Thursday, September 10, 2009

طريقة مبتكرة للتبرع : مزاد الرحمن

الخميس 10 سبتمبر 2009 2:02 م
عبدالرحمن مصطفى

خطوات بسيطة يعرفها الداعية الدكتور أمير صالح تمكنه من جمع آلاف الجنيهات فى جلسة تبرع واحدة، فبمجرد أن يقف وبيده الميكروفون معلنا على رواد المسجد هدف التبرع حتى تتوالى التبرعات بكل بساطة، أطلق على هذه الطريقة اسم «مزاد الرحمن» وتم اختبارها فى عدد من المساجد تلقى خلالها تبرعات لتزويج الفقراء والتبرع من أجل تجهيز المساجد.
يقول: «لابد من أن أؤمن بالهدف الذى أسعى إليه أولا وأن أنقل هذا الإيمان إلى المتبرعين.. والأهم أن يقتصر دورى على تحفيز الناس على التبرع دون مشاركتى فى مجلس إدارة المسجد أو جمع تبرعات». يبدأ الداعية بعرض الحالة وقيمة المبلغ المطلوب عارضا ميراث الصحابة فى عمل الخير مع توجيه العبارات المشجعة على التبرع إلى الجالسين أمامه. ويدير الجلسة كأنه مدير صالة مزادات محترف. فيستخدم عبارة «من يدخل مزادا مع الله؟؟!»، ويكرر عددا من الآيات فى فضل أهل الخير حتى يبدأ الجالسون فى التبرع، ويذكر كل متبرع اسمه وقيمة تبرعه، فيتلقى عبارات الاستحسان من الداعية القابض على الميكروفون. وتتنوع التبرعات بدءا من خمسمائة جنيه حتى 20 ألف جنيه فى المرة الواحدة للمتبرع، كل حسب طاقته. ولا يتوقف الداعية إلا بعد أن يستنفد جميع محاولاته لإثارة حماس رواد المسجد على أمل أن يوفى كل متبرع قيمة تبرعه فيما بعد إلى لجنة الزكاة بالمسجد.

يؤكد الدكتور أمير صالح أنه يحاول قدر الإمكان البعد عن إحراج رواد المسجد، ويقول «نرفع الحرج عن الحضور إذا ما أراد أحدهم أن يخفى مبلغ تبرعه، وعن نفسى لا أتعمد النظر فى عيون الجالسين أو الإلحاح عليهم، يكفى أن أحدد لهم الهدف العام وتوضيح أن المساهمات البسيطة وكثرة عدد المتبرعين ستحقق هذا الهدف، وليس الهدف جمع الأموال أو تخزينها». وإلى جانب عمله فى مجال العلاج الطبيعى يرأس الدكتور أمير صالح الجمعية الأمريكية للعلوم التقليدية، كذلك هو أحد الوجوه المألوفة فى البرامج ذات الطابع الإسلامى، وجاءت فكرة مزاد الرحمن كأحد الأنشطة الخيرية التى يتصدرها. ورغم اعترافه بأن الفكرة موجودة بالفعل فى المجتمعات الغربية وتتم على الهواء مباشرة على الفضائيات مع وجود عداد للتبرع يحكم التبرعات بشفافية، وأنها انتقلت إلى الفضائيات العربية إلا أنه يؤكد أن الفكرة لم تنتشر بعد فى المساجد.

الشيخ رمضان فضل ــ إمام مسجد قباء بحى حدائق القبة ــ كان أحد من استقبلوا هذه «المزادات» حيث نجح من خلال مزاد واحد فى جمع 70 ألف جنيه مساهمة فى قيمة سيارة نقل الموتى التابعة للمسجد، إلا أنه انضم إلى قائمة المتحفظين بعد تكرار «المزاد» وظهور عيوب هذه الطريقة فى التبرع وهو يوضح: «يقع الناس فى حرج حين يجدون أنفسهم فى مواجهة طلب التبرع على الملأ ومراقبة الآخرين لقيمة تبرعاتهم والتزامهم السداد أمام رواد المسجد».
أحد المزادات التى أدارها الدكتور أمير صالح استخدم فيها مقارنات بين رواد المسجد الذى بدأ فيه مزاده ومسجد آخر فى حى ذى مستوى اقتصادى منخفض على أمل تشجيعهم على دخول «المزاد»، وهو ما أثار كبرياء بعض الحضور. يعلق الشيخ رمضان: «أغلب رواد المسجد استحسنوا الفكرة، لكن رأيى الشخصى أنه من الأفضل ألا تتكرر فى نفس المسجد منعا للحرج، وأن تدور بين المساجد الأخرى». ولا يرى الشيخ رمضان فى هذه الممارسة نوعا من التباهى بسبب التبرع العلنى. ويشرح: «لا حرج من التبرع العلنى، وقد كان فى سيرة الرسول والصحابة ما يؤيد ذلك ومن أشهر هذه الحوادث استجابة الخليفة عثمان بن عفان لدعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) من أجل تجهيز جيش العسرة الذى واجه متاعب كبيرة فى إعداده، والإسلام لا يمنع التبرع العلنى حيث يقول الله تعالى: «الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

أما الدكتور أمير صالح فإلى جانب اعتزازه بكونه على إحاطة بعلوم التنمية البشرية والقدرة على التأثير فى الآخرين فقد أرجع فكرة المزاد أيضا إلى أصل إسلامى قديم فى واقعة محددة حين شجع الرسول محمد، (صلى الله عليه وسلم)، الأنصار من أهل المدينة فى المسجد على دعم فقراء المهاجرين حين قال: «من كان عنده فضل مال فليعد به على من لا مال له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضل ظهر ــ أى ركوبة ــ فليعد به على من لا ظهر له». بهذا النص اعتمد الداعية أمير صالح طريقته المبتكرة فى الدخول إلى المساجد وبدأ مزاده الذى يجريه على فترات حسب طلب مجالس إدارات المساجد التى يزورها على أمل أن يتحمس الناس لدعوته على اعتباره طرفا محايدا يزور المسجد لهذا الغرض.

Thursday, August 13, 2009

الاسكندرانية غاضبون من زوار الصيف

الخميس 13 اغسطس 2009

عبدالرحمن مصطفى
هل الإسكندرية مدينة للسكندريين فقط؟
قد يبدو سؤالا ساذجا لا يتواءم مع ضخامة مدينة مليونية مثل مدينة الإسكندرية، تضم أكثر من 4.5 مليون نسمة ويدخلها يوميا فى فترة الصيف حوالى مليون مواطن أغلبهم من أصحاب زيارة اليوم الواحد.

لكن هذا السؤال ما هو إلا نافذة نطل منها على إحساس شريحة من السكندريين بالغربة داخل مدينتهم فى أشهر الصيف مع ازدياد أعداد زوار المدينة بشكل واضح.
خالد الجويدى كان هو من طرح نص السؤال السابق بين زملائه الشباب من خلال مجموعة إلكترونية تحمل اسم «للشباب والبنات المقيمين فى إسكندرية فقط» على شبكة فيس بوك الاجتماعية، حيث اجتمع أكثر من 1000 شاب تتراوح أعمارهم حسب شروط المجموعة بين 16 و22 سنة.

جاءت ردود الأفعال على سؤاله محملة بمظاهر الغيرة على الإسكندرية، فبعضهم عاب على السلوكيات الفجة لبعض المصطافين وزوار المدينة، والبعض الآخر انحصر فى سرد آلام سكان الإسكندرية فى فترة الصيف. وهو ما تتفق معه أحلام عبدالباقى مدرسة فى إحدى المدارس الخاصة ــ إذ تصور ازدحام المدينة صيفا كألم يومى يعيشه كثير من السكندريين.
تقول: ازدحام المدينة بشكل جنونى ليلا وامتلاء الشواطئ طوال فترة الصيف بمصطافين لديهم ثقافة مختلفة وليس لديهم الاهتمام أو الحرص على نظافة المكان، يمثل عبئا على المواطن السكندرى العادى الذى لا يستمتع بمدينته إلا بعد مرور أشهر الصيف.
تذكر أحلام أنها اتجهت هذا الصيف على عكس المتوقع إلى القاهرة لزيارة الأماكن الترفيهية بها، إلى جانب رحلة أخرى سريعة إلى مرسى مطروح بعيدا عن شواطئ الإسكندرية.

اختلاف ثقافة زوار المدينة عن أهل الإسكندرية قد يصنع أحيانا مواقف طريفة أو مفارقات كالتى يرويها أيمن سائق تاكسى عن راكب استقل التاكسى من منطقة الرمل حتى محطة القطار فى سيدى جابر، ثم أعطاه مقابل هذا المشوار جنيها واحدا، ويقول أيمن «لا أعرف إن كان بالفعل لا يستطيع تقدير أجرة التاكسى أم أنه كان كما قال دفع المبلغ تلقائيا مثلما اعتاد فى مدينته الصغيرة بمحافظة البحيرة، حيث لا يدفع فى التوك توك أكثر من جنيه واحد».

ولا ينكر أيمن أن بعض سائقى التاكسى يستغلون فترة الصيف وكثرة الزوار بالمدينة لرفع قيمة أجرة التاكسى بشكل فج. وما يتحدث عنه أيمن من تغيير طابع الإسكندرية فى الصيف من ناحية الأسعار والأجواء العامة أدى إلى وجود حالة من الضجر لدى السكندريين يشعلها صخب الزوار وزحامهم.
وهو ما دفع بعضهم إلى استخدام كلمات مسيئة فى بعض الأحيان تجاه زوار المدينة. فعودة سريعة إلى شبكة الفيس بوك وتحديدا لصفحة مدينة الإسكندرية بالموقع التى تضم أكثر من 16 ألف مشترك حول العالم، نرى لهجة أكثر حدة فى وصف زوار المدينة فى الصيف، وهو ما أوجد محاولات لإيجاد تعليقات متوازنة طالب فيها أحدهم بوضع حد أقصى لأعداد الداخلين إلى المدينة بالتنسيق مع المحافظات الأخرى.

ورغم وجود مثل هذه الروح الغيورة على المدينة والساخطة على السادة الزوار، على الجانب الآخر، فإن العاملين بصورة مباشرة مع المصطافين والزوار ناحية شواطئ الإسكندرية لديهم رؤية مختلفة تماما.
إسلام خليل ــ شاب سكندرى يعمل فى كافتيريا بمنطقة سيدى بشر مقابل أجرة يومية لا تتجاوز 10 جنيهات إلى جوار زميله مجدى الصعيدى القادم من الأقصر للعمل فى فترة الصيف، ومن ناحيته لا يجد حرجا فى إعلان ترحيبه بزوار المدينة سواء من جاءوا بهدف السياحة أو بغرض العمل، بل يعتبر وجودهم «رزقا وفائدة لأهل المدينة»، وبنفس هذه الروح يقف بائع الفريسكا عماد السيد 25 سنة على شاطئ ميامى المجاور دون أى ضغينة لزميله سيد 21 سنة القادم من طهطا بسوهاج للعمل فترة الصيف بالإسكندرية فى بيع لعب الأطفال على الشاطئ.

الفارق بين كل منهما أن عماد يعمل بتراخيص من المحافظة بصفته من أبناء المدينة والأكثر قربا لفهم تفاصيل العمل بها، بينما يمارس سيد عمله بصورة غير شرعية ويواجه البلدية يوميا سواء داخل الشاطئ أو خارجه، ويقول عماد السكندرى بلهجة واثقة «ليس لدى مشكلات تجاه أى شخص قادم من محافظة أخرى للعمل هنا إلى جوارى، المسألة أنه سيتعرض لمشكلات مع المحافظة بسبب عدم وجود ترخيص» أما سيد القادم من طهطا فى سوهاج فيبرر حالة السلام هذه بتفسير آخر.
ويقول «أنشطتنا متنوعة هنا على الشاطئ، فأنا أبيع لعب الأطفال بينما عماد يبيع الفريسكا، والفارق الجوهرى بيننا هو أننى أعمل هنا دون ترخيص ومعرض للخطر طوال الوقت». وإلى جانب ما ذكره كل منهما فهناك سبب آخر يرسخ حالة السلام بين الوافدين والعمالة المحلية فى الإسكندرية وهى النقطة التى أوضحها عماد بائع الفريسكا بقوله «كلانا يعمل فقط فى فترة الصيف.. عملنا هنا مؤقت»، ويعمل عماد بقية العام فى مقهى بلدى فى مدينة الإسكندرية، فى الوقت الذى أكد فيه زميله سيد السوهاجى بفخر أنه طالب بكلية الزراعة بجامعة المنيا ولا يعمل فى وقت الدراسة.

هذه الصورة السلمية لدى العاملين فى الشارع تبدو متناقضة مع غيرة السكندريين الأكثر استقرارا الذين اختار بعضهم تدشين مجموعات على شبكة فيس بوك للتعبير عن منطق الغيرة الشديدة على المدينة.
إحدى هذه المجموعات كانت تحت عنوان «لكل الراغبين فى الاستقلال بالإسكندرية لتصبح جمهورية الإسكندرية العربية» وينضم تحت لوائها أكثر من ألفى عضو أغلبهم من مدينة الإسكندرية، هدفهم الحقيقى هو إظهار الانتماء السكندرى وبعض السخط تجاه سلوكيات زوار الصيف. وهو ما يرسخ الاعتقاد بأن غيرة السكندريين أحيانا ما تتلاشى لدى الفئات الأكثر احتكاكا مع زوار الصيف حين تتحول زياراتهم إلى قوت يومى.

Wednesday, August 12, 2009

زنقة الستات.. سوق لا يشغله زحام الصيف

الاربعاء 12 اغسطس 2009
عبدالرحمن مصطفى
تصوير ــ أحمد عبداللطيف
فى ممرات تفتقد زحام الزبائن، وقف الشباب العاملون فى سوق زنقة الستات على أبواب متاجرهم فى انتظار زبائنهم، بينما جلس الشيوخ على كراسيهم يتذكرون وقت كانت السوق أكثر نشاطا عن ذى قبل. فى سوق الخيط الملاصق «للزنقة» حيث تباع الأقمشة ولوازم الحياكة والتطريز اعتبر الحاج أحمد البيلى ذو اللحية البيضاء والخبرة الطويلة أن اتساع المدينة وظهور المولات الحديثة وتغير ملامح العصر سحبت الكثير من الزبائن التقليديين لمنطقة زنقة الستات، إحدى أهم المناطق التجارية فى مدينة الإسكندرية ويوضح: «قديما كان الناس أكثر ارتباطا بالأسواق الشهيرة فى المدينة، أما الآن فربما تجد من لا يعرف أين يقع سوق الخيط أو موقعه فى منطقة المنشية!».

فى المتجر نفسه يتدخل أحد العاملين فى الحديث مضيفا على كلام الحاج البيلى: «منطقة زنقة الستات وتحديدا سوق الخيط أصبح اسمها أكثر ارتباطا فى الإعلام والتليفزيون بشخصيتى ريا وسكينة وجرائمهما القديمة، وذلك قبل اهتمام الناس بها باعتبارها منطقة تجارية». على الجانب الآخر يعترف بعض التجار بفضل تلك السمعة التاريخية فى استمرار وفود الزبائن إليهم، غير أن سمعة سوق «زنقة الستات» تظل هى الأشهر حيث يتفرع منها سوق الخيط. وفى داخل «الزنقة» لم تختلف الأجواء كثيرا عن خارجها، الجميع ينتظر مرور النهار وزوال الحر وعودة المصيفين من الشواطئ كى تبدأ حركة التجارة. الحاج على إبراهيم ــ أحد أقدم تجار الزنقة ــ يرى أن حركة الزبائن لا تختلف كثيرا بين الصيف والشتاء، لكنه استعاد من ذاكرته أيام «عز» السوق وقت أن كانت هناك ملامح أكثر تنوعا بين التجار والبضائع على السواء، ويقول: «قديما كانت الغلبة فى أسواق هذه المنطقة للتجار اليهود والمغاربة، وتركز نشاطهم قديما فى استيراد المنتجات المختلفة التى يحتاجها السوق، أما الآن اختلف الحال وأصبحت البضائع المصرية هى الأساس كباقى الأسواق، إلى جانب غزو البضائع الصينية».
يعمل الحاج على إبراهيم فى تجارة الأقمشة تماما مثل أحمد البيلى التاجر السابق فى سوق الخيط الأكثر تخصصا، والذى اعتبر أن اختلاف العصر عن الماضى ساهم فى سحب البساط من أسواق حى المنشية عموما، مؤكدا «المدينة اتسعت جدا عن الماضى، وأصبح هناك من سكان الإسكندرية أنفسهم من لم يزر سوق الخيط ولا يهتم بمعرفة مكانه».

هذه الصورة التى برر بها البيلى قلة الزبائن لم تقلل من جودة سمعة منطقة سوق «زنقة الستات» وما حولها، وهو ما جعلها ضيفة على بعض الأعمال الدرامية والأدبية الشهيرة. أما الحاج محمد عوض أحد كبار تجار الزنقة فقد تخصص متجره منذ عقود طويلة فى بيع الصبغة، ولديه تفسير آخر للمفارقة بين حالة السوق بسمعته القديمة وحالته الآن، يقول «كان أغلب تجار السوق من المغاربة واليهود، تعتمد حياتهم على المغامرة، لكن بعد الثورة هجر هؤلاء متاجرهم، وباعوها أو تركوها لمساعديهم المصريين، الذين لم يكن أغلبهم على نفس الوعى التجارى العالى، لذا لم تزدهر الزنقة أو تتطور».

يطرح الحاج محمد عوض نظرية ورثها عمن قبله حاولوا بها التأريخ لنشأة السوق، وتقول نظريته إن أصل المكان نشأ نتيجة بيع جزء من أملاك الخديوى إسماعيل إلى التجار اليهود والمغاربة، ويعتقد الحاج محمد عوض حتى الآن أن متجره هو جزء من اصطبلات خيل كانت ضمن أملاك الخديوى إسماعيل. لكن هذه القصة لا تجد ما يؤكدها فى المصادر التاريخية، إلا أن كتاب الخطط التوفيقية لعلى باشا مبارك الذى تم إعداده فى القرن قبل الماضى يرصد عددا من أسواق المنشية بجوار مسجد الشيخ ابراهيم باشا وميدان محمد على فى تلك الفترة. كما تعود أقدميه بعض أسواق المنطقة إلى العصر العثمانى حين كانت هناك سوق موسمية فى منطقة المنشية قبل أن تتخذ اسمها الحالى، يرتادها العرب لبيع منتجاتهم البسيطة والغنم، وازدهرت المدينة على عهد الخديوى إسماعيل وأصبحت هذه المنطقة تعج بالأجانب الذين تم تخصيص أراض لهم من اليونانيين والفرنسيين وغيرهم. إلا أن أعدادهم انخفضت بعد الحرب العالمية الثانية، حين كان الأجانب فى الإسكندرية يمثلون 7% من سكان مصر، لكن الهجرة الحقيقية برزت بعد قيام الثورة وبزوغ سياساتها تجاه الأجانب فى مصر.

تلك الفترة عاشها الحاج على إبراهيم الذى جاوز الثمانين عاما ورأى بعينه مرحلة تمصير السوق بعد الثورة، وأشار بيده إلى متجرين جواره موضحا «هنا كان يقطن تاجران تونسيان ، وقديما كان يمر من هنا التجار القادمون من المغرب العربى قبل ذهابهم إلى الحج، ويبيعون ما لديهم من منتجات، لكن أغلب التجار المغاربة عادوا إلى بلدانهم بعد الاستقلال عن فرنسا».
وبعد الثورة بسنوات اتخذ مجلس قيادة الثورة قرارا بتطوير المكان وتغيير معالمه حسبما ذكر الحاج على الذى عاش عودة الماضى مرة أخرى فى عودة بعض التجار اليهود لزيارة الزنقة بعد توقيع اتفاقية السلام مع اسرائيل، ويضيف «بعد الثورة أنهى التجار اليهود أعمالهم، وادعى بعضهم أنهم متجهون إلى فرنسا، لكنهم فى واقع الأمر كانوا متجهين إلى إسرائيل، وعاد بعضهم لزيارة المكان فيما بعد اتفاقية السلام، ولم تكن تلك هى الحالة الوحيدة التى أرى فيها أحد تجار الزنقة القدامى، فقد تسببت مصادفة أخرى منذ سنوات فى أن ألتقى فى أثناء زيارة عمل إلى ليبيا أحد تجار الزنقة القدامى من أصل تونسى».

ما يحمله كبار تجار سوق زنقة الستات من ذكريات عن المكان يعبر فى حقيقة الأمر عن تميز حقيقى هو ما يراهنون عليه لجذب الزبائن، التى تأتى إلى المكان بسب السمعة قبل البحث عن البضاعة.

Friday, August 7, 2009

تربية أسماك الزينة.. هواية فى طريقها للانقراض

الجمعة 7 اغسطس 2009
عبدالرحمن مصطفى
الملامح الجادة والبنية القريبة من هيئة أبطال الألعاب القتالية كانتا خير خادم لياسر عبدالقوى أثناء شرحه المقنع لأسباب إطلاق مبادرة إنشاء جمعية مربى أسماك الزينة فى مصر. فطوال سنوات من الخبرة فى التعامل مع الأسماك أصبح لديه الوعى الكافى لفهم أهمية هذه الهواية على المستوى الإنسانى والبيئى، ولم يعد حوضى أسماك الزينة فى منزله بحى محرم بك بالإسكندرية مجرد جسمين زجاجيين فى غرفة المكتب، بل أصبحا ــ على حد تعبيره ــ فرصة لمشاهدة «جزء من حياة النهر» ومراقبة بيئة جديدة بعيدة عن حياة الكتل الخرسانية فى المدن الكبرى. أسماك الزينة فى منزله هى أفراد من سكان المنزل، ينحنى أمامها بصورة شبه يومية انحناءة مهذبة أقرب إلى التحية كى يراقب أحوال سكانه الصغار، ومؤخرا حاول مع أصدقائه المنتمين إلى نفس الهواية الخروج من سجن الفردية الشديدة إلى العمل الجماعى، بمبادرة أطلقها عبر المواقع والمنتديات المهتمة بتربية الحيوانات فى تجربة جديدة ما زالت قيد التنفيذ.

«حالة تربية أسماك الزينة فى مصر كما هى منذ أكثر من خمسين عاما، فغالبا ما تشترى الأسرة حوضا زجاجيا وتأتى بالأسماك دون تخطيط ، وبعد فترة قصيرة تقع الأخطاء المتكررة إما بوضع أسماك غير متجانسة معا أو عدم التعامل الجيد مع نظافة الحوض، وينتهى الأمر بموت الأسماك وتخزين الحوض أو بيعه، وتخسر الهواية آلاف الهواة بهذه الطريقة نتيجة عدم وجود كيان يقدم الخبرات والمعلومات اللازمة».

نقص المعلومات عن الهواية كان الدافع الرئيسى الذى حرك ياسر عبدالقوى نحو الانترنت بحثا عن المعلومات، وهناك طرح مبادرته داخل المنتديات المهتمة بأسماك الزينة، لكن عوامل الإحباط كانت بارزة بدءا من اكتفاء بعض المنتديات بموضوعات علمية بحتة قد لا تفيد القارئ العادى أو استقبال بعض المشرفين لمبادرته استقبالا سيئا. يقول بمرارة «هناك مشكلة فى العمل الجماعى فى مصر، البعض ينتظر الفائدة المباشرة الملموسة، ولا يفضل التعامل مع كيان مدنى غير هادف للربح مثل جمعية أهلية تقدم خبراتها إلى الهواة وتمثلهم». عند هذه النقطة استعاد ياسر عبدالقوى ـ الفنان التشكيلى والشاعر ـ تجارب قديمة مر بها فى العمل العام داخل حركات سياسية ومجموعات أدبية كونت لديه بعض القناعات من أهمها أن هناك نسبة غير هينة من الناس لا تقبل الأفكار الجديدة والمبادرات إلا التى تتبناها «رموز» أو شخصيات مشهورة، وتصبح الشخصية أهم من الموضوع، وهو ما أوجد داخله تحدٍ، خاصة أنه يؤمن بأن هدفه أعمق من مجرد تجميع الهواة. يضيف: «فى اجتماعنا التأسيسى كنا حوالى 20 هاويا تعرفنا على بعضنا من خلال الانترنت، وجئنا من محافظات مختلفة، فى الوقت الذى اعتذر البعض عن المشاركة واكتفى بشخصيته الافتراضية على المنتدى.

قبل إطلاق مبادرة ياسر وأصدقائه كانت هناك تجربة مشابهة انطلقت منذ أسابيع لإنشاء الجمعية المصرية لطيور الزينة تحت التأسيس التى نشر أعضاؤها بكل فخر صور لقاءاتهم برفقة حيواناتهم، وصور الأوراق المطلوبة لإشهار جمعية وكيف تحول العمل الافتراضى داخل المنتديات إلى عمل واقعى مفيد. وهو ما حفز ياسر لاتخاذ هذه الخطوة على أمل أن تكون الخطوات بنفس السهولة، لكن قلة عدد من تجاوبوا مع مبادرة أسماك الزينة واقتصارها على من تحمس من رواد المنتديات التى ارتادها ياسر أصابته ومن معه ببعض الإحباط، لكنها لم تقتل داخله كم الطموحات التى يحملها لهذه الهواية، خاصة بعد ما رآه طوال الفترة الماضية من عمل جاد فى المواقع والمنتديات والجمعيات الغربية المشابهة يقول «لا يمكن مقارنة حال تربية أسماك الزينة فى مصر بدولة مثل الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال شاهدت بعينى فى أحد المنتديات الأمريكية موضوعا لأحد المشرفين عرض فيه أحواضه وأسماكه بشفافية دون قلق على عكس ما يحدث من تحفظ فى المنتديات العربية، التى يتخفى بعضها وراء الشخصيات الافتراضية، ورأيت هواة فى المنتديات الأمريكية أحواضهم أقرب إلى متحف مائى، وأعترف أننى أدين بأغلب معلوماتى الحالية عن الأسماك وأنواعها إلى الانترنت والمواقع الأجنبية».

يشرح ياسر عبدالقوى أنه من خلال الانترنت أيضا اكتشف معلومات أثارت حنقه على الواقع، حين وجد أسماكا تحمل أسماء مصرية مثل البشير المصرى، وEgyptian Mouthbrooder تكون بيئتها الأصلية فى مصر، لكن يتم استيرادها من هونج كونج وغيرها، واكتشف أنه رغم توافر بيئات مائية متنوعة فى مصر فإن السوق لا يتواجد بقوة وسط الأسواق العالمية. وتساءل «أين اهتمام الهواة المصريين بالأنواع الموجودة فى بيئتهم التى لاحظها بنفسه فى أماكن تقليدية مثل أسفل كوبرى قصر النيل فى القاهرة، أو فى بحيرة مريوط بالإسكندرية» وكانت إجابته عن نفس السؤال هو ما ذكره أن «مجتمع مربى أسماك الزينة إلى حد ما مفكك».

يتذكر فى فترة الثمانينيات والتسعينيات حين كانت منطقة محرم بك تضم أكثر من خمسة محال لأسماك الزينة انخفض عددها الآن إلى اثنين، حين كانت تربية الحيوانات والأسماك أمرا مألوفا، وهو ما جربه بنفسه بدءا من تربية القطط حتى تربية الصقور، وكأى صاحب هواية رأى فى هوايته قدرة على تعديل نمط حياة الإنسان. فى أثناء حديثه توقف قليلا للتأكد من أن دخان السجائر فى الغرفة لن يصل إلى الأحواض، واستغل هذا الموقف كمدخل للحديث عن قدرة هذه الهواية على تنمية الإحساس بالمسئولية، يقول «أمنيتى أن يكون ضمن مشروعات الجمعية القادمة مشروع تقديم محاضرات فى المدارس وإهداء أحواض أسماك إلى المدارس كى يدخل ضمن أنشطة المدرسة من أجل تعويد الشباب والأطفال على الإحساس بالمسئولية والالتزام، سواء فى تنظيف الأحواض، أو متابعة حالة الأسماك بصورة شبه يومية. وبشكل عام أرى أن تربية الحيوانات والأسماك بشكل خاص تعلم الإنسان القدرة على الالتزام، كما أنه من خلال التعامل مع هذه المخلوقات تنمو بداخل الهاوى القدرة على اكتساب المعرفة والملاحظة، وتنمو أكثر حين يجد الفرصة فى نقاش مع هواة آخرين، وهى أمور قلّت كثيرا فى وقتنا الحالى بعد أن انسحب أغلب الأطفال والشباب إلى شاشات الكمبيوتر بعيدا عن الطبيعة من حولهم».

الهواية حسبما يصفها ياسر عبدالقوى تعتبر متوسطة التكلفة، فحوض السمك إذا ما تم تصنيعه لدى محل منتجات زجاجية يمكن أن يكلف صاحبه 140 جنيها، ولا تتجاوز أغلى سمكة لديه 35 جنيها رغم أن ثمنها الآن بـ100جنيه، وتبدأ الأسماك صغيرة بطول 4 سنتيمترات وتصل إلى 25 سنتيمترا ولا تتجاوز قيمتها 15 جنيها.

يطمح ياسر عبدالقوى أن يحقق مشروع جمعية هواة تربية أسماك الزينة القدرة على اجتذاب الهواة وإيجاد فرص لتبادل الأسماك والبيع، وعمل أحواض أقرب إلى متحف طبيعى داخل الجمعية، وإعادة اكتشاف ما لدينا من أنواع داخل مصر، وأن يكون الأعضاء بالآلاف مثلما رأيت فى جمعيات شبيهة بأمريكا. لكن حتى الآن ما زالت محاولات إنشاء الجمعية مقتصرة على ياسر وأصدقائه الذين تباينت أعمارهم، لكنه أكد فى النهاية «ليس هدفى حيازة أى منصب فى هذه الجمعية، لدينا العدد الكافى الآن لإنشاء جمعية، لكن همى أن أرى أهدافها متحققة، فليس همنا مجرد إنشاء جمعية بعدد محدود من الأفراد، بل أن ينشأ مجتمع حقيقى بين هواة تربية الأسماك وأن ينمو وعينا بالطبيعة من حولنا، وحتى إن لم تنشأ هذه الجمعية الآن سأظل أنادى بها فى كل مكان حتى يتحقق هذا المشروع».

Thursday, August 6, 2009

الحياة موعدها صيفاً

الخميس 6 اغسطس 2009

عبدالرحمن مصطفى
فى الوقت الذى يستمتع فيه المصطافون بشواطئ الإسكندرية على طول ساحل المدينة، يجلس السيد محمد رزيقة (57 سنة) وسط زملائه الصيادين على رصيف متواضع فى منطقة بحرى، حيث مدخل قلعة قايتباى ورصيف الصيادين وأحد مراكز الصيد بمدينة الإسكندرية. تدور أغلب الحوارات حول تفاصيل العمل وحالة الرزق، كان الريس أحمد إبراهيم يشكو لزملائه من إجراءات تراخيص اللنشات والمراكب وكم الإجراءات، التى يراها غير مبررة فى منطقة الميناء البعيدة عنه.
وهى المناقشات التى تمثل أعراض عودة الصيادين إلى مراكبهم، التى بدأت منذ أسابيع بعد فترة التوقف، التى تبدأ منذ أول شهر مايو حتى منتصف يونيو حسب قرار حظر الصيد، الذى صدر منذ أربع سنوات، وفى الشهرين التاليين لهذا القرار يحاول الصيادون تعويض ما فقدوه خلال فترة التعطل، خاصة أن بعض أنواع الأسماك مثل السردين المهاجر والمياس لا تظهر إلا فى هذا التوقيت.

الريس رزيقة، الذى قضى أكثر من نصف قرن فى البحر منذ أن كان طفلا حين بدأ بحارا ثم سكوند (مساعد الريس) ثم ريس، يوضح أن حالة الصيادين تدهورت مؤخرا خاصة بعد قرار الحظر: «طوال فترة عملى لم نتعرض لفترة تعطل مثل هذه الفترة، وليس أمامنا إلا بقية أشهر الصيف لتعويض ما فاتنا من الصيد، خاصة أن الشتاء ونواته وعواصفه لن تساعد كثيرا على العمل».

فى خلال سنوات عملهم لاحظ الريس السيد رزيقة وزملاؤه أن الأسماك بدأت تقل فى البحر بسبب وجود دخلاء يستهدفون «الزريعة» من الأسماك الصغيرة، التى تنتج بعد فترات التزاوج وتمثل ثروة البحر من الأسماك فيما بعد، وذلك لبيعها إلى أصحاب المزارع السمكية الخاصة، وهو ما يدفع بالصيادين أحيانا إلى التهور والمغامرة بمراكبهم إلى خارج المياه الإقليمية الفقيرة، وتنشأ مآسى الصيادين المصريين المتكررة خارج الحدود المصرية.

فى تلك الأجواء المشحونة تزداد قوة الروابط بين الصيادين، هكذا بدت نبرة الحديث واضحة فى توادهم وتراحمهم أثناء جلوسهم على رصيف الصيادين، فالريس رزيقة يخرج على مركب صيد يضم غالبا ما بين 12 و14 رجلا، وتتراوح رحلاته ما بين 8 أيام و15 يوما أو أكثر، قد تكون إلى السلوم غربا أو إلى بورسعيد شرقا، والهدف واضح أمامهم جميعا، وهو ألا يعودوا بمركب خاوية من الأسماك، وإن كان هذا يحدث أحيانا.

عصام المغربى الأصغر سنا والجالس إلى جوار زميله المسن قدم نفسه على أنه يؤدى نوعا آخر من فنون مراكب الصيد وهو «شانشلة»، حيث كشف ملمحا آخر عن العمل الموسمى للصياد. فهو يعمل حسب الشهور القمرية، وتحديدا فى الفترة من يوم 20 فى الشهر العربى إلى يوم 10 من الشهر التالى، وذلك لتجنب فترة اكتمال القمر، ويوضح ذلك قائلا: «أضئ أماكن الصيد بالكلوبات الكبيرة حتى يجتمع السمك، ثم أبدأ فى الصيد، لأن العمل تحت إضاءة القمر وقت اكتماله يصبح تقريبا غير مجدٍ».

لا يستطيع أى من الجالسين على الرصيف أن يعطى رقما يعبر به عن متوسط دخل الصياد، حاول أحدهم أن يقيمه بــ 500 إلى 700 جنيه، لكن الباقين رفضوا تماما هذه الفكرة واستخدموا مرادفات من نوعية «السرحة» والرزق وغيرها فى وصف أعمالهم.
مصاريف المركب التى تحدث عنها الريس أحمد إبراهيم فى بداية الحديث كلفة شرائها 15ألف جنيه لمركب طوله 7 أمتار، إلى جانب ثمن المحرك الذى يتجاوز الستة آلاف جنيه. وفى الوقت الذى تؤكد أرقام جمعية الصيادين أن أعدادهم فى تناقص بسبب تلوث بعض أماكن الصيد مثل بحيرة مريوط، فإن الريس السيد رزيقة له رأى آخر «أرى أن الأعداد لم تقل بهذه الصورة، بل دفعت البطالة بكثير من الشباب من أصحاب المؤهلات الجامعية إلى تجريب حظهم فى الصيد البحرى».

أثناء حديث الريس رزيقة قاطعه الريس أحمد إبراهيم، مشيرا إلى زميلهم «مجاهد عبده».. وهو رجل مسن على عكازين، يعد أحد ضحايا المهنة، ولا يعمل الآن لكنه يصر أن يأت إلى نفس الرصيف للجلوس مع زملائه القدامى ويستنشق رائحة البحر متذكرا أمجاده السابقة. وكان مروره من أمام زملائه سببا فى إحساس بالمرارة عبر عنه الريس رزيقة بعين دامعة تأثرا لحال زميله «حين يسقط الصياد لا يوجد من يعينه إلا الله، لا نقابة ولا معاش لائق إلا بعد الخامسة والستين». لكن مهنة الصيد حسب وصفه هى ما صرف أيضا على أولاده الخمسة وخرجت ابنه المهندس البحرى، الذى أخرج الكارت الشخصى الخاص به ليبرهن على نجاحه فى تربية أبنائه. وبعين دامعة على مصير زميله «مجاهد»، الذى استدعى آلام الجالسين وابتسامة نصر لنجاحه فى تخريج أبنائه من الجامعات اختتم السيد محمد رزيقة «نحن ثروة فى هذه البلد لكن لا أحد يهتم بنا، لذا لم أدع أبنائى يعملون فى نفس المجال».

Wednesday, August 5, 2009

بير مسعود

الاربعاء 5 اغسطس 2009
عبدالرحمن مصطفى
على حافة بئر مسعود فى شاطئ سيدى بشر (بالإسكندرية) دار حوار لطيف بين طفلة فى العاشرة وشاب يكبرها بسنوات قليلة حول قدرتها على القفز من أعلى البئر إلى أسفله فى قفزة واحدة. يتكرر هذا المشهد يوميا بين الأطفال والشباب من زوار «بير مسعود» حين يدخلون فى مراهنات يستخدمون فيها عبارات التحدى والاستفزاز التى تنتهى غالبا بقفز أحدهم إلى البئر. فى الجهة المقابلة جلس صالح العقاد (52 سنة ــ فنى تبريد) بابتسامة واثقة يتحدث عن ابنه محمود (9 سنوات) الذى يسبح فى مياه بئر مسعود. فعلى حد تعبيره فإن القفز إلى داخل البئر «يقوى قلب الطفل الصغير ويعلمه الثبات». وهكذا يقدم العم صالح استخداما آخر لـ«بير مسعود» إضافة إلى استخدامه القديم، حيث يمثل المكان شكلا تقليديا لفكرة «بئر الأمنيات»، حين يلقى الطامحون من السيدات على وجه الخصوص بعملة معدنية طالبين من الله بركة صاحب البئر فى أن يحقق أمنيتهم.

عم صالح الذى يجلس فى هذا المكان بصورة شبه يومية روى فى دهشة ما رآه منذ عدة أسابيع عن امرأة ألقت بقطعة ذهب مع أمنيتها إلى البئر، لكنه لم يتحدث عن الخطوة التالية المتوقعة حين يهبط الأطفال والمراهقون لجمع ما يستطيعونه على أمل أن يجدوا شيئا قيما أسفل البئر، وكل حسب حظه، يضيف: «فى الماضى كنت آتى إلى المكان هنا مع أصدقائى وأجمع العملات الصغيرة فى علبة صفيح، وفى مرة جمعت مبلغا كبيرا دخلنا به إلى السينما».

فى الأماكن المشابهة غالبا ما يمنع نزول الزوار إلى البئر، خاصة أن الفكرة منتشرة فى أنحاء العالم ومنذ أزمان بعيدة. ففى الفولكلور الأوروبى يمثل بئر الأمانى موروثا قديما يعبر عن صلة الإنسان بالآلهة، خاصة أن الأساطير القديمة أضفت الكثير من القداسة على منابع المياه وربطتها بالآلهة الطيبة. وفى الموروث المصرى لا تبتعد الفكرة كثيرا عن فكرة النذور التى يقدمها أصحاب المطالب إلى مقامات الصالحين وأضرحتهم، أما على أرض الواقع فإن بير مسعود فى حقيقة الأمر ليس بئرا حقيقيا، بل مجرد تجويف صخرى فى الساحل طوله حوالى 5 أمتار يمتد أسفله نفق أقرب إلى الكهف يسمح للسابح بأن يتنفس إلى أن يصل إلى فتحة أخرى شبه مهجورة الآن، كما يتصل بير مسعود بالبحر عبر نفس هذا النفق.

أثناء الوقوف وإلقاء عبارات الاستفزاز والمراهنات، ألقى أيضا عدد من الزوار عملات معدنية إلى محمود الذى أسعد والده بقدرته على جمع ما يلقيه الآخرون وعرض ما يلتقطه بفمه.

ولا يعرف أحد على وجه التحديد من هو مسعود صاحب البئر المزعوم، يقول عم صالح: «كان مسعود هذا حسبما سمعنا رجلا صالحا أتى من الصعيد إلى جوار سيدى بشر وارتبط اسمه بالمكان لما كان له من بركات». لكن القصة التى حكاها عم صالح الذى أدمن المجىء إلى هنا يقابلها قصص أخرى غريبة جعلت من مسعود فى مرة من المرات تاجرا للمخدرات قتلته السلطات فى إحدى المطاردات فى أوائل القرن الماضى وتم تخليده هنا فى مقر اختبائه، وتحكى قصة أخرى أن مسعود كان طفلا صغيرا ضاع من أهله ومات فى هذا المكان، وأصبح المكان ملتقى الباحثين عما فقدوه. أما الأغرب فى حديث عم صالح عن البئر أنه روى عن حادثة شاهدها بنفسه منذ عام لواحد ممن ألقوا بأنفسهم فى منافسات القفز داخل البئر واصطدمت رأسه بإحدى الصخور فى جدران البئر، لكن عم صالح يستمر رغم ذلك فى تشجيع ولده محمود على القفز. وبعد أن ذكر هذه القصة فى حضور الزوار علق أحدهم من أهل المدينة بأنه «لا أحد يستطيع القفز فى هذا المكان إلا أهل الإسكندرية». ولعلها إحدى العبارات الاستفزازية التى تقوم عليها المراهنات بين الشباب الواقفين على أداء قفزة الثقة.

وفى خلفية المشهد أعمال ردم ناحية الشاطئ لتطوير المكان سياحيا أمام كافتيريا بير مسعود، وأفصح البعض هناك عن خشيتهم من أن تؤثر هذه التطويرات على استمتاعهم بالجلوس حول حافة البئر كما اعتادوا دائما. يوضح عم محمد ذو الأصول النوبية «منذ أن بدأت هذه التطويرات والمكان تغير عن السابق، فى الماضى كان موج البحر يخترق النفق أسفل الصخور وتشعر بحركته فى مياه بير مسعود، أما الآن فالمياه هادئة إلى درجة الركود».

عم صالح العقاد لم يحاول إلقاء عملة واحدة داخل البئر واكتفى بتشجيع الآخرين على ذلك أثناء مراقبة ابنه محمود، ربما ليس لديه الكثير من الأمنيات أو ربما اكتفى بقدرة محمود على جمع ما يلقيه أصحاب الأمانى فى قلب البئر.

Wednesday, July 22, 2009

تعديلات مفتكسة على قاموس روش طحن


الاربعاء 22 يوليو 2009
عبدالرحمن مصطفى

لم يبتعد النجم الراحل علاء ولى الدين عن الواقع حين طرح فى أحد أعماله سؤالا شهيرا «هو فيه كلام جديد نزل يا جماعة؟»، حيث يكاد يجمع اللغويون على أن اللغة كائن متطور يقبل التعبيرات والألفاظ الجديدة التى تعبر عن هوية منتجيها، وحسبما ذكر عالم الاجتماع الأمريكى إيرفنج جوفمان فإن كل إنسان مرتبط إلى حد كبير بما يتوقع منه الآخرون، وهو ما ينعكس على أدائه وسلوكه بين الآخرين ويتسبب فى ظهور ألفاظ جديدة تتماشى مع صورة صاحبها. وقد لا يهتم معظم الشباب داخل أندية الإنترنت وصالات الجيم بهذا التنظير حول أسباب ظهور كثير من الكلمات الجديدة أو تطور معانيها.. إلا أن صورة الشاب هى فى الواقع ما ينتج هذه المفردات الجديدة، وطوال الوقت هناك محاولات مستمرة لفهم هذه الألفاظ وتجميعها، أهم هذه المحاولات كانت فى العام 2005 على يد الصحفى الشاب ــ ياسر حماية ــ حين جمع أهم الألفاظ والتعبيرات التى يستخدمها الشباب فى قاموس أطلق عليه وقتها «قاموس روش طحن». ومنذ ذلك الوقت ظهرت ألفاظ أخرى جديدة استقر معظمها داخل مواقع الإنترنت ومجموعات شبكة الفيس بوك الاجتماعية عبَّر بعضها عن هوية أو موقف لأصحابها.

ففى مجموعة «الحملة القومية لمحاربة السرسجية» على موقع الفيس بوك التى تضم أكثر من 13 ألف مشترك، عبر المشتركون عن موقفهم من «السرسجية» أو «الولاد البيئة» حسب تعبير المجموعة، وذكر أصحاب المجموعة تسعة عشر وصفا للسرسجى، منها الإفراط فى وضع الجيل ومثبتات الشعر وارتداء الملابس الرديئة والمبالغ فيها وممارسة التطفل والفضول على الآخرين، فهو باختصار إنسان مبتذل وعديم الذوق، ولم يكتف أصحاب المجموعة بذلك فقط، بل أرفقوا روابط فيديوهات على الإنترنت لشباب يرقصون فى أفراح شعبية بهدف التوضيح بأمثال عملية. كما استخدمت المجموعة الإلكترونية كلمة «سيس» بنفس معنى «سرسجى». وهو ما استفز أحد الأعضاء ليتخذ موقفا واضحا تجاه هذا الوصم وكتب عنوانا قويا: «لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم» معلنا اعتراضه على الجميع.

مثل هذه الكلمات: «سرسجى» و«سيس» لم تكن متاحة فى قاموس شباب روش طحن فى طبعته الأولى، كذلك كان الحال مع كلمات أخرى ظهرت وانتشرت بعد أن راجت على ألسن بعض الإعلاميين، مثل كلمة «موز» التى يستخدمها الإعلامى عمرو أديب بصورة متكررة للتأكيد على جودة الفقرة التى يقدمها، أما الإعلامى معتز الدمرداش فكانت كلمته الأشهر فى أثناء تقديم فقراته كلمة «كول» التى تطل أيضا فى عناوين مجموعات الفيس بوك وأسماء المنتديات التقليدية حين يمتد حرف الواو لتتحول إلى «كوووول». فى محاولة لإخفاء أصلها الأمريكى حيث تعبر عن الأناقة والذوق والهدوء والثقة. ومن الكلمات التى انتشرت أخيرا على الإنترنت بشكل مفاجئ كلمة «تنين» التى تعبر عن شدة الإعجاب وتستخدم أحيانا بديلا عن كلمة «جدا»، فيصبح وصف الفيلم هو «جامد التنين»، والأغنية «جامدة التنين». ولا يوجد ما يوضح أصل هذا التعبير الأسطورى سوى كلمة Dragon الإنجليزية التى تعبر فى أحد معانيها عن الخطورة والروعة.

ومن الواضح أن بعض الكلمات بإمكانها أن تتحور وتتبدل من المعنى إلى نقيضه، مثل كلمة «افتكاسة» و«مفتكسة» التى كانت فى وقت من الأوقات تعبر عن الإبداع والابتكار، حتى أن إحدى فرق موسيقى الجاز المصرية لم تجد عنوانا لها سوى كلمة «افتكاسات» كى تعبر عن ابتكاراتها فى مزج الروح الشرقية بموسيقى الجاز الغربية.. لكن أخيرا تحورت كلمة افتكاسة إلى لفظ ذى معنى آخر، وأصبحت كلمة «فاكسة»، أو «فكسانة» معبرة عن الإخفاق والفشل والتكرار الممل، وأصبحت الفكسنة هى ابتكار ما يثير الشفقة، وبين مجموعات الفيس بوك ظهرت عناوين مجموعات مثل «ضد الفكسنا»، ومجموعة أخرى كتبت بالإنجليزية «AgaiNst FaKsaNa» حول نفس المعنى، بل حاول مؤسسو هذه المجموعة الأخيرة ربط الفكسنة بكلمة Fakes الإنجليزية التى تعبر عن الزيف.

ولم تكن السينما بعيدة عن هذه اللغة بل اتخذتها وسيلة للسخرية فى بعض الأحيان من بعض شرائح الشباب، مثل استخدام تعبير «آخر حاجة» الذى استخدمه فيلم «رامى الاعتصامى» الموسم الماضى للاستهزاء من صورة شباب الفيس بوك،على الرغم من أن نفس التعبير استخدم أيضا فى عناوين بعض الأغانى منها أغنية حمادة هلال «بحبك آخر حاجة».

ومن داخل الإنترنت إلى خارجها تنتقل الكلمات بسهولة ويسر، تماما مثلما تنتقل الكلمات من الشارع إلى الإنترنت، والمفارقة أن بإمكان الشخص أن ينال عددا من الصفات فى مواقف مختلفة، فبإمكانه نهارا أن يصبح باشا، وفى الميكروباص يتحول إلى كابتن، وبين أصدقائه يتحول إلى «بوب» وكأنه نجم له جمهور.. وكلما مر الوقت كلما كانت
هناك مساحة لألفاظ جديدة وكلمات أغرب تعبر عن صورة الشاب وهويته.

Wednesday, July 8, 2009

الفيمينيزم .. الحياة بعيون الستات

الاربعاء 8 يوليو 2009
عبدالرحمن مصطفى

رغم أن لقب «نسوية» أو «فيمينيست» قد يرتبط بالكثير من السخرية والأفكار المسبقة فإن بعض الفتيات والسيدات اخترن بشدة أن يصنفن على أنهن هكذا.. «وصف» قد يتحول فى الكثير من الأحيان إلى «وصم».

فاطمة إمام ومزن حسن صديقتان تبدوان للوهلة الأولى على درجة كبيرة من الاختلاف، فبينما تبدو مزن فتاة ترتدى الملابس العصرية وتستخدم لغة جريئة فى الحوار، تحرص صديقتها فاطمة على ارتداء حجاب كامل واستخدام لغة أكثر تحفظا، هكذا تبدو الصورة إذا اعتمد الجالس أمامهما على الحكم بالمظهر الخارجى، لكن واقع الأمر أن ما يجمع بينهما ــ بخلاف صداقتهما القديمة ــ هو منظور واحد يطلان منه على الحياة، وكلمة السر هى «الفيمينزم» أو النسوية.
وهى الكلمة التى أصبحت ذات طابع مألوف داخل بعض الأوساط المتعلمة والمهتمة بقضايا المرأة، لكن ما يجمع مزن وصديقتها فاطمة أيضا هو أن كلا منهما لا تجد حرجا فى أن توصف بأنها «فيمينست» أو نسوية، وهو «الوصف» الذى قد يتحول أحيانا إلى «وصم»، فما الذى يجعل كلمة «فيمينزم» كلمة مثيرة للارتباك ما بين معتنق لها ورافض؟
الترجمة الأكثر شهرة لكلمة «فيمينزم Feminism» هى «النسوية» ويمكن التعبير عنها بأنها رؤية يمكن من خلالها إعادة قراءة الكثير من العلاقات التقليدية فى المجتمع التى تتسبب فى قهر المرأة أو الحط من شأنها ووضعها فى موقف التابع للرجل، وتتحول هذه الرؤية إلى أفعال تدفع معتنقيها إلى مقاومة عدم المساواة بين الجنسين أو التبعية للرجل... قد تبدو العبارات الشارحة للكلمة رنانة وصاخبة، إلا أن اعتناق هذه الرؤية يتحول مع الوقت إلى أسلوب حياة، تصفه مزن حسن: «هى طريقة حياة تجعلك تتوقف عند سبب إعطاء الشاب ميزة أو أفضلية، كأن تجد حساب طاولة الطعام فى المطعم يقدم دون تفكير إلى الشاب دون الفتاة، وكأنها تابعة له بالضرورة».
هذه الملاحظات التى تراها مزن حسن الآن بصورة أعمق، كانت تدور برأسها منذ أن كانت طفلة صغيرة، جعلتها تفكر فى سبب إعطاء الأخ هذه السلطات غير المبررة فى العائلة المصرية، وذلك رغم نشأتها فى أسرة متفتحة حسب قولها، لكن رؤيتها لهذه الملاحظات ازدادت عمقا بعد قراءة مذكرات رائدات الحركة النسوية المصرية.
لم تتوقف مزن عند هذه القراءات، فقد وجدت عالما فسيحا يفسر لها العلاقات الاجتماعية وصورة المرأة فى المجتمع، وتطورت دراساتها من كلية الآداب إلى التخصص فى الدراسات النسوية لفهم وضع المرأة بصورة أكبر، وحملت أعباء جديدة بسبب وجود أصوات معارضة للنسوية، بعضها من نساء فى مواقع عليا وبعضهن فى مناصب أكاديمية.
تقول مزن «أتذكر وقت إعداد رسالة الماجستير أن بعض العاملات فى مجال المرأة كن ينكرن بشدة أنهن نسويات ويفضلن استخدام وصف عاملات فى مجال حقوق المرأة فقط». لكن المشكلة التى قد تواجهها مزن أو أى نسوية أن الأمور لا تتوقف عند رفض اعتناق البعض لهذا المنظور، بل تمتد إلى وصم من تعتنقه فى بعض الحالات.
تضيف مزن حسن: «فتاة فى الثلاثين، ومديرة ناجحة، ومستقلة ماليا وسكنيا، كل هذا يجعلها فى مرمى البصر، والبعض يربط الاستقلال أو الإحساس بالتحرر بسوء الأخلاق».
تتذكر أحد المشاهد من فيلم ملك وكتابة حين تحدثت بطلة الفيلم «هند صبرى» عن أزمة فتيات يقمن فى سكن مستقل وكيف يتيح المجتمع لبواب العمارة حق التدخل فى حياة الفتاة لمجرد أنه رجل، وواجب عليه أن يراعيهن رغم الفارق التعليمى بين الطرفين.
فى حديث مزن مرارة.. خاصة حين تحدثت عن ربط الفتاة النسوية بغرابة الأطوار وتقول عن ذلك «ما من شك أن بعض العاملات والكاتبات فى مجال المرأة قد أسهمن فى تقديم صورة استفزازية للمدافعات عن المرأة، فغاب عن الناس أن منظور النسوية هدفه التعبير عن صوت المرأة فى قضايا المجتمع».

.....«جمعية المرأة المتوحشة»ـ
مجرد نظرة على العناوين التى تتناول النسوية تكشف لنا عن عداء لا يخفى تجاه هذه الرؤية، وذلك رغم التطور الذى طرأ على الدراسات والقراءات النسوية التى بدأت فى مراجعة المفهوم من جديد، لكن النظرة القديمة التى صورتها شاشات السينما عن المهتمات بصورة المرأة فى المجتمع ما زالت مستقرة فى بعض الأذهان.
مزن وصديقتها فاطمة نطقا بنفس التعبير الدارج الذى يستخدم أحيانا عن «جمعية المرأة المتوحشة»، وهو ما يمثل إساءة لما تؤمنان به. لكن هناك نيرانا صديقة أخرى قد تأتى من كاتبات أو مؤمنات بالنسوية يطرحن أفكارا قد تبدو غريبة أو طريفة لدى البعض، مثل أن تحمل المرأة اسم الأم بدلا من الأب.. وترى الدكتورة هدى زكريا ــ أستاذة علم الاجتماع فى جامعة الزقازيق والمهتمة بدراسات المرأة ــ أن الهدف من النسوية هو إطلاق صوت المرأة والأنثى فى التاريخ والفقه وحتى داخل البرلمان، لكن الواقع ممزق بين نساء يستعرن صوت الذكر فى التعبير عن المرأة، ونسويات مشغولات عن قضايا المجتمع بأمور غير مفيدة. ثم توضح: «بعض النماذج النسوية بعيدة عن المجتمع، والأسوأ أن بعض الكاتبات والناشطات يتبنين موقفا متطرفا يضع الرجل فى موقع العدو، فى حين أن الأصح هو نقد المجتمع كله، وليس الرجل فقط، لأن الرجل أيضا مكبل بأعباء وفروض مجتمعية، فالهدف هو سعادة الجنسين معا».

لكن ما هو موقف الرجل من النسوية؟ هل يمكنه اعتناق هذه الرؤية؟
الدكتورة هدى زكريا أجابت دون تردد «طبعا.. الاتجاه النسوى شارك فى تأسيسه رجال كثيرون، يكفى أن نتذكر مسرحية الكاتب العالمى هنريك أبسن فى نهاية القرن التاسع عشر وهو يعبر عن صوت المرأة الغائب فى الحياة آنذاك». أما مزن وفاطمة فقد عددتا أسماء مفكرين على رأسهم نصر حامد أبوزيد، لكنهما توقفتا أمام أصدقائهما الشباب الذين تبنوا بالفعل هذه الرؤية، ما يجعل الفروق بينهم تكاد تكون متلاشية تقريبا، حتى إن بعض أصدقائهما الذكور لا يستنكف أن يقول إنه «فيمينست» وإن كانت فاطمة قد رأت فى تعبير «نصير المرأة» أكثر ملاءمة.

وربما يدفعنا هذا التعبير لا إراديا إلى تذكر الرجل الأشهر فى هذا المجال وهو قاسم أمين ــ صاحب كتاب المرأة الجديدة، الذى ما زال طلاب المدارس يتعلمون أنه أشهر من طالب بتحرير المرأة، لكن المفارقة الحقيقية أن الرؤية النسوية الحديثة قد أعادت قراءة قاسم أمين مرة أخرى، وهو ما يوضح بشدة طريقة تعامل الفيمينزم مع ما هو سائد من أفكار.. على سبيل المثال كتبت الدكتورة شيرين أبوالنجا ــ إحدى الناقدات المهتمات بالنسوية ــ عن كتاب «تحرير المرأة» لقاسم أمين أن دعوته لم تكن لتحرير المرأة بقدر ما كانت «لتنظيم سلطة الذكور». إذن مثل هذه الاجتهادات التى تنطبق على قراءة النصوص وقراءة القوانين والتشريعات وإدارة العلاقات الاجتماعية..
بإمكانها أن تعيد تشكيل العديد من الصور التقليدية التى اعتادها المجتمع.
وقد يكون هذا هو ما جمع مزن بصديقتها فاطمة، وأصدقائهما الشباب.. حين اتفقوا على نبذ مظاهر الرجعية فى المجتمع، إلا أن فاطمة إمام اختارت أن تركز على مدرسة محددة هى النسوية الإسلامية Islamic feminism التى ترى فيها نافذة تطل منها على الدين الإسلامى.

.... نسوية إسلامية

فى أثناء دراستها فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية لفتت انتباهها تلك الضغوط التقليدية على الفتاة المصرية وتمييز الشاب على البنت فى كثير من الحالات، كأن تظهر سمعة تربط بين العمل فى قطاع ما لخريجات كليتها والعنوسة، ورأت كيف أن الفتيات يشاركن بأنفسهن فى إحكام هذه الحلقة الخانقة حول أعناقهن، فرأت كيف استهجنت زميلاتها فكرة سفرها لاستكمال تعليمها فى الخارج.
وأمام هذه الملاحظات.. ومع الاطلاع على بعض الكتابات التى تحاول إعادة قراءة التاريخ والفقه.. توقفت فاطمة كفتاة متدينة أمام النسوية الإسلامية، واختارتها موضوعا لرسالتها من أجل الحصول على درجة الماجستير، إلا أن نفس هذا التيار وجد أيضا من يستهجنه من النسويات التقليديات كما تشرح فاطمة: «فى أحد المؤتمرات فوجئت بهجوم حاد من النسويات المتحررات وهو ما عبر عن وجهة نظر ربطت النسوية الإسلامية بالتيار الإسلامى، فى حين أن الإسلاميين التقليديين أنفسهم يرفضون النسوية من جذورها كفكرة، وأغفل الجميع أن النسوية ستفيد فى إعادة قراءة الفقه والشريعة وأحوال المجتمع، خاصة أننا الآن لا يمكن أن نقبل خطاب دينى لا يزال يعتبر السيدات سيئات على حد تعبير أحد شيوخ الفضائيات..!».
معتنقو النسوية الإسلامية حول العالم يرون فى السيدة عائشة، زوج الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، نموذجا للمرأة الواعية بحقوقها، فهى الفقيهة التى وقفت ضد بعض الآراء الدينية التى تحط من شأن المرأة، وهى التى قادت معركة «الجمل» كأى قائد فى المعركة، لتقدم نموذجا تاريخيا للتعايش بين الدين وإحساس المرأة بالمساواة مع الرجل.
وسواء كانت النسوية تقليدية أو إسلامية فكلاهما يحمل رؤية واحدة للعالم، وهو الذى جمع الصديقتين فاطمة ومزن منذ البداية ودفعهما إلى الاشتراك سويا فى تأسيس مؤسسة مهتمة بالدراسات النسوية، إلا أنهما يدركان الآن جيدا أن العمل فى مثل هذه المؤسسات لا يشترط على العاملين بها أن يكونوا من «الفيمينست».
فريال عادل باحثة فى مجال المرأة، تعمل فى نفس المحيط الذى تعمل فيه كل من مزن وفاطمة، رسالتها فى درجة الماجستير تحمل عنوان «المرأة فى خطاب الحياة اليومية» وتحتك يوميا بعشرات النساء بحكم دراستها التى فرضت عليها كما كبيرا من القراءات فى هذا المجال، لكن أول عبارة أكدت عليها بإصرار هى «أنا مش فيمينست»، وهو ما يعيد إلى الأذهان الصورة الأولى التى تحدثت عنها كل من مزن وفاطمة عن الوصم الذى تحمله هذه الكلمة أحيانا.
تعترف فريال أنها لا تستطيع إعلان هذا التصنيف عن نفسها لعدة أسباب، تقول «النسوية أعطتنى منظورا أدرك به كم التمييز الذى يقع على المرأة أحيانا وتشترك فيه المرأة بنفسها دون وعى.. وتأثرت ببعض الكتابات مثل كتابات الفرنسية سيمون دى بوفوار إحدى رائدات هذا الاتجاه فى العالم، لكنى لا أريد أن أصنف كنسوية، فأنا مكتفية بهذا الوعى الذى حصلت عليه من هذه القراءات».
تعرضت فريال للحديث عن نقطة حساسة تناولتها كل من فاطمة ومزن عن اتهامات المجتمع مؤيدات النسوية بأنهن خارجات على التقاليد، كما ترى أن وعى المرأة بكيانها لم ينتشر بين الطبقات البسيطة ومنحصر فى طبقة رقيقة من المجتمع.
تتفق الدكتورة هدى زكريا مع فريال عادل فى أن الوعى ما زال محصورا فى نخبة قليلة هى التى تدرك أن المرأة ما زالت نقطة ضعف المجتمع، لكن الغالبية لم يصلها هذا الوعى، وتستدرك بعدها «رغم كل هذا فبعض السيدات البسيطات غير المتعلمات لديهن وعى بحقوقهن وتقدير للذات بدرجة أكبر من بعض الأكاديميات..!».

الحديث مع مزن وفاطمة وفريال والدكتورة هدى قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه مشتبك ضد بعضه لكن يجمعه خيط واحد هو «الفيمينزم» أو الرؤية النسوية التى ترفض ما ورثناه عن مكانة المرأة كتابع وعبء على الرجل، قد ترفض الدكتورة هدى نخبوية العمل النسوى وتجمعاته، وقد ترفض فريال أن توصف «بالفيمينست» خوفا من الصورة النمطية لهذه الكلمة.. لكن الصديقتين مزن وفاطمة قد اتفقتا مبكرا على إعلان هذا المنظور واضحا دون خشية، واشتركتا مع أصدقائهما فى تأسيس مركز للدراسات النسوية على أمل أن تكون هناك موجة شابة أكثر نضجا تزيل الصورة النمطية عن الذين اختاروا رؤية الحياة بعيون نسوية.
** معارك مبكرة **
ازداد وعى المرأة المصرية بأهمية نيل حقوقها منذ النصف الثانى من القرن التاسع عشر نتيجة الموجة الإصلاحية آنذاك، ثم ارتبط بعدها بحقبة النضال الوطنى فكانت معركة مزدوجة من أجل انتزاع حقوق المرأة فى زمن الاحتلال ومواجهة التقاليد التى تعوق مشاركة المرأة فى أنشطة الحياة.

وكانت كتابات قاسم أمين فى عامى 1899 و1900 من أهم الكتابات التى اتخذت حقوق المرأة محورا لها، ليبدأ الوعى النسوى فى الظهور وبرزت أسماء مهمة مثل هدى شعراوى التى قادت معارك مبكرة من أجل تخصيص قاعات لمحاضرات النساء فى الجامعة، والدعوة إلى رفع سن الزواج كما أسهمت فى تأسيس الاتحاد النسائى المصرى عام 1923، والتحقت الطالبات المصريات لأول مرة بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا ) عام 1928، ثم حصلت المرأة المصرية على حق التصويت فى الانتخابات بعد ثورة يوليو وتحديدا فى عام 1956 كأول دولة عربية تعطى هذا الحق.
وفى مرحلة لاحقة ظهرت موجات فى الستينيات على المستوى العالمى تدعو إلى الفكر النسوى. (تعبر كلمة نسائى عن أى نشاط أو تجمع تشكله النساء، بينما تعبر كلمة نسوى عن رؤية قد يشترك فيها الرجل والمرأة تهدف إلى تأكيد فكرة المساواة والتعبير عن صوت المرأة).
وكان لدعوة الأمم المتحدة إلى العقد العالمى للمرأة من 1975 إلى 1985 تأثير كبير على صدور بعض القوانين، بينما ازداد عدد المنظمات النسوية فى مصر بصورة واضحة فى منتصف التسعينيات كنوع من الاستجابة للتوجه العالمى نحو تمكين المرأة وما شابه ذلك.
ويصعب تحديد أعداد المهتمين بالفكر النسوى لقلة الدراسات فى هذا المجال، خاصة أن العمل داخل جمعيات ومؤسسات المرأة أحيانا ما يكون من منطلق مهنى بحت وليس نتيجة اعتناق النسوية. أما عن أعداد الجمعيات والمنظمات التى تستهدف المرأة المصرية فيقدر المتخصصون عددها بين 200 إلى 250 جمعية أعلنت نفسها كجمعية أو منظمة نسائية، فى حين أن عدد الجمعيات الأهلية فى مصر قد اقترب من 25 ألف.
البعض ما زال يرى القرارات الأخيرة الخاصة بنصرة المرأة على أنها فوقية ولم تعبر عن تغيير فى تفكير المجتمع وقناعته، رغم إنشاء المجلس القومى للمرأة فى عام 2000 وصدور قرارات بتعيين أول امرأة قاضية فى يناير 2003، وتعيين الدكتورة هند حنفى مؤخرا كأول سيدة تتولى رئاسة جامعة حكومية مصرية، وتخصيص 64 مقعدا للمرأة فى مجلس الشعب، وهى المطالب التى دعت إليها بعض المنظمات النسوية.

Sunday, June 28, 2009

الدوار .. آخر قلاع الريف فى القاهرة


فى ميت عقبة، على تخوم المهندسين، ظل دوار العمدة ينازع كى يستمر فى التواجد داخل العاصمة، مجرد مقر للاحتفاليات وفض المنازعات.

الاحد 28 يونيو 2009
عبدالرحمن مصطفى
أقصى ما يتمناه الحاج أنور الشاهد الآن هو جلسة صافية ينصت فيها بخشوع إلى تلاوة إذاعة القرآن الكريم قبل آذان المغرب، وتكتمل سعادته مع كوب شاى صغير وجلسة مريحة على أريكة ريفية تتسع له ولضيوفه ولأبنائه من حوله. لم تتحقق أمنية الحاج أنور الذى تجاوز الثمانين عاما إلا فى «دوار عائلة الشاهد» بعيدا عن مقاهى حى ميت عقبة المزدحمة بزبائنها. فاختار جلسته المفضلة فى دوار العائلة حيث ذكرى الماضى الذى لن يتكرر.
فى تلك المساحة الجغرافية من القاهرة لا يتوقع الجالس فى أحد مطاعم ميدان لبنان الراقية بحى المهندسين أن يجد خلفه بعدة أمتار روح أخرى لاتزال تسكن حى ميت عقبة، وتحديدا فى «الدوار» الذى لايزال يجد من يدافع عنه ويحافظ عليه كدليل على أصل ميت عقبة كقرية ريفية اندمجت الآن وسط منطقة المهندسين واخترقها محور 26 يوليو بعرباته الطائشة التى قد لا يجد ركابها الفرصة لاكتشاف بقايا الدوار هناك.
السير بمحاذاة محور 26 يوليو قد يخدع المارة للوهلة الأولى ويصور لهم أنهم أمام منطقة شعبية تقليدية مقحمة بين منطقة المهندسين والعجوزة. شوارعها الضيقة تتحول فى بعض اللحظات إلى ممرات ترفض استقبال السيارات ولا تسمح إلا بعبور المشاة، تلك ليست قواعد العشوائيات بل هى قواعد القرية الريفية القديمة حيث البيوت المتجاورة والشوارع المسماة بأسماء العائلات القاطنة بها. لم يكن الوضع على هذه الشاكلة فى النصف الأول من القرن الماضى حيث كانت الفراغات أكثر اتساعا مع وجود الأراضى الزراعية ذات المساحات الكبيرة. وكالعادة فرض التقاء الأرض الزراعية بالفلاحين على القرية أن تنشئ عائلاتها الكبيرة «دوارا» لإدارة شئونها، خصوصا إن كان منصب العمدة فى داخل هذه العائلة.
على حدود ميت عقبة الخارجية تشير لافتة إلى «درب الشاهد»، وهى إحدى العائلات القديمة فى ميت عقبة منذ أن كانت قرية.. الحاج عبدالحميد عبدالمجيد الشاهد الذى قدمناه فى البداية على أنه أنور الشاهد حسبما ينادونه هنا هو أحد أفراد هذه العائلة، ما زال متمسكا حتى الآن بالتواجد فى «الدوار» الباقى أمام منزله حيث يقضى الكثير من وقته وسط آخر ما تبقى من الزمن الريفى.
شحن بطاريات الذاكرة وبدا متحمسا وهو يروى عن «الدوار» والزمن الماضى: «كان الدوار من أهم الأماكن فى ميت عقبة حيث يجلس العمدة وكبراء العائلة لفض المنازعات وتلقى الزيارات وضبط العلاقات بين أصحاب الأراضى والفلاحين.. أنا هنا أتحدث عن ما قبل الخمسينات حين كانت هناك أراضى زراعية فى هذه الناحية تفرض شكلا خاصا على علاقات الناس وكان للدوار مكانته آنذاك».
فى تلك الفترة التى يحكى عنها الحاج أنور كانت ملامح الدوار مختلفة تماما حين كان أقرب إلى مقر إدارى يترأسه العمدة يضم غرفتين كبيرتين أمامهما مساحة رحبة لاستقبال الزوار، أما الآن فقد تغير الشكل واتخذ طابعا فلكلوريا مع غياب أهداف وجوده الأولى. طرأت كذلك بعض التعديلات الهندسية حولت الغرفتين إلى صالة فسيحة أمامها حديقة ومتكأ للضيوف إلى جانب غرف خلفية تستعمل كبوفيه فى المناسبات.
حمدى عباس حلمى الشاهد ــ أحد أفراد العائلة ــ ما زال يتذكر لحظة تحول الملامح الخارجية للدوار إلى شكله الحالى بعد أن تغير دوره القديم من مقر للعمدة إلى مكان تجمع عائلى ودار للمناسبات، ويقول: «والدى كان عمدة البلد فى أوائل الخمسينيات كان يحل المشكلات ويفض المنازعات فى هذا الدوار بشكله القديم، ومع السبعينيات بدأ الدوار يتوارى عن الأنظار واختفى دوره الاجتماعى إلى حد كبير حتى قررنا فى الثمانينيات إعادة تجديده ليكون مقرا لتجمع العائلة إلى جانب استخدامه فى العزاء وعقد القران لغير القادرين».
هكذا تحول «الدوار» إلى مقر احتفاليات مع غياب العمدة عن ميت عقبة التى انخرطت منذ الستينات فى أجواء المدينة وانصهرت بأكملها داخل العاصمة.

الشاهد كمان وكمان

فى الناحية الأخرى من ميت عقبة بعيدا عن مقر «الدوار» القديم يعود اسم الشاهد مرة أخرى للظهور فى أسماء الشوارع الفرعية.. أحدها شارع عفيفى الشاهد وهو الآن شيخ فى الخامسة والثمانين من عمره مازال يتقاسم مع الحاج أنور ذكرياته عن زمن «الدوار». شكا من سقوط هيبة الكبير على عكس ما كان فى الماضى، قائلا: «كان أصحاب الأراضى الزراعية لا يتعدون الأربعة والثلاثين فردا هم من كان باستطاعتهم انتخاب العمدة القابع فى هذا الدوار، وكان هذا العدد المحدود يعبر وقتها عن حالة المجتمع حين كان هناك تقدير للكبير وصاحب الأرض أما الآن فأصبح الجميع متساويا واختفى الصوت القادر على فض المنازعات».
اختار الحاج عفيفى الشاهد منذ حوالى ستة عقود أن يسكن بعيدا عن الدوار واتجه ناحية أرض كان يزرعها بيديه تنتج البرسيم والذرة والقمح امتدت حتى شارع السودان الحالى. فى هذه الفترة ظهرت أغنية شهيرة فور وقوع حركة الجيش عام 1952، كان عنوانها «ع الدوار ع الدوار. راديو بلدنا فيه أخبار».
هذه الأغنية كانت أولى أغنيات الثورة والمفارقة أنها تغنت باسم الدوار الذى شكلت الثورة فيما بعد دوره ونفوذه داخل القرية عقب إعادة ترتيب العلاقات الاجتماعية فى مصر كلها آنذاك.. لكن دوار ميت عقبة لم يتخل عن مكانته فورا إلا بعد أن تلاشى منصب العمودية واتخاذ القرية الطابع الحضرى فى الستينيات.
يكمل أحمد عفيفى الشاهد النقطة التى توقف عندها والده «اليوم ربما يكون من البديهى أن يرث نائب الشعب أو المسئول مكانة العمدة القديمة إلا أن نواب الشعب حاليا لم يملأوا مكانة العمدة الذى كان متواجدا بين الناس. وذلك على الرغم من أن نفس الدوار الحالى لايزال يستضيف النواب والمرشحين للمناصب النيابية فى المناسبات إلا أنه لم يعد باستطاعتهم تأكيد حضورهم فى حى متخم بالسكان كهذا الحى».
ميت عقبة التى خلعت ثوبها الريفى منذ عقود وانضمت فى العام 1997 إلى حى العجوزة لم يكن الدوار فقط هو الدلالة على جذورها الريفية فعلى أطرافها شارع يحمل اسم «داير الناحية»، وهو اسم مألوف فى تخطيط القرية المصرية التى يمثل «داير الناحية» فيها ما يوازى الطريق الدائرى حول حقول القرية وتتفرع منه طرق فرعية إلى مساكن الفلاحين وأصحاب الأراضى، ومن داير الناحية توصل الطرق دائما إلى «الدوار» الذى يتخذ موقعه الاستراتيجى فى تخطيط القرى.
على بعد أمتار من «دوار الشاهد».. تبدأ أسماء عائلة دعبس فى الظهور على لافتات الشوارع مثل شارع «بين البلدين» الذى تحول إلى شارع «الشهيد أركان حرب نصر دعبس» ثم شارع آخر يحمل عنوانا أكثر مباشرة هو شارع «العمدة دعبس». هناك يقع دوار عائلة دعبس إحدى العائلات التى تولت مقاليد العمودية قديما.

بدون «سلاحليك»

لا تزال الأجواء القديمة تحيط بالدوار، أمامه مساحة رحبة انفرد بها عن بقية الشوارع الضيقة. تلك المساحة أعطته بعض التميز فى الحى وأمام الدوار الذى لم يعد يفتح الآن إلا فى المناسبات يقع مكتب أحمد إلياس دعبس، من كبار أفراد العائلة التى تجمعها علاقات نسب بعائلة الشاهد، ومن نافذة مكتبه يطل على الدوار مستعيدا الذكريات. لايزال يحتفظ بالصور التى كانت معلقة فى الماضى على جدران الدوار القديم لمصطفى النحاس باشا زعيم حزب الوفد حين كانت الأسرة تدعم الوفد قبل الثورة.
يختلف دