Thursday, June 25, 2009

إعلانات قديمة .. سقطت سهوًا من ذاكرة الشارع



الخميس 25 يونيو 2009كتب ــ عبدالرحمن مصطفى

قد تكفى ابتسامة خفيفة أو إشارة باليد للتعبير عن طرافة المشهد وغرابة استمراره إلى الآن.. إعلانان نادران نجحا فى البقاء أكثر من نصف القرن فى نفس الموضع على نفس البناية، الأول «أسبيول.. يزيل الآلام»، والثانى «بلمونكس.. ضد الكحة». كلاهما بدا وكأنه جزء من واجهة العمارة، لكن الأمر لا يقتصر عليهما فقط فلهذين الإعلانين الغريبين إخوة على قيد الحياة فى شوارع المدينة، تطالع المارة وتتابع تبدل أحوال القاهرة على مدى سنين ابتلعت فيها كما لا بأس به من غبار الشارع وعادم السيارات.

الوقوف عند نقطة التقاء شارعى عدلى ومحمد فريد فى منطقة «وسط البلد» القاهرية يتيح فرصة أكبر لمشاهدة إعلانى الدواء، لكنه لا يجيب عن تساؤل قد يخطر على بال من يراهما «هل تمثل هذه الإعلانات أية قيمة أم أنها سقطت سهوا من ذاكرة الشارع؟».

فى مدخل نفس العمارة ناحية شارع محمد فريد إعلان آخر فى واجهة استوديو تصوير يقول«لدينا صور قديمة ونادرة»، وكأنها إشارة إلى احتمال أن يكون لدى صاحب الاستوديو اهتمام بهذا السؤال.. جاكوب كيروبيان ذو الأصل الأرمنى والعمر المديد استقبلنى فى محرابه بين صور المشاهير وأدوات التصوير القديمة التى ورثها عن والده. ظن فى البداية أنها زيارة زبون أراد شراء الصور القديمة المعلن عنها، وحين أخبرته أننى مجرد متطفل أراد أن يسأل عن إعلان قديم لا داعى لوجوده الآن، كنت كمن فجر لغما فى ذاكرته «إعلان شركة الأدوية؟!!» واستغل الفرصة لاستدعاء قصة المكان وتفاصيله مرة أخرى. وذكر أنه بالقرب من موضع هذه العمارة كانت هناك مبانٍ ونادٍ اجتماعى تابعين لكنيسة، وبيعت لتاجر يهودى اسمه فرانسيس، اشتراها لأنها قريبة من المعبداليهودى، لذا حملت العمارة اسم عمارة فرانسيس، حتى جاء مالك شامى آخر من عائلة شوشة واستمر الوضع كذلك حتى انتقلت تبعيتها لشركة التأمين. هذه الجمل التى حاول بها جاكوب استعراض تاريخ المكان جعلته ينسى قصة الإعلان، وانهمك فى شرح تفاصيل أخرى عما حدث لوسط البلد وعماراتها وما آلت إليه الآن نتيجة تجاوزات بعض أصحاب المتاجر على جمالياتها المعمارية، وحين عدت معه إلى إعلان الدواء مرة أخرى أجاب باختصار: «مجرد إعلانين لشركة دوش لصناعة الأدوية التى كانت تقع قديما فى الطابق الثانى من نفس البناية، ومع تغير أحوال البلد بعد الثورة، تركت الشركة مكانها ولم يفكر أحد من القاطنين فى إزالة تلك اللوحات».
الصعود إلى الطابق الثانى ينتهى بلافتة ذى ملمح حكومى خالص «الشركة المصرية للأبحاث والتطوير التابعة للشركة القابضة للأدوية»، هنا لا أحد يتذكر شركة «دوش» للأدوية ولا إعلانها الطريف على واجهة البناية، عرفها فقط أحد المديرين القدامى بحكم عمله فى مجال صناعة الدواء واستخدامه هذه المنتجات فى الصغر. أما جاكوب كيروبيان فلم يجد سوى عبارة مبتسرة وابتسامة رجل عاصر تطور المنطقة على مدى عقود «ببساطة الشركة رحلت، ولم يجد أحد حرجا فى بقاء الإعلان كما هو على واجهة العمارة».
صورة هذا العقار بواجهته الإعلانية هى واحدة من صور عقارات تم رصدها وتوثيقها فى كتاب القاهرة الخديوية للدكتورة سهير حواس ــ أستاذة العمارة والتصميم العمرانى بهندسة القاهرة ــ التى صنفت المبنى بأنه من الطراز «الكلاسيكى» الذى يعود بناؤه إلى النصف الأول من القرن العشرين. وترى سهير حواس بحكم موقعها فى الجهاز القومى للتنسيق الحضارى المختص بالحفاظ على الشكل الجمالى لمبانى وشوارع المدن، أن علاقة الإعلان بالمبنى لها أبعاد أخرى أوضحتها بحسم «الأولوية للمبنى وليست للإعلان، هذه الإعلانات التى قد تبدو كجزء من ذاكرة المكان تقتطع جزءا أهم من جماليات المبنى وهى فى الحقيقة عبء عليه، سواء كانت إعلانات قديمة أو حديثة، وهى المشكلة التى نتعامل معها الآن فى مشروع تطوير القاهرة الخديوية بهدف تعويد أعين الناس على رؤية جماليات العمارة التى تسرقها الإعلانات».
المشروب العجيب

العلاقة بين الإعلان والمبنى التاريخى ــ حسب حديث الدكتورة سهير حواس ــ اجتازت مرحلة التجميل إلى الخضوع لقانون 144 لعام 2006 المتعلق بالحفاظ على المبانى ذات الطراز المعمارى المتميز، كما تخضع لقانون التنسيق الحضارى رقم 199 لعام 2008 الذى حدد هذه المبانى وكفل لجهاز التنسيق الحضارى المعايير اللازمة للحفاظ على طرزها المعمارية. أما المفارقة أن بعض هذه الإعلانات المسكوت عنها طوال أكثر من نصف القرن قد أصبح من الصعب الآن أن نرى مثلها مرة أخرى، أوضح مثال على هذا هو إعلان مشروبات كحولية بمساحة تمتد لعدة أمتار على واجهة إحدى البنايات، ربما كان فى وقت من الأوقات متألقا بين «بارات» وسط البلد التى ما زالت بقاياها موجودة إلى الآن، إعلان «كونياك ريمى» الذى يكاد يكون متواريا بعد أن أنهكته أشعة الشمس وأخفت بعض ملامحه مازال مستقرا على جدار بناية مرتفعة فى شارع شريف تلاصق مبنى أثريا يرجع تاريخه لبدايات القرن العشرين هو بنك الإسكندرية. بعض العاملين أسفل البناية لم يدركوا منذ البداية أن العمارة مازالت تحمل إعلانا مثيرا كهذا، أما حارس العمارة التى تحتضن إعلان الكونياك فأنكر وجود الإعلان فى البداية ثم اعترف بوجوده وذكر أنه إعلان منسى لا يهتم به أحد.
حسن العجيل الذى يدير متجرا أسفل البناية مازالت لديه بعض المعلومات حول المكان وإن كان لم يبرر بقاء هذا الإعلان سوى بالإجابة التقليدية التى تُحمـِّل السهو والنسيان وزر بقائه. وكتاجر محترف من تجار وسط البلد بدا مشغولا أكثر بما يمسه بصورة مباشرة «الحس الجمالى مفقود بيننا، حتى الشجرة التى حاولت زرعها أمام المحل بنفسى جاء من انتزعها من مكانها دون استحياء»، يشير بيده إلى المبانى المستقرة أمامه ويكمل «واجهات المبانى ملطخة بألوان مختلفة من الدهان ولم يراعِ أحد الحفاظ على جماليات المبنى سوى مطعم للوجبات السريعة أدرك قيمة المبنى الذى يستضيفه».
لكن ماذا عن إعلان الكونياك العجيب الذى مازال شاهدا على شارع شريف؟ الإجابة: لم يتذكره أحد، كل قصته تتلخص فى أن مالك العمارة القديم «الكونت صعب» الذى كان من كبار الملاك فى العهد الملكى كان رجلا متسامحا مع إعلانات الخمور كحال وسط البلد قديما، خاصة أن هذا الإعلان ليس الوحيد المتبقى فى هذه المنطقة، ورغم أن الكونت صعب ذو الأصل السورى الذى نال تكريما أوروبيا زيَّن اسمه بلقب كونت قد وضعت أملاكه تحت الحراسة بعد قرارات التأميم، وأعيد الإفراج عن هذه العمارة وبيعت فيما بعد، إلا أن الإعلان ظل طوال هذه السنوات مستقرا فى مكانه رغم زهد البعض فى مجرد النظر إليه.
الدكتورة سهير حواس ترى أن هناك وجها آخر أفضل لإعلانات المبانى وتقول«بالنسبة للإعلانات ذات الطابع التاريخى المتسقة مع الطراز المعمارى للمبنى يمكن التعامل معها بصورة جمالية، مثل عمارة عدس فى شارع الألفى وبعض الفنادق التاريخية التى زينت المبنى بكتابة اسمها على الجدران من الخارج، هذه الحالة تمثل إعلانا محببا يمثل جزءا من عمارة المبنى، وليست لوحة طارئة عليه من الخارج أو إعلانا يغطى جدار مبنى بالكامل..!».
إذن، فإعلانات قديمة من نوعية شركة دوش أو المشروبات الروحية تمثل الجانب المظلم من ذاكرة وسط البلد، وقد تطليها فى يوم من الأيام فرشاة عمال بناء أو ترفعها يد مرمم. إلا أن المشهد يختلف قليلا على بعد أمتار من هذه الإعلانات، حيث تستقر صيدلية عتيقة يعود تاريخ إنشائها إلى 1899، تأسست على يد جورج هربرت ستيفنسون الصيدلى البريطانى الذى أقام فى مصر فى نهاية القرن التاسع عشر، وأصبحت صيدليته جزءا من عمارة الشوربجى أو سان ديفيز سابقا.

صابون شفاف بالجليسرين

على واجهة أجزخانة ستيفنسون إعلانات قديمة تعيدنا 60 عاما أو أكثر إلى الوراء، منها إعلان بيرس الصابون الشفاف المحتوى على الجليسرين. وأسفل هذه العبارة صورة طفل صغير يستحم داخل حوض بلاستيكى، وإلى جواره إعلان آخر يظهر فيه رجل ذو ملامح أجنبية يروج لإعلان شفرة حلاقة.. الإعلانات فى مجموعها تبدو طريفة وساذجة إلى حد كبير.
إلا أنها متوائمة مع تاريخية المبنى الذى اكتمل بناؤه فى عام 1911 على يد المعمارى روبرت وليامز، كما أن نفس الإعلانات تعبر عن روح الصيدلية العتيقة. نور السمان ــ المدير الحالى للصيدلية ــ ليس لديه الكثير من المعلومات عن المكان أو الإعلانات بحكم صغر سنه وصغر سن أغلب العاملين هناك.. لخص سبب احتفاظه بهذه الإعلانات فى الواجهة فى جملة واحدة «أنا معجب بطراز الصيدلية العتيق وأردت الاحتفاظ بها هكذا دون تغيير حفاظا على طابعها الخاص».
أجزاخانة ستيفنسون أو الصيدلية البريطانية كانت قد انضمت إلى محال عمارة سان ديفيدز فى أوائل القرن الماضى حين كانت العمارة أقرب إلى المول الحديث ومع الوقت تلاشت قوة ملاكها البريطانيين وانتقلت ملكيتها إلى عائلة الشوربجى ذات الأصول السورية وحملت اسم عمارة الشوربجى. واختفت ذكرى ستيفنسون المالك الأقدم للصيدلية ولم يتبق من سيرته سوى اسمه الذى يزين واجهة الصيدلية، ثم انضمت البناية بأكملها بعد عام 1961 إلى شركة التأمين نتيجة سقوط القطاع الخاص فى مصر الاشتراكية آنذاك. وحتى اليوم لا يبقى من آثار هذه الحقبة سوى ما تعرضه صيدلية ستيفنسون فى واجهاتها من إعلانات غريبة الشكل.
إن تأمل إعلانات تبدو رديئة الشكل للوهلة الأولى قد يحفز الخيال على تخيل الأجواء العامة التى ظهرت فيها هذه الإعلانات، لكن طول التأمل والبحث عن قصصها لا يقدم سببا وجيها لاستمرار بقائها سوى أنه السهو عنها والانشغال بتفاصيل الحياة اليومية، خاصة مع ازدياد صخب منطقة وسط البلد بمشروعات تطوير القاهرة الخديوية وما أشيع مؤخرا عن رأس مال جديد يطمح لحيازة مبانى المنطقة، أما عن الإعلانات التى بقت سهوا على جدران بنايات وسط البلد طوال العقود الماضية. ففى واقع الأمر أنها لم تجد من يتذكرها أو ينفعل لوجودها، عدا جاكوب كيروبيان الذى تجاوب مع فكرة البحث فى إعلانات الشوارع القديمة.. وأخرج من درج مكتبه صورة التقطها من شباك الاستوديو الخاص به لإعلانات قديمة من الخمسينيات ملصقة على محول كهرباء، تلاشت سريعا من الوجود لتبقى مخزنة فى صورة بدرج مكتبه فى انتظار من يشتريها.
PDF



اعتذر عن الخطأ في اسم المصور الأرمني 
الصحيح هو نوبار كيروبيان، نجل هاكوب كيروبيان.

Wednesday, June 10, 2009

لقاءات ثقافية في رحاب الكتب والمعرفة

الاربعاء 10 يونيو 2009
عبدالرحمن مصطفى

فى الوقت الذى انهمك فيه أمير زكى عضو ملتقى دروب الفكرى فى عرض كتاب «موسى والتوحيد» لعالم النفس الشهير سيجموند فرويد، كان عدد من زملائه يدونون ملاحظاتهم حول مائدة عامرة بالأوراق والأقلام والدفاتر، استعدادا لفتح باب المناقشة.
وبمجرد أن أنهى عرضه.. سادت لحظات صمت على أمل إيجاد العبارات المناسبة للتعليق على كتاب كهذا من الوزن الثقيل. لا تتكرر لحظات الحيرة كثيرا فى لقاءاتهم، فقد اختاروا منذ البداية أن يكون محور لقاءاتهم مناقشة الكتب ذات الطابع الفكرى التى قد لا تجد لها كثيرا من الأنصار ولا تندرج غالبا تحت خانة الأكثر مبيعا.
قد يوحى اسم الملتقى للوهلة الأولى بالجدية والرصانة وافتقاد روح البهجة، إلا أن هذا العنوان الرصين ليس إلا واجهة لتجمع شبابى أغلب أعضاؤه طلاب فى سن الجامعة، بعضهم عرف هذه اللقاءات عن طريق مجموعة الملتقى على شبكة فيس بوك الاجتماعية التى استقبلت الزوار بعبارة مباشرة «لن نأخذكم بعيدا فى متاهات فلسفية عميقة».
عقب عرض كتاب «موسى والتوحيد»، اخترق محمد سيد مؤسس الملتقى حالة الصمت بعبارة ساخرة نجح بها فى انتزاع ابتسامات أصدقائه الذين شعر بعضهم بثقل المادة المطروحة فى كتاب فرويد، فبدأوا فى توجيه أسئلة أقلقت روح عالم النفس الشهير.. محمد سيد ــ طالب السنة النهائية بقسم الفلسفة ــ يصف بدايات المجموعة قائلا: «خرجت الفكرة أثناء حضورنا مؤتمرا متخصصا فى الفلسفة، لم يكن فى رأسنا تجربة سابقة أو هدف محدد سوى الخروج من أسر المقررات الجامعية، ورفع السمعة السيئة عن الدراسات الفلسفية، وكان هدفنا التعامل المباشر مع النصوص الأصلية ونقدها بأنفسنا».
إلى جوار محمد سيد، يجلس زميله فى الدراسة أمير زكى الذى كان فرغ لتوه من عرض كتاب هذا الأسبوع، تدخل أمير فى الحديث موضحا «منذ أن بدأنا لقاءاتنا الأولى فى بيت محمد قبل أن تستضيفنا الجمعية الفلسفية، كنا قد قررنا أن نتناول كتبا ذات طابع خاص، اشترطنا أن تكون كتبا أسهمت فى صنع الحضارة الإنسانية، سواء كانت فى مجال الفلسفة أو الأدب، أو الفكر السياسى..».
تجربة «ملتقى دروب الفكرى» الذى يستقبل زوار موقع فيس بوك وينشر كتابات أعضائه على مدونة خاصة على الإنترنت، ليست إلا امتدادا لفكرة «مجموعات القراءة» أو «نادى الكتاب Book Club»، التى تقوم على اجتماع محبى القراءة حول كتاب أو أكثر من أجل مناقشته ونقد محتواه. وفى الوقت الذى ضمت فيه شبكة الإنترنت عددا لا بأس به من المنتديات الإلكترونية التى قامت فى الأساس لهذا الغرض، إلا أن قليلا منها الذى نقل نشاطه إلى أرض الواقع خارج الإنترنت.
بعض مجموعات القراءة تلتقى فى المنازل مثلما بدأ أعضاء ملتقى دروب، وهناك من يلتقون فى المطاعم الهادئة أو النوادى أوحتى المكتبات، كذلك تختلف دورية اللقاءات حسب خطة كل مجموعة.

