Tuesday, May 31, 2011

كل رجال الباشا - كتاب يواجه أسطورة محمـد عـلى وجيشـه



لا يَخفى على رواد ندوات الدكتور خالد فهمى رئيس قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ــ تأثره بأطروحته الأولى عن جيش محمد على، التى حطم فيها أسطورة محمد على باشا وجيشه «الوطنى». وفى الطبعة الثانية من الكتاب الصادرة مؤخرا عن دار «الشروق» يصبح لهذه الأطروحة مذاق آخر، إذ تصبح القراءة عن تحطيم أسطورة محمد على أكثر إثارة فى زمن الثورة التى حطمت هى الأخرى أسطورة حاكم سابق استخدم دعايته وخلفيته العسكرية فى صنع أسطورته الخاصة. وبالمرور على فصول «كل رجال الباشا» تبدأ بعض القناعات فى التغير تدريجيا.. ليس فقط على مستوى موضوع الكتاب، بل أيضا ــ وهو الأهم ــ على مستوى رؤيتنا للتاريخ وكيف تم تقديمه لنا طوال العقود الماضية.
كتاب «كل رجال الباشا» هو ثمرة جهد عشر سنوات قضاها الكاتب مع موضوعه أثناء إعداد رسالة الدكتوراه فى جامعة أكسفورد البريطانية، وصدرت طبعته العربية الأولى عن دار الشروق فى عام 2001 بترجمة الدكتور شريف يونس أستاذ التاريخ بجامعة حلوان، ولم يخشَ خالد فهمى من أن يذكر أنه عجز عن إقامة علاقة مودة مع محمد على باشا، خاصة حين تيقن أن الفظائع التى ارتكبت فى عهده لم تكن بسبب «الحاشية الفاسدة، التى تحيط بالحاكم العادل»، بل كانت سياسات عامة قهرت السكان البسطاء كى يحقق محمد على أطماعه التوسعية. وتبرز لدى خالد فهمى قضيتان يمكن ملاحظتهما على مدى أكثر 450 صفحة، الأولى: هى اهتمامه بنقد الكتابات التاريخية التى كرست صورة عظيمة لمحمد على وعصره، أما الثانية: فهى البحث عن صوت المصرى المهمَّش من خلال دراسة مؤسسة الجيش والبحث عن الجندى المستضعف داخلها، معتمدا على فكرة «التأريخ من أسفل».
فى بداية مقدمة الطبعة العربية الثانية للكتاب يعرض فهمى حالة نموذجية للكتابات التاريخية المفخخة، التى تناولت عهد محمد على، ضاربا المثل برسالة من محمد على إلى أحد موظفيه أوردها أمين سامى باشا مؤلف كتاب «تقويم النيل»، وتم استخدام هذه الرسالة وقتها للتأكيد على فكرة «الحاكم المهموم بمصالح شعبه»، لكن خالد فهمى، الذى أطلع على أصل الرسالة المدونة بالتركية وجدها ذات معنى آخر تماما، بل وجد أنها تتضمن إهانات للمصريين. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل رصد فهمى أنه قد كان لتدخل الملك فؤاد الأول فى عملية التأريخ لجده الكبير وعملية الأرشفة أثرا على حركة الكتابة التاريخية فيما بعد، إذ تم اعتبار محمد على الكبير مؤسس مصر الحديثة.
كيف يصل خالد فهمى إلى صوت الجندى الغائب فى الوثائق التاريخية؟ كانت خطته تعتمد على أدوات كشفها مبكرا فى مقدمة الكتاب. إذ استعان أولا بالفيلسوف والمؤرخ الفرنسى ميشيل فوكو الذى لعب من قبل اللعبة نفسها مع التاريخ الأوروبى الحديث وتحديدا فى نقد مؤسسات الدولة الحديثة. لذا كانت المهمة واضحة أمام خالد فهمى فى نقده لمؤسسة الجيش وعلاقتها بالأفراد، كذلك استعان بمنهج «مجموعة دراسات التابع»، التى ركز مؤرخوها على دراسة من هم خارج النخبة السياسية، وهو منهج يصلح استخدامه فى حالتنا هنا مع جنود محمد على. تبقى قضية مهمة يطرحها خالد فهمى عن مدى وعى هؤلاء الجنود بفكرة الوطنية. بل فوق هذا يطرح سؤالا عن هل كان الباشا محمد على نفسه يؤسس جيشا وطنيا «مصريا» على اعتبار أنه يبنى دولة حديثة؟ هذه الفكرة الأخيرة كانت محركا لكثير من كتابات المؤرخين، الذين رأوا فى محمد على بانيا لمصر الحديثة مثل عبدالرحمن الرافعى الذى كتب فى كتابه «عصر محمد على» واصفا التجنيد فى الجيش بأنه «الدعامة الأولى التى شاد عليها كيان مصر المستقلة». لذا كان على خالد فهمى أن يشتبك مع هذه المسلمات التى راجت لعقود طويلة، أو حسب عبارة الدكتور شريف يونس ــ المترجم ــ فى مقدمته فإن «خالد فهمى يقوض جدرانا بأكملها من صرح النمط الوطنى السائد فى الكتابة التاريخية المصرية ومسلماتها». هذه الخطة تجعل لهذا الكتاب نوعا من الخصوصية، ورغم أن المؤلف يدرس أحوال جيش خاض حروبا ومعارك ضارية فإنه على القارئ ألا يتوقع قراءة مسلية عن فتوحات وانتصارات.. فالهدف هنا مختلف.

مواجهة مع الباشا
يشعر القارئ فى بعض الأوقات أن محمد على قد اقتطع مساحات كبيرة من الكتاب قد توازى حضور جنوده، ورغم أن العنوان الكبير هو: كل رجال الباشا، فإن خالد فهمى استهدف محمد على بقوة، لذا كان العنوان الفرعى للكتاب أكثر واقعية وهو: محمد على وجيشه وبناء مصر الحديثة. وفى مسيرة المؤلف يبدأ بنقد الأسباب التى صاغها المؤرخون أثناء تفسيرهم لحملات جيش محمد على العسكرية إلى الجزيرة العربية والسودان واليونان وسوريا، ويعرض من خلال الوثائق التى توصل إليها وجها آخر للعمليات العسكرية حين يروى قصة ضابط هارب من المعركة، مقارنا كيف تم عرض نفس القصة فى كتاب لمؤرخ عسكرى مثل عبدالرحمن زكى ذكر أن ذلك اللواء «تاه فى الضباب» وهى الرواية الوطنية، التى تصر دوما على الحفاظ على الكبرياء العسكرى للجيش المصرى. وبعيدا عن التأريخ للضباط والقادة يبحث خالد فهمى فى كتابه عن الجندى المهمش، بادئا بعرض البدايات الأولى لإلحاق المصريين بجيش الباشا، وذلك ما تكشفه رسالة من محمد على إلى مدير مديرية جرجا آنذاك عن رغبة الوالى فى تجنيد سكان محليين لتغطية مشاكل جنوده الأتراك فى السودان، لم تكن النية إنشاء «جيش وطنى» لتحقيق طموحات الوطن والاستقلال، لكنها كانت أسبابا أخرى. ويستمر خالد فهمى فى خطته بحثا عن الجندى فى زحام الأحداث، من خلال رصد العلاقة بين المؤسسة العسكرية والفرد، ليكشف عن «فرد» مقهور يتحول إلى رقم فى ملفات المؤسسة، لا يدرك دوره فى طموحات الباشا الكبير، يحاول الهرب والفرار من «الجهادية» حتى إن اضطر إلى تشويه جسده، أو تحمل المرض والقهر وهو مكره. هذه النقطة الأخيرة تغاضى عنها كثير من مؤرخى الوطنية الذين رأوا فى محمد على رمزا لمشروعهم الوطنى. ولا يكتفى الكاتب بذلك بل يضع محمد على فى إطاره العثمانى كوالٍ جاء إلى الحكم على غير رغبة كاملة من السلطنة، واستمر فى ولايته محاولا الحفاظ عليها مطيعا للسلطنة أحيانا، وعاصيا لها فى أحيان أخرى، متأثرا بنجم تلك المرحلة نابليون بونابرت ذى السمعة العسكرية الشهيرة. وبعد رحلة فى الوثائق يرى خالد فهمى أنه لم يكن من طموحات محمد على باشا فى يوم من الأيام أن يؤسس دولة مصرية حرة مستقلة، لكنه أراد حكما أسريا يرثه أبناؤه من بعده.
بعد الانتهاء من قراءة «كل رجال الباشا» قد تعلق فى الأذهان أمثلة ساقها الكاتب تضيء علامات استفهام فى رأس القارئ، حتى أن كان قد أجاب عنها الكتاب فى صفحاته، مثل تمسك محمد على بالتحدث بالتركية دون تعلم العربية حتى وفاته أو إبقائه على الجنود المصريين «أولاد العرب» فى درجة أقل من ضباطه المتحدثين بالتركية، أو عن شعور الجندى المصرى وهو يواجه عسكر السلطان العثمانى «المسلمين» فى المعركة، هل كان ذلك جهاد فى سبيل الله أم فى سبيل الباشا؟ لقد كانت الراية التى يحملها الجند أثناء مواجهات محمد على مع السلطان العثمانى كاشفة لحقيقة الموقف، لم تكن راية إسلامية، ولا ذات صبغة مصرية وطنية، كانت راية عليها شعار واحد.. هو اسم الباشا، محمد على.

Thursday, May 19, 2011

الريف يريد تغيير النظام

الحياد والاستقلالية أهم أدوات المرحلة
كتب - عبدالرحمن مصطفى









الخريطة السياسية فى قرية الماى (محافظة المنوفية)، كما يرى عماد سمير (33 سنة)، بدأت تتغير فى اتجاه غير معلوم، ولا أحد فى العاصمة يهتم بما يحدث فى الريف على حد قوله: «أتعجب من انكباب قوى المجتمع المدنى فى القاهرة على توعية شرائح لديها وعى سياسى بالأساس تاركين خلفهم الريف يصارع ماضيه السياسى». يلقى عبارته فى أحد الكافيهات الشهيرة بمدينة شبين الكوم (محافظة المنوفية) التى تبعد عن قريته «الماى» 4 كيلومترات تقريبا. ثم يضيف: «بحكم عملى فى الهيئة العامة للتأمين والمعاشات كنت أتعامل أحيانا مع البسطاء واكتشفت غياب الوعى بحقوقهم إلى حد كبير، كما اكتشفت وصول نسبة الأمية فى قريتى إلى الربع، وفى بداية هذا العام فكرت فى تأسيس جمعية تحت اسم (وعى) ذات طابع تنموى، لكن زياراتى إلى ميدان التحرير فى فترة الثورة كشفت لى أن التاريخ يصنع بشكل آخر، وتحول مشروع الجمعية إلى (رابطة وعى) بقرية الماى». يأمل عماد ورفاقه فى أن يكون لـ(وعى) دور فى تغيير ملامح العملية السياسية فى قريتهم. يخرج من حقيبته منشورا أعدته الرابطة تحت عنوان «اختار صح ...تعيش صح» مكتوبا بلغة عامية توضح مهام عضو البرلمان وأسس اختياره، ويقول عماد: «الهدف أن تصل الفكرة بشكل جذاب». فى نهاية المنشور فقرة تحتوى على هذه العبارة «مش دى بلدنا، وده حقنا؟ ولا هانستنى تانى لحد ما نجيب بإيدينا شوية بلاليص يقعدوا فى مجلس الشعب؟!».
فى الطريق إلى (الماى) يشرح طبيعة القوى السياسية هناك قائلا: «كانت أكبر قوة سياسية بيد الحزب الوطنى الديمقراطى المنحل، ثم من بعده الإخوان المسلمون.. أما أسس اختيار النائب فكانت تحددها أمور كثيرة.. على رأسها قدرة المرشح على التأثير على العائلات ذات القدرة التصويتية العالية». يقدر عدد سكان الماى حسب تقديرات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فى العام 2006 بـ 24 ألف نسمة، لكن تقديرات حديثة تعلو بالرقم من 45 إلى 60 ألف نسمة، وتقع قرية الماى ضمن دائرة البتانون الانتخابية، حيث يراهن كل مرشح برلمانى على اجتذاب أصوات الماى من أجل نيل كرسى البرلمان. وعلى عكس بعض قرى الريف الأخرى فإن الماى تختلف فى أنها لم تعش أجواء إقطاعية صاخبة قبل ثورة يوليو 52، وهو ما أوجد تقاربا بين مستوى العائلات هناك، وهو ما جعلها أيضا حالة نموذجية فى الفترة الناصرية حين أنشئت السينما والمسرح إكراما لقرية تكاد تكون خالية من الإقطاع. أما اليوم فقد تحول المسرح إلى «خرابة» تجتذب الشاردين.
على مقهى مجاور للمسرح القديم كان محمد عبدالسميع عبدالله ــ عضو اللجنة العامة لحزب الوفد بالمنوفية ــ ينتظر حسب الموعد.. ينتمى محمد إلى إحدى العائلات المؤثرة سياسيا فى القرية، إلا أن ذلك الأمر كان سببا فى غربته طوال السنوات الماضية، ويشرح ذلك قائلا: «عانى جيلى من الإحباط وعدم ممارسة السياسة فى الجامعة، وفى العام 2000 انضممت إلى حزب الوفد، لكن ذلك كان خارج سياق العائلة، إذ كان والدى على سبيل المثال عضوا فى الاتحاد الاشتراكى ثم من بعده عضوا فى الحزب الوطنى، وهكذا كانت ميول الكثير من العائلات». ينوى محمد عبدالسميع تأسيس مقر للوفد فى القرية مستندا إلى اختلاف الأجواء عن السابق، فبعد أن كان هناك استهجان لخروجه على الأغلبية، أصبحت اليوم هناك مساحة للنقاش وقبول الاختلاف بعد حل الحزب الوطنى. ويقول: «كان الأمر فى الماضى يصل إلى حد تدخل البعض فى طموحاتى السياسية تحت تأثير قوة الحزب الوطنى على العائلة وقتها.. وازداد الأمر حين انضممت إلى حزب الغد فى 2004 خصوصا حين قدت حملة أيمن نور الرئاسية فى 2005». حسب عبارته كان البعض فى القرية يعتبرونه «مجنونا» لتأييده مرشحا ضد مبارك. أما اليوم فبإمكانه إدارة حوار فى المناسبات الاجتماعية بصفته الوفدية بعد أن عاد إلى الوفد فى العام الماضى.
تلك الحالة الجديدة على القرية التى يستبشر بها محمد عبدالسميع وعماد سمير لايزال يصاحبها غموض قادم، خصوصا أن القواعد القديمة للعملية السياسية لم تتغير، وهناك شرائح كانت مؤيدة للحزب الوطنى ما زالت تتحسس الطريق، أحدهم على سبيل المثال هو فتحى مندور الذى كان أمينا للتنظيم عن الحزب الوطنى بالقرية، واليوم يتبرأ من ماضيه السياسى قائلا: «أنا نادم على مشاركتى فى يوم من الأيام داخل هذا الحزب... ربنا يسامحنى» .
ورغم تأكيده على أن الحزب قد كان بالفعل القوة الأولى داخل القرية فإن أغلب الأعضاء كانوا «يحملون كارنيه الحزب وليس لديهم أدنى انتماء له». وبحكم خبرته السياسية فى القرية يرى أن قواعد اللعبة السياسية لن تختلف كثيرا، ويشرح ذلك: «ربما يكون هناك 20% من الناخبين هم من سيختارون مرشحهم على أساس سليم، أما الباقون فستظل تحكمهم القواعد القديمة اعتمادا على علاقة المرشح بالعائلات، وما يقدمه من إنفاق على القرية.. بل أعتقد أن الإخوان المسلمين قادمون لأنهم أكثر قوة منظمة من العهد الماضى». اليوم ازداد عدد من ينوون ترشيح أنفسهم داخل القرية، وهناك من بدأ حملته مبكرا.. إذ تكفى نظرة حول المقهى الذى يجلس عليه عماد سمير ومحمد عبدالسميع لملاحظة تلك الدعاية من الآن. ينضم إلى الجلسة طالبا السنة النهائية فى كلية الهندسة أحمد عرفات وصديقه أحمد جمال. وكلاهما من زملاء عماد سمير فى رابطة «وعى» ذات الموقف السياسى الداعى للدولة المدنية، بمجرد مجيئهما استدعى الحديث عن الإخوان المسلمين فى القرية موقفا تعرضا له أثناء الاستفتاء الأخير، إذ وقع اشتباك طفيف فى مؤتمر نظمه الإخوان حول التعديلات الدستورية حين حاول المؤيديون لـ(لا) طرح وجهة نظرهم خوفا من تأثير الإخوان على الجماهير والزج بهم ناحية (نعم). يقول عماد سمير: «أحدهم وصفنا بأننا ثورة مضادة..رغم أننا كلنا شاركنا فى أحداث الثورة».

مدنية أم إسلامية؟
يمتاز نشاط التيار الإسلامى فى القرى بوجوده الملحوظ عبر النشاط الخدمى طوال العام، والتواصل الفعال مع الجماهير. لكن تظل هناك قواعد متشابكة داخل «الماى» لاختيار المرشح البرلمانى، منها أن يكون المرشح من أبناء القرية، وهنا قد يأتى الدعم الجماهيرى دون الاهتمام بفكرة الانتماء السياسى وهو ما أتى بعضو إخوانى فى انتخابات 2005 . ولدى طارق رجب ــ أحد إخوان قرية الماى ــ تعليقات حول مخاوف بعض المستقلين أو أنصار الوطنى القديم من ازدياد فرص الإخوان فى المستقبل إذ يقول: «ليس ذنب الإخوان أن فاعلياتهم تعمل طوال العام وليست فى المواسم الانتخابية فقط، أضف إلى هذا أن لدينا خطة عمل وحملات تثقيفية قادمة وأنشطة خدمية لقريتنا».
يزداد القلق لدى بعض الشرائح المثقفة فى القرية التى ازداد قلقها من تنامى قوة التيار الدينى وظهور عنف من بعض السلفيين فى المنوفية والقليوبية ضد الأضرحة الصوفية على سبيل المثال مؤخرا. وكلها تخوفات تزداد لدى شاب مثل عماد سمير الذى يسترجع كلمة لشيخ سلفى هو حازم شومان وصف الدولة المدنية فى إحدى خطبه بأنها: «يعنى أمك ما تلبسشى حجاب». لكن هذه التخوفات يراها طارق رجب المنتمى إلى الإخوان المسلمين أمرا مبالغا فيه قائلا: «ما الضرر أن تكون مرجعيتى دينية فى مقابل مرجعيته الماركسية أو الليبرالية!؟».يخرج أحمد عرفات، الشاب الذى لم يتجاوز 22 سنة، عن صمته طوال فترة جلوسه على المقهى كاشفا عن أنه ينتمى لأقلية نادرة من اليساريين فى قرية الماى، بل أنه عضو فى حزب التجمع من قبل الثورة. ويقول: «لا شك أنها غربة أن تكون ضمن أقلية فى مواجهة كتلة كبيرة مؤيدة للحزب الوطنى المنحل ووسط حضور للإخوان المسلمين». هنا.. يبتسم صديقه أحمد جمال الذى طالما عارضه فى انتمائه السياسى، لكن عرفات يكمل حديثه: «لا شك أن هناك صورة نمطية لليسارى فى القرية، مثل أنه شيوعى ضعيف الإيمان، خصوصا مع تحذيرات المشايخ على المنابر من الشيوعية طوال السنوات الماضية»، هذه الصورة رسمها أيضا ضعف الوجود الحزبى اليسارى فى القرية، وارتباط هذه الفئة بأجواء الثقافة وإخفاق بعضهم فى الوصول لكرسى المجلس مع سطوة الحزب الوطنى والتضييق الأمنى عليهم. أما الآن فحسبما يصف أحمد عرفات: «أصبحت لنا شرعية ــ كشباب ــ بعد نجاح الثورة، حتى فى التعامل مع عائلاتنا».
صخب الحديث عن المستقبل يشوش عليه صخب السيارات من حول المقهى ومقاطعة المارة للحديث، فى إحدى اللحظات الهادئة يقتنص أحمد جمال عضو رابطة «وعى» الفرصة لافتا إلى أمر خطير داخل القرية، ويقول: «أخطر ما قد نواجهه مستقبلا هو تفتيت الأصوات مع ازدياد عدد المرشحين وهو ما قد يأتى بعضو من الوجوه القديمة أيا كان انتماؤه وهو ما لا نرغب فيه.. كل طموحنا أن نرى وجها جديدا ندعمه، ويتبنى منطق المرحلة التى نعيشها». يصمت الجميع قليلا ثم يبدأ عماد سمير الأكبر سنا فى طرح مقترحات، مشيرا إلى تعاونه مع بعض القوى الشبيهة فى القاهرة مثل «رابطة الشباب التقدمى»، ويقول فى حماس: «نفكر فى صنع ملصقات تعتمد على الرسم لتوجيه رسائل إلى العامة عن أسس الاختيار السليم فى العملية الانتخابية».
العبارة لم تمنع أحمد جمال من العودة إلى نقطته الأولى مرة أخرى قائلا: «كل ما نخشاه هو أن نراهن كشباب مستقل على أحد المرشحين وندعمه ثم يخذلنا.. نحن مقدمون على مرحلة صعبة». على الرغم من أجواء القلق التى تسيطر على الجميع هنا فإن الجميع يترقب القادم على أمل تغيير ملامح العملية السياسية فى القرية.. أما عماد سمير فيختتم قائلا: «الريف هو البوابة الخلفية للسياسة فى مصر، فإن لم تحموا بوابة مصر الخلفية.. فعلى الدنيا السلام».







رحلة البحث عن المصري الجديد


يتابع محمود متعب المحاضرة بقلق على أمل الحصول على نتائج طيبة على المدى البعيد، يقول معلقا: "هذه هي المحاضرة الثانية لنا في بني سويف، والمرحلة القادمة من الحملة ستدار بأيدي أبناء بني سويف أنفسهم". محمود متعب هو أحد المتطوعين والمؤسسين في حملة الوعي السياسي التي اتخذت عنوان "مصري على باب الديمقراطية" حسب عنوان الحملة على شبكة فيسبوك الاجتماعية، أما تفاصيل هذا المشروع فتعتمد على إعطاء دورات سياسية على أيدي أكاديميين متخصصين ثم الاعتماد على المتدربين في نقل هذه المعرفة إلى شرائح اقل ثقافة في مجتمعاتهم، وذلك بعيدا عن توجيه الحضور أو فرض اختيارات سياسية عليهم. يكمل محمود شارحا: "التقيت بمجموعة من الشباب في ميدان التحرير وبدأنا هذا العمل بعد مناقشات حول الطريقة المثلى للحفاظ على مكتسبات الثورة، وكان هدفنا أيضا أن نصل إلى المحافظات خارج القاهرة، وحين تواصلنا مع كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، رحبوا بالفكرة.. وخرج مشروع المصري الجديد من مركز حوار الحضارات بالكلية ليتوجه إلى المحافظات خارج القاهرة". في داخل قاعة المحاضرة في الطابق الأخير من مستشفى بني سويف الجامعي كان الدكتور صالح الشيخ الأستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة يحاضر عن المفاهيم السياسية والدستور، ولم يخلو الأمر من قفشات أو تعليقات حماسية عند محاولة الربط بين ما يتلقاه المتدربين من معلومات وما هو على أرض الواقع، ويعتمد المشروع في تعامله مع الحضور على نظام (TOT) أو تدريب المدربين، إذ يراهن منظمو الحملة على أن يتصدى الشباب الحاضر إلى تدشين حملات توعية سياسية في مناطقهم داخل بني سويف. ومن المخطط أن يصدر عن كلية الاقتصاد والعلوم السياسية كتيبا يساعد المدرب فيما بعد أثناء تعامله مع الجمهور فيما بعد. في هذه الأثناء يتابع الدكتور ياسر دياب أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة كأحد المنظمين لهذا النشاط. ويقول: "بعد الثورة تواصلت مع بعض شباب بني سويف عبر الفيسبوك، وبدأنا لقاءاتنا على أرض الواقع، وفي نفس الوقت لفتت نظري حملة المصري الجديد وإمكانية نقلها إلى بني سويف.. وقد كان، وآمل أن تنجح مثل هذه الحملات في منع عودة الحياة السياسية إلى ما كانت عليه من فساد واختيار غير واع لأعضاء البرلمان". وبمجرد أن بدأت فترة الاستراحة بين جزأي المحاضرة، انشغل الجميع في أحاديث جانبية خارج قاعة المحاضرة تكشف عن التنوع السياسي والاجتماعي للشباب الحاضر بين من يعمل إماما لمسجد، وشاب ذو ميول قومية لا يخفيها، وثالث ليبرالي.. ويجمعهم طموح أن يمارسوا التوعية السياسية في محافظتهم ومواجهة مجتمعاتهم وخصوصيتها. في هذه المحاضرة حاول أحد الحاضرين بدافع الفضول عرض وجهة نظره من وجهة نظره كإسلامي، بينما شهدت المحاضرة السابقة نقاشا حول الانتماء إلى القبيلة (لذوي الأصول العربية) وكيف يجب ألا يتعارض مع الالتزام بأسس نزيهة عند اختيار عضو البرلمان. المهندس إسلام فتحي الناشط في مدينة بني سويف أحد هؤلاء الذين سيواجهون نظاما قديما ينتظر التغيير، ويقول: "الهدف أن أوصل للناس رسالة حول مهام عضو البرلمان وأسس اختياره وما هو الدستور وغير ذلك على أمل التغيير إلى الأفضل" . يصمت قليلا ثم يعلق باسما: "ليس لدي مشكلة في الانتقال بتوكتوك بين القرى للتنويه عن ندوة للتوعية السياسية". يشارك الدكتور ياسر دياب معلقا على حالة يراها في القرية التي تنتمي إليه جذوره في بني سويف، ويقول: "المشكلة أن ترى الناس في القرية بعد حل الحزب الوطني وزوال تأثيره، ما زالوا يديرون أحاديثهم فيما بينهم حيث لا تصل إليهم المعلومات الكافية.. الجميع في حاجة إلى التحاور مع غيره في هذه المرحلة.. لأن أكبر خطر أن يعود نفس المرشحين بنفس طريقتهم وكأن شيئا لم يكن". في ختام اليوم يبدأ عرض خطة المرحلة الثانية من المشروع وتعتمد على تكوين فريق عمل بالمحافظة واختيار متدربين ذوي المهارات العالية كي يكونوا مدربين في المرحلة التالية ثم عمل أنشطة تعتمد على دراية المتطوعين بمجتمعاتهم.. وما أن ينته يوم العمل حتى يكمل كل متدرب بقية يومه محتفظا بعنوان كبير هو شعار المرحلة القادمة في التوعية وهو "التوعية الحيادية" على أمل التأثير في الآخرين وإصلاح الحياة السياسية في محافظته.


مصير التوعية في متاهات السياسة


يرى الدكتور مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن التوعية السياسية في الريف لن تغير مزاجه الانتخابي ضد مرشحين قدامى أو لصالح مرشحين جدد، فحتى مع تغير ملامح الخريطة السياسية بعد سقوط الحزب الوطني سيظل المعيار الأساسي هو مصالح الناخب. هذا الرأي لا يختلف كثيرا عما يعتقده أحمد عبدالعليم المدرب في مجالي التنمية وحقوق الإنسان، إذ يقول: "ليس من المتوقع أن تتغير القواعد القديمة للعملية السياسية تماما.. على سبيل المثال فيمكن ملاحظة وجود نسبة كبيرة تريد بالفعل تغيير الواقع السياسي تماشيا مع حالة الثورة، لكن على جانب آخر نكتشف أن بعض أعضاء الحزب الوطني المنحل والوجوه البرلمانية القديمة تحاول ركوب الموجة والعودة من جديدة وهو ما لاحظناه في بعض المحافظات". ورغم هذا الترقب الذي يعيشه العاملون في مجال التدريب والتوعية إلا أن هناك بعض الملامح الجديدة لم تكن متواجدة من قبل، إذ يصف أحمد عبدالعليم الأجواء قبل الثورة بأنها كانت خانقة على بعض أنشطته، للدرجة التي كان يقلق المتدربون من موضوعات مثل أساليب الاحتجاج والمقاومة والضغط، خوفا من فكرة الاعتصام والمظاهرة وغيرهما. أما اليوم فيقول: "بعد تجربة في التدريب على التوعية بعد الثورة، لمست استعدادا وتسامحا من المتدربين للحديث عن أساليب الاحتجاج والضغط والمقاومة، في أجواء أقل حذرا من قبل.. لكن ما نحتاجه اليوم هو أساليب مبتكرة ومختلفة عن الفترة الماضية، بحيث نبتعد قليلا عن أداء المحاضرة والندوة". تلك الأجواء الجديدة على عالم التوعية السياسية أدت إلى نتائج جديدة لم تكن لتحدث من قبل مثل أن تقام ندوة للتوعية السياسية في جمعية خيرية مثل "رسالة"، وهو ما يؤكد معتزبالله محمد مدير الدعاية في الجمعية بأنه كان من الصعب حدوث ذلك في السابق، لكن الحدث فرض نفسه وعقدت أول ورشة توعية سياسية على يد معتزبالله نفسه قبيل الاستفتاء الأخير، ويقول:"كان الهدف مناقشة مفاهيم عامة عن الدستور وبعض المفاهيم السياسية، ولم يكن الهدف بأي حال توجيه الحاضرين لأن أغلبهم من الشباب الواعي، لكنهم يفتقدون الوعي السياسي تحديدا". وينوى معتزبالله نقل فكرة التوعية السياسية إلى فروع أخرى خارج القاهرة في الشرقية والمنصورة، وبعد أن كانت بعض الأقلام تتهم العمل الخيري بأنه مهرب من السياسة، بدأت السياسة في التواجد داخل مساحات أخرى، ويعلق معتزبالله قائلا: "لا أعتقد أن اهتمام الشباب بالسياسة سيؤثر على اهتمامهم بالعمل الخيري أو التطوعي.. فكلاهما مطلوب". وكانت دراسة صادرة عن مجلس الوزراء المصري قد أشارت في العام 2009 إلى أن نسبة الشباب المتطوع في العمل الخيري لا تتجاوز 3%. ويعود الدكتور مصطفى كامل السيد معلقا على إمكانية تغيير ملامح العملية السياسية في الريف قائلا: "كل ما نراهن عليه في المستقبل أن تؤثر حملات التوعية السياسية في تغيير نمط التصويت، وليس من المفترض أن يحدث تغييرا جذريا بسبب رواج الحس الثورة الحالي، ستظل هناك حسابات مؤثرة في العملية الانتخابية مثل الروابط العائلية، وكاريزما المرشح الانتخابي، والخدمات التي يقدمها.. فتقدم الحزب الوطني في السابق لم يكن سببه الانتماء والولاء للحزب بقدر ما كان بسبب تغليب المصالح إضافة إلى عامل التزوير". وحسبما يرى الدكتور مصطفى كامل السيد، فإن نضج الناخب ووعيه في لحظة الاختيار هو المكسب الحقيقي من عمليات التوعية لكنها يحدث على مدى بعيد.

Thursday, April 28, 2011

شباب بين القلق الثوري والرغبة في الاستقرار




العلاج فى المشاركة .. بدلا من مقاعد المتفرجين


على المقهى نفسه فى منطقة وسط البلد تقاسم مينا هانى ــ مهندس الشبكات ــ وصديقه ماجد بيومى ــ مهندس الإنشاءات ــ نشوة الحس الثورى طوال فترة اعتصام التحرير حتى انتهوا بإسقاط الرئيس السابق مبارك، أما اليوم فيجلسان فى حالة مختلفة يشرحها مينا هانى (27 سنة) قائلا: «أنا أحد من مروا بحالة من الانتكاس النفسى بعد أن عدنا من أحداث الثورة إلى مقاعد المتفرجين». أما صديقه ماجد بيومى (28 سنة) فيتعامل مع الموقف بمنطق آخر يشرحه قائلا: «بعد العودة إلى العمل ومع اضطراب الأحداث والغموض المحيط بكثير من القرارات السياسية شعرت بارتباك وإحساس بالعجز، خصوصا مع الالتقاء بمن ليس لديهم أى وعى سياسى أو اهتمام حقيقى بما يحدث حولهم، لكن هذا لم يفقدنى الأمل». القلق الذى مر به كلاهما مؤخرا يرجعانه إلى انسحابهما مع كثير من «شباب التحرير» من الأحداث بعد أن شاركوا فى صنعها، ثم ظهور أسماء أخرى خطفت المشهد العام مثل: «المجلس العسكرى»، «ائتلاف شباب الثورة»، «السلفيين»، «جماعة الإخوان»،.. وغيرهم. حالة القلق على ما أنجزه ثوار التحرير تضخمت حتى تحولت إلى تأرجح بين الشك واليقين حسبما يشرح مينا هانى قائلا: «فى الماضى كان اليقين بالنسبة إلينا أن الطائفية مصنوعة وليست من أخلاقيات الشعب المصرى، كان هناك من يؤمن أن النظام فاسد ويجب إسقاطه، لكن الآن مع استمرار بعض هذه المشاهد، خصوصا فى الحوادث الطائفية الأخيرة، اهتز اليقين داخل البعض بعد أن انكشف الناس أمام بعضهم البعض».
حالة الشك التى مر بها دفعته إلى الاعتكاف لفترة بعيدا عن أحداث مثل صعود التيار الدينى وخلافات فريقى نعم ولا فى الاستفتاء الأخير، مستعيدا ما ذكره الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل فى تحليله عن أن شباب الثورة أشبه برجل كان طموحه الصعود إلى القمر وحين وصل طلب كيلو كباب!. حالة الاهتزاز التى أصابت البعض تجد لها الدكتورة عزة حجازى ـ أستاذة علم النفس الاجتماعى بكلية البنات فى جامعة عين شمس ـ تفسيرا إذ تقول: «ليس من الغريب أن يصاب الفرد باكتئاب بسبب حالة التأرجح بين الأجواء الحالمة الرومانسية التى عاشها كثيرون فى الثورة وتحقيقهم لنصر غير متوقع، ثم تعرضهم لمجهول وغموض لم يعرفوا التعامل معه، وهنا يجب أن نلاحظ أن البعض لديه نفسية هشة خاصة بعد الثورة وكأنه فى حالة نقاهة، لذا لا يحتمل ما يحدث من ارتباك وتصبح حساسيته شديدة تجاه كل ما قد يفسد ما أنجزه». وترى الدكتورة عزة حجازى أن الفئة العمرية التى تنتمى للعشرينيات ومنتصف الثلاثينيات قد عانت طويلا من تغييبها وتكريس إحساسها بالانفصال، لذا فإن هذه المشاركة المفاجئة تحتاج إلى دعم.
يعبر ماجد بيومى هو الآخر عن حالة جيله قائلا: «جيلنا الذى شارك فى هذه الأحداث ندم على تفاهة حياته فى التعليم المعتمد على الدروس الخصوصية والمخدرات والتفكير فى هوامش الحياة، يوم 25 يناير كان فرصة للهروب من كل هذا». يصمت قليلا ثم يضيف: «فى العام 2006 تصادف أن وجدت أغلب الكتب التى أريد شراءها ممنوعة من الأسواق، فى ذلك الوقت أصابتنى الحيرة والإحباط، ما أخشاه أن نعود إلى هذه الأيام مع صعود التيار الدينى والحكم العسكرى»، على الرغم من هذا الرأى فإنه مصر على أهمية دوره كفرد فى توعية من حوله دون استسلام. يتوقف عن حديثه فى حين كانت هناك مجموعة مجاورة صاخبة تعقد اجتماعا سياسيا على المقهى، يستفز المشهد مينا الذى يعلق قائلا: «أحد أسباب القلق هو هذا المشهد.. وأجواء وسط البلد.. حيث الاجتماعات واللغو والصخب دون منتج حقيقى، ما أخشاه أن نعود إلى سفسطة الماضى وأن تسرق الثورة من التيارات الدينية، وهؤلاء لن يمكن لمسيحى مثلى على سبيل المثال أن يتحاور معهم، فبعضهم لا يعترف بوجودى بالأساس». رغم تسلسل الأحداث تعود بارقة الأمل لدى كثيرين فى عودة تأثير ميدان التحرير، أما الدكتورة عزة حجازى فترى الحل فى المشاركة السياسية من خلال مجموعات، وتقول: «للتخلص من هذا القلق لابد من الانخراط فى مجموعات عمل إن كانت هناك رغبة حقيقية فى المشاركة، على أن يكون العمل ضمن مجموعة متجانسة ومتفهمة للبيئة التى ستتوجه إليها، على سبيل المثال يجب أن يراعى من يوجه رسالته إلى الآخرين ثقافتهم واختلافهم.. ولا حل للتغلب على أى حالة إحباط طارئة سوى مزيد من الإصرار ثم الإصرار وعدم الاستسلام حتى لا تضيع منجزات الثورة».


الباحثون عن الاستقرار فى ذكرى نظام سابق


ما زال هناك من تحركه عبارات التخويف, التى ذكرها الرئيس السابق مبارك فى خطابه الشهير مساء جمعة الغضب 28/2 حين قال: «إن ما حدث خلال هذه التظاهرات يتجاوز ما حدث من نهب وفوضى وحرائق لمخطط أبعد من ذلك لزعزعة الاستقرار والانقضاض على الشرعية». رامى مدحت ــ يعمل محاسبا بإحدى الشركات الخاصة ــ أحد المؤمنين بحكمة الرئيس السابق، إذ يقول: «انتهى الاستقرار منذ أن جرت الأحداث الأخيرة، مثلما توقع الرئيس مبارك، وللأسف لا يوجد من يعمل على استعادة الاستقرار». يستخدم رامى لفظ الرئيس عند الحديث عن الرئيس المخلوع، ويؤكد أنه ليس عضوا فى أى حركة داعمة لمبارك أو عضوا فى الحزب الوطنى، ويوضح: «الأحداث الماضية ــ يقصد الثورة ــ لم تأت بجديد، الإصلاح كان قادما فى عهد مبارك وكان سيقضى على الفساد مع الضغط الشعبى». يبدو رامى منفصلا فى حديثه عن المجتمع وقلقه الحالى على منجزات الثورة، إذ يبدو متعلقا بالرئيس السابق مبارك والفريق أحمد شفيق مظهرا العداء للثورة، ويقول: «لا أعلن هذا فى كل المواقف، لكن ما أؤكده أن هناك كثيرين مثلى».. لا يملك رامى دليلا على كثرة من يتفقون معه فى وجهة نظره، لكن زيارة إلى صفحات من نوعية «ائتلاف صفحات مؤيدى مبارك» على شبكة فيس بوك الاجتماعية تكشف عن آخرين مثل رامى قد اختاروا التعبير عن أنفسهم فى فضاء الإنترنت والدخول فى حروب ومواجهات مع الآخرين من منطلق الدفاع عن ذكرى مبارك. وفى صفحة «أنا آسف يا ريس»، التى نالت كما لا بأس به من السخرية على الفيس بوك يقارب عدد الأعضاء 80 ألف عضو، بعضهم شارك بدافع الفضول للتعرف على أنصار مبارك وأهدافهم، وداخل هذه المجموعات هناك من يؤيد فكرة الاستقرار لكنه «ضد مبارك الذى نهب مصر»، وهناك من يتحدث عن النهوض بالاقتصاد بعدما حدث فى الشهرين الأخيرين. لكن تظل السيطرة لأنصار مبارك وكل من يظهر العداء «لبتوع الثورة».. أما الأمر بالنسبة لشاب مثل رامى مدحت الذى لم يتجاوز الرابعة والعشرين، ولم يشارك فى أى حدث عام فيجد فى لفظ الاستقرار حجة تأييد لمبارك أو الفريق أحمد شفيق والندم على ما فعله الثوار، إذ يقول: «النظام الذى سقط كان حاجزا بيننا وبين الإخوان والسلفيين والخونة الذين ظهروا لركوب الموجة.. أنا ضد الفوضى». الحدة التى يظهرها أحيانا فى حديثه عبـَّر عنها البعض فى صفحات على الفيس بوك كانت أقرب لصفحات تشهير مثل «صفحة وائل غنيم عميل وبالدليل»، وليست مفاجأة أن تلك الصفحة قد أسسها نفس الشخص الذى أسس صفحة «الفريق احمد شفيق رئيسا للجمهورية 2011»، وهو الشاب أحمد سبايدر مغنى الراب الذى أعلن على الصفحة فخره بأنه بدأ فى النزول إلى الشارع فى حملات توعية سلوكية، لكن شاب آخر وهو أحمد جمال ــ منسق ائتلاف شباب الاستقرار ــ قد اختار أن ينزل إلى الشارع مؤيدا لمبارك فى مرة، وفى مرة أخرى مؤيدا للفريق أحمد شفيق، نافيا هو الآخر انتماءه إلى الحزب الوطنى. يقول: «الإعلام بيصورنا على إننا بلطجية رغم إننا انضربنا فى الشارع». لا يخفى غضبه أثناء حديثه مطلقا عبارات من نوعية: «عصام شرف رئيس وزراء بتوع التحرير»، «عمرى ما هسلم نفسى لناس زى 6 أبريل أو بتوع التحرير»، «دول مش عايزين استقرار.. دى مؤامرة على مصر».

هذا الغضب الذى يظهره مؤيدو النظام القديم تحت حجة الاستقرار، ليس افتعالا بقدر ما هو نتيجة الضغط الذى يتعرضون له والنبذ أحيانا فى العمل أو فى الحى مثلما أوضح عدد منهم، وهناك من نشر تعبير «متلازمة ستكهولوم» فى إشارة إلى حالة نفسية شهيرة يرتبط فيها الضحية بالجلاد، وانتشر التعبير فى مقالات على الإنترنت، وتم الربط بين هذه الحالة النفسية وأنصار النظام السابق. وكان أول من أشار إلى هذا التعبير واستخدمه فى وصف المتعلقين بنظام مبارك هو الكاتب علاء الأسوانى، فى عام 2009. وما زالت محاولات أنصار مبارك وأحمد شفيق مستمرة، أما العنوان الكبير المستخدم لخدمة قضيتهم فهو «الاستقرار». أما أحمد جمال ــ منسق ائتلاف شباب الاستقرار ـ فلا يقلق من حبس مبارك أو البلاغات التى قدمت فى السابق ضد الفريق أحمد شفيق، أما عن وجود بدائل أخرى لديه يرضاها فأجاب: «إذا أردنا إشاعة مناخ الاستقرار فى مصر فليس هناك حل سوى أمرين إما حكم رجال الدين مثل الشيخ محمد حسان أو محمد حسين يعقوب أو الحكم العسكرى لأحد رجال القوات المسلحة.. هذا الحل الوحيد لتحقيق الاستقرار والقضاء على حالة الجرأة على الحاكم، التى حدثت لأول مرة بهذا الشكل».
PDF

Sunday, April 24, 2011

سلفيون فى زمن الثورة


الاختلاف حول المشاركة السياسية

كتب - عبدالرحمن مصطفى
«يجب علينا الآن يا إخوانى أن نتحرك.. البلد يُصنع من جديد ونحن سلبيون.. نحن لم نصنع الحدث، وأعرضنا حتى عن المشاركة فى الحدث. أى فقه هذا.. وأى فهم هذا؟!». لم يكن الشيخ محمد حسان ــ أحد أبرز شيوخ السلفية ــ بهذا الحماس قبل سنوات قليلة، هذه الكلمات الثائرة التى أطلقها قبل أسابيع هى الأكثر تعبيرا عن تحول شريحة من السلفيين فى مصر نحو المشاركة فى العمل السياسى، وقبل ثورة 25 يناير كان غاية طموح بعض الشباب السلفى أن يسمع مثل هذه العبارات من شيخه كى يندمج فى العمل السياسى.. محمد سمير (24 سنة) الطالب بكلية الهندسة فى جامعة حلوان كان أحد هؤلاء الشباب القليلين الذين اختبروا العمل السياسى ــ كناشط فى حزب العمل ــ مخالفا الاتجاه العام لدى السلفيين فى الابتعاد عن السياسة والمظاهرات والتركيز على الدعوة والعلم الشرعى والعمل الخيرى. يعلق قائلا: «فى تلك الفترة كان الشاب الملتزم أحيانا ما يجد فى المظاهرات ما لا يرضيه من هتافات تحتوى على سب، كما أن بعض الملتزمين كانوا يرفضون فكرة الوقوف بجانب شخص شيوعى أو ليبرالى مناهض للإسلاميين، كل ذلك كان يدفع إلى الانسحاب، خاصة مع دعوات مشايخ السلفية التى تحذر من المشاركة السياسية». ومع التحول الذى أصاب مصر عقب الثورة وتبدل مواقف بعض مشايخ التيار السلفى فى مصر، وجد محمد سمير وزملاؤه فرصة فى إنجاز ما لم يكونوا يطمحوا إليه من قبل، وهو تأسيس حزب سياسى، وأطلقوا على حزبهم بشكل مؤقت «حزب صحوة التحرير»، وحسبما حدد محمد سمير وزملاؤه الذين شاركوا فى الثورة فإن الهدف من الحزب هو: «إقامة دولة عصرية متطورة فى إطار المشروع الحضارى الإسلامى»، مستغلين انسحاب جزء من الميراث السلفى المعادى للحياة الحزبية والعمل السياسى. بل وأعلن مشايخهم عن قبول فكرة تأسيس حزب سياسى يضم السلفيين. هذه التطورات على الساحة السياسية صاحبها ظهور أكثر جرأة على موقع مثل شبكة فيس بوك الاجتماعية فى مجموعات سلفية مثل: «إعفاء اللحية فى النيابة والجيش والشرطة المصرية لإحياء السنة النبوية». وهى مجموعات لم تكن ليظهر بعضها أثناء حكم النظام السابق، وأصبحت مشاهد مؤتمرات السلفية ذات الكثافة العددية ضيفة على مواقع جديدة مثل تويتر وفيس بوك بسبب صعود «الظاهرة السلفية» بشكل كبير. أما عند البحث فى هذه الحلقات والدروس والندوات المتاحة على الإنترنت فقد كان الأداء قبل 25 يناير يتجنب الدخول فى تفاصيل الأحداث السياسية داخل مصر، بينما كان الاتجاه العام نحو قضية إصلاح الفرد، وهو ما صنع حالة من الارتباك عند وقوع حدث بقوة أحداث 25 يناير، فحسب دراسة صدرت مؤخرا عن المركز العربى للدراسات الإنسانية فإن هذا التحول فى الموقف السياسى صاحبه ارتباك مع بداية أحداث الثورة وتناقضات فى إعلان التأييد من بعض الشيوخ ذوى الحضور والمكانة، كما أشارت الدراسة إلى افتقار المواقف السلفية منذ بدء أحداث الثورة إلى الرؤية السياسية والاستراتيجية للأحداث.
هذا التحول المفاجئ دفع البعض إلى التمسك بما اعتاده طوال السنوات الماضية، رافضا أن تكون الثورة سببا فى تغيير عقائده وأفكاره حتى مع تغيير بعض المشايخ لمواقفهم من السياسة.. أبوعبدالرحمن أحد هؤلاء، اختار أن يعلن فى صفحته على شبكة فيس بوك الاجتماعية هذه العبارة «من السياسة ترك السياسة»، إذ اختار الدعوة وطلب العلم الشرعى والبقاء كما كان الحال قبل الثورة، يوضح موقفه قائلا: «هذا دين.. عندما نقول إنه ليست هناك مشاركة سياسية لسبب من الأسباب فلا يتغير رأينا بمجرد تغير الأحداث». ينشط أبوعبدالرحمن ــ مثلما اختار كنيته على الإنترنت ــ فى عدة منتديات سلفية ذات نفس الطابع الدعوى الذى لا يشتبك مع السياسة إلا من باب التعليق على الأحداث، لكن له آراء أخرى فى أسباب رفض النظام السياسى الحالى أو الاندماج فيه موضحا: «عندما نقول لا مشاركة فى أثناء وجود الرئيس السابق فلا شىء تغير بعد رحيله، مثل عدم تغير قانون الانتخابات، على سبيل المثال: هل أصبح صوت الرجل بصوت امرأتين أم ما زال الصوت يقابله صوت؟ هل أصبح أهل الحل والمشورة فى كل الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها هم أهل الرأى والمشورة أم يتساوى الجاهل مع العالم؟» وفى نهاية حديثه يختم قائلا: «أنا لم أشارك ولن أشارك فى أى انتخابات أو استفتاءات مقبلة إلى حين تغير الأوضاع». هذا الملمح الذى قدمه أبوعبدالرحمن يعبر عن شريحة لم تتواءم مع التطورات التى تحدث داخل المجتمع السلفى واجتهادات بعض المشايخ بعد الثورة، لذا ظل متمسكا بمواقف قديمة وآراء دينية غير رائجة فى المشاركة السياسية.

التشدد درجات
ورغم هذه الهبة نحو السياسة من جانب شريحة من السلفيين، فإن السياسة نفسها ما زالت مصدر قلق لدى البعض وهو ما عبر عنه بعض المشايخ مؤخرا فى عبارات مقتضبة مثل الشيخ أحمد النقيب فى أحد دروسه قائلا: «لا نريد أن ننشغل عن الدعوة». وتستمد هذه المواقف جذورها من جذور الحركة السلفية نفسها، منذ أن رسمت صورة «السنى» فى المجتمع المصرى والتزامه الدينى متزامنا مع تأسيس «الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية» فى عام 1912 وكذلك مع ظهور جمعية «أنصار السنة المحمدية» فى العام 1926، ثم انتشار تعبير «جامع السنية» على المساجد الحاضنة لأتباع هذا المنهج. وفى منتصف السبعينيات أنشأ مجموعة من قادة الحركة الطلابية الإسلامية «المدرسة السلفية» التى انكبت على تقديم العلم مع العمل الحركى والجماهيرى فى مدينة الإسكندرية وعرفت فيما بعد بالدعوة السلفية، كما ظهر فى الثمانينيات مجموعة عرفت بالسلفية الحركية، ورغم التباين النسبى بين مشايخ السلفية فإن لفظ «السلفى» هو ما يوحد الجميع رغم تحفظ بعض «الملتزمين» دينيا على استخدامه واعتباره قيدا وتصنيفا لا يحبونه. وفى زحام هذا التيار الواسع تختلف درجة التشدد بين شاب يرفض الحديث للصحافة لأنها تنشر صور فنانات عاريات، وسلفى آخر يرتدى الجينز ويرتاد المقاهى ويلقى النكات، وكلاهما قد يلتقى فى مسجد واحد وقت الصلاة، وقد تجمع كثير منهم مواقف مثل المشاركة فى الاستفتاء الأخير على الدستور والتصويت بنعم خوفا من أن تكون (لا) فرصة لإلغاء المادة الثانية من الدستور الخاصة بالشريعة الإسلامية، أما صورة «الناشط السلفى» فهى الشريحة الجديدة التى لم تظهر بعد بقوة فى انتظار إعلان حزب سياسى يضم الشباب السلفى، خاصة من شاركوا فى أحداث الثورة. يقول محمد سمير المشارك فى مبادرة الحشد لتأسيس حزب يضم السلفيين: «ما أعلمه الآن أن هناك زملاء لنا فى الجامعة يتجهون لتأسيس أسر جامعية تقدم الدعوة السلفية، وما من شك أن مشاركة الشباب السلفى فى الثورة كجزء من الشباب المصرى قد أسهمت فى تطوير مواقف المشايخ، لقد قررنا المشاركة منذ البداية، ولم نلتفت لمن اتخذ موقفا ضد الثورة، وقدر الله أن كان معنا مشايخ مؤيدون لنا».
لا يخفى محمد سمير الحرج الذى يتفاداه بعض المشايخ الآن فى الفصل بين مرجعيتهم للحزب القادم ــ أيا كان اسمه ــ وبين المواقف السياسية التى سيتخذها (السياسيون السلفيون) فى المستقبل، كما لا يخفى موقفه الذى أصبح أكثر وضوحا الآن مستعيرا عبارة من أحد شيوخ السلفية تقول: «زاحموا العلمانيين فى كل مواقع اتخاذ القرار».. هكذا تتحرك شرائح كبيرة من السلفيين الآن.


● ينسب لفظ «السلفية» إلى «السلف الصالح» من المسلمين الأوائل، ويعتمد المنهج السلفى على اتباع السلف الصالح، وقد علت موجات النهج السلفى على أيدى كثير من العلماء من أبرزهم ابن تيمية فى القرن 7هـ، إذ يتصدى علماؤه لفكرة تطهير العقيدة من البدع والشرك والخرافة.
● الوهابية: هى إحدى المراحل المهمة فى التأريخ للسلفية إذ تنسب إلى الشيخ محمد بن عبدالوهاب فى نجد أثناء القرن 18م، الذى تبنى حركة إصلاحية تضامن معها آل سعود فى الجزيرة العربية للعودة بالمسلمين إلى مظاهر التدين الأولى، وكان له أتباع فى أقطار كثيرة ــ منها مصر ــ تبنوا دعوته السلفية.
● السلفية فى مصر: ظهرت الدعوات لإحياء النهج السلفى تحت ضغط الاحتلال البريطانى، وإلى جانب تيار التجديد الإصلاحى الذى تبناه شيوخ مثل الإمام محمد عبده، فإن هناك تيارا آخر نما فى بدايات القرن الماضى كان اللبنة الأولى للتيار السلفى الحديث فى مصر، وخاصة بعد تأسيس الجمعية الشرعية رسميا فى العام 1912 وأطلق على أعضائها «أهل السنة» أو «السنية»، ثم من بعدها جماعة أنصار السنة المحمدية فى العام 1926 ورغم أن دعوة الإمام حسن البنا فى جماعة الإخوان المسلمين قد جاءت فى هذا السياق فى إعلانها الأول أنها (دعوة سلفية وطريقة سنية) إلا أن تطور الأحداث فصلها اليوم عن التيار السلفى التقليدى، وعادت السلفية إلى المشهد فى سبعينيات القرن الماضى، ممثلة فى تيار جهادى تأثر بأفكار الأديب والمفكر المصرى سيد قطب وغيره من المنظرِّين، الذين تجرأوا على فكرة التكفير، إلا أن تيارا آخر ظهر من داخل التيار الإسلامى فى جامعة الإسكندرية فى السبعينيات كان أكثر توازنا وانكب على التفقه فى العلم الشرعى وتحول قادته اليوم إلى أبرز مشايخ السلفية وهم من ينتمون إلى «الدعوة السلفية».

Wednesday, March 30, 2011

الإعلام الجديد بعد الثورة .. اشتباك مع واقع مختلف



حين وجه الإعلامى الأمريكى وولف بليتزر سؤاله إلى الناشط المصرى وائل غنيم قائلا: «ماذا بعد تونس ومصر ؟!»، كانت الإجابة تلقائيا: «اسأل الفيس بوك». ثم أضاف غنيم: «أتمنى فى يوم من الأيام أن ألتقى مارك زوكربيرج ــ مؤسس شبكة فيسبوك الاجتماعية ــ كى أشكره بشدة». هذا الحوار جرى بعد ساعات من إعلان الرئيس السابق مبارك تخليه عن السلطة، لتظهر بعدها أسئلة أخرى عن دور الإعلام الجديد فى ثورة 25 يناير وكيف غيرت الثورة ملامح مواقع مثل (فيس بوك، تويتر، المدونات) لدى المستخدمين المصريين.

قبل 25 يناير لم يكن من الرائج وجود تعليق على شبكة الإنترنت موجها إلى القوات المسلحة المصرية من نوعية: «إيه البطء الممل ده؟.. كده أتوقع ثورة أخرى لإنقاذ الثورة»، هذا التعليق ليس سوى واحد من آلاف التعليقات التى تتلقاها صفحة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على شبكة فيس بوك، ولم يعد أمام القوات المسلحة إلا الرضوخ لقواعد الإنترنت الحرة والصبر على التعليقات الغاضبة، فى السنوات الماضية كان حضور القوات المسلحة المصرية منحصرا على موقع بسيط باللغة الإنجليزية، وبعض فيديوهات الصاعقة المنتشرة على الإنترنت.. لم يعد غريبا الآن أن يكتب أحدهم على صفحة مجلس الوزراء على الفيس بوك تعليقا مثل: «لازم تبينوا كرامة عشان صورتكم تبقى حلوة أمام الشعب العظيم»، إذ تمر التعليقات ويتم التعامل معها بصبر، على عكس القطيعة، التى كانت بين الجهات الحكومية والشباب على الإنترنت فى السنوات الماضية. يرى الدكتور محمود خليل ــ أستاذ الصحافة بكلية الإعلام فى جامعة القاهرة ــ أن النظام الماضى كان يتعامل بقدر كبير من الجهل بأدوات الإعلام الجديد على الانترنت، ويعلق قائلا: «كان هناك نوع من الجهل بمفاهيم سياسية حديثة نتجت عن التقاء عالم الإنترنت والسياسة مثل مفهوم الديمقراطية الإلكترونية، بل كان يتم تهميش المجموعات السياسية، التى وجدت لها مساحة فى فضاء الإنترنت». هذه الخطوة من الجهات الحكومية للوجود فى مواقع على الإنترنت ذات سمعة «شبابية» أصابها بعض الارتباك إذ أصدرت نفس هذه الجهات (المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ورئاسة مجلس الوزراء) توضيحات تؤكد على وجود صفحات أخرى شبيهة (غير رسمية) يجب الحذر فى التعامل معها. هذا الارتباك داخل مواقع التدوين والشبكات الاجتماعية رسم ملامح جديدة لهذه المواقع، فبعدما كانت الأضواء مسلطة على شباب لمعوا من خلال الانترنت بسبب نشاطهم السياسى أو بسبب كتاباتهم فى مدوناتهم على مدار السنوات الماضية، أصبحت هناك قواعد جديدة ناتجة عن التعطش لمقال رصين لشاب من شباب التحرير، ولم يعد اسم الكاتب أهم من المضمون السياسى داخل شبكة مثل الفيس بوك، بل ظهرت مفاجآت أخرى لفئات ظهرت بشكل مختلف تماما مثل الشرطة التى أصبح هناك من يمثلها فى ثوب إصلاحى مثل «ضباط ضد الفساد» أو «ضباط شرطة ضد الفساد». وبعد صعود شريحة السلفيين على الساحة السياسية مؤخرا، بدأت حالة من الوجود السلفى فى مواقع لم يكونوا عليها بالكثافة نفسها مثل شبكة فيسبوك الاجتماعية. يحذر الناشط الحقوقى والمدون ــ علاء عبدالفتاح ــ من خداع الفيس بوك لمستخدميه قائلا: «فى النهاية أنت ترى ما يتم تبادله بين دائرة أصدقائك على الموقع من مقالات وفيديوهات، وليس بالضرورة أن يعبر عن ظاهرة حقيقية شاملة لدى مستخدمى الفيس بوك.. فعلى سبيل المثال كانت فترة اعتصام التحرير فرصة للتعرف على شباب سلفى هناك، وبعضهم أضاف أصدقاء جددا فى الفيس بوك، وبالتالى انضم إلى دوائر أخرى جديدة بعيدا عن التجمعات السلفية التقليدية على الإنترنت، لكن هذا لا يمثل ظاهرة حقيقية، خاصة أن أغلبهم من مستوى ثقافى معين». يرى علاء عبدالفتاح أن طبيعة التجمعات السلفية على الإنترنت ذات طابع خاص مرتبط بمرجعية الشيخ وقائمة على التحزب والتحفظ لحماية العقيدة، وهو ما يناسب المنتديات الإلكترونية، حيث الرقابة الصارمة، مما يؤكد فكرته حول عدم وجود هجرة حقيقية للسلفيين نحو أدوات الإعلام الجديد.


ملامح أخرى

من ضمن الملامح الجديدة لعالم الإعلام الجديد هو ظهور وجوه قديمة بشكل جديد، مثل الفنانين والإعلاميين حين يتحول إلى مادة للتندر ــ الفنانة عفاف شعيب نموذجا ــ بسبب تصريحات أدلى بها أثناء الثورة، أو أن يتم تبادل مقالات كتبها سيناريست ومخرج مثل محمد دياب على شبكة الفيس بوك فى موقف لم يكن ليحدث لولا موقفه الداعم للثورة. يتوقع الدكتور محمود خليل ــ أستاذ الإعلام ــ فى الفترة المقبلة أن ينعكس الواقع السياسى بشدة على الإعلام الجديد، إذ يقول: «أصبحنا نسأل الآن هل أنت مع النظام القديم أم الجديد..؟ مع الاستقرار أم التغيير؟ هذه الروح ستنعكس على الإعلام الجديد، أتوقع أن يحدث ما نسميه بتفكيك الحشد، خاصة أننا مقدمون على مرحلة ستدخل إليها قوى سياسية جديدة فى حاجة إلى أدوات إعلامية رخيصة توافرها الإنترنت». هذا الزحام أحيانا ما يصاحبه تضارب فى المعلومات، وهو ما حدث مع صفحات كبرى على شبكة فيس بوك وموقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة، كانت لها مصداقية عالية أثناء فاعليات الثورة مثل شبكة رصد الإخبارية، التى تعرضت للتشكيك بعد بثها أخبارا عن وقوع حوادث فى مواقع محددة، ونفى أعضاء الصفحة حدوثها، كما اتهمها آخرون بأن وراء الصفحة مصالح إخوانية، وهو ما اضطرها إلى الإعلان عن هوية مديريها وأماكن وجودهم ومهنة كل واحد منهم من أجل استعادة مصداقيتها.

هذه الأجواء القلقة تزداد مع الحوادث الكبرى أيضا، مثلما حدث مع موجة الهوس بتسريبات وثائق جهاز أمن الدولة السابق بعد اقتحام مقاره وظهور عدة صفحات تعرض بعض هذه الوثائق.. لكن عدم القدرة على التأكد من صحة الوثائق ومصدرها الحقيقى دفع البعض إلى التشكك فى صحة بعضها، بينما واجه آخرون ذلك بالسخرية، إذ زيّف أحدهم وثيقة تثبت أن مصر اختارت «شيبسى» بطعم الملوخية وليس الجمبرى فى إشارة إلى الإعلان الشهير، وذلك لمجرد التأكيد على إمكانية تزييف أى وثيقة على الإنترنت ونسبها إلى أى جهة. يقول الدكتور محمود خليل: «ما زلنا فى البداية وفى ضوء أننا بلد ما زال لم يصك قانونا لتداول المعلومات سنظل نعمل بعيدا عن الاحترافية»، ويزيد غياب الاحترافية حسب رأى الدكتور محمود خليل بسبب طبيعة أدوات الإعلام الجديد نفسها وصعوبة السيطرة على انتشار المعلومة أو مراجعتها بسهولة. ويرى علاء عبدالفتاح أن خطورة انتشار معلومات مغلوطة على شبكة الفيس بوك ــ تحديدا ــ هو أنها تصل إلى العضو عن طريق شبكة علاقاته مما يعطيها بعض المصداقية خاصة مع تكرارها على عكس المدونات قديما حين كان المجال مفتوحا للمراجعة من الزوار والمدونين الآخرين، ويقول: «فى الجزء الأول من أحداث الثورة كنت خارج مصر ورأيت كيف أن بعض المصريين فى الخارج قد ساهموا فى نشر بعض الشائعات مثل الهجوم على مدينة الرحاب من البلطجية، ووصل الخبر إلى مصر وانتشر رغم عدم مصداقيته، وهذه الحالة من الشائعات لم تظهر فى السنوات الأخيرة بهذا الشكل سوى وقت صراع مصر والجزائر حين تم بث كليبات مزيفة من البلدين للتحريض على الكراهية».

بعيدا عن هذه الأجواء القلقة يستعير البعض اللمحة الفكاهية، التى ارتبطت بثورة 25 يناير فى صفحات على الفيس بوك يسخرون فيها على كل تطور يطرأ على الأحداث، إحدى هذه الصفحات انطلقت من خلفية حضور البلطجية فى الأحداث مؤخرا، ودشن مؤسسوها «الصفحة الرسمية للبلطجية فى مصر»، وأصبحت مهمة أكثر من 30 ألف عضو هى تقمص شخصية البلطجى والتهكم على ما يدور حولهم من أحداث تخفيفا لقلقهم، يمر أحد الأعضاء قائلا: «عايز أسأل سؤالا.. الناس اللى مشتركة هنا مكتفية بالهزار والضحك ومش بتشارك فى أى خطوة من خطوات إصلاح البلد؟» فيأتى الرد من مدير الصفحة: «إحنا بنتكلم جد جدا بس بأسلوب ساخر، اتكلمنا عن التعديلات الدستورية، اتكلمنا عن اللى بيحصل فى الإعلام، واتكلمنا عن الطائفية». بعض أعضاء الصفحة لهم اهتمامات سياسية حقيقية لكنهم يتابعون الصفحة وصفحات أخرى شبيهة كجزء من المشهد، الذى فرضته ثورة 25 يناير على الإنترنت والإعلام الجديد.

Saturday, March 26, 2011

أحزاب 25 يناير: لا للحزب الوطنى ولا للمشاهير

من ميدان التحرير إلى ميدان السياسة
كتب - عبدالرحمن مصطفى

لم يعتقد سيد حسن فى يوم من الأيام أنه سيقتحم عالم السياسة ويتحول فى أسابيع قليلة إلى وكيل مؤسسى حزب سياسى جديد، ما أصابه هو نفس ما أصاب آخرين شاركوا بالحماسة نفسها فى أحداث ثورة 25 يناير، وأرادوا استكمال مشوارهم عبر حزب سياسى، يقول سيد حسن وكيل مؤسسى حزب ثورة يناير: «قبل تنحى الرئيس بيوم واحد خرجت على الناس فى ميدان التحرير وأخذت الميكروفون لأعلن ضرورة إنشاء كيان سياسى..وحين ضغط على بعض المنتمين إلى الإخوان المسلمين لمعرفة برنامج الحزب، قلت عبارة واحدة وهى أن برنامج الحزب القادم هو تحقيق رغبات الناس». تلك العفوية التى يظهرها فى حديثه لا تختلف عن حال كثير من «ثوار التحرير» الذين اختبروا السياسة للمرة الأولى عبر مبادرات تأسيس أحزاب جديدة، أصحاب تلك المبادرات اختاروا فى البداية اسم «حزب 25 يناير» كاسم مؤقت لأحزابهم المستقبلية، وتكفى زيارة إلى شبكة فيس بوك الاجتماعية والبحث عن اسم «حزب 25 يناير» حتى تظهر عشرات النتائج، ومن الصعب تحديد عدد المبادرات التى قامت لتأسيس أحزاب جديدة من الشباب الذين شاركوا فى الثورة، فبعضهم اكتفى بصفحات على الفيس بوك دون عمل على الأرض، والبعض الآخر اتخذ إجراءات عملية لتسجيل حزبه.
فى الطابق الأخير من مبنى تجارى عتيق فى حى الدرب الأحمر، يجلس سيد حسن وسط مجموعة من زملائه فى حزب ثورة يناير (تحت التأسيس)، يطل الشباك المجاور على مركز شباب الحبانية حيث مشهد مختلف تماما عما يدور فى هذه الغرفة من مناقشات. أغلب الجالسين قد تكونت علاقاتهم فى ميدان التحرير، هناك ولدت فكرة الحزب، وقادتهم العفوية إلى هذا المقر المؤقت الذى تبرع به أحد أبناء الحى إلى أن اتخذوا مقرا آخر فيما بعد. يتدخل وليد أحد المشاركين الأوائل فى الحزب بسؤال قائلا: «هل تعلم أين كانت النشأة الأولى لهذا الحزب؟» استمر فى سرد الإجابة موضحا: «كانت الاستمارات يتم تجميعها داخل محل تجارى قرب ميدان التحرير فى عهدة أحد المتطوعين، لكننا فوجئنا بأن هذا الشخص الذى تركنا له مهمة الحفاظ على الاستمارات يمنعها عنا حين قررنا تحويل الفكرة إلى واقع عملى واتهمنا بأننا من الحزب الوطنى، وخضنا معركة حتى استرددنا استمارات الحزب عنوة». يترك سيد حسن ــ وكيل المؤسسين ــ الغرفة ثم يعود بعد قليل بكومتين من الأوراق واصفا إياها بفخر: «دى استمارات الحزب، ولسه بنجمع تانى».يعمل سيد حسن ــ الذى جاوز الأربعين ــ محاسبا، بينما يعمل وليد الثلاثينى موظفا بإحدى شركات البترول، ويستغل كل منهما علاقاته التى تكونت فى ميدان التحرير من أجل دعم مشروعهم السياسى. ويجمع هذه المبادرات الشابة رابط مهم يتمثل فى رفض دخول الرموز السياسية إلى مشروعاتهم الحزبية حماية لها من الاختطاف. لكن كثافة تلك المبادرات أثارت قلق بعض المتخصصين، خاصة بعد الإعلان مؤخرا عن نية تعديل قانون الأحزاب بما يسمح بإنشاء الأحزاب فور الإخطار.
الدكتور عمرو هاشم ربيع مدير ــ وحدة التحول الديمقراطى بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية ــ لا يخفى قلقه تجاه هذه المبادرات ذات النوايا الطيبة قائلا: «أخشى أن يصاب بعضهم بالإحباط إذا لم ينجح فى إدارة حزب سياسى، وأخشى أكثر من أن يحدث إخفاق نتيجة قلة الخبرة السياسية ويتم تفسير ذلك تفسيرا تآمريا». يرى الدكتور عمرو هاشم أن قلق هؤلاء الشباب الحالى من دخول رموز سياسية بينهم هو قلق من أن تضيع مكتسبات الثورة التى عاشوها لحظة بلحظة، ويضيف: «الرهان الآن على الأكثر تنظيما والحكم للصندوق الانتخابى فى النهاية». وعند الحديث مع أصحاب المبادرات الحزبية يؤكد أغلبهم على قدرته على إدارة الموقف، بل تتردد عبارات من نوعية: «نحن معنا متخصصون فى السياسة وأكاديميون.. ولدينا برنامج محكم». لكن تلك العفوية التى تقود المسيرة ما زالت تنتج مفارقات وشكلا جديدا على الحياة السياسية، من هذه المفارقات محمد ريحان، الشاب العشرينى الذى كان اسمه متصدرا فى البداية لصفحة الحزب مع سيد حسن على شبكة الفيس بوك وانتقاله إلى مجموعة أخرى يتزعمها الآن على الفيس بوك تحت اسم: «حزب التحرير والتغيير».يعلق محمد ريحان على ذلك: «كنت مع مجموعة سيد حسن واخترت أن أعمل فى جبهة جديدة.. أنا أبحث عن مزيد من النضج السياسى». لم يندم على هذه الخطوة حتى بعد أن علم أن الحزب الذى تركه قد سجل أوراقه فى الشهر العقارى وبدأ فى خطوات عملية للوجود، ويقول: «أهم نقطة لدى ألا يدخل الحزب الذى أسعى مع رفاقى لتأسيسه شخص ينتمى إلى الحزب الوطنى، وأن يكون لدى العضو مستوى مقبول من الإدراك بالسياسة، يكفينى ما وجدت فى الفترة الماضية، لقد وصل الحال أن قابلت شخصا لديه رغبة فى إنشاء حزب لمجرد أنه تعرض لحادث سرقة!!». محمد ريحان الذى نفى استعداده قبول أعضاء من الحزب الوطنى، لم يتخذ مقرا بعد، وكانت خانة الانتماء السياسى فى صفحته الشخصية على الفيس بوك تحتوى على هذه العبارة «الحزب الوطنى الديمقراطى»، وأزالها بعد الاستفسار عنها.

توحيد الأحزاب
فى خضم هذا الزحام بدأت محاولات لضم المبادرات الصغيرة من قبل أحزاب أخرى، حزب «شباب التحرير» الذى ارتبط اسمه فى البداية باسم الصحفى والإعلامى وائل الإبراشى هو أحد الأحزاب التى نشأت فى ميدان التحرير، لم يخف الإبراشى محاولاته المبكرة لضم هذه المشروعات الحزبية فى حزب واحد، وعلى شبكة الفيس بوك كانت هناك دلائل واضحة على هذه المحاولات.. ففى صفحة تحمل اسم «حزب شباب 25 يناير» تجاوز عدد أعضائها الخمسين ألف عضو، كتب أحد مديرى الصفحة هذا العنوان: «مهم وعاجل جدا.. حزب شباب 25 يناير يتحد مع حزب شباب التحرير فى حزب واحد»، صاحب هذا العنوان أوضح بعض تفاصيل لقائه مع الإعلامى وائل الإبراشى، وحين استفسر أعضاء صفحة الحزب عن زميله الذى كان متصدرا المشهد اتضح أن هناك انقساما حدث فى الداخل. وأوضح قائلا: «رامى شغال مع نفسه ورافض النقاش أو التعاون». وخلال أيام ترددت أنباء عن ابتعاد وائل الإبراشى ورفع اسمه من على مجموعة الحزب على شبكة الفيس بوك. هذا التضارب الذى صاحب دعوات إنشاء أحزاب الثوار بدأ يهدأ مع مرور الوقت، خاصة بعد إجماع أغلب أصحاب المبادرات الحزبية الجديدة على مجموعة من «اللاءات» المحددة، منها: «لا لدخول الرموز السياسية»، «لا لكوادر الحزب الوطنى»، «لا للتمويل الخارجى». فى مقر حزب آخر تحت التأسيس هو «حزب الحر المستقل» قرب ميدان الأوبرا يجلس عمرو حسان مشغولا باتخاذ الخطوات التى تكفل له ولمجموعته وجود قاعدة شعبية فى المحافظات وفى العاصمة، هو الآخر اختلفت حياته تماما فى ميدان التحرير، إذ كان له دور أثناء الاعتصام مع اللجان الأمنية هناك، يقول عن مجموعة الحزب: «كنا نحو خمسين فى البداية تعرفنا فى الميدان، وبدأنا فى العمل بعد التنحى.. وبدأنا خطوات فعلية فى مؤتمرات شعبية داخل القاهرة وخارجها». منذ 25 يناير الماضى وهو مقيم فى القاهرة بعيدا عن مسقط رأسه بمحافظة المنوفية، واليوم يشارك مع رفاق ميدان التحرير فى إعداد لائحة للحزب وضم أعضاء جدد. يصمت قليلا ثم يصف قصة الحصول على المقر المؤقت للحزب فى وسط المدينة بالتوفيق الإلهى حين تعاطف المالك معهم واقتنع بأفكارهم، وتطوعوا جميعا لتجهيز المكان وتأجيره.أثناء حديثه تخرج مجموعة من رفاقه إلى الشارع للتعرف على شباب جدد محاولين إقناعهم بالانضمام إلى الحزب. ما يتفق فيه عمرو حسان وكيل مؤسسى «حزب الحر المستقل» مع سيد حسن وكيل مؤسسى «حزب ثورة يناير»، هو الابتعاد عن الرموز السياسية، وقيادات الوطنى، وكلاهما تعرض لمحاولات إقناع من جانب حزب التحرير حيث الإعلامى وائل الإبراشى، كما تعرضا لمحاولات سيطرة من رجال أعمال ميسورى الحال. وعلى أرض الواقع فإنهما أظهرا بعض التسامح مع فكرة أن يكون للشخص ماضٍ فى الحزب الوطنى حسبما يوضح عمرو حسان من حزب الحر المستقل فإن «كارنيه الحزب الوطنى ليس جريمة.
البعض كان مضطرا للحصول عليه لأسباب متعددة، لم يكن يمثل أدنى انتماء، القلق من أن تكون هناك هجرة من الحزب الوطنى للأحزاب الناشئة»، فى داخل الأحزاب الناشئة بعض من كانوا فى فترة سابقة فى الحزب الوطنى، لكــــن المعيـــــار لدى المؤسسين فى القبول هو مصداقية الشخص.

الخوف من الوطنى
فى هذه المرحلة من حياة أصحاب المبادرات السالف ذكرها هناك حساسية شديدة تجاه ما يخص سمعتهم، خاصة مع ما راج فى الصحف وعلى الإنترنت مبكرا وقبل تنحى الرئيس السابق مبارك عن تأسيس «حزب 25 يناير» الذى سيضم الراحلين عن الحزب الوطنى الديمقراطى، وهو ما وصم الكثير من أحزاب «ثوار التحرير» فى بدايتها، خاصة أن أغلبها اختار اسم «25 يناير» كاسم مؤقت فى البداية. أحد من تعرضوا لهذا الوصم وما زالوا يتعرضون له على صفحتهم هم مجموعة من الشباب دشنوا مبكرا على شبكة الفيس بوك الاجتماعية صفحة (حزب 25 يناير 25th January Party) التى تضم اليوم أكثر من 360 ألف عضو، ومازال يواجه مؤسسها ــ أدهم حسن ــ متاعب العمل السياسى للمرة الأولى بصبر. ويقول: «مبدئيا فإن اسم هذا الحزب كان مؤقتا ولم يتم تغيير اسم الصفحة لأسباب تقنية، وقد كان علينا الظهور فى التليفزيون لنعلن عن أنفسنا، خاصة بعد أن اتهمنا البعض بأننا نعمل لصالح الحزب الوطنى». تبدو طريقة إدارة الأمور لدى أدهم ومجموعته مختلفة إلى حد ما عن مشروعات أحزاب أخرى، فبينما يشارك فى الصفحة على الفيس بوك أكثر من 360 ألف عضو إلا أن العمل على الأرض يديره ما بين 40 إلى 50 فردا فقط فى 15 محافظة. وتختلف ثقافة أدهم الذى يعمل فى المجال العقارى بعد سنوات قضاها فى الولايات المتحدة عن بعض أصحاب المبادرات الحزبية الأخرى، ويوضح: «نعد برنامجا حزبيا على أساس علمى يقدم حلولا ومعنا خبرات قانونية ستعيننا على ذلك». فى تلك الأجواء تدور حرب ضد اسم «حزب 25 يناير 25th January Party». إذ نشر أحدهم على الانترنت فيديو مدته 9 دقائق تحت هذا العنوان (حقائق جديدة لحزب 25 يناير) إلى جانب تعليقات من نوعية «مينفعش أساسا إنه حد يسمى حزب بالاسم ده.. علشان دى ثورة مصر كلها مش حزب بس». ويظهر الفيديو ترصدا لمجموعة أدهم حسن وصفحته التى جاوز أعضاؤها 360 ألفا، واستدل معد الفيديو من خلال تحليل مضمون الصفحة بأنها تابعة للحزب الوطنى دون أن يتواصل مع مديرى الصفحة الذين نفوا ذلك، كما أعلنوا مؤخرا عن استقرارهم على اسم جديد للحزب هو «النهضة» وفى قول آخر «نهضة 25 يناير» الذى يتشابه مع اسم مبادرة تأسيس حزب آخر منسوبة إلى الداعية عمرو خالد، لكن يظل الاتهام بخطف اسم 25 يناير واتهام الصفحة بأن وراءها الحزب الوطنى كلها أمور مربكة لشباب لم يحترفوا السياسة من قبل.
هذا الطريق الذى اختارته مجموعات من الشباب التقوا فى ميدان التحرير أثناء أحداث الثورة، وبدأوا فى تكوين أحزاب سياسية، لم يكن على هوى شباب آخرين خاصة أولئك الذين اختبروا العمل الحزبى والسياسى من قبل مثل هانى رياض عضو اللجنة التنسيقية فى حركة شباب 25 يناير، إذ لم يخف أن فكرة إنشاء حزب سياسى فى هذا التوقيت ستكون أمرا شكليا.. وعلى عكس ما يراه أصحاب جميع هذه المبادرات يرى هانى أن مفهوم (الحركة السياسية) فى هذه المرحلة أفضل، لأنها تبتعد عن الشكل السياسى القديم لحقبة ما قبل 25 يناير، ويعلق قائلا: «الحركة الآن لها وجود فى 12 منطقة شعبية فى القاهرة وفى داخل 5 محافظات وبدأ العمل طوال الأسابيع الماضية على تطوير أدائها وتشكيل لجان لحماية الثورة، ورعاية المطالب الاجتماعية حتى لمن لم يشارك فى أحداث الثورة». ويؤمن هانى بقناعة تتلخص فى أن «المطالب الاجتماعية والفئوية الآن مهمة تماما مثل المطالب السياسية، لذا فأساس عمل الحركة مرتبط بالشارع والعمل الحركى إلى حد كبير». لهذه الأسباب لم تفكر الحركة حتى الآن فى التحول إلى حزب سياسى، على عكس شريحة خاضت معارك الثورة وتريد أن تحافظ عليها من خلال حزب يوفر لهم وجودا فى العمل السياسى، يعلق الدكتور عمرو هاشم ربيع ــ مدير وحدة التحول الديمقراطى بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية ــ قائلا: «فى المرحلة القادمة لن يكون تاريخك وما أنجزته فى ميدان التحرير مفيدا بقدر ما ستكون لائحة الحزب هى الفيصل».

Wednesday, March 16, 2011

زمن الجرأة .. حان وقت التعامل مع الماضي

البعض لديه ثأر شخصي
كرداسة.. تراقب بحذر عودة الشرطة

كتب- عبدالرحمن مصطفى
قد لا تختلف الشعارات المتبقية هنا على الجدران عن أى منطقة أخرى فى مصر.. «يسقط مبارك»، «الشعب يريد إسقاط النظام»، لكن الأكثر وضوحا فى مدينة كرداسة هو خلو مركز الشرطة من أى فرد تابع لوزارة الداخلية، إذ تم نقل العمل بشكل مؤقت إلى القرية الذكية، ورغم مرور أسابيع على قرار عودة الشرطة إلى العمل إلا أن كرداسة ظلت مدينة بلا شرطة. «عودتهم ليست بهذه البساطة، فالبعض لديه ثأر شخصى مع أشخاص كانوا يديرون مركز الشرطة»، يقول عمرو عبداللطيف عبارته ثم يكمل طريقه مع مجموعة من شباب كرداسة الذين لم تتجاوز أعمارهم الواحدة والعشرين ليقفوا أمام مركز الشرطة المحترق، ثم انتقل الحديث إلى أحمد خالد الذى بدأ فى الشرح قائلا: «فقدت كرداسة اثنين من الشهداء فى يوم جمعة الغضب 28 يناير، كان أحدهما حسام الجندى، وهو من أقرب أصدقائى». أثناء الحديث يخرج رجلان من داخل مبنى مركز الشرطة فى حالة من القلق مستفسرين عن سبب الوقوف أمام المركز، يعلق أحدهما واسمه محمد حامد قائلا: «أريد أن أوضح أنه لابد من عودة الشرطة». ينصت إليه الشباب وهو يتحدث عن حوادث السرقة التى وقعت مؤخرا، وعن ضبط لصوص حاولوا سرقة ما تبقى من مركز الشرطة، أما عن مهنته فهو يدير متجرا مجاورا للمركز مما جعله دائما فى قلب الحدث، ويضيف قائلا: «هناك مساجين هاربون ما زالوا طلقاء لم يضبطهم أحد، ونحن نقلق على بناتنا حتى من الذهاب إلى المدرسة فى هذه المرحلة، لقد طالبنا بتغيير طاقم العاملين فى مركز الشرطة حتى تهدأ النفوس». ينهى عبارته ثم يشير إلى لافتة معلقة أعلى مبنى مركز الشرطة مكتوبا عليها «دار للأيتام» فى إشارة ساخرة من أحدهم تدل على حالة مركز الشرطة. فى الطريق إلى موقع آخر يكمل أحمد خالد صديق الشهيد الراحل حسام الجندى حديثه مشيرا بيده إلى لافتة أعلى أحد الشوارع الرئيسية تحمل صورتى شهيدى كرداسة إحداهما حسام صديقه، ويضيف: «فى ذلك اليوم فعلت الشرطة كل شىء، أطلقت الغاز المسيل للدموع والخرطوش والرصاص الحى، وقطعوا الكهرباء عن المكان كله، ومع كل خطوة كان غضب الشباب والأهالى يزداد». أثناء حديث أحمد خالد كان أصدقاء الراحل حسام الجندى يؤكدون فى عبارات قصيرة أن ما حدث فى ذلك اليوم من قمع استدعى كل الذكريات السيئة التى عاشوها من قبل فى التعامل مع الشرطة.
يتبع دائرة قسم كرداسة ــ إداريا ــ أكثر من نصف مليون مواطن متفرقين بين قرى ومراكز مجاورة لمدينة كرداسة الرئيسية حيث هناك مركز تجارى لصناعة النسيج، ويقع إلى جوار مركز شرطة كرداسة موقف سيارات الميكروباص، وهى الفئة الأكثر تضررا من وجود المركز إلى جوارهم طوال السنوات الماضية. الجميع فى موقف الأجرة يتحدثون لغة واحدة عن تجاوزات تعرضوا لها، وعن تضررهم من عدم وجود نيابة فى مبنى المركز، ما يعرضهم للحبس الجبرى دون أن أى رقيب، البعض ردد عبارات مثل: «نريد رقابة على الشرطة»، وآخرون كانوا فاقدين للثقة تماما فى الشرطة فقالوا: «احنا كده كويسين من غير شرطة». هذه العبارة الأخيرة أصبحت تتعارض مع رغبة بعض السكان فى عودة الشرطة مع ازدياد حالات السرقة، وهو ما أوجد بعض المبادرات التى تسير فى اتجاه التوفيق بين كل هذه الآراء. يرى الدكتور سمير نعيم ــ أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس ــ أن هناك صورة تحققت بالفعل فى مصر لأداء الشرطة يمكن استعادتها مرة أخرى على أرض الواقع، ويشير فى مقال له بعنوان: «مجتمع ميدان التحرير.. مصر الفاضلة» (جريدة الشروق ــ 26 فبراير الماضى) إلى الفرق التطوعية التى تكونت داخل ميدان التحرير وكيف كان كل فرد فى الميدان حريصا على الأمن وعلى الكشف عن أى مخالفات للأمن العام فى ميدان التحرير، ويعلق الدكتور سمير نعيم قائلا: «هذه الصورة التى تكونت فى ميدان التحرير، جعلت الناس فى الميدان تحترم هؤلاء المتطوعين كبديل عن الشرطة فى هذا الموقع، تلك العلاقة هى التى يجب أن تكون عليها العلاقة مع جهاز الشرطة فى جميع أنحاء مصر، لكن ذلك لن يتحقق إلا بعد إسقاط النظام القديم فعليا وتحقيق أهداف الثورة لأن جهاز الشرطة فى النهاية ما زال يدار كامتداد للنظام السابق». ويطرح الدكتور سمير نعيم شروطا لبناء علاقات جديدة بين الشرطة والشعب على رأسها أن يشعر الشرطى باحترام كرامته فى العلاقات مع قادته داخل هذا الجهاز، وإعطائه حقه المادى الملائم لعمله، وأن تتعامل الحكومة مع جهاز الشرطة على أنه أداة لحفظ الأمن العام وليس جهازا للأمن السياسى، وحسب عبارته: «يجب أن يشعر المواطن بأن الشرطة جزء منه، مثلما كان الوضع مع متطوعى حماية الأمن فى ميدان التحرير». أما فى كرداسة فلم يجد البعض حلا سوى فى أن يقود مبادرة لتحريك الأوضاع قليلا، المستشار رءوف منير روفائيل الذى يحمل خلفية قانونية يرى الموقف بشكل آخر، يقول: «من المؤكد أن هناك أصحاب مصالح فى غياب الوجود الأمنى فى كرداسة، وهو ما جعلنا نفطن إلى ضرورة حل هذا الموقف فى أقرب فرصة». تصدى المستشار لمبادرة بالتعاون مع مجموعة من الشباب بعضهم لهم وجود على الفيس بوك من خلال مجموعة تحت اسم «شباب كرداسة»، وتعتمد المبادرة التى شارك فيها محامون ومثقفون من كرداسة فى أخذ ضمانات من مديرية أمن أكتوبر ترضى عائلات الشهداء والمصابين وكان على رأسها عدم إعادة الوجوه القديمة نفسها من العاملين فى مركز الشرطة. وتحاول هذه المبادرة احتواء الفئة الأكثر غضبا من سائقى الميكروباصات، خاصة أن بعضهم قاد اعتصاما حين بدأ احتكاكه برجال الشرطة خارج كرداسة، يرى الدكتور سمير نعيم أن هذه المبادرات لابد أن تتسق مع مؤشرات لتغيير نظام هذا الجهاز ويعلق قائلا: «ما زال العاملون كما هم بتدريبهم القديم، وما زالت الثقافة القديمة تدير العلاقات مثلما نرى فى هيئة المخبر القديم وأدائه لعمله». ويقترح الدكتور سمير نعيم أن يكون هناك تعاون بين أجهزة النظام الثورى الجديد ــ بعد إسقاط القديم ــ وجهاز الشرطة، من أجل بناء علاقات جديدة. أما المستشار رءوف منير روفائيل فيرى أن المبادرة التى يشارك فيها مع الشباب المثقف من كرداسة قد تصنع تغييرا، حسب حديثه يقول: «سنصنع حوارا مع السائقين بتعريفهم حقوقهم وواجباتهم، وأن يلتزموا بما عليهم حتى لا يدعوا فرصة لأحد أن يعتقلهم، كما سنطالب الخطباء فى المساجد بأن يتعرضوا لهذه المشكلة وكيفية بناء علاقات جديدة». هذه المبادرة لاقت قبولا لدى الكثيرين خشية أن يؤثر غياب الأمن لمدة طويلة على الحياة فى هذه المدينة. لكن فى طريق العودة من كرداسة إلى جوار المدينة الجامعية حيث تستقر سيارات الميكروباص القادمة من كرداسة يرى السائقون الحال بشكل مختلف، على أرض الواقع فى ذلك اليوم كان أحد أمناء الشرطة لا يرتدى زيه الرسمى يعنفهم لأنه يريد أن «توصيلة» إلى مديرية الأمن كى يأتى بأغراض خاصة من هناك، وزاد العنف اللفظى حين رفض السائقون توصيله، حتى استجاب أحدهم إنقاذا للموقف، يقول شريف المصرى، أحد السائقين: «أعمل فى هذا المجال منذ عشر سنوات أى قبل تأسيس مركز كرداسة نفسه، لكن الضغوط علينا كانت تزيد.. نعتقل دون تهمة، وعلينا السمع والطاعة لرغبات الشرطة ونجد أنفسنا نعمل كسائقين لديهم ومن يخالف يتعرض للإذلال.. هذا المركز فى كرداسة لم يحترق عبثا، لكن كان الناس لديهم ضغائن تجاهه». ينهى شريف جملته ويبدأ فى تحميل سيارته بعد أن نجا من أمين الشرطة، ويفكر فى مستقبل العلاقة إذا ما عادت الشرطة إلى كرداسة، خاصة بعد قيام السائقين باعتصام وتقديم مجموعة من المطالب قيد النظر.

الكارتة .. حالة ترقب فى عبود
اختلف حال موقف الأجرة عن حاله فى أول خميس بعد خطاب التنحى الشهير، فى ذلك اليوم كان موقف عبود شعلة من الغضب الذى سيطر على السائقين، إذ اقتحم الموقف مجموعة من البلطجية حاملين السيوف والكرابيج واعتدوا على السيارات والسائقين قهرا لهم كى لا يعترض أحدهم على دفع الكارتة. فى ذلك اليوم حاصرهم السائقون داخل مبنى الإدارة وسط رجال الشرطة العسكرية حتى انتهى الموقف، أما اليوم فقد اختلف الوضع تماما.. إذ كانت المشكلة الرئيسية لدى السائقين هى رفض دفع الكارتة مضاعفة مثلما كان الحال، أما اليوم فعادت الأمور كما كانت مع بعض الحذر من الجانبين. السيد عيدروس سائق أجرة (القاهرة ــ دكرنس) كان أحد شهود ذلك اليوم، بعدها بأيام اختار أن يكون الحديث داخل سيارته منعا للفت الانتباه، يشرح سبب الأزمة قائلا: «الإيصال الذى أستلمه عند وصولى إلى الموقف قيمته ستة جنيهات، لكننا نجبر من العمال هنا على أن ندفع عشرة جنيهات، ثم ندفع خمسة أخرى عند مغادرة الموقف، أى خمسة عشر جنيها.. هذا بعيدا عن سوء المعاملة وإمكانية الترصد لأحد السائقين عند الخلاف مع عمال الكارتة». يشير إلى سيارة تقف خلف طابور الميكروباصات المنتظرة قائلا: «هذه سيارة مخالفة، لأنها ليست مقيدة فى سجلات الموقف، لكننا مجبرون على قبولها، لأن المسألة تدار بالعلاقات الشخصية». قبلها بعدة أيام حين قامت ثورة السائقين على الكارتة كانت الهتافات تتردد «الجزيرة فين.. موقف عبود أهه». كان اللواء محمد سليمان ــ مدير موقف عبود ــ هو الآخر محاصرا فى ذلك اليوم داخل المبنى لولا تدخل القوات المسلحة لإنهاء الموقف. يحاول اللواء محمد سليمان التوضيح قائلا: «أنا مهمتى هنا إدارية.. لكن مشاكل تربح بعض العاملين فى الموقف وضغطهم ماليا على العاملين هذه مهمة قانونية تحتاج إلى ضبطية وتعاون من المتضرر». يذكر اللواء محمد سليمان أنه حاول ترتيب ضبطية لأحد العاملين قبل سنوات عديدة وفى أثناء التحقيقات تراجع السائق المتضرر ترضية للعامل. ويضيف اللواء محمد سليمان: «بعض الأمور تحدث هنا تحت بند المجاملات، ولا أستبعد أن يكون مجىء البلطجية قد تم تحت هذا البند». بعيدا عن تفسيرات مدير موقف عبود فإن عددا كبيرا من السائقين أظهروا انعدام الثقة فى الإدارة بل والتشكيك فى بعض العاملين، وكان المطلب الرئيسى هو تبديل وجوه العاملين والقيادة لأن استقرارهم لفترات طويلة يقويهم على السائقين. أثناء الحديث فى سيارة السيد عيدروس يمر بعض السائقين كى يقدموا شهاداتهم مثل عمرو سائق البيجو الذى يعمل هو الآخر فى الموقف منذ تأسيسه قبل أكثر من 15 سنة، يشير إلى أن مشاكلهم لا تنحصر فى الموقف فقط، فطوال الطريق هناك من يبتزهم سواء ممن ينتمون إلى الشرطة أو من عمال كارتة «بلطجية» على الطريق إلى القاهرة، يضيف عمرو ساخرا: «بعد أن ثرنا على دفع الكارتة بقيمة 15 جنيها بدلا من قيمتها الأصلية وهى ستة جنيهات تطوع بعضنا بأن يدفع الستة جنيهات وعليها جنيهان من باب الترضية لعمال الموقف، لكن المفاجأة أنهم لم يوافقوا.. إما القيمة الأصلية أو القيمة التى وضعوها هم». حتى الآن ما زال الموقف متوترا خاصة بعد أن جرب السائقون دفع الكارتة الأصلية دون الخضوع لأوامر عمال الموقف.
**
صحفيون بلا خوف: تعالوا نسترد مجلتنا
على المدونة التي تحمل عنوان : مجلة صباح الخير الأصلية، كتب الصحفي ناصر خليفة قبل أكثر من عشرة أيام أن كثيرا من الصحفيين قد أيقن "أن تحرير صحفهم يبدأ من ميدان التحرير فانضموا إلى ثورة المصريين وبعد نجاحها تأكدوا أن جرائدهم ومجلاتهم عادت إليهم مرة أخرى لأنهم أصحابها ". تلك الكلمات الحماسية تخفي وراءها موقفا تبناه حوالي 25 صحافيا من مجلة صباح الخير التابعة لمؤسسة روز اليوسف الحكومية، إذ لم يحتملوا أن يكتبوا معلومات مضللة عن الثورة، وقرروا إنشاء مساحة على الانترنت حتى ينجحوا في تحقيق مطالبهم وعلى رأسها إقالة رئيس التحرير محمد عبدالنور، تعلق الصحفية أمل فوزي على ذلك قائلة : "النقطة الفاصلة لعودتنا هي استقالة رئيس التحرير، فلم يعد من المقبول أن نتعامل مع من قام بتخوين الثورة، ورفض نشر الحقائق، ثم بدل موقفه اليوم". لهذا الموقف الذي تعبر عنه أمل فوزي وزملائها خلفيات لم يقبلها كثير من الصحفيين القدامى حين كان يطلب منهم تلميع صورة بعض أركان النظام السابق بشكل فج، مثل صفوت الشريف و جمال مبارك و سوزان مبارك. وهو ما جعل شريحة من الصحفيين تعزل نفسها بعيدا وتتجه للكتابة في أماكن أخرى، حتى إذا ما بدأت الثورة شعروا أن لهم حقا عليهم استرداده. تلك التطورات التي أحدثتها ثورة 25 يناير ما زالت تنتظر مزيدا من الإجراءات لتطوير حال الصحافة، وفي كتاب (تطور الصحافة المصرية- العربي للنشر والتوزيع، 1985) للدكتورة ليلى عبدالمجيد أستاذة الصحافة بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، ترصد تأثيرات ثورة 52 على الصحافة وما أعقب ذلك حتى العام 1981، ولاحظت بشكل عام أن تلك الفترة كان الاتجاه فيها نحو الحد من الاجتهادات الذاتية للصحفيين في إدارة أمورهم وتضييق حرية التعبير عن الرأي عدا أهل الثقة من الصحفيين. وتوضح الدكتورة ليلى أن الأمر استمر بعدها حتى ثورة يناير، وتعلق قائلة: "أتوقع أن تبدأ التغييرات الحقيقية بعد فترة الستة أشهر القادمة، مع دستور جديد، وإعادة النظر في النصوص القانونية الخاصة بالصحافة والإعلام، وفك الاشتباك بين سيطرة الدولة على الصحف الكبرى التي انتقلت تبعيتها إلى الدولة.. كل هذه الأمور قد تغير فعلا من بيئة العمل الصحفي بشكل واضح". تلك المرحلة لم تبدأ بعد بقدر ما تم التركيز على رحيل القيادات والمطالبة بحقوق الصحفيين حتى وصلت الاحتجاجات إلى الصحف المستقلة أيضا. أما أمل فوزي التي عملت منذ العام 91 أثناء تدريبها في مجلة صباح الخير ترى هي وزملائها أن التغيير في المؤسسات القومية لن يتم إلا بعد رحيل قياداتها وذلك تمهيدا لتأسيس علاقات جديدة. على مدونة "صباح الخير الأصلية" كتب جورج أنسي عن نموذج رآه في جريدة الواشنطون بوست الأمريكية ويتمنى أن يراه في الصحف المصرية، تلك الطموحات المهنية ما زالت تنتظر التنفيذ. أما الدكتورة ليلى عبدالمجيد فترى أن الحالة العامة التي تطالب الآن بأن يكون التغيير في الإعلام هو أول التغييرات ليست عملية، مطلوب الآن إصلاح، وتقول : "تغيير بيئة العمل الصحفي يتوقف على حالة النظام السياسي ومدى تغيره، فقد حدد النظام السياسي السابق علاقته بالصحافة في أن يسيطر عليها، أما اليوم فنحن في انتظار نظام سياسي جديد يدير حوار مجتمعي يعيد تشكيل حالة الإعلام المصري".
PDF

Wednesday, March 9, 2011

ينـــ25ــــاير تدخل مرحلة التوثيق

تسجيل ذكرى و حفظ ذاكرة
ينـــ25ــــاير تدخل مرحلة التوثيق

كتب – عبدالرحمن مصطفى
"إن أملنا الوحيد اليوم هو استعادة الروح الثورية" تلك العبارة التي أطلقها الزعيم الأمريكي مارتن لوثر كينج في خطبة أثناء فترة العصيان المدني بأمريكا في ستينات القرن الماضي لعلها من أكثر الاقتباسات تعبيرا عن حال كثيرين بعد ثورة 25 يناير المصرية، إذ اتخذ كل منهم سبيله في محاولة الحفاظ على هذه الروح الثورية من خلال توثيق أحداث الثورة كل حسب طريقته. بعض هذه المحاولات تولدت أثناء الأحداث واعتمدت على التوثيق الشخصي عبر تحميل لقطات الفيديو والصور من قلب الحدث، بينما سجل آخرون شهادات حية وتجارب شخصية على مدوناتهم أو على شبكة فيسبوك الاجتماعية، البعض الآخر اتجه إلى عمل أكثر احترافية مثل محمد الشموتي الذي استغل خبرته التقنية مع متطوعين لإعادة تأسيس موقع يعمل على توثيق الثورة والحفاظ على مكتسباتها. يقول محمد : "في أثناء الفترة الأولى من الثورة كنت قد أسست موقعا لتفادي المواقع المحجوبة آنذاك مثل الفيسبوك، وفي نفس الوقت كنت أسعى إلى تجميع كل خلاصات المواقع الهامة داخل موقع واحد اسمه مركز فعاليات مصر الالكتروني، بعد هذه المرحلة أسست موقع ثورة اللوتس-25 يناير وكان الهدف منه هو تفنيد الإشاعات الكاذبة عن الثورة، ودعم مطالب الجماهير". دخل محمد الشموتي بعد هذه الأحداث إلى مرحلة جديدة إذ أصبح فردا في مجموعة تخطط لإعادة تأسيس الموقع بحيث تلائم أهدافه المرحلة القادمة، وعلى رأسها فكرة التوثيق. وفي مساحات أخرى على الانترنت هناك بعض التجارب الشبيهة لكنها لم تكتمل لاعتمادها على مجهود فردي وهو ما يتضح في موقع الكتروني آخر يحمل اسم "ثورة يناير"، أما في موقع "بوابة شباب 25 يناير" فما زالت إدارته متماسكة وتدير تحديثات الموقع بشكل يومي، خاصة بعد ربطه بصفحة على شبكة فيسبوك، على عكس كثير من المجموعات الفيسبوك التي لم يكتمل عملها بسبب الانشغال أو صعوبة الوصول إلى المادة التي ستوثق من فيديو أو شهادات أو صور.
خارج عالم الانترنت هناك محاولات أخرى ذات طابع مختلف، إذ ظهرت في فترة مبكرة مبادرة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة لتوثيق أحداث الثورة بالاعتماد على كوادرها في هذا العمل، هذه الفكرة تزامنت مع دعوة من الشاعر والصحفي أسامة عفيفي المشرف على سلسلة (ذاكرة الوطن) الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، للبدء في التجهيز للعدد القادم من السلسلة لتوثيق "يوميات الثورة وشهدائها"، ويشرح ذلك بقوله: "سيخصص هذا العدد لتوثيق أحداث الثورة، وسيتم الاعتماد على عدة مصادر إعلامية وحقوقية وحكومية وشهادات حية بهدف الوصول إلى المعلومة الأدق، والأهم في هذا الكتاب أنه سيتعمد تغطية أحداث الثورة في مصر كلها وعدم الاكتفاء بأحداث القاهرة وميدان التحرير". يوضح أسامة عفيفي أن العدد سيتعرض إلى جانب توثيق أسماء الشهداء والمختفين بعد مراجعة المعلومات والتدقيق فيها، وكذلك تطور الهتافات والشعارات في كل مرحلة. تلك المبادرات التي تهدف إلى توثيق أحداث الثورة انتقلت عدواها إلى جهات متخصصة مثل دار الكتب والوثائق الرسمية وكذلك مكتبة الإسكندرية إذ ظهرت لجان تخطط الآن لعملية توثيق الثورة لكن لم يتم الإعلان بعد عن تفاصيل إجراءات عملية التوثيق، يعلق أسامة عفيفي قائلا: "فكرة توثيق الثورات ليست جديدة علينا في مصر، ولعل أهم هذه التجارب كانت تجربة المؤرخ المصري عبدالرحمن الرافعي في تأريخه لثورة 1919 ، إذ عرض أحداثها وسرد أسماء شهدائها أيضا". وبين التوثيق التقليدي لأحداث الثورة والتوثيق على الانترنت تجري الآن محاولات للحفاظ على ذاكرة من شاركوا في هذا الحدث من النسيان وإبقاء روح الثورة لدى المصريين.

Sunday, February 20, 2011

رسل 25 يناير .. شباب شاركوا وأعينهم على المستقبل

كتب - عبدالرحمن مصطفى
تؤمن علياء عزت بأن عليها مسئولية اجتماعية فى نقل المعرفة السليمة إلى الشارع، وأن عليها من الآن الحفاظ على مكاسب الثورة التى شاركت فيها طوال الأسابيع الماضية، وتعلق قائلة: «هو مجرد إحساس بالمسئولية الاجتماعية، لكن بعد نجاح الثورة أصبح هناك عبء آخر وهو ما أفكر فيه حاليا». تعمل علياء عزت ــ تم تغيير الاسم بناء على رغبتها ــ كصحفية فى إحدى الصحف القومية ولم يكن متاحا لها فى أى وقت أن تعبر عن آرائها طوال الفترة الماضية، كما توضح: «ليس متاحا لى كتابة مقالات الرأى، وأعمل فى مؤسسة كانت ضد الثورة فى بدايتها، وأرى أن المعركة الحقيقية كانت فى الشارع». فى يوم الاشتباك الدامى بميدان التحرير المعروف بمعركة الجمل (2 فبراير)، كانت علياء تدير معركة أخرى فى الحى الشعبى الذى تسكن فيه حين فوجئت بمنشورات مكتوبة باحترافية ضد الثورة يتم إلصاقها على أبواب المحال، وبدأت فى استكمال دورها فى الشارع، وتشرح قائلة: «نجحت فى إثناء بعضهم عن لصق المنشورات على محالهم، لكن نلت نصيبى من أحد أمناء الشرطة حين تهجم علىَّ بشكل وقح». هذه المهمة التى اختارتها علياء كانت تقوم بها أحيانا وسط محال الحى والمقاهى الشعبية وفى المواصلات العامة، لدحض الإشاعات التى كانت تذاع فى ذلك الوقت، أما اليوم فتفكر فى استراتيجيات جديدة للمرحلة القادمة. ووسط صعود نجم مجموعات الشباب من «قادة ثورة 25 يناير» حسب وصف الإعلام لهم، فإن علياء وزملاءها يكتفون الآن بأن يظلوا ضمن رُسُل الثورة المجهولين مع التأكيد على أن رسالتهم لم تنته بعد، خاصة أن المعارك لم تكن فقط فى الشارع مثلما كانت تواجهها علياء، بل أيضا على شبكة الفيسبوك الاجتماعية.. هناك كانت صديقتها عبر الإنترنت ــ جيلان الشافعى ــ طالبة الفرقة الثالثة بكلية الحقوق فى جامعة الإسكندرية تدير معركة أخرى أثناء اشتعال مدينة الإسكندرية بالمظاهرات بعد 25 يناير حتى تنحى مبارك، تقول: «رغم اشتعال الإسكندرية بالأحداث إلا أن ميدان التحرير كان أمام أعيننا وكنت على اتصال بأصدقاء هناك لنقل المعلومات، وفى الوقت نفسه كنت أدخل فى مواجهات مع غير الراضين عن الثورة». مؤخرا اكتشفت جيلان أنها فقدت نحو 7 أفراد من قائمة الأصدقاء على فيس بوك بعد نقاشات المرحلة الماضية، تقول جيلان: «ما اكتشفته أن حدة النقاش والتعنت لم تكن مع شباب الحزب الوطنى والموالين للنظام بقدر ما كانت مع الأفراد العاديين الذين أصابهم الذعر، ولم تكن الرؤية والأهداف من هذا العمل واضحة أمامهم، كانوا يكتفون بترديد عبارات دون نقاش، وهو أمر منهك حين كنت أدخل فى جدل لعدة ساعات يوميا، خاصة أن كل كلمة أكتبها فى الفيس بوك أو خبر أنقله من أصدقائى فى ميدان التحرير أو الإسكندرية كان يجتذب تعليقات ونقاشات جديدة». كانت جيلان فى العامين الماضيين قد شاركت فى أنشطة بكليتها مثل نماذج محاكاة جامعة الدول العربية والكونجرس الأمريكى، وهو ما جعلها تكون صداقات من شباب أعضاء فى الحزب الوطنى وأعضاء فى حركات احتجاجية على السواء كما انضمت إلى الوقفات التى جرت للتضامن مع قضية خالد سعيد فى الأشهر الماضية، لكن كانت النقاشات الأكثر سخونة مع أصدقائها التقليديين غير المهتمين بالسياسة، خاصة مع الإشاعات التى تم ترويجها عن المتظاهرين فى البداية. فى اعتقاد كل من علياء وجيلان أن دورهما لم ينته بعد، هذا ما يتحدثان فيه الآن عن كيفية استمرار أهداف الثورة. علياء تعلن صراحة أن تعرضها للضرب والمبيت فى الميدان وخلافاتها فى العمل ومع الجيران لا يجب أن تضيع هباء، بينما ترى جيلان أن التواصل مع الناس فى الفترة المقبلة لحمل رسالة الثورة يجب ألا يتوقف لكن بشكل مختلف. و ترى الدكتورة جيهان رشتى ــ الأستاذة فى كلية الإعلام بجامعة القاهرة ــ أن محاولات بعض الشباب المتحمسين لنقل أهداف الثورة إلى من هم ليسوا على وعى بها أو إلى من ليسوا على قدر كاف من المعلومات حول ما يحدث من تغييرات، هى مهمة يشترط فيها عاملان تذكرهما: «أولهما القدرة على الوصول إلى المعلومة الصحيحة وسط ضبابية المعلومات وحدوث تسريبات أحيانا ما تكون غير حقيقية، الأمر الآخر هو مدى مصداقية هؤلاء الشباب فى المحيط الذى يقومون فيه بهذه المهمة».تلك التفاصيل لم تشغل فقط علياء عزت وصديقتها جيلان الشافعى بل كان ذلك هو السبب نفسه الذى جمع شبابا آخرين التقوا فى مجموعة إلكترونية على الفيسبوك تحت اسم «احتجاج» كانوا ينقلون عبرها تفاصيل الميدان وتوجيه إرشادات لزملائهم ودحض الإشاعات الحكومية. و بعد قرار تنحى مبارك بعدة أيام قرر بعض أعضاء المجموعة استمرار العمل للحفاظ على ما أنتجوه معا، وفى مركز دعم للتنمية التقى بعضهم للمرة الأولى. أدار أحمد بهجت- الناشط الحقوقى ــ جلسة ضمت الجميع والهدف هو ألا تضيع الروح التى جمعتهم فى الفترة الماضية، يقول: «جمعتنا مجموعة الكترونية على الفيس بوك حيث كنا نتبادل المعلومات ونتناقش ونرد الشائعات، واليوم نجلس لنفكر فى كيفية الحفاظ على نجاح الثورة». فى الجلسة الأولى، التى ضمت المرشد السياحى والطبيب والطالب والناشط الحقوقى، كان الجميع يعرضون أفكارهم ومهاراتهم وكيفية دعم الثورة وتحريك ما يحدث من تغيير عبر نشاط على الانترنت أو على أرض الواقع بالتشبيك مع المجتمع المدنى بهدف التوعية. وانقسم الحضور إلى مجموعات عمل تدير اجتماعاتها فيما بعد. وهناك العديد من المجموعات التى تتناقش الآن حول كيفية الاستمرار فى الفترة القادمة والحفاظ على مكاسب الشعب.أما علياء عزت وصديقتها جيلان الشافعى فقد اختارتا أن تديرا المرحلة القادمة حسب إمكانياتهما الفردية، اختارت علياء الصحفية ودارسة الإعلام أن تقدم للناس تفسيرات لما يحدث حولهم بشكل تطوعى، قائلة: «فى مشروع تخرجى فى الجامعة كنت أدير حملة توعية بين المقاهى الشعبية، وأثناء عملى كثيرا ما أحتك بالشارع، لذا فالأمر ليس غريبا، سأحاول أن أتواصل مع الناس داخل المقاهى أو أن أستهدف قادة الرأى فى الأحياء الشعبية لأحدثهم عن أهمية التغييرات التى تجرى الآن حتى إن كانوا لم يشاركوا فى الثورة أو كانوا ضدها.. وأن عليهم استغلال الفرصة الآن للتغيير». تراهن علياء أن صدقها هو الذى سيحكم بنجاح التجربة التى تنوى البدء فيها من الآن. أما جيلان الشافعى ــ طالبة الحقوق المقيمة فى مدينة الإسكندرية ــ فلم تفقد حماسها خاصة حين وجدت أحد زملائها يتناقش معها فى الموضوع نفسه فقررا التالى حسب عباراتها: «نحن طلبة حقوق، ونحن أولى بأن ندرك معنى تعطيل العمل بالدستور وكل تعديل يجرى عليه، خاصة حين نجد زملاء لنا يتحدثون معنا بصفتنا مرجع، وهو ما نفكر فيه الآن أن نكون على اتصال بأساتذتنا كى نفهم منهم جيدا وننقل الصورة سليمة لمن حولنا». إلى جانب هذا تنتظر جيلان العودة للجامعة بروح جديدة بعيدا عن ما كان يعيب انتخابات اتحادات الطلبة من عيوب تتمنى إصلاحها قريبا.
PDF

Friday, February 11, 2011

جدل حول الثورة في الشارع المصري

كتب – عبدالرحمن مصطفى
قد لا يلتقي هاني مصطفى – مصمم مواقع الكترونية – مع سيد عبدالله سائق التاكسي في يوم من الأيام وجها لوجه، لكنهما إن التقيا في لقاء عابر سيحمل كل منهما وجهة نظر متعارضة مع الأخرى حول استمرار اعتصام ميدان التحرير، فبينما يلخص هاني الشاب الثلاثيني موقفه قائلا: "هذا يكفي.. و ليعد المعتصمون إلى منازلهم". على النقيض يرى سيد السائق الخمسيني أن "الاعتصام يجب أن يستمر لتغيير النظام بأكمله، لأن هذا الجيل حقق ما لم تحققه الأجيال السابقة، ويجب أن ينجز الشباب مهمتهم تماما". هذين الرأيين ليسا حكرا على هاني مصطفى وسيد عبدالله بل هي حالة تسيطر على الشارع بين مؤيد ورافض لاستمرار الاحتجاجات، وهي الحالة التي بدأت تظهر مؤخرا داخل ميدان التحرير نفسه على يد المارة حين يحاول بعضهم دخول الاعتصام ومجادلة المعتصمين حول جدوى الاعتصام حتى رحيل الرئيس مبارك. اتخذ هاني مصطفى موقفه النهائي بعد حيرة على مدار الأسابيع الماضية، يشرح قائلا: "حتى الآن أشعر بالقلق، لا أعرف من يقود البلد فعلا، ولا أشعر بالأمان، يكفي أن الفترة الماضية كانت جحيما بعد انفلات الأمن، وكنا نقضي ليالي في حراسة الشوارع دون نوم، وكلها أمور لم أعتدها في حياتي.. هذه المواقف جعلتني أشعر بأن من يجلسون في ميدان التحرير لا يشعرون ببقية الناس في مصر. أنا على سبيل المثال لا أعرف إن كانت الشركة التي أعمل فيها ستتأثر في الفترة القادمة أم لا". لا ينكر هاني المكاسب التي حققها المتظاهرون في الفترة الماضية وأنه لولا تضحيتهم لما تغير المناخ العام إلى حد كبير، لكنه لا يخفي عبارات مثل: "أخشى من الانقسام والفتنة في المستقبل، والعمليات الانتقامية". نفس هذه العبارات كانت تدور في رأس سيد عبدالله سائق التاكسي الذي عاش قلقا مضاعفا بعد 25 يناير حين اضطر إلى أن يتوقف عن العمل لعدة أيام ثم العودة في ظل حظر التجوال، يضيف قائلا: "يوم الجمعة الأولى في المظاهرات كانت قنابل الغاز المسيل للدموع تمر من فوق التاكسي، وهو مشهد لم أره منذ السبعينات، في البداية لم انشغل، لكن مع ما لمسته من صبر المعتصمين هناك، وما تعرض بعضهم له من قتل وترويع، كنت أشعر بالخزي حين أسمع دعوات ترحيلهم من الميدان، وأغلب من حولي يرفضون وجهة نظري في ان هؤلاء الباب عليهم أن ينهوا مهمتهم في تغيير هذا النظام". ما ينقله سيد عبدالله من وجهة نظر هي التي جعلته يتسامح مع نجله الطالب الجامعي في الحضور إلى ميدان التحرير رغم إصراره على أن يعود الابن قبل حظر التجوال. وهي التي جعلته ينفعل في شارعه على أحد العاملين في وزارة الداخلية حين توعد المعتصمين بأن نهايتهم سوداء. حسب عبارة سيد عبدالله: "هناك نماذج في حياتنا يجب أن تختفي، ولا أمل في التعيير إلا عبر هذه الثورة". بعيدا عن تفاصيل الشارع وتحديدا في شبكة الانترنت استمر الجدل والحوار بين المؤيدين والمعارضين حول استمرار الحركة الاحتجاجية في مشهد شبيه بما يحدث داخل المواصلات العامة في المدن المصرية، وتكاد تتلخص حجة أنصار اعتصام التحرير في عبارة عبر عنها أحدهم على صفحته في فيسبوك قائلا: "لولا استمرار الاعتصام في التحرير لما أفرجوا عن وائل غنيم ولما حصلنا على بعض حقوقنا، لذا علينا أن نستمر حتى نحصل على جميع حقوقنا". يرى الدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة القاهرة أن ما يحدث الآن من استمرار الاعتصام في ميدان التحرير هو "حركة غضب لا نهائية، لا بد أن يتبعها التدبر العقلي والتفكير العملي حتى لا يتأثر الصالح العام". وكان الدكتور زايد في دراسة سابقة عن الثورات المصرية قد استنتج أن أغلب الثورات المصرية منذ الثورة العرابية مرورا بثورة 1919 انتهاء بثورة 52 كانت هناك فئة من المجتمع تقود الثورة نيابة عن الشعب، أما في الأحداث الأخيرة فيعلق قائلا: "عيب هذه الأحداث الأخيرة أنها بلا قيادة أو رؤية بديلة ما جعل روحها تتأثر بالفيسبوك حيث ما أسميه بالحرية السيبرية، حيث لا قيود، كذلك فهي ليست ثورة ضد احتلال أجنبي مثل الثورات السابقة، لذا ففكرة التغيير الجذري السريع أراها غير عملية، يجب أن يكون هناك تغيير تدريجي.. ومراعاة الصالح العام والفئات الأخرى من المجتمع التي قد تتضرر اقتصاديا". هذا الرأي يختلف قليلا الدكتور شريف يونس مدرس التاريخ بجامعة حلوان إذ يرى أن "انضمام فئات من العاطلين والذين على الحياد الآن قد يمارس ضغطا أكبر على السلطة، لأن هذه الثورة إذا أخمدت ستعود المؤسسات التقليدية إلى مشاكل الماضي. أما قد تسفر عنه الأيام القادمة إذا استمرت الاحتجاجات فهو إضفاء طابع ديمقراطي على المؤسسات التقليدية". ويضيف الدكتور شريف يونس أن تعامل النظام الحاكم مع الشعب هو الذي يدفع إلى مزيد من الاحتجاج، ويقول: "النظام احتقر الشعب بعدم تلبية طلب رحيل مبارك، وبما قدمه على شاشاته من تلفيق للتشنيع على الجماهير، رغم القمع فقد علم الناس من المتحضر ومن البربري في أحداث العدوان الأخيرة على المعتصمين في التحرير".
رغم اختلاف موقفهما من استمرار اعتصام التحرير إلا أن الدكتور أحمد زايد يرى أن خطورة المرحلة القادمة على المجتمع في أن ينشأ صراع النخب السياسية وتنتقل العدوى إلى الشعب وينتهي بنا الحال إلى نموذج لبنان، بينما يعبر شريف يونس عن قلقه من تمر هذه المرحلة لتغييرات شكلية ودون تحقيق مطلب المعتصمين كدليل على الديمقراطية.
وبعيدا عن جدل الشارع تستمر حملات دعم الاحتجاجات على موقع فيسبوك مثل محاكمة المسئولين عن تنظيم مسيرة تأييد مبارك البربرية للهجوم على متظاهري التحرير: ، وعلى الجانب الآخر تظهر مجموعات أصغر مثل: الشعب يريد إخلاء الميدان ليستمر الجدل حول مستقبل الاحتجاجات في المرحلة القادمة.

طردت من مسكنها بسبب اعتصامها في التحرير
لم تكن هالة غريب تدرك أنها ستواجه الطرد من شقتها إلى الشارع بسبب اعتصامها في ميدان التحرير، تقول هالة : "منذ بداية يوم 25 يناير وأنا في الميدان دون قلق حتى يوم الأربعاء 2 فبراير حين حدث تحول في الموقف وظهر أنصار مبارك في منطقة وسط البلد.. هنا تبدل الموقف تماما". تقطن هالة في إحدى العمارات التاريخية في منطقة وسط البلد حيث تعمل وتدرس هناك بعيدا عن عائلتها الموجودة خارج مصر، وفي بداية الأحداث لم تواجه أي مشاكل حتى بعد أن نبهها حارس العقار إلى أن صورتها قد ظهرت على صفحات إحدى الصحف المستقلة من داخل الاعتصام، وحسب عبارتها فإنه "كان متفهما لموقفها في البداية ومتقبلا لزيارة زميلاتها في المنزل". لكنها واجهت في اليوم التالي مباشرة مجموعة من أصحاب المحلات المجاورة وأعضاء لجان الحماية الشعبية يطالبونها بعدم الصعود إلى شقتها المؤجرة وتم تخوينها هي وزملائها واتهامهم بالعمالة، تشرح ذلك قائلة: "لم يكتفي المتجمهرين بالتهديد بل اعتدى أحدهم عليَّ وبدأوا جميعا في التشنيع علي أخلاقياتي رغم أنني طوال الفترة الماضية لم أكن مثار شك أبدا أثناء مشاركتي إيجار الشقة مع فتاتان أجنبيتان رحلتا مؤخرا إلى بلديهما". وأثناء اتخاذ إجراءات طرد هالة من الشقة المؤجرة ادعى بعض المتجمهرين حولها أنهم من الشرطة وحاولوا التحفظ على جهاز الكمبيوتر الشخصي (لابتوب) مدعين أنها تملك أجهزة تشويش وشككوا في مصريتها. تقول هالة: "منذ ذلك اليوم وأنا أقضي الوقت بين ميدان التحرير ومنازل صديقاتي مع أهلهن خاصة مع عجزي عن التصرف في أجواء نقص الموارد المالية وحظر التجوال". تركت هالة الأجهزة الكهربائية التي اشترتها في الفترة الماضية لمالك الشقة الذي تحفظ على ممتلكاتها وأعاد إليها مبلغ شهر التأمين ناقصا. ولم تجد وسيلة للانتقام من مالك الشقة على تصرفه سوى بالدخول إلى مجموعة شهيرة على شبكة فيسبوك تعلن عن شقق الإيجار للأجانب في مصر وأبلغت عن تصرف مالك الشقة المؤجرة معها، وبعيدا عن هذا تعلق قائلة: "الشيء الوحيد الذي أنساني كل ما أنا فيه هو أجواء الأمل الموجودة في ميدان التحرير التي أنستني وجود مثل هذه النماذج البغيضة التي طردتني من مسكني".
PDF

Thursday, February 10, 2011

هيكل: المؤسسة العسكرية هي الضامن الوحيد لنقل الروح الجديدة للفترة المقبلة

استكمل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل طرح رؤيته عن الفترة الحالية بعد 25 يناير الماضي في حوار مع الكاتب الصحفي فهمي هويدي أذاعته قناة الجزيرة الفضائية مساء أمس الأربعاء. وبدأ هيكل حديثه بالتعليق على انهيار النظام الذي كان موجودا قبل 25 يناير رغم تأكيدات أصحاب الشأن قبلها بأن هناك قبضة قوية من أجهزة الدولة والبوليس والحزب الحاكم وهو ما اتضح انه كان مجرد أكذوبة. وذكر أن "كل وسائل القمع قد ذابت حين واجه النظام حركة تفوق قدرته". وفي تفسيره لما حدث بعد يوم 25 يناير ذكر أن كل الذين خرجوا في اليوم الأول كانوا بين 60 إلى 70 ألف من الشباب الذين تجاسروا في حركتهم لكن المفاجأة كانت حين انضمت لهم كتلة كبيرة من الجماهير تقدر بالملايين وانضم الشعب المصري لهذه الإرادة لإتمام عمل ثوري كامل.
واستبعد الكاتب الكبير أن يتم تغيير خطاب السلطة بشكل حاد بعد هذه الأحداث، إذ يرى أنها ليست مفاوضات بين طرف منتصر وآخر مستسلم ومن الصعب مطالبة نظام كامل أن يرحل فيستجيب، بل هناك مسيرة تعمل لإنضاج الثورة قائلا: "نحن في أوائل مسيرة طويلة شاقة للشباب، والعالم كله أدرك هذا" كما نوه إلى أن العالم العربي ما في ترقب ومتابعة لنظام فقد ادعاءاته في أنه مسيطر تماما على الموقف، ويجب أن يعترف بقوط النظام الجديد.
وأكد أن الشباب لن يعود عن ثورته إلا إذا شعر أن روح عصره هي المسيطرة وان هناك إجراءات لتنفيذ رغباته مستبعدا أن يكون الحديث عن تشكيل لجان لوضع صياغات قانونية أو تأسيس لجان من متطوعين للوساطة هو الحل، لأنه لم يعد هناك مجال لترميم النظام الماضي.
وعوّل الكاتب الكبير على من اسماهم بالرباعي العسكري وهم السيد عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية والفريق احمد شفيق رئيس الوزراء والمشير محمد حسين طنطاوي القائد العام للقوات المسلحة المصرية والفريق سامي عنان رئيس الأركان الجيش مشددا على أن المؤسسة العسكرية هي الضامن الوحيد الآن لنقل الروح الجديدة إلى الفترة القادمة.
وفي تفسيره لحالة الفوضى التي أصابت مصر في الفترة الماضية وإن كانت متعمدة أم لا، رأى الكاتب الكبير أن النظام قد تعمد إذاعة الفوضى على أمل التأثير في الأغلبية الصامتة، لكن مع الانفلات الذي صاحب هذه الفوضى لم يعد هناك مجال للسيطرة على الموقف بشكل كامل مع اختلال النظام لأن كل طرف يتصرف حسبما يعرف.
وفي سؤال من الكاتب فهمي هويدي حول إن كان النظام قد سقط بالفعل مع فقد أدواته من شرطة وحزب حاكم أم انه سيستمر بأشكال أخرى، وأجاب الكاتب الكبير أنه حين انهارت أدوات النظام لم تبقى في مصر قوة سوى قوة الشباب والكتل المتضامنة معه من الجماهير، وأضاف أنه في تاريخ الثورات يبدأ الحدث في مشهد أشبه بإشعال عود كبريت لكن التحول المتوقع هو "عملية تاريخية كبرى" ضاربا المثل بالثورة الفرنسية التي استمرت "تفاعلاتها الثورية" لسبع سنوات مؤكدا على أن ما سيحدث في المرحلة القادمة هو عملية نضج وإنضاج للثورة لأن ما مضي لا يمكن ترميمه، مع الأخذ في الاعتبار أن إيقاع الزمن أصبح أسرع بكثير .
وحذر الكاتب الكبير من أن تطل الأحزاب القديمة على المشهد وان تقحم الأجيال الكبير نفسها في هذه الثورة التي قادها الشباب بروح العصر رغم أنهم كانوا يعرفون ما سيلاقونه، في مفارقة مع أن الشرطة نفسها كانت تستخدم نفس الأدوات لكن بمفهوم آخر يعتمد على الخطف والقبض على الشباب، وأضاف أن عبقرية ثورة الشباب أنها تصرفت بتلقائية شدت اهتمام العالم كله.
وذكر هيكل أنه كان قبل 25 يناير بأيام قليلة يواجه بعبارات في حق الشعب المصري من نوعية "مفيش أمل فينا" وان البعض كان يرفع من شأن الثورة التونسية على أنها نتجت عن ذهن يعتنق انه "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر" بينما نردد هنا في مصر "مدد مدد .. شدي حيلك يا بلد" وأن الصحف والدوائر الرسمية كانت تردد "نحن مختلفون عن تونس"،وأوضح أن ما حدث في تونس هو ضغطة زناد لما حدث في مصر، وان الاختلاف في مصر هو أنها بلد ذات تأثير اكبر وأن العالم يتابع ما يحدث فيها.
PDF

Tuesday, February 1, 2011

مبادرات وسط الاعتصام

كتب – عبدالرحمن مصطفى
بين آلاف المعتصمين في ميدان التحرير بوسط القاهرة اختارت مجموعات من الشباب حل مشاكل المعتصمين هناك، وذلك بتوفير وسائل المعيشة والتوعية والرعاية الطبية. اختارت سلمى صلاح أن تبحث عن الشباب الموثوق فيهم كي يشاركوها مع زملائها ذلك العمل التطوعي. تقول سلمى: " تقوم المبادرة على توفير متطوعين موثوق فيهم في دوائر جغرافية متفرقة وسط الاعتصام للإبلاغ عن احتياجات المعتصمين المعيشية والطبية". بعد تلك الخطوة يتبادل الجميع أرقام الهواتف التي تصب في النهاية في قيادة واحدة تشترى وسائل المعيشة من المتبرعين أو توصل المصابين إلى مستشفيات بعينها تقبل رعاية المصابين. في نفس الدائرة المحيطة بسلمى تشرح نيرمين نزار الفكرة قائلة : "بدأ الأمر بشكل عفوي نتيجة مناقشات حول ما تعرض له المعتصمون في الفترة الماضية". تلك المبادرة التي تصدت لها هذه المجموعة كانت تقابلها مبادرة أخرى في الجهة المقابلة من الميدان، تقول عنها مروة فاروق : "علمنا فيما بعد أن هناك آخرون يسيرون على نفس الدرب". أما المجموعة التي تتابعها مروة فلا تكتفي فقط بتوفير الإعاشة من طعام وشراب، فحسب عبارتها: "الناس بتصرف نفسها في الأكل والشرب، فيه حاجات تانية مهمة مع غياب مصادر المعلومات". المبادرة التي تهتم بها مروة الآن قامت بشكل عفوي واتجهت إلى عمل من نوع آخر. تضيف قائلة: "هناك أمران آخران، وهما تشكيل إذاعة داخلية عبر الميكروفونات يتحدث عبرها شخصيات عامة وتوضح مطالب المعتصمين وتردد الهتافات، ونحرص على أن تمثل هذه الإذاعة المبسطة اتجاهات سياسية متنوعة، كي لا تكون محسوبة على تيار بعينه". وسط الاعتصام وبعيدا عن الإذاعة الداخلية تتشكل بعض الدوائر من الشباب يتصدرها ناشطون يحاولون فتح النقاش حول ما يحدث حولهم، ويتحدثون عن أمانيهم، ويعرض بعضهم مواهبه في الشعر والتمثيل والخطابة من اجل التعبير عن وجهة نظرهم. وبعيدا عن موقع الاعتصام يتابع مالك مصطفى من موقعه نشاط آخر ذي صلة، إذ يعمل مالك من موقعه في منطقة وسط البلد كعضو للجنة الإعاشة في مركز هشام مبارك الحقوقي، ويتابع ما يحتاجه المعتصمون من وسائل إعاشة من بطاطين وطعام ومياه وأدوية، يقول مالك : "أحيانا ما يأتينا أحد المتبرعين فنوجهه لمحلات كي يشتري ما يجده مناسبا لدعم المعتصمين". حسبما يؤكد مالك فإن الفترة الماضية كانت القضية الأهم فيها هي الاهتمام بصوت المصابين ومن يتعرضون له من عنف بشكل عام سواء داخل مناطق التظاهر والاعتصام أو خارجها. يضيف مالك: "هناك أمر آخر نهتم به وهو محاولة نفي الإشاعات التي تتردد وسط غياب المعلومات وإيصال المعلومات الصحيحة إلى المعتصمين عبر نشطاء حتى لا تضطرب الأمور".
PDF

Thursday, January 27, 2011

اتحاد الكتاب يتضامن مع الشارع المصري

عقد اتحاد كتاب مصر أمس الأربعاء جلسة طارئة أعلن فيها تضامنه مع موجة الاحتجاجات الأخيرة التي شهدها الشارع المصري واصفا إياها بالانتفاضة المجيدة، وبعد مناقشة استمرت حوالي ثلاث ساعات أصدر المجلس بيانا ذكر فيه : إن اتحاد كتاب مصر إذ يحيي الجماهير المصرية على سلوكها الوطني خلال اليومين الماضيين ، وهو يعلن تضامنه الكامل مع تلك الانتفاضة المجيدة ، ويؤكد مشاركته الكاملة لها في مطالبها المشروعة ، ويدين الأسلوب القمعي في التعامل معها، ويؤيد المطالب الدستورية التي عبرت عنها جماهير الشعب على نحو يكفل التداول السلمي للسلطة، وإلغاء قانون الطوارئ، ويطالب بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين كافة، واتخاذ الخطوات اللازمة للقضاء على الفساد السياسي والاقتصادي والثقافي، ومحاكمة المفسدين فضلاً عن بقية المطالب المشروعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
وقرر مجلس اتحاد كتاب مصر أن يظل في حالة انعقاد دائم حتى إشعار آخر.
كما أعلن المجلس عن تنظيم وقفة تضامنية لأدباء وكتاب مصر في تمام السادسة مساء السبت القادم بمقره بالزمالك.