضحا لدينا أن إحدى أهم المعوقات التى تواجهنا بخصوص مشكلة الختان هى اعتقاد البعض أنها عادة دينية».
ورغم إعلان مفتى الجمهورية على جمعة قبل سنوات عن فتوى تفيد بأن ختان الإناث حرام شرعا، فإن هناك حالة من البلبلة تثيرها فتاوى أخرى وآراء دينية تزكى وتبيح ختان الإناث.
يعمل المشروع القومى لمناهضة ختان الإناث اليوم، الذى يتزامن مع الاحتفال العالمى بمناهضة ختان الإناث، فى مرحلته الثانية التى ستستمر حتى العام 2011 والتى تستند إلى آليات أخرى منها خط ساخن للمشورة الأسرية ووضع قضايا الختان ضمن عمل أوسع على ظاهرة العنف الأسرى.
وأظهر المسح السكانى الصحى لمصر الصادر عن وزارة الصحة العام الماضى أن نسبة السيدات فى الفئة العمرية من 15 إلى 49 عاما اللاتى تعرضن للختان هى 91 %، بينما كانت النسبة فى مسح عام 1995 قد وصلت إلى 97 % من السيدات فى نفس الفئة العمرية.
وتقول آمال عبدالهادى ــ عضو مجلس أمناء بمؤسسة المرأة الجديدة ــ إن بعض التجارب مثل تجربة قرية دير البرشا التى أعلنت تخليها عن تلك العادة فى أوائل التسعينيات نموذجا مهما يعطى بعض الدلائل والمؤشرات. وتضيف قائلة إنه: «من خلال تواجدى فى القرية فى ذلك الوقت لإجراء دراسة ميدانية وجدت أن هناك تأثيرا كبيرا من كبار القرية ورجال الدين على الناس، ما نحتاجه اليوم هو أن تظهر شخصيات قيادية ونجوم المجتمع ليعلنوا تخليهم عن تلك العادة، والتخلى عن الرفض الصامت للختان».
توضح آمال عبدالهادى أن هناك عدة موجات ظهرت تدافع عن حق الفتاة فى حماية جسدها منذ عشرينات القرن الماضى، لكن كانت الانتكاسة فى قانون عام 59 الذى منع ممارسة الختان داخل المستشفيات وزارة الصحة، مما جعلها متاحة فى العيادات الخاصة، بل ونقلها من فئات بسيطة مثل حلاق الصحة والداية إلى الطبيب الجراح مما جعل لها قبولا لدى بعض الفئات.
وحسب المسح الصحى الديمجرافى الصادر عن وزارة الصحة فى عام 1995 فإن نسبة 17 % من حالات الختان فى مصر جرت بواسطة الأطباء وارتفعت النسبة إلى 67 % عام 2005.
إلا أن ما يعتبره النشطاء نوعا من التقدم هو تجريم قانون الطفل لختان الإناث، وتقول سارة فتحى من المشروع القومى لمناهضة ختان الإناث: «المرحلة الثانية من المشروع هى التعريف بعواقب هذه الممارسة فى ضوء التجريم القانونى، إلا أن المشكلة التى واجهتنا أثناء تلقى بلاغات من الخط الساخن هو عدم توافر فكرة الضبط الجنائى، مما يجعل بعض هؤلاء الأطباء أو غيرهم يفلتون من العقوبة».

Sunday, January 31, 2010

معرض الكتاب يغازل هوس الشراء

عبد الرحمن مصطفى
تصوير: أحمد عبد اللطيف
حب اقتناء الكتب أصبح يمثل للبعض مشكلة حقيقية خصوصا فى موسم معرض الكتاب، الدكتورة عبلة عبد السميع مدرس اللغة التشيكية بكلية الألسن فى جامعة عين شمس واحدة من هؤلاء، فعلى الرغم من حرصها على اقتناء أحدث الإصدارات على مدار العام لكنها تعجز عن الامتناع عن الشراء فى فترة المعرض، وهو ما يسبب لها مشكلة سنوية: «اكتشفت أن هناك تراكما لدى من الكتب التى لم أطلع عليها من حصيلة شراء السنوات الماضية، وهو أمر محزن جدا، خصوصا وسط الانشغال بالقراءات الأكاديمية والحياة العملية».
مشكلة الدكتورة عبلة عبد السميع تجاوزت حد العجز عن الاطلاع على جميع ما لديها إلى أزمة فى تنسيق الكتب نفسها، تقول: «كل منا يصنع مكتبته الخاصة فى حدود المتاح لديه فى منزله، فهناك من معارفى من خصص شقة كاملة لكتبه وتحولت شقته إلى مكتبة حقيقية، وعلى الرغم من غرابة الفكرة لكنها حقيقية.. أما أنا فاضطررت إلى تخزين بعض كتبي من مشتريات الأعوام السابقة فى كراتين، وهو ما لا يرضى من يقدر قيمة الكتاب".
موسم شراء الكتب وما يصاحبه من إنفاق قد يسبب قلقا لمحبى اقتناء الكتب، فقد أصبح مشهدا مألوفا حين يحمل زوار معرض القاهرة الدولى للكتاب حقائبهم البلاستيكية المتخمة بالكتب أثناء حركتهم فى الزحام. والبحث بين أكثر من 16 سرايا عرض للكتب تنتشر على مساحة 70.000 متر مربع يتحول إلى رحلة شراء طويلة الأمد، خصوصا مع وجود كميات متوافرة من سلاسل حكومية منخفضة التكلفة مثل مكتبة الأسرة وغيرها.
المفارقة التى تعيشها الدكتور عبلة أثناء تلك الفترة هى أنه منذ دخولها من بوابات المعرض فهى تعلم جيدا أنها لن تجد كتبا كثيرة فى مجال تخصصها فى اللغة التشيكية، فمثل هذه الكتب تطلبها من المسافرين إلى التشيك أو تطلع على ما هو متاح منها على الإنترنت وهو ما يعكر مزاجها المحب لاقتناء الكتب.
حب الكتب ( خاصة النادر منها) والاطلاع عليها اصطلح على تسميته بـ«بيبليوفيلى
bibliophilie»ـ
وهو مختلف عن هوس شراء الكتب واقتنائها «بيبليومانيا
bibliomania»
الذى يعتبر أزمة تدفع صاحبها إلى شراء الكتب قسرا حتى إن لم يكن في حاجة لقراءتها، بل قد يصل به الحال إلى شراء نسخ وطبعات مختلفة من نفس الكتاب.
لا تخفى الدكتور عبلة عبد السميع قلقها هى وأصدقائها من فكرة سيطرة هوس الشراء عليهم، لذا توصلوا إلى فكرة مبتكرة اتفقوا عليها فيما يشبه التقليد السنوى المصاحب لمعرض الكتاب، وهي إعداد قوائم بأهم الكتب التى يرغب كل منهم شراءها أثناء المعرض وهو ما يجعلهم يتشاورون حول تلك الترشيحات، أما بعد رحلة التسوق من المعرض فيعودون لنشر قائمة أخرى تفيدهم في إعلام الآخرين بأسباب شراء كتبهم وملاحظاتهم على دور النشر.
وتتيح الآن بعض المواقع على الإنترنت إعداد مثل هذه القوائم فى إطار يشبه الشبكات الاجتماعية منها شبكة goodreads.com
التى تتيح لكل مشترك تصنيف كتبه على الموقع حسبما يرى، بما فى ذلك ما يرغب فى شراؤه وما قرأه بالفعل، ويمتاز الموقع بتقييم الكتب من الأعضاء والاطلاع على قوائم الأصدقاء فى الموقع.

Wednesday, January 27, 2010

المعرفة ليست دائما في المكتبات

عبد الرحمن مصطفى
تصوير: هبة خليفة
لم تأت هبة محمد إلى مكتبة معهد البحوث الأفريقية فى زيارة موسمية بسبب الامتحانات، بل جاءت تبحث عن مراجع قد لا تتوافر فى المكتبات العامة أو فى مكتبة كلية الآداب بجامعة القاهرة. تقول: «حفظت ألاعيب الطلبة جيدا حين يخفون الكتب فى غير أماكنها على الأرفف، أو حين يحجزون الكتاب الواحد لتصوير أجزاء متفرقة منه بينهم حتى تكون لديهم نسخة كاملة».
لا تخفى هبة أنها كانت تخضع لنفس قواعد اللعبة حين كانت طالبة فى كلية الآداب بقسم التاريخ وكذلك أثناء الدراسات التمهيدية بنفس القسم، لكن مجيئها إلى مكتبة معهد البحوث الأفريقية كان محاولة للبحث عن مراجع مختلفة من أجل التحضير لخطة رسالة الماجستير. هى ليس لها حق الاطلاع إلا فى يوم واحد حسب اللوائح الداخلية للمكتبة لمن هم ليسوا طلبة بالمعهد. اعتادت أثناء وجودها داخل المكتبات على صخب الطلاب فى زياراتهم الموسمية واعتادت على عبارات من أمناء المكتبة من نوعية «مفيش تصوير دلوقت»، «الصوت يا شباب.. مينفعش كده»، كل هذه الضغوط من المتوقع أن تزيد فى حالة ما سجلت رسالة الماجستير حيث ستكون مطالبة بالبحث عن مراجع أكثر اختلافا والتعامل مع مراجع أجنبية أكثر ندرة، إلى جانب عملها الأصلى خارج الجامعة، حسب قولها: «سيكون الانترنت هو الحل فى تلك المرحلة».
بعض زملائها لم يجدوا سبيلا إلى الاطلاع على أرشيفات دار الوثائق أو التعامل المباشر معها لأنهم أيضا لا يستطيعون الحصول على التصاريح اللازمة للاطلاع على الأرشيفات وهو ما يتاح لباحثى الماجستير وما بعدها، لذا حاولوا الاستعانة بموقع الدار على الانترنت لكن التعامل المباشر يختلف تماما.
هناك طرق أخرى يسلكها البعض عن طريق المراكز الثقافية فى مصر، أحد الباحثين أفصح عن خطته لاستغلال مكتبة المركز الثقافى الألمانى فى طلب المراجع التى سيحتاجها من ألمانيا! لكن فى الفترة الأخيرة أثيرت ضجة حول مدى فاعلية هذه المراكز الثقافية ومكتباتها فى خدمة الباحثين بعد أن أغلق بعضها مكتبته مثلما حدث مع مكتبة المجلس الثقافى البريطانى الصيف الماضى، وثار جدل بعد إعلان الإدارة أن من أسباب إغلاقها أن المصريين غير مهتمين بالكتب والقراءة وأن المكتبة لا تفيد إلا شريحة ضيقة. مثل هذه التصريحات أخفت جوانب أخرى حول عرقلة استخدام المكتبة منها الاشتراك السنوى الذى كان يضعه المجلس لارتياد المكتبة وهو ما لم يشجع كثيرا من الطلبة على ارتيادها، هذا الرأى تدعمه هاجر هشام المعيدة بقسم اللغة الانجليزية فى كلية الألسن ــ جامعة عين شمس، تقول: «مكتبة المجلس كانت مفيدة فى الكتب الكلاسيكية التقليدية لكنها لم تكن أساسية، كنت أستخدم طوال سنوات الدراسة مكتبة الجامعة والكلية لأنها الأكثر تخصصا، أعتقد أنه لم يخسر الطلبة كثيرا بإغلاق هذه المكتبة».

دراما الماجستير
هذه اللهجة الواثقة التى تتحدث بها هاجر تخفى وراءها مشكلة أعمق بسبب اختيارها التخصص فى مجال الأدب وتحديدا فى موضوع عن المسرح الأمريكى المعاصر فوقعت فى مأزق العجز عن الحصول أو حتى الاطلاع على أعمال هؤلاء المسرحيين لعدم وجودها فى مصر، فهى لا تبحث عن مراجع أو أبحاث أكاديمية تقليدية يمكن توافرها على الانترنت، وحيث إن جامعة عين شمس التى تتبعها كلية الألسن تشترط على طلابها إنجاز مهمة تسجيل الماجستير فى خلال ثلاث سنوات منذ بدء الدراسات العليا فلم يعد أمام هاجر سوى سنة واحدة لتحضير موضوع رسالة الماجستير بعد سنتين إجباريتين قضتهما فى الدراسة قبلها، وهى توضح: «أنا فى مأزق حقيقى.. لم يعد أمامى إلا أشهر قليلة حتى أكون قد قرأت ما يكفى لكتابة خطة بحث درجة الماجستير».
فى مثل هذه الحالة هناك طرق أخرى لإنقاذ الموقف، تشرحها هاجر: «ذهبت إلى مكتبة ديوان لطلب بعض هذه الأعمال المسرحية عن طريق طلب شراء تقليدى من خارج مصر، وبعد ثلاثة أشهر لم تصلنى الكتب، وحاولت عبر الجامعة الأمريكية وتعثر الأمر، والآن لا يسعفنى الوقت».
بعض زملاء هاجر يلجأ إلى طريقة ذكية للاطلاع على أحدث الإصدارات.. تتلخص الخطة فى اصطياد منحة قصيرة المدة إلى الخارج تتيح لهم السفر والاطلاع على أحدث ما أصدره العالم، لكنها بحكم عملها كمعيدة فعليها أولا تسجيل موضوع بحث الماجستير قبل قبول أى منحة.. بعض أصدقائها اليوم يقترحون عليها البحث فى موضوع جديد (أسهل) له مراجع متاحة فى المكتبات، فترد على ذلك: «اعتدت منذ السنة الثانية بالكلية على أن أتجه إلى سور الأزبكية بحثا عن الكتب النادرة أو القيمة لأكون مكتبتى الخاصة فى فترة مبكرة، فالمكتبات لا تفيد دائما، مثلما لم تسعفنى اليوم».
التعامل مع سور الأزبكية قد يكون حلا لكثير من الباحثين خاصة مع ما يصل إلى التجار من مقتنيات خاصة بعضها نادر، لكن المفارقة أن المكتبات التقليدية أيضا تصل مقتنياتها إلى سور الأزبكية، فوجود أختام مكتبات مثل دار الكتب أو جامعة القاهرة على الكتب المبيعة فى سور الأزبكية بفرعيه فى السيدة زينب والأزبكية شاهد على تنوع المقتنيات هناك، فلدى المكتبات إجراء روتينى فى التخلص من التالف لديها، تتحدث إحدى العاملات فى فرع من فروع مكتبات دار الكتب المصرية بلهجة فخر عن أنها منعت تسجيل بعض الكتب تحت تصنيف تالف وأعادت إصلاحها ووضعها على الأرفف، وأكد لها بعض مرتادى المكتبة من الطلبة أن بعض الكتب الموجودة فى هذا الفرع فى مجالى التاريخ الحديث والسياسة ليست موجودة فى مكتبات كبرى مثل مكتبة مبارك، بل إن بعضهم اكتشف ترجمة عربية قديمة لكتاب كان يعمل على ترجمة أجزاء منه يستعين بها فى بحثه. بكل بساطة تقول: «اقترحت أن تبقى هذه الكتب وألا نتخلص منها لأن حالتها لم تكن سيئة لدرجة التخلص منها». وتشير إلى أن بعض هذه الكتب كانت من منتجات حركة الترجمة والنشر القوية التى كانت موجودة فى عقد الستينيات فى مصر.
هذا النموذج من أمناء المكتبات ليس هو السائد دائما، الدكتورة حسناء محجوب رئيس قسم المكتبات والمعلومات بجامعة المنوفية ترى أن الأمر دائما معلق برقبة إخصائى المعلومات فى مراكز المعلومات أو المكتبات، وتقول: «استطيع أن أقول إن 80% من نجاح أى مكتبة أو مركز معلومات يعتمد على العنصر البشرى لأن كثيرا من المكتبات الحديثة مبانيها فخمة لكن العناصر البشرية ليست على نفس المستوى، والمسألة ليست مسألة إمكانات شراء كتب فهناك نموذج دار الكتب التى يتحتم على الإصدارات الجديدة التى تملك رقم إيداع أن ترسل نسخا إليها دون أن تتحمل ميزانية المكتبة أى شىء، وهنا تبقى أهمية العنصر البشرى».

مجتمع الباحثين
فى أثناء رحلة البحث عن المعلومة يتكون مجتمع صغير من أصحاب الهم الواحد، وكلما ضاق التخصص والاهتمام صغر هذا المجتمع، هذه الحالة ربما تستقطبها بعض المراكز البحثية ومكتباتها، ويعد مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (سيداج) أحد هذه التجمعات حسبما تصف إيمان فرج الباحثة فى المركز التى بدأ تعرفها على المكان منذ أن كانت طالبة فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى نهاية السبعينيات حتى انتقلت كباحثة داخل المركز، وقبل عدة أسابيع على طريقة ما حدث فى مكتبة المجلس الثقافة البريطانى صدر قرار داخلى بإغلاق المكتبة وقسم التوثيق، تعلق إيمان فرج: «أهمية هذه المكتبة أنها كونت مجتمعا خاصا من الباحثين الأجانب والمصريين وهو ما كون لديهم ارتباطا بالمكان، خاصة مع ما كان يوفره من اطلاع على الدوريات الحديثة الفرنسية التى انفرد بها فى مصر».
توافر الدوريات الحديثة لم يجذب فقط الباحثين أو الصحفيين إلى المكتبة بل كانت خدمة الأرشيف الصحفى المصنف حسب أهم الموضوعات والقضايا من أهم الخدمات هناك، وهو ما ساعد الكثيرين فى هذا المجال. وهى خدمة مجانية ستتوقف مع إغلاق المكتبة.
تبدو الدكتورة حسناء محجوب ــ أستاذة المكتبات والمعلومات ــ أكثر تفاؤلا فى تلقيها قرار إغلاق هذه النوعية من المكتبات المرتبطة بمراكز أجنبية، وهى تقول: «حاليا الانترنت أسعف الكثيرين وخطفهم من هذه المراكز، فالكتب أصبح يتم تحميلها على الانترنت، بل حتى خدمة الأرشيف الصحافى أصبحت توفرها بعض المشروعات مدفوعة الأجر».
تتحدث الدكتورة حسناء محجوب بحماس عن وجود خدمات فى الجامعات نفسها على الطلبة الاستفادة منها مثل بوابة اتحاد مكتبات الجامعات المصرية التى تقدم مقتنيات مكتبات الجامعات المصرية من رسائل الماجستير والدكتوراه وأبحاث، إلى جانب الدوريات والأبحاث فى الجامعات الغربية أيضا.
لكن فى حالة هاجر المعيدة بكلية الألسن فالمشكلة أن هدفها الحصول على أعمال مسرحية كاملة قد لا تتوافر داخل قواعد البيانات البحثية.
خلود صابر ــ المعيدة بقسم علم النفس بجامعة القاهرة ــ بدت متصالحة مع هذا السقف المنخفض الذى تفرضه قواعد المناخ التعليمى حسب تعبيرها، وتقول: «لى أصدقاء فى الجامعة الأمريكية يساعدوننى على الوصول إلى أحدث المراجع التى تتوافر ولا تصل إلينا». مشكلة مكتبة الجامعة الأمريكية التى يؤمها عدد من الباحثين سعيا وراء الإصدارات الأحدث فى الولايات المتحدة وغيرها من الجامعات الغربية أنه على الطالب أو الباحث ألا يطمح فى ارتيادها إلا فى يوم واحد فى الأسبوع لمن يعد رسالة الماجستير أو الدكتوراه، ولم يعد مقرها متاحا فى منطقة وسط البلد بالقاهرة كما كانت قديما بل انتقلت إلى التجمع الخامس، وكلها أسباب تحد من معرفة أحدث الإصدارات الغربية.
تضيف خلود: «المشكلة ليست فى الإمكانات فقط، بل أحيانا فى النظام الإدارى أو فى العنصر البشرى حين تكون فكرة أن ترتقى بمستوى معرفتك غير مطروحة أساسا فى الجامعة، وتجد موظفين يعملون على التضييق عليك أحيانا».
بعض التفاصيل ما زالت تعوق انجازات كبيرة مثل تطوير المكتبة المركزية العملاقة فى جامعة القاهرة، مثل صعوبة البحث فى قواعد البيانات والوصول إلى الكتاب المستهدف، لكن الأمر يتخطى أحيانا إلى تفاصيل تذكرها خلود: «حسب عملى كمعيدة فى القسم فمطلوب منا شراء كتب بمبلغ محدد سنويا من معرض الكتاب، وهذا ما تم، لكنى بعد أكثر من عام لم أجد هذه الكتب على أرفف المكتبة حين طلبتها نتيجة مماطلات إدارية، والمفاجأة أن بعض الأقسام لا تهتم حتى بفكرة الحصول على هذا المقابل السنوى لشراء الكتب».
هذه الحالة العامة بتفاصيلها هى ما يبعد البعض عن طموح ملاحقة الأحدث فى مجال التخصص وتفرض القبول بالأمر الواقع فى بعض الحالات.. لم يطرح أحد حل، بل تمحورت المشكلة فى العنصر البشرى، وفى الوقت الذى ظهرت فيه حركات طلابية تدافع عن حقوق الطلاب فى مواجهة الجامعة، أغفل الطلاب حقهم فى الوصول إلى أجود المصادر العلمية وإتاحة المعرفة، وهو ما لم يتبناه الطلاب حتى الآن بشكل واضح.
PDF

Sunday, January 24, 2010

مبادرات ضد الطائفية

عبدالرحمن مصطفى
تصوير ــ جيهان نصر

عاش المهندس رامى سيدهم حالة من الصدمة ما زالت ممتدة إلى الآن عقب قتل 7 مواطنين أمام كنيسة فى مدينة نجع حمادى وما تبع هذه الجريمة من ملابسات غريبة، تجعله يفكر فى شكل المستقبل، «فى الماضى كنا نسمع عن العلاقات المتداخلة والمتشابكة بين المسلمين والمسيحيين، اليوم قلت هذه العلاقات، فماذا عن الغد؟».
قلقه الكبير دفعه إلى أن يسترجع تجربة عاشها مع أصدقائه فى عام 2005، وقتها كان هناك حادث طائفى آخر فى حى محرم بك بمدينة الإسكندرية، تجمهر المئات حول كنيسة مارجرجس، وتبع ذلك شغب وعبارات متعصبة، ثم حوادث قتل وإصابات.
تلك الحوادث دفعت مجموعة من الشباب وقتها إلى إطلاق مبادرة تحت عنوان «مصارحة ومصالحة»، كان الهدف واضحا منذ البداية، وهو مناقشة الصور السيئة، التى يروجها كل طرف عن الآخر، والتى تستخدم فى التحريض، وكان يحرك هذه المجموعة دوافع أخرى يوضحها رامى: «حققنا نجاحا مهما داخل أنفسنا، كنا نتحدث فى أى شىء وكل شىء بحرية تامة، وهو ما انتقل إلى مدوناتنا أحيانا، وذلك فى الوقت الذى كان فيه الإنترنت يعج بالكتابات المتعصبة والحروب بين المذاهب، كنا نحن نحاول أن نكون النموذج المختلف ونقطة ضوء وسط هذا الظلام».
حادث كنيسة محرم بك كان ينشطه تحريضات على الإنترنت بعد نشر كليب مسرحية اعتبرها البعض مسيئة للإسلام.
خلال السنوات الماضية كانت المبادرة محل اهتمام إعلامى فى بعض الأوقات، إلا أن رامى يرى أن هذا الظهور الإعلامى بين الحين والآخر لم يغير طبيعة المجموعة الصغيرة، التى لم تتسع لأعضاء جدد بشكل جيد لنشر أفكارها إلى آخرين. بقدر ما كانت نموذجا أمام الآخرين، فأعضاء هذه المجموعة لا يزيد على 12 فردا، وهو ما يراه عيبا اليوم.

مناقشات شهرية
بعض مرتادى الإنترنت كان لديهم فضول لمعرفة ماذا يحدث فى مثل هذه الاجتماعات؟ فى أحد الأماكن العامة كانت لقاءات أعضاء المبادرة بصورة شهرية، وفى كل جلسة هناك برنامج محدد وقضية للمناقشة تخص العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، مرة نقد فيلم سينمائى اهتم بتناول هذه العلاقة، أو مناقشة كتاب يسىء للعلاقة بين الطرفين، إلى جانب طقس أخير أقرب للطقس الروحى فى قراءة نصوص دينية حول موضوع واحد من القرآن والكتاب المقدس.
البعض انضم إلى المجموعة المؤسسة عن طريق المدونات، ومنهم الدكتورة سوسن على التى لم تكن فى يوم من الأيام ناشطة أو على دراية واسعة بعمل المبادرات، وهو ما جعلها ترى الهدف منها بطريقة مختلفة، وتقول: «المكسب الأكبر بالنسبة لى كان النقاش حول أمور لم نتناقش حولها من قبل، أصبحت أعرف ما يقال سرا بين المسيحيين عن المسلمين والعكس، وكيف يمكن أن يسىء المسلم لزميله المسيحى أو العكس دون أن يقصد عن طريق اللغة المستخدمة المسيئة التى اعتاد عليها وهو ما كان بمثابة صدمة لى، أما أكبر المكاسب فكان فى نقل هذه التجربة إلى آخرين فى العائلة والعمل والمجتمع، أن أكون صوت صديقى المسيحى الغائب».
يرى رامى أن أفضل طريقة لنشر هذا النوع من المبادرات فى فكرة طرحها أعضاء المبادرة حول ضم أعضاء جدد وتعريفهم بكيفية إدارة هذا العمل بشكل سليم تمهيدا لتكوين مبادراتهم الخاصة على نفس النمط مع وجود مرجعية «مصارحة ومصالحة»، أما سوسن فرأت أن أفضل المكاسب هو أن يكون أعضاء المبادرة أنفسهم بمثابة «رسل» يدعون إلى نبذ العنف ورفع الوصم عن الطرف الآخر فى كل مكان، ربما يكون الإنترنت أداة لذلك، لكنها تضيف: «قبل عدة أشهر كنا نتناقش حول مستقبل المبادرة، هل علينا أن نضم أعضاء جددا؟ أم يجب أن نساعد آخرين على إيجاد طرق تنظيم مثل هذه المبادرات؟»
تضم المبادرة عاملين فى مجال المجتمع المدنى ومشاركين فى الأنشطة العامة مما أكسبها كفاءة فى مجال تحديد الرؤية وأسلوب العمل، وإدارة الجلسات بشكل احترافى، المكسب الذى أجمع عليه أعضاء المبادرة هو الصداقة، التى تكونت بينهم دون النظر إلى الدين، هذه الروح لم يتواءم معها بعض الأعضاء، الذين دخلوا المبادرة زوارا ولم يستمروا، يروى رامى: «كانت مشكلة تواجهنا دفعتنا إلى عدم التوسع، وهى أن يأت البعض بأجندته أو أن يتخذ موقف المدافع عن دينه وليس موقف المحاور المشارك».

لا تنتظر النتائج
فى عام 2008 أقامت جمعية الشباب الكاثوليكى المصرى مؤتمرا تحت عنوان «الطلاب الجامعيون ما بين الإيمان والحوار» قامت فكرة المؤتمر على أن تعيش مجموعة من الطلاب المسلمين والمسيحيين سويا طوال ثلاثة أيام، وهناك تعرفت مارجريت موسى ــ منسقة المؤتمر ــ على مبادرة «مصارحة ومصالحة»، ورغم أنها لم تشارك فى عضويتها لكن التعرف على أعضاء المبادرة زاد من تفاؤلها وإحساسها بالأمل، أما اليوم فهى تعتبر هذا المؤتمر بمثابة مبادرة مستمرة حتى الآن: «من خلال المؤتمر تعرفت على صديقتى إيمان، وبدأنا نبادر سويا فى طرح أفكار نواجه بها المجتمع، فى عيد الأضحى الماضى دعتنى إيمان أنا ومجموعة من الشباب المسيحى إلى المشاركة فى تجربة غريبة مع جمعية رسالة من أجل تقسيم لحوم الأضاحى داخل أحد المجازر، المشهد للمواطن المسيحى يبدو غريبا، والأغرب هو المشاركة فيه.. البعض سعد بوجودنا، والبعض الآخر أبدى استغرابه وتهكمه، لكن كان لابد لنا من أن نبادر».
تصف مارجريت سنوات الجامعة بأنها لم تساعد على إيجاد هذه الروح بل على العكس ساعدت البعض على أن يزيد من انغلاقه مع أبناء طائفته، ورغم أنها لم تتجاوز الثالثة والعشرين فإن اهتمامها بهذا النوع من الأنشطة أوجد لديها قناعة راسخة بأن «علينا ألا ننتظر النتائج المباشرة من أى مبادرة فى هذا المجال، يكفى التأثير الإيجابى فى الآخرين». وتحاول ضرب مثال على قناعتها، فتقول: «أحد البرامج التابعة للجمعية يعتمد على نقل طلاب فى سن الإعدادى والثانوى إلى بيئة مختلفة،
وهو ما تم حين التقينا أنا والطلاب مع صيادين يعيشون فى عالم مختلف وظروف سيئة، حاولنا المساعدة هناك دون النظر إلى ديانة أحد، وشارك معنا زملاء مسلمون، أظن أن إعداد الشباب الصغير على مثل هذه الروح سيفيده حين ينتقل إلى الجامعة، إلى جانب التأثير الذى نأمل أن يصل إلى البسطاء هناك من أن اختلاف دياناتنا لن تعيق روح المساعدة».
هانى جورج ــ أحد أعضاء مبادرة مصارحة ومصالحة ــ ينتمى هو الآخر إلى نفس جيل مارجريت، الذى ملّ موائد الوحدة الوطنية الشكلية والاحتفالات الكرنفالية بين المسلمين والمسيحيين. ويتفق مع مارجريت فى أن العمل المشترك العام بين أبناء الطوائف المختلفة هو ما يذيب الحس الطائفى والتعصب الذى ازداد مؤخرا فى المجتمع، فحين تقف الفتاة المحجبة مع زميلتها المسيحية فى عمل مشترك أمام المجتمع تصبح هذه الصورة هى الخطوة الحقيقية التى ستواجه الطائفية حسب رأى هانى، موضحا: «الحوارات والنقاشات التى عشتها فى مبادرة مصارحة ومصالحة ربما لم تنزل إلى الشارع فى أنشطة حركية لكنها أوجدت بيئة آمنة شجعت أعضاءها على الكتابة فى الإنترنت، ولفت نظر الآخرين إلى ما قد يكون إساءة فى حق الآخر، كما أن هناك رؤى أخرى لفكرة وأهداف المبادرة لا يمكن إغفالها».
يشارك هانى فى مبادرة أخرى تنشط الآن تحت عنوان: «خلى عندك صوت» تدعو الشباب إلى استخراج بطاقات انتخابية قبل موعد 31 يناير المقبل، ويقول: «مثل هذه التجربة جمعت المسلم والمسيحى فى عمل عام، بعضنا كان فى مبادرة مصارحة ومصالحة والبعض الآخر لا، المهم هو أن نعمل وننشط من أجل المجتمع، وقتها سنتعرف أكثر على بعضنا، وستوجد مساحة أكبر للحوار».
بعض صور المبادرات تتبنى فكرة الاتجاه إلى مواقع الأزمات الطائفية، هذا ما فعله اثنان من أعضاء «مصارحة ومصالحة» توجها مؤخرا إلى مدينة نجع حمادى مع مجموعة من النشطاء السياسيين والحقوقيين والمدونين بهدف تعزية أهالى الضحايا ورفع حالتهم المعنوية، لكن المفاجأة أنه تم القبض على المشاركين، الذين جاء بعضهم عن طريق الفيس بوك، ولم تنجح مبادرتهم بسبب العرقلة الأمنية، التى رأت فى تواجدهم نوعا من التجمهر يوجب الحبس.
يرى نبيل عبدالفتاح ــ الخبير بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية والمهتم بدراسة الوضع الطائفى فى مصر ــ أن المبادرات التى تصدى لها هذا الجيل الشاب أوجدت نوعا جديدا من المبادرات على عكس ما كان يحدث فى الماضى حين اقتصرت على من هم فوق الخمسين وفى إطار متصل بالسلطة، لكنه لا يخفى بعض التحفظات: «تابعت بعض هذه المبادرات مثل مبادرة مصارحة ومصالحة، وأصبحت سمة هذا النوع من العمل الذى جاء من مجتمع الإنترنت أنه لم يحقق توازنا بعد بين نجاحه الواسع فى الإنترنت، حيث المجتمع الافتراضى ونجاحه فى المجتمع الواقعى».
يعتقد نبيل عبدالفتاح أن أمام هذا الجيل فرص أفضل، حيث يوفر له الإنترنت أدوات جديدة قد تمكنه من أن يوجد آليات أكثر تطورا فى التعامل مع مشاكل المجتمع وتحديدا فى مسألة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، ويضيف: «حادثة نجع حمادى الأخيرة تقدم نمطا جديدا من فكرة القتل العشوائى، الذى لا يهتم بتحديد الضحية، وهو نمط خطير يستوجب علينا مزيدا من العمل، وعلى الجيل الشاب استغلال أدواته لتنمية رأسماله الوطنى فى مجتمع مدنى سليم».