وسيلة لتنمية الذات

يرى أعضاء مجموعة «دروب» للقراءة أن هدف لقاءاتهم أكبر من مجرد الالتفاف حول كتاب وقراءته، بل هى وسيلة لتنمية الذات.. من نفس هذا المنطلق تأسست قبل تأسيس ملتقى دروب بخمسة أعوام، مجموعة أخرى على نفس النمط، حين بدأت الفكرة تداعب خيال حازم الشورى ــ طالب الطب آنذاك مع صديقته شيرين على طالبة الهندسة ــ يصف حازم البدايات الرومانسية للفكرة بأن الطموحات كانت أكبر من إنشاء مجموعة قراءة، ويقول: «كنا نفكر مع أصدقائنا فى إصدار مجلة شبابية تقدم الثقافة فى قالب ترفيهى، وقسمنا أنشطة المجموعة إلى مناقشات للكتب، وعروض يقدمها كل مشارك عن مجال تخصصه، ثم عروض أفلام وجلسات نقاش حولها». فى تلك المرحلة كانت المجموعة ــ حسب وصف حازم ــ تضم «شلة» من الأصدقاء فى سن العشرين، يأملون فى تقديم خدمة لمجتمعهم بتنمية أنفسهم ومن ينضم إليهم، وهو ما دفعهم إلى تقديم دورات تدريبية فى اللغة الفرنسية والكمبيوتر فيما بينهم لتحقيق هذا الهدف الطموح.
لم يختلفوا كثيرا عن شباب ملتقى دروب الفكرى فى طموحاتهم، حيث يعتبر شباب «ملتقى دروب» أن وراء لقاءاتهم أبعادا أعمق من القراءة فى كتاب لمجرد ساعتين، هذا ما عبر عنه محمد سعد ــ أحد الأعضاء المؤسسين للملتقى ــ فى عبارات واضحة على صفحتهم على الفيس بوك التى تضم 130عضوا: «ترتكز أفكارنا حول تحقيق نهضة لهذا البلد ولكنها نهضة تقوم على نظرية معرفية سليمة.. ووعى سليم لا يتحقق إلا بمعرفة وبثقافة نفتقد إليها فى حاضرنا الراهن لذا قررنا إنشاء تلك الجماعة».

غربة القراءة

ليس خافيا أن تدنى معدلات القراءة فى مصر والعالم العربى يصاحبه إحساس بالغربة لدى محبى القراءة، ما دفع بعضهم إلى إنشاء مثل هذه المجموعات التى تعطى بعض الأمل فى وجود من ما زالوا حريصين على القراءة واقتناء الكتب. وحسب دراسة نشرتها شركة سينوفات المتعددة الجنسيات لأبحاث السوق، فإن المواطن المصرى يقرأ بمعدل 9 دقائق يوميا فى حين يتضاعف هذا الرقم لدى القارئ الغربى، وفى الوقت الذى يقرأ فيه المواطن العربى 4 صفحات سنويا، يقرأ المواطن فى أوروبا الغربية أكثر من 30 كتابا سنويا.
ولم يخف محمد سعد أن شباب «ملتقى دروب» أدركوا هذا الجانب المرير مبكرا، يقول محمد: «لا تخفى على أحد تلك النظرة السلبية للفلسفة والثقافة، فأحيانا ما نواجه بعبارات حادة على طريقة إنتو هتتجننوا، لمجرد اهتمامنا بدراستنا ومواظبتنا على قراءة أعمال مهمة قامت عليها النهضة الحديثة».
يعلق زميله أمير زكى على هذه النقطة موضحا أن رؤيتهم الواحدة التى لا تتكرر كثيرا لدى الآخرين هى ما جمعهم وأن هذا الإحساس هو الذى دعّم روح الصداقة بين أفراد المجموعة فى مواجهة مجتمع لا يهتم بهذه النوعية من التجمعات. ثم يوضح أمير: «ليس فقط اختلافنا عن الآخرين، بل أيضا اختلافنا فيما بيننا، حتى اختيار اسم دروب قام على اعترافنا منذ البداية باختلافاتنا نحن شخصيا، فكل فرد من أعضاء الملتقى يمثل دربا خاصا، رغم اجتماعنا حول هدف واحد».

روح الجماعة

«روح العمل الجماعى هى أساس عمل مجموعات القراءة» هكذا ترى شيرين المشد ــ الموظفة بإحدى الهيئات الدولية ــ حين تتذكر تجربتها مع مجموعة «Cairo Book Club» التى بدأتها مع صديقتها «آتى» فى العام 2005. أى قبل عدة سنوات من إنشاء ملتقى دروب.. فى تلك المرحلة كانت شيرين وصديقتها فى حاجة إلى متابعة القراءة والاطلاع بعد انتهاء مرحلة الدراسات العليا، فبحثتا سويا بين المهتمين بالفكرة، وتقول عن البداية الأولى: «حين كنا نبحث عن تأسيس مجموعة قراءة فى تلك الفترة وجدنا متحمسين حولنا، حتى اسم المجموعة الإلكترونية وإنشائها كان إهداء من أحد الأصدقاء، ومن بين عدد الحضور الذى كان يدور حول عشرة أفراد فى كل لقاء، كان هناك خمسة هم الأكثر نشاطا، هم من أسهموا فى استمرار المجموعة».
أعباء إدارة المجموعة وحجز أماكن اللقاءات وترتيب المواعيد، أمور لا يجب أن تعلق فى رقبة فرد واحد، فارتباط تنظيم اللقاءات بظروف شخص أو اثنين فقط هو مخاطرة كبيرة، وتباعد فترات اللقاء هو الإنذار المبكر الذى قد يعطل عملها فيما بعد.
يتفق أمير زكى مع هذا الرأى، ورغم أنه هو من يضع خطة ملتقى دروب الفكرى كل ستة أشهر فإن إدارة جلسات الملتقى هى مهمة يتداولها الأعضاء كل فى دوره.
مر حازم الشورى مع أصدقائه بتجربة توقف أنشطة المجموعة نتيجة عدة أسباب، فى البداية كان التوقف إجباريا فى فترات الدراسة، وبعد أن تخرج أغلب أفراد المجموعة التى أنشئت قبل ملتقى دروب بعدة سنوات، أصبحت هناك أعباء أخرى تقلل من إمكانية التفرغ، يقول حازم: «فى البداية كنا نلتقى فى مراكز تعليمية، فى أجواء غير ملائمة لمناقشة الكتب، ومع تراكم الأعباء الشخصية وعدم القدرة على المتابعة بدأ نشاطنا يقل حتى توقف تماما، ولولا همة الأعضاء وعدم الاعتماد على مديرى المجموعة فقط، لما عادت المجموعة مرة أخرى، بل إن هناك من الأعضاء من بدأ مؤخرا فى التواصل مع الكتاب ودعوتهم لحضور جلسات نقاش كتبهم، وما من شك أن ظهور المكتبات الجديدة مثل ديوان وكتب خان والشروق، أتاحت أماكن للقائنا، حتى إن مكتبة الشروق فى الكوربة القريبة من سكننا اهتمت بحضورنا وإحياء نشاطنا من جديد».
يشير حازم أيضا إلى أهمية استخدام موقع فيس بوك وأدواته فى تنظيم اللقاءات، وكأن الموقع قد أصبح مساهما بصورة خفية فى إدارة المجموعة، بما تقدمه المجموعة الإلكترونية من إمكانية إرسال رسائل تذكيرية للأعضاء، واستخدام خاصية Event التى تحدد عدد الراغبين فى الحضور والممتنعين ومن لم يحددوا موقفهم.
وهو ما وصفه قول محمد سيد مؤسس ملتقى دروب بأن «الفيس بوك أصبح وسيلة ترويجية مجانية بين المهتمين بالخط الذى اخترناه، وهو ما أوجد تنوعا فى تخصصات الحاضرين أحيانا».

تفاصيل إدارية

يكاد يجمع كل من مروا بتجربة إدارة مجموعات القراءة على أهمية تحديد عناصر مهمة مثل التنظيم ومكان اللقاء والرؤية قبل إنشاء المجموعة.. فمن جانبهم، تغلب أفراد «ملتقى دروب» على المشكلة التى واجهها حازم الشورى فى مجموعته، وشيرين المشد فى مجموعتها، وهى إيجاد مكان ثابت للقاء، حيث نجح أعضاء ملتقى دروب مبكرا فى إقناع الجمعية الفلسفية المصرية فى إتاحة مقرها فى عمارات هيئة التدريس بالجيزة للقاءاتهم الأسبوعية. هنا ترصدهم أعين الفلاسفة والمفكرين من خلال لوحاتهم المعلقة على جدران الجمعية أثناء لقاءاتهم الدورية، وبإمكانهم الرجوع إلى أرفف المكتبة المجاورة لمراجعة ما يحتاجونه من معلومات.
يقول أمير زكى: «حضر معنا الدكتور حسن حنفى ــ أستاذ الفلسفة والسكرتير العام للجمعية ــ فى بداياتنا وشجعنا على الاستمرار، وكنا قبل إعلان ظهورنا قد اتفقنا فيما بيننا على الابتعاد عن أى تلميحات سياسية، حتى إننا ابتعدنا عن استخدام وصف جماعة لما حوله من التباس وفضلنا عليه وصف الملتقى، فما يجمعنا هو الكتاب والثقافة».
أما حازم الذى كان قد أقر مع أصدقائه منذ سنوات تسمية «Book Club Cairo» لمجموعتهم تمييزا عن تجربة «Cairo Book Club» التى عاشتها شيرين المشد مع أصدقائها، فذكر أن اختيار هذه التسمية كان هدفه منذ البداية التأكيد على أن محور اللقاءات هو الكتاب والأنشطة الثقافية الموازية له، ويقول: «فى مرة تبنينا اقتراحا من زميل لنا مهتم بالعمارة الإسلامية بالقيام بجولات فى القاهرة الفاطمية، قبلنا الفكرة لأنها لم تبتعد عن فكرة تنمية ثقافتنا واستمرار أنشطتنا الموازية للقراءة».
ويرى حازم أنه من المهم فى البداية تحديد رؤية المجموعة ووضع اتفاق بين المؤسسين ينظم جلسات القراءة ويؤكد: «كانت أهم النقاط التى اتفقنا عليها هى الحرية والتسامح مع الآخر، خاصة أن المناقشات قد تتطرق إلى ما هو أبعد من محتوى الكتاب، وقد تثير الكتب الجدل بين أعضاء المجموعة، لذا تصبح مثل تلك البنود على درجة عالية من الأهمية».
أما شيرين المشد فواجهت فى مجموعتها هذا الاختلاف الذى كان عليها قبوله والخضوع لإرادة المجموعة كما تبين: «كنا نقوم فى المجموعة الإلكترونية بترشيح الكتب والتصويت عليها إلكترونيا لاختيار الكتاب موضوع المناقشة، وهو ما يضطرك أحيانا إلى قراءة كتب قد لا تستسيغها».
ورغم هذا الجانب السلبى وتوقف اللقاءات المنتظمة للمجموعة، فإن شيرين مازالت محتفظة بالكثير من المكاسب على رأسها الصداقات والعلاقات التى تكونت أثناء فترات تنظيم اللقاءات وحجز الأماكن، بل حتى اضطرارها إلى قراءة أعمال لم تخترها فى جلسات النقاش ترى فيه الآن جانبا إيجابيا أكسبها بعض المهارات تقول عنها: «أكسبنى العمل فى تنظيم لقاءات المجموعة مهارات فى التواصل مع الآخرين وقبول اختياراتهم وقدرات تنظيمية، إلى جانب التعرف على نوعيات أخرى من الكتب خاصة فى المجال الأدبى».
حازم الشورى يعرض جانبا آخر عما اكتسبه من تجربة المشاركة فى مجموعة للقراءة قائلا: «بدأت الفكرة بهدف تنموى ومجموعة صغيرة من الأصدقاء، وخلال هذه الفترة اكتسبت قدرة أكبر على قبول الرأى الآخر والاختلاف لم تكن لتتاح بهذا الشكل سوى فى مجموعة كهذه تعرض مختلف الآراء».
أما شباب ملتقى دروب الفكرى، فكانت مكاسبهم الرئيسية فى الاطلاع والنقاش حول مجالات يحبونها قد لا تلقى كثيرا من الرواج لدى الآخرين، إلى جانب ما أعلنوه على مجموعتهم فى الفيس بوك من واجب تجاه المجتمع فى اختيار قراءات تدور فى فلك النهضة، وما يسعون إلى نشره عبر مدونتهم الإلكترونية من أوراق تعرض ما خلصوا إليه من أفكار ومقالات وبحوث خاصة بهم، يعتبرونها المنتج الأول الذى أخرجه الملتقى بعد شهور من الحوار والبحث.
**
كيف تؤسس ناديا للقراءة؟
على الإنترنت تتوافر مجموعات إلكترونية ومدونات متخصصة فى القراءة وعروض الكتب إلى جانب العديد من المنتديات الفرعية التى تقدم مساحات لطرح الكتب وتحميلها إلكترونيا، وتعانى بعض هذه المواقع أحيانا تعطل نشاطها نتيجة قلة الحماس، وغياب التنظيم الجيد منذ البداية.
وبعيدا عن الإنترنت، فهناك مجموعات قراءة أخرى تدار داخل بعض المكتبات، وأندية القراءة فى الجامعات، إلى جانب المجموعات التى تدار بشكل عفوى، دون وضع قواعد لاستمرارها، وهو ما يصعب عملها فى بعض الأحيان، رغم استعانة بعضها بالكثير من أدوات الإنترنت التى توفرها مواقع مثل جوجل، وفيس بوك، وياهو، للتواصل بين أعضاء المجموعة، بدءا من إرسال الرسائل التذكيرية، حتى إعداد أجندة لنشاط المجموعة.
وتنتشر فكرة مجموعة القراءة أو نادى الكتاب Book club، فى كثير من المواقع الأجنبية التى كانت أكثر اهتماما بتقديم طرق تأسيس نادى كتاب ناجح، من أهمها موقع http://www.book-clubs-resource.com/
الذى حدد خطوات إنشاء مجموعة قراءة فى الخطوات التالية:
فى البداية يجب مراجعة التجارب السابقة من أندية الكتب ومجموعات القراءة الموجودة بالفعل، سواء على الإنترنت، أو التى تديرها بعض المكتبات.
تحديد هوية المجموعة التى سيتم إنشاؤها وتحديد الهدف منها بصورة أولية.
تحديد أماكن الاجتماعات، والعدد المتوقع، ودورية اللقاء ويفضل أن يكون اللقاء شهريا.
دعوة الأعضاء، وغالبا ما تتكون المجموعات فى البداية من زملاء الدراسة أو العمل، غير أن الدعوات يجب أن تتجاوز محيط الزمالة، وأن يتم الإعلان عنها بصورة دائمة حتى يشترك العدد المحدد مسبقا لأعضاء المجموعة.
الاتفاق على خطوط عريضة مكتوبة أقرب إلى الميثاق الأخلاقى، حول كيفية إدارة المجموعة وعلاقات الأعضاء وجلسات المناقشة، وتنظيم الأمور المالية الخاصة بمصاريف أماكن المقابلات.
فى حالة اتساع عمل نادى الكتاب، وكثرة عدد الأعضاء، بالإمكان تخصيص مبلغ لأحد الأعضاء مقابل التفرغ لإدارة المجموعة، ويجمع من مساهمات الأعضاء.

Wednesday, June 3, 2009

الكيتش.. فى وصف المبتذل والردئ

للتعبير عن كل ما لا يطيقونه، لجأ شباب وسط البلد ما بين العشرين والثلاثين عاما إلى كلمة «كيتش» الألمانية، وصف جديد انتقل من عالم الفن التشكيلى والأدب إلى العامية الدارجة.
الاربعاء 3 يونيو 2009

عبدالرحمن مصطفى
حين يقف أحدهم وفى يده وردة بلاستيكية حمراء رديئة الصنع، مرتديا قميصا ذا ذوق سيئ، مع كمية كثيفة من الكريمات اللامعة فوق شعره، ثم يزيد على هذا باستخدام عبارات مستعارة من الأشعار والأفلام القديمة مفتعلا حالة حب يستعرض بها أمام الآخرين، فإن الوصف المناسب لدى الشباب لهذه الحالة بجميع تفاصيلها هو كلمة..
«كيتش». قد تبدو الكلمة غريبة على أسماع الكثيرين حين تذكر للمرة الأولى، إلا أن ذلك لا يمنع أنها اتخذت طريقها بالفعل إلى شريحة وجدت فيها أداة انتقام من الواقع المزيف وتعبيرا مختصرا لحالات المبالغة والابتذال والتزييف بجميع أنواعها.
فالعبارات الرنانة والادعاءات الكبرى والأداء المتكلف، كلها وجوه لكلمة «كيتش»، التى استمدت جذورها الأولى من وصف الفن الردئ بما يحويه من رخص وابتذال وإنتاج سيئ.
«استخدام التيمات الفنية التقليدية، التى نراها فى الأفلام العربية المتكررة واستخدام بعض الشعراء لصفات معينة يصفون بها مصر كبهية أو السيدة السمراء، لرسم صورة ذهنية لا هى واقعية ولا حقيقية هو أصدق تعبير عن الكيتش» هكذا وصف الصحفى والمدون الشاب أحمد ناجى بعض الأمثلة الفنية والأدبية المكررة فى حياتنا، التى لا نجد أحيانا المعنى المعبر عنها.
ورغم أن الموضع المثالى لاستخدام هذه الكلمة هو الكتابات الأدبية والفنية، فإنها انتقلت إلى من هم خارج هذا المجال من فئة القراء المطلعين، بعد أن أعجبوا بالمعنى المختفى وراء هذه الكلمة، الذى يمكنهم من وصف أداء الأشخاص وتصرفاتهم ومبالغاتهم، يكمل أحمد ناجى: «بالإمكان اعتبار هذه الكلمة مجرد موضة، استمرار بقائها لدى بعض الفئات سببه أنها تحولت إلى كلمة بديلة عن ألفاظ أخرى حادة من الصعب استخدامها للتعبير عن الضجر والملل».
يعود أصل كلمة «كيتش» Kitsch إلى اللغة الألمانية، حيث ظهرت فى منتصف القرن التاسع عشر كتعبير عن موجة فنية أنتجت وقتها فنونا رديئة اعتمدت على التقليد والمبالغة.
وانتقلت الكلمة من بلد إلى بلد، ثم اشتهرت مع قراءات خاصة للكلمة من قبل بعض الكتاب، خاصة ذلك التقديم الذى أضافه الأديب التشيكى ميلان كونديرا لملايين القراء حين ركز على وجه آخر لهذه الكلمة، فالكيتش لديه ليس فقط الفن الرخيص كما يظن البعض، بل هو سلوك وموقف وصفة لفئة من البشر ترى نفسها فى الكذب المجمل.
سرعان ما انتقل هذا المعنى إلى مساحة أوسع للتداول على شبكة الإنترنت منذ عدة سنوات، خارج نطاق نخب القراء إلى رواد الشبكات الاجتماعية والمدونات، لتتحول الكلمة إلى طريقة لوصف الكثير من الأفعال والأشياء المحيطة وتقييمها.
وفى تجمع صغير يكاد يكون العربى الوحيد، الذى يتناول «الكيتش» فى حياتنا من بين مئات الآلاف من مجموعات شبكة فيس بوك الاجتماعية، التقى عشرات المشتركين للتعبير عن ضجرهم من مظاهر «الكيتش».
تقول نهال عمران ــ مديرة المجموعة: «الكلمة فى الأساس تعبر عن رؤية فنية لكن استخدامها الآن أصبح يعبر عن كل جميل تم ابتذاله واستهلاكه وتكراره بصورة مملة أفقدته معناه الأصلى، فصورة الثائر جيفارا، التى كانت رمز البطولة أصبحت مجرد ملصق رخيص يتمسح به كل مدعى الثورية، حتى الحب لم يسلم من المظاهر المتكلفة المثيرة للسخرية، تماما مثل المنتجات الرخيصة المقلدة، التى أساءت للمنتجات الأصلية، هذا كله هو الكيتش الذى لا نستسيغه».
ولعل فكرة الكتابة عن «الكيتش» فى حد ذاتها تعتبر نوعا من الكيتش، حين يبدأ الصحفى فى التعرف على آراء الناس حول الكلمة وأصلها وفصلها، من أجل كتابة موضوع يدعى فيه أنه أدرك الحقيقة، وتوصل إلى النتيجة النهائية تحت عنوان مثير، فهذه الحالة نفسها تعتبر نوعا من الكيتش حسب وصف إحدى الشابات، التى رأت فى الحديث عن الكلمة فى موضوع صحفى نوعا من التكلف والمبالغة، فهى ترفض فكرة أن تعامل كنجمة يستطلع رأيها فى الصحافة.
وقد يثير استخدام الكلمة ووصف أحدهم بها مشكلات غير محسوبة، وهو ما دفع صاحبة إحدى المدونات إلى استخدام عبارة واضحة فى صدر مدونتها تقول فيها «هذه المدونة ضارة جدا بصحة كارهى الكيتش»، وذلك كى تمهد لنفسها أن تكتب ما تريد حتى إن اعتبره البعض مبالغ فيه أو... كيتش
يتساءل أحمد ناجى: «ما المشكلة فى أن يوصف أحدهم بأن تعبيراته كيتش؟ من حق أى أحد أن يعبر عن نفسه بأى طريقة حتى إن كانت متكلفة، ومن حق الآخرين أن يقيموه حسب رؤيتهم، فالجدل والاختلاف حول ذلك مطلوب، ولعل الإنترنت تعطى مساحة للتعبير والجرأة لا توجد فى الواقع بهذا الشكل، فقد يحزن أنصار شاعر حين توصف كلماته فى إحدى المدونات بأنها كيتش، ويقيموا الدنيا.. وذلك لأنهم على أرض الواقع لا يواجهون بهذه الآراء أو المعارك كثيرا». لا يخلو الأمر من تنويعات جديدة قدمها بعض الكتاب فى وصف نماذج من أوساط بعينها، ففى كتابها «المبتسرون» تعرضت الكاتبة الراحلة أروى صالح لتعبير «الكيتش النضالى» حين تناولت فكرة انسحاق الفرد داخل حلم «الخلاص الجماعى» بعد أن يقع فى فخ يتصور فيه أنه فى رحلة نضال، بينما الواقع انه أسير مجموعة من الصور والاستعارات والخطابة تتحول حسب رؤيتها إلى كيتش.. فى إشارة منها إلى حالة الزيف، التى تمارسها السلطة على الأفراد عن طريق الوهم النضالى أو الكيتش النضالى حسب تعبيرها.
ولا تخفى نهال أن الكلمة فى كثير من الأحيان ما تكون استعلائية، وأقرب إلى أداة تقييم، لكنها تراها الآن أكثر الكلمات تعبيرا عن التمرد على أشكال الحياة، التى فقدت روحها الأصلية. ثم تضيف: «ليتنا نجد كلمة عربية جامعة تعبر عن هذه الحالة التى تصف نمط الحياة المتكلف والفن الردئ، وذلك رغم أنه أحيانا ما يكون اللجوء إلى تلك الحالة وإلى كلاشيهاتها المكررة محاولة لرفع حالتنا المعنوية وبحث عن الأمان».
وسواء تمثل «الكيتش» فى خطاب سياسى يزيف وعى الناس أو فى منتج ردئ الصنع أو فى فن مبتذل يداعب العواطف البشرية أو حتى كان تكلفا فى القول والفعل.. فمن الواضح أن هذه الكلمة هى الوصف المناسب لهذه الحالة الذى ارتضاه شباب بين العشرين والثلاثين من أعمارهم، وكأنها علامة تحذيرية من التفاعل مع المحتوى الردئ .

Wednesday, May 27, 2009

ملامح القاهرة الصعيدية في عزبة عبدالنعيم

نحو ستين ألف نسمة هم سكان عزبة الصعايدة بإمبابة، تمتزج ملامحهم السمراء ونمط حياتهم بعادات الأجداد وذكرياتهم، خاصة محمد عبدالنعيم مؤسس الحى.
الاربعاء 27 مايو 2009
عبد الرحمن مصطفى

لم يكن عبدالنعيم محمدين الذى هاجر فى الحقبة الخديوية إلى القاهرة يتصور فى هذا الزمن البعيد أنه بصدد صنع روابط تاريخية بين جزيرة الزمالك ومنطقة إمبابة.
فحين وفد عبد النعيم إلى القاهرة قادما من قنا، كانت جغرافيا المدينة لم تستقر بعد على وضعها الحالى، فالزمالك فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر لم تكن سوى جزيرة مهجورة مليئة بالأحراش والثعالب والذئاب، حتى إنها اتخذت تسميتها من كلمة زملك التركية، وهى العشش التى يستخدمها الجند على ضفاف النيل.
وبنظرة فاحصة منه على أرض الزمالك أدرك عبد النعيم أن لديه كنزا لا يعوض إذا ما قام باستغلال هذه الأراضى لحسابه، وهو ما تحقق بعد أن بدأ فى شراء الأراضى بثمن بخس لم يزد سعره على القرشين ونصف القرش للمتر الواحد.
واتسع نفوذه فى هذه الناحية بعد أن استدعى أقاربه وبنى جلدته من الجنوب كى يشاركوه تعمير المكان وأصبحوا بالمئات، وولوه عمدة عليهم. ومع تزايد الاهتمام بالزمالك وانتقال الأمراء والوجهاء إليها لوجود قصر الخديو إسماعيل، جاء القرار بتوطين هؤلاء المهاجرين فى موضع آخر، حيث عزبة الصعايدة الحالية التى عرفت سابقا باسم عزبة عبدالنعيم.
أما اليوم فلم يعد يجمع بين حى الزمالك وعزبة الصعايدة سوى ذكرى عبدالنعيم الذى هاجر إلى القاهرة حاملا معه طموحاته وهويته الصعيدية التى نقلها مع أهله وعشيرته لتصبح عنوان منطقة بالكامل فى إمبابة، وذكرى سابقة فى جزيرة الزمالك.
«المنطقة اسم على مسمى، أغلب السكان حتى الآن أصولهم من الصعيد» تلك كانت الجملة المفيدة والمختصرة التى وصف بها عبدالفتاح العامل فى مقهى وادى الملوك بحى عزبة الصعايدة. قد لا يعلم عبدالفتاح عدد سكان أبناء منطقته الذين بلغوا ــ حسب تقديرات الجهاز المركزى للإحصاء ــ نحو 60 ألف مواطن، لكنه لا يزال يحتفظ فى ذاكرته بقصة هجرة سكان العزبة الأوائل من الزمالك إلى الضفة الأخرى فى إمبابة.

وعلى كراسى المقهى لديه وفى المقاهى المجاورة يجلس المهاجرون حديثا من الصعيد إلى جوار أحفاد أصحاب الهجرة الأولى، وتمتزج الملامح الصعيدية مع النوبية التى جاءت فى هجرات أخرى.
حتى اليوم، لا تزال عزبة الصعايدة على وفائها لعبدالنعيم محمدين الذى يخترق العزبة شارع باسمه، وشارع آخر باسم نجله عسران. الشوارع ضيقة والبيوت القديمة لايزال بعضها يحمل الطابع الريفى الذى اتخذه المهاجرون الأوائل. تزحف عربات التوك توك الصاخبة أمام المقاهى التى لا تزال تستضيف أصحاب الملامح الصعيدية السمراء وتجمعاتهم، هناك.. كان من اليسير البحث عن أحفاد عبد النعيم، الجميع لا يزالون يتذكرون أن بعض سكان المنطقة تربطهم قرابة بعبدالنعيم وبمحافظة قنا.
من على أحد المقاهى المجاورة لجمعية أبناء عزبة عبدالنعيم دلنى أحد أصحاب هذه القرابة البعيدة على المنزل الذى وصفه ببيت العمدة. هنا يسكن عدد من أفراد العائلة فى منزل عائلى تقليدى، حيث يجتمعون فى جلستهم العائلية الأسبوعية.
كان فى الاستقبال المحاسب «حسين متولى خطاب عبدالنعيم محمدين»، هكذا ذكر اسمه الخماسى فى البداية موضحا صلته بعبدالنعيم مؤسس العزبة وكيف تأسست على العصبية والقرابة: «أنجب عبدالنعيم محمدين ولدين، أحدهما عسران الذى تولى عمودية الزمالك، أما أخوه الأصغر فكان جدى خطاب عمدة هذه الناحية من إمبابة، وتكونت المنطقة فى بداية القرن الماضى من أولاد عبدالنعيم وأقاربه وأهله القادمين من قنا، وحتى اليوم لا تزال الشوارع تحمل اسمىّ عبدالنعيم وعسران عبدالنعيم اللذين يحددان الأصل القديم للمنطقة، هذا إلى جانب شوارع فرعية تشير إلى أسماء عائلات أخرى مثل عائلة الصغير وغيرهم من السكان القدامى».
كان حديث أفراد العائلة عن الماضى موصولا بالحاضر، يتذكر حسين خطاب هذه المنطقة قديما حين كانت أكثر تعبيرا عن روح القرابة والتكاتف بين سكانها من أبناء الصعيد: «قديما كان الغريب يعرف بمجرد مروره من الشارع، والعائلات التى تقطن المنطقة كانت معروفة بالاسم، أما الآن فاتسعت المساحة وتكدست المبانى وأصبح كل من هب ودب يتجول فى الحى».

رياح الجنوب

التطور الذى يصفه حسين خطاب فى عزبة الصعايدة على مدى العقود الماضية هو نفسه الذى أصاب العديد من المناطق القاهرية، وهو الذى أصاب منطقة إمبابة الحاضنة للعزبة بأكملها حين انتقلت من الطابع الريفى الهادئ فى منتصف القرن الماضى إلى الطابع الحضرى الصاخب نتيجة ظهور المصانع والهجرة المتزايدة من أحياء القاهرة القديمة ثم من الصعيد على وجه الخصوص، حيث يخترق قطار الصعيد هذه البقعة السكنية منذ عقود طويلة.
تلك الأجواء كانت سببا فى إلهام أحد الروائيين وهو حسنى سيد لبيب ــ أحد أبناء حى إمبابة ــ لكتابة روايته «نفق المنيرة» التى حاول فيها تسجيل أحوال إمبابة فى فترة الستينيات من خلال شخصيات مستمدة من الواقع وأماكن أسهب فى وصفها، كان من ضمنها «عزبة الصعايدة»، وكما فعل إبراهيم أصلان فى الكيت كات وشارع فضل الله عثمان، وغيرهما.
أما اليوم ورغم تزاحم الحى بعربات التوك توك ومناوراتهم الجريئة فإن الروح الصعيدية لا تزال تصبغ بعض تفاصيل الحى.
ربما تكون قد مضت عشرات السنوات على زمن وجود الأجداد فى الزمالك وهجرتهم إلى القاهرة إلا أن العلاقة بالجنوب والتمسك بعاداتهلا تزالا راسختين لدى الأحفاد.
سلوى كمال خطاب ــ إحدى حفيدات عبدالنعيم محمدين ــ عاشت فترة طويلة من حياتها فى الزمالك مع زوجها محيى الدين عسران الذى ينتسب معها إلى الجد الكبير عبدالنعيم. تقلدت منصب أمينة المرأة فى شياخة أبو الفدا، حيث ذكرى وبقايا أملاك جدها الكبير، فى الوقت الذى تقلد فيه زوجها منصب رئيس المجلس الشعبى لحى غرب القاهرة.
وهى ترى أن دورها هى وأبناء العائلة فى العمل العام هو ميراث آخر عن أجدادهم الذين استوطنوا الزمالك وإمبابة منذ عقود. «ارتباطنا بالعائلة والنسب، واحترام الكبير، أصبحا ميراثا متداولا بين أفراد عائلتنا، وبين بعض أفراد الحى الذين مازالوا متمسكين بهذه القيم، كذلك فالأعباء التى تلقى على كاهل من ينتمى إلى عائلة من مجتمع صعيدى كانت بيدها مقاليد العمودية هى واجب يسعى الكثيرون لأدائه».
يوضح حسين خطاب هذه النقطة «أغلبنا لم نزر أرض الأجداد فى قنا إلا مرات معدودات، إلا أن عادات الصعيد مازالت تحركنا وتدير علاقاتنا، فوقت حدوث خلاف لابد أن تسمع كلمة الكبير، وفى المنطقة هنا جمعية ودار مناسبات هى أقرب للمندرة أنشئت للمقيمين فى عزبة عبدالنعيم منذ فترة، تضم لقاءاتنا ومناسباتنا، وهى أداة لدعم من يحتاج، ورغم مرور عشرات السنوات على زمن عبدالنعيم لا نزال على صلة بقنا والوافدين من أقاربنا إلى الحى».
أمام «جمعية أبناء المقيمين فى عزبة عبدالنعيم» أوضحت سلوى كمال خطاب بإخلاص الحدود الأصلية لعزبة عبدالنعيم القديمة التى يحدها شارعا عبدالنعيم وعسران، مشيرة إلى أن الجمعية كانت فى يوم من الأيام مقر الاتحاد الاشتراكى أيام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. أما اليوم فقد توسعت الحدود وتضخم الحى، وهو مازال متمسكا بتسمية عزبة الصعايدة، وما زال يستقبل الوافدين من الجنوب إلى أقاربهم كالعديد من المناطق القاهرية الأخرى.

بداية العشوائية

قد لا تختلف كثيرا مظاهر بعض المنازل البسيطة عن حالها عام 1924، وهو العام الذى تؤرخ به بعض الدراسات للظهور الرسمى لعزبة الصعايدة خاصة فى الدراسات الحديثة الخاصة بالعشوائيات، حيث يعتبرها البعض إحدى البدايات الأولى لظاهرة العشوائيات الحديثة. فمع توافد المهاجرين إلى حى بعينه بدأ العمران بصورة عفوية لا تقيدها خرائط أو خطط.
لكلمة «عشوائيات» وقع سيئ على أذان أفراد العائلة لما للكلمة من ارتباط بالفقر وانعدام النظام، وهو ما يخالف الواقع فى وجود عائلات ميسورة الحال استمرت فى السكن هنا لارتباطها بالمكان.
يستنكر حسين خطاب «المنطقة منذ فترة وهى خاضعة لسلطة الدولة، ولها شياخة تحمل اسم عزبة عبدالنعيم، لكن ما حدث هو أن اتساع البناء والهجرة إليها جعلاها أكثر تكدسا مثل المناطق المجاورة أيضا».
وكحال المنازل الأولى التى أقيمت فى الماضى تتخذ العزبة الملمح الريفى فى العمران، تتخلله بعض العمارات التقليدية الحديثة. يتشابه الحال مع العديد من الأماكن الأخرى القاهرية التى تضم تجمعات من مهاجرى الجنوب، ورغم تحول بعضهم إلى أرقام داخل بيانات الهجرة الداخلية ومشروعات القاهرة المستقبلية التى تتعامل مع العاصمة كمشكلة تبحث عن حلول فإن هذا التلاصق فى السكن أوجد أيضا حالة من الترابط ترسخها العلاقات المتشابكة والقرابة والتاريخ المشترك للحى.
«من الصعب أن أترك هذا الحى الآن، فرغم إمكانية الانتقال إلى سكن آخر فإننى ما زلت مرتبطا بالمكان وبالعائلة وشكل العلاقات هنا الذى لن أجده فى حى آخر». هذه وجهة نظر محمد حسين خطاب المتخرج حديثا فى كلية التجارة، موضحا أن الجيل الجديد لا يزال لديه هذا الالتزام نحو العائلة وفكرة العزوة التى لن يشعر بها فى أى مكان آخر. ويلتقط منه عمر أحد شباب العائلة طرف الحديث ليوضح بمثال عملى شكل العلاقات داخل المنطقة، أشار ناحية شارع عسران عبد النعيم قائلا: «قريبا كان هنا فى هذا المكان صوان يغلق الشارع بعد حالة وفاة، يتوافد المعزون حتى يملؤوا هذه المنطقة للوقوف بجانب أهل الميت وتعزيتهم.. ولا شك أن حضور اسم عائلتك وتاريخك فى الحى يسهم فى تكاتف الناس حولك».
إلى جانب هذه النظرة الواقعية التى يصف بها شباب العائلة علاقتهم بالمكان وتاريخ العائلة ــ يحتفظ الكبار بذكريات أخرى من الماضى كصورة الجد خطاب وحكايات عن لقائه بجمال عبدالناصر وقت زيارته إلى إمبابة، وعدد من مجلة الاثنين القاهرية بتاريخ يوليو من العام 1952 أى قبل الثورة بأيام تناول سيرة الجد عبدالنعيم وقصته مع حى الزمالك. أيضا مازالت الحفيدة سلوى تحتفظ برخصة قيادة جدها التى لم يرها شباب العائلة حتى اليوم، كان مكتوبا فى خانة المهنة «من ذوى الأملاك» كتعبير عن زمن لن يتكرر وإرث عائلى محفوظ فى الذاكرة لمكان له تاريخ من نوع خاص، يصور الذاكرة الصعيدية لأماكن قاهرية.

Saturday, March 7, 2009

العادلى وأمن الدولة على الإنترنت

السبت 7 مارس 2009
عبدالرحمن مصطفى
فوجئ المئات من أعضاء موقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة وإرسالها إلى الهاتف المحمول بمشترك جديد يحمل اسم أمن الدولة يضع على صفحته شعار وزارة الداخلية المصرية، أعقبه ظهور مشترك آخر تحت اسم العادلي ، يحمل صورة السيد حبيب العادلى وزير الداخلية، وبدأ كل منهما فى بث الرسائل القصيرة بتزامن واضح، كما أضافا إلى قائمتيهما مئات الأعضاء.

صاحب الحساب الأول أمن الدولة لم يكتف بالبقاء فى موقع تويتر، وانتقل سريعا إلى موقع جيكو الشبيه بتويتر، وبدأ فى تدوين رسائل ركيكة الصياغة ذات نبرة وطنية.
ويعمل كل من موقعى تويتر وجايكو على تدوين الرسائل القصيرة على الإنترنت، وإرسالها إلى هواتف من يرغب من الأعضاء.
وكانت أولى الرسائل التى بثها أمن الدولة إلى أعضاء موقع تويتر ذات طابع دعائى «جهاز مباحث أمن الدولة على تويتر.. نبحث طرق التواصل مع المواطنين وفتح قنوات للحوار والتعاون».
وذلك فى الوقت الذى تحمس فيه صاحب حساب العادلى ، وبدأ فى توجيه النصح إلى المواطنين المصريين فى موقع تويتر وكتب «الإخوة المواطنون تسعى وزارة الداخلية وأجهزة الأمن للتواصل معكم بكل السبل مستخدمين بذلك أحدث التقنيات، والله المستعان»، وفى رسالة أخرى ردا على تعليقات المدون وائل عباس «التجربة الديمقراطية المصرية رائدة ويحذو الجميع حذوها الآن حتى فى أوروبا».
وتلقى العديد من أعضاء موقعى تويتر وجيكو هذه الرسائل بحس مرح، خاصة بعد أن تحولت رسائل العادلى وأمن الدولة إلى النبرة الساخرة التى كشفت عن أن الأمر مجرد مقلب من أحد الأعضاء.
ويعد موقع تويتر من أحدث الأدوات التى تستعين بها الحكومات والسياسيون حول العالم للتواصل مع الجمهور، فقد ظهر استخدامه فى الحملات الانتخابية فى أوروبا والولايات المتحدة العام الماضى، كما استخدمته إسرائيل كوسيلة دعائية فى حربها الأخيرة على غزة، ويبلغ عدد أعضاء الموقع 4.5 مليون مستخدم.
PDF

Monday, February 2, 2009

المعرض.. كتاب وأشياء أخرى

عبدالرحمن مصطفى
كل نهار يخطو محمد إبراهيم القادم من مدينة المنصورة نفس خطواته اليومية من بوابة أرض المعارض الرئيسية إلى سراي ألمانيا حيث يعمل في جناح إحدى دور النشر اللبنانية هناك، يمر يوميا بأحمد القادم من سوهاج الذي يجلس أمام نفس السراي منتظرا تكليفات الزبائن والناشرين لنقل كتبهم إلى خارج المعرض أو العكس. عمل كل منهما يختلف تماما عن عمل الآخر، ورغم اختلاف ثقافة كل منهما، وطريقة الحصول على الأجر، إلا أنهما سويا يندرجان ضمن شريحة من الشباب اختارت مشقة أسبوعين من العمل في معرض القاهرة الدولي للكتاب دون تعاقدات، بحثا عن فرصة لا تتكرر سوى مرة واحدة في العام.

محمد إبراهيم الذي يدرس الهندسة في جامعة القاهرة تحدث في البداية بحماس عن علاقته بالكتاب وولعه بالقراءات الدينية على وجه الخصوص، ووافق على الحديث إلى الشروق بشرط عدم التصوير، معللا ذلك بأنه يعمل في هذه الفترة دون علم عائلته، يقول "أدرس في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وقررت هذا العام أن أستغل فترة الإجازة الدراسية في جني بعض الأموال التي تعينني على نفقة الدورات التعليمية التي أشارك بها جانب دراستي".
في خارج سراي العرض كان أحمد الذي لم يستغنى عن زيه الصعيدي ينتظر هو الآخر أداء مهامه "كشيال" في فترة المعرض، في البداية تحولت ملامحه البائسة إلى الابتسام و أبدى تعجبه من فكرة التحدث مع الصحافة، ثم سرعان ما اندمج في الحديث عن تفاصيل عمله المرهق وكيف داوم على هذا العمل الموسمي منذ أكثر من خمس سنوات، يقول " قد تكون هذه هي السنة الخامسة لي في العمل في نقل الكتب ومشتريات الزوار، إلا أن هذا العام جاء بقرار جديد من إدارة المعرض، بمنع استخدام عربات نقل الكتب، وهو ما جعل مهمتنا أكثر مشقة عن ذي قبل"، إلى جوار أحمد جلس رجل خمسيني في جلباب صعيدي اقتحم الحوار بمداخلات تعريفية عن مهام عمل الحمالين وقدم القصص الدالة على أمانة زملائه هنا في المعرض، كان اسمه الحاج محمد، وهو ذو صلة قرابة بزميله الشاب أحمد، يقول الحاج محمد "أعمل سنويا في المعرض منذ خمسة عشر سنة، ومهنتي الأصلية بواب، ومنذ خمس سنوات تقريبا بدأت في إحضار أحمد القادم من نفس بلدتي لمساعدته في العمل في فترة المعرض".
ويحصل الحمّال على أجره في معرض الكتاب مقابل النقلة الواحدة التي تقدر بحوالي خمسة جنيهات، وحسب حديث كل منهما فهما لم يواجها صعوبات حتى الآن في العمل دون تعاقد، ودون اتصال بإدارة المعرض، كذلك لم يواجها عوائق في الحركة داخل المعرض. في حين أنه في الجانب الآخر داخل صالة العرض يحصل محمد إبراهيم طالب الهندسة على ثلاثين جنيها مقابل كل يوم عمل طوال فترة المعرض، شرط أن يلتزم بمواعيد العمل وألا يتغيب على الإطلاق. حيث تستعين بعض دور النشر العربية في أجنحتها بعمالة مصرية، بينما يكتفي آخرون بمندوبي البيع العاملين لديهم، يقول محمد مرعي وهو مندوب البيع الذي اختار محمد للعمل معه في فترة المعرض "حضرت معارض كتب في دول عربية أخرى كالسعودية والبحرين، وكنا نكتفي بوجودي فقط في كل مرة، لكن خصوصية معرض القاهرة وكثافة الجمهور، فرضت وجود مساعد معي"
أما عن صورة التعاقد بين محمد طالب الهندسة ودار النشر اللبنانية، فحسب وصف مرعي هي تعاقد مباشر لا صلة لإدارة المعرض به، ويقول "كانت مهمتي البحث عن شاب يساندني في العمل، ووصلت إلى محمد عن طريق زميل مصري يعمل في جناح عرض مجاور، وتم الاتفاق".

ولا ينحصر العمل المؤقت في فترة المعرض، بين العمل داخل أجنحه دور النشر أو العمل في نقل الكتب، كما في الحالات السابقة، ففي دور العرض المفتوحة المتراصة بطول الطريق الرئيس في معرض الكتاب حيث تغدو القاطرات الملونة وعربات النقل المجاني، اتخذت بعض شركات البرمجيات مواضعها مستغلة الفرصة لعرض بضائعها من خلال شباب متأنق، بيد كل واحد منهم إعلان ورقي عن منتجات الكترونية وبرمجيات، وبسؤال عدد منهم، تبين أنهم ينقسمون إلى فئتين.. الفئة الأولى تعمل في هذه الشركات وتم تكليفهم بالعمل في فترة المعرض، أما الفئة الثانية فتعمل فقط في أسبوعين المعرض، مقابل أجر محدد.
رانيا مصطفى خريجة كلية العلوم من الفئة الثانية التي تعمل فترة المعرض فقط، قرأت إعلانا يطلب مندوبين للعمل في فترة المعرض، ولأن لديها خبرة سابقة في العمل في مجال التسويق، لذا لم تحتاج سوى ليوم واحد فقط للإلمام بتفاصيل الجهاز الذي تسوقه في فترة المعرض.
وذكرت أن هناك حالة منافسة شديدة بين الشركات من أجل الحصول على الزبائن وتسجيل عقود بيع، لكن لم تكن تلك فقط هي أسباب القلق لدى رانيا، فقد قالت "أعمل في فترة المعرض بصورة مؤقتة مقابل 450 جنيها، دون تعاقدات، وهناك حالة من الغموض تجاه قيمة عمليات البيع، وهو ما يجعلني لا أعرف قيمة مكافأتي في حالة إتمام صفقات جديدة، و الحصول على نسبتي من البيع"

إن القلق من عدم الحصول على مكافآت أو نيل الأجر الكافي في فترة المعرض أمر لا يؤرق فقط شباب كمحمد طالب الهندسة أو أحمد القادم من الصعيد، أو رانيا خريجة كلية العلوم، وغيرهم من العاملين بصورة مؤقتة دون تعاقدات ورقية في فترة المعرض.. بل امتد ذلك إلى شباب يعملون بالفعل لدى دور توزيع من قبل فترة المعرض، من الذين جاءوا إلى أرض المعارض للمشاركة مع مديريهم على أمل الحصول على مكافأة خاصة، سيد شحات الطالب في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، يقف في جناح إحدى دور النشر الحكومية الليبية ليستقبل زوار الجناح مجيبا على استفساراتهم، يقول " تلجأ بعض دور النشر العربية إلى توكيل مهمة تمثيلها في المعرض إلى الموزع المصري الذي يوزع مطبوعاتها في القاهرة، وأنا أعمل بالأساس في دار النشر المصرية التي توزع للناشر الليبي".
ورغم تحفظ سيد الواضح في الحديث عن تجربة عمله وتفاصيلها، إلا أنه أفصح عن قلقه وتشككه بشأن حصوله على المكافأة الخاصة بفترة عمله في فترة المعرض، خاصة أنها التجربة الأولى التي يخوضها في هذا المجال.

إن جولة على قصص العمالة المؤقتة في معرض الكتاب تبرز عالما آخر يسيطر عليه القلق والمشقة، وذلك رغم أن أغلب العاملين في دور النشر أو نقل الكتب أو تسويق البرمجيات يلتزمون بابتسامة ترافق يوم عملهم في المعرض، إلا أنها ابتسامة مؤقتة سرعان ما تختفي بعد انتهاء ساعات العمل.

المسجد تحت السيطرة

من اليسير على زائر معرض القاهرة الدولي للكتاب أن يلحظ تلك الملامح الجديدة التي طرأت على بعض ساحات وأنشطة المعرض هذا العام، فإلى جانب التواجد الأمني المكثف الذي عمل على فصل أجزاء أرض المعارض بحواجز أمنية أشبه بلجان التفتيش، فإن ملمحا آخر قد برز أمام زوار مسجد أرض المعارض، إذ أصبح عليهم الآن إعادة التفكير جيدا في شكل علاقتهم بهذا المسجد.
في عام 1982 تبرعت السيدة ملك أحمد زكي قلاوون ببناء مسجد في ارض المعارض تخليدا لذكرى ابنها الشهيد مهندس أحمد مدحت عامر، من الصعب علينا الآن أن نتوقع ما كان يأمل فيه مشيدو مسجد ذو طبيعة فريدة كهذا المسجد حيث لا يكتمل نشاطه إلا بصورة موسمية ما جعله حالة خاصة في أداء المساجد، فإلى جانب تنوع وجوه المصلين بين مصريين وعرب وآسيويين وأفارقة.. فالمسجد يعمل طوال فترة عمل معرض الكتاب بكامل طاقته، والصلوات تتوالى تباعا في جماعات، والجمهور يشارك في إدارة المسجد بعفوية غير مخطط لها، حيث يتطوع أحدهم لرفع الأذان في الميكروفونات، وآخر يتقدم الصفوف إماما، إلا أن الظاهرة الأهم داخل المسجد، هي سيطرة الملمح السلفي بالزى المميز من جلابيب وبناطيل قصيرة، و تناثر الحقائب الممتلئة بالكتب الدينية والشرعية في مشهد يعبر عن هوية شريحة غير هينة من رواد المعرض، وهو ما ينعكس على أداء الشعائر في الإطالة بالصلاة، خاصة وأن الأمر متروك بيد الجمهور.
بعض الزوار اعتاد في كل عام أن يتخذ المسجد استراحة من جولاته في معرض الكتاب، خاصة القادمين من المحافظات في خارج القاهرة، وحتى الآن ما زال هناك من يحافظ على تلك العادة التي تحول المسجد إلى مكان للراحة، ومخزن لحقائب الشراء البلاستيكية.
عن تلك الحالة التي يشارك فيها الجمهور في إقامة الشعائر واستخدام المسجد كاستراحة، يعلق أحمد صلاح وكيل وزارة الثقافة لشئون المعارض بنفيه صلة إدارة المعرض بالمسجد، مؤكدا أنه ليس في نطاق مسؤولية الإدارة، بل يقع تحت مسؤولية وزارة الأوقاف.

ورغم هذا التوجه من إدارة المعرض إلا أن الدورة الحالية من معرض الكتاب حملت معها بعض الإجراءات التي تتعامل مباشرة مع سلوكيات مرتادي المسجد، على رأسها قرار تأجيل ميعاد دخول المعرض في يوم الجمعة إلى الثانية عصرا، وهو ما يضمن عدم تكرار ما حدث في السنوات السابقة، حين كانت صلاة الجمعة ملتقى النشطاء وفرصة لحشد جمهور المعرض من أجل التظاهر، من ناحيته لم يربط السيد أحمد صلاح بين احتمالية وقوع مظاهرات في المعرض وهذا القرار، وذكر أن القرار جاء نتيجة تفكير عملي في مشكلة ضخامة عدد زوار معرض القاهرة للكتاب، وهو قرار تنظيمي، حيث من الصعب التعامل مع ألاف المصلين في يوم الجمعة الذي يستقبل المعرض فيه حوالي ربع مليون زائر !. وأضاف أن كثيرا من المعارض العربية، تلجأ لذات الإجراء الذي يتجنب العجز عن توفير خدمات لآلاف المصلين في وقت واحد.
من ناحية أخرى يجاور المسجد حضور أمني مكثف، يستدعي مرة أخرى تلك العلاقة المتشابكة بين إدارة المعرض والمسجد، وعن ذلك يقول السيد أحمد صلاح "هذا التواجد الأمني ذو صلة بالأحداث التي عشناها مؤخرا، وقد رأينا مثل هذا الحضور في ملتقيات جماهيرية أخرى كمباريات كرة القدم، والهدف هو الحفاظ على أمن الزائر"
إن متابعة تعليقات زوار المسجد المتنمرة حول المجموعات الأمنية التي تراصت جوار المسجد، في زيها المدني منذ اليوم الأول لأنشطة المعرض، تشير إلى وعي جمهور المسجد بهذا التغيير الذي طرأ على التعامل مع ظاهرة مسجد معرض الكتاب الذي يؤمه أصحاب الملامح السلفية، وكانت تباع في ساحاته أشرطة دعاة من نفس الخط العقائدي.
جدير بالإشارة وجود العديد من الساحات التي افترش زوارها الورق الكارتون للصلاة عليها بدلا من الذهاب إلى مسجد المعرض المكدس بزواره.

Monday, November 10, 2008

أحلام التعايش في مؤتمر الطلاب الجامعيين

10/11/2008
كتب: عبدالرحمن مصطفي
في تجربة تهدف إلي دعم التواصل البناء والتعاون بين الشباب المسلم والمسيحي في المرحلة الجامعية، احتضنت استراحة الجزويت بالمقطم ستة وعشرين شابا وفتاة من الجانبين المسلم والمسيحي اختبروا فيها تجربة التعايش سويا طول فترة إقامة مؤتمر «الطلاب الجامعيون ما بين الإيمان والحوار» في الفترة من 23 إلي 26 أكتوبر، الذي نظمته جمعية الشباب الكاثوليكي المصري. وتقوم فكرة المؤتمر علي تقديم جلسات تدريبية ونقاشية وورش عمل ومحاضرات للطلاب المشاركين، من أجل دعم التفكير الإيجابي وبث روح التعاون والحوار بين الطرفين، في أجواء تشبيهة بروح المعسكرات الطلابية
شادي مصطفي، طالب في كلية الآداب جامعة حلوان، أحد المشاركين في هذه التجربة أفصح لـ «البديل» عن أسباب اهتمامه بالفكرة والمشاركة قائلا: السبب الرئيسي الذي دفعني للمشاركة مع زملائي المسلمين والمسيحيين هنا هو رغبتي في التأكيد علي أن الأساس في العلاقة بين المختلفين دينيا في مصر لابد أن يقوم علي التعاون، وأنا عن نفسي وبحكم خبرتي في العمل التطوعي، شاركت زملاء مسيحيين في العمل التطوعي دون أي تحفظات، ودخلت كنائس لحضور أنشطة عامة ومعلنة، ولعل أهم أسباب حضوري المؤتمر هنا هو التأكيد لزملائي علي أن هناك نماذج كثيرة في مجتمعنا تتعايش سويا خارج حسابات اختلاف العقائد».
ورغم اقتناع شادي بفكرة حضور المؤتمر وخوض تجربة المعيشة مع مجموعة متنوعة من المسلمين والمسيحيين فإنه أكد أن هناك شبابا من أصدقائه ابدوا تحفظا علي حضوره نتيجة تصوراتهم التقليدية عن شكل الحوار بين المسلمين والمسيحيين من الشباب. نفس الفكرة أشارت إليها مارجريت منير، منسق المؤتمر، وهي طالبة في كلية التجارة بجامعة القاهرة، مؤكدة أن بعض الشباب أبدوا تحفظا علي المشاركة في المؤتمر نتيجة تأصل فكرة مسبقة لديهم حول التقاء المسلمين والمسيحيين وربطها بفكرة الجدل العقائدي، وهو ما يدفعهم إلي تجنب الاحتكاك المباشر مع الطرف الآخر داخل الجامعة أيضا، وهدف المؤتمر هو كسر تلك الصورة، وإيجاد مساحات لالتقاء الطلاب علي قيم مشتركة وتعاون خلاق.

أما كارلوس جمال، طالب الفرقة الثانية بكلية الهندسة، جامعة حلوان، فأشار في حديثه إلي وجود حالة من الاستقطاب داخل الجامعة، تنطوي فيها شريحة من الشباب المسيحيين في ركن خاص وشللية، وكذلك الحال مع شريحة من الشباب المسلمين، وقال: «أنا عن نفسي أرفض وجود مثل هذه النماذج التي تتقوقع حول طائفتها أو مذهبها، وسبب مشاركتي هنا هو أن أجد فرصة للنقاش حول هذه الظاهرة الموجودة في جامعاتنا المصرية».
شارك في المؤتمر شباب من مبادرة «جلفي» وهي كلمة تختصر الحروف الفرنسية الأولي من عبارة «مجموعة خريجي مدارس اللغات» التي تأسست عام 1992 بجامعة الإسكندرية علي يد مجموعة من الشباب الذين اختبروا العمل التطوعي المشترك بين المسلمين والمسيحيين في مدارسهم ورغبوا في تأسيس المجموعة حفاظا علي استمرار هذه الروح في الجامعة. وقال المهندس شريف محمد الذي قدم عرضا عن التجربة إن هناك تحولات حقيقية بدأت تحدث في عمال المجموعة في السنوات الأخيرة منها قلة عدد المسيحيين المشاركين بعد أن كانوا يمثلون في السنوات الأولي نصف أعضاء المبادرة وأرجع ذلك إلي أن مدارس اللغات التي تلقي فيها تعليمه بدأت تظهر فيها ظاهرة تقوقع الطلاب الصغار في أنشطة بعينها للالتقاء بأصدقائهم من نفس الديانة، واقترح أن تقوم المدارس نفسها بحل هذه المشكلة بإعادة النظر في نوعية الأنشطة.
من ناحية أخري كانت جلسات النقاش فرصة مفتوحة للشباب المشاركين كي يطرحوا بعض ملاحظاتهم وتخوفاتهم حول قضية اختلاف الأديان وتأثيرها علي تفكير بعض الشباب في الجامعات وضرورة اهتمام المجتمع والأسر بهذه القضية. محمود مختار طالب في الفرقة الأولي بجامعة حلوان ذكر لنا أن الحوار والتعاون هما الحل من أجل التقدم علي جميع المستويات، وأشار إلي وجود حالة من التعطش لدي البعض تجاه مثل هذه الأنشطة التي ترسخ قيم التعاون، وقال: «حين ناقشت مع والدئي فكرة مشاركتي في المؤتمر رحبا بها بشدة، بل استفسرا عن امكانية وجود مثل هذه اللقاءات لمن هم أكبر سنا».
أما الدكتور سامر ماهر، المنسق العام للمؤتمر، فعرض لنا أبعادا أخري عن كيفية إدارة المؤتمر والهدف منه، وقال: «خرجت الفكرة من رحم مؤتمر الحركة الدولية للطلاب الكاثوليك الذي أقيم العام الماضي في ماليزيا، حيث طرحت كل منطقة مشاكلها الواجب التعامل معها وعلاجها وكانت الظاهرة الأوضح في منطقة الشرق الأوسط هي عن الحوار بين أبناء الطوائف الدينية نظرا لما يحدث في منطقتنا من مشاكل سلطت عليها الأضواء. وتبنت الحركة فكرة المؤتمر علي أن يتم تطبيقه في ثلاث مناطق تمثل كل منها بيئة مختلفة عن الأخري، فأقيم المؤتمر في السودان حيث وجدت مشاكل قائمة علي أساس عرقي ديني، بينما كانت مصر هي تجربتنا حيث الأوضاع أهدأ مع الحاجة لتعميق فكرة الحوار، ثم بعد ذلك سيقام المؤتمر في تورنتو بكندا حيث تختلف نسبة المسلمين إلي المسيحيين الكاثوليك هناك». ويضيف دكتور سامر أن جمعية الشباب الكاثوليكي المصري تبنت تطبيق الفكرة علي مجموعة من شباب الجامعات المصرية، ووجدنا صعوبة في البداية حين فوجئنا بتحفظات علي المشاركة نتيجة ارتباط فكرة الحوار بين الأديان بالمشاكل الطائفية والجدل العقائدي، وهي الفكرة التي يعمل المؤتمر علي دحضها بإيجاد روح المشاركة والتعاون بين الشباب المشارك من الطرفين، وذلك من خلال ورش عمل وتعاون في المعيشة وإدارة المكان، إلي جانب أهمية التركيز علي اختلاف نوعية جلسات المؤتمر وإخراجها من الشكل التقليدي بين المحاضر والجمهور إلي النقاش والتفاعل

Friday, October 17, 2008

أسلحة محظورة في إعلانات الصحف

كتب ـ عبدالرحمن مصطفى
لجأ بعض البائعين إلي وسيلة جريئة للإعلان عن بضائعهم غير المصرح ببيعها عبر الطرق التقليدية، وذلك من خلال إعلانات صغيرة في إحدي الصحف الإعلانية الشهيرة تروج لأحد أخطر أسلحة الدفاع عن النفس، وهو جهاز الصاعق الكهربائي في محاولة منهم للوصول إلي زبائنهم من أقصر الطرق الممكنة.
«البديل» رصدت هذه الإعلانات وتتبعت أعدادا سابقة من نفس الصحيفة الإعلانية، وفي إحدي الصحف الداخلية استقرت قائمة متنوعة من إعلانات الصاعق الكهربائي تحت تصنيف «صيد بري» يصاحبها أحياناً تفاصيل عن أسعار ومواصفات جهاز الصاعق، كما كشف تكرار أرقام هواتف المعلنين في أعداد مختلفة عن وجود تجار محترفين لديهم كميات يبيعون منها علي مدار أسابيع وأشهر طويلة.
واختلفت أسعار الصاعق الكهربائي حسب الحجم والمواصفات وبلد المنشأ، فأرخصها هو الجهاز الصيني الذي يتراوح سعره بين 200 و 275 جنيه، أما التايلاندي فلا تتعدي قيمته 300 جنيه، أما أغلي هذه الأنواع علي الإطلاق فهو الصاعق الأمريكي الذي يبلغ متوسط سعره 375 جنيها.
وفي محاولة للكشف عن أسرار هذه التجارة قامت «البديل» بالاتصال بأصحاب الإعلانات وسؤالهم كأي زبون عادي يرغب في شراء جهاز الصاعق الكهربائي حيث كشف الاتصال عن اشتراك جميع الباعة في طريقة واحدة للبيع، وهو الالتقاء مع المشتري علي أرض محايدة لإتمام الصفقة، فضلاً عن أن عملية البيع لا تتضمن فاتورة ولا ضمانا ولا وسيلة لاستبدال المنتج المعطوب أو إصلاحه، والوسيلة الوحيدة لضمان سلامة المنتج هي ما ذكرها أحد البائعين عن قيامة بشحن الصاعق وتجربته للزبون بإطلاق بعض الشحنات التي تصاحبها فرقعة عالية لطمأنة الزبون علي جهازه الجديد وطريقة استخدامه. وتدار عملية البيع بصورة شخصية وفي سرية تامة، وعلي المشتري ألا يفاجأ برفض البائع الكشف عن هويته أو الإفصاح عن اسمه إلي أن تتم لحظة اللقاء.
محمد كان الوحيد الذي كشف عن اسمه ووافق علي الحديث مع «البديل» حيث ذكر أن عملية بيع هذه المنتجات بالنسبة له لا تختلف عن بيع أي جهاز كهربائي أو إلكتروني آخر، ويقول محمد ليس لدي أدني فكرة عن وجود مخالفة بشأن بيع هذه الأجهزة، فأنا أقدم منتجا غير متاح للبيع في مصر لأسباب لا أعرفها، كما أنني أتعامل مع فئات ذات سمعة طيبة، وقمت ببيع بعض هذه الأجهزة داخل أقسام شرطة دون أن أتعرض للمخالفة. رفض محمد إكمال حديثه بعد سؤاله عن حجم مبيعاته أو أهم الفئات المتعاملة معه، إلا أن بائعاً آخر أكد أن أغلب زبائنه هم أزواج اشتروا لزوجاتهم أو إحدي نساء عائلتهم.
ويكشف عدد من إعلانات بيع الصاعق الكهربائي عن استهداف السيدات ورجال الأمن حسب نص كلمات المعلنين. وبعيداً عن عالم بيع أجهزة الصاعق الكهربائي أخذت «البديل» جولة بين محلات بيع الأسلحة وأدوات الصيد التقليدية لمعرفة موقف أصحابها من بيع هذه النوعية من الأسلحة، حيث أكد جميع مسئولي البيع أن هناك عدم شرعية البيع التجاري لمثل هذه الأسحلة ذلك لأن جميع أسلحة الدفاع عن النفس، سواءالصاعق الكهربائي أو الرش المسبب للعمي المؤقت وغيرها غير مصرح بتداولها في سوق السلاح المصري مشيرين إلي أنها ضمن قائمة محظورات تشمل، المطاوي والسنج والمفرقعات، وقال أحد مديري هذه المحلات، جميع العاملين في سوق السلاح يخضعون لقواعد وزارة الداخلية وتعليمات الأمن العام، ويعلمون ما يسمح ببيعه وما هو غير مسموح به، أما عن سلاح الصاعق الكهربائي تحديداً فكل ما هو مطروح في السوق غير مصرح ببيعه، ويتم إدخاله إلي البلاد عن طريق التهريب، أو مع الزوار الأجانب.
الجدير بالذكر أن طريقة عمل الصاعق الكهربائي تعتمد علي إطلاق شحنة كهربية تصيب عضلات الجسم بالتعطل المؤقت، وهو ما ينقل المصاب إلي حالة من الشلل المؤقت تدوم لثوان تختلف حسب عدد مرات التعرض للصعق، وتختلف قدرات أجهزة الصعق من 50 ألف فولت إلي مليون فولت، إلا أن أغلب الأجهزة المتاحة في إعلانات بيع الصاعق الكهربائي في مصر تتراوح بين 60 ألفا و120 ألف فولت، ويثير استخدام أجهزة الصعق الكهربائي في بعض دول العالم قلق المنظمات المعنية إزاء تزايد حالات الوفيات بين الذين تعرضوا الأجهزة الصعق كوسيلة لتوقيفهم من قبل الشرطة، وهو ما دعا منظمة العفو الدولية إلي تكرار دعوتها لتعليق استخدام مسدسات الصعق الكهربائي إلي أن يتم التأكد من أنها لا تؤدي إلي الوفاة.

http://www.scribd.com/doc/20008256/

Tuesday, October 7, 2008

أول اتحاد عربي للألعاب الالكترونية فرصة لهواة «الفيفا»

07/10/2008

لعل الصورة التقليدية في أذهان الشباب عن الألعاب الالكترونية أنها منافسات يجلس فيها المتباري في محل قليل الإضاءة أمام شاشة عرض دون احتكاك بمنافسه أو بذل مجهود عنيف كباقي المنافسات الرياضية، وأن هدفها الرئيسي هو التسلية أو الهروب من أعباء الدراسة. غير أن نظرة علي عالم الألعاب الالكترونية تكشف عن وجود محاولات من المهتمين بهذه الأنشطة لتنظيم منافسات أكثر احترافية داخل مسابقات وبطولات لهذا الغرض، وتختلف هوية المنظمين لهذه الأنشطة بين هواة نظموا مسابقات لشباب آخرين، وجهات أخري ظهرت مؤخرا لاحتضان هذا النوع من الألعاب.

كتب:عبدالرحمن مصطفي
علي مستوي المحاولات العفوية الفردية في تنظيم مسابقات الألعاب الالكترونية، نري هذا النموذج المتكرر الذي يعتمد علي موقع FACEBOOK في جذب المشتركين عن طريق إعلان في صفحة الأحداث والمواعيد علي الموقع، عمر، أحد الذين خاضوا هذه التجربة حين أعلن عن مسابقة لهواة البلايستيشن، يقول : افتتحت مؤخرا ناديا صغيرا للألعاب الالكترونية، وكانت هذه المسابقة وسيلة لتحقيق الرواج لمشروعي الجديد، إلا أن محاولة تنظيم المسابقة عبر الفيس بوك لم تنجح.
وتنقلنا قصة عمر وإخفاقه في استخدام موقع فيس بوك إلي تجربة الواحة الافتراضية التي أنشأها هاني السيد (27سنة ـ ليسانس حقوق) من أجل تجميع المئات من محبي ألعاب الفيفا في منتدي واحد علي الانترنت، يقول هاني : بدأت الفكرة نتيجة ولعي الشديد بلعبة الفيفا، فسعيت لإيجاد موقع يضم كل ما يخص هذه اللعبة، ويجمع محبيها المتفرقين أمام شاشات أجهزتهم الخاصة أو في أندية الألعاب الالكترونية.
ويري هاني أن عيوب العلاقات داخل المنتدي هي نفس عيوب أي منتدي آخر، نافيا أن يكون هذا النوع من المنافسات مشجعا علي العزلة أو قلة الاتزان النفسي، فما يحدث في المنتدي هو ما يحدث عبر الانترنت بشكل عام، ويعتقد أن فكرة وجود منتدي متخصص في إحدي الألعاب الإلكترونية هي أفضل بكثير من التسكع بغير هدف في أندية الألعاب الالكترونية التي يقع بعضها خارج السيطرة، كما أنها أفضل من التعامل السيئ مع مواقع الانترنت.
وبهدف السعي إلي تحقيق مزيد من التنظيم في هذا المجال ظهرت كيانات تعمل علي تنظيم المسابقات المحلية وإدخال اللاعبين المصريين في منظومة اللاعبين المحترفين ضمن البطولات العالمية. أحد هذه الكيانات هو نادي الألعاب الإلكترونية الذي يتبني إقامة العديد من المسابقات المحلية التي تصل قيمة جوائزها أحيانا إلي آلاف الجنيهات، هاني الشناوي المسئول عن النادي يقول: تقوم فكرة النادي علي إقامة مشروع متكامل يستهدف الألعاب الإلكترونية وأنشطتها بشكل عام، من تنظيم بطولات، وعرض الأخبار المتعلقة باللعبة عبر برنامج تليفزيوني، إلي جانب موقع علي الإنترنت يضم كل ما يخص هذا النوع من الألعاب.
ويذكر هاني أن من الشباب المشاركين في بطولات النادي من حقق بطولة مصر للألعاب الإلكترونية التي أقيمت في يوليو الماضي بمشاركة الاتحاد المصري للألعاب الالكترونية، وهو ما أهلهم إلي تمثيل مصر في بطولة العالم للألعاب الإلكترونية ESWC التي أقيمت في ولاية كاليفورنيا الأمريكية مؤخرا، هذا إلي جانب فرصة مصر في المشاركة في أولمبياد الألعاب الإلكترونيةwcg في ألمانيا .
من ناحية أخري يؤكد م. شريف عبدالحميد رئيس الاتحاد المصري للألعاب الإلكترونية علي أن الاتحاد يوفر الفرصة لهواة الألعاب الإلكترونية من أجل تمثيل مصر في البطولات العالمية، ويقول : بداية فالاتحاد تابع للمجلس القومي للرياضة، ويهدف إلي إضفاء الملمح الاحترافي علي ممارسة الألعاب الإلكترونية وتنمية مهارات العاملين في مجال تطويرها، كما يهدف أيضا إلي تشجيع الألعاب الالكترونية في المدارس والجامعات وإشراك الفائزين في تصفيات البطولات التي ينظمها الاتحاد، غير أنه غير مسئول عن كافة الممارسات التي تجري داخل أندية الألعاب الإلكترونية في مصر.
جدير بالذكر أن المسابقات العالمية والأخري المحلية التي يقيمها الاتحاد المصري للألعاب الالكترونية محكومة بعدد من القواعد والقوانين كأي لعبة رياضية أخري، حيث تشهد ساحات المسابقات تواجد المحكمين بين أجهزة الكمبيوتر لمراقبة أداء اللاعبين، كما تحدد بعض هذه المسابقات أعمار المشاركين حسب الشريحة المستهدفة في المسابقة.
وتقام غالبية المسابقات علي أساس فردي، عدا بعض الألعاب وما يعرف بالألعاب الاستراتيجية التي تحتمل وجود فرق داخل المنافسة

Monday, September 29, 2008

مطاعم القاهرة ومقاهيها لم يوقفها شهر رمضان

عبد الرحمن مصطفى من القاهرة: يداوم عم حسني منذ بداية شهر رمضان على عمله اليومي في تقديم وجبات المكرونة السادة والكشري لزوار عربته في منطقة الخرنفش في حي الجمالية التاريخي، ويتحمل يوميا نظرات الصائمين الفضولية التي تتفحص وجوه المفطرين لديه في نهار رمضان، يقف هناك أمام كنيسة الخرنفش ويؤكد أنه متمسك أيضا بعبادة الصوم رغم عمله في تقديم الطعام في نهار رمضان، يقول : أنا أعمل هنا جوار الكنيسة، وأخدم زوارها وأهالي المنطقة من المسيحيين بالدرجة الأولى، لكن هذا لا يمنع أن كثيرا من زبائني مسلمين سواء من طلبة المدارس، أو من العمال، و لا أتحمل إثمهم.

وفي الوقت الذي أغلقت فيه بعض محلات الكشري أبوابها معلنة كساد تجارتها، و طلى بعضها واجهاتها باللون الأبيض معلنة توقف نشاطها طوال شهر الصيام، يؤكد عم حسني أهمية استمراره في عمله في نهار رمضان وعدم قدرته على إيقاف نشاطه لحاجته إلى المال الذي يواجه به متطلبات الشهر الكريم، ولم يكن هو وحده من قرر الاستمرار في تقديم وجبة الكشري التي يزهد فيها شريحة كبيرة من المصريين في شهر رمضان
ففي داخل احد مطاعم الكشري الشهيرة في وسط المدينة، فتح أصحاب المحل أبوابهم انتظارا لمرور أحد الزوار، ويقول أحد العاملين هناك: نحن نفتح يوميا على أمل وصول الزبائن، وليس هناك من يدعونا إلى التوقف عن ممارسة عملنا فأغلب المطاعم في وسط المدينة تفتح نهارا وتستقبل الزوار دون حرج، فلماذا نتوقف نحن؟

ولا يقتصر الأمر على عمل المطاعم فقط في نهار رمضان، بل فتحت الكثير من المقاهي أبوابها على استحياء لاستقبال زبائنها من مدخني الشيشة أو محبي مشروبات المنبهات كالشاي والقهوة
محمد سيد عامل تركيب رخام وغرانيت، يشهر سيجارته في نهار رمضان مع كوب الشاي الذي لا يستطيع الاستغناء عنه أثناء عمله، ويقول : لا أستطيع ممارسة عملي الشاق في رمضان دون كوب الشاي والسجائر، عدا هذا أنا صائم عن كافة أنواع الطعام، بإمكاني الاستغناء عن الجلوس على المقهى لكن حاجاتي الدائمة إلى الدخان هي التي تدفعني إلى التدخين في نهار رمضان
ويتعمد بعض أصحاب المقاهي إنزال التند او إخفاء باب المقهى بقماش السرادق حرصا منهم على عدم الصدام مع المتشددين دينيا ومنعا لاستفزاز المشاعر الدينية لعامة الصائمين
من ناحية أخرى فالصورة تبدو غير وردية أمام بعض أصحاب المقاهي الذين يمارسون عملهم نهارا في رمضان، د.نجيب جبرائيل رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان يقول لإيلاف إن مدينة بورسعيد الساحلية قد شهدت مؤخرا حادث اقتحام رجال الأمن لمقهى يملكه مسيحيون، وجرى الاعتداء عليهم وإغلاق المقهى بدعوى مخالفة أشغال الطريق العام، في حين ادعى أصحاب المقهى ان السبب الحقيقي لإغلاق المقهى كان تقديم الخدمات للمفطرين من المسلمين.
ويؤكد جبرائيل أن الحادث وإن كان ظاهره مخالفة أشغال الطريق إلا أن المواجهة العنيفة بين رجال الأمن وأصحاب المقهى تؤكد أن وراءها أسبابا دينية، خاصة وان القانون المصري ليس به تشريع يمنع من الإفطار جهرا، أو تقديم الطعام للمفطرين في نهار رمضان، ويضيف جبرائيل أن تعامل رجال الأمن مع أصحاب المقهى في هذا الحادث قد دفعه إلى الالتقاء بالمسؤولين في وزارة الداخلية من أجل نقل الصورة إليهم وسعيا إلى مزيد من التحريات حول الحادثة التي تناقلتها مواقع قبطية على الانترنت مع عرض لقطات مصورة لاقتحام المقهى.
ويؤكد اللواء محمد عبد الفتاح عمر وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشعب لإيلاف على أن وزارة الداخلية لا تشن حملات ضد المقاهي العاملة في نهار رمضان، وعمل رجال الداخلية يندرج تحت إطار نشاطها المعلن في مواجهة الأطعمة الفاسدة أو التراخيص المخالفة، أو في ضوء بلاغات ضد المخالفين للقانون، ولا يوجد حظر على عمل المطاعم أو المقاهي في نهار رمضان، سواء على مستوى المطاعم الكبيرة أو على مستوى الباعة البسطاء.

ــــــــــــــــ

Wednesday, January 31, 2007

على هامش معرض الكتاب

كل عام.. يتكرر الحديث عن سلبيات تنظيم معرض القاهرة الدولي للكتاب، للناشرين شكواهم، وللرواد كذلك.. أشهر السلبيات دائما ما تكون عن اختلاط نداءات الباعة الجائلين بالأناشيد الإسلامية المذاعة على مكبرات الصوت الصاخبة، أو عن ركن سور الأزبكية الأشبه بسوق عكاظ الجاهلية، كذلك لابد من أن يتحذلق بعضهم كل عام ويتحدث عن رواج مبيعات كتب الفقه، جنبا إلى جنب كتب الشعوذة والأبراج.. كلها أحاديث مكررة عن سلبيات معرض القاهرة للكتاب. قد يكون للمعرض إيجابياته... أسعار ارخص إلى حد ما، وندوات متنوعة طوال اليوم، ومئات الناشرين، ومازال أمامنا بعض الوقت حتى الرابع من فبراير القادم لتقييم دورة هذا العام.. لكن خلال هذا الأسبوع كانت هناك ملاحظتين خارج الأجواء التقليدية للمعرض.. الأولى عن اعتقالات جرت من داخل معرض الكتاب لعاملين بدور نشر ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، والأخرى عن موقع معرض القاهرة الدولي على شبكة الانترنت. الأولى تعطي ملمحا عن حالة التحفز المتواجدة لدى الدولة تجاه جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة)، وكيف أن أجهزة الأمن لم تفوت مناسبة معرض القاهرة الدولي للكتاب دون أن تسجل نقطة في رصيدها خلال هذه المناسبة، وتأتي الاعتقالات في نطاق إجراءات ضد أنشطة أفراد الجماعة بوجه عام.. وربما ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها أحدهم داخل معرض الكتاب، حيث استغل بعض النشطاء السياسيين في دورات سابقة فرصة ازدحام المعرض برواده لإقامة احتجاجات وتوزيع منشورات ضد الرئيس ونجله، وجرى اعتقال ثلاث نشطاء في العام 2005، غير انه من المؤكد أن اعتقال ناشرين من أعضاء جماعة الإخوان هذا العام له حساباته الأمنية، غير أن المفارقة أن يتم ذلك داخل أجواء معرض الكتاب التي تحفل كل عام بالتواجد الديني الملحوظ، في مبيعات الكتب أو في سياسات دور النشر.. هل لتلك المفارقة من مغزى؟!، هل المد الديني أبعد من مسالة تنظيم جماعة إسلامية يرى البعض أنها تشكل خطرا على البلاد؟؟
مبيعات الكتيبات الدينية سواء داخل المعارض الجامعية، أو أمام المساجد، أو حتى في وسائل المواصلات العامة، ربما ليست بالأمر الصادم، غير أن ابتعاد ثقافة المواطن عن معارف أخرى، وتكاسل دور النشر والكتاب عن تقديم الكليات والنظريات والأفكار الحديثة في أعمال مبسطة لتعويض تردي حالة التعليم.. كل هذا يخلق مناخا يرتع فيه الدراويش، وفي رأيي أنهم أخطر على أي دولة.

عندما تطوف بين دور النشر في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. تفاجأ بأن بعض العلوم الإنسانية قد أضفى المؤلف عليها طابعا دينيا غير مبرر، وهذا ما نلمسه في علوم الإدارة والإنسانيات على وجه الخصوص، وتحديدا قد يلاحظ دارس التاريخ ذلك الانتشار الواسع للكتابات غير المتخصصة التي تتناول التاريخ الإسلامي، منذ البعثة النبوية حتى سقوط الأندلس، على طريقة تقديم التاريخ على أنه إما معجزات أو تاريخ أبطال، ناهيك عن طريقة التناول القريبة من خطب الجمعة وحلقات الدروس البعيدة عن منهج البحث التاريخي، وهو الأمر الملحوظ أيضا في تناول الحقبة المسيحية، في دور النشر المسيحية، والمشكلة ليست في وجود هذه المطبوعات بقدر ما المشكلة في سيادتها. وسط تلك الأجواء.. لن تنحصر المشكلة في أفراد جماعة الإخوان المسلمين فقط، بقدر ما تنحصر في مناخ عام.. يرى الماضي – والحاضر في الماضي - بصورة دينية سواء على الجانب المسيحي أو الإسلامي، وقد تنسحب تلك الرؤية على فروع أخرى نلاحظها في معرض الكتاب، سواء في مجال برمجيات الكمبيوتر، أو في فروع علم الإدارة وتنمية الذات وغيرها.

تبقى ملاحظة أخرى أجدها لا تبتعد كثيرا عن تلك الأجواء، بقدر ما تعطي ملمحا وتفسيرا لما يحدث، فحتى كتابة تلك السطور ومنذ عدة أيام، فوجئ زوار موقع معرض القاهرة الدولي للكتاب على الانترنت (http://www.cibf.org) بهذه الرسالة المقبضة أمامهم على شاشة الكمبيوتر" هذا الموقع موقوف للتأخير في سداد المستحقات المالية.. برجاء سداد كامل المستحقات ليعود إلي العمل..." !! هل في ذلك دلالة أخرى؟؟ هل أفلست الخزانات.. وغـًُـلـِّقت الأبواب في وجه المسئولين لدفع قيمة تأجير هذه المساحة على الانترنت؟ نحن الآن في الموسم الأكثر رواجا للكتاب في مصر، وكان من الأفضل أن يتابع الصحفيين والشباب من مرتادي الانترنت أنشطة المعرض من خلال موقع محترم كما هو الحال في أي مكان بالعالم.. كان بالإمكان يكون لهذا الموقع دور هام عن طريق إحصائيات يقدمها، أو في عروض يقدمها للكتب طوال العام، ليكون أقرب إلى موقع تثقيفي.. فتكفي زيارة إلى مواقع معارض الكتاب العالمية التي تحول بعضها إلى بوابة الكترونية (Web portal)، متجاوزين فكرة المواقع التقليدية، لنشعر بشيء من الحسرة.
ربما نحن نسير في طريق يبتعد عن إصلاح الأمور، كل يعمل حسب وجهة نظره، و"يا صابت يا خابت"، وربما يكون هناك شيء من الأمل في أولئك الذين ما زالوا مستمسكين بالقواعد السليمة لأداء واجبهم تجاه أنفسهم وتجاه مجتمعهم.. حتى وان كانوا بعيدين عن أن يذكروا داخل المقالات أو أن تحفل بهم وسائل الإعلام، لكن ربما عليهم أن يقتربوا أكثر من تسيير أمور هذا المجتمع، كي يتغير شيء ما.
ـــــــــــــــــــــــــــــ

Tuesday, December 19, 2006

زمن سعد الصغير

عبدالرحمن مصطفى
سعد الصغير... ما سر هذا المغني..؟ ما الذي يجعل أغانيه رائجة بين كاسيتات عربات الميكروباص والدراجات البخارية..؟ ولماذا أصبحت أغانيه ضيفا تقليديا على حفلات الأفراح وافتتاح المحلات وغيرها..؟! قد تجد أغنياته في أفراح الطبقات الغنية، أو على جهاز كمبيوتر شاب من أبناء الطبقة المتوسطة، أو على لسان أحد أبناء الطبقات الفقيرة وأصحاب الحرف، ورغم ذيوع أغانيه بين أوساط الشباب، إلا انه من الصعب اعتباره ظاهرة شبابية، بقدر ما هو ظاهرة اجتماعية.. ما سر هذه الظاهرة ودلالاتها الاجتماعية، وهل عبرت عن تغييرات اجتماعية في المجتمع المصري.. والقاهري على وجه الخصوص..؟!
زمن ولاد البلد
عندما ظهر المغني الشعبي "أحمد عدوية" على الساحة الغنائية أواخر الستينات لاقى انتقادات حادة حول نوعية أغانيه، ورغم ذلك كان "عدوية" يمثل ثقافة لها جذورها، وهي ثقافة "ابن البلد"، ابن المدينة، ولأجل ذلك لم يكن غريبا أن يقول الكاتب الراحل "نجيب محفوظ" ممتدحا صوته أن "عدوية" صوت يعبر عن الحارة المصرية، "نجيب محفوظ" ابن حي الجمالية العتيق والروائي العالمي الذي عبر عن الحارة المصرية القاهرية بما تحمله من عبق تاريخ ألف عام لم يكن وحده من امتدح هذا الصوت.. الموسيقار الراحل "محمد عبدالوهاب" ابن حي باب الشعرية العتيق هو الآخر اعترف بحسن أداء "عدوية"، حتى في مجال التمثيل علق الفنان "عادل إمام" ابن حي الدرب الأحمر – أحد أحياء القاهرة الفاطمية - ممتدحا فن "عدوية".
كل هؤلاء امتدحوا فنا عبـَّر عن روح القاهرة بميراثها الراسخ، وعبـَّر بوجه عام عن الفن الشعبي للمدينة، وكان هناك إلى جانب ذلك من يؤدي أيضا الفن الشعبي الريفي بصورته التقليدية .
غير أنه من الواضح أن "عدوية" كان آخر من عبـَّر عن ثقافة أولاد البلد.. أبناء المدينة، من خلال فن الغناء، ليترك مساحة يتقدم إليها فن جديد من نوع آخر.. يجمع بين فنون المدينة والريف معا.
زمن العشوائيات

كثير من المناطق العشوائية في القاهرة إما أن تكون ذات جذور ريفية انتقل إليها العمران حديثا فأصبحت جزءا من المدينة، أو أن تكون مناطق زحف إليها سكان الريف، فاتخذت طابعا جديدا، لا هي تحمل الثقافة التقليدية للمدينة ولا تحمل ثقافة التقليدية للريف، وتقدر بعض الإحصاءات نسبة سكان العشوائيات بأنها تمثل ثمانية ملايين نسمة على مستوى الجمهورية.
في العشوائيات والأحياء الفقيرة هناك مغنون شعبيون قد ازدادوا نفوذا.. وعبـَّروا عن تلك الثقافة الجديدة، في أجواء تفخر بأصولها الريفية في سرادقات الأفراح وغيرها، لذا كان لابد أن يظهر لون فني جديد يعبر عن تلك الروح إرضاء لأبناء هذه الثقافة. "سعد الصغير" أحد هؤلاء الذين عبـَّروا عن تلك الروح الجديدة، كان طموحه حسبما أعلن أن يكون في البداية معروفا في القاهرة والإسكندرية، كان يفتخر بان سائقي الميكروباص هم أول من شجع غناءه، وتربى "الصغير" على موسيقى تلك المناطق حيث تختلط إيقاعات وموسيقى الأغاني الريفية التقليدية من أغاني الأفراح والذكر الديني مع الموسيقى الحديثة.. بدأ كعازف إيقاع في تلك الأفراح.. كان أحد هؤلاء الشباب الذين تراهم في الأفراح الشعبية مهمتهم توصيل التحيات عبر الميكروفون بين الحضور بصوته الصاخب، ويسخن أجواء الفرح، ويلقي القفشات، لا مانع من أن يحرج أحد الضيوف ممن يطمحون في إثارة الفوضى.. تلك المهنة الموجودة في الأفراح، أقرب لمهنة الـجوكي "D.J" في صالات الديسكوتيك رغم الفارق بين المهنتين . وتعد هذه الشخصية في الأفراح بؤرة اهتمام وملتفة للأنظار، حيث أن له مهمة أمنية في حفظ التوازن في الفرح، ومهمة ترفيهية حين يسعى لتسخين أجواء الحفلات.
مزيد من الغلظة
" الحمد لله أنا في منطقتي عضو مجلس شعب .. الناس كل يوم بتقصدنى عشان أحل لهم مشاكل أو أشوف حد منهم في أقسام الشرطة." هكذا تحدث سعد الصغير في أحد حواراته الصحفية وكأنه يحمل أعباء عضو مجلس الشعب أو عمدة القرية مبرزا أهميته بين أبناء منطقته. في مناطق تحل فيها المشاكل بعيدا عن السياق الطبيعي، وتقل فيها قبضة الحكومة المركزية، أحيانا ما تحل المشاكل بطرق أخرى، فتصبح صورة الشاب الفظ مفضلة لدى البعض، خصوصا في أوضاع اقتصادية واجتماعية سيئة، "سعد الصغير" الذي ظهر في أحد البرامج الفضائية الشهيرة، أفصح لمقدمة البرنامج "هالة سرحان" عن استخدامه للشتم داخل أجواء عمله كنوع من المرح وإضفاء حيوية على حياته.. ليعبر بذلك عن فئات قد تشعر بها في شوارع القاهرة، حين تخترق أذانك عبارات بذيئة أو تواجهك ممارسات تحوي نوعا من البلطجة تجاهك.. فلا عجب أن يكون "سعد الصغير" النجم المفضل لفئات تمارس هذه السلوكيات.أمر آخر.. عن ممارسة "الفهلوة" وخطف نجاحات الآخرين، كاستمرار في سلوك فرض القوة الآخذ في الانتشار في شوارع المدينة.. كان "سعد الصغير" أحد من عبـَّروا عن هذه النزعة بصورة فنية، عندما نقل جملا لحنية شهيرة أدتها إحدى الفرق الغنائية الشعبية تحت عنوان "المولد" وأضافها إلى أغاني فيلمه "لخمة راس"، وكرر نفس الموقف في فيلمه الأخير"عليا الطرب بالتلاتة" عندما استعان بأغنية "العنب.. العنب" عن أحد المطربين المغمورين، وأضاف إليها جملة غنائية عن مطربة شعبية تدعى "شفيقة"... وفي آخر لقاءات "سعد" التلفزيونية برر هذا التصرف بأن هذه الجمل هي في الأصل بدون مؤلف فهي كجمل فلكلورية تستخدم في الأفراح، ولم يبتعد "سعد" كثيرا عن الحقيقة، ففي أجواء الأفراح تغنى كل الأغاني، وتعزف كل الجمل ويتبادلها الجميع، إلا أن هذا لا يبرر خطف نجاحات آخرين ممن لم يستطيعوا الوصول إلى الإعلام، فيقدم نفسه بتلك الأعمال في الوسط الفني .
والملاحظ أن أغلب تلك الجمل أو الأعمال الموسيقية ذات ملمح غنائي ريفي، وأن ما مارسه سعد هو تكرارا لما يتم داخل أجواء مغنيي الأفراح عندما يتم إعادة غناء أغاني شهيرة على الطريقة الخاصة بأغاني الأفراح الشعبية مثلما سيفعل "سعد" في فيلم العيد القادم "قصة الحي الشعبي" مع إحدى أغنيات الراحلة أم كلثوم .
رجل هذا العصر
في وقت تحتاج فيه شريحة كبيرة من المجتمع المصري – والقاهري على وجه الخصوص – إلى من يمثلها فنيا ويعبر عن ثقافة جديدة هجينة تجمع بين ثقافتي المدينة والريف، كان "سعد الصغير" من يمثل هذه الثقافة فنيا عبر وسائل الإعلام المختلفة، ليعلن بذلك عن اضمحلال ثقافة ابن البلد القاهري التقليدية، وما تحمله معها من ميراث قرون طويلة .
جاء "سعد الصغير" ليقدم فنا اختلطت فيه فنون الريف مع الفن الشعبي التقليدي للمدينة، لم يخجل أن يكون فجا أو أن يرقص بابتذال مثلما يفعل الكثيرون في عشوائيات العاصمة، لم يستنكف أن يغني لـ"العيال البيئة الطحن"، كأنه يلعب على وتر اجتذاب شباب تلك الثقافة الجديدة الذين يحتشدون في الأعياد أمام صالات العرض السينمائية انتظارا لأفلامه، ولا مانع أن يمتعوا أبصارهم براقصة ترقص بصورة فجة هي الأخرى على أنغام "الصغير" مثلما اعتادوا أن يفعلوا في سرادقات الأفراح التقليدية .
يؤدي "سعد" دوره ليمثل متنفسا للشباب الذين وجدوا من يغني على الملأ في أحد أفلامه "للبيئة" أي الشباب متواضع الحال أبناء العشوائيات والأحياء الفقيرة الذين لم يعيشوا كشباب ريفي محافظ، ولا كأبناء مدينة تقليديين، ووجد هؤلاء في "سعد الصغير" شاب مثلهم يتحدث بفجاجة دون حرج، يخطف نجاحات آخرين بفهلوة يمارسها بعضهم في أعماله، ويبررها دون خجل.
ليس من العجيب أن تظل أغاني "سعد" هي المفضلة لدى تلك الفئات، وأن تتردد أغانيه في الورش والميكروباصات، وكاسيتات الدراجات البخارية، وغيرها... فهو قبل أن يكون ظاهرة غنائية هو ظاهرة اجتماعية.
قد يعتبر البعض ظهور تلك الثقافة إعلانا لوفاة ثقافة المدينة التقليدية وفنونها، وعلو شأن ثقافة أخرى هجينة تجمع بين ثقافتي الريف والحضر، لكن..يظل "سعد الصغير" أهم من قدم هذه الظاهرة الاجتماعية فنيا، ليجتذب حوله العديد من الشباب المتعاطفين معه من أبناء نفس الثقافة.

Wednesday, October 18, 2006

الحقبة الناصرساداتية

الفجوة الواسعة بين سياسات الراحلين جمال عبدالناصر وأنور السادات، كانت سببا في تقديم مصطلحي الناصرية والساداتية على أنهما مصطلحين متضادين، إلا هذا لم يمنع أن هناك فترة مقتطعة من مدتي حكم كل منهما عبرت عن مرحلة انتقالية مابين السياسات الناصرية والسياسات الساداتية، وهي الفترة الواقعة بين هزيمة يونيو 1967 حتى نصر أكتوبر 1973، حيث كانت أشبه بمرحلة انتقالية بين عهد الثورة العربية وعهد السلام مع العدو.

من أهم ملامح تلك الفترة:

1- تغير موقف مصر من قوى (الرجعية) العربية

كان تاريخ الخامس من يونيو 1967 نقطة تحول في سياسات جمال عبدالناصر، فبعد أن كان الهدف الرئيسي في علاقاته العربية هو القضاء على النظم الرجعية – وهي القوى العربية المؤيدة للغرب الاستعماري حسب تعبير الثورة المصرية وقتها – تحول هذا الهدف إلى تعبئة الموارد العربية من أجل استعادة الأراضي التي احتلت عام 1967، ويقول الرئيس الراحل أنور السادات في كتابه "البحث عن الذات" كشاهد على الأحداث أن جمال عبدالناصر " قد أخذ درسا حين رأي أن الذي وقف إلى جانبه بعد الهزيمة سنة 1967 كانوا من ظل طوال حياته يصفهم بالرجعية مثل السعودية والكويت والملك السنوسي ملك ليبيا.فهم الذين دعموه بالمال بعد الهزيمة..".
إذن فنحن هنا بصدد تحول في تعامل جمال عبدالناصر مع النظم العربية، فقبل عام 1967 كان التعامل مع النظم العربية تعاملا انتقائيا، ثم تبدل الحال، وبدأ التعاون يجد سبله مع جميع الأطراف العربية دون تمييز، وذلك من أجل دعم المعركة، فلم يكن هناك مجال لتبديد الطاقات العربية في صراعات من أي نوع، وتلك السياسة هي التي سار عليها خليفته السادات حتى تحقق النصر في معركة العبور عام 1973، وهو ما مهد له فيما بعد أن يرسخ سياسات ساداتية مستقلة في النصف الثاني من فترة حكمه.

2- الدخول في مشروعات وحدوية دعما للمعركة

كان من ملامح تلك المرحلة أن دخل الرئيس جمال عبدالناصر في اتفاقات وحدوية مع الثورات والأنظمة العربية الشابة، وذلك رغم ما وقع سابقا من إخفاق في مشروع الوحدة العربية الشهير مع سوريا (1958 – 1961)، إلا أن توقيع مصر لاتفاقات وحدوية جديدة كان لهدف آخر.. فقد أصبح جمال عبدالناصر مضطرا لتوقيع تلك الاتفاقات بغرض الحصول على دعم للمعركة المقبلة، وتهيئة للجبهة العربية بشكل عام. على سبيل المثال وتحديدا على صعيد العلاقات الوحدوية مع الثورة الليبية كان من المتوقع أن يكون في ليبيا أسراب من طائرات الميراج الفرنسية جاهزة للاستخدام بحلول عام 1973، وهي الصفقة التي تمت تحت أعين الحكومة المصرية في ختام عهد جمال عبدالناصر، وبالفعل شاركت بعض هذه الطائرات في حرب اكتوبر على عهد الرئيس السادات 1973، وهو ما يفسر لنا استمرار الرئيس السادات بعد وفاة جمال عبدالناصر عام 1970 في نفس المشروع الوحدوي رغم عدم التوافق مع الجانب الليبي الذي بدأ في التأفف من عدم وجود وحدة شاملة بين البلدين، وهو ما مثل بداية للتدهور في العلاقات، وانتهى بإعلان الرئيس القذافي اعتراضه على حرب أكتوبر أثناء دوران المعارك.
إذن فقد كان لتلك الاتفاقات الوحدوية أهدافا استراتيجة وعسكرية لدعم المعركة، كذلك كان الأمر مع الاتفاقات الوحدوية مع السودان، أو سوريا حيث كان لها أهدافا عسكرية تسبق الأهداف السياسية التي أعلنها عبدالناصر في البداية عن "تجديد دماء الثورة العربية"، أو التي كان يقدمها السادات على أنها دعم للعمل الوحدوي العربي، فهي في حقيقة الأمر كانت خدمة للمعركة.

3- قبول التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية

ملمح جديد في سياسة الرئيس جمال عبدالناصر ظهر عقب هزيمة يونيو 1967، وتحديدا في ختام حرب الاستنزاف. وهو قبوله فكرة التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك عند تعامله مع مبادرة روجرز وزير الخارجية الأمريكي وما أعقب ذلك من وقف لإطلاق النار على الجبهة الشرقية، وهو الملمح الذي امتد في فترة حكم الرئيس الراحل السادات عندما تعاون مع دول عربية ذات صلات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، إضافة إلى اتجاهه إلى عدم الاعتماد الكامل على الاتحاد السوفيتي، وطرد الخبراء السوفيت من مراكزهم الحساسة في البلاد، بعد أن تيقن أنهم لن يقدموا له الدعم المطلوب في المعركة، هذا إلى جانب اعترافه بدور الولايات المتحدة الهام في الشرق الأوسط.
لقد كانت المعركة والحرب الفاصلة هي المحرك الرئيسي لسياسات كل من الرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات في تلك المرحلة. ومع انتهاء حرب أكتوبر 1973، ووقف إطلاق النار، وبدء مفاوضات سيناء العسكرية، والتقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية، ثم توقيع اتفاقيات السلام، تبدأ مرحلة تعبر بحق عن سياسات ساداتية جديدة اختلفت عن السياسات القديمة، وهو ما أسفر عن انقلاب العديد من الحكومات العربية على الرئيس السادات تدريجيا كلما اتضحت سياساته الجديدة، فنتج عن ذلك صدامات مع أصدقاء المرحلة (الناصرساداتية) كليبيا وسوريا والعراق والدول التي تحولت إلى "جبهة الصمود والتصدي"، والتي نجحت في إخراج "مصر الساداتية" من جامعة الدول العربية.

لذا فإن الفترة من عام 1967 – 1973 هي بحق فترة انتقالية بين العهد الناصري قبل هزيمة يونيو 1967، والعهد الساداتي عقب نصر أكتوبر 1973، ففي تلك الحقبة تخلى جمال عبدالناصر عن سياساته ضد الإمارات والممالك والحكومات العربية التي كان يصفها بالرجعية، وتخلى عن فكرة عدم التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفي تلك الحقبة أيضا حاول السادات صنع توازن في العلاقات بين الدول العربية التي كانت توصف بالرجعية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ونظم عسكرية وثورية عربية، وذلك كاستمرار في سياسة التعاون مع جميع الأطراف العربية خدمة للمعركة المقبلة ضد إسرائيل، ولم يعلن السادات عن ميله نحو الولايات المتحدة أو ولا عن قبوله فكرة التفاوض الجدي إلا متأخرا، واستمر فيما تركه له جمال عبدالناصر من ميراث، حتى أظهر سياساته (الساداتية) الخالصة في النصف الثاني من مدة حكمه بعد أن تحقق نصر أكتوبر1973.

إن نهاية عهد جمال عبدالناصر، وبداية عهد أنور السادات، مابين الهزيمة والنصر، هي مرحلة وسط بين المرحلة الناصرية والمرحلة الساداتية، والتي يصح أن نسميها (الحقبة الناصرساداتية)ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيلاف، 2، 3، 4

Thursday, October 5, 2006

الاخوان ينخرطون في الحياة الجامعية..من بابها العريض

التيارات الاسلامية المصرية حددت قواعدها

عبدالرحمن مصطفى من القاهرة : بعيدا عن قاعات الدراسة والمحاضرات، وصخب العام الجامعي الجديد، كان اللقاء مع ظاهرة "التيار الإسلامي" داخل الجامعات، حيث اكتست هذا العام حلة جديدة عقب الصعود السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، فكانت الأجواء كلها تشير إلى أننا أمام لحظة فاصلة في تاريخ العمل الطلابي "الإسلامي"، فشعارات الجماعة على جدران الجامعة، وتعبير "طلاب الإخوان المسلمين" أصبح البديل الحقيقي عن تعبير "التيار الإسلامي" – التقليدي - الذي ندر استخدامه في اللافتات الدعائية.. حتى أصبح التحول في سياسة التيار الإسلامي في الجامعة، هو أهم ملامح العام الجامعي الجديد .

شهد الأسبوع الأول من الدراسة نشاطا مكثفا للأسر الطلابية لاجتذاب الطلاب الجدد، ففي جامعة القاهرة كانت كليات التجارة والآداب ودار العلوم هي الأكثر ترويجا للأنشطة الطلابية في ساحات الجامعة، على عكس كليات أخرى تركز نشاطها داخل المباني فقط، في تلك الأجواء كان "طلاب الإخوان المسلمين" هم الأكثر بروزا بين العديد من الأسر.
دعاية التيار الإسلامي –طلاب الإخوان المسلمين- تمثلت في العديد من الوسائل، فقامت الطالبات في الأسبوع الأول باستقبال زميلاتهن وتقديم الإرشادات والدعم الطلابي لهن، إلى جانب إقامة معارض للكتيبات الدينية، ولم يجد بعض الشباب حرجا في أن يضع بطاقة على صدره مكتوب عليها "طلاب الإخوان المسلمين" ليمارس دوره في الترويج للتيار الإسلامي بحرية في الوقت الذي كانت فيه اللافتات الدعائية تقوم بدورها في ساحات الجامعة وعلى أبنيتها.
مع الأسبوع الثاني من الدراسة اختفت تلك المظاهر تدريجيا عدا الملصقات الدعائية التي ملأت جنبات الجامعة، وكان أشهرها ملصقات حملة "بنات محمد". وتقول إحدى طالبات التيار الإسلامي عن الحملة أن وراءها أسرة طلابية تدعى "زهرة الغد" تمثل طالبات التيار الإسلامي وشابات الإخوان المسلمين، وتستهدف الفتيات المسلمات لأغراض دعوية، أما الكلية الوحيدة التي لم تكتف بالملصقات الدعائية وتمسكت ببقاء اللافتات خلال الأسبوع الثاني من الدراسة فهي كلية دار العلوم، حيث أقام "طلاب الإخوان المسلمين" معرضا طلابيا في مدخل الكلية، وتعد دار العلوم أحد معاقل التيار الإسلامي حيث يدرس طلبتها العلوم اللغوية والشرعية.

إحدى اللافتات التي انفردت بها كلية الآداب، كتب عليها "مقر طلاب الإخوان المسلمين"، هناك أخبرنا محمود أن تعبير "طلاب الإخوان المسلمين" هو الممثل الحقيقي الآن للتيار الإسلامي في الجامعة، التقينا بعدها محمد سعيد ممثل طلاب الإخوان المسلمين في كلية الآداب، يقول محمد : " في البداية أريد أن أوضح ان هذا المقر ليس أسرة طلابية، ففي كل كلية يوجد مقر يجتمع فيه طلاب الإخوان المسلمين، ويجرى انتخاب ممثلين عنهم كل عام، وتضع كل مجموعة أنشطتها حسب رؤيتها الخاصة، إلا أننا نجتمع سويا في بعض الأحداث التي تستلزم اتخاذ موقف موحد بخصوص حدث أو مناسبة".. وعن أهم أنشطة طلاب الإخوان المسلمين يتابع محمد : " لعل أهم ما يميز أنشطتنا هو الجانب الخدماتي، فنحن نعد لمشروع إعداد حقائب رمضانية ومساعدات يتم توزيعها على آلاف الفقراء والعمال، إلى جانب الأنشطة التقليدية في خدمة الطلاب، و ترتيب المسيرات والاحتفاليات " .
على جانب آخر أكد أن إدارة الجامعة تقف موقف الحياد من أنشطتهم، ولاتوجد مواجهات حادة بين "طلاب الإخوان المسلمين"، وإدارة الجامعة أو الأمن حتى الآن .
وعلى عكس جامعة القاهرة الأكثر اتساعا لم يشهد الحرم الجامعي لجامعة عين شمس منافسة دعائية قوية بين الأسر المختلفة، حيث لم ينافس الأسر الطلابية الإسلامية في جذب انتباه الطلاب إلا نشاط الجوالة، حيث أقامت أسر الجوالة في الكليات المختلفة مقارا مميزة، حيث أكد الطالب أحمد رضا رائد عشيرة الجوالة في كلية الحقوق أن مقر أسرة الجوالة -المسمى "سفينة الجوالة" - هو أكثر ما يميز أسر الجوالة عن بقية الأسر حيث يصنعه الطلاب مستخدمين الحبال والأعمدة الخشبية فقط..!، ولم ينافس جوالة كلية الحقوق في جذب انتباه المارة إلا إحدى الأسر الطلابية التي وضعت لافتتها في واجهة الكلية تحت توقيع "طلاب الإخوان المسلمين".
أسرة أخرى كانت تقدم نفسها في الأعوام السابقة على أنها تمثل "التيار الإسلامي" أصبحت تذيل لافتاتها اليوم بتوقيع "طلاب الإخوان المسلمين"، وفي مدخل كلية الآداب في جامعة عين شمس كانت تقيم احتفالية بمناسبة شهر رمضان، هناك استقبلنا الطالب إسماعيل خطاب الذي أكد أن تحول شعار "طلاب التيار الإسلامي" إلى "طلاب الإخوان المسلمين" يعبر عن واقع حقيقي لأن "طلاب الإخوان المسلمين" هم ممثلي التيار الإسلامي في الجامعة، ويقول إسماعيل : "تعمل أسرتنا في نطاق العمل الطلابي الإسلامي العام الذي يعتمد على الخدمة الطلابية، والدعوة الإسلامية، وهذا الشق الأخير هو ما جعل كافة الأسر الطلابية الإسلامية غير مسجلة لدى الجامعة، وتعمل على مسئوليتها الخاصة، حيث تمنع لائحة الجامعة أن تقام أسرة طلابية على أساس طائفي أو عرقي.. وما زلنا نحاول تسجيل أسرتنا التي يتجاوز عمرها السبعة عشر عاما".
على صعيد آخر فلطلاب الإخوان المسلمين مواقع تمثلهم على شبكة الانترنت، أشهرها موقع "كل الطلبة" الذي يقدم نفسه على أنه موقع "طلاب جامعة القاهرة" بينما هو في حقيقة الأمر يعبر عن "طلاب الإخوان المسلمين" مثلما تشير الملصقات المنتشرة داخل الجامعة، أما موقع "جامعة أونلاين" فيعلن صراحة أنه يمثل طلاب الإخوان المسلمين في جامعة الإسكندرية، وموقع "شمساوي" ممثلا عن جامعة عين شمس الذي حرص مؤسسيه ألا يشيروا إلى هويته الأصلية.
الجدير بالذكر أنه خلال فترة المد الديني التي شهدتها سبعينيات القرن الماضي، عرف التيار الإسلامي داخل الجامعات بالجماعة الإسلامية، وكان يضم وقتها عدة أنماط، ما بين سلفيين وجهاديين ومتدينين تقليديين، إلى جانب شباب جماعة الإخوان المسلمين، وفي عقد الثمانينيات اتخذ طلاب الإخوان المسلمين تعبير "التيار الإسلامي" لأنفسهم ابتعادا منهم عن تعبير "الجماعة الإسلامية" الذي ارتبط بالعنف لدى الجماهير .. إلا أن مصطلح "التيار الإسلامي" ظل لفترة طويلة مصطلحا فضفاضا، ينجذب إليه الكثير من المتدينين، ومع النقلة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين العام الماضي تم إعلان شعار الجماعة وهويتها داخل الجامعات.
وتمتاز أنشطة التيار الإسلامي الطلابية بالجانب الدعوي، وهو ما دفعهم إلى استخدام شعار "دعوة إسلامية ..خدمة طلابية"، وقد أوجد النشاط المكثف لطلاب الإخوان المسلمين صدامات مع إدارة الجامعة في عدد من الجامعات، فقد شهد العام الماضي أجواء ساخنة عندما احتج طلاب الإخوان المسلمين على قيام إدارة الجامعة بشطب مرشحيهم من قوائم انتخابات اتحاد الطلاب، وهو ما دفعهم إلى القيام بانتخابات موازية أعلنوا فيها قيام "الاتحاد الحر" كبديل عن اتحاد الطلبة الرسمي، وامتدت التجربة لتقام في عدد من الجامعات الأخرى.
وبعيدا عن أنشطة التيار الإسلامي، فقد أقام الحزب الوطني – الحاكم – بدعم من الصندوق الاجتماعي للتنمية في بداية هذا العام الجامعي معرضا لمستلزمات الطلبة يستهدف طلاب جامعتي القاهرة وعين شمس، وحملت إعلانات المعرض شعار "الشباب الوطني.. دايما معاك"، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول منافسة غير معلنة بين جماعة الإخوان المسلمين والحزب الوطني الديمقراطي للفوز بالكعكة الطلابية داخل الجامعات .
وتظل ظاهرة التيار الإسلامي داخل الجامعات المصرية تثير الجدل، فالبعض يدافع عنها ويؤيدها، والبعض يعارض وجودها بشدة، إلا أنها في النهاية تمثل ظاهرة حقيقية داخل الجامعات المصرية، وهي تعبر عن مأزق فرضه تقدم جماعة الإخوان المسلمين على الساحة السياسية وما تبعه من انعكاسات اجتماعية وتنظيمية في المجتمع المصري.
ــــــــــــــــ

Wednesday, August 9, 2006

من يفتح باب الجهاد..؟!

منذ أيام صرح المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين بمصر لوكالة الأنباء الفرنسية انه على استعداد أن يرسل عشرة آلاف شاب “مقاتل”، للقتال بجوار حزب الله اللبناني، وكرر السيد المرشد العام نفس الدعوة في أحد المؤتمرات الحاشدة بنقابة المحامين المصرية، وأكد أن الجهاد ليس عبثا أو لهوا وأنه يحتاج إلى تكنولوجيا متطورة وأن الإخوان مستعدون لذلك..!! فهل في دعوته تلك رسالة خفية بأن الإخوان لديهم التكنولوجيا المتطورة لتسليح شبابهم..؟ وإذا كان الجهاد ليس عبثا أو لهوا كما يرى السيد المرشد العام..فهل لديه بعض الأجوبة على الأسئلة المشروعة حول دعوته العبثية..؟ أول هذه الأسئلة على يد من سيتم تدريب هؤلاء الشباب..؟ ثم أين ستكون مواقع التدريب..؟ وما هو موقف الجيش المصري من هؤلاء الشباب..؟ كما أنه أليس غريبا أن تسمح دولة لديها جيش كامل كمصر بإعداد ميليشيات مسلحة للحرب..؟ ثم ما هو مستقبل شباب تدرب على السلاح خارج النطاق العسكري الحكومي.. في دولة بها بطالة وفساد واحتقان داخلي..؟؟ ، ألا تستحق تلك الأسئلة الإجابة عليها وهي متعلقة بمستقبل مصر ومصيرها ..؟
كان المرشد العام قد طالب الحكومات أن تسمح بهذه الإعدادات العسكرية الشعبية أو على الأقل أن «تغض الطرف» عنها، ومن العجيب أن تأتي مثل تلك العبارة المبهمة في قضية مصيرية، مع ما تحمله من تحييد كامل للحكومات واستغلال لموقفها العاجز الحالي بدلا من تحريكها سياسيا من داخل النظام عن طريق مقترحات عملية، وتظل الخطورة الحقيقية هنا كامنة في طرح فكرة تسليح شرائح مدنية من المجتمع في مجتمعات لا تتصف بالعدالة، مما يجعلنا نتوقع ما قد تسفر عنه مثل تلك المقترحات مستقبلا، وما تحمله من نوايا لإسقاط الشرعية عن الحكومات عمليا، بحيث يحل من يحارب ويحمي محل من اكتفى “بغض الطرف” وجلس هو الجيش النظامي يتابع الموقف. ومن المؤسف أن نجد من يؤيد تلك الاقتراحات أو يزايد عليها بين ممثلي القوى المصرية الأخرى. القوى التي تحاول أن تتجاوز دورها المقتصر على جلسات توبيخ الحكام العرب ومحاولات التحفيز ضدهم إلى خطوات أكثر جاذبية، فعلى ما يبدو أن دعاوى تسليح قطاع من الشباب من أجل الجهاد قد لاقت استجابة لدى البعض، كأحد ممثلي التيار الناصري الأستاذ سامح عاشور نقيب المحامين المصريين الذي طالب بفتح باب الجهاد ضد العدو الصهيوني. لاعبا على نفس النغمة المرتجلة التي بدأها المرشد العام للإخوان، أما بين الأوساط الشبابية فليس من المستغرب أن تجد أحد شباب التيار الإسلامي من طلبة المرحلة الجامعية يطالب في إحدى التظاهرات الأخيرة أن تتحول الجامعات إلى أماكن تدريب للمقاومة، وحدث أيضا أن قام بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين – منذ أيام قلائل – بتوزيع منشورات للحض على الجهاد مثلما حدث في محافظة أسيوط الأمر الذي تسبب بعدها في حالة تحفز لدى الأمن وصدام مع المتظاهرين في أحد المساجد ثم اعتقال الكثيرين منهم هناك. حاول المرشد العام مؤخرا تعديل الموقف بعد الانتقادات تعرض لها من قبل بعض الخبثاء – على حد قوله- الذين حرفوا كلامه، وأكد في حديثه لقناة العربية الفضائية أنه لو تم فتح باب الجهاد فالرقم سيتجاوز العشرة آلاف إلى المائة ألف متطوع، لكنه أكد أن ذلك لن يتم إلا تحت أعين الحكومات، مثلما كانت المقاومة في الأربعينات والخمسينات قبل الثورة المصرية، ورغم محاولات المرشد العام تعديل الموقف إلا أنه لم يتناول أثر دعوته لفتح باب الجهاد. على الصعيد السياسي الدولي أو الإقليمي، أو حتى على الصعيد الداخلي عقب إنشاء طبقة مارست فنون القتال ولها ولاءها لجماعة ذات طابع سياسي كجماعة الإخوان المسلمين.
لقد بدأ حزب الله حربه وحده، وهو يقاتل الآن وحده والأضواء كلها مسلطة عليه، وعلى ما يبدو أن هناك من يريد مشاركته الأضواء تحت دعوى فتح باب الجهاد. إن سعي البعض إلى الجهاد وحده وعلى مسئوليته الخاصة، دليل على أننا لسنا على قلب رجل واحد، وأن قلوبنا شتى… لنتعرف أننا امة تحتاج إلى إعادة بناء .
ــــــــــــــــــــــــــ

Thursday, July 27, 2006

مواقف على هامش الأزمة اللبنانية

يقاتل حزب الله وحده ويتلقى لبنان كله الضربات الإسرائيلية، هكذا هو المشهد الحالي لما يحدث في الأراضي اللبنانية، ولعل المأزق الحقيقي أن الأمور قد سارت منذ البداية على عكس المنطق الطبيعي في خوض الحروب، بأن تتوحد الجهود الشعبية والحكومية وراء جيش موحد يواجه العدوان تحت قيادة واحدة تنسق مع من حولها من حلفاء ودول المجاورة، و هذا ما لم يحدث في العمليات العسكرية الدائرة في لبنان الآن. وامتدادا لتلك الأجواء، ظهرت على هامش الحرب مواقف أخرى خارج لبنان، عبرت هي الأخرى عن مأزق عربي يعيشه أبناء الأمة الواحدة، في نزاعاتهم فيما بينهم.

ــ فتوى ابن جبرين

خرج الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين في السعودية بفتوى تحرم التعاون مع حزب الله (الرافضي) أو دعمه ولو حتى بالدعاء، ويطالب الشيخ أهل السنة بالتبرؤ من كل من يفكر في الانضمام للواء تلك الجماعة أو التعاون معها، وكان رد الفعل أن خرجت بعض الأصوات تهجو الشيخ (الوهابي)، وتتهمه بالخيانة. غير أنه قد فات من انتقدوه.. أن فتواه تلك لم تكن نشازا عن سياق فتاواه السابقة، عندما أفتى بحرمة مناداة الشيعة بالأخ أو الأخت، وبعدم جواز أكل ذبائحهم، أو عندما اعتبر أن كثيرا من أهل الصوفية هم أهل شرك وضلال، إلى جانب فتواه الشهيرة بتحريم التعامل مع غير المسلمين أو توظيفهم، وفتوى مقاطعة صحيفة الوطن السعودية بحجة نشرها صور نساء كاشفات يطلبن حضور مباريات الكرة (!)، إذا فتلك الفتوى الأخيرة منطقية ولا تحمل معها أي مفاجأة. غير أن موعدها وسط كل تلك الأخبار السيئة هو ما دفع البعض إلى الإحساس بخيبة الأمل والصدمة. لكن ما الذي يمكن أن يحرك شيخا "كابن جبرين" ومن على نهجه في هذا الاتجاه..؟ عوامل كثيرة أهمها فكرة التوحد مع تجربة قديمة عاشها أحد شيوخ القرن الثامن عشر وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما كان أتباعه يجولون لتنقية عقول أهل الجزيرة العربية مما علق بها من مظاهر إيمانية فاسدة، حيث يروي الشيخ ابن جبرين عن تجربة شخصية مر بها عندما أمره الملك سعود –رحمه الله- بالخروج في رحلة دامت لأربعة أشهر إلى أهل البدو والصحاري قرب الحدود الشمالية للمملكة، واعتبرها رحلة ناجحة حيث قام فيها هو ومرافقوه بهداية الكثيرين إلى صحيح الدين بعد أن كانت كل معلوماتهم عن الإسلام ضحلة وضئيلة. إذا فلعل ما يدفع شخص كالشيخ ابن جبرين في هذا الاتجاه هو الوسوسة من أن تتبدل عقائد العرب بعقائد فاسدة، وربما يكون ما دفعه إلى ذلك أيضا هو اعتباره أن طريق لإصلاح الوحيد هو طريق التوحد وتقليد نهج "الموحدين" أتباع الشيخ محمد ابن عبد الوهاب. قد يكون ما حركه أيضا هو ما يحرك غيره من الشيوخ، عندما تأتيهم أسئلة المريدين تبحث عن إجابات بعينها تثير حماستهم، وتعلي من شأنهم، فإذا ما قدَّم لهم أحد الشيوخ الإجابات المنتظرة كان شيخهم وتاج رؤوسهم، وإن اعترض صار عدوهم. وهنا كان واجب الشيخ المتصدر للفتوى ألا يقع في هذا الفخ، وأن يقرأ طموحات مريديه من صيغة أسئلتهم، بدلا من أن يعطيهم مبررا لكراهية واحتقار الآخرين. من واجبه أن يكون أكثر جرأة في مواجهة طموحات الجماهير، التي تبحث عن تحويل المذهب إلى قبيلة بديلة، تغني لها أناشيد الفخر والحماسة، وتهجو وتلعن بقية المذاهب.
كانت أهم أصداء هذه الفتوى أن قامت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بنشرها على صفحاتها، لتعطي مزيدا من التحريض ضد صاحب الفتوى وأهل مدرسته الفقهية.. لتؤكد لنا تلك القصة أن كل ما كان يتم بيننا من فرقة ونزاع وحض على كراهية في أوقات السلم، قد امتد ليمارس أيضا وقت الحرب.

ـــ شيخ الأزهر.. السيناريو المكرر

شيخ آخر كان في مأزق.. فمشكلته الأبدية أن أقواله ومواقفه لا ترضي الجماهير أبدا ولا تثير حماستهم، مصيبته الكبرى أن بعض التيارات ترغب في منصبه الغالي كي تتحكم في البلاد. هو شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي. فمنذ مدة والاتهامات توجه له وتتهمه بأنه رجل الحكومة، وأنه لا إرادة له.. فالجميع كان ينتظر أن يكون أعلى صوتا وأكثر حدة وقت الأزمات ليتخذوه شيخا ورمزا، ويتزامن هذا مع دعوة متجددة لأن يكون منصب شيخ الأزهر بالانتخاب، وبالطبع فهناك تيارات تطمح في هذه الفرصة ليتكرر ما حدث في النقابات المصرية التي سيطرت عليها الصراعات السياسية، فبعض التيارات الدينية – والسياسية - تطمح أن تجد لها ممثلا في منصب شيخ الأزهر، كبديل عن بقاء المنصب ممثلا لإرادة الحكومة المصرية. وطوال الفترة الماضية كان البعض يتصيد المواقف والأخطاء لشيخ الأزهر، ضمن مخطط الحرب على الحكومة، وكثيرا ما تم تأويل تصريحاته إلى معان أخرى، مثلما حدث وقت أزمة الرسوم الدنمركية المسيئة، عندما اتهمه البعض بأنه قد ذكر لأحد الوفود الغربية أنه لا يصح الإساءة إلى محمد - صل الله عليه وسلم – لأنه الآن رجل ميت (!) فثارت عليه الأقلام، واضطر الرجل إلى أن يقود مظاهرة احتجاج ضد الرسوم المسيئة لتحسين صورته، ورغم أن تصريحه الأصلي لم يحمل تلك المعاني الساذجة، إلا أن البعض قام بتأويل تصريحاته وصدقها كثيرون، فوقع الرجل ضحية كونه موظف حكومي كبير. اليوم.. وامتدادا لهذا المأزق الداخلي، تم اتهام شيخ الجامع الأزهر من قبل أحد المواقع الصحفية المعروفة بميلها إلى جماعة الإخوان المسلمين، ضمن سيناريو الحرب على شيخ الأزهر الدائر منذ مدة.. بأنه قد وصف السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني بأنه رجل مريض بجنون العظمة ومتقمص لشخصية صلاح الدين الأيوبي، وذكر محرر الخبر أن مصدر المعلومة من داخل الأزهر الشريف، وإمعانا في إضفاء روح الدقة على الخبر، قام المحرر بتأويل إحدى فقرات خطاب لشيخ الأزهر الداعمة للرئيس مبارك وفسرها على أنها هجاء لحزب الله.
حتى الآن لم يؤكد أي مصدر آخر هذا الخبر، ولم يقم شيخ الأزهر بنفيه... غير أنه من غير المستبعد أن يكون هذا الخبر قد تم تفصيله استغلالا للحدث واستمرارا في مسلسل تخوين شيخ الأزهر واتهامه بالاتهامات الحادة في وطنيته، ليتأكد بهذا أننا نستمر وقت أزماتنا الكبرى على نفس ما تعودنا عليه وقت الهدوء والسلم من مشاحنات وبغضاء وحسابات سياسية أو مذهبية.

ـــ النهايات المنطقية

لعل تلك الحادثتين وغيرهما من الحوادث الهامشية التي صاحبت الاعتداءات الأخيرة على لبنان، قد أكدت أن ما تعودنا عليه طوال السنوات الماضية لم ولن يتغير وقت الحرب أو الأزمة، بل ستظل صراعاتنا كما هي تحركها الأطراف المختلفة وفقا لمصالحها الخاصة.. إذا فان كنا لا نريد هزائم قادمة، فلنحاول تدريب أنفسنا على منع روح البغضاء والكراهية وقت السلم قبل أن تمزقنا الفرقة وقت الحروب والأزمات.
ــــــــــــــــــ