Wednesday, March 30, 2011

الإعلام الجديد بعد الثورة .. اشتباك مع واقع مختلف



حين وجه الإعلامى الأمريكى وولف بليتزر سؤاله إلى الناشط المصرى وائل غنيم قائلا: «ماذا بعد تونس ومصر ؟!»، كانت الإجابة تلقائيا: «اسأل الفيس بوك». ثم أضاف غنيم: «أتمنى فى يوم من الأيام أن ألتقى مارك زوكربيرج ــ مؤسس شبكة فيسبوك الاجتماعية ــ كى أشكره بشدة». هذا الحوار جرى بعد ساعات من إعلان الرئيس السابق مبارك تخليه عن السلطة، لتظهر بعدها أسئلة أخرى عن دور الإعلام الجديد فى ثورة 25 يناير وكيف غيرت الثورة ملامح مواقع مثل (فيس بوك، تويتر، المدونات) لدى المستخدمين المصريين.

قبل 25 يناير لم يكن من الرائج وجود تعليق على شبكة الإنترنت موجها إلى القوات المسلحة المصرية من نوعية: «إيه البطء الممل ده؟.. كده أتوقع ثورة أخرى لإنقاذ الثورة»، هذا التعليق ليس سوى واحد من آلاف التعليقات التى تتلقاها صفحة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على شبكة فيس بوك، ولم يعد أمام القوات المسلحة إلا الرضوخ لقواعد الإنترنت الحرة والصبر على التعليقات الغاضبة، فى السنوات الماضية كان حضور القوات المسلحة المصرية منحصرا على موقع بسيط باللغة الإنجليزية، وبعض فيديوهات الصاعقة المنتشرة على الإنترنت.. لم يعد غريبا الآن أن يكتب أحدهم على صفحة مجلس الوزراء على الفيس بوك تعليقا مثل: «لازم تبينوا كرامة عشان صورتكم تبقى حلوة أمام الشعب العظيم»، إذ تمر التعليقات ويتم التعامل معها بصبر، على عكس القطيعة، التى كانت بين الجهات الحكومية والشباب على الإنترنت فى السنوات الماضية. يرى الدكتور محمود خليل ــ أستاذ الصحافة بكلية الإعلام فى جامعة القاهرة ــ أن النظام الماضى كان يتعامل بقدر كبير من الجهل بأدوات الإعلام الجديد على الانترنت، ويعلق قائلا: «كان هناك نوع من الجهل بمفاهيم سياسية حديثة نتجت عن التقاء عالم الإنترنت والسياسة مثل مفهوم الديمقراطية الإلكترونية، بل كان يتم تهميش المجموعات السياسية، التى وجدت لها مساحة فى فضاء الإنترنت». هذه الخطوة من الجهات الحكومية للوجود فى مواقع على الإنترنت ذات سمعة «شبابية» أصابها بعض الارتباك إذ أصدرت نفس هذه الجهات (المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ورئاسة مجلس الوزراء) توضيحات تؤكد على وجود صفحات أخرى شبيهة (غير رسمية) يجب الحذر فى التعامل معها. هذا الارتباك داخل مواقع التدوين والشبكات الاجتماعية رسم ملامح جديدة لهذه المواقع، فبعدما كانت الأضواء مسلطة على شباب لمعوا من خلال الانترنت بسبب نشاطهم السياسى أو بسبب كتاباتهم فى مدوناتهم على مدار السنوات الماضية، أصبحت هناك قواعد جديدة ناتجة عن التعطش لمقال رصين لشاب من شباب التحرير، ولم يعد اسم الكاتب أهم من المضمون السياسى داخل شبكة مثل الفيس بوك، بل ظهرت مفاجآت أخرى لفئات ظهرت بشكل مختلف تماما مثل الشرطة التى أصبح هناك من يمثلها فى ثوب إصلاحى مثل «ضباط ضد الفساد» أو «ضباط شرطة ضد الفساد». وبعد صعود شريحة السلفيين على الساحة السياسية مؤخرا، بدأت حالة من الوجود السلفى فى مواقع لم يكونوا عليها بالكثافة نفسها مثل شبكة فيسبوك الاجتماعية. يحذر الناشط الحقوقى والمدون ــ علاء عبدالفتاح ــ من خداع الفيس بوك لمستخدميه قائلا: «فى النهاية أنت ترى ما يتم تبادله بين دائرة أصدقائك على الموقع من مقالات وفيديوهات، وليس بالضرورة أن يعبر عن ظاهرة حقيقية شاملة لدى مستخدمى الفيس بوك.. فعلى سبيل المثال كانت فترة اعتصام التحرير فرصة للتعرف على شباب سلفى هناك، وبعضهم أضاف أصدقاء جددا فى الفيس بوك، وبالتالى انضم إلى دوائر أخرى جديدة بعيدا عن التجمعات السلفية التقليدية على الإنترنت، لكن هذا لا يمثل ظاهرة حقيقية، خاصة أن أغلبهم من مستوى ثقافى معين». يرى علاء عبدالفتاح أن طبيعة التجمعات السلفية على الإنترنت ذات طابع خاص مرتبط بمرجعية الشيخ وقائمة على التحزب والتحفظ لحماية العقيدة، وهو ما يناسب المنتديات الإلكترونية، حيث الرقابة الصارمة، مما يؤكد فكرته حول عدم وجود هجرة حقيقية للسلفيين نحو أدوات الإعلام الجديد.


ملامح أخرى

من ضمن الملامح الجديدة لعالم الإعلام الجديد هو ظهور وجوه قديمة بشكل جديد، مثل الفنانين والإعلاميين حين يتحول إلى مادة للتندر ــ الفنانة عفاف شعيب نموذجا ــ بسبب تصريحات أدلى بها أثناء الثورة، أو أن يتم تبادل مقالات كتبها سيناريست ومخرج مثل محمد دياب على شبكة الفيس بوك فى موقف لم يكن ليحدث لولا موقفه الداعم للثورة. يتوقع الدكتور محمود خليل ــ أستاذ الإعلام ــ فى الفترة المقبلة أن ينعكس الواقع السياسى بشدة على الإعلام الجديد، إذ يقول: «أصبحنا نسأل الآن هل أنت مع النظام القديم أم الجديد..؟ مع الاستقرار أم التغيير؟ هذه الروح ستنعكس على الإعلام الجديد، أتوقع أن يحدث ما نسميه بتفكيك الحشد، خاصة أننا مقدمون على مرحلة ستدخل إليها قوى سياسية جديدة فى حاجة إلى أدوات إعلامية رخيصة توافرها الإنترنت». هذا الزحام أحيانا ما يصاحبه تضارب فى المعلومات، وهو ما حدث مع صفحات كبرى على شبكة فيس بوك وموقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة، كانت لها مصداقية عالية أثناء فاعليات الثورة مثل شبكة رصد الإخبارية، التى تعرضت للتشكيك بعد بثها أخبارا عن وقوع حوادث فى مواقع محددة، ونفى أعضاء الصفحة حدوثها، كما اتهمها آخرون بأن وراء الصفحة مصالح إخوانية، وهو ما اضطرها إلى الإعلان عن هوية مديريها وأماكن وجودهم ومهنة كل واحد منهم من أجل استعادة مصداقيتها.

هذه الأجواء القلقة تزداد مع الحوادث الكبرى أيضا، مثلما حدث مع موجة الهوس بتسريبات وثائق جهاز أمن الدولة السابق بعد اقتحام مقاره وظهور عدة صفحات تعرض بعض هذه الوثائق.. لكن عدم القدرة على التأكد من صحة الوثائق ومصدرها الحقيقى دفع البعض إلى التشكك فى صحة بعضها، بينما واجه آخرون ذلك بالسخرية، إذ زيّف أحدهم وثيقة تثبت أن مصر اختارت «شيبسى» بطعم الملوخية وليس الجمبرى فى إشارة إلى الإعلان الشهير، وذلك لمجرد التأكيد على إمكانية تزييف أى وثيقة على الإنترنت ونسبها إلى أى جهة. يقول الدكتور محمود خليل: «ما زلنا فى البداية وفى ضوء أننا بلد ما زال لم يصك قانونا لتداول المعلومات سنظل نعمل بعيدا عن الاحترافية»، ويزيد غياب الاحترافية حسب رأى الدكتور محمود خليل بسبب طبيعة أدوات الإعلام الجديد نفسها وصعوبة السيطرة على انتشار المعلومة أو مراجعتها بسهولة. ويرى علاء عبدالفتاح أن خطورة انتشار معلومات مغلوطة على شبكة الفيس بوك ــ تحديدا ــ هو أنها تصل إلى العضو عن طريق شبكة علاقاته مما يعطيها بعض المصداقية خاصة مع تكرارها على عكس المدونات قديما حين كان المجال مفتوحا للمراجعة من الزوار والمدونين الآخرين، ويقول: «فى الجزء الأول من أحداث الثورة كنت خارج مصر ورأيت كيف أن بعض المصريين فى الخارج قد ساهموا فى نشر بعض الشائعات مثل الهجوم على مدينة الرحاب من البلطجية، ووصل الخبر إلى مصر وانتشر رغم عدم مصداقيته، وهذه الحالة من الشائعات لم تظهر فى السنوات الأخيرة بهذا الشكل سوى وقت صراع مصر والجزائر حين تم بث كليبات مزيفة من البلدين للتحريض على الكراهية».

بعيدا عن هذه الأجواء القلقة يستعير البعض اللمحة الفكاهية، التى ارتبطت بثورة 25 يناير فى صفحات على الفيس بوك يسخرون فيها على كل تطور يطرأ على الأحداث، إحدى هذه الصفحات انطلقت من خلفية حضور البلطجية فى الأحداث مؤخرا، ودشن مؤسسوها «الصفحة الرسمية للبلطجية فى مصر»، وأصبحت مهمة أكثر من 30 ألف عضو هى تقمص شخصية البلطجى والتهكم على ما يدور حولهم من أحداث تخفيفا لقلقهم، يمر أحد الأعضاء قائلا: «عايز أسأل سؤالا.. الناس اللى مشتركة هنا مكتفية بالهزار والضحك ومش بتشارك فى أى خطوة من خطوات إصلاح البلد؟» فيأتى الرد من مدير الصفحة: «إحنا بنتكلم جد جدا بس بأسلوب ساخر، اتكلمنا عن التعديلات الدستورية، اتكلمنا عن اللى بيحصل فى الإعلام، واتكلمنا عن الطائفية». بعض أعضاء الصفحة لهم اهتمامات سياسية حقيقية لكنهم يتابعون الصفحة وصفحات أخرى شبيهة كجزء من المشهد، الذى فرضته ثورة 25 يناير على الإنترنت والإعلام الجديد.

Saturday, March 26, 2011

أحزاب 25 يناير: لا للحزب الوطنى ولا للمشاهير

من ميدان التحرير إلى ميدان السياسة
كتب - عبدالرحمن مصطفى

لم يعتقد سيد حسن فى يوم من الأيام أنه سيقتحم عالم السياسة ويتحول فى أسابيع قليلة إلى وكيل مؤسسى حزب سياسى جديد، ما أصابه هو نفس ما أصاب آخرين شاركوا بالحماسة نفسها فى أحداث ثورة 25 يناير، وأرادوا استكمال مشوارهم عبر حزب سياسى، يقول سيد حسن وكيل مؤسسى حزب ثورة يناير: «قبل تنحى الرئيس بيوم واحد خرجت على الناس فى ميدان التحرير وأخذت الميكروفون لأعلن ضرورة إنشاء كيان سياسى..وحين ضغط على بعض المنتمين إلى الإخوان المسلمين لمعرفة برنامج الحزب، قلت عبارة واحدة وهى أن برنامج الحزب القادم هو تحقيق رغبات الناس». تلك العفوية التى يظهرها فى حديثه لا تختلف عن حال كثير من «ثوار التحرير» الذين اختبروا السياسة للمرة الأولى عبر مبادرات تأسيس أحزاب جديدة، أصحاب تلك المبادرات اختاروا فى البداية اسم «حزب 25 يناير» كاسم مؤقت لأحزابهم المستقبلية، وتكفى زيارة إلى شبكة فيس بوك الاجتماعية والبحث عن اسم «حزب 25 يناير» حتى تظهر عشرات النتائج، ومن الصعب تحديد عدد المبادرات التى قامت لتأسيس أحزاب جديدة من الشباب الذين شاركوا فى الثورة، فبعضهم اكتفى بصفحات على الفيس بوك دون عمل على الأرض، والبعض الآخر اتخذ إجراءات عملية لتسجيل حزبه.
فى الطابق الأخير من مبنى تجارى عتيق فى حى الدرب الأحمر، يجلس سيد حسن وسط مجموعة من زملائه فى حزب ثورة يناير (تحت التأسيس)، يطل الشباك المجاور على مركز شباب الحبانية حيث مشهد مختلف تماما عما يدور فى هذه الغرفة من مناقشات. أغلب الجالسين قد تكونت علاقاتهم فى ميدان التحرير، هناك ولدت فكرة الحزب، وقادتهم العفوية إلى هذا المقر المؤقت الذى تبرع به أحد أبناء الحى إلى أن اتخذوا مقرا آخر فيما بعد. يتدخل وليد أحد المشاركين الأوائل فى الحزب بسؤال قائلا: «هل تعلم أين كانت النشأة الأولى لهذا الحزب؟» استمر فى سرد الإجابة موضحا: «كانت الاستمارات يتم تجميعها داخل محل تجارى قرب ميدان التحرير فى عهدة أحد المتطوعين، لكننا فوجئنا بأن هذا الشخص الذى تركنا له مهمة الحفاظ على الاستمارات يمنعها عنا حين قررنا تحويل الفكرة إلى واقع عملى واتهمنا بأننا من الحزب الوطنى، وخضنا معركة حتى استرددنا استمارات الحزب عنوة». يترك سيد حسن ــ وكيل المؤسسين ــ الغرفة ثم يعود بعد قليل بكومتين من الأوراق واصفا إياها بفخر: «دى استمارات الحزب، ولسه بنجمع تانى».يعمل سيد حسن ــ الذى جاوز الأربعين ــ محاسبا، بينما يعمل وليد الثلاثينى موظفا بإحدى شركات البترول، ويستغل كل منهما علاقاته التى تكونت فى ميدان التحرير من أجل دعم مشروعهم السياسى. ويجمع هذه المبادرات الشابة رابط مهم يتمثل فى رفض دخول الرموز السياسية إلى مشروعاتهم الحزبية حماية لها من الاختطاف. لكن كثافة تلك المبادرات أثارت قلق بعض المتخصصين، خاصة بعد الإعلان مؤخرا عن نية تعديل قانون الأحزاب بما يسمح بإنشاء الأحزاب فور الإخطار.
الدكتور عمرو هاشم ربيع مدير ــ وحدة التحول الديمقراطى بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية ــ لا يخفى قلقه تجاه هذه المبادرات ذات النوايا الطيبة قائلا: «أخشى أن يصاب بعضهم بالإحباط إذا لم ينجح فى إدارة حزب سياسى، وأخشى أكثر من أن يحدث إخفاق نتيجة قلة الخبرة السياسية ويتم تفسير ذلك تفسيرا تآمريا». يرى الدكتور عمرو هاشم أن قلق هؤلاء الشباب الحالى من دخول رموز سياسية بينهم هو قلق من أن تضيع مكتسبات الثورة التى عاشوها لحظة بلحظة، ويضيف: «الرهان الآن على الأكثر تنظيما والحكم للصندوق الانتخابى فى النهاية». وعند الحديث مع أصحاب المبادرات الحزبية يؤكد أغلبهم على قدرته على إدارة الموقف، بل تتردد عبارات من نوعية: «نحن معنا متخصصون فى السياسة وأكاديميون.. ولدينا برنامج محكم». لكن تلك العفوية التى تقود المسيرة ما زالت تنتج مفارقات وشكلا جديدا على الحياة السياسية، من هذه المفارقات محمد ريحان، الشاب العشرينى الذى كان اسمه متصدرا فى البداية لصفحة الحزب مع سيد حسن على شبكة الفيس بوك وانتقاله إلى مجموعة أخرى يتزعمها الآن على الفيس بوك تحت اسم: «حزب التحرير والتغيير».يعلق محمد ريحان على ذلك: «كنت مع مجموعة سيد حسن واخترت أن أعمل فى جبهة جديدة.. أنا أبحث عن مزيد من النضج السياسى». لم يندم على هذه الخطوة حتى بعد أن علم أن الحزب الذى تركه قد سجل أوراقه فى الشهر العقارى وبدأ فى خطوات عملية للوجود، ويقول: «أهم نقطة لدى ألا يدخل الحزب الذى أسعى مع رفاقى لتأسيسه شخص ينتمى إلى الحزب الوطنى، وأن يكون لدى العضو مستوى مقبول من الإدراك بالسياسة، يكفينى ما وجدت فى الفترة الماضية، لقد وصل الحال أن قابلت شخصا لديه رغبة فى إنشاء حزب لمجرد أنه تعرض لحادث سرقة!!». محمد ريحان الذى نفى استعداده قبول أعضاء من الحزب الوطنى، لم يتخذ مقرا بعد، وكانت خانة الانتماء السياسى فى صفحته الشخصية على الفيس بوك تحتوى على هذه العبارة «الحزب الوطنى الديمقراطى»، وأزالها بعد الاستفسار عنها.

توحيد الأحزاب
فى خضم هذا الزحام بدأت محاولات لضم المبادرات الصغيرة من قبل أحزاب أخرى، حزب «شباب التحرير» الذى ارتبط اسمه فى البداية باسم الصحفى والإعلامى وائل الإبراشى هو أحد الأحزاب التى نشأت فى ميدان التحرير، لم يخف الإبراشى محاولاته المبكرة لضم هذه المشروعات الحزبية فى حزب واحد، وعلى شبكة الفيس بوك كانت هناك دلائل واضحة على هذه المحاولات.. ففى صفحة تحمل اسم «حزب شباب 25 يناير» تجاوز عدد أعضائها الخمسين ألف عضو، كتب أحد مديرى الصفحة هذا العنوان: «مهم وعاجل جدا.. حزب شباب 25 يناير يتحد مع حزب شباب التحرير فى حزب واحد»، صاحب هذا العنوان أوضح بعض تفاصيل لقائه مع الإعلامى وائل الإبراشى، وحين استفسر أعضاء صفحة الحزب عن زميله الذى كان متصدرا المشهد اتضح أن هناك انقساما حدث فى الداخل. وأوضح قائلا: «رامى شغال مع نفسه ورافض النقاش أو التعاون». وخلال أيام ترددت أنباء عن ابتعاد وائل الإبراشى ورفع اسمه من على مجموعة الحزب على شبكة الفيس بوك. هذا التضارب الذى صاحب دعوات إنشاء أحزاب الثوار بدأ يهدأ مع مرور الوقت، خاصة بعد إجماع أغلب أصحاب المبادرات الحزبية الجديدة على مجموعة من «اللاءات» المحددة، منها: «لا لدخول الرموز السياسية»، «لا لكوادر الحزب الوطنى»، «لا للتمويل الخارجى». فى مقر حزب آخر تحت التأسيس هو «حزب الحر المستقل» قرب ميدان الأوبرا يجلس عمرو حسان مشغولا باتخاذ الخطوات التى تكفل له ولمجموعته وجود قاعدة شعبية فى المحافظات وفى العاصمة، هو الآخر اختلفت حياته تماما فى ميدان التحرير، إذ كان له دور أثناء الاعتصام مع اللجان الأمنية هناك، يقول عن مجموعة الحزب: «كنا نحو خمسين فى البداية تعرفنا فى الميدان، وبدأنا فى العمل بعد التنحى.. وبدأنا خطوات فعلية فى مؤتمرات شعبية داخل القاهرة وخارجها». منذ 25 يناير الماضى وهو مقيم فى القاهرة بعيدا عن مسقط رأسه بمحافظة المنوفية، واليوم يشارك مع رفاق ميدان التحرير فى إعداد لائحة للحزب وضم أعضاء جدد. يصمت قليلا ثم يصف قصة الحصول على المقر المؤقت للحزب فى وسط المدينة بالتوفيق الإلهى حين تعاطف المالك معهم واقتنع بأفكارهم، وتطوعوا جميعا لتجهيز المكان وتأجيره.أثناء حديثه تخرج مجموعة من رفاقه إلى الشارع للتعرف على شباب جدد محاولين إقناعهم بالانضمام إلى الحزب. ما يتفق فيه عمرو حسان وكيل مؤسسى «حزب الحر المستقل» مع سيد حسن وكيل مؤسسى «حزب ثورة يناير»، هو الابتعاد عن الرموز السياسية، وقيادات الوطنى، وكلاهما تعرض لمحاولات إقناع من جانب حزب التحرير حيث الإعلامى وائل الإبراشى، كما تعرضا لمحاولات سيطرة من رجال أعمال ميسورى الحال. وعلى أرض الواقع فإنهما أظهرا بعض التسامح مع فكرة أن يكون للشخص ماضٍ فى الحزب الوطنى حسبما يوضح عمرو حسان من حزب الحر المستقل فإن «كارنيه الحزب الوطنى ليس جريمة.
البعض كان مضطرا للحصول عليه لأسباب متعددة، لم يكن يمثل أدنى انتماء، القلق من أن تكون هناك هجرة من الحزب الوطنى للأحزاب الناشئة»، فى داخل الأحزاب الناشئة بعض من كانوا فى فترة سابقة فى الحزب الوطنى، لكــــن المعيـــــار لدى المؤسسين فى القبول هو مصداقية الشخص.