أرقام المصارحة والمصالحة
فى عام 2008 أجرت مجموعة مصارحة ومصالحة استبيانا عبر موقعها على الإنترنت على عينة تتكون من نحو 3500 مشارك.
من الأسئلة الموجهة للمسيحيين
- هل دخلت جامع من قبل؟: 55% أجابوا بنعم، 45% أجابوا لا.
- المسيحى أولى بالثقة من المسلم: 46% أجابوا غير صحيح، 22% أجابوا صحيح، و30% لا يعرفون أو غير متأكدين
- هل المسيحى فى أوروبا أو أمريكا أقرب لك من المصرى المسلم؟: 81% أجابوا لا، 19% أجابوا نعم.
من الأسئلة الموجهة للمسلمين
- القساوسة بيعملوا سحر؟ 32%: أجابوا غير صحيح، و9% أجابوا بصحيح و59% أنهم غير متأكدين أو لا يعرفون.
- القساوسة يلبسون أسود حزنا على دخول الإسلام مصر: 39% أجابوا بغير صحيح و11% أجابوا بصحيح 50% أجابوا غير متأكدين أو لا يعرفون.
- هل المسلم فى جنوب أفريقيا أقرب لك من المسيحى فى مصر؟: 36% أجابوا نعم، و64% أجابوا لا.

Sunday, January 17, 2010

المرأة والتصوف.. صوت خافت وسط الضجيج

عبدالرحمن مصطفى
تصوير- هبة خليفة
قد لا يفصح المكان عن الكثير.. مجرد لافتة مدون عليها «ساحة أهل البيت» وفوقها اسم الحاجة زكية عبدالمطلب بدوى، من الصعب فهم أبعاد الموقع أو تفاصيله إلا بعد معرفة سيرة صاحبة الساحة وقصتها، هنا فى درب الطبلاوى بحى الجمالية. لايزال يتذكر البعض أنها كانت تطعم يوميا الفقراء وعابرى السبيل وتستضيف المريدين وأحباب أهل البيت، أما اليوم فتعمل ابنتها الحاجة نفيسة المهدى والحفيد أحمد محمود على إكمال ما بدأته صاحبة الساحة.
«كانت هناك إشارات مبكرة على شفافيتها وهو ما زادها تعلقا بأضرحة آل البيت، وأصبحت تأتى بصورة شبه يومية من بلدتها فى الدقهلية إلى القاهرة، حتى جاءتها رؤية صالحة دعتها فيها السيدة زينب للزيارة والإقامة إلى جوارها، فاعتزلت الدنيا وأقامت ساحة للذكر وإطعام الطعام».
تلخص الحاجة نفيسة قصة والدتها بهذه الكلمات التى تكاد تحاكى السير الشعبية لصوفيات وعارفات بالله توارين فى ظلال التاريخ ولم يبرز منهن سوى القليل من أمثال رابعة العدوية وعقيلات آل البيت. لاتزال الابنة تتذكر الشخصيات التى وفدت إلى هذا المكان من المشاهير الذين تحولت حياة بعضهم بكلمات طمأنة وعظات بسيطة، أما نشاطها الرئيسى إلى جانب العمل الخيرى فكان الذكر وتهيئة المكان لأصحاب الحضرة.
«امرأة تركت أهلها فى الريف فى بدايات القرن الماضى وأقامت هنا وتحملت مسئولية خدمة الناس على مدار 24 ساعة وأصبحت عليها مسئولية اجتماعية فى الإنصات إليهم فى كل وقت، رغم غلظة البعض. كل تلك الأمور أجدها اليوم منهكة لى ولوالدتى حين حاولنا استكمال مسيرة الشيخة زكية»، بهذه الكلمات يصف الحفيد أحمد حياة جدته الشيخة زكية التى توفيت فى العام 1983، بعض تفاصيل القصة تحمل الملامح التقليدية للمرأة الزاهدة المتصوفة التى ذاع صيتها بين الناس لكرمها وكراماتها، هذه الصورة بدأت فى الانحسار مع قلة استخدام تعبيرات من نوعية «العارفين بالله» وغيرها من الألفاظ، بعض العلماء ذوى الميول الصوفية جذبتهم قصة الشيخة زكية بعد أن عرفوها كزاهدة معتزلة للدنيا، من هؤلاء الشيخان الراحلان محمد متولى الشعراوى ومحمد صادق العدوى خطيب الجامع الأزهر، لكنها لم تكن عالمة مثلهما فى مجال الدين، ولم تحمل فلسفة أو إنتاجا أدبيا مثل الصوفيات الشهيرات، يعلق عليها حفيدها على هذه النقطة بقوله: «لم يكن يأتيها الناس طلبا للعلم، بل بحثا عن الخير والطمأنة التى تبثها الطاقة الروحية التى تملكها، ثم إن شيخنا أبا الحسن الشاذلى نفسه الذى تنتسب إليه طريقتنا الصوفية لم يترك كتبا، بقدر ما ترك مريدين».
نموذج الزاهدة الذى كانت تمثله الشيخة زكية قد يعيق ظهوره اليوم العديد من الأسباب على رأسها غياب هذا النموذج، فقد تلقت الشيخة زكية دعما من أسرتها التى لم تقف ضدها بل كان زهدها وعملها مع العامة والخاصة بدعم من زوجها وابن خالها الشيخ محمد المهدى، فهما ينتسبان إلى طريقة صوفية واحدة وإلى آل البيت. لم يكن الزوج مخيرا فى ذلك بل كان يتعامل مع ما تراه زوجته من رؤى ورغبات زاهدة على أنها يقين وحقيقة، حيث اعتزل هو الآخر حياة المدينة وعمل على الدعوة قرب قريته بأمر من شيخه.
تقول ابنتها نفيسة المهدى: «كان يمكن ألا نراها لمدة عام ونصف، لكننا كنا متفهمين ذلك لأننا أبناء طريقة وعلمنا أنها من أهل الكرامات».

راحتى يا إخوتى فى خلوتى
(رابعة العدوية)
البحث فى التاريخ الإسلامى عن نموذج للمرأة الصوفية يكشف عن أن بعضهن كن صاحبات علم ورؤية ولسن مجرد زاهدات أو صاحبات كرامات لكنهن رغم ذلك توارين فى كتب التاريخ. ترى الدكتور أميمة أبو بكر ــ أستاذة الأدب الإنجليزى بجامعة القاهرة وإحدى المهتمات بإعادة قراءة تاريخ المرأة فى الإسلام ــ أننا نكاد لا نعرف من تاريخ الزاهدات والعابدات فى العصور الإسلامية سوى رابعة العدوية، فى حين أن الكثيرات منهن أذكين الجانب الروحى فى الحياة الدينية أثناء العصور الإسلامية، بل أثرن فى الفكر الصوفى بأفكارهن عن العلاقة بالله ورغم ذلك فقد همشتهن كتب التاريخ، حتى الكتب الحديثة التى تؤرخ لتاريخ المرأة فى الإسلام.
وفى ورقة بحثية لها تحت عنوان «قراءة فى تاريخ عابدات الإسلام» ترصد الدكتورة أميمة أبوبكر أسماء العديد من الزاهدات العابدات فى المجتمع الإسلامى وتذكر أن: «العابدات والزاهدات الأوائل استطعن أن يوجدن مساحة كبيرة من حرية الحركة والسفر والزيارة والتحرر من القيود التقليدية على حركة النساء، بل والتحرر السياسى والاقتصادى حين كن ينفقن على أنفسهن من العمل».
قديما حسبما تذكر الدكتورة أميمة أبوبكر كانت الأدوار الأسرية للمرأة الزاهدة لا تشكل قيمتهن الوحيدة فى الحياة، فالمرأة الناسكة ليست مجرد امرأة تابعة للرجل، بل كانت المتزوجات منهن ينظرن إلى رباط الزوجية على أنه مسئولية روحية وشركة فى العبادة.
ما من شك فى أن قصة مثل قصة الشيخة زكية تكاد تكون بارزة بشكل لافت لأنها تمزج بين الصورة الشعبية للعارفة بالله وجرأة المرأة الزاهدة فى الإسلام وإقدامها، فقد اختارت أن تنفق ميراثها على الخير، وبنت مسجدا لها وساحة فى قلب الصحراء الشرقية قبل وفاتها لخدمة العرب هناك بجوار مقام القطب الصوفى أبى الحسن الشاذلى، وهو ما خفف من وحشة المكان هناك الذى يرتاده آلاف المتصوفة من جميع الأقطار.
اليوم مع انتشار التعليم والعمل فى أوساط النساء ودخول تيارات دينية متعددة على الخط أعادت النظر فى التصوف بل اتخذت منه أحيانا موقفا عدائيا.. زادت الضغوط على المرأة الصوفية وأصبح من الصعب أن تظهر نماذج لامعة فى هذا المجال، خصوصا أن بعض اللوائح التنظيمية الحديثة تعيق تقدمها عن طريق تجمع مثل المجلس الأعلى للطرق الصوفية الذى لا يقبل عضوية النساء داخله.. السيدة ماجدة عيد ــ زوجة السيد محمد الشهاوى شيخ الطريقة الشهاوية ــ تقول إن اختلاف إيقاع الحياة هو الذى غيّب السيدات الصوفيات عن الساحة، وهو ما جعلنا لانزال متعلقين بسير الزاهدات الأوائل أو من حاولن السير على طريقهن. ربما لا تشعر السيدة ماجدة بمرارة بسبب مسألة العضوية تحديدا وتعتبر أن اقتصار عضوية المجلس الأعلى للطرق الصوفية على الرجال لا يحد من وجود المرأة الصوفية فى الحياة العامة، وهى تبرر ذلك بأن من يمتهن الصحافة ليس بالضرورة حاملا لعضوية نقابة الصحفيين. وترى المشاكل فى جوانب أخرى، تذكرها: «المرأة الصوفية اليوم كأى سيدة مصرية هى طالبة فى الجامعة أو تعمل فى مجالات متعددة وعليها إلى جانب ذلك أن تكون مصغية للجميع ومضيافة فى بيتها للمريدين خصوصا إن كانت زوجة شيخ الطريقة الذى عليه ألا يرد أحدا دون إجابة طلباته، فهى معه فى كل أنشطته تقريبا».
السيدة ماجدة عيد بادرت بفكرة تأسيس جمعية للمرأة الصوفية كى تضم بعض زوجات المشايخ والراغبات فى الالتحاق بها، وتلقت هذه الجمعية التى لاتزال تحت التأسيس نقدا عنيفا من بعض مشايخ الصوفية الرافضين للفكرة بدعوى أنها لا تتفق مع المنهج الصوفى التقليدى، لكنها هى وزميلاتها المتعاونات معها لا يخفين أن الإحساس بالخطر كان أحد أسباب ظهور فكرة الجمعية، مضيفة: «لا أنكر أن تقاعس الصوفيين عن الدعوة الإسلامية مقارنة بتيارات أخرى أكثر تشددا أو مسيسة قد دفع بالفتيات إلى هذه التيارات وكان بعضهن للأسف من الصوفيات. فلدى جماعة مثل الإخوان المسلمين نشاط قوى داخل الجامعة والشارع، وكذلك الدعوة الوهابية المتشددة لها منابرها التى تنفق عليها ببذخ، والمشكلة أن الطرق الصوفية تعمل بمجهودات أبنائها، وأصبحت حركتها أضيق على عكس فى الماضى حين كانت سببا فى نشر الإسلام بين البلدان المختلفة».
هذه الأعباء من ضمنها الحرب المعلنة من بعض المحسوبين على التيارات السلفية ضد الصوفية، وبعضهم يحمل إدانة للمرأة الصوفية نفسها، وهو ما لا تنكره السيدة ماجدة فى حديثها عن الصورة العالقة فى أذهان شريحة من المصريين والناتجة عن تصرفات بعض العامة من النساء اللاتى يندسون وسط الموالد ويظن هؤلاء أنهن متصوفات. وهنا أوجد غياب الصورة التى تمثل المرأة الصوفية فى المجتمع صورة أخرى أكثر ضبابية، وأصبح المجتمع متحيرا بين صورة تراثية لنساء مثل رابعة العدوية وصورة أخرى سلبية لبسطاء الموالد، وبين هذا وذاك مريدات تحكمهن قيود وقواعد داخل الطرق الصوفية، لذا كان لابد من نماذج جديدة تمثل شكلا جديدا مثل نموذج الدكتورة عبلة الكحلاوى ــ أستاذة الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر ــ التى تستخدم فى أحاديثها تعبيرات صوفية وعلى موقعها تصف نفسها بعبارات زاهدة مثل «العبد الفقير التى ترجو المغفرة والرحمة وحسن الخاتمة»، لكنها لا تقدم نفسها على أنها صوفية تقليدية، المفارقة أن الدكتورة عبلة الكحلاوى كانت إحدى من شهدن ساحة الشيخة الزكية فى صغرها بحكم نشأتها فى بيت الفنان محمد الكحلاوى الذى ختم حياته متعلقا بسير العارفين بالله وأقطاب الصوفية.. لكنها رغم هذه التفاصيل لايزال ظهورها الأهم فى المجتمع وعلى المستوى الإعلامى بشكل فردى وغير محسوب على تيار أو طريقة صوفية، بل كأكاديمية ووجه إعلامى مقبول.
الدكتور عمار على حسن ــ الباحث المهتم بالحركات الصوفية ــ يرى أن بزوغ نماذج لامعة من الصوفيات قديما كان سببه الرئيسى هو أن التصوف كان فرديا أو «جوانى»، ولا يخضع لطريقة أو هيكل تنظيمى ذكورى، وأن عودة نساء يحملن الحس الصوفى فى المجتمع مرة أخرى لن يقوم إلا عن نفس الطريق، ويقول: «أحيانا ما تبرز نماذج لشيخات صوفيات فى المناسبات الدينية والموالد، لكنهن لسن على مستوى القيادة ولا يمثلن عدد عضوات الطرق الصوفية والمريدات فيها، وحسب القانون 118 لسنة 1976 الذى ينظم عمل الطرق الصوفية فى مصر تنتقل مشيخة الطريقة بعد وفاة شيخها فى أقرب أقربائه الذكور، وهو ما أسهم فى إبعاد المرأة عن الصورة، كما أنه لا يمكن التعويل على أن ظهور جمعية تجمع الصوفيات سيشكل تغييرا كبيرا لأنها فى الواقع تضم زوجات المشايخ لكنه تطور إلى الأفضل خارج السياق التقليدى». ويزكى الدكتور عمار التوجه الصوفى الفردى الذى يرجح أنه قد يساعد فى تقديم نماذج لنساء بارزات فى المجتمع يحملن داخلهن هذا الحس الصوفى الذى يعتمد على أفكار وسلوكيات أكثر من أشكال تنظيمية.
العارف يرى المعرفة ولا يرانى
(المواقف والمخاطبات، للنفرى)
بعض الفتيات اخترن هذا الطريق بالفعل للابتعاد عن التفاصيل المربكة التى أصبحت تحيط التدين بشكل عام فى المجتمع، فانتقلن بالدين إلى مساحتهن الخاصة فى علاقة خاصة بينهن وبين الله بعيدا عن التصنيفات وتقييم الآخرين. حنان محفوظ هى فنانة تشكيلية تعيش هذه الحالة حتى يظنها البعض للوهلة الأولى فتاة صوفية، لكنها تجيب مباشرة: «أنا مش صوفية»، وذلك رفضا للتصنيف لكنها فى الحقيقة لا تخفى أن لديها ذلك الحس الذى لا ترغب فى أن يتحول إلى انتماء لطريقة أو اندماج فى مبالغات يعتنقها البعض. تقول: «ذلك الحس لاحظته فى جميع الأديان حتى الأديان الشرقية، الأمر بالنسبة لى هو مشاهدات تربطنى أكثر بالسماء والخالق، كأن أرى فى الأمطار رسالة من السماء تدعونا إلى أن نكون على صلة أكثر بالله، فى حين قد يرى فيها صديق آخر أنها سبب فى الأوحال وإعاقة لحركة الناس».
فى حفلات الانشاد الصوفى وبعض المناسبات الدينية تبدى بعض الفتيات اهتماما بالغا حتى إن لم يكن على التزام كامل بما يصفه البعض الآن بالزى الإسلامى. إحدى الممثلات الشابات على حسابها على الفيس بوك سجلت رؤيتها الدينية على أنها «صوفية» فى حين أنها طوال الوقت تبدو متحررة سواء داخل صفحتها أو على شاشة العرض السينمائى.
هذه المفارقة لا تشغل بال السيدة ماجدة عيد ــ زوجة السيد محمد الشهاوى شيخ الطريقة الشهاوية ــ التى ترى فى هذا خير وخطوة على الطريق قد تدفع إلى طريق الله، وكذلك تؤكد حنان محفوظ أن نمط الحياة اليومى والحس الروحانى والقدرة على التأمل هو الذى يجعل شريحة من الشباب اليوم تميل إلى الصوفية دون أن تدعى أنها كذلك، وتقول حنان: «حين قرأت للنفرى وغيره من شعراء الصوفية شعرت بتقارب كبير فى أفكارى مع بعض الأفكار الصوفية عن الروح والزهد والرضا واليقين وفكرة التوبة، كلها أشياء دقيقة بالنسبة لى، لكن اختيارى هو أن تكون علاقتى مع الله منى وإلىَّ وليست خاضعة لتبعية أو مراقبة من أحد».
حسب حديثها أيضا فهى تغبط من تفرغن للعبادة من الناسكات القدامى أمثال رابعة العدوية وغيرهن لكنها بيدها مواهب ترى أن عليها الاستفادة منها بل والاستمتاع بها أيضا.
العودة إلى ساحة الشيخة زكية فى حى الجمالية تحيى صورة المرأة الصوفية الناسكة الزاهدة التى بدأت فى التلاشى، وتكفى نظرة على خلوتها التى كانت محل ذكر وتسبيح حتى تنقل إلى الجالس فى حضرة الشيخة احساسا بأنها كانت نموذجا يحاكى عقيلات آل البيت والعابدات الأوائل، أما اليوم فهناك من احتفظت بتصوفها فى قلبها، وهناك من تحاول رسم صورة جديدة للمرأة الصوفية أكثر تماشيا مع الواقع.

Wednesday, January 6, 2010

في ظلال شجرة مريم

عبدالرحمن مصطفى
تصوير- مجدي ابراهيم

موقع شجرة مريم بالمطرية، حيث مرت العذراء وصغيرها قد تغير ولم يعد له الطابع الريفى نفسه، لكنه على أرض الواقع لا يزال يفرض سطوته على السكان

وسط المساكن القديمة ناحية شارع المطراوى فى حى المطرية، يمر التوك توك سريعا برشاقة وخفة يحسد عليها دون أن يلتفت سائقه إلى اللافتة المعلقة «محكى بئر وشجرة مريم». يعلم السائق الشاب قدسية المكان وأنه يمر بعجلات مركبته الصغيرة فوق نفس الأرض التى خطت عليها السيدة العذراء، لكن كل هذا لا يدفعه لتجربة الدخول وزيارة شجرة مريم أو التعرف على تفاصيل المكان.
نهلة كانت إحدى هؤلاء الزوار، أتت للمكان بصحبة أبنائها: «هذه المرة الأولى التى أزور فيها المكان، وكنت أخشى أن تكون هناك إجراءات معقدة للدخول أو أن يكون هناك زحام يمنعنا من الزيارة، لكن الأمور اتضح أنها أبسط بكثير».
لم تشأ نهلة أن تذكر سبب زيارتها، فقط قالت إنها أتت للزيارة والتشفع ببركة العذراء، وقبل زيارتها بفترة وجيزة كانت فى زيارة أخرى لطاحونة البابا كيرولوس فى مصر القديمة. فى هذا المكان احتضنت شجرة الجميز العامرة الأوراق السيدة العذراء والسيد المسيح ورفيق رحلتهما يوسف النجار بعد أن فروا جميعا من بطش الحاكم الموالى للرومان، حين أراد قتل المسيح بعد نبوءة أخبرته بأنه خطر على ملكه.
يقول الكتاب المقدس: «وبعدما انصرفوا إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف فى حلم قائلا قم وخذ الصبى وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه. فقام وأخذ الصبى وأمه ليلا وانصرف إلى مصر». (متى2 :13ـ14).
هذه النصوص رسخت مكانة موقع الشجرة ومزارات العائلة المقدسة فى قلوب المصريين، أما الموقع اليوم فقد اختلف تماما عن بساطته الأولى، حيث يحاط بسور عالٍ للحماية وشباكين للتذاكر، وعلى الجدران صلبان وآية منحوتة «ذلك بأن منهم قسيسين ورهبان وأنهم لا يستكبرون» (82 سورة المائدة).
كل هذه التطويرات لم تكن موجودة قبل عشر سنوات فقط، تروى سعدية شاش مفتشة الآثار فى الموقع بعض المفارقات وتقول: «أغلب الزوار من أفواج شركات السياحة لكن هناك زوارا من أماكن مختلفة سواء من المسيحيين أو من المسلمين الذين أتوا بحثا عن البركة أو مجرد الزيارة والتعرف على المكان».
تكمل السيدة سعدية الجولة بحماس، بدءا من البوابة مرورا بالبئر التى يرجح البعض أن العذراء قد غسلت ابنها بمياهها، وتسير بعدها فى طريق طولى تتوسطه الشجرة، وتوضح السيدة سعدية بعد سبع سنوات من العمل فى هذا المكان: «المكان هادئ وبسيط ويبعث على الراحة النفسية». ثم تشير إلى الشجرة المقدسة وقد تمت تغطيتها بأغطية بلاستيكية وتضيف: «حين نلاحظ وجود الغيوم فى السماء أو تقلب فى الطقس تتم تغطيتها حفاظا عليها».
داخل الموقع لا تنقطع الصلوات، جوار البوابة عسكرى فى زيه يصلى العصر قبل ساعات قليلة من إغلاق الموقع فى الخامسة، وبعض الزوار يتلون نصوصا مقدسة فى المكان المبارك.
لا تخفى السيدة سعدية بعض الشكاوى عن أن انخفاض مستوى الأرض عن مستوى الشارع فى الخارج يؤدى فى بعض الأحيان إلى دخول مياه الصرف الصحى إلى الموقع، وهو ما يضطر العاملين إلى التعامل معها سريعا وبشكل مباشر.. أما فى خارج الموقع فهناك عالم آخر ،حيث يتكرر اسم مريم على العديد من المواقع والأماكن، مدرسة شجرة مريم، وقاعة أفراح شجرة مريم، ومكتبة شجرة مريم...
وفى بداية الدخول للمنطقة تستقبلك كافتيريا مريم، هناك كان يجلس الحاج محمود ربيع (73 سنة) ــ على المعاش ــ الذى استقر فى حى المطرية منذ الطفولة ورأى نفس هذا الموقع قبل أن تبنى مساكن شجرة مريم فى الستينيات وقبل أن يتم تطويره قبل أكثر من عشر سنوات على يد رجلى الأعمال «منير غبور»، و«نجيب ساويرس» وما تبع ذلك من وجود كثيف لرجال الأمن.
يشير الحاج ربيع إلى السور العالى ويقول: «كل هذه المساحة قبل إنشاء المساكن كانت مشاتل تابعة للأوقاف، كنا نأتى هنا صغارا لاصطياد العصافير فى رحاب شجرة مريم، وإلى جوارها كانت هناك ساقية أزيلت الآن».
لم يكن هذا الموقع فقط الذى تغير، بل كانت منطقة المطرية أقرب إلى الروح الريفية، فحتى البيوت التقليدية على الضفة الأخرى من شارع المطراوى لم تكن موجودة بهذه الكثافة، حين كان الجالس أمام شجرة مريم يمكنه رؤية «المياه الحلوة» حسب تعبير الحاج محمود ربيع التى يقصد بها القنوات المتفرعة من ترعة الإسماعيلية.
فى داخل الموقع الأثرى الوضع يبدو أكثر تطورا وتعقيدا، حيث تتبدل الورديات بين مفتشى الآثار، السيدة هناء لطفى اسكندر مفتشة الآثار بالموقع تتفهم بعض انطباعات زوار المكان حين يرون الوجود الأمنى والأسوار العالية، وتقول : «بعض الزوار أحيانا لا يرغبون فى دفع التذاكر رغم أنها لا تتجاوز الجنيهين، وأضطر أحيانا إلى دفع قيمة التذكرة لبعض البسطاء.. لكن الغالبية تتفهم الوضع بعد الشرح».
تمر على السيدة هناء فى المكان جنسيات متعددة من جنسيات روسية ويونانية وحبشية وسودانية أتوا للتبرك والتشفع، تشير إلى الشجرة الأصلية حيث كتب عليها بعض الكلمات اللاتينية، شارحة : «حتى جنود الحملة الفرنسية حفروا أسماءهم هنا عرفانا بالجميل إلى العذراء بعد أن تشفعوا بها لإصابتهم بمرض جلدى استشرى بينهم، وهذه هى شجرة الجميز الأصلية التى احتمت بها العائلة المقدسة، أما الموجودة حاليا بجوارها فقد زرعت من فرع منها قبل مئات السنين وما زالت تؤتى ثمارها فى شهر أغسطس من كل عام».
لاحظت أيضا السيدة هناء بعد عشر سنوات من العمل فى المكان أن بعض السيدات اللاتى لم ينجبن يأتين هنا للزيارة والتبرك وكذلك من الدول العربية، ولاحظت أن نسبة كبيرة من الزوار من المسلمين خاصة من الأماكن القريبة.

حفائر الذاكرة
رحلة العائلة المقدسة لم تترك آثارا عميقة فى الأرض مثلما تركت آثارها فى الذاكرة، فالبئر التى يرجح أنها اغتسل فيها المسيح بيد أمه العذراء مريم ذكرت المصادر المسيحية أنها نبت حولها نبات البلسم الشافى الذى يستخدم زيته فى أغراض دينية، لذا سمى الشارع المجاور بشارع البلسم، وخلفه شارع آخر باسم المقعد لأنه الشارع الذى جلست فيه العائلة المقدسة، أما القصة الأشهر فهى قصة الشارع الذى لا يختمر فيه العجين.
تروى المصادر المسيحية أن السيدة مريم فى أثناء مرورها ناحية الشجرة مرت بأهل بيت وطلبت منهم خبزا فرفضوا، فظل هذا المكان لا يختمر فيه العجين ولا يصلح فيه الخبز. محى ــ مسئول الأمن التابع للمجلس الأعلى للآثار يروى تلك القصة ــ وبحكم أنه من سكان حى المطرية فقد طرح نفس الجدل الذى يتحدث عنه البعض حول ما إذا كانت قد أصابت هذا المكان لعنة ما، وهل توقف الخمير عن العمل هو فى يوم واحد فى العام أم طوال العام؟
إلى جوار شارع المطراوى شارع ضيق اسمه شارع أبوفايد، تتفرع منه حارة أضيق اسمها حارة عيد، شباب الحى لم تجذبهم قصة مرور العائلة المقدسة من هذا المكان، لكن الحاج أحمد حسن استقبل الاستفسار بابتسامة عريضة أثناء راحته فى صالون الحلاقة الذى يديره، وأشار إلى الحارة التى أمامه: «يقال إن فى هذا الموقع مرت العذراء من هنا ورفض الناس إطعامها فأصبح كل من يسكن هنا لا يستطيع الخبيز». يشير إلى الحارة المقابلة للمحل أمامه : «هذه الحارة قديما كانت تسكنها عائلة واحدة ولها بوابة، القدامى هم من كانوا يرددون هذه القصة، أما اليوم فلا أحد يتذكر أو يهتم».. ويضيف: «على فكرة.. هو يوم واحد فقط فى السنة الذى ينقطع فيه الخمير من بيوت المنطقة».
هذه القصص لم تنته من منطقة شجرة مريم فى حى المطرية، وما زالت الذاكرة تحملها دون تقصٍ، لأن الجميع يعلم أنها مرت من هنا مع وليدها المبارك، وهذا يبرر كل قصة وحكاية.
حول الموقع الأثرى مسجد قريب، وكنيسة كاثوليكية للعائلة المقدسة «شجرة مريم»، وكنيسة العذراء المعروفة بكنيسة شجرة مريم وهى كنيسة قبطية أرثوذكسية، كاهنها هو الأب القمص يوحنا فؤاد يوسف الذى بدا مشغولا مع شعب الكنيسة فى فترة الأعياد، كما أن بعض الزوار يتجهون للزيارة لمجرد الاستئناس بالمكان.
يقول القمص يوحنا: «كل مكان زارته العائلة المقدسة له مكانة وترابه مقدس، لكن ما يسىء إلى المكان هو عدم الوعى بأهمية النظافة حوله، وهناك من خدام الكنيسة من لديه الاستعداد لتحمل عبء النظافة، لكن لابد من التعاون، خاصة أن هذا يسىء إلى سمعة مصر أمام الزائر الأجنبى الذى جاء خصيصا لزيارة المكان».
مازال الأب يوحنا يحتفى بالتطوير الذى طرأ على المكان قبل عشر سنوات حين حضر المحافظ والبابا لافتتاحه، فقبل هذا التطوير كان المكان فى عهدة أناس بسطاء لم يحافظوا جيدا على المكان، وهو ما دفع البعض إلى أن تصبح هذه الشجرة قضيتهم كما يقول الأب يوحنا: «على سبيل المثال كانت هناك امرأة اسمها فيكتوريا من حى الزيتون المجاور وتولت مسئولية شجرة مريم ونظافتها، حتى اللحظات الأخيرة فى حياتها».
ليست السيدة فيكتوريا فقط هى التى يتذكرها أهالى المنطقة جيدا، بل يتداول الكثيرون قصة أحد سكان مساكن شجرة مريم الذى حاول قبل سنوات عديدة قطع الشجرة وإزاحتها من المكان ووضع يده عليه، فأصابه الشلل حتى مات.
هذه القصة يذكرها الأب بولس القس بنفس الكنيسة ويقول: «القصة نقلها إلينا إخواننا المسلمون الذين تابعوا الموقف وقتها أكثر منا».

Sunday, January 3, 2010

حراس الذكريات

«كيف أقبل أن يساء إلى فريد الأطرش على شاشة التليفزيون؟» يتساءل محمد زكى إسماعيل بعصبية حين يتذكر العبارة التى قالها الإعلامى مفيد فوزى فى رمضان الماضى عن فريد الأطرش فى البرنامج الساخر «الكابوس». ويضيف: «لم أسكت وأنا أرى العبارة تتكرر فى دعاية البرنامج، واتصلت بمعارفى وحاولت تصعيد الموضوع قدر استطاعتى لحماية ذكرى فريد من أى عبارة قد تسىء إليه».
لم يكن مفيد فوزى يهدف إلى الإساءة حين استخدم تعبير: «هبل فريد الأطرش» للإشارة إلى طيبة قلبه، لكن أحد معجبى الفنان فريد الأطرش لم يكن ليقبل هذا الوصف فى أى سياق. محمد زكى إسماعيل صاحب هذا الموقف، يقدم نفسه الآن على أنه رئيس جمعية فريد الأطرش وأسمهان، ويكاد يكون بمثابة جمعية متحركة بعد سنوات من خمود الجمعية الأصلية فى الإسكندرية ورحيل مؤسسيها من محبى فريد الأطرش الذين أسسوها عام 1976.
وبعد سنوات طويلة من انكماش نشاطها بقى محمد زكى صامدا يدافع عن سيرة فريد الأطرش وذكراه إلى اليوم، ويقول: «المفارقة أننى لم أقابل فريد الأطرش سوى مرتين فى حياتى، فى المرة الأولى تحدثت معه فى حفلة غنائية وطلبت منه صورا فدعانى إلى منزله وزرته هناك للمرة الثانية، ولم أكن أصدق أنه متواضع مع معجبيه بهذا الشكل». يصمت قليلا وهو يتذكر هذا اللقاء، ثم يضيف: «بعد وفاته رأيته فى المنام مرتين، الأولى وهو يرتدى ملابس بيضاء متكئا على مجلس عربى، ورؤيا أخرى وهو فى وسط حراس أشداء فى مكان راق».
يظن محمد زكى أنها رؤية صالحة، لكنه لديه على أرض الواقع مهام أخرى تتعدى الرؤيا المنامية لخدمة ذكرى مطربه المحبوب، حيث يرى أنه لا يوجد على الساحة من ينافسه فى ترجمة الوفاء إلى أفعال، فهو واحد من فئة تحرس ذكرى الفنانين وتدافع عنهم فى كل مكان، ويكاد يكون هذا هو نشاطهم الأول فى حياتهم. يوضح محمد زكى: «فى بداية الجمعية كانت هناك شخصيات من المعجبين المؤسسين أخلصوا بشدة لفريد الأطرش ودون انتظار مقابل، أما الآن فلا أجد أحدا غيرى فى هذا المجال دون مقابل، خصوصا أننى على المعاش ومتفرغ لهذا الأمر».
إحدى مهامه الآن أن يرعى ذكرى فريد الأطرش بأن يتواجد فى مناسبات مثل ذكراه السنوية، وأن يتابع ما يكتب عن المطرب الراحل فى الصحافة، والتأكد من أن الاعلام والمؤسسات الثقافية تعامل فنانه المحبوب على نفس قدر معاملة الفنانين الكبار الآخرين، ومنذ سنوات عديدة يفتش فى أرشيف الصحافة الفنية لجمع المعلومات عن فريد الأطرش كى ينقلها إلى الجمهور فى المناسبات المختلفة، فتواجده الإعلامى الموسمى هو ما يصنع نشاطه الحقيقى: «حين أترك رقم تليفونى فى الإذاعة أو التليفزيون أتلقى العديد من الرسائل والمكالمات من جميع الأقطار». ومن هذه العلاقات أصبح على صلة بالكثير من محبى الفنان فريد الأطرش داخل مصر وخارجها وسفيرهم فى القاهرة.
فى إحدى المرات اتصلت إحداهن لمجرد افتقادها فقرة فريد الأطرش فى الإذاعة، وبدوره اتجه محمد زكى للاتصال بالإذاعة للتأكد من الأمر.. هذا النموذج من المعجب القديم الذى تحول إلى حارس للذكريات، لا يقتصر على حالة محمد زكى فقط، فهناك بعض الأماكن تستضيف تجمعات المعجبين القدامى، ويبزغ من بينهم من يتصدر هذه الاحتفاليات، أحد هذه الأماكن جمعية الشبان المسيحية التى تستضيف جمعيات الفنانين ومعجبيهم، فى بداية الشهر الحالى احتفلت الجمعية مبكرا بذكرى الفنان فريد الأطرش، وقبلها بأسابيع استضافت جمعية محبى محمد فوزى.
وهكذا كان الحال أيضا مع ذكرى عبدالحليم حافظ وغيره من الفنانين. فى هذه اللقاءات تجمع المنصة أصدقاء الفنانين ومعجبيهم القدامى، وبين الحضور من يقف ليلقى شعرا فى حق صاحب الذكرى، ويصعد بعض الأطفال لتقديم أغانى الفنان الراحل، ويظهر فى الحفل مغنون أقرب إلى المقلدين يحاكون صوت الفنان الغائب. لكن يظل صاحب الصوت الأعلى فى المكان هو الأستاذ رشيد جبران مدير هذه الاحتفاليات التى يراها نجاحا فى الحفاظ على ذكرى أهل الطرب الأصيل، ويقول: «يكفى أن تكون هذه المناسبات فرصة لتدريب شباب صغار من الموهوبين على أداء أغانى العظماء وسط هذه الفوضى الغنائية».
داخل هذه الاحتفاليات يكون هو الشخصية المحورية، ولا يخلو الأمر من منافسات بين الجالسين فى محاولة إبراز قدراتهم على سرد أعمال الفنان صاحب الذكرى والتباهى بالمعلومات. لكن السيد رشيد جبران مدير هذه الاحتفاليات رغم اهتمامه بهذه المنافسات لايزال يعتبر أن أعمال الفنانين وحدها هى التى ستحفظ ميراثهم لدى الأجيال الجديدة.

مجموعات الفيس بوك
الأجيال الجديدة التى يتحدث عنها السيد رشيد لم تتخل تماما عن صلتها بفنانى الماضى، فعلى مجموعات هؤلاء الفنانين الراحلين فى شبكة الفيس بوك الاجتماعية لايزال هناك عشرات الشباب من المشاركين فى مجموعاتهم وصفحاتهم هناك، إلى جانب تواصلهم على مواقع هؤلاء الفنانين. غير أن مقارنة بسيطة بين ترتيب هذه المواقع على شبكة الإنترنت ومواقع نجوم الساحة الغنائية الحاليين مثل عمرو دياب وتامر حسنى تكشف أن التقدم للنجوم الحاليين، كذلك فى داخل المواقع الإخبارية والمنتديات تبرز أسماء مستعارة لنشطاء شباب يدافعون عن المغنى المحبوب على الشبكة، فى حين اقتصر هذا الدور عند معجبى المطربين الراحلين على من تمسكوا بالأسطوانات وأشرطة الكاسيت وإحياء ذكرى فنانيهم فى احتفالات على أرض الواقع وعبر شاشات التليفزيون.
أحد هؤلاء هو الأستاذ صلاح الشامى الذى جاوز الثامنة والسبعين وهو رئيس جمعية محبى الفنان محمد فوزى.. بدأ معجبا صغيرا ووصل افتتانه بمحمد فوزى أن أطلق اسمه على أول مولود له عام 1956، وكانت المصادفة أن نشر هذا الخبر فى إحدى الصحف وحين علم الفنان محمد فوزى بهذه القصة طلب لقاء صلاح الشامى وبدأت علاقة دامت عشر سنوات حتى وفاة المطرب الراحل، كان ضمنها أن ساهم الفنان فى نفقة التحاق المعجب الشاب بمعهد الموسيقى.
اليوم بعد كل هذه السنوات الطويلة لا يخفى الشامى نبرة الزهو أثناء حديثه ويذكر أن لولاه لما كانت جمعية محمد فوزى قد أنشئت أو استمرت إلى الآن، يروى: «كنت أعزف الكمان وأقود فرقة موسيقية خاصة، وفى تلك الفترة بعد وفاة الفنان محمد فوزى استضفت فى مكتبى بعض محبيه لنستمع معا إلى روائع أعماله محاولا الحفاظ على تراثه الفنى، لكن الأمر تطور فى العالم 1980 وأنشأنا الجمعية».
كيف تحول المعجب المفتون بأحد أساتذة الموسيقى إلى حارس على ذكراه؟ كانت الجمعية هى ما وفرت له هذا.. ففى كل عام كأغلب الجمعيات يبدأ الطقس التقليدى فى زيارة مقبرة الفنان محمد فوزى فى حضرة المعجبين الذى يتصدرهم رئيس الجمعية وبعض أفراد العائلة وكبار المعجبين، لكن السيد صلاح الشامى يؤكد أن الأمر تخطى احتفاليات الذكرى السنوية: «تقام الندوات واللقاءات الدورية والتكريمات بعيدا عن موعد الذكرى، والأهم هو التواجد فى التليفزيون والراديو ومتابعة ومدى الاهتمام بعرض أفلام الفنان الراحل».
يحفظ صلاح الشامى عدد الأفلام التى عرضت فى التليفزيون وعدد السهرات التليفزيونية فى أثناء إحياء ذكرى الفنان محمد فوزى الأخيرة ويرى أن لتواجده مع الجمعية دورا فى الاهتمام بهذه الذكرى. هذه النبرة فى حديثه تخفى وراءها تأثرا بعامل آخر أوضحه باقتضاب وهو أن الجمعية بحكم سياق عملها تتعرض لمتابعة من الجهات المختصة لتقييم أدائها، لذا لا بد أن تنال رضا المراقبين.

مواسم الاحتفال
هذا التواجد الإعلامى على الرغم من أنه يبدو موسميا فإنه دفع البعض إلى محاولة اختطاف ذكرى الفنانين من باب حب الظهور، حدث هذا مع الفنان فريد الأطرش قبل سنوات حين ظهر من ادعى أنه رئيس جمعية فريد الأطرش وبدأ فى التواجد الإعلامى ودخل فى نزاع مع الشخص الذى يقدم نفسه حاليا كرئيس للجمعية أمام الإعلام.
المؤرخ الفنى محمد قابيل ــ مؤلف موسوعة الغناء فى مصر ــ يرى ظاهرة المدافعين عن ذكرى الفنانين بعين أخرى، ويقول: «ليس كل من ظهر فى ذكرى فنان قديم هو بالفعل صادق فى محبته أو لديه معلومات تؤهله للتواجد، فعلى سبيل المثال فى حالة الشخص الذى ادعى أنه رئيس جمعية فريد الأطرش فقد جمع أموالا تحت هذا الغطاء، ولا يمكن أن ننكر أن هناك من استفاد بشكل أو بآخر من ميزة التواجد الإعلامى بصفته المعجب الأول أو المتحدث الرسمى».
يرى قابيل أن المشكلة الحقيقية هى أن معجبى الفنانين الكبار والذين عاصروهم فى تناقص مستمر، والباقى انسحب وأصبح صوته ضعيفا أمام إلحاح الإعلام على الأغانى الجديدة، ويضيف: «الحالة العامة وسرعة إيقاع الزمن وتبدل المزاج سريعا وتردى الحالة الاقتصادية لم تعد تسمح لكثيرين بهذا الترف الروحى فى الدفاع عن أهل الطرب حتى من المعجبين القدامى الذين أفنوا حماسهم فى حفلات فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ وغيرهم».
لهذه الأسباب تكون الفرصة أكبر أمام رؤساء جمعيات الفنانين ومنسقى الندوات وبعض من أحاطوا الفنانين الراحلين، ولا يخلو الأمر أحيانا من بعض المشكلات حين تنفلت السيطرة وتتسبب حالة التنافس على التواجد الإعلامى فى ضيق أسرة الفنان الراحل نفسه.
على شبانة ــ ابن عم العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ ــ يقول: «هناك أشخاص ينتظرون أى مناسبة للعندليب حتى يقوموا بتلميع أنفسهم إعلاميا على الرغم من أنهم ليست لهم علاقة به من قريب أو بعيد، والبعض يقوم بفبركة الحقائق من وحى الخيال بشكل مسىء».
للفنان عبدالحليم حافظ، أيضا، جمعية تضم محبى العندليب فى مدينة الزقازيق مسقط رأسه، لكنها تنشط بشكل مكثف فى ذكراه حيث يجتمع المحبون حول قبره. وهو نفس الطقس الذى يجريه سنويا محمد زكى رئيس جمعية فريد الأطرش فى السادس والعشرين من ديسمبر مع محبى فريد الأطرش، إلى جانب ترتيباته الشخصية للظهور فى مقابلات تلفزيونية وإذاعية لأن ذلك حسب وجهة نظره خدمة لذكرى مطربه المحبوب. لكن هل هناك من بعده من سيؤدى الدور مع مجىء أجيال لم تعش عصر هؤلاء الفنانين؟ يقول محمد زكى: «هناك أجيال جديدة قابلتهم يحبون هؤلاء المطربين الكبار، لكن أشك أن يصلوا لمرحلة الدفاع عن ذكراهم وحفظ سيرتهم مثلى.. فأغلب الناس لايزالون يستنكرون الاهتمام الزائد الذى أبديه وفاء لفريد الأطرش».

PDF

Tuesday, December 29, 2009

عشر سنوات رسمت ملامح جيل

تصوير: أحمد عبد اللطيف
الحياة داخل أحد الكافيهات الحديثة تعبر بدقة عن التطور النهائى للمزاج المصرى حيث تصميم المكان الذى يساعد على تكوين تجمعات منفصلة تحافظ على قدر من الخصوصية لا توفره المقاهى التقليدية، بعضهم استغل هذه الأجواء فى المذاكرة، وآخرون استغلوها فى إدارة حديث عمل جاد، وعلى الجانب الآخر شلة أصدقاء لا يهتمون بكل هذا، أما عامل الكافيه فيدرك أن الجميع لا يحبون التطفل، تكفى زيارة أو اثنتين لعرض قائمة متخمة بأسماء من نوعية.. موكا، اسبرسو، تشيف سالاد،.. إلخ ثم يترك مساحة جيدة للعميل كى يندمج فى عمله أو مع رفاق جلسته محافظا على مسافة كبيرة بينه وبين الزبائن.
وسط هذه الأجواء قد يبدو شريف عبدالعزيز للوهلة الأولى مجرد شاب منشغل بعمله أمام جهاز الكمبيوتر المحمول الشخصى، ما يميزه قليلا أنه أكثر تورطا مع الإنترنت، حتى وجوده هنا كان سببه الرئيسى هو استخدام الانترنت والكمبيوتر، حسب تعبيره فإن الساعات التى يقضيها هنا» بمثابة طقس يومى ممتع يزيد من رغبته فى العمل».
ربما لا يملك الجميع هنا مدونة أو لديه نشاط كبير على شبكة الفيس بوك الاجتماعية، لكن المتورطين فى الإنترنت أمثال شريف سيجدون المكان هنا أفضل لمتابعة أنشطتهم.
قبل عدة سنوات بدأت هذه الكافيهات فى التعامل مع الانترنت بطريقة مختلفة حين أصبح على كل من يرغب فى استخدام الإنترنت أن يتصل برقم وكلمة سر تصل على هاتفه المحمول، وهو ما أثار بعض المدونين فى ذلك الوقت واعتبروه تطفلا على الزوار وأرجعوه لأسباب أمنية. اليوم استسلم الجميع لهذه القواعد، واعتبروها خطوة فى تطور علاقتهم بالإنترنت والأماكن التى يرتادونها.
فى العام 2000 كان هناك حوالى 300 ألف مستخدم للإنترنت أغلبهم من شريحة لديها القدرة على تحمل التكاليف. وفى عام 2002 بدأت خدمة الاتصال بالإنترنت بسعر المكالمة العادية مما زاد عدد المشتركين فى المنتديات الإلكترونية، كان شريف عبدالعزيز ضمن هؤلاء الذين اختاروا الاندماج فى مجتمع الإنترنت مبكرا، ويقول: «علاقاتى الأولى تكونت عبر برنامجى الدردشة MIRC، وICQ، وبعدها أصبحت فكرة المنتدى الإلكترونى أكثر رواجا، لكن الملاحظة الأهم فى تلك المرحلة هى أن بعض هذه المنتديات المشهورة خرجت منها مجموعات مهمة أثرت فى حركة المدونات المصرية وخرج منها ناشطون وكتاب شباب». هذا التطور صاحبته تطورات أخرى على الأرض حيث الأماكن التى تستهدف الشباب، يتذكر شريف ذلك الهوس الذى ضرب رءوس البعض بساقية الصاوى الثقافية حين أنشئت فى 2003 حيث جمعت المهتمين بالأنشطة الثقافية والفنية والناشطين.
تتفق معه ماريان ناجى ــ صحفية ــ المولعة أيضا بنفس الكافيه حيث يجلسان لمدد طويلة مع أصدقائهما، فى ساقية الصاوى كانت اللقاءات الأولى قبل عدة سنوات التى جمعت شريف وماريان بعدد أكبر من المدونين، تكمل ماريان: «خلقت المدونات حالة من الحميمية الافتراضية، لأنه كانت لدينا الفرصة لقراءة من نختاره، وكثيرون منا كان يبحث عن كائن يشبهه.. لذا تكونت بعض مجموعات مختلفة أقرب إلى الشلل لكنها كانت تحت مظلة التدوين، وبعض هؤلاء أصبح مرتبطا بأماكن بعينها مثل مقاهى وسط البلد إما لأنه ناشط سياسى أو كاتب أو غير ذلك من الأسباب.. عن نفسى لم تكن لدى كل تلك الأسباب فارتحت هنا أكثر حيث إن المكان ملائم أكثر لفتاة، وخدمته أرقى».

بعيدا عن «ثقافة الشاى»
اليوم لا يجتمع شريف وماريان فى الكافيه المحبب لهما فى جلسة صداقة عادية بل يشغلهما تحضير ورش تدريبية ومشروعات عمل بعد خبرة نالاها فى العمل التنموى كان الإنترنت والتدوين سببا دفعهما إلى اقتحامه.
كلاهما يتذكر كيف تقدمت الكافيهات الحديثة على حساب المطاعم الكبرى للوجبات السريعة الأمريكية مثل ماكدونالدز ومطاعم البيتزا وغيرها التى ازدهرت فى الثمانينيات والتسعينيات، بعض هذه المطاعم مازال حريصا على تشغيل موسيقى الثمانينيات والتسعينيات للزبائن. لكن عدم إتاحة استخدام الإنترنت وتغلب روح المطعم على روح المقهى دفعا بشريحة من الشباب إلى الكافيهات الصاعدة التى حاولت المزج بين روح المطعم والمقهى معا، بل ومنافسة المقاهى المصرية التقليدية. يسجل موقع سيلنترو أحد هذه الكافيهات فى موقعه أن القائمين على المكان كان هدفهم الخروج بمظهر جديد بعيدا عن «ثقافة الشاي» المنتشرة فى مصر وأيضا تقديم وجبات عالمية، وظهر الفرع الأول فى الزمالك مع العام 2000 بحثا عن زبائنه فى حى متعدد الجنسيات، وأخذت هذه الموجة فى الانتشار عبر كافيهات أخرى حتى أن بعض المكتبات استضافت هذه الكافيهات لاجتذاب نوعية جديدة من الزبائن.
يرى الدكتور على أبو ليلة ــ أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس ــ أن هناك عدة قضايا مختلفة أثيرت حول هذا الجيل فى البحوث الاجتماعية أثناء السنوات العشر الماضية مثل المخدرات والتحرش والبلطجة وأزمة الهوية والانتماء، لكن ما استوقفه هو العلاقة التى نشأت بين هذا الجيل مع الإنترنت. ويرى فى تحليلها أنه: «قد أصبح هذا الجيل أكثر انفتاحا على العالم، رغم اتجاهه إلى الإنترنت هروبا من المجتمع الواقعى الذى لم يشبع حاجاته، فكانت الدردشة الالكترونية والعلاقات الافتراضية شكلا من أشكال مواجهة هذا المجتمع».
انفتاح هذا الجيل على العالم جعله أكثر قابلية للتواجد فى أماكن مختلفة تماما عن المقاهى والمطاعم التقليدية، وبعيدة عن المزاج المصرى التقليدى وهو ما يراه الدكتور على أبو ليلة إحدى سمات هذا الجيل: «هذا الجيل أكثر ارتباطا بالثقافة العالمية، وعلى عكس الأجيال السابقة مشكلته أنه غير منتم إلى حد كبير إلى تراثه وسياقه الاجتماعى».
فى الولايات المتحدة الأمريكية انشغل البعض أيضا بوصف هذا الجيل فصك باحثان أمريكيان فى كتاب «Millennials Rising» تعبير جيل الألفية تعبيرا عن الذين ولدوا بين منتصف السبعينيات حتى نهاية التسعينيات لكن نفس هذا الجيل أطلق أيضا تعبير «جيل الشبكة Net Generation» فى إشارة إلى تعقد شكل علاقاته بسبب الاشتراك فى الشبكات الاجتماعية واستخدام شبكة الإنترنت بشكل عام.
علاقات من الافتراضى للواقع
هذه العلاقات التى نشأت عن الدخول فى شبكة علاقات المدونات والتشبيك الذى يصنعه موقع الفيس بوك بين أعضائه كان سببا فى أن تتعرف راندا أبو الدهب ــ الناشطة فى منظمة المرأة الجديدة ــ على شريف وماريان، ورغم أنها تشترك معهما فى نفس الأفكار فإنها حسب وصفها لا تنتمى بأى حال من الأحوال إلى مزاجهما فى اختيار أماكن اللقاء، وتقول : «لا أجد لهذه الكافيهات تاريخا أو قصة وراءها، أنا أذهب إليها مجاملة لأصدقائى»، بينما تبدى تحمسا للمقاهى التقليدية فى وسط البلد، يمكنها أن تعدد الأدباء والفنانين الذى كانوا يفدون على مقاهى من نوعية الحرية أو سوق الحميدية أو الندوة الثقافية وغيرها. بعض المقاهى صعدت بشكل مثير فى السنوات الأخيرة. تقول راندا : «من العام 2003 كانت تجمعنى مع أصدقائى الصحفيين والناشطين الحقوقيين مقاه بعينها فى وسط البلد، أحدها هو مقهى البورصة الذى تحول بعد بروز التدوين والحركات السياسية المعارضة إلى تجمع يجتذبهم». فى تلك المرحلة التى تصفها راندا كان ظهور الانترنت فائق السرعة ADSL مشجعا على الدخول إلى الانترنت والتواجد بشكل مكثف، وحسب دراسة أعدتها وزارة الاتصالات والمعلومات المصرية فى العام 2005 كانت غالبية مستخدمى الإنترنت وقتها الشباب من زوار المجالات الترفيهية كالمحادثة وتحميل الأغانى والأفلام..الخ، وهو ما أبرز فئات أخرى مثل المدونين كان بعضهم ينتج مادة مختلفة على الإنترنت.
فى جوار مقهى البورصة دخلت راندا إلى التدوين بعد جلسة تضم صحفيين وناشطين وأصدقاء من مجالات مهنية أخرى غير أنهم جميعا كانت تجمعهم مظلة التدوين على الإنترنت وتقول: «عن طريق صداقتهم اقتنعت بفكرة التدوين الذى أدين له الآن بالكثير، أفاد حياتى العملية، اليوم أنا مشاركة فى تطوير موقع المؤسسة التى أعمل بها، على عكس الماضى حين كان يقتصر عملى على العمل الورقى والميدانى، لكن الجانب الآخر الذى انكشف لى بعد التورط فى حياة الإنترنت هو أنها لا تخلو من الشللية، وانعكس ذلك بالفعل على بعض المجالات التى انتقلوا إليها.
يتوقع الدكتور على أبو ليلة ــ أستاذ علم الاجتماع ــ أنه قد تنتج نخبة ما فى وقت لاحق من مجتمع الإنترنت وستنتقل إلى الواقع، ويوضح : «الوجود داخل المجتمع الافتراضى والاكتفاء به هو عنصر الخطورة على المجتمع والفرد وذلك حين يكتفى الفرد بالاعتراف الاجتماعى داخل الانترنت، هناك مزايا قد توفرها الإنترنت مثل التدرب على القيادة وتقييم أوضاع المجتمع والاشتباك معه، لكن المهم أن يتحول ذلك إلى عمل مفيد على أرض الواقع. ولا استبعد أن يخرج من بين من مارسوا القيادة وطوروا مهاراتهم عبر الإنترنت أن يمثلوا شريحة متميزة فيما بعد».
شريف عبدالعزيز يتفق بشدة مع هذا الرأى، فهو نفسه قد تغيرت حياته المهنية من الهندسة إلى العمل فى المكتب الإنمائى للأمم المتحدة بسبب عرض تلقاه من إحدى الصديقات التى عرفته عن طريق المدونات.
هذه العلاقات المتشابكة التى أوجدتها الإنترنت دفعت بالبعض أيضا إلى زيارة أماكن لم تكن على بالهم، محمد ربيع الذى يعمل فى مجال الهندسة، حاول أن يكون بعيدا طوال سنوات طويلة عن الاندماج فى حياة الإنترنت، وكان مشغولا بعمله، ومع ازدهار المدونات بدأ معلقا حتى وجد نفسه منجذبا لبعض الأفراد أصحاب المزاج الواحد على الانترنت، وقاده ذلك إلى مقاه من نوعية التكعيبة التى يلتقى بها بعض الأدباء والكتاب الشباب والفنانين : « دخولى إلى الإنترنت نفسه أعطانى فرصة لإنتاج كتابة على المدونة فى شكل نصوص قصيرة قد تبدو غريبة للبعض، لكنها خطوة شجعتنى على الكتابة وتلقى التقييمات، وبعد مرحلة أيقنت أننى لا يجب أن أظل أسيرا للإنترنت فقط».
ربما لا ينجذب ربيع هو الآخر إلى نفس النوعية من الكافيهات التى يرتادها كل من شريف وماريان فهو صاحب مزاج قريب من راندا حيث المقاهى التقليدية بعيدا عن التكلف لكنه بعيدا عن علاقات الإنترنت التى انتقلت إلى الأرض يرى أن: «الأهم من علاقات المقاهى وتجمعات الإنترنت هو ما استفدته على المستوى الشخصى، فى الإنترنت لديك فرصة الاختيار من بين كثيرين تتابعهم بشكل دائم وأحيانا تعرف تفاصيل حياتهم، وربما تجدهم يفهمونك أكثر من آخرين حولك».
العلاقات المشتبكة والملتبسة فى بعض الأحيان على الإنترنت قد توجد شكلا من التشجيع على ارتياد أماكن أو اتخاذ خطوات، الورشة الأدبية التى حضرها ربيع العام الماضى وأنتج منها رواية تحت الطبع يرتادها هذا العام أربع مدونين لم يلتقوا أغلبهم من قبل، وإحداهن هى ماريان ناجى.
يقول ربيع: «الإنترنت أوجدت شكلا جديدا من العلاقات لم تكن موجودة من قبل، أشعر الآن أننى أنتمى إلى مجتمع لم أر أغلب أفراده، وأعرف كثيرين منهم رغم أننا لم نلتق». قد يكون محمد ربيع أكثر من يتفهم هذه النقطة لأن حياة الإنترنت هى سبب تعرفه على زوجته التى كانت تدون هى أيضا. وفى حفل زفافهما كانت نسبة كبيرة من الحضور من أصدقائه ومعارفه على الإنترنت.. وهو ما لم يكن ليحدث قبل عشرة سنوات من الآن.
مقاهي القاهرة
ظاهرة المقاهي التي تستقطب الناشطين في مجالات بعينها مثل الأدب والثقافة والسياسة ليست جديدة على المقاهي المصرية، إلا أن الجديد في العقد الأخير أن الانترنت ـ كوسيط ـ أصبحت أحد أداة تعارف هذه الفئات..  في السابق كانت المواهب الأدبية أو الانتماءات السياسية أحد عناصر تجمع هذه الفئات. يرى الكاتب الصحفي جمال الغيطاني بعين الأديب أن العصر الذهبي للمقاهي كان في فترة العشرينات والثلاثينات حسبما يذكر في مقدمة كتاب مقاهي الشرق، لكن قبلها أيضا كانت المقاهي تضم النخب من الكتاب والسياسيين ومن أحد أشهر هذه الملتقيات قهوة متاتيا التي كان يلتقي فيها في نهاية القرن قبل الماضي سعد زغلول ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني ومن بعدهم عباس العقاد. كانت تكفي شهرة الكاتب أو السياسي كي يلتف حوله المريدون. الآن  اختفى هذا المقهى تماما من الوجود، أما مقهى ريش الذي ما زال باقيا كأحد رموز هذه المقاهي التي اجتذبت الناشطين السياسيين والكتاب والأدباء، اشتهر بتواجد الراحل نجيب محفوظ الذي عرف عنه التواجد على مدار حياته في مقاه كثيرة مثل مقهى عرابي في الظاهر أما أهم ما اشتهر به مقهى ريش فهو تواجده البارز أثناء ثورة 1919 وكذلك وقت ثورة 1952 حيث شهد اجتماعات جمال عبد الناصر بالضباط الأحرار. لم تخف الهوية السياسية عن بعض المقاهي مثل مقهى الشيوعيين، وكذلك تجمعات أبناء حركة اليسار في مقاهى مثل ايزافيتش الذي كان يملكه رجل ذو أصل صربي من عائلة ايزافيتش.. واختفى المقهى من الموجود وحل محله الآن مطعم للوجبات السريعة رغم تاريخه الذي شهد نشأة طبقة من الفنانين وابناء اليسار، وخروج اعتصام الطلبة عام 1971 من داخله.
الفنانون لم يكونوا بعيدين عن مقاهي وسط البلد حين كان يرتادها نجوم مثل رشدي أباظة وشكري سرحان وغيرهم، وكان مقهى الحرية في باب اللوق أحد هذه الملتقيات. ولا تخفي بعض المقاهي هدفها مثل مقهى الندوة الثقافية الذي أعلن طابعه على لوحته منذ البداية.

Thursday, December 24, 2009

ناشط بيئي بمواصفات مصرية

العمل في حدود المتاح
اعتراض سفينة ملوثة للبيئة أو الاعتصام احتجاجا على فعاليات مؤتمر عالمي هي بعض ملامح عمل نشطاء البيئة الغربيين، لكن مع ثقافة مصرية مختلفة يختلف النشاط قليلا !
كتب – عبدالرحمن مصطفى
حين دشن محمد السعيد مجموعة على شبكة فيسبوك الاجتماعية لمنظمة جرينبيس العالمية (السلام الأخضر) لم يكن ممثلا لها في مصر أو عضوا ناشطا فيها بقدر ما كان معتنقا "لنمط الحياة الأخضر" الذي تروج له هذه المنظمة التي تضم ما يقارب الثلاثة ملايين داعم حول العالم. بعضهم كان ينشط على الانترنت لحساب قضايا البيئة، محمد الذي اتخذ هذه البادرة الطيبة بإنشاء المجموعة اكتشف مع الوقت الهوة بين عمل نشطاء السلام الأخضر في الخارج والواقع في مصر، يقول : "في مدينتي المنصورة حيث أقيم تقع أحيانا مجازر في حق الأشجار القديمة والنادرة، لم يهتم أحد بالدفاع عنها لأنه ليس لدينا نشطاء من نوعية نشطاء البيئة في الخارج الذين يستطيعون الوقوف في وجه أي تعد بشكل سلمي ومتحضر". لم يخلو حديثه من الاحباط وهو يصف قراره ترك المجموعة التي دشنها على الفيسبوك، واعتزال الموقع إلى الأبد، يضيف : " انا من اشد المتحمسين للقضية و لكن مصر ينقصها أشياء كثيرة، فكيف اقوم بالسلام الاخضر وانا ارى قمامتى امام منزلى دون وجود آليات تحل المشكلة؟".
يرى بعض العاملين في مجال البيئة من الشباب أنها مقارنة ظالمة تلك التي يجريها البعض بينهم وبين نشطاء البيئة في بلدان اخرى من الذين يعترضون السفن الملوثة للبحار والمحيطات أو من يعتصمون احتجاجا على إهدار الطاقة.. المشكلة في رأيهم أن الثقافة مختلفة تماما، هذا ما تراه أيضا سارة السيد العاملة في مركز الوادي للعلوم البيئية، قبل عدة أعوام كانت قد نشطت مع إحدى حملات منظمة السلام الأخضر المناهضة لتجريف الشواطيء المصرية التي زارت مصر فيها إحدى مراكب المنظمة العالمية للترويج لهذا الهدف، أما اليوم فترى سارة العمل في مجال البيئة في مصر يحتاج إلى معالجة أخرى : "نشطاء الخضر والسلام الأخضر أحيانا ما يتعاملون مع القضية بشكل جذري قد يولد صدامات مع المؤسسات العملاقة أو الحكومات، بالطبع هذا قد يصلح في مناخ سياسي مختلف، مشكلتي الحقيقية كناشطة بيئية هي التعامل اليومي مع الناس".
تعمل سارة في تدريب مجموعات من أطفال المدارس على إجراء بحوث بسيطة والتواصل مع الناس حول موضوعات من بيئتهم، ولخبرتها السابقة في مجال التربية والتعليم فهي تعلم أن المدارس لا تؤدي هذا الدور، ولم تنجح في تغيير ثقافتنا عن هذا الموضوع.
"كثير من الحملات والنشاط من أجل البيئة الآن أصبح يعتمد على الانترنت بشكل كبير في القيام بحملات تشجع الناس على الحفاظ على بيئتهم وهو ما يطرح مشكلة أخرى وهو أننا اغلب نشطاء البيئة من شريحة متوسطة أو فوق متوسطة من مستخدمي الانترنت وأصحاب التعليم العالي، لذا فقضيتنا الآن هي إشراك جميع الفئات، وادخال المصطلحات البيئية في أحاديث الناس ". لهذا السبب تتمسك سارة بلقب "ناشطة بيئية" الذي تعتز به على أمل أن يروج لمفهوم البيئة، لكن اختيارها الأساسي للعمل في هذا المجال كانت نتيجة سفرها إلى الخارج وإدراكها ما تحويه مصر من موارد وما تتعرض له من مشاكل بيئية. وهو نفس السبب الذي تشترك فيه مع أحمد نونو أحد من نشطوا في الحفاظ على البيئة بشكل أكثر بساطة على أمل ان لفت الانتباه. فقبل عدة أشهر لفت نظر أحمد صفحة على الفيسبوك أنشأها أحدهم تحت عنوان "Keep Egypt Clean حافظوا على مصر نظيفة"، فلمعت الفكرة في رأسه مع أصدقائه في تحويل الفكرة النظرية إلى عمل على الأرض.. تسلحوا بالمقشات ونجحوا في إقناع ممولين لدعم دعاية الحملة وبدؤوا في النزول إلى الشارع، يقول أحمد : "أزعم أنه كان لدي وعي في مجال البيئة منذ أيام الجامعة، ربما أنا أعمل الآن في مجال الادارة بعيدا عن هذا المجال لكني كنت طوال السنوات الماضية مهتم بفكرة تدوير المخلفات وتشجيع الناس على ذلك من جلال جمعيات مختصة والنشاط الجامعي". حين يقارن أحمد نوعية نشاطه من أجل البيئة مع النشطاء الغربيين يجد أنها مقارنة ظالمة، فغاية أمله هو أن ينجح في تشجيع الناس على الحفاظ على نظافة شارعهم من القمامة أو في أفضل الأحوال أن يوجهوا بعض مخلفاتهم الصلبة إلى من يعيد تصنيعها وتدويرها، ويعتقد أن ما قام به يعتبر محدود في نطاق الشريحة التي ينتمي إليها، فلم يكن يستهدف مناطق عشوائية لأن لديهم مشاكل أعمق من مشكلة القمامة.
يقول : "الهدف الرئيسي من اتجاهي لهذا العمل كان سفري للخارج واحساسي ان البلد جميلة وفي حاجة إلى الاعتناء، لكن عملنا محدود في نطاق ضيق جدا، لأن هذه الثقافة غير موجودة".
يعترف أحمد أن مبادرته مع أصدقائه قد تتحول إلى ومضة ضمن محاولات للفت الانظار إلى ما نقوم به من عدم الاهتمام بالبيئة التي نعيش داخلها.
بعض المحاولات الأخرى تأثرت بأفكار وافدة من الخارج مثل المجموعات التي يديرها نشطاء في مجال البيئة سلكوا طريقا أخر مع شركات داعمة لهم في بعض الآحيان في تطبيق أفكار مثل استخدام الدراجات كبديل عن السيارات ووسائل المواصلات التقليدية، وذلك بهدف الحفاظ على موارد الطاقة وعدم تلويث البيئة بالعادم.
يرى الأستاذ الدكتور عبدالمسيح سمعان أستاذ مناهج التربية البيئية في معهد الدراسات والبحوث البيئية في جامعة عين شمس أن مقارنة أداء نشطاء البيئة في الخارج بنظرائهم في مصر ليست مقارنة جائزة لاختلاف مساحة العمل والحرية المتاحة لكل طرف، ويتحفظ الدكتور عبدالمسيح على استخدام كلمة ناشط بيئي، ويضيف : "كلنا يمكننا أن نكون ناشطين من أجل البيئة لأنها قضيتنا جميعا والتوصيف الأدق هو المواطن الايجابي أو السلوك المسئول". في أحد البحوث الميدانية وجه سؤالا إلى شريحة من المواطنين ذكر 60% منهم عن أن البيئة هي التلوث، هذه النتيجة التي يستدعيها الدكتور عبدالمسيح في حديثه تعبر عن مشكلة أكبر تعيق العاملين والمهتمين بالبيئة : "هناك خطوات لا بد منها كي يتحسن الوضع في مصر أولا المعرفة ثم السلوك الايجابي، بإمكان الدولة المساهمة الفاعلة في نشر المعرفة، واكبر مثال على ذلك التوعية التي حدثت عن انفلوانزا الخنازير وجعلت الناس يشعرون بقلق حقيقي من هذا الفيروس، ودفع به إلى قائمة اولويات الناس، في الخارج كان الوعي هو ما جعل نشطائهم على هذه الدرجة من الحماس لأن القضية من أولويات المجتمع ". ويلخص في النهاية قضية البيئة في معادلة بسيطة : "كلما قلت المخلفات كلما حافظنا على الموارد، قضيتنا ليست في مطاردة المخلفات فقط، بل في الحفاظ على الموارد من منبعها، بتقليل استنزاف الطاقة، وحماية البيئة الطبيعية
".
ــــــــــــــ
حزب الخضر المصري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تأسس حزب الخضر المصري عام 1990 وعلى رأس أولوياته زيادة الوعي بالقضايا البيئية في مصر وينتشر حول العالم مجموعة من الأحزاب تحت نفس التسمية يجمعهم الاهتمام بالبيئة رغم اختلاف أجنداتهم، اللواء عبدالمنعم الأعصر رئيس الحزب يسجل إجاباته حول دور الحزب الغائب عن الساحة.

ـ ما هو موقف نشطاء الخضر في مصر من نشطاء الخضر في العالم؟
كل أعضاء الحزب نعتبرهم نشطاء بيئيون، وأهداف الحزب تتعدى ذلك إلى تحقيق أهداف اجتماعية وسياسية، أما النشطاء الذي يحتجون على المؤتمرات الدولية فأغلبهم من أوروبا ومن جماعة السلام الأخضر، وهي أمور لا نشارك فيها وليس مسموح لنا الاتصال بأي جهة خارجية حسب قانون الأحزاب.
ـ أين حملات الخضر في مصر ؟
نحن لسنا جمعية كي نقيم حملات، لسنا مثل حركات كفاية أو 6إبريل أو غيرها، وأعضاء الحزب مثقفين ولا نسمح للقيام بمثل هذه الأمور، لأن هناك قوانين لا بد الالتزام بها والعمل تحت مظلة القانون ومن خلال مؤسسات الدولة.
ـ ما هي أليات العمل لحماية البيئة؟
أنا عضو في مجلس الشورى وفي لجنة الشؤون الصحية والبيئة وحين تأتيني مشاكل من المواطنين أعرضها بحكم منصبي، ولقد تحدثت كثيرا عن قضايا الأرض والمياه وغيرها.

Wednesday, December 16, 2009

مصر.. أرض المستقر والمقام

عبدالرحمن مصطفى
حين زار الكاتب الشاب هلال شومان مصر قبل عام مضى خطرت برأسه فكرة أن ينتقل من موطنه فى بيروت إلى القاهرة، ودفعته الفكرة إلى البحث الجاد عن عمل مناسب داخل مصر فى تخصصه الأصلى كمهندس كهربائى، ويبدو أن لديه من الأسباب ما يرضى رغبته فى الارتباط بمصر والقاهرة حسبما يوضح: «عندما زرت القاهرة للمرة الأولى العام الماضى والتقيت أصدقائى المصريين، قضيت بين القاهرة والإسكندرية فترة قصيرة لم تتجاوز الأسبوعين، كانت كافية كى تخلق داخلى نزعة طفولية جعلتنى أتشبث بهذا المكان، وظلت الفكرة فى رأسى رغم عدم نجاحى فى الانتقال بشكل آمن إلى مصر حتى الآن».
حسب أرقام التقرير السنوى للتنمية البشرية لعام 2009 (الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائى) فإن عدد المهاجرين من لبنان يبلغ 20 ألفا سنويا، ليست مصر هى وجهتهم الأولى بقدر ما تجذبهم دول أخرى فى منطقة الخليج العربى وأوروبا وأمريكا. يعلق هلال: «ردود الأفعال التى تلقيتها من أصدقائى عندما أخبرتهم بفكرة انتقالى إلى القاهرة كان: هل يستحق الأمر فى ظل مستوى العيش المنخفض فى القاهرة عن لبنان؟ وهل ستكون مرتاحا ماديا عندما تنتقل إلى هناك؟»، نفس ردود الأفعال تلقاها هلال حين نشر أول عمل أدبى له فى دار نشر مصرية، وقيلت له عبارات من نوعية «لبنانى ينشر فى دار نشر مصرية.. لماذا؟». هذه العبارات قد تبدو للوهلة الأولى صادمة لمن يعيشون ذكرى «الزمن الجميل»، وكيف كانت «مكانة مصر» جاذبة للعرب، خصوصا لجنسيات مختلفة من الشوام فى القرنين الماضيين، حيث وجدوا مناخا تنمو فيه مشروعاتهم الثقافية والفنية والتجارية.
هلال نفسه لم يضع فى الحسبان ما يقال عن مكانة مصر التى كانت جاذبة فى فترة من الفترات، ويقول: «الحديث عن انتقال الشوام إلى القاهرة قديما أكثر ارتباطا بالحنين إلى الماضى». ويوضح أنه لا ينكر تأثير أشياء صبغت جزءا من ذاكرته فى الصغر بالطابع المصرى، بدءا من سلسلة الشياطين 13 التى كانت تباع على أرصفة بيروت أثناء الحرب الأهلية والأعمال السينمائية والتلفزيونية المصرية انتهاء بكتب الأدب المصرى، إلا أن فكرة الانتقال إلى القاهرة كان سببها الرئيسى متعلق بمصر التى رآها فى زياراته الأخيرة.
ويضيف شومان: «عندما قضيت فى القاهرة أسبوعين، فتنت بتفاصيل بسيطة للغاية عندما رأيت الناس يسكنون المبانى التراثية فى وسط البلد وفى مناطق أخرى. طبعا هالنى عدم الاهتمام الذى تعانى منه هذه الأبنية، لكننى فرحت عندما رأيت هذه المبانى حية فى سكانها، ففى بيروت ننظف كل شىء قديم ونفرغه من الحياة، بيروت فى أغلب مناطقها بشعة معماريا، تشبه بعض مناطق القاهرة الشعبية فى معمارها التجارى».
مبانى القاهرة التاريخية التى جذبت أعين هلال شومان وزادت من تعلقه بالقاهرة هى نفسها التى بنيت زمن هجرة الشوام بين منتصف القرنين 19 و20 حين كانت هذه الهجرات حسب رأى مسعود ضاهر فى كتابه «هجرة الشوام: الهجرة اللبنانية إلى مصر» (دار الشروق 2009) تبحث عن الحرية السياسية لفئات مثل الشعراء والسياسيين والمثقفين، والبحث عن الوضع الاقتصادى الأفضل لفئات أخرى، وهى صورة مختلفة عن الواقع اليوم.

هجرة الشوام
«من الخطأ أن نترجم ظاهرة مثل هجرة الشوام إلى مصر فى فترة من الفترات على أنها دليل على مكانة متميزة، فتعبير المكانة يتغير ويختلف من فئة لأخرى»، بهذا الرأى يحاول الدكتور شريف يونس ــ أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان ــ أن يراجع مفهوم «مكانة مصر» الذى استهلك طيلة سنوات مضت وأصبح تفسيرا لشكل العلاقة بين مصر والدول العربية فى بعض الحالات.
ويضيف: «هذه تعبيرات غير دقيقة وغير معبرة عن تفاصيل الواقع، ومن غير المقبول أن نضع أسباب الهجرات سواء فى الماضى أو اليوم تحت عنوان مكانة مصر الجاذبة للعرب، الهجرة فى النهاية مسألة انتقائية، ففى حالة هجرة الشوام إلى مصر على سبيل المثال نجد أن شريحة منهم وفدت إلى مصر هروبا من اضطهاد عثمانى وتضييق على حرية الرأى، فى الوقت الذى كان هناك هامش الحرية وأفضلية اقتصادية فى مصر وفرت لهم الفرص لإنجاز مشروعات ثقافية وفنية وتجارية».
يوضح الدكتور شريف يونس كذلك أن نفس هذه الفئة من المهاجرين الشوام لم تعد تجتذبها مصر فى عهد جمال عبدالناصر، فبعد أن كانت مصر جاذبة لهجرة العقول ولأموال التجار أصبحت فترات الخمسينيات والستينيات بداية انحسار بسبب ظروف جديدة هى قبضة الدولة القوية على شئون الفكر والثقافة والاقتصاد.
والمفارقة أن هذا الانحسار كان فى قمة التوجه المصرى نحو العرب أو حسب التعبير الذى يستخدمه البعض حين كانت مكانة مصر مرتفعة بين العرب، لكن هذا التناقض يفسر أن لفظ مكانة مصر غير دقيق.
هذه الصورة التى يرسمها الدكتور شريف يونس لمصر كبلد استقبال عاشتها بعض الأسر المصرية ذات الأصول الشامية التى مازالت محتفظة بذكرى جد قديم جاء من المشرق لم ينسه أحفاده، مازن فيصل الخيمى أحد هؤلاء الأحفاد.. يستطيع اليوم أن يتفهم انبهار جده الأكبر خليل الخيمى حين اتخذ قرار الانتقال من دمشق إلى القاهرة، يقول مازن: «جاء الجد الكبير إلى القاهرة فى رحلة استشفاء كانت هى السبب فى تصفية تجارته فى الشام والانتقال إلى مصر والعيش بها، حيث وجد الطب المتقدم، كما وجد مكانا له فى سوق النسيج وسط تجار الحمزاوى بمنطقة القاهرة التاريخية».
حين وفد السيد خليل الخيمى فى العام 1904 لم يكن وحده من الشوام الذين اختاروا مصر مستقرا ومقاما، بل كان واحدا من 34 ألف مهاجر شامى اختلفت دوافعهم فى المجىء إلى مصر، البعض جاء هاربا من مشكلات سياسية وطائفية، لكن العامل الرئيسى الذى جذبهم جميعا كان الحالة العامة التى نجحت فى اجتذاب أموال وكفاءات هؤلاء المهاجرين، حتى إن بعض التقديرات أشارت إلى أن الشريحة الأغنى من الشوام فى مصر حازت ثروة تقدر بعشر الثروة القومية فى ذلك الوقت فى العام 1907.
اليوم حين يروى الحفيد مازن تلك القصة العائلية لا يستطيع تفويت الفرصة دون تسجيل مفارقة يعشها يوميا: «من المؤكد أن مصر كانت فى حالة أكثر رقيا لتجتذب الزوار إليها بهذا الشكل، اليوم حين أنظر إلى حى الزمالك حيث أسكن وأقارن بين فيلاته وعمارته القديمة وبين ما يبنى يوميا من مبان قبيحة وعشوائية أتفهم أسباب انبهار الجد الكبير بالقاهرة الخديوية آنذاك».
العائلات التى اختارت مصر مستقرا ومقاما، حيث ازدهرت تجارتها وأصبحت جزءا من الأمة تبدلت أحوالها بعد ثورة عام 52، بسبب التغييرات التى طرأت على النظام السياسى وعلو الحس الاشتراكى داخل الدولة. ولم تكن «مكانة مصر» هى الدافع وراء بقاء أسرة الخيمى بقدر ما كان رسوخ أقدام الأسرة فى مصر هو السبب، فرغم أن الصلة ظلت موصولة بسوريا عن طريق والدة مازن والجدة ــ صاحبتى الأصل السورى ــ فإن الأسرة اختارت أن تكون مصرية منذ قرار جد مازن بالحصول على الجنسية المصرية بعد الثورة.
يقول الحفيد مازن الخيمى: «اليوم أفكر فى الهجرة جديا، ولا أعتبرها تكرارا لمغامرة الجد الكبير أو إرث عائلى.. فالعائلة مستقرة منذ زمن، وليس لنا إلا هذا البلد، لكنى أفكر كغالبية أبناء جيلى نتيجة القلق من المستقبل والبحث عن فرص أفضل».
الأسباب التى دفعت أسرا شامية إلى الانتقال إلى مصر قديما ثم اختيار البقاء فيها رغم تبدل الأحوال لم تكن متعلقة بمكانة بلد بقدر ما كانت متعلقة باتصالهم مع واقعهم، وهو التفكير العملى الذى دفع شرائح أخرى اضطرت إلى المجىء إلى مصر من جاليات ذات طابع خاص لذات الأسباب، فالجالية السودانية التى تقدرها بعض التقديرات من 2 ــ 4 ملايين سودانى فى مصر اختلفت صورتها فى الأعوام الأخيرة بسبب هجرة الوافدين من مناطق النزاعات فى جنوب السودان ودارفور، حيث أتى بعضهم بإقامة مؤقتة على أمل أن تكون مصر معبرا له، ويسجل مكتب شئون مفوضية اللاجئين نحو 42 ألف لاجئ فقط، أكثر من نصفهم سودانيون.
ويمثل الوجود الفلسطينى فى مصر ظاهرة خاصة تسببت فيها أيضا سلسلة الحروب مع إسرائيل، إلا أن حركتهم خارج وداخل مصر وعودة البعض إلى مناطق السلطة الفلسطينية أوجدت رقما يتراوح حول الخمسين ألفا. وكل هذه الهجرات لم تكن لديها ترف الاختيار أو البحث عن مكانة، وكذلك كان الحال مع الجالية العراقية التى ازدادت أعدادها فى العقد الأخير بعد احتلال العراق.


هواجس مصرية
الكاتب العراقى الدكتور عبدالكريم العلوجى كان أحد الشهود على هذا التطور بعد 40 عاما من البقاء فى مصر كلاجئ سياسى حين اضطر إلى الفرار من العراق بعد أن وجد نفسه يوصف بأنه واحد من أعداء الثورة العراقية سنة 1968 لميوله المخالفة. وبعد رحلة هروب إلى الأردن وسوريا كان الاستقبال الأخير فى القاهرة.
ومن خلال خبرة طويلة فى مصر استطاع الخروج باستنتاج أن صورة العراقى المنتقل إلى مصر قد تغيرت بشكل كبير، فحين جاء إلى مصر عام 69 كان ضمن حيثيات الاختيار فكرة «مكانة مصر»، وذلك لأسباب وجيهة يذكرها: «جئت مصر فى 31 ديسمبر عام 69، لم أرتح فى سوريا ولا الأردن، واخترت البقاء فى القاهرة إلى اليوم لأنى كنت قد رأيتها فى عصرها الذهبى وقت تألق الروح العربية والتأثر بالزعيم جمال عبدالناصر، وكانت هى الأنسب لسياسى يؤمن بالقومية العربية ولكل اللاجئين الذين جمعتهم نفس الظروف المشابهة».
حين وفد إلى القاهرة لم يكن هناك جالية كبيرة من العراقيين، مجرد مجموعات من الطلاب والتجار واللاجئين السياسيين الذى أصبح واحدا منهم. ويضيف الدكتور العلوجى: «على مدى أربعين عاما فى مصر تلقيت حفاوة ومعاملة كريمة من جميع زملائى الصحفيين والكتاب، رغم اختلاف الأحوال الاقتصادية عن الماضى وتأثيره على المواطن العادى».
لم يكن فقط الاختلاف قد أصاب المصريين، بل أصاب شكل الجالية العراقية حسبما يشرح: «بعد الاحتلال الأمريكى وتدهور الوضع الأمنى فى العراق تغير شكل اللاجئ العراقى وأصبح العراقيون فى مصر أكثر اختلافا وتنوعا وضموا فئات مختلفة، وانعكس ذلك على بعض المظاهر التى أدت إلى اتهام العراقيين فى مناطق تجمعاتهم بالسادس من أكتوبر والهرم بأنهم تسببوا فى رفع أسعار العقارات والسلع بسبب مزايدة التجار، فى حين لم يفكر الكثيرون فى أن بعض الأسر العراقية كانت تسعى للتملك فى مصر كى تحصل على إقامة حسب القوانين، كذلك كان الاختلاف الثقافى والمذهبى سببا فى بعض ما أثير السنوات الماضية حول اللاجئين العراقيين من لغط».
أعداد العراقيين فى مصر ظلت لفترة غير محددة وقدرها البعض فى العام 2007 بـ150 ألف عراقى، لكن دراسة أعدها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء ومركز دراسات الهجرة واللاجئين التابع للجامعة الأمريكية فى القاهرة. عام 2008 قدرت أعدادهم بـ20 ألف عراقى فى مصر، وهو رقم غير مؤكد، وفقا للدراسة.
لعلهم لم يكونوا جميعا على نفس اهتمام الدكتور العلوجى بفكرة العروبة ودور مصر ومكانتها، إلا أن هذا لم يمنعه من الحيرة فى الأسابيع الأخيرة بعد أن تابع ظاهرة لم يرها خلال أربعين سنة قضاها فى مصر وهى التحفيز الإعلامى الذى صاحب مباريات مصر والجزائر وانتهى وقتها بمظاهر القطيعة بين البلدين، يقول: «الموقف كان صادما بالنسبة لى!» أما المفارقة فكانت أن تعبيرات مثل «مكانة مصر» و«الكرامة» التى كان يسمعها الدكتور العلوجى قبل أربعين عاما بقلب عربى مرتاح، أصبحت اليوم أداة إزعاج لأى عربى. ويعلق على هذا « لفنان والإعلامى والمثقف المصرى فى حاجة إلى العرب، عليهم ألا ينسوا هذا ولا يروجوا ما يسىء لصورتهم».
الدكتور عبدالكريم العلوجى، اللاجئ السياسى العراقى الذى لم يعد باستطاعته العودة للعراق لأسباب فيها خطر على حياته، متزوج من سيدة مصرية وعاش سنوات طويلة فى مصر إلا أن هذا لم يقلل من حيرته الأخيرة حول استخدام الإعلام للتحفيز الوطنى ضد دولة عربية.
يسجل الدكتور شريف يونس ملاحظة فى أن تعبيرات من نوعية «الكرامة»، و«المكانة» بالفعل تزامنت مع تأسيس الدولة بعد ثورة 52، لكنها تحولت اليوم إلى هاجس كبير حتى أصبحنا نبحث عن اعتراف الآخرين بنا وماذا قالوا عنا حفاظا على مكانتنا، وتفجر الموقف الأخير المصاحب لمباريتى مصر والجزائر ليبرز كيف انتقل هذا إلى المواطن العادى وأصبح قضية شخصية.
من الفئات التى لمست هذا بشكل مباشر الطلبة العرب فى مصر، عبدالله العرشى معيد بكلية الآداب بجامعة صنعاء اليمنية وواحد من 4 آلاف طالب يمنى فى مصر، يدرس الماجستير بجامعة القاهرة، ولمس هذا الاختلاف فى هذه الفترة حين كان يسأله البعض فى الشارع إن كان جزائريا أم لا وهى أسئلة تدفع إلى التفكير وماذا إن كنت جزائريا؟
المفارقة أن عبدالله العرشى كان أحد أسباب مجيئه إلى مصر فكرة «مكانة مصر العلمية»، حسب تعبيره، رغم أن الواقع يقول إن الجامعات المصرية خارج الترتيب العالمى لأفضل ‏500‏ جامعة على مستوى العالم، وحسبما يذكر هو أن أسعارها مرتفعة مقارنة بجامعات أخرى، إلا أنه أورد أسبابا أكثر عملية فى حديثه عن اختيار مصر: «على رأس الأسباب التعود على المصريين ولهجتهم وثقافتهم، وهو أمر يتعدى مرحلة متابعة المسلسلات المصرية، فأنا عن نفسى درس لى أساتذة مصريون منذ الابتدائى حتى صرت معيدا أكاديميا فى الجامعة، لذا فإن روح الألفة موجودة من ناحيتنا تجاه المصريين الذى رأيناهم مهندسين ومعلمين وأطباء وحتى عمالا فى مطاعمى.
مكانة مصر لدى طالب يمنى هى ترجمة لصورة من التقارب الثقافى بين البلدين، هذا ما ذكره عبدالله العرشى بشكل قاطع ويضيف: «المصريون من أقرب الشعوب إلى اليمنيين فى البساطة وعدم التكلف على المستوى الشعبى، هنا أستطيع العيش مع أسرتى بهدوء حتى شراء النقاب لزوجتى متاح ولم يعد أمرا مستهجنا ثقافيا».
يدرس عبدالله العرشى التاريخ الحديث، والمفارقة أن عائلته كانت ضمن القبائل المتحالفة ضد التدخل المصرى فى اليمن فى الستينيات وفقدت بعض رجالها فى الحرب التى عرفت بحرب اليمن. يشير بيده مع ابتسامة تدل على أن هذه الحوادث أصبحت فى طى النسيان ويقول: «كانت حربا أهلية لها ضحايا ولم تكن هناك خصومة أبدا مع المصريين، بمجرد أن انتهت الحرب دفن كل منا شهيده».
لم يخل اختياره لمصر من بعض المنغصات التى يعتبرها أمورا روتينية، فلهجته العربية أحيانا ما تكون عبئا عليه إذا ما ركب التاكسى أو إذا قرر التفاوض مع أحد الباعة عند شراء سلعة، حيث يبالغ البعض فى المزايدة على سعر السلع والخدمات للعرب.
لكنه فى الأسابيع الماضية التى شهدت حالة من الزهو فى الحديث الإعلامى عن مكانة مصر وبث الشحنات الوطنية الحماسية فى الإعلام التى صاحبت مباريات مصر والجزائر والأسابيع التالية لها، ظهر أمامه ملمح جديد لم يره طيلة ثلاث سنوات قضاها فى مصر: «كان الجميع مرحبا فى البداية بهذه الروح حتى أولادى صبغوا وجوههم بالعلم المصرى وحملوا الأعلام التى تشبه العلم اليمنى واحتفلوا مع الناس، لكن ما أعقب هذا من علو روح الغضب أصابتنا بالتعاسة خاصة حين أصبحت لهجتك المختلفة مثار تساؤل فى تلك الفترة».
قد يتحدث سائق التاكسى الذى يستقله عبدالله العرشى أو غيره من العرب المقيمين فى مصر بلهجة تحمل بعض الغلو فى الوطنية ويتحول تعبير مثل «مكانة مصر» إلى عبء على إمكانية التواصل بين الطرفين، لكن أسبابا أخرى أكثر عملية تختلف من كل شخص وجنسية عربية هى التى تبقى مصر دار مقام واستقرار.