الخوف من الوطنى
فى هذه المرحلة من حياة أصحاب المبادرات السالف ذكرها هناك حساسية شديدة تجاه ما يخص سمعتهم، خاصة مع ما راج فى الصحف وعلى الإنترنت مبكرا وقبل تنحى الرئيس السابق مبارك عن تأسيس «حزب 25 يناير» الذى سيضم الراحلين عن الحزب الوطنى الديمقراطى، وهو ما وصم الكثير من أحزاب «ثوار التحرير» فى بدايتها، خاصة أن أغلبها اختار اسم «25 يناير» كاسم مؤقت فى البداية. أحد من تعرضوا لهذا الوصم وما زالوا يتعرضون له على صفحتهم هم مجموعة من الشباب دشنوا مبكرا على شبكة الفيس بوك الاجتماعية صفحة (حزب 25 يناير 25th January Party) التى تضم اليوم أكثر من 360 ألف عضو، ومازال يواجه مؤسسها ــ أدهم حسن ــ متاعب العمل السياسى للمرة الأولى بصبر. ويقول: «مبدئيا فإن اسم هذا الحزب كان مؤقتا ولم يتم تغيير اسم الصفحة لأسباب تقنية، وقد كان علينا الظهور فى التليفزيون لنعلن عن أنفسنا، خاصة بعد أن اتهمنا البعض بأننا نعمل لصالح الحزب الوطنى». تبدو طريقة إدارة الأمور لدى أدهم ومجموعته مختلفة إلى حد ما عن مشروعات أحزاب أخرى، فبينما يشارك فى الصفحة على الفيس بوك أكثر من 360 ألف عضو إلا أن العمل على الأرض يديره ما بين 40 إلى 50 فردا فقط فى 15 محافظة. وتختلف ثقافة أدهم الذى يعمل فى المجال العقارى بعد سنوات قضاها فى الولايات المتحدة عن بعض أصحاب المبادرات الحزبية الأخرى، ويوضح: «نعد برنامجا حزبيا على أساس علمى يقدم حلولا ومعنا خبرات قانونية ستعيننا على ذلك». فى تلك الأجواء تدور حرب ضد اسم «حزب 25 يناير 25th January Party». إذ نشر أحدهم على الانترنت فيديو مدته 9 دقائق تحت هذا العنوان (حقائق جديدة لحزب 25 يناير) إلى جانب تعليقات من نوعية «مينفعش أساسا إنه حد يسمى حزب بالاسم ده.. علشان دى ثورة مصر كلها مش حزب بس». ويظهر الفيديو ترصدا لمجموعة أدهم حسن وصفحته التى جاوز أعضاؤها 360 ألفا، واستدل معد الفيديو من خلال تحليل مضمون الصفحة بأنها تابعة للحزب الوطنى دون أن يتواصل مع مديرى الصفحة الذين نفوا ذلك، كما أعلنوا مؤخرا عن استقرارهم على اسم جديد للحزب هو «النهضة» وفى قول آخر «نهضة 25 يناير» الذى يتشابه مع اسم مبادرة تأسيس حزب آخر منسوبة إلى الداعية عمرو خالد، لكن يظل الاتهام بخطف اسم 25 يناير واتهام الصفحة بأن وراءها الحزب الوطنى كلها أمور مربكة لشباب لم يحترفوا السياسة من قبل.
هذا الطريق الذى اختارته مجموعات من الشباب التقوا فى ميدان التحرير أثناء أحداث الثورة، وبدأوا فى تكوين أحزاب سياسية، لم يكن على هوى شباب آخرين خاصة أولئك الذين اختبروا العمل الحزبى والسياسى من قبل مثل هانى رياض عضو اللجنة التنسيقية فى حركة شباب 25 يناير، إذ لم يخف أن فكرة إنشاء حزب سياسى فى هذا التوقيت ستكون أمرا شكليا.. وعلى عكس ما يراه أصحاب جميع هذه المبادرات يرى هانى أن مفهوم (الحركة السياسية) فى هذه المرحلة أفضل، لأنها تبتعد عن الشكل السياسى القديم لحقبة ما قبل 25 يناير، ويعلق قائلا: «الحركة الآن لها وجود فى 12 منطقة شعبية فى القاهرة وفى داخل 5 محافظات وبدأ العمل طوال الأسابيع الماضية على تطوير أدائها وتشكيل لجان لحماية الثورة، ورعاية المطالب الاجتماعية حتى لمن لم يشارك فى أحداث الثورة». ويؤمن هانى بقناعة تتلخص فى أن «المطالب الاجتماعية والفئوية الآن مهمة تماما مثل المطالب السياسية، لذا فأساس عمل الحركة مرتبط بالشارع والعمل الحركى إلى حد كبير». لهذه الأسباب لم تفكر الحركة حتى الآن فى التحول إلى حزب سياسى، على عكس شريحة خاضت معارك الثورة وتريد أن تحافظ عليها من خلال حزب يوفر لهم وجودا فى العمل السياسى، يعلق الدكتور عمرو هاشم ربيع ــ مدير وحدة التحول الديمقراطى بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية ــ قائلا: «فى المرحلة القادمة لن يكون تاريخك وما أنجزته فى ميدان التحرير مفيدا بقدر ما ستكون لائحة الحزب هى الفيصل».

Wednesday, March 16, 2011

زمن الجرأة .. حان وقت التعامل مع الماضي

البعض لديه ثأر شخصي
كرداسة.. تراقب بحذر عودة الشرطة

كتب- عبدالرحمن مصطفى
قد لا تختلف الشعارات المتبقية هنا على الجدران عن أى منطقة أخرى فى مصر.. «يسقط مبارك»، «الشعب يريد إسقاط النظام»، لكن الأكثر وضوحا فى مدينة كرداسة هو خلو مركز الشرطة من أى فرد تابع لوزارة الداخلية، إذ تم نقل العمل بشكل مؤقت إلى القرية الذكية، ورغم مرور أسابيع على قرار عودة الشرطة إلى العمل إلا أن كرداسة ظلت مدينة بلا شرطة. «عودتهم ليست بهذه البساطة، فالبعض لديه ثأر شخصى مع أشخاص كانوا يديرون مركز الشرطة»، يقول عمرو عبداللطيف عبارته ثم يكمل طريقه مع مجموعة من شباب كرداسة الذين لم تتجاوز أعمارهم الواحدة والعشرين ليقفوا أمام مركز الشرطة المحترق، ثم انتقل الحديث إلى أحمد خالد الذى بدأ فى الشرح قائلا: «فقدت كرداسة اثنين من الشهداء فى يوم جمعة الغضب 28 يناير، كان أحدهما حسام الجندى، وهو من أقرب أصدقائى». أثناء الحديث يخرج رجلان من داخل مبنى مركز الشرطة فى حالة من القلق مستفسرين عن سبب الوقوف أمام المركز، يعلق أحدهما واسمه محمد حامد قائلا: «أريد أن أوضح أنه لابد من عودة الشرطة». ينصت إليه الشباب وهو يتحدث عن حوادث السرقة التى وقعت مؤخرا، وعن ضبط لصوص حاولوا سرقة ما تبقى من مركز الشرطة، أما عن مهنته فهو يدير متجرا مجاورا للمركز مما جعله دائما فى قلب الحدث، ويضيف قائلا: «هناك مساجين هاربون ما زالوا طلقاء لم يضبطهم أحد، ونحن نقلق على بناتنا حتى من الذهاب إلى المدرسة فى هذه المرحلة، لقد طالبنا بتغيير طاقم العاملين فى مركز الشرطة حتى تهدأ النفوس». ينهى عبارته ثم يشير إلى لافتة معلقة أعلى مبنى مركز الشرطة مكتوبا عليها «دار للأيتام» فى إشارة ساخرة من أحدهم تدل على حالة مركز الشرطة. فى الطريق إلى موقع آخر يكمل أحمد خالد صديق الشهيد الراحل حسام الجندى حديثه مشيرا بيده إلى لافتة أعلى أحد الشوارع الرئيسية تحمل صورتى شهيدى كرداسة إحداهما حسام صديقه، ويضيف: «فى ذلك اليوم فعلت الشرطة كل شىء، أطلقت الغاز المسيل للدموع والخرطوش والرصاص الحى، وقطعوا الكهرباء عن المكان كله، ومع كل خطوة كان غضب الشباب والأهالى يزداد». أثناء حديث أحمد خالد كان أصدقاء الراحل حسام الجندى يؤكدون فى عبارات قصيرة أن ما حدث فى ذلك اليوم من قمع استدعى كل الذكريات السيئة التى عاشوها من قبل فى التعامل مع الشرطة.
يتبع دائرة قسم كرداسة ــ إداريا ــ أكثر من نصف مليون مواطن متفرقين بين قرى ومراكز مجاورة لمدينة كرداسة الرئيسية حيث هناك مركز تجارى لصناعة النسيج، ويقع إلى جوار مركز شرطة كرداسة موقف سيارات الميكروباص، وهى الفئة الأكثر تضررا من وجود المركز إلى جوارهم طوال السنوات الماضية. الجميع فى موقف الأجرة يتحدثون لغة واحدة عن تجاوزات تعرضوا لها، وعن تضررهم من عدم وجود نيابة فى مبنى المركز، ما يعرضهم للحبس الجبرى دون أن أى رقيب، البعض ردد عبارات مثل: «نريد رقابة على الشرطة»، وآخرون كانوا فاقدين للثقة تماما فى الشرطة فقالوا: «احنا كده كويسين من غير شرطة». هذه العبارة الأخيرة أصبحت تتعارض مع رغبة بعض السكان فى عودة الشرطة مع ازدياد حالات السرقة، وهو ما أوجد بعض المبادرات التى تسير فى اتجاه التوفيق بين كل هذه الآراء. يرى الدكتور سمير نعيم ــ أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس ــ أن هناك صورة تحققت بالفعل فى مصر لأداء الشرطة يمكن استعادتها مرة أخرى على أرض الواقع، ويشير فى مقال له بعنوان: «مجتمع ميدان التحرير.. مصر الفاضلة» (جريدة الشروق ــ 26 فبراير الماضى) إلى الفرق التطوعية التى تكونت داخل ميدان التحرير وكيف كان كل فرد فى الميدان حريصا على الأمن وعلى الكشف عن أى مخالفات للأمن العام فى ميدان التحرير، ويعلق الدكتور سمير نعيم قائلا: «هذه الصورة التى تكونت فى ميدان التحرير، جعلت الناس فى الميدان تحترم هؤلاء المتطوعين كبديل عن الشرطة فى هذا الموقع، تلك العلاقة هى التى يجب أن تكون عليها العلاقة مع جهاز الشرطة فى جميع أنحاء مصر، لكن ذلك لن يتحقق إلا بعد إسقاط النظام القديم فعليا وتحقيق أهداف الثورة لأن جهاز الشرطة فى النهاية ما زال يدار كامتداد للنظام السابق». ويطرح الدكتور سمير نعيم شروطا لبناء علاقات جديدة بين الشرطة والشعب على رأسها أن يشعر الشرطى باحترام كرامته فى العلاقات مع قادته داخل هذا الجهاز، وإعطائه حقه المادى الملائم لعمله، وأن تتعامل الحكومة مع جهاز الشرطة على أنه أداة لحفظ الأمن العام وليس جهازا للأمن السياسى، وحسب عبارته: «يجب أن يشعر المواطن بأن الشرطة جزء منه، مثلما كان الوضع مع متطوعى حماية الأمن فى ميدان التحرير». أما فى كرداسة فلم يجد البعض حلا سوى فى أن يقود مبادرة لتحريك الأوضاع قليلا، المستشار رءوف منير روفائيل الذى يحمل خلفية قانونية يرى الموقف بشكل آخر، يقول: «من المؤكد أن هناك أصحاب مصالح فى غياب الوجود الأمنى فى كرداسة، وهو ما جعلنا نفطن إلى ضرورة حل هذا الموقف فى أقرب فرصة». تصدى المستشار لمبادرة بالتعاون مع مجموعة من الشباب بعضهم لهم وجود على الفيس بوك من خلال مجموعة تحت اسم «شباب كرداسة»، وتعتمد المبادرة التى شارك فيها محامون ومثقفون من كرداسة فى أخذ ضمانات من مديرية أمن أكتوبر ترضى عائلات الشهداء والمصابين وكان على رأسها عدم إعادة الوجوه القديمة نفسها من العاملين فى مركز الشرطة. وتحاول هذه المبادرة احتواء الفئة الأكثر غضبا من سائقى الميكروباصات، خاصة أن بعضهم قاد اعتصاما حين بدأ احتكاكه برجال الشرطة خارج كرداسة، يرى الدكتور سمير نعيم أن هذه المبادرات لابد أن تتسق مع مؤشرات لتغيير نظام هذا الجهاز ويعلق قائلا: «ما زال العاملون كما هم بتدريبهم القديم، وما زالت الثقافة القديمة تدير العلاقات مثلما نرى فى هيئة المخبر القديم وأدائه لعمله». ويقترح الدكتور سمير نعيم أن يكون هناك تعاون بين أجهزة النظام الثورى الجديد ــ بعد إسقاط القديم ــ وجهاز الشرطة، من أجل بناء علاقات جديدة. أما المستشار رءوف منير روفائيل فيرى أن المبادرة التى يشارك فيها مع الشباب المثقف من كرداسة قد تصنع تغييرا، حسب حديثه يقول: «سنصنع حوارا مع السائقين بتعريفهم حقوقهم وواجباتهم، وأن يلتزموا بما عليهم حتى لا يدعوا فرصة لأحد أن يعتقلهم، كما سنطالب الخطباء فى المساجد بأن يتعرضوا لهذه المشكلة وكيفية بناء علاقات جديدة». هذه المبادرة لاقت قبولا لدى الكثيرين خشية أن يؤثر غياب الأمن لمدة طويلة على الحياة فى هذه المدينة. لكن فى طريق العودة من كرداسة إلى جوار المدينة الجامعية حيث تستقر سيارات الميكروباص القادمة من كرداسة يرى السائقون الحال بشكل مختلف، على أرض الواقع فى ذلك اليوم كان أحد أمناء الشرطة لا يرتدى زيه الرسمى يعنفهم لأنه يريد أن «توصيلة» إلى مديرية الأمن كى يأتى بأغراض خاصة من هناك، وزاد العنف اللفظى حين رفض السائقون توصيله، حتى استجاب أحدهم إنقاذا للموقف، يقول شريف المصرى، أحد السائقين: «أعمل فى هذا المجال منذ عشر سنوات أى قبل تأسيس مركز كرداسة نفسه، لكن الضغوط علينا كانت تزيد.. نعتقل دون تهمة، وعلينا السمع والطاعة لرغبات الشرطة ونجد أنفسنا نعمل كسائقين لديهم ومن يخالف يتعرض للإذلال.. هذا المركز فى كرداسة لم يحترق عبثا، لكن كان الناس لديهم ضغائن تجاهه». ينهى شريف جملته ويبدأ فى تحميل سيارته بعد أن نجا من أمين الشرطة، ويفكر فى مستقبل العلاقة إذا ما عادت الشرطة إلى كرداسة، خاصة بعد قيام السائقين باعتصام وتقديم مجموعة من المطالب قيد النظر.

الكارتة .. حالة ترقب فى عبود
اختلف حال موقف الأجرة عن حاله فى أول خميس بعد خطاب التنحى الشهير، فى ذلك اليوم كان موقف عبود شعلة من الغضب الذى سيطر على السائقين، إذ اقتحم الموقف مجموعة من البلطجية حاملين السيوف والكرابيج واعتدوا على السيارات والسائقين قهرا لهم كى لا يعترض أحدهم على دفع الكارتة. فى ذلك اليوم حاصرهم السائقون داخل مبنى الإدارة وسط رجال الشرطة العسكرية حتى انتهى الموقف، أما اليوم فقد اختلف الوضع تماما.. إذ كانت المشكلة الرئيسية لدى السائقين هى رفض دفع الكارتة مضاعفة مثلما كان الحال، أما اليوم فعادت الأمور كما كانت مع بعض الحذر من الجانبين. السيد عيدروس سائق أجرة (القاهرة ــ دكرنس) كان أحد شهود ذلك اليوم، بعدها بأيام اختار أن يكون الحديث داخل سيارته منعا للفت الانتباه، يشرح سبب الأزمة قائلا: «الإيصال الذى أستلمه عند وصولى إلى الموقف قيمته ستة جنيهات، لكننا نجبر من العمال هنا على أن ندفع عشرة جنيهات، ثم ندفع خمسة أخرى عند مغادرة الموقف، أى خمسة عشر جنيها.. هذا بعيدا عن سوء المعاملة وإمكانية الترصد لأحد السائقين عند الخلاف مع عمال الكارتة». يشير إلى سيارة تقف خلف طابور الميكروباصات المنتظرة قائلا: «هذه سيارة مخالفة، لأنها ليست مقيدة فى سجلات الموقف، لكننا مجبرون على قبولها، لأن المسألة تدار بالعلاقات الشخصية». قبلها بعدة أيام حين قامت ثورة السائقين على الكارتة كانت الهتافات تتردد «الجزيرة فين.. موقف عبود أهه». كان اللواء محمد سليمان ــ مدير موقف عبود ــ هو الآخر محاصرا فى ذلك اليوم داخل المبنى لولا تدخل القوات المسلحة لإنهاء الموقف. يحاول اللواء محمد سليمان التوضيح قائلا: «أنا مهمتى هنا إدارية.. لكن مشاكل تربح بعض العاملين فى الموقف وضغطهم ماليا على العاملين هذه مهمة قانونية تحتاج إلى ضبطية وتعاون من المتضرر». يذكر اللواء محمد سليمان أنه حاول ترتيب ضبطية لأحد العاملين قبل سنوات عديدة وفى أثناء التحقيقات تراجع السائق المتضرر ترضية للعامل. ويضيف اللواء محمد سليمان: «بعض الأمور تحدث هنا تحت بند المجاملات، ولا أستبعد أن يكون مجىء البلطجية قد تم تحت هذا البند». بعيدا عن تفسيرات مدير موقف عبود فإن عددا كبيرا من السائقين أظهروا انعدام الثقة فى الإدارة بل والتشكيك فى بعض العاملين، وكان المطلب الرئيسى هو تبديل وجوه العاملين والقيادة لأن استقرارهم لفترات طويلة يقويهم على السائقين. أثناء الحديث فى سيارة السيد عيدروس يمر بعض السائقين كى يقدموا شهاداتهم مثل عمرو سائق البيجو الذى يعمل هو الآخر فى الموقف منذ تأسيسه قبل أكثر من 15 سنة، يشير إلى أن مشاكلهم لا تنحصر فى الموقف فقط، فطوال الطريق هناك من يبتزهم سواء ممن ينتمون إلى الشرطة أو من عمال كارتة «بلطجية» على الطريق إلى القاهرة، يضيف عمرو ساخرا: «بعد أن ثرنا على دفع الكارتة بقيمة 15 جنيها بدلا من قيمتها الأصلية وهى ستة جنيهات تطوع بعضنا بأن يدفع الستة جنيهات وعليها جنيهان من باب الترضية لعمال الموقف، لكن المفاجأة أنهم لم يوافقوا.. إما القيمة الأصلية أو القيمة التى وضعوها هم». حتى الآن ما زال الموقف متوترا خاصة بعد أن جرب السائقون دفع الكارتة الأصلية دون الخضوع لأوامر عمال الموقف.
**
صحفيون بلا خوف: تعالوا نسترد مجلتنا
على المدونة التي تحمل عنوان : مجلة صباح الخير الأصلية، كتب الصحفي ناصر خليفة قبل أكثر من عشرة أيام أن كثيرا من الصحفيين قد أيقن "أن تحرير صحفهم يبدأ من ميدان التحرير فانضموا إلى ثورة المصريين وبعد نجاحها تأكدوا أن جرائدهم ومجلاتهم عادت إليهم مرة أخرى لأنهم أصحابها ". تلك الكلمات الحماسية تخفي وراءها موقفا تبناه حوالي 25 صحافيا من مجلة صباح الخير التابعة لمؤسسة روز اليوسف الحكومية، إذ لم يحتملوا أن يكتبوا معلومات مضللة عن الثورة، وقرروا إنشاء مساحة على الانترنت حتى ينجحوا في تحقيق مطالبهم وعلى رأسها إقالة رئيس التحرير محمد عبدالنور، تعلق الصحفية أمل فوزي على ذلك قائلة : "النقطة الفاصلة لعودتنا هي استقالة رئيس التحرير، فلم يعد من المقبول أن نتعامل مع من قام بتخوين الثورة، ورفض نشر الحقائق، ثم بدل موقفه اليوم". لهذا الموقف الذي تعبر عنه أمل فوزي وزملائها خلفيات لم يقبلها كثير من الصحفيين القدامى حين كان يطلب منهم تلميع صورة بعض أركان النظام السابق بشكل فج، مثل صفوت الشريف و جمال مبارك و سوزان مبارك. وهو ما جعل شريحة من الصحفيين تعزل نفسها بعيدا وتتجه للكتابة في أماكن أخرى، حتى إذا ما بدأت الثورة شعروا أن لهم حقا عليهم استرداده. تلك التطورات التي أحدثتها ثورة 25 يناير ما زالت تنتظر مزيدا من الإجراءات لتطوير حال الصحافة، وفي كتاب (تطور الصحافة المصرية- العربي للنشر والتوزيع، 1985) للدكتورة ليلى عبدالمجيد أستاذة الصحافة بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، ترصد تأثيرات ثورة 52 على الصحافة وما أعقب ذلك حتى العام 1981، ولاحظت بشكل عام أن تلك الفترة كان الاتجاه فيها نحو الحد من الاجتهادات الذاتية للصحفيين في إدارة أمورهم وتضييق حرية التعبير عن الرأي عدا أهل الثقة من الصحفيين. وتوضح الدكتورة ليلى أن الأمر استمر بعدها حتى ثورة يناير، وتعلق قائلة: "أتوقع أن تبدأ التغييرات الحقيقية بعد فترة الستة أشهر القادمة، مع دستور جديد، وإعادة النظر في النصوص القانونية الخاصة بالصحافة والإعلام، وفك الاشتباك بين سيطرة الدولة على الصحف الكبرى التي انتقلت تبعيتها إلى الدولة.. كل هذه الأمور قد تغير فعلا من بيئة العمل الصحفي بشكل واضح". تلك المرحلة لم تبدأ بعد بقدر ما تم التركيز على رحيل القيادات والمطالبة بحقوق الصحفيين حتى وصلت الاحتجاجات إلى الصحف المستقلة أيضا. أما أمل فوزي التي عملت منذ العام 91 أثناء تدريبها في مجلة صباح الخير ترى هي وزملائها أن التغيير في المؤسسات القومية لن يتم إلا بعد رحيل قياداتها وذلك تمهيدا لتأسيس علاقات جديدة. على مدونة "صباح الخير الأصلية" كتب جورج أنسي عن نموذج رآه في جريدة الواشنطون بوست الأمريكية ويتمنى أن يراه في الصحف المصرية، تلك الطموحات المهنية ما زالت تنتظر التنفيذ. أما الدكتورة ليلى عبدالمجيد فترى أن الحالة العامة التي تطالب الآن بأن يكون التغيير في الإعلام هو أول التغييرات ليست عملية، مطلوب الآن إصلاح، وتقول : "تغيير بيئة العمل الصحفي يتوقف على حالة النظام السياسي ومدى تغيره، فقد حدد النظام السياسي السابق علاقته بالصحافة في أن يسيطر عليها، أما اليوم فنحن في انتظار نظام سياسي جديد يدير حوار مجتمعي يعيد تشكيل حالة الإعلام المصري".
PDF

Wednesday, March 9, 2011

ينـــ25ــــاير تدخل مرحلة التوثيق

تسجيل ذكرى و حفظ ذاكرة
ينـــ25ــــاير تدخل مرحلة التوثيق

كتب – عبدالرحمن مصطفى
"إن أملنا الوحيد اليوم هو استعادة الروح الثورية" تلك العبارة التي أطلقها الزعيم الأمريكي مارتن لوثر كينج في خطبة أثناء فترة العصيان المدني بأمريكا في ستينات القرن الماضي لعلها من أكثر الاقتباسات تعبيرا عن حال كثيرين بعد ثورة 25 يناير المصرية، إذ اتخذ كل منهم سبيله في محاولة الحفاظ على هذه الروح الثورية من خلال توثيق أحداث الثورة كل حسب طريقته. بعض هذه المحاولات تولدت أثناء الأحداث واعتمدت على التوثيق الشخصي عبر تحميل لقطات الفيديو والصور من قلب الحدث، بينما سجل آخرون شهادات حية وتجارب شخصية على مدوناتهم أو على شبكة فيسبوك الاجتماعية، البعض الآخر اتجه إلى عمل أكثر احترافية مثل محمد الشموتي الذي استغل خبرته التقنية مع متطوعين لإعادة تأسيس موقع يعمل على توثيق الثورة والحفاظ على مكتسباتها. يقول محمد : "في أثناء الفترة الأولى من الثورة كنت قد أسست موقعا لتفادي المواقع المحجوبة آنذاك مثل الفيسبوك، وفي نفس الوقت كنت أسعى إلى تجميع كل خلاصات المواقع الهامة داخل موقع واحد اسمه مركز فعاليات مصر الالكتروني، بعد هذه المرحلة أسست موقع ثورة اللوتس-25 يناير وكان الهدف منه هو تفنيد الإشاعات الكاذبة عن الثورة، ودعم مطالب الجماهير". دخل محمد الشموتي بعد هذه الأحداث إلى مرحلة جديدة إذ أصبح فردا في مجموعة تخطط لإعادة تأسيس الموقع بحيث تلائم أهدافه المرحلة القادمة، وعلى رأسها فكرة التوثيق. وفي مساحات أخرى على الانترنت هناك بعض التجارب الشبيهة لكنها لم تكتمل لاعتمادها على مجهود فردي وهو ما يتضح في موقع الكتروني آخر يحمل اسم "ثورة يناير"، أما في موقع "بوابة شباب 25 يناير" فما زالت إدارته متماسكة وتدير تحديثات الموقع بشكل يومي، خاصة بعد ربطه بصفحة على شبكة فيسبوك، على عكس كثير من المجموعات الفيسبوك التي لم يكتمل عملها بسبب الانشغال أو صعوبة الوصول إلى المادة التي ستوثق من فيديو أو شهادات أو صور.
خارج عالم الانترنت هناك محاولات أخرى ذات طابع مختلف، إذ ظهرت في فترة مبكرة مبادرة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة لتوثيق أحداث الثورة بالاعتماد على كوادرها في هذا العمل، هذه الفكرة تزامنت مع دعوة من الشاعر والصحفي أسامة عفيفي المشرف على سلسلة (ذاكرة الوطن) الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، للبدء في التجهيز للعدد القادم من السلسلة لتوثيق "يوميات الثورة وشهدائها"، ويشرح ذلك بقوله: "سيخصص هذا العدد لتوثيق أحداث الثورة، وسيتم الاعتماد على عدة مصادر إعلامية وحقوقية وحكومية وشهادات حية بهدف الوصول إلى المعلومة الأدق، والأهم في هذا الكتاب أنه سيتعمد تغطية أحداث الثورة في مصر كلها وعدم الاكتفاء بأحداث القاهرة وميدان التحرير". يوضح أسامة عفيفي أن العدد سيتعرض إلى جانب توثيق أسماء الشهداء والمختفين بعد مراجعة المعلومات والتدقيق فيها، وكذلك تطور الهتافات والشعارات في كل مرحلة. تلك المبادرات التي تهدف إلى توثيق أحداث الثورة انتقلت عدواها إلى جهات متخصصة مثل دار الكتب والوثائق الرسمية وكذلك مكتبة الإسكندرية إذ ظهرت لجان تخطط الآن لعملية توثيق الثورة لكن لم يتم الإعلان بعد عن تفاصيل إجراءات عملية التوثيق، يعلق أسامة عفيفي قائلا: "فكرة توثيق الثورات ليست جديدة علينا في مصر، ولعل أهم هذه التجارب كانت تجربة المؤرخ المصري عبدالرحمن الرافعي في تأريخه لثورة 1919 ، إذ عرض أحداثها وسرد أسماء شهدائها أيضا". وبين التوثيق التقليدي لأحداث الثورة والتوثيق على الانترنت تجري الآن محاولات للحفاظ على ذاكرة من شاركوا في هذا الحدث من النسيان وإبقاء روح الثورة لدى المصريين.

Sunday, February 20, 2011

رسل 25 يناير .. شباب شاركوا وأعينهم على المستقبل

كتب - عبدالرحمن مصطفى
تؤمن علياء عزت بأن عليها مسئولية اجتماعية فى نقل المعرفة السليمة إلى الشارع، وأن عليها من الآن الحفاظ على مكاسب الثورة التى شاركت فيها طوال الأسابيع الماضية، وتعلق قائلة: «هو مجرد إحساس بالمسئولية الاجتماعية، لكن بعد نجاح الثورة أصبح هناك عبء آخر وهو ما أفكر فيه حاليا». تعمل علياء عزت ــ تم تغيير الاسم بناء على رغبتها ــ كصحفية فى إحدى الصحف القومية ولم يكن متاحا لها فى أى وقت أن تعبر عن آرائها طوال الفترة الماضية، كما توضح: «ليس متاحا لى كتابة مقالات الرأى، وأعمل فى مؤسسة كانت ضد الثورة فى بدايتها، وأرى أن المعركة الحقيقية كانت فى الشارع». فى يوم الاشتباك الدامى بميدان التحرير المعروف بمعركة الجمل (2 فبراير)، كانت علياء تدير معركة أخرى فى الحى الشعبى الذى تسكن فيه حين فوجئت بمنشورات مكتوبة باحترافية ضد الثورة يتم إلصاقها على أبواب المحال، وبدأت فى استكمال دورها فى الشارع، وتشرح قائلة: «نجحت فى إثناء بعضهم عن لصق المنشورات على محالهم، لكن نلت نصيبى من أحد أمناء الشرطة حين تهجم علىَّ بشكل وقح». هذه المهمة التى اختارتها علياء كانت تقوم بها أحيانا وسط محال الحى والمقاهى الشعبية وفى المواصلات العامة، لدحض الإشاعات التى كانت تذاع فى ذلك الوقت، أما اليوم فتفكر فى استراتيجيات جديدة للمرحلة القادمة. ووسط صعود نجم مجموعات الشباب من «قادة ثورة 25 يناير» حسب وصف الإعلام لهم، فإن علياء وزملاءها يكتفون الآن بأن يظلوا ضمن رُسُل الثورة المجهولين مع التأكيد على أن رسالتهم لم تنته بعد، خاصة أن المعارك لم تكن فقط فى الشارع مثلما كانت تواجهها علياء، بل أيضا على شبكة الفيسبوك الاجتماعية.. هناك كانت صديقتها عبر الإنترنت ــ جيلان الشافعى ــ طالبة الفرقة الثالثة بكلية الحقوق فى جامعة الإسكندرية تدير معركة أخرى أثناء اشتعال مدينة الإسكندرية بالمظاهرات بعد 25 يناير حتى تنحى مبارك، تقول: «رغم اشتعال الإسكندرية بالأحداث إلا أن ميدان التحرير كان أمام أعيننا وكنت على اتصال بأصدقاء هناك لنقل المعلومات، وفى الوقت نفسه كنت أدخل فى مواجهات مع غير الراضين عن الثورة». مؤخرا اكتشفت جيلان أنها فقدت نحو 7 أفراد من قائمة الأصدقاء على فيس بوك بعد نقاشات المرحلة الماضية، تقول جيلان: «ما اكتشفته أن حدة النقاش والتعنت لم تكن مع شباب الحزب الوطنى والموالين للنظام بقدر ما كانت مع الأفراد العاديين الذين أصابهم الذعر، ولم تكن الرؤية والأهداف من هذا العمل واضحة أمامهم، كانوا يكتفون بترديد عبارات دون نقاش، وهو أمر منهك حين كنت أدخل فى جدل لعدة ساعات يوميا، خاصة أن كل كلمة أكتبها فى الفيس بوك أو خبر أنقله من أصدقائى فى ميدان التحرير أو الإسكندرية كان يجتذب تعليقات ونقاشات جديدة». كانت جيلان فى العامين الماضيين قد شاركت فى أنشطة بكليتها مثل نماذج محاكاة جامعة الدول العربية والكونجرس الأمريكى، وهو ما جعلها تكون صداقات من شباب أعضاء فى الحزب الوطنى وأعضاء فى حركات احتجاجية على السواء كما انضمت إلى الوقفات التى جرت للتضامن مع قضية خالد سعيد فى الأشهر الماضية، لكن كانت النقاشات الأكثر سخونة مع أصدقائها التقليديين غير المهتمين بالسياسة، خاصة مع الإشاعات التى تم ترويجها عن المتظاهرين فى البداية. فى اعتقاد كل من علياء وجيلان أن دورهما لم ينته بعد، هذا ما يتحدثان فيه الآن عن كيفية استمرار أهداف الثورة. علياء تعلن صراحة أن تعرضها للضرب والمبيت فى الميدان وخلافاتها فى العمل ومع الجيران لا يجب أن تضيع هباء، بينما ترى جيلان أن التواصل مع الناس فى الفترة المقبلة لحمل رسالة الثورة يجب ألا يتوقف لكن بشكل مختلف. و ترى الدكتورة جيهان رشتى ــ الأستاذة فى كلية الإعلام بجامعة القاهرة ــ أن محاولات بعض الشباب المتحمسين لنقل أهداف الثورة إلى من هم ليسوا على وعى بها أو إلى من ليسوا على قدر كاف من المعلومات حول ما يحدث من تغييرات، هى مهمة يشترط فيها عاملان تذكرهما: «أولهما القدرة على الوصول إلى المعلومة الصحيحة وسط ضبابية المعلومات وحدوث تسريبات أحيانا ما تكون غير حقيقية، الأمر الآخر هو مدى مصداقية هؤلاء الشباب فى المحيط الذى يقومون فيه بهذه المهمة».تلك التفاصيل لم تشغل فقط علياء عزت وصديقتها جيلان الشافعى بل كان ذلك هو السبب نفسه الذى جمع شبابا آخرين التقوا فى مجموعة إلكترونية على الفيسبوك تحت اسم «احتجاج» كانوا ينقلون عبرها تفاصيل الميدان وتوجيه إرشادات لزملائهم ودحض الإشاعات الحكومية. و بعد قرار تنحى مبارك بعدة أيام قرر بعض أعضاء المجموعة استمرار العمل للحفاظ على ما أنتجوه معا، وفى مركز دعم للتنمية التقى بعضهم للمرة الأولى. أدار أحمد بهجت- الناشط الحقوقى ــ جلسة ضمت الجميع والهدف هو ألا تضيع الروح التى جمعتهم فى الفترة الماضية، يقول: «جمعتنا مجموعة الكترونية على الفيس بوك حيث كنا نتبادل المعلومات ونتناقش ونرد الشائعات، واليوم نجلس لنفكر فى كيفية الحفاظ على نجاح الثورة». فى الجلسة الأولى، التى ضمت المرشد السياحى والطبيب والطالب والناشط الحقوقى، كان الجميع يعرضون أفكارهم ومهاراتهم وكيفية دعم الثورة وتحريك ما يحدث من تغيير عبر نشاط على الانترنت أو على أرض الواقع بالتشبيك مع المجتمع المدنى بهدف التوعية. وانقسم الحضور إلى مجموعات عمل تدير اجتماعاتها فيما بعد. وهناك العديد من المجموعات التى تتناقش الآن حول كيفية الاستمرار فى الفترة القادمة والحفاظ على مكاسب الشعب.أما علياء عزت وصديقتها جيلان الشافعى فقد اختارتا أن تديرا المرحلة القادمة حسب إمكانياتهما الفردية، اختارت علياء الصحفية ودارسة الإعلام أن تقدم للناس تفسيرات لما يحدث حولهم بشكل تطوعى، قائلة: «فى مشروع تخرجى فى الجامعة كنت أدير حملة توعية بين المقاهى الشعبية، وأثناء عملى كثيرا ما أحتك بالشارع، لذا فالأمر ليس غريبا، سأحاول أن أتواصل مع الناس داخل المقاهى أو أن أستهدف قادة الرأى فى الأحياء الشعبية لأحدثهم عن أهمية التغييرات التى تجرى الآن حتى إن كانوا لم يشاركوا فى الثورة أو كانوا ضدها.. وأن عليهم استغلال الفرصة الآن للتغيير». تراهن علياء أن صدقها هو الذى سيحكم بنجاح التجربة التى تنوى البدء فيها من الآن. أما جيلان الشافعى ــ طالبة الحقوق المقيمة فى مدينة الإسكندرية ــ فلم تفقد حماسها خاصة حين وجدت أحد زملائها يتناقش معها فى الموضوع نفسه فقررا التالى حسب عباراتها: «نحن طلبة حقوق، ونحن أولى بأن ندرك معنى تعطيل العمل بالدستور وكل تعديل يجرى عليه، خاصة حين نجد زملاء لنا يتحدثون معنا بصفتنا مرجع، وهو ما نفكر فيه الآن أن نكون على اتصال بأساتذتنا كى نفهم منهم جيدا وننقل الصورة سليمة لمن حولنا». إلى جانب هذا تنتظر جيلان العودة للجامعة بروح جديدة بعيدا عن ما كان يعيب انتخابات اتحادات الطلبة من عيوب تتمنى إصلاحها قريبا.
PDF

Friday, February 11, 2011

جدل حول الثورة في الشارع المصري

كتب – عبدالرحمن مصطفى
قد لا يلتقي هاني مصطفى – مصمم مواقع الكترونية – مع سيد عبدالله سائق التاكسي في يوم من الأيام وجها لوجه، لكنهما إن التقيا في لقاء عابر سيحمل كل منهما وجهة نظر متعارضة مع الأخرى حول استمرار اعتصام ميدان التحرير، فبينما يلخص هاني الشاب الثلاثيني موقفه قائلا: "هذا يكفي.. و ليعد المعتصمون إلى منازلهم". على النقيض يرى سيد السائق الخمسيني أن "الاعتصام يجب أن يستمر لتغيير النظام بأكمله، لأن هذا الجيل حقق ما لم تحققه الأجيال السابقة، ويجب أن ينجز الشباب مهمتهم تماما". هذين الرأيين ليسا حكرا على هاني مصطفى وسيد عبدالله بل هي حالة تسيطر على الشارع بين مؤيد ورافض لاستمرار الاحتجاجات، وهي الحالة التي بدأت تظهر مؤخرا داخل ميدان التحرير نفسه على يد المارة حين يحاول بعضهم دخول الاعتصام ومجادلة المعتصمين حول جدوى الاعتصام حتى رحيل الرئيس مبارك. اتخذ هاني مصطفى موقفه النهائي بعد حيرة على مدار الأسابيع الماضية، يشرح قائلا: "حتى الآن أشعر بالقلق، لا أعرف من يقود البلد فعلا، ولا أشعر بالأمان، يكفي أن الفترة الماضية كانت جحيما بعد انفلات الأمن، وكنا نقضي ليالي في حراسة الشوارع دون نوم، وكلها أمور لم أعتدها في حياتي.. هذه المواقف جعلتني أشعر بأن من يجلسون في ميدان التحرير لا يشعرون ببقية الناس في مصر. أنا على سبيل المثال لا أعرف إن كانت الشركة التي أعمل فيها ستتأثر في الفترة القادمة أم لا". لا ينكر هاني المكاسب التي حققها المتظاهرون في الفترة الماضية وأنه لولا تضحيتهم لما تغير المناخ العام إلى حد كبير، لكنه لا يخفي عبارات مثل: "أخشى من الانقسام والفتنة في المستقبل، والعمليات الانتقامية". نفس هذه العبارات كانت تدور في رأس سيد عبدالله سائق التاكسي الذي عاش قلقا مضاعفا بعد 25 يناير حين اضطر إلى أن يتوقف عن العمل لعدة أيام ثم العودة في ظل حظر التجوال، يضيف قائلا: "يوم الجمعة الأولى في المظاهرات كانت قنابل الغاز المسيل للدموع تمر من فوق التاكسي، وهو مشهد لم أره منذ السبعينات، في البداية لم انشغل، لكن مع ما لمسته من صبر المعتصمين هناك، وما تعرض بعضهم له من قتل وترويع، كنت أشعر بالخزي حين أسمع دعوات ترحيلهم من الميدان، وأغلب من حولي يرفضون وجهة نظري في ان هؤلاء الباب عليهم أن ينهوا مهمتهم في تغيير هذا النظام". ما ينقله سيد عبدالله من وجهة نظر هي التي جعلته يتسامح مع نجله الطالب الجامعي في الحضور إلى ميدان التحرير رغم إصراره على أن يعود الابن قبل حظر التجوال. وهي التي جعلته ينفعل في شارعه على أحد العاملين في وزارة الداخلية حين توعد المعتصمين بأن نهايتهم سوداء. حسب عبارة سيد عبدالله: "هناك نماذج في حياتنا يجب أن تختفي، ولا أمل في التعيير إلا عبر هذه الثورة". بعيدا عن تفاصيل الشارع وتحديدا في شبكة الانترنت استمر الجدل والحوار بين المؤيدين والمعارضين حول استمرار الحركة الاحتجاجية في مشهد شبيه بما يحدث داخل المواصلات العامة في المدن المصرية، وتكاد تتلخص حجة أنصار اعتصام التحرير في عبارة عبر عنها أحدهم على صفحته في فيسبوك قائلا: "لولا استمرار الاعتصام في التحرير لما أفرجوا عن وائل غنيم ولما حصلنا على بعض حقوقنا، لذا علينا أن نستمر حتى نحصل على جميع حقوقنا". يرى الدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة القاهرة أن ما يحدث الآن من استمرار الاعتصام في ميدان التحرير هو "حركة غضب لا نهائية، لا بد أن يتبعها التدبر العقلي والتفكير العملي حتى لا يتأثر الصالح العام". وكان الدكتور زايد في دراسة سابقة عن الثورات المصرية قد استنتج أن أغلب الثورات المصرية منذ الثورة العرابية مرورا بثورة 1919 انتهاء بثورة 52 كانت هناك فئة من المجتمع تقود الثورة نيابة عن الشعب، أما في الأحداث الأخيرة فيعلق قائلا: "عيب هذه الأحداث الأخيرة أنها بلا قيادة أو رؤية بديلة ما جعل روحها تتأثر بالفيسبوك حيث ما أسميه بالحرية السيبرية، حيث لا قيود، كذلك فهي ليست ثورة ضد احتلال أجنبي مثل الثورات السابقة، لذا ففكرة التغيير الجذري السريع أراها غير عملية، يجب أن يكون هناك تغيير تدريجي.. ومراعاة الصالح العام والفئات الأخرى من المجتمع التي قد تتضرر اقتصاديا". هذا الرأي يختلف قليلا الدكتور شريف يونس مدرس التاريخ بجامعة حلوان إذ يرى أن "انضمام فئات من العاطلين والذين على الحياد الآن قد يمارس ضغطا أكبر على السلطة، لأن هذه الثورة إذا أخمدت ستعود المؤسسات التقليدية إلى مشاكل الماضي. أما قد تسفر عنه الأيام القادمة إذا استمرت الاحتجاجات فهو إضفاء طابع ديمقراطي على المؤسسات التقليدية". ويضيف الدكتور شريف يونس أن تعامل النظام الحاكم مع الشعب هو الذي يدفع إلى مزيد من الاحتجاج، ويقول: "النظام احتقر الشعب بعدم تلبية طلب رحيل مبارك، وبما قدمه على شاشاته من تلفيق للتشنيع على الجماهير، رغم القمع فقد علم الناس من المتحضر ومن البربري في أحداث العدوان الأخيرة على المعتصمين في التحرير".
رغم اختلاف موقفهما من استمرار اعتصام التحرير إلا أن الدكتور أحمد زايد يرى أن خطورة المرحلة القادمة على المجتمع في أن ينشأ صراع النخب السياسية وتنتقل العدوى إلى الشعب وينتهي بنا الحال إلى نموذج لبنان، بينما يعبر شريف يونس عن قلقه من تمر هذه المرحلة لتغييرات شكلية ودون تحقيق مطلب المعتصمين كدليل على الديمقراطية.
وبعيدا عن جدل الشارع تستمر حملات دعم الاحتجاجات على موقع فيسبوك مثل محاكمة المسئولين عن تنظيم مسيرة تأييد مبارك البربرية للهجوم على متظاهري التحرير: ، وعلى الجانب الآخر تظهر مجموعات أصغر مثل: الشعب يريد إخلاء الميدان ليستمر الجدل حول مستقبل الاحتجاجات في المرحلة القادمة.

طردت من مسكنها بسبب اعتصامها في التحرير
لم تكن هالة غريب تدرك أنها ستواجه الطرد من شقتها إلى الشارع بسبب اعتصامها في ميدان التحرير، تقول هالة : "منذ بداية يوم 25 يناير وأنا في الميدان دون قلق حتى يوم الأربعاء 2 فبراير حين حدث تحول في الموقف وظهر أنصار مبارك في منطقة وسط البلد.. هنا تبدل الموقف تماما". تقطن هالة في إحدى العمارات التاريخية في منطقة وسط البلد حيث تعمل وتدرس هناك بعيدا عن عائلتها الموجودة خارج مصر، وفي بداية الأحداث لم تواجه أي مشاكل حتى بعد أن نبهها حارس العقار إلى أن صورتها قد ظهرت على صفحات إحدى الصحف المستقلة من داخل الاعتصام، وحسب عبارتها فإنه "كان متفهما لموقفها في البداية ومتقبلا لزيارة زميلاتها في المنزل". لكنها واجهت في اليوم التالي مباشرة مجموعة من أصحاب المحلات المجاورة وأعضاء لجان الحماية الشعبية يطالبونها بعدم الصعود إلى شقتها المؤجرة وتم تخوينها هي وزملائها واتهامهم بالعمالة، تشرح ذلك قائلة: "لم يكتفي المتجمهرين بالتهديد بل اعتدى أحدهم عليَّ وبدأوا جميعا في التشنيع علي أخلاقياتي رغم أنني طوال الفترة الماضية لم أكن مثار شك أبدا أثناء مشاركتي إيجار الشقة مع فتاتان أجنبيتان رحلتا مؤخرا إلى بلديهما". وأثناء اتخاذ إجراءات طرد هالة من الشقة المؤجرة ادعى بعض المتجمهرين حولها أنهم من الشرطة وحاولوا التحفظ على جهاز الكمبيوتر الشخصي (لابتوب) مدعين أنها تملك أجهزة تشويش وشككوا في مصريتها. تقول هالة: "منذ ذلك اليوم وأنا أقضي الوقت بين ميدان التحرير ومنازل صديقاتي مع أهلهن خاصة مع عجزي عن التصرف في أجواء نقص الموارد المالية وحظر التجوال". تركت هالة الأجهزة الكهربائية التي اشترتها في الفترة الماضية لمالك الشقة الذي تحفظ على ممتلكاتها وأعاد إليها مبلغ شهر التأمين ناقصا. ولم تجد وسيلة للانتقام من مالك الشقة على تصرفه سوى بالدخول إلى مجموعة شهيرة على شبكة فيسبوك تعلن عن شقق الإيجار للأجانب في مصر وأبلغت عن تصرف مالك الشقة المؤجرة معها، وبعيدا عن هذا تعلق قائلة: "الشيء الوحيد الذي أنساني كل ما أنا فيه هو أجواء الأمل الموجودة في ميدان التحرير التي أنستني وجود مثل هذه النماذج البغيضة التي طردتني من مسكني".
PDF

Thursday, February 10, 2011

هيكل: المؤسسة العسكرية هي الضامن الوحيد لنقل الروح الجديدة للفترة المقبلة

استكمل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل طرح رؤيته عن الفترة الحالية بعد 25 يناير الماضي في حوار مع الكاتب الصحفي فهمي هويدي أذاعته قناة الجزيرة الفضائية مساء أمس الأربعاء. وبدأ هيكل حديثه بالتعليق على انهيار النظام الذي كان موجودا قبل 25 يناير رغم تأكيدات أصحاب الشأن قبلها بأن هناك قبضة قوية من أجهزة الدولة والبوليس والحزب الحاكم وهو ما اتضح انه كان مجرد أكذوبة. وذكر أن "كل وسائل القمع قد ذابت حين واجه النظام حركة تفوق قدرته". وفي تفسيره لما حدث بعد يوم 25 يناير ذكر أن كل الذين خرجوا في اليوم الأول كانوا بين 60 إلى 70 ألف من الشباب الذين تجاسروا في حركتهم لكن المفاجأة كانت حين انضمت لهم كتلة كبيرة من الجماهير تقدر بالملايين وانضم الشعب المصري لهذه الإرادة لإتمام عمل ثوري كامل.
واستبعد الكاتب الكبير أن يتم تغيير خطاب السلطة بشكل حاد بعد هذه الأحداث، إذ يرى أنها ليست مفاوضات بين طرف منتصر وآخر مستسلم ومن الصعب مطالبة نظام كامل أن يرحل فيستجيب، بل هناك مسيرة تعمل لإنضاج الثورة قائلا: "نحن في أوائل مسيرة طويلة شاقة للشباب، والعالم كله أدرك هذا" كما نوه إلى أن العالم العربي ما في ترقب ومتابعة لنظام فقد ادعاءاته في أنه مسيطر تماما على الموقف، ويجب أن يعترف بقوط النظام الجديد.
وأكد أن الشباب لن يعود عن ثورته إلا إذا شعر أن روح عصره هي المسيطرة وان هناك إجراءات لتنفيذ رغباته مستبعدا أن يكون الحديث عن تشكيل لجان لوضع صياغات قانونية أو تأسيس لجان من متطوعين للوساطة هو الحل، لأنه لم يعد هناك مجال لترميم النظام الماضي.
وعوّل الكاتب الكبير على من اسماهم بالرباعي العسكري وهم السيد عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية والفريق احمد شفيق رئيس الوزراء والمشير محمد حسين طنطاوي القائد العام للقوات المسلحة المصرية والفريق سامي عنان رئيس الأركان الجيش مشددا على أن المؤسسة العسكرية هي الضامن الوحيد الآن لنقل الروح الجديدة إلى الفترة القادمة.
وفي تفسيره لحالة الفوضى التي أصابت مصر في الفترة الماضية وإن كانت متعمدة أم لا، رأى الكاتب الكبير أن النظام قد تعمد إذاعة الفوضى على أمل التأثير في الأغلبية الصامتة، لكن مع الانفلات الذي صاحب هذه الفوضى لم يعد هناك مجال للسيطرة على الموقف بشكل كامل مع اختلال النظام لأن كل طرف يتصرف حسبما يعرف.
وفي سؤال من الكاتب فهمي هويدي حول إن كان النظام قد سقط بالفعل مع فقد أدواته من شرطة وحزب حاكم أم انه سيستمر بأشكال أخرى، وأجاب الكاتب الكبير أنه حين انهارت أدوات النظام لم تبقى في مصر قوة سوى قوة الشباب والكتل المتضامنة معه من الجماهير، وأضاف أنه في تاريخ الثورات يبدأ الحدث في مشهد أشبه بإشعال عود كبريت لكن التحول المتوقع هو "عملية تاريخية كبرى" ضاربا المثل بالثورة الفرنسية التي استمرت "تفاعلاتها الثورية" لسبع سنوات مؤكدا على أن ما سيحدث في المرحلة القادمة هو عملية نضج وإنضاج للثورة لأن ما مضي لا يمكن ترميمه، مع الأخذ في الاعتبار أن إيقاع الزمن أصبح أسرع بكثير .
وحذر الكاتب الكبير من أن تطل الأحزاب القديمة على المشهد وان تقحم الأجيال الكبير نفسها في هذه الثورة التي قادها الشباب بروح العصر رغم أنهم كانوا يعرفون ما سيلاقونه، في مفارقة مع أن الشرطة نفسها كانت تستخدم نفس الأدوات لكن بمفهوم آخر يعتمد على الخطف والقبض على الشباب، وأضاف أن عبقرية ثورة الشباب أنها تصرفت بتلقائية شدت اهتمام العالم كله.
وذكر هيكل أنه كان قبل 25 يناير بأيام قليلة يواجه بعبارات في حق الشعب المصري من نوعية "مفيش أمل فينا" وان البعض كان يرفع من شأن الثورة التونسية على أنها نتجت عن ذهن يعتنق انه "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر" بينما نردد هنا في مصر "مدد مدد .. شدي حيلك يا بلد" وأن الصحف والدوائر الرسمية كانت تردد "نحن مختلفون عن تونس"،وأوضح أن ما حدث في تونس هو ضغطة زناد لما حدث في مصر، وان الاختلاف في مصر هو أنها بلد ذات تأثير اكبر وأن العالم يتابع ما يحدث فيها.
PDF

Tuesday, February 1, 2011

مبادرات وسط الاعتصام

كتب – عبدالرحمن مصطفى
بين آلاف المعتصمين في ميدان التحرير بوسط القاهرة اختارت مجموعات من الشباب حل مشاكل المعتصمين هناك، وذلك بتوفير وسائل المعيشة والتوعية والرعاية الطبية. اختارت سلمى صلاح أن تبحث عن الشباب الموثوق فيهم كي يشاركوها مع زملائها ذلك العمل التطوعي. تقول سلمى: " تقوم المبادرة على توفير متطوعين موثوق فيهم في دوائر جغرافية متفرقة وسط الاعتصام للإبلاغ عن احتياجات المعتصمين المعيشية والطبية". بعد تلك الخطوة يتبادل الجميع أرقام الهواتف التي تصب في النهاية في قيادة واحدة تشترى وسائل المعيشة من المتبرعين أو توصل المصابين إلى مستشفيات بعينها تقبل رعاية المصابين. في نفس الدائرة المحيطة بسلمى تشرح نيرمين نزار الفكرة قائلة : "بدأ الأمر بشكل عفوي نتيجة مناقشات حول ما تعرض له المعتصمون في الفترة الماضية". تلك المبادرة التي تصدت لها هذه المجموعة كانت تقابلها مبادرة أخرى في الجهة المقابلة من الميدان، تقول عنها مروة فاروق : "علمنا فيما بعد أن هناك آخرون يسيرون على نفس الدرب". أما المجموعة التي تتابعها مروة فلا تكتفي فقط بتوفير الإعاشة من طعام وشراب، فحسب عبارتها: "الناس بتصرف نفسها في الأكل والشرب، فيه حاجات تانية مهمة مع غياب مصادر المعلومات". المبادرة التي تهتم بها مروة الآن قامت بشكل عفوي واتجهت إلى عمل من نوع آخر. تضيف قائلة: "هناك أمران آخران، وهما تشكيل إذاعة داخلية عبر الميكروفونات يتحدث عبرها شخصيات عامة وتوضح مطالب المعتصمين وتردد الهتافات، ونحرص على أن تمثل هذه الإذاعة المبسطة اتجاهات سياسية متنوعة، كي لا تكون محسوبة على تيار بعينه". وسط الاعتصام وبعيدا عن الإذاعة الداخلية تتشكل بعض الدوائر من الشباب يتصدرها ناشطون يحاولون فتح النقاش حول ما يحدث حولهم، ويتحدثون عن أمانيهم، ويعرض بعضهم مواهبه في الشعر والتمثيل والخطابة من اجل التعبير عن وجهة نظرهم. وبعيدا عن موقع الاعتصام يتابع مالك مصطفى من موقعه نشاط آخر ذي صلة، إذ يعمل مالك من موقعه في منطقة وسط البلد كعضو للجنة الإعاشة في مركز هشام مبارك الحقوقي، ويتابع ما يحتاجه المعتصمون من وسائل إعاشة من بطاطين وطعام ومياه وأدوية، يقول مالك : "أحيانا ما يأتينا أحد المتبرعين فنوجهه لمحلات كي يشتري ما يجده مناسبا لدعم المعتصمين". حسبما يؤكد مالك فإن الفترة الماضية كانت القضية الأهم فيها هي الاهتمام بصوت المصابين ومن يتعرضون له من عنف بشكل عام سواء داخل مناطق التظاهر والاعتصام أو خارجها. يضيف مالك: "هناك أمر آخر نهتم به وهو محاولة نفي الإشاعات التي تتردد وسط غياب المعلومات وإيصال المعلومات الصحيحة إلى المعتصمين عبر نشطاء حتى لا تضطرب الأمور".
PDF

Thursday, January 27, 2011

اتحاد الكتاب يتضامن مع الشارع المصري

عقد اتحاد كتاب مصر أمس الأربعاء جلسة طارئة أعلن فيها تضامنه مع موجة الاحتجاجات الأخيرة التي شهدها الشارع المصري واصفا إياها بالانتفاضة المجيدة، وبعد مناقشة استمرت حوالي ثلاث ساعات أصدر المجلس بيانا ذكر فيه : إن اتحاد كتاب مصر إذ يحيي الجماهير المصرية على سلوكها الوطني خلال اليومين الماضيين ، وهو يعلن تضامنه الكامل مع تلك الانتفاضة المجيدة ، ويؤكد مشاركته الكاملة لها في مطالبها المشروعة ، ويدين الأسلوب القمعي في التعامل معها، ويؤيد المطالب الدستورية التي عبرت عنها جماهير الشعب على نحو يكفل التداول السلمي للسلطة، وإلغاء قانون الطوارئ، ويطالب بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين كافة، واتخاذ الخطوات اللازمة للقضاء على الفساد السياسي والاقتصادي والثقافي، ومحاكمة المفسدين فضلاً عن بقية المطالب المشروعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
وقرر مجلس اتحاد كتاب مصر أن يظل في حالة انعقاد دائم حتى إشعار آخر.
كما أعلن المجلس عن تنظيم وقفة تضامنية لأدباء وكتاب مصر في تمام السادسة مساء السبت القادم بمقره بالزمالك.

Monday, January 10, 2011

تاريخ الجنون.. من البيمارستان إلى المستشفى العام



كتب – عبد الرحمن مصطفى
قد تبدو مواقع مستشفيات الصحة النفسية والعقلية الحالية على الخريطة كجزء من حياة المدينة وليست معزولة مثلما كانت لحظة تأسيسها، لكن في حقيقة الأمر فإن هذه المواقع كانت خارج المجال السكني في لحظة تأسيسها. أحد أشهر هذه النماذج هو مستشفى العباسية للأمراض العقلية والنفسية، ولم يكن ذلك مصادفة بقدر ما هو تطور لصورة المريض العقلي والنفسي عبر التاريخ، وتحول بين احتواء المريض العقلي في العصور الإسلامية ثم عزله في العصر الحديث في أطراف المدينة.
ترى الدكتورة هدى السعدي- الأستاذ المساعد في قسم الحضارات العربية والإسلامية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة- أن الأعراف والتقاليد الأوروبية في النظرة إلى الجنون قد تغلغلت إلى مصر في نهايات القرن 19 ، وذلك في ضوء ظهور الطب النفسي الجديد وتحديث الدولة المصرية في ذلك الوقت، هذه التقاليد الأوروبية انعكست على الواقع المصري حتى اليوم، ومن أبرز هذه الانعكاسات هو اختيار موقع المستشفى. وفي بحثها المنشور تحت عنوان "تغير مفهوم الجنون وتأثيره على المرأة والمجتمع في مصر في نهاية القرن التاسع عشر"، ذكرت الدكتورة هدى السعدي أن النظرة السائدة عن المجانين قبل العصر الحديث غالبا ما اتسمت بالتسامح والقبول، ومع سيادة قواعد الدولة الحديثة في مصر وظهور الاحتلال البريطاني تغيرت تلك النظرة فأصبحت أكثر صرامة وبدأ استبعاد هذه الفئة من المجتمع. يتضح هذا التحول عند عقد مقارنة مع العصور الإسلامية حين كان البيمارستان (المستشفى) يتعامل مع "المجاذيب" ببساطة كجزء من نشاطه الطبي، وكانت تلك البيمارستانات متواجدة وسط الحياة في المدينة دون قلق، فمنذ إنشاء أول بيمارستان في عهد ابن طولون وهناك قسم مخصص لرعاية المجاذيب. بل حتى في عهد محمد علي الذي اعتبره البعض باني مصر الحديثة ومفتونا بلتجربة الغربية ظل التعامل على نفس الدرجة من الاحتواء للمجانين، وبرز ذلك حين أسس بيمارستان لعلاج المجانين في قلب القاهرة في ميدان الأزبكية، إذ تم تحويل مخزن على ميناء بولاق إلى مستشفى لعلاج المجانين، لكن تلك النظرة تغيرت فيما بعد.
في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" (ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي - بيروت، 2006) لاحظ  المفكر الفرنسي -ميشيل فوكو- أنه مع بدايات العصر الحديث في أوروبا أثناء القرن 17 بدأ التعامل مع المجانين بطريقة مختلفة، إذ يقول عن ذلك القرن : "إنه اللحظة التي نظر فيها إلى الجنون باعتباره أفقا اجتماعيا للفقر وعدم القدرة على العمل، واستحالة الاندماج مع الغير، إنه اللحظة التي أصبح فيها الجنون جزءا من مشاكل المدينة". منذ تلك المرحلة ومع ازدياد وعي أوروبا بقيمة العقل والعلم، تم تكريس العزل لهذه الفئة المهمشة. وانتقلت تلك النظرة إلى مصر تدريجيا فرغم أن إنشاء مستشفى المجانين في حي الأزبكية في عهد محمد علي قد جاء بتوصيات من "كلوت بك" الطبيب الفرنسي الذي عهد إليه محمد علي بتنظيم الإدارة الصحية للجيش المصري إلا أنها ظلت وسط العاصمة، لكن العام 1883 كان نقطة فاصلة في هذه النظرة إلى "المجنون" إذ تأسست مستشفى الصحة النفسية بالعباسية ودخلت تحت رعاية الاحتلال الانجليزي لتعبر عن النظرة الغربية للجنون، فاختيرت في موقع بعيد عن العاصمة في صحراء الريدانية التي تحولت فيما بعد إلى حي العباسية، نسبة إلى حاكم مصر عباس حلمي الأولى (1848 - 1854). بل أقيمت محل سراي كان يملكها عباس حلمي في منطقة ذات هواء جاف يناسب حالته الصحية، وعلى نفس المنوال أقيمت مستشفى الخانكة في منطقة صحراوية يقطنها العربان على أطراف المدينة. وحسبما تذكر الدكتورة هدى السعدي فقد دخلت الأعراف الطبية الغربية على الخطاب الوطني في التعامل مع هذه الفئة. وتكفي نظرة إلى خريطة تواجد مستشفيات الصحة النفسية والعقلية وقت تأسيسها كي تكشف عن استمرار قواعد العصر الحديث في إقصاء هذه المستشفيات بعيدا عن المجتمع. ورغم تطور المدينة وتحول مواقع هذه المستشفيات مثل مستشفى العباسية أو الخانكة إلى جزء من المدينة، إلا أن العناوين الصحافية مؤخرا كشفت عن وصم تتعرض له هذه المستشفيات، وتعامل المجتمع معها كأمر واقع غير محبب. بدء من ضم مستشفى العباسية إلى قائمة المباني الأثرية مؤخرا بعد جدل أثير حول نقلها إلى مدينة بدر بعيدا عن القاهرة، أو في موقف آخر كشف فيه أهالي الخانكة عن رغبتهم في تغيير اسم منطقتهم بسبب ارتباطها باسم مستشفى "الخانكة" الذي يجلب عليهم إيذاء نفسيا. ووسط هذا الزحام يظل أغلب نزلاء هذه المستشفيات الموصومة على غير وعي بنظرة المجتمع إليهم على عكس حالهم في العصور الإسلامية، حين كان المجتمع لا يجد غضاضة في احتواء "المجانين" وسطهم دون حرج.

Sunday, January 2, 2011

على هامش العام الجديد

كتب – عبد الرحمن مصطفى

شجرة عيد الميلاد تبحث عن معجبيها

أمام محل لبيع الورود في حي المهندسين تصدرت شجرة عيد الميلاد المشهد على أمل إغراء الزبائن بشرائها، و داخل المحل لم يخف مديره ماهر التونسي تشاؤمه قائلا: "حاسس انه كمان سنتين مش هيبقى فيه شجرة كريسماس ولا احتفال بالسنة الجديدة". تلك النبرة المتشائمة سببها تناقص حجم مبيعات أشجار عيد الميلاد في السنوات الأخيرة، وهو ما يدركه شخص مثل ماهر دخل هذا المجال قبل 19 سنة، اليوم يخشى أن يكون المزاج العام قد أصبح أقل اهتماما بأجواء الاحتفالات وهو ما يمثل خطورة على هذا المجال بأكمله. أما الشجرة البارزة أمام محله فيرى أن سعرها معقولا، إذ تتراوح الأسعار بين 70 و 100 جنيه على عكس الحال قبل عدة سنوات حين كان يصل سعر الشجرة الواحدة من نفس الحجم إلى أربع أضعاف السعر الحالي. يعلق قائلا: "أتذكر قبل خمس سنوات فقط، كانت المحلات حولنا أكثر حرصا على تزيين واجهاتها بشجرة الكريسماس الطبيعية وفق الشروط التي حددها الحي وقتها، أما الآن فالوضع مخيب للآمال". أثناء حديثه يتوقف الكلام قليلا لينهي صفقة بيع شجرة عيد ميلاد إلى محل الكوافير المجاور، يتجه عامل في المحل لتزيين الشجرة بشكل روتيني على عكس حالة النشاط التي كانوا عليها قبل سنوات حين كانوا يرسلون أشجارا إلى فيلات وقصور على أطراف القاهرة، أما اليوم فهذه الشجرة أمام المحل هي واحدة ضمن عشرين شجرة سيجري بيعهم حتى الأسبوع الأول من يناير، في سنوات سابقة كان نفس المحل يبيع ضعف الكمية، لكن قواعد رأس السنة اختلفت تماما. يعلق سمير المليجي الذي يعمل في فرع آخر لنفس المحل قائلا: "اكتفينا بوضع أشجار عيد الميلاد أمام الفرع الرئيسي فقط، أعتقد أن المزاج العام الآن ابتعد عن أجواء الزينة والاحتفالات برأس السنة عن ذي قبل، كذلك فالأحوال الاقتصادية أصبحت تحد من الإنفاق في هذا المجال".
يكاد يتفق آخرون من العاملين في هذا المجال مع هذا الرأي، إلا أن أهم نقطة ركزوا عليها هي دخول أشجار عيد الميلاد البلاستيكية المستوردة من الصين إلى المنافسة معلنة التحدي لشجرة عيد الميلاد الطبيعية في هذه الفترة من العام.
أما أهم معاقل تجارة أشجار عيد الميلاد البلاستيكية فهو سوق درب البرابرة ناحية الموسكي، في هذه الناحية من السوق كان سيد رشاد مشغولا بشجرة متوسطة الطول مستقرة أمام المحل، والسعر 550 جنيه، يوضح: "معندناش شجر طبيعي .. كله صيني ولا فخر". في سوق درب البرابرة تظهر شجرة الكريسماس بشكل هامشي ومؤقت ضمن نشاط السوق، إذ يعتمد النشاط الرئيسي على بيع مستلزمات الأفراح والحفلات إلى جانب محلات النجف، لذا لا تتوقف نداءات متكررة من نوعية : "عايز حاجات السبوع يا برنس؟!". أما في المحلات التي تبيع شجر الزينة الطبيعي فلم يكترث أصحابها ببيع أشجار عيد الميلاد الطبيعية انصياعا لقواعد الاحتلال الصيني "البلاستيكي" للسوق، وداخل إحدى الحواري الجانبية من شارع البنداقة تراصت مجموعة من المحلات التي تبيع أشجار الزينة، لكن في الطابق الأول من عمارة مجاورة كان أحد كبار العاملين في هذا المجال، هناك وقف الحاج محمد ميرامار متابعا حركة البيع البطيئة في المحل. هنا يختلف الواقع تماما عن نوعية الأشجار الطبيعية التي يبيعها ماهر في محله بحي المهندسين، فهنا تباع الشجرة البلاستيكية مفككة إلى أجزاء ثم يتم تجميعها بمعرفة الزبون، السعر قد يتجاوز 500 جنيه لشجرة بطول 1.8 متر، مع إضافة حبال بلاستيكية مضيئة وكرات لامعة، وإضاءات متنوعة. يقول محمد ميرامار: "أصبح الناس أكثر زهدا في شراء شجرة الكريسماس على عكس الماضي، فمن اشترى شجرة بلاستيكية في عام سيحتفظ بها إلى الأعوام التالية، والأخطر من هذا أننا في مصر قبل عشر سنوات كنا نصنع هذه الشجرة، لكن بعد الغزو الصيني الذي ازدهر قبل أكثر من خمس سنوات تغيرت القواعد تماما، وقلت المبيعات الآن إلى النصف مقارنة بالسنوات السابقة، بعد أن تشبع السوق". يعلم باعة أشجار الكريسماس البلاستيكية في سوق درب البرابرة وغيره أنهم الأسرع وصولا إلى المنازل، إذ أنهم يتركون المنافسة خالية أمام باعة الأشجار الطبيعية في الفنادق والمدارس وأصحاب المزاج الخاص. وبينما يشكو باعة الأشجار الطبيعية من انتشار الأشجار البلاستيكية، نجد أن باعة الأشجار البلاستيكية يشكون من أن زبونهم يأتي مرة واحدة لا تتكرر إلا بعد سنوات طويلة. خارج هذا الصراع عرض أحد الباعة في سوق درب البرابرة وجها أخر لعوامل الزهد في تجارة شجرة عيد الميلاد لأسباب شخصية أعلنها في أنه قرر الامتناع عن بيع شجرة عيد الميلاد "لأنها بدعة وليس لها أصل في الدين الإسلامي". مضيفا : "كنت أبيع زهرة بنت القنصل التي تزدهر تجارتها في هذه الفترة، وعلمت من زميلي المسيحي أنها رمز لعقائد تخالف عقائد الإسلام، وهو ما جعلني أمتنع عن بيعها". هذا الرأي الذي يعرضه البائع يحمل مفارقة كبيرة في أن صاحب المحل الذي يعمل فيه يبيع أشجار الكريسماس في الفرع الآخر للمحل، لكنه متصالح مع هذا تماما. وبعيدا عن أصحاب الأعمال والباعة فقد شهدت نهاية العام الماضي جدلا بسبب رأي ديني أعلنه من الدوحة الشيخ يوسف القرضاوى رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إذ انتقد شراء المسلمين لشجرة الكريسماس واستخدامهم لها في تزيين واجهات محلاتهم واعتبر ذلك حراما شرعا.
وتعود جذور استخدام شجرة الكريسماس في احتفالات رأس السنة إلى أوروبا في العصور الوسطى تأثرا بعادة وثنية قديمة كانت لدى القبائل الجرمانية في أروربا ثم اتخذت طابعا مسيحيا فيما بعد، هذا الأصل يدركه جيدا ماهر التونسي مدير محل الورود في المهندسين، إذ كان قبل سنوات عديدة يستورد أشجارا كبيرة من هولندا وبلجيكا في طلبات خاصة من الفنادق والمدارس أثناء هذه الفترة من السنة، ويقول: "شجرة الكريسماس في الأصل ذات أصول أروربية، لكننا هنا في مصر نزرع شجرة التويا التي تشبهها تماما، وتباع في الأسواق أثناء احتفالات عيد الميلاد". يجلب ماهر أشجار التوية الطبيعية من محافظة المنوفية حيث تزرع في مشاتل خاصة ويتم توريدها إلى التجار مع بداية شهر ديسمبر، وفي السنوات السابقة كانت شجرة التوية (الشبيهة بشجرة عيد الميلاد) تزرع بأعداد أكبر حول القاهرة في صفط اللبن والمعتمدية والبراجيل ناحية الجيزة (محافظة 6 أكتوبر حاليا). وحتى الآن ما زالت منطقة البراجيل تزرع شجرة التوية لاستخدامها في احتفالات الكريسماس كل عام، هناك تتعد المشاتل التي تقدم أنواع الورود المختلفة، لكن يظل المشتل الأشهر هناك هو "مشتل البراجيل" التابع لهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، إذ يمتد لمساحة 75 فدانا تندس وسطها أشجار التوية على استحياء بين مئات الأنواع من الأشجار، يقول المهندس عبدالرحمن سيد مدير مشتل البراجيل:"بعض أصحاب المشاتل والأفراد العاديين يأتون إلى هنا بحثا عن أسعار أفضل، لكن على أرض الواقع فإن المشاتل التي تبيع شجرة عيد الميلاد على سبيل المثال في المنوفية تبيع بأسعار معقولة لأنها تعتمد على عمالة غير مدربة ومن الأطفال أحيانا، وهو ما ينعكس على سعر المنتج النهائي".
وسط المشتل الفسيح انشغلت مجموعة من العمال الزراعيين في "تقليع" بعض أشجار التوية التي وصل بعضها إلى ارتفاع 4 أمتار، ويبلغ متوسط سعرها 150 جنيها. يوضح المهندس عبدالرحمن أن مهمة هذا المشتل بالأساس هي إرسال نباتات الزينة إلى المشاتل الفرعية وتزيين شوارع محافظة القاهرة والتشريفات الرسمية، أما شجرة التويا المرتبطة بمناسبة أعياد الميلاد فهذا هو موسمها، ويقول: "بعض الزبائن يأتون لشرائها من أجل تزيين حدائقهم رافضين استخدام الأشجار البلاستيكية، إذ نوزع المئات منها في هذه الفترة". تختلف الشجرة التي تباع هنا عن بقية الأشجار التي تباع في محلات بيع الورود والزهور، إذ تقوم تلك المحلات بوضع الشجرة في إناء به جبس وهو ما يجعل للشجرة عمر افتراضي ينتهي بعد شرائها بأسابيع، أو حسب تعبير أحد باعة محلات الورود هي "شجرة تيك أواي". أما الأشجار التي تباع في مشاتل مثل مشتل البراجيل فيتم تقديمها لزبون في الغالب سيعمل على إعادة زرعها من جديد، وبحكم عمله في هذا المجال لأكثر من 30 سنة يرى المهندس عبدالرحمن سيد مدير مشتل البراجيل الحكومي أن استخدام شجر الزينة في إناء به جبس هو قتل للأشجار، ويقول : "نحن هنا نزرع بأيدينا وأملنا أن نرى ما زرعناه في موقع أخر أيا كان في فيلا أو شارع أو حديقة منزل صغير". يقول عبارته ثم يتابع إلقاء الأوامر إلى العمال الزراعيين الذين كانوا قد نجحوا في اقتلاع شجرة تويا كبيرة متجهين بها إلى خارج الحقل غير منشغلين كثيرا بمجيء رأس السنة، عدا مجدي الذي يعمل هنا منذ 27 سنة، لأنه سيحتفل في 7 يناير القادم بعيد الميلاد المجيد، ما دفع أحد رفاقه في العمل ممازحا مدير المشتل في أن يمنحه مجدي شجرة تويا من أجل الاحتفال، لكن سرعان ما تختفي الابتسامات ويعود الجميع إلى عمله من جديد.

شاهد عيان: نصنع الرفاهية ولا نشارك فيها
لم يستطع أحمد إيهاب إخفاء علامات الإنهاك الواضحة على ملامحه بعد انتهاء وردية عمله في الفندق، يقول: "رأيت في هذه المهنة ما لم أره في مكان آخر.. يكفي ما يحدث في رأس السنة فقط وفي أفراح النخبة". قبل أسبوع على بدء احتفالات رأس السنة يعيش الفندق الفخم الذي يعمل فيه حالة من الاستنفار من أجل هذه الليلة، تلك الأجواء أعادته إلى ذكريات العام الماضي حين قضى ليلة رأس السنة في "خدمة الغرف" ورأى ما لم ينسه حتى الآن. في ذلك اليوم 31 ديسمبر من العام الماضي استمر عمله لمدة 12 ساعة متواصلة للتعامل مع ضغط أعداد الزبائن الذين توافدوا على الفندق وقاعة الاحتفالات في هذه الليلة، كانت الأمور تسير بشكل معقول حتى الساعة العاشرة مساء، لكن بعد بدء حفلة رأس السنة انقلبت الأوضاع رأسا على عقب، يقول أحمد واصفا تلك الحالة: "يتحول المشهد إلى فوضى منظمة، رجال الأمن يتحركون في كل اتجاه لمتابعة الزبائن السكارى في الطرقات، والمديرون يتابعون الموقف بقلق". الصورة التي يرسمها أحمد بحكم عمله في خدمة الغرف هي "لطبقة ثرية جدا"- حسب تعبيره – جاءت لتنفق أموالها على الترفيه ومعاقرة الخمر، يعلق قائلا: "كنت أرى بعض الزبائن مكومين في الطرقات بين الغرف وأحيانا ما يحملهم زملائي إلى الداخل حفاظا على مظهر المكان وهدوء الغرف". هذه النوعية من الزبائن تأتي إلى الفندق لقضاء ليلة رأس السنة فقط، أغلبهم من طلبة الجامعات الخاصة، جاءوا في مجموعات ليمتزجوا مع غيرهم من السائحين العرب وبقية النزلاء. بعضهم يدخل الحفلة مع مجموعة من رفاقه ثم يعود إلى غرفته مع صحبة أخرى، ومن الصعب فض الاشتباك أو التطفل على ما يحدث داخل الغرف، فالزبون دائما على حق.
لم تعد تلك الأجواء تصدم أحمد إيهاب مثلما كانت صدمته في أول يوم عمل له داخل بار قاعة الحفلات في أحد الفنادق الكبرى، شارك وقتها في داخل فرح نجل عضو مجلس شعب ورجل أعمال شهير، ورأى شخصيات عامة لم يكن ليرها من قبل، ورأى بعضهم وهو منكب على كؤوس الخمر التي يقدمها لهم. يعلق قائلا: "كانت الفواتير أمامي، لقد تجاوز الفرح مليون جنيه..!" بعد هذه التجربة الأولى اتجه إلى العمل في خدمة الغرف حيث نوع مختلف من الضغوط النفسية التي لا يرها أحد. "تخيل أنك تمر على أربعين غرفة في اليوم، وعليك أن تقطع صلتك بالعالم ومشاكلك بمجرد وقوفك أمام باب الغرف، كي تؤدي دورا ما أمام النزيل، فإن كان في مزاج سيء عليك ألا تبتسم في وجهه وإلا اعتبرها سخرية منه، وان كان في مزاج مرح عليك مجاراته، وفي غرف السائحين العرب عليك ألا ترفع عينيك في وجه امرأة منقبة.. كل هذه الضغوط والتغييرات في زمن محدد لتوصيل الطلب، وإذا ما نسيت الخبز على سبيل فهي كارثة قد تتسبب في تعطيل الطلبات التالية لأن الطلبات تتم بالتوالي وليس بالتزامن، وكل شكوى يقابلها خصم، وفضيحة وسط الزملاء".
تلك الأجواء حسبما يصفها أحمد إيهاب تتخذ شكلا أكثر صخبا في ليلة رأس السنة، إذ عليه أن يقبض قيمة كل خدمة بشكل فوري لأن نسبة كبيرة من النزلاء سيقضون ليلتهم مخمورين لذا لا بد من أن يكون الحساب فوريا منعا لمشاكل التذكر والنسيان. يقول أحمد "هذه المهنة جعلتني أرى مفارقات غريبة، في مرة على سبيل المثال قدمت زجاجة شامبانيا لعروسين في ليلة زفافهما وكانت قيمة الزجاجة 9000 جنيه، في الوقت الذي أحصل على مرتب 900 جنيه شهريا، أما ثمن الإفطار الذي أقدمه قد يصل إلى 140 جنيها وأحيانا ما أقدم وجبة أسماك تصل إلى 1000 جنيه.. وكلها مفارقات وأسئلة أعيشها يوميا، تتجلى في يوم مثل رأس السنة".
الجانب الإيجابي في الأمر هو البقشيش الذي تقدمه هذه الفئة المتيسرة من الزبائن، وهنا يتم تجميع البقشيش وإعادة توزيعه على العاملين، أما ليلة رأس السنة فالمميز فيها هو رؤية مزيج متنوع من البشر على عكس التعامل العادي مع نزلاء الفندق، يعلق أحمد إيهاب: "بحكم تعاملي المباشر مع النزلاء في خدمة الغرف في العمل السابق مع جمهور المطاعم وقاعات الاحتفالات، لفت نظري شيء يتجلى في ليلة رأس السنة، هو انعدام الخشية لدى كثير من الشباب، فأنا عن نفسي أحيانا ما أشرب الخمر لكن لا أجاهر بها وأحيانا ما أراجع نفسي وأعلم أنها معصية، لكن ما أراه هناك هو غياب هذه الحسابات تماما بل أرى حالة من التفاخر". ما يذكره أحمد من ملاحظات أحيانا ما يكون الإحساس بها مضاعفا لدى فئة أخرى هي فئة عمال النظافة في الفندق، إذ يعيش بعضهم صراع القادم من بيئة ريفية محافظة، حتى أن بعضهم يرفض رفع زجاجات خمر فارغة أثناء تنظيفه الغرف تاركا المهمة لزميل غيره. وأثناء ليلة عمل صاخبة مثل ليلة رأس السنة قد يكتشف أحمد أنه ظل طوال ساعتين يمر بعربة الطلبات دون أن ينطق بكلمة، ويمر إلى جوار زميله الذي يدفع عربة طلبات أخرى بين الغرف ولا يتحدثان بسبب ضغط العمل وازدحام الغرف والحرص على قبض ثمن الفواتير فوريا من الزبائن في هذه الليلة المزدحمة، يقول أحمد : "ساعات بسأل نفسي أنا بتعب وابهدل نفسي عشان أكوٍّن نفسي وابتدي حياتي، دول مين اللي بيدفعوا المصاريف دي كلها؟؟!". في مرة أثناء فترة عمله في البار، أتاه أحدهم طالبا كأس كونياك يقدر بـ 250 جنيه كي يضع فيه سيجارا ضخما لمجرد الحصول على مذاق الكونياك.
بعد ليلة هستيرية من نوع ليلة رأس السنة، وبعد عمل إضافي حتى الصباح الباكر، يقف أحمد أمام خزانة الملابس، يرتدي ملابسه العادية مودعا الفندق.. ويعلق على ذلك قائلا: "لا أستطيع أن أتجه إلى المنزل مباشرة بعد ليلة عمل كهذه، أعتدت أن أجلس مع زملائي على مقهى مجاور لأعيد اكتشاف الحياة من جديد.". في الغالب هنا لا يتحدث الزملاء عن العمل، يحاولون التعرف من جديد على أنفسهم في بيئة أخرى، واستعادة هوياتهم الأصلية التي طمسها العمل الآلي في داخل الفندق. يقول أحمد : "أحيانا ما أنام فأحلم بمشاهد عشتها أثناء عملي في الفندق، خاصة أنك أحيانا ما تسمع قصصا غريبة من زملائك على فترات متباعدة تترك أثرا بداخلك مثل تعرض أحدهم لتحرش من نزيل أو نزيلة، وكيف تعامل مع الموقف".
حسب القواعد فكل موقف له وسيلة تصرف، واللباقة هي سيدة الموقف، لذا لا يكون المرء حرا إلا خارج الفندق، في شوارع المدينة.. حيث صخب من نوع آخر.

مع توديع عام مضى واستقبال آخر جديد يحاول البعض استعادة خبراته السابقة ومراجعة ما أنجزه فى الفترة الماضية، داخل المعتقل ليس هناك مجال لهذا الترف، بل هناك واقع آخر: «الأسئلة داخل المعتقل مختلفة تماما، إذ تعيش كأنك فى برزخ بين الحياة والموت، كل ما هو مهم ليس له أهمية، خاصة حين تكون معتقلا سياسيا لا تعرف متى يكون الخروج، وليس لديك نقاط فاصلة أو إحساس بتوالى الزمن»، هكذا يرى الناشط والروائى مسعد أبوفجر تجربة الاعتقال السياسى لمدة 30 شهرا أفرج عنه بعدها فى الصيف الماضى.شتان بين لحظة دخول العام الماضى 2010 واللحظة الحالية مع استقبال العام 2011، إذ يقضى حياته اليوم محاولا الاستمتاع بتفاصيل أخرى لم يدرك قيمتها أثناء فترة الاعتقال، منها ما ذكره: «أبحث عن الأشخاص الذين افتقدتهم فى السجن، استمتع بمشاهدة البحر ومتابعة صيانة سيارتى، الوقت الآن به حسابات أخرى، على عكس أوقات السجن حين كان أقصى طموحى أن أنام فأحلم بحلم جميل يخفف من وحشة الاعتقال».
فى غياهب المعتقلات أعداد غير محددة من المعتقلين تتراوح بين المئات حسب تصريحات مسئولين ذوى صلة بوزارة الداخلية بينما يرتفع الرقم إلى آلاف المعتقلين حسب تقديرات الحقوقيين، وجميعهم يقضون تلك الفترة بعيدا عن إحساس الانتقال من عام إلى عام أو غيرها من مناسبات مثل الأعياد.
فى كتابها «مذكراتى فى سجن النساء» (دار الآداب، 2008) استخدمت الكاتبة نوال السعداوى فقرة تعبر فيها عن فترة اعتقالها فى العام 1981 لمدة شهر، إذ قالت: «لا يموت الإنسان فى السجن من الجوع أو من الحر أو من البرد أو الضرب أو المرض أو الحشرات، لكنه قد يموت من الانتظار،الانتظار يحول الزمن إلى اللازمن، والشىء إلى اللا شىء، والمعنى إلى اللا معنى».
يرى أحمد سيف الإسلام حمد ــ المحامى الحقوقى ــ أن أكثر التجارب صعوبة للمعتقل هى إحساسه بالانعزال عن الحياة الاجتماعية وقطع الصلات بينه وبين أهله، وكان سيف الإسلام أحد من تبنوا قضية مسعد أبوفجر أثناء اعتقاله. يقول أحمد سيف الإسلام: «من خلال تعاملى مع هذا النوع من القضايا قابلت حالات قليلة أصيبت بانهيار عصبى حاد بسبب الإهانة والعزل التام داخل السجن، خاصة أن بعض السجون شديدة الحراسة لا تسمح بالخروج من الزنزانة إلا لدقائق.. لكن حالات الانهيار تلك تعد على أصابع اليد الواحدة». هذه الحياة القائمة على العزل عن المجتمع وكسر الإحساس بالزمن والتطور لم تهزم كثيرين، أحدهم هو المعتقل السابق عبدالمنعم منيب الذى قضى 14سنة فى المعتقلات المصرية حتى أفرج عنه فى 2007، يرى عبدالمنعم منيب أن المعتقل لا يهزم السجين إلا من يستسلم، فعلى مدار سنوات اعتقاله وعزلته تطورت التكنولوجيا بدءا من ظهور الهاتف المحمول وانتهاء بظهور الانترنت بقوة على الساحة، وهى تطورات ليس لها وجود بين جدران المعتقل، يعلق قائلا: «الأمر يختلف من شخص لآخر فى إدراك ما يحدث من تطورات والإحساس باختلاف الزمن، كل شىء يعود إلى فاعلية الشخص وحيويته، عن نفسى كنت أستغل كل فرصة للتعليم حتى إن كان ذلك عن طريق سؤال المعتقلين الجدد، حاولت استكمال دراستى العليا، بعض رفاق السجن نجحوا فى الحصول على الدكتوراه بينما أخفقت أنا فى استكمال دراستى العليا، إلا أننى عوضت ذلك بمجرد الإفراج عنى». نجح عبدالمنعم بعد خروجه بأسابيع فى تعلم الانترنت وأسس مدونة باسمه وعاد إلى الصحافة من جديد.
فى كتاب الناشط السياسى السيد يوسف «مذكرات معتقل سياسى» (الهيئة المصرية للكتاب، 1999) يذكر هذه الفقرة: «بينما يحتفل العالم بليلة رأس السنة وبداية السنة الجديدة 1959 انطلقت خفافيش الظلام وزوار الليل يطرقون آلاف الأبواب، يروعون الأطفال والأمهات والزوجات من نومهم لاختطاف المناضلين من أحضان أبنائهم وزوجاتهم والزج بهم فى غياهب السجون والمعتقلات»، هكذا يصور أحد معتقلى العهد الناصرى صورة نادرة انشغل فيها المعتقل باستقبال عام جديد بالخوف من مطاردات الأمن بعيدا عن أجواء يعيشها بقية العالم.
وتحت واقع استمرار الاعتقالات حتى اليوم، يرى المحامى أحمد سيف الإسلام الصورة بشكل آخر يحفظ ــ فى الحد الأدنى ــ بعض حقوق المعتقلين إذ يقول: «فى الأوضاع الطبيعية يجب توفير مراجع للباحثين فى السجون وتعميم المكتبات، وإتاحة ممارسة الهوايات والأنشطة، لكن هذه الأمور لا تتوافر فى جميع المعتقلات خاصة شديدة الحراسة التى يخرج فيها المعتقل من زنزانته لفترات قصيرة فى اليوم، وسط أجواء مهينة تكرس الإحساس بالعزل». هذه الأجواء شبهها مسعد أبوفجر بأنها حالة «أهل الكهف» لحظة خروجهم من نومهم الطويل. وفى هذه المسافة الضيقة بين عامين قد لا يدرك قيمتها سوى من شعر بغيابها مع كل عام يمر عليه فى السجن، حيث يغيب ترف الاستمتاع بمرور الزمن ومحاسبة النفس ومراجعة الذات.
PDF

Thursday, December 16, 2010

جسد المرأة

معارضة في الخفاء
الختان.. صراع الشهوة والعقل

كتب – عبدالرحمن مصطفى
"لم أعتبر يوما أن ما أقوله في الأحاديث العائلية ومع الأصدقاء يمثل شكلا من التوعية أو الدور الاجتماعي.. الأمر مجرد موقف من تجربة لا أرغب لأي فتاة أن تمر بها". ترى سامية (تم تغيير الاسم بناء على طلبها) السيدة الخمسينية أن أحاديثها المناهضة للختان مع الأمهات في دائرة معارفها هي شهادة حق تعبر عن قناعة تراكمت عبر سنوات منذ أن تعرضت للختان قبل أكثر من 45 سنة. ما زالت تذكر التفاصيل إذ تقول: "كان الختان واسع الانتشار بين بنات جيلي، ورغم أنني أنتمي إلى أسرة متعلمة، إلا أن جذور أسرتي الريفية كانت سببا ملحا وراء اتخاذ هذا القرار، إذ كان مجرد إجراء روتيني لفتيات العائلة..". بعض مشاهد ذلك اليوم ما زالت تتذكرها جيدا بدء من المفاجأة التي حدثت حين علمت من أخيها الأصغر أن ذلك اليوم هو "يوم الطهور" انتهاء بتفاصيل الممارسة التي تمت على يد نساء ريفيات جئن خصيصا من "البلد" بصحبة عمتها لإجراء الختان. وفي أحاديثها اليوم مع الأمهات تدور مناقشات حول أهمية الختان للفتاة، حسب عبارتها فإن "الموضوع حرج، ولا يتم التحدث عنه إلا بصورة عفوية"، ولا يتفجر الجدل في هذه المناقشات إلا حين تقرر سامية التعبير عن موقفها الرافض لهذه الممارسة، تقول: "تختلف المبررات، هناك من تبرر هذا بأنه إجراء يضبط شهوات الفتيات، ويكون ردي الوحيد هو : هل منع الختان ظهور العاهرات؟".
ترى فيفيان فؤاد من خلال خبرة العمل في المشروع القومي لمناهضة ختان الإناث بوزارة الأسرة والسكان أن ما حدث في الخمسة عشرة سنة الأخيرة يعد تطورا إذ أصبح بالاستطاعة التحدث عن أمر يخص أجساد الفتيات بعد ألاف السنين من الصمت عن ممارسة الختان. وتقول : "تراكم النقاش حول الختان هو ما قد يحدث التغيير الاجتماعي". تشير أرقام المسح الديموجرافي الصحي لعام 2008 إلى أن 91% من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عاماً خضعن للختان. ورغم النسبة الكبيرة للمختتنات في مصر إلا أن الدكتورة فيفيان تنظر إلى الجانب الإيجابي في الواقع الحالي، إذ أصبحت القضية متاحة للنقاش وموضع اهتمام، توضح قائلة : "ما لا يدركه البعض خاصة بين البسطاء أن هناك قانونا يجرم ممارسة الختان للإناث وهو قانون الطفل، كذلك فإن ما نلمسه من خلال خط تليفون نجدة الطفل 16000 أن هناك حالة من الوعي والاهتمام بدأت تظهر من خلال نوعية الأسئلة، فغالبية المتصلين هم من الباحثين عن المعلومات، خاصة في ظل انتشار المعلومات المغلوطة عن الختان".
هذا الجدل والنقاش لا يتوافر في كثير من بلدان العالم التي لا تمارس الختان من الأساس، هذا ما لمسته سامية أثناء إقامتها في إحدى الدول العربية المجاورة بصحبة زوجها وأسرتها، إذ تقول: "أثناء إقامتي خارج مصر كانت بعض الأسر المصرية تحرص على ختان فتياتهن في فترة الإجازة السنوية، بعضهن كنت أعرف أنهن تعرضن للختان من الانكسار الذي يبدو عليهن بعد العودة من مصر، وحين أقارن بينهن وبين فتيات الجاليات الأخرى، سواء اللاتي في أعمارهن أو الأكبر كنت أجد الأخريات أكثر نضارة وانطلاقا". تلك الخبرات والحوارات مع الأمهات دفعتها إلى مزيد من الاطلاع بدافع شخصي، خاصة بعد إثارة القضية في الفضائيات والإعلام، وتقول : "كانت حجة بعض الأمهات أحيانا أن الختان سنة، وكان زوجي أكثر اطلاعا في هذا الشأن، وبعد سنوات أصبحنا أكثر اطمئنانا إلى أنها عادة ليست لها علاقة بالدين". كان الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية قد أصدر فتوى بتحريم ممارسة الختان الحالية في العام 2007 عقب حادث وفاة طفلة أثناء ختانها على يد طبيبة. ورغم هذه الفتوى إلا أن هناك العديد من الذين تبنوا أراء أخرى ترفع الختان إلى مرتبة السنة لدى المسلمين، وما زالت تلك الآراء تنشر في كتيبات وفي أبحاث متاحة للتحميل على الانترنت بعضها ألفه أكاديميون من مؤيدي ختان الإناث. وأنتج الجدل الدائر وارتفاع مستوى التعليم إلى ظهور مصطلح جديد هو "تطبيب الختان"، فبينما كان الفتيات يتم تختين على أيدي مهن مثل:الداية، وحلاق الصحة، والممرضة. تشير الدراسات إلى أن الختان اليوم أصبح أكثر رواجا في العيادات مثلما تشير الأرقام، إذ كشف تقرير المسح الديموجرافي والصحي لمصر عام 2008، أن ثلاثة أرباع عمليات الختان يتم إجراؤها على أيدي كوادر طبية مؤهلة، الأمر الذي يزيد من تفشي ظاهرة تطبيب الختان لتصل إلى 77,4٪ ، في مقابل 17٪ في عام 1996. أي أن الاتجاه الحالي هو إجراء هذه العملية في العيادات الطبية. وترى الدكتورة فيفيان فؤاد أن انتقال أجساد الفتيات إلى العيادات الطبية سرا هو نوع من الانتصار بعد أن كانت تلك الممارسة قديما تقام في أجواء بهجة وفرحة للأهل رغم الآم الفتاة الصغيرة وتضررها في المستقبل وتأثير ذلك على الحياة الزوجية، وتقول: "التغيير يحدث حين تصل المعلومات الحقيقية إلى الناس.. هذا ما استنتجته من خلال نتائج العمل الميداني في الفترة السابقة أما أكبر تحدي فهو من أصحاب المصالح ومن يخلطون الدين بالسياسة، ويفسرون كل خطوة تفسيرا تآمريا، ما زال الأمل في أجيال جديدة اقتنعت بمضار هذه الممارسة، وبعضهم أصبح متطوعا لمناهضة هذه الممارسة، والرهان على هؤلاء في تغيير الأرقام ناحية انحسار الختان في مصر".
في مساحات بعيدة عن العمل الميداني وجها لوجه، داخل منتديات الانترنت، تدور نقاشات تحت أسماء مستعارة، في أحد المنتديات النسائية عنوان : قصتي مع الختان، تؤيد كاتبة الموضوع الختان لكن "بشروط"، أهمها العرض على "طبيبة مسلمة ثقة" لتحديد مدى ضرورة الختان، وتتوالى الردود بين المؤيدات اللاتي يرين فيه "تربية وأخلاق"، وأخريات يرين فيه جريمة بشعة، ولم تخلو الإجابات من دفاع لمن تعرضن للختان بأنه لا يؤثر على العلاقة الزوجية، وفي موضوع آخر في نفس المنتدى تتساءل إحداهن تحت عنوان: الختان للبنات، إن كان الختان في سن كبير بين 16 و21سنة يسبب مشكلات للفتاة، وتتوالى الردود التي فضل أغلبها الحديث عبر الايميل بعيدا عن المنتدى المفتوح للقراء، وتظهر من خلال الردود أن الختان قلق مصري، لا يشغل المعلقات من بلدان عربية أخرى. بعض الفتيات والنساء من نوعية سامية الرافضات للختان يعبرن عن رفضهن عبر الانترنت في خفاء واقتضاب، بينما تظهر نتائج البحث الأولية على محركات البحث على الانترنت أن الأكثر رواجا هي نتائج المدافعين عن الختان الأعلى صوتا.
قد لا تشارك سامية بحكم قلة خبرتها في التعامل مع الانترنت في هذه المناقشات، لكنها ما زالت متمسكة بموقفها القائم على التعامل وجها لوجه في دائرة معارفها معلنة رفضها للختان على أمل حماية جسد فتاة صغيرة ليس لها صوت كي تدافع على نفسها، وتردد عبارة واحدة قائلة : "لم أرزق ببنات، لكن لو كنت قد رزقت بهن لما سمحت لأحد بأن يمسهن إلا أزواجهن في المستقبل
".
ـــ
فتيات دار السلام
وسط مجموعة من الفتيات يرتدين الزي المدرسي تتصدر "أسماء" (11 سنة) المشهد، وفي الخلفية تشاركها زميلتها "دعاء" (13 سنة) الغناء، يردد الجميع : "يا بنت النيل يا حرة .. الختان عادة ضارة" ضمن عرض قررن تقديمه في إحدى قاعات جمعية بنت النيل بحي دار السلام. في السنوات السابقة عملت الجمعية في عدة أنشطة لخدمة سكان الحي المتواضع، أما المشروع الذي يضم كل من دعاء وأسماء وزميلاتهن فهو مشروع تحسين الظروف التعليمية والصحية والنفسية للفتيات المعرضات للختان بحي دار السلام، تقول سيدة السيد رئيسة الجمعية "الفكرة ليست فقط مقتصرة على قضية الختان، بل تنمية فتيات لم يتعرضن للختان كي يكن نموذجا لمن حولهن، لذا أحيانا ما نتواصل مع الأهل إذا ما وجدنا فتاة تتعرض للعنف الأسري، أو تعاني من تأخر دراسي".
كانت نفس القاعة قبلها بقليل قد شهدت جلسة تعقد شهريا مع الأمهات والآباء بهدف التوعية بقضايا تخص العلاقة بين الرجل والمرأة، من على المنصة توجه سيدة السيد وفردوس بهنسي أسئلة إلى الأمهات تدفعهن إلى التفكير، مثل : لو لم تقومي بعمل المنزل كم سيتكلف المجيء بعاملة تقوم بهذا الدور؟ كيف ترين صورة الرجل ؟ في آخر القاعة يشارك الحاج سمير الذي أتى بصحبة زوجته وإلى جواره أحد سكان الحي الذي جذبته الفكرة. يشارك الجميع في طرح الأسئلة والإجابات مع مديري جلسة النقاش.
يقول أحمد صديق مدير مؤسسة حماية وتنمية الطفل وحقوقه المشاركة في المشروع أن هذه الخطوات سبقتها دراسة مسحية في الحي أظهرت أن الغالبية العظمى من الفتيات يتم تختينهن بنسبة تقارب95%. إلى جوار القاعة الرئيسية بالجمعية أعمال فنية رسمت بأيدي الطالبات، ويقول أحمد صديق: "المشروع يدعم الفتيات ماديا وتعليميا، إلى جانب الرحلات الترفيهية". من ملاحظاتها لتطور سلوك الفتيات على مدار عام من العمل ترى سيدة السيد رئيس جمعية بنت النيل أن الفتيات أصبحن أكثر اهتماما بأنفسهن من قبل، وتقول : "حتى الأمهات لاحظن نفس الأمر، كما تسبب انخراط الفتيات في الأنشطة المتنوعة حالة من الحوار بين الفتيات وأهلهن". تلك الأنشطة كما يوضح المسئولون عن المشروع كان يعرقلها تخوفات الأهالي من فكرة خروج الفتيات في رحلات ترفيهية، وقلق بعض السكان المحيطين بالجمعية من الندوات التي تعقد للأهالي، يعلق أحمد صديق قائلا: :"أحد الجيران القلقين كان حاضرا معنا في ندوة اليوم، وشارك في النقاش بعد أسابيع من الحذر في المشاركة". يأمل القائمون على المشروع أن تتحول الفتيات المشاركات إلى سفراء في محيطهن، رغم تلك المحاولات ما زالت بعض الأمهات يتجهن بشكل جماعي إلى إجراء الختان على أطراف دار السلام لدى أحد الرجال المعروفين هناك، لكن تلك المواقف لم تمنع "أسماء" طالبة السنة الخامسة الابتدائية من التعبير عن موقفها وسط زميلاتها في المدرسة حين يثار الحديث حول هذا الأمر قائلة : "حين يسألنني زميلاتي عن الختان أقول بوضوح أن الختان حرام، ويجب ألا تتعرض له فتاة".

3 أسئلة حول المجتمع وجسد المرأة
فردوس البهنسي خبيرة تنمية المجتمع، واستشارية التدريب
- ما هي ملامح نظرة المجتمع المصري للمرأة في ضوء نتائج العمل الميداني في هذا المجال؟
نستطيع تفهم تلك النظرة من خلال عبارة شهيرة تقابلنا في المناسبات هي: لا عزاء للسيدات، إذ ما زالت المرأة في موضع التابع للرجل سواء في المواقف الاجتماعية، بل حتى في النظرة إلى صاحبات المناصب السياسية، لعل الانتخابات الأخيرة كشفت بعض ملامح هذه الصورة في أن تكون المرأة مدعومة من قبل مرشح "رجل"، ما زلنا إلى حد كبير محكومين بأفكار العزوة واسم العائلة المرتبطة بإنجاب الذكور، والمفارقة أن من خبرة العمل الميداني في المشروعات المرتبطة بتنمية المرأة وجدت أن الوضع في الصعيد حيث العادات المتأصلة وما يشاع عن مقاومة التغيير الاجتماعي أفضل بكثير من "بحري" والعاصمة، الناس في الصعيد نتيجة الحرمان من التنمية في شوق إلى الحوار والتواصل. والفيصل في تغيير هذه الصورة هو التعامل الجاد من قبل النساء العاملات على هذا التغيير.

- كيف تطور وضع المرأة في المجتمع إلى ممارسات ضدها؟
تكفي نظرة إلى الإعلانات التجارية التي يكرس بعضها صورة ضعف المرأة والاستهزاء بها، لكن تلك الممارسات ليست مرتبطة ببعد واحد، فمثلا هناك تراجع بطيء في ظاهرتي ختان الإناث وزواج القاصرات، لكن على جانب آخر نجد ظواهر أخرى قد طفت على السطح مثل ظاهرتي التحرش الجنسي و استغلال فتيات الشوارع، وتلك الظواهر الأخيرة مرتبطة بشكل كبير بالحالة الاقتصادية وغياب الأماكن التي تحتوي طاقة الشباب، أما الظواهر الراسخة في المجتمع مثل الختان وزواج القاصرات فتلك تعتمد على هيبة الدولة، لأنه رغم ظهور قوانين تجرم تلك الممارسات إلا أن هناك وسائل للتحايل عليها ما زالت موجودة. بل هناك مشاكل أكبر لدي موظفي الجهاز الإداري في الدولة، كأن نجد موظفا صغيرا يتبنى النظرة الدونية إلى المرأة ويعرقل مجهودات إصدار القوانين وحملات التوعية.

- كيف يمكن التغلب على النظرة الدونية إلى المرأة في المجتمع؟
هناك عدة مجالات يجب العمل فيها لتحقيق التغيير، فمن الصعب أن نجد في مناهج التعليم دروسا للأطفال في المرحلة الابتدائية تظهر الولد بموقف بطولي، والأم في موقف هامشي، رغم أننا نعلم جيدا كيف أن هناك أمهات هي من تعيل أسرهن، وفي مجال الإعلام ما زال البعض يفتقد الوعي بأنه يكرس لاحتقار المرأة وإظهارها بصورة مهمشة أو سخيفة، كذلك هناك طريق آخر يمكن اتخاذه بالعمل على تنمية الفتيات المميزات وأسرهن، على أمل ألا يقعن في مشاكل و يصبحن نماذج لمن حولهن، هذا النموذج اعمل عليه الآن في برنامج لاختيار فتيات غير مختنات، و دعمهن وتدريبهن على الرسم والخروج في رحلات تثقيفية، وحتى مع تخوف الأهالي إلا أننا في النهاية ننجح في طمأنتهم وتعريفهم بأهدافنا.

الجسد.. بين فستان و ريشة فنان
"نجاح الموديل يتوقف على أمور ليست بيدها، مثل تقبل مصممي الأزياء لها وأن يتوافر لديها القوام الملائم للمهنة". ترى أمينة شلباية مصممة الأزياء وخبيرة التجميل أن الضغط العصبي الوحيد الواقع على عارضة الأزياء هو أن تحافظ على قوامها وبشرتها، وأن تجيد المشي برشاقة وخفة على "الممشى". عدا تلك التحديات، فغالبية العاملات في مهنة عروض الأزياء يعلمون أنهم يؤدون عملا مؤقتا، تقول أمينة شلباية: "بعض من يؤدين عروض الأزياء يعملن في بنوك وخريجات جامعات محترمة، المسألة لا تحتاج إلى تفرغ كامل، والموديل المطلوبة هي التي لها طلة مميزة على الممشى.. وهذا المجال يكاد يكون الوحيد الذي لا تصلح فيه الوساطة، لن تجد مصمم أزياء يضحى بعمله من أجل مجاملات". بعض الاتهامات أحيانا ما كانت توجه إلى فكرة استخدام الجسد كوسيط لعرض الأزياء، وشغلت تلك الفكرة بعض المفكرين في الغرب، وأهمهم كان المفكر الفرنسي جان بودريار الذي روّج لمصطلح صنمية الصورة، إذ تحدد صورة العارض والعارضة طبيعة الأزياء التي يجب أن تنتشر في المجتمع، هذا الجدل لم يشغل كثيرين في مجتمعاتنا، عدا بعض الانتقادات التي يسددها أحيانا أصحاب الاتجاهات المحافظة وهو ما دفع إلى ظهور أفكار جديدة مثل رابطة عارضات الأزياء المحجبات التي تم تدشينها على شبكة فيسبوك الاجتماعية بهدف أن تقتصر العضوية على المحجبات وتقول أمينة شلباية : "لا يوجد شيء اسمه عارضة أزياء محجبة، مهمة العارضة أن تعرض ملابس أيا كانت، بواسطة جسدها الملائم لتلك المهنة، أما نظرة المجتمع فلم تعد تتحكم في شيء، في النهاية عرض الأزياء مثل التمثيل وغيره من المهن الأخرى، بها الجيد والرديء على السواء" . حسب عبارة أمينة شلباية التي احترفت عروض الأزياء ثم انتقلت إلى التصميم وتقديم البرامج فإن "عرض الأزياء في النهاية هو سلم لمجالات أخرى وليس مجال مهني ثابت"، إذ أن تطور ملامح العارضة تجعل الأضواء تخفت عن العاملة في هذا المجال في بدايات سن الثلاثين.
رحلة البحث عن موديل في مجال عروض الأزياء تحددها معايير مهنية تقليدية، تجعل الفرصة متاحة أمام فتيات بالتحديد، كأن يتجاوز الطول 170 سنتيمتر، وأن تكون ذات ملامح مقبولة للجمهور ومصمم الأزياء، الأمر مختلف تماما في مجالات أخرى مثل الفن التشكيلي حين يبحث الفنان عن "موديل" تعينه في إتمام أعماله الفنية، ويزيد الحرج الاجتماعي على تلك الموديل التي تتعرى أحيانا أمام فنان لساعات كي ينجز لوحته. في كتاب نساء حسن سليمان (المجلس الأعلى للثقافة، 2009)، ترصد الكاتبة عبلة الرويني تلك العلاقة بين الفنان والموديل من خلال حواراتها مع الفنان التشكيلي حسن سليمان. بين ملاحظاته لبعض النساء في الأسواق والشوارع يتحولن في لحظات إلى بطلات لوحاته. يقول حسن سليمان كما نقلت عنه عبلة الرويني: "أنا لا عمري ما رسمت موديل مومس، ولا تشكل لوحاتي امتهانا للجسد، وبالعكس، الموديل دائما فخورة بجسدها ومتباهية به" هذه العبارات جاءت في تعليقه على النظرة الدونية إلى الموديل في ذلك الوقت، إذ يرى البعض – حسبما يقول- أنها مجرد امرأة سيئة السمعة تتعرى لتقبض الثمن. تلك الصورة منذ أن كان حسن سليمان ينتج لوحاته وأعماله أصبحت أكثر غموضا اليوم يعلق على ذلك سمير فؤاد الفنان التشكيلي الذي شارك حسن سليمان الكثير من المواقف، ويعلق قائلا: "أزمتنا اليوم هي غياب الموديل المحترف، في الماضي حين كان الفنانون يجتمعون في البيوت التاريخية لرسم الموديلات، كانت الواحدة منهن تشعر بأهميتها، أما اليوم فالأمر بالنسبة لها مجرد قرشين زيادة إلى جانب عملها". في معرضه الأخير الذي أقامه تحت عنوان "الجسد" كان محور أعماله حول فكرة الجسد، استعان ببعض الموديلات كي ينقل عنهن تشريح الجسد الذي يصوره، ثم يضع لمساته بعدها، اليوم قد لا يستطيع الوصول إلى نفس الموديل التي رسمها قبل سنوات، حسب عبارته: "قد تجد رقم الهاتف قد تغير، أو قد لا تبدي أخرى اهتماما بالحضور والالتزام بالمواعيد، المشكلة الأكبر هي أن الغالبية لا تقدر أن جسدها جزءا هامة من إنتاج عمل فني".

Thursday, December 9, 2010

دفتر أحوال العلم والعلماء

فى ظل ضعف الإمكانات وندرة المجموعات البحثية، يسعى بعض العلماء للهجرة بحثا عن ظروف أفضل، فى حين يقرر آخرون العودة للوطن أملا فى إحداث تطور ما.. مبادرات متفرقة ويظل التغيير بطيئًا.
قبل سنوات اتجهت هبة ونيس للدراسة فى جامعة أدنبرة باسكتلندا حتى حصلت على شهادة الماجستير فى الصحة العامة عام 2006، وبعد عودتها إلى مصر واستقرارها لعدة أعوام انتقلت مرة أخرى إلى خارج مصر، حيث تعمل الآن فى مدينة جنيف بسويسرا.فى المرتين كانت هناك أسباب وجيهة للسفر، ودائما ما كان الطموح والكفاءة أهم عوامل الانتقال خارج مصر، توضح هبة قائلة: «أنا صيدلانية تخرجت فى جامعة عين شمس، وحين أردت أن أتخصص فى دراسة الصحة العامة فوجئت بأن ذلك غير متاح لخريجى الصيدلة على عكس الجامعات فى الخارج، لذا لم يكن هناك مفر من السفر».اختارت هبة موضوع بحثها عن وضع الصحة العامة والدواء فى مصر بعد تطبيق اتفاقية «التربس»، وهى اتفاقية مختصة بحماية حقوق الملكية الفكرية، وأثارت جدلا حين توقع البعض أنها قد تؤثر فى منع إنتاج بدائل رخيصة للأدوية، وهو ما دفعها إلى دراسة تأثير ذلك على مصر.
وحين عادت إلى مصر اتجهت للعمل لعدة سنوات فى برنامج الأمم المتحدة الإنمائى بالبرنامج الإقليمى للإيدز فى الدول العربية، لكن تخصصها الأصلى وجهها إلى جنيف حيث تعمل حاليا فى شبكة العالم الثالث وهى منظمة غير حكومية، ومن خلال وجودها هناك أصبحت أكثر قربا من تخصصها فى مجال الصحة.
تعلق قائلة: «ليس معنى أن يكون تخصصك جديدا أو مهما أن تجد نفسك مضطرا إلى الهجرة إلى الغرب، كل تخصص جديد يمكن الاستفادة منه إذا ما كانت هناك نية للتطوير، وقتها ستشعر بأنك تصنع فارقا بالعلم الذى قضيت سنوات فى دراسته، لكن للأسف هناك شىء فى مصر يعرقل هذا تماما، خاصة مع ازدياد روح الأنانية والفردية على حساب تحقيق المنفعة العامة.. أقول هذا رغم أنى عملت مع شخصيات فى مصر أدين لها بالفضل الكبير فى حياتى».
عدد ليس بالقليل من الكفاءات المصرية اتجه إلى الخارج بحثا عن التقدير وإمكانية الاستفادة من تخصصاتهم، وهو ما أسفر عن وجود أكثر من 450 ألف مصرى فى الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبى وكندا وأستراليا من «الكفاءات العلمية» حسب توصيف دراسة أصدرتها أكاديمية البحث العلمى قدرت خسائر مصر من نزيف العقول بما يجاوز 45 مليار دولار.
بعض من يخوض تجربة السفر إلى الخارج بحثا عن العلم أو تطوير كفاءته يعود مرة أخرى إلى مصر مثلما اختارت هبة أن تعود باحثة عن فرصة لممارسة تخصصها البحثى، إلا أن المهاجر العائد أكثر جرأة على البحث عن هجرة جديدة، إذ يذكر تقرير «الهجرة العصرية للمصريين» الصادر عن وزارة القوى العاملة والهجرة أنه تزداد نية الهجرة لدى المهاجرين العائدين وخاصة بين النساء العائدات. ويشير التقرير إلى أن جميع المؤشرات تؤكد أن من خاضوا تجربة الهجرة الدولية هم الأكثر عرضة لخوض التجربة مرة أخرى أكثر من غيرهم.
تقول هبة ونيس: «الكثير من أصدقائى خططوا للهجرة منذ سنوات لأنهم لا يرون مستقبلا فى مصر ويريدون لأولادهم بلدا أفضل، أنا ضد الهروب والسفر لغرض تغيير البلد وكأن كل المشاكل ستحل فى أى مكان آخر، لأننا هنا أيضا نواجه مشاكل ثقافية وعنصرية وغيرها». بعد تجربة السفر والإقامة فى بلدين أوروبيين هما اسكتلندا وسويسرا، رصدت هبة ما كانت تفتقده فى مصر، وتوضح ذلك: «ما ألاحظه هنا، خاصة بحكم نظرتى كشخص يعمل فى مجال التنمية أن البلاد الغربية تعمل على الاستثمار فى الموارد البشرية والتعليم لأنه أساس المستقبل، كذلك تعمل على توظيف العقول المميزة فى أماكنها السليمة وربط العلم باحتياجات المجتمع».
تذكر موقفا تعرضت له أثناء إعدادها رسالة الماجستير حين واجهت قلة المعلومات عن الصناعات الدوائية فى مصر فطلبت من إحدى الجهات فى مصر بحثا لم تستطع فتح رابطه على الانترنت، فوجئت بهذا الرد «التقرير تمت إزالته لأسباب سياسية» تعلق على ذلك قائلة: «هناك مشكلة فى الوصول إلى المعلومات، خاصة حين تطلبها بنفسك فتثير الشكوك بطلبك، المفاجأة أن لى صديقا عزيزا أرسل إلى الأبحاث بعد ما شكيت له».

الجذور مصرية والفرصة أمريكية
تنتمى هبة إلى أحدث أجيال الهجرة إلى الخارج، سواء كانت هجرة مؤقتة أو دائمة، وتضع الدكتورة اعتماد علام ــ أستاذ علم الاجتماع بكلية البنات فى جامعة عين شمس ــ أسبابا رئيسية تدفع أصحاب الكفاءات إلى الهجرة خارج البلاد، وتلخص ذلك فى أن عدم وجود حركة فكرية واضحة تحتوى ذوى الكفاءات العلمية، يزيد من إحساسهم بالاغتراب والإحباط وعدم التقدير.
وترصد فى ورقة بحثية تحت عنوان «الأبعاد الاجتماعية لهجرة الكفاءات العلمية المصرية للدول المتقدمة»، تطور الخلفيات الاجتماعية لحركة هجرة الكفاءات العلمية فى مصر، إذ كانت الفترة بعد الثورة حتى عام 64 مشحونة بالوعى القومى إلى جانب توافر الكثير من القيود على السفر إلى الخارج عدا الإعارات المنظمة، وانتقالات محدودة من الرأسماليين الذين أحسوا بانعدام الأمان فى مصر الاشتراكية! لكن بعد هزيمة عام 67 وتراجع معدل النمو الاقتصادى من 6.5% إلى 2% واتجاه الأموال إلى المجهود الحربى زادت المعوقات التى تقف ضد تطوير مهارات أصحاب الكفاءات، خاصة مع غياب الفرص أمامهم، ونتيجة هذه التطورات تم إقرار الهجرة الدائمة والمؤقتة بشكل معلن فى دستور عام 71، وهو ما أثر بشكل واضح على معدلات الهجرة إلى الخارج.
وتذكر الدراسة أن أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء رصدت أن 9% فقط كانوا يفضلون البقاء فى الخارج قبل عام 73، لكن النسبة ارتفعت بين عامى 73 و78 لتصل إلى 40% بقوا خارج مصر. هذه الفترة هى التى أنتجت عددا من الباحثين العالميين أمثال العالم أحمد زويل وفاروق الباز وغيرهما من العلماء الذين توجهوا إلى الولايات المتحدة فى نهاية الستينيات، وفى كتاب عصر العلم (دار الشروق، ط12، 2010)، يذكر العالم المصرى أحمد زويل أسباب شغفه بالدراسة فى أمريكا قائلا : «لم تكن الولايات المتحدة وقتذاك فى وضع يسمح لها بأن تكون صديقة حميمة لمصر،... ومع ذلك فقد عقدت العزم على أن أذهب إلى الولايات المتحدة وأستكمل دراستى فيها، لأننى أعرف أن أفضل الأبحاث فى مجال تخصصى كانت تجرى هناك».
كذلك كان الدكتور زويل متعلقا بأساتذته الذين تصادف أن عددا كبيرا منهم طور مهاراته بسبب دراسته فى أمريكا، ولا يخفى أنه «فى ظل النكسة وشعور اليأس العارم والظروف الاقتصادية المضطربة والكئيبة قرر عدد كبير من خريجى الجامعات، مكرهين، الهجرة».سجل زويل فى ثنايا كتابه بعض المقارنات بين الجامعة التى عمل بها فى أمريكا ومناسبات حضرها فى مصر قبل حصوله على نوبل ولمس أثناءها عدم الانضباط. ورغم نجاح هذه الشخصيات وتحققها فى الخارج إلا أن إطلالتهم على بلادهم أحيانا ما تثير الشجن، كان أوضح مثال على ذلك مقال «جيل الفشل» الذى كتبه العالم المصرى فاروق الباز عام 2006 بجريدة الشرق الأوسط بادئا إياه بعبارة: «فشل جيلى فشلا ذريعا فى تحقيق آمال الشعب العربى». ويصف هذا الجيل بأنه «الذى تتلمذ بالمدارس والجامعات حتى أعلى المستويات فى الخمسينيات والستينيات»، داعيا إلى تأسيس جيل جديد مسلح بالثقة المتولدة عن العلم.
إلى العالم المتقدم
تعد مصر من أكثر الدول العربية التى تعانى من هجرة العقول والكفاءات، ويشير التقرير الإقليمى لهجرة العمل العربية لعام 2008 إلى أن مصر فى عقد التسعينيات كانت أكثر الدول العربية عرضة لاستنزاف عقولها وكفاءاتها، إذ كانت تمثل نسبة 22% من حجم هجرة العقول العربية فى العام 1990 مقارنة بنسبة 17.5% فى العام 2000، وأغلب هذه الكفاءات تتجه إلى دول العالم المتقدم فى أمريكا وأوروبا.
هذه الملاحظة رصدتها هبة ونيس بحكم عملها فى منظمة مهتمة بالعالم النامى، ولاحظت أن هجرة الكفاءات ليست حكرا فقط على مصر أو العالم العربى، بل هو أمر يمتد إلى دول أخرى فى الظروف نفسها. ومن موقعها الحالى فى جنيف، لا تخفى حيرتها من المجتمع فى مصر الذى يواجهها بعدم تقبل هجرة الفتيات للعمل فى الخارج، لذا تتابع أخبار مصر بشكل دائم، وتشعر بقلق على التغييرات التى تطرأ على البلد، والتفكير فى مدى توافر وظائف مناسبة فى حالة العودة، وتعلق على ذلك: «أنا فى جنيف للعمل الآن، وأستطيع البقاء هنا لفترة طويلة أن أخترت ذلك، ومن الواضح أننى سأختار الاستقرار هنا، على الأقل فى هذه المرحلة من حياتى.
**
واجه تامر صبرى «29 سنة» مجموعة من الخبرات منذ أن بادر مع أصدقائه إلى إنشاء «الجمعية المصرية لشباب العلماء»، يعلق على ذلك قائلا: «كنا 11 فردا من شباب الخريجين نطمح إلى المشاركة بجزء بسيط فى إحداث نهضة علمية فى مجتمعنا، لكن المواقف التى واجهناها كانت مقلقة، وتتلخص فى أنه لا يوجد حماس كبير للعلم، ورغم ذلك لن نيأس». يرأس تامر صبرى مجلس إدارة الجمعية المصرية لشباب العلماء التى يوضح أنها ليست جمعية تضم «شباب العلماء» إنما جمعية تطمح إلى أن «يصبح البحث العلمى والتطوير والاستكشاف منهج حياة للمجتمع». بدأت الفكرة قبل عام 2005 حين أراد تامر تطوير بحث خاص متعلق بعيش الغراب، واكتشف حتمية أن يستعين بتخصصات أخرى مساندة له فى هذا البحث بعيدة عن تخصصه كطبيب بشرى. ومن خلال عمله الخيرى فى جمعية «رسالة الخيرية» التقى عددا من أصحاب التخصصات العلمية، التى تواجه المأزق نفسه، بسبب غياب الجهة التى تنسق العمل العلمى الحر. يضيف موضحا: «تلك المواقف حمستنا لإنشاء مشروع يؤسس لعالم المستقبل، إذ اكتشفنا مع الوقت أن القصة ليست فقط فى توافر الكفاءة العلمية للشباب، إنما هناك أمور أخرى يجب أن يجيدها الشباب». أثناء بدايات العمل بعد إنشاء الجمعية فى 2005، تواصل الشباب المؤسس للجمعية مع باحثين مصريين فى جامعات فى اليابان وأمريكا طلبا لخبراتهم، وتولدت فكرة النشاط الأول حسبما يوضح تامر: «حين ينهى الخريج دراسته الجامعية، يكتشف أنه لا يعرف شيئا عن دورات وبرامج دراسية تدرس فى الجامعات المتقدمة، مثل إعداد الباحث العلمى والتفكير العلمى وتسويق الأبحاث وإدارة فريق العمل.. كانت تلك هل المادة التى بنينا عليها أول دورة لإعداد شباب الباحثين، وحصلنا بهذا النشاط فى شهر فبراير الماضى على جائزة مسابقة منظمات المجتمع المدنى 2010 من مكتبة الإسكندرية». رغم هذه الصورة إلا أن هناك معوقات تعرقل نشاط الجمعية، الذى بدأ فعليا منذ العام 2008، وذلك لأن النشاط أحيانا ما يتوقف على مدى تفرغ الأعضاء المؤسسين والمتطوعين حسب ظروف عملهم وحياتهم.
أما النقطة الأهم أن العمل يدار بمنطق «الميزانية الصفرية Zero budget» أى الاعتماد على الحد الأدنى من الإمكانيات والتكاليف، واستئجار قاعات خارجية، بسبب غياب الدعم عن جمعيتهم، ويعلق تامر قائلا: «حين طلبنا دعما من أكاديمية البحث العلمى، اقترحوا علينا مبلغ 500 جنيه سنويا لإصدار مجلة تابعة للجمعية». تقدر ميزانية البحث العلمى فى مصر بمبلغ مليارى جنيه، يذهب 80% منها لرواتب أعضاء هيئات التدريس والإداريين، حسب تصريحات حديثة لرئيس أكاديمية البحث العلمى. لهذه الأسباب يدين تامر بالفضل إلى خلفية عمله التطوعى فى جمعية رسالة الخيرى، وهى الجمعية نفسها، التى عمل بها إكرامى محمد (31 سنة) لسنوات عديدة قبل أن يتجه إلى تأسيس مبادرة مختلفة إلى حد ما. لم يلتق إكرامى مع تامر أثناء عملهما فى نشاط جمعية رسالة، إلا أنه يتفق معه فى عدد من النقاط، شارك إكرامى قبل عدة سنوات فى التطوع للتدريب داخل جمعية رسالة فى مجال الكمبيوتر بحكم عمله كمصمم مواقع.
وأثناء الدورات كان الأمر محكوما بقاعات محدودة العدد ومكان ثابت، لكن قبل أكثر من عام وجد أن الأفضل هو إتاحة كل تلك المعرفة على الإنترنت من خلال موقع شامل دشنه فى الصيف الماضى تحت اسم «يلا علم»، ويقول إكرامى: «كانت الفكرة هى نشر المعرفة بواسطة متطوعين من داخل مصر وخارجها، وكانت أغلب اجتماعاتنا الأولى عبر الإنترنت، ويعمل كل متطوع على إعداد موضوع ضمن تخصصه، ثم ننشره على الإنترنت، على أمل تكوين موقع موسوعى ومتخصص».
يؤكد إكرامى أن هناك الكثير من المشاكل، التى تواجهه للاستمرار فى الفكرة، يذكرها: «الهدف بعيد المدى هو أن يتحول الموقع إلى بوابة إلكترونية مكونة من عدة مواقع فى اللغات والعلوم الإنسانية والكمبيوتر وغيرها من العلوم، وفى النهاية نؤسس مركزا ينشر المعرفة مجانا، فى جميع فروع المعرفة، ويقوم على ذلك متطوعون متخصصون، على أمل أن نسهم فى إقامة نهضة فى مجتمعنا، لكن على أرض الواقع أحيانا يتفرغ أحد المتطوعين لعدة ساعات أسبوعيا لكتابة مادة نضيفها للموقع، ويحدث ألا يشعر باستجابة لجهده، خاصة أننا ما زلنا فى المرحلة الأولى من تدشين الموقع، والمؤسف أن البعض تفتر همته بعد قليل، أو تغلبه ظروفه».

مهمة شيرين.. انتقاء المتطوعين
تشارك إكرامى هذا الحلم زميلته شيرين بدر، وتتركز مهمتها فى انتقاء المتطوعين بحيث يكونون متخصصين فى مجالهم، خاصة أن الهدف حسبما يشير إكرامى «ليس هدفنا تعليميا، إنما تنويريا، وصنع تراكم من المعرفة والمعلومات يثرى المحتوى العربى على الإنترنت». وسط زحام المواقع والمنتديات المتخصصة، لا يخفى إكرامى قلقه، لكنه يصر على البقاء مع حلمه حتى النهاية. هل تعبر هذه المبادرات الشابة عن تيار يصارع للظهور داخل مجتمع غير متحمس للعلم حسبما يؤكدون؟ لم تجد الدكتورة يمنى طريف الخولى ــ أستاذة فلسفة العلوم بكلية الآداب فى جامعة القاهرة ــ سوى استعارة مبدأ علميا قديما لنيوتن قائلة: «فى الماضى كان العالم يؤمن بقانون العلة والمعلول لنيوتن، أى لكل نتيجة سببها، لكن الواقع الآن أكثر تعقيدا من ذلك».
توضح الدكتورة يمنى كلامها بأن ظهور مثل هذه المبادرات لا يتصل بسبب وحيد أو علة واحدة، وإنما مجموعة أسباب: «هذه التجارب الواعدة تتصل بشكل كبير بطبيعة العصر، لم يعد التعامل مع العلم مقتصرا كما كان على التجارب المعملية، اليوم مع دخول التكنولوجيا واتقان اللغات، أصبح الوصول إلى المعرفة أيسر، وكذلك إعادة تقديمها بواسطة مبادرات على هذه الشاكلة». وتؤكد الدكتورة يمنى أن الأمر ليس بالبساطة المتوقعة إذا ما حاولت هذه المبادرات أن تنمو، هناك تحديات متعلقة بالتمويل، وأخرى تتعلق بالكفاءات المطلوبة لتنمية هذه المبادرات.
فى تجربة الجمعية المصرية لشباب العلماء خاض تامر ورفاقه هذه التجربة مؤخرا حين أرادوا الصعود إلى مستوى أعلى فى الدورات التدريبية التى يقدمونها، إذ يطمحون فى الورشة القادمة أن تكون متخصصة فى مجال الخلايا الجذعية، يقول تامر صبرى: «تحدثنا مع بعض الأساتذة الأكاديميين وبعضهم أبدى حماسه، لكن ما نخشاه هو كيفية إدارة مثل هذه الخطوة، وضرورة التفرغ لها من جانبنا ومن جانب المتطوعين، لتقديم خدمة حقيقية للمهتمين بهذا المجال المهم». تعود الدكتورة يمنى الخولى لتطرق خلفيات أخرى تعرقل المناخ العلمى والبحثى فى مصر: «لا أريد أن أبدو متشائمة لكن القيم الاستهلاكية وعلاقات الزملاء فى مجال البحث وضعف روح الفريق، كلها تحديات تواجه هذه المبادرات الشابة». تقارن يمنى الخولى المتخصصة فى دراسة تاريخ العلم بين ظروف نبوغ بعض العلماء الذين ظهروا فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى والفترة الحالية، إذ تقول: «هناك أزمة يتسبب فيها الإعلام أحيانا، فى الفترة الذهبية التى ظهر بها علماء فى الأربعينيات كانت القيم السائدة تضع كل شخص فى محله، لن أدعى أن العالم مصطفى مشرفة أو غيره من العلماء قد تلقوا تقديرا زائدا فى ذلك العصر، لكن الثورة الإعلامية الحالية تجعل نجوم الفن والكرة فى المقدمة، فى الماضى على سبيل المثال لم يكن الاهتمام بشريحة النجوم ليضع طه حسين ومصطفى مشرفة مع محمود شكوكو وإسماعيل يس فى مرتبة واحدة بحكم أنهم فى النهاية نجوم مجتمع. الحقيقة أن مفهوم النجومية وارتباطه بالثراء والشهرة ضلل كثير من الشباب الآن، ولم يعد التقييم على أساس خلفية الشخص ومدى إسهاماته».

«يلا علم»
فى تلك الأجواء يحاول تامر وزملاؤه فى الجمعية المصرية لشباب العلماء التواصل مع أكاديميين أغلبهم أنتج أبحاثه فى الخارج وعاد مكتفيا بالعمل الأكاديمى أو البحثى فقطـ، كذلك يبحث تامر ورفاقه عن جيل جديد من المتطوعين، إذ إن أغلب المؤسسين من جيل واحد قاربوا على الثلاثين الآن، يقول تامر: «نحن فى حاجة إلى أن يكون العلم فى دائرة الضوء». هذه العبارة اتفق معها إكرامى ــ صاحب مبادرة موقع «يلا علم» ــ إذ عاشها بعد ازدياد عدد زوار موقعه الناشئ إلى ما يزيد على الأربعة أضعاف بعد أن أشار الكاتب معتز بالله عبدالفتاح إلى هذه المبادرة فى مقال تحت عنوان «شباب جاد فى مجتمع غير جاد» (جريدة الشروق ــ 10 أكتوبر الماضى)، لكن سرعان ما عادت أرقام الزوار كما كانت، يعلق إكرامى: «نعمل على تسويق الموقع فى شبكة فيس بوك الاجتماعية لجذب المتطوعين، ونشر الموقع». فى الجمعية المصرية لشباب العلماء يطمح تامر وزملاؤه فى تقديم ورشة عن الخلايا الجذعية خلال الأشهر المقبلة، بينما يعلن إكرامى فى موقع «يلا علم» أن موعد التدشين الرسمى واكتمال الموقع فى أول يونيو من العام المقبل، وكلاهما متمسك بتحقيق رؤية المشروعين، حتى لو بعد حين.
**
حين أسس الفيلسوف أفلاطون أكاديميته كتب على بابها «لا يدخلها جاهل بعلم الهندسة»، وظلت الجملة تتردد للتأكيد على فضل علوم الهندسة والرياضيات، ومع مرور الزمن قل عدد السائرين على درب أفلاطون. حتى وصل عدد الدارسين لشعبة الرياضيات إلى عدد لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، إذ تنقسم الدراسة إلى عدة شعب دراسية إحداها هى دراسة الرياضيات بشكل منفرد إلى جانب شُعب أخرى تدرس الرياضيات مع علوم الحاسب أو الفيزياء أو الإحصاء، على عكس شعبة الرياضيات المنفردة التى لا يدرس بها إلا عدد قليل من الطلبة. يعلق الدكتور محمد زيدان ــ الأستاذ بقسم الرياضيات فى كلية العلوم بجامعة القاهرة ــ قائلا: «لقد فرضت سوق العمل قواعد جديدة على الإقبال على بعض الدراسات العلمية مثل دراسة الرياضيات، أصبح الطلبة يتجهون إلى شُعب وتخصصات بعينها على أمل الوصول إلى وظائف محددة، لكن الجانب الايجابى فى الأمر أنه حين يكون لديك خمسة طلاب فقط فى شعبة واحدة تنفرد بدراسة الرياضيات فهذا يجعلهم تحت أعين الأساتذة، خاصة أن اختيار هؤلاء الطلبة للاستمرار يبرهن على أنهم مميزون».
تثير قلة الإقبال على الدراسات العلمية البحتة مثل الرياضيات أسئلة طرحها بعض طلاب كلية العلوم أنفسهم حول مدى أهمية الدراسات العلمية لدى الشباب، وفى مجموعة كلية العلوم بجامعة القاهرة على شبكة فيسبوك الاجتماعية، طرح أحد الطلبة هذا السؤال : «ليه دخلتو كلية العلوم؟»، فجاءه الرد من طالب آخر ذكر فيه: «لنكن صريحين.. من منا كان يفكر أصلا فى كلية العلوم. كل منا كان له غايات وأهداف أخرى.. طلاب علمى علوم كانت أهدافهم طب وصيدلة، وكذلك طلاب علمى رياضة كان هدفهم أيضا هندسة وحاسبات، ولكن قدر الله وما شاء فعل».
لا تخفى هذه العبارات على الدكتور محمد زيدان الذى تخرج فى دفعة العام 1975 حين كان معه فى القسم نحو 120 طالبا، فى تلك الفترة من سبعينيات القرن الفائت لم تكن بعض الشعب الحديثة قد أنشئت بعد. يعلق قائلا: «الطالب فى الماضى كان أكثر جدية من الآن، إذ ينشغل الطالب اليوم بالعديد من وسائل الاتصال والترفيه، إلى جانب ضغوط الحالة الاقتصادية التى تعتصر بعض الطلبة وتجعلهم يفكرون بعيدا عن تحصيل العلم، كذلك.. فإن شعبة مثل الرياضيات المنفردة ليس بها فرصة أمام الطالب للعمل فى المجال البحثى سوى فى التعيين معيدا بالجامعة».
يرى الدكتور محمد زيدان أن تراجع الإقبال على دراسة الرياضيات بشكل منفرد سببه ضعف الحركة البحثية فى مصر بشكل عام، إذ يعتمد عمل هذه الشريحة من الدارسين على وجود فريق بحثى مكون من عدة تخصصات، يكون أحدهم خريج شعبة الرياضيات. وسط مجموعات طلبة أقسام الرياضيات فى كليات العلوم على شبكة فيس بوك الاجتماعية تتنوع تعليقات الطلبة واهتماماتهم، بين من يسجل تعليقا يعد فيه زملاءه بنشر إجابات «الشيت» على الانترنت، وآخر فى مجموعة اتحاد طلبة كليات علوم مصر يضيف روابط لمنح دراسية للخريجين، بينما اختار بعض الطلبة فى قسم الرياضيات بجامعة إقليمية وضع نكات لتسلية الزوار وعبارات عن الحب والعلاقات الإنسانية. وسط هذا الزحام يقرر أحدهم طرح سؤال جاد فى مجموعة طلبة كلية العلوم بجامعة القاهرة قائلا: كيف أصبحت صورة العلماء فى الإعلام العربى هى صورة لشخص مجنون؟ كيف يمكننا تغيير هذه الصورة فى أعين الشباب؟ حملت الإجابات بعض المرارة، إذ يقول مصطفى: «الإعلام العربى بيضيع الصورة الحقيقية للعلماء العرب وكمان بيساعد على تعقيد الأطفال والشباب اللى لسه ماتحددش مصيرهم». تدخل زميلته هناء فى إجابة أخرى قائلة: «الناس أساسا ما تعرفش الكليات العلمية بيبقى نظامها إيه وبتخرج ناس المفروض يبقى صفاتها إيه فى المجتمع.. المفروض يبقى فيه توعيه عن العلم والكليات العلمية والعلماء». يدرك الدكتور محمد زيدان هذه الجزئية معلقا: «ربما نكون فى حاجة للتعريف أكتر بنوعية الدراسة». ورغم بعض الإحجام من الطلاب على دراسات من نوعية «الرياضيات» إلا أن خريج كلية العلوم من وجهة نظر الدكتور زيدان يعد عملة جيدة، حسب عبارته «بعيدا عن قلة عدد الطلبة فى دراسة الرياضيات، إلا أن ما سيفتقده من أعرض عن هذا التخصص هو تغير طريقة التفكير إلى الأفضل.. هذه الدراسة أقرب لأسلوب حياة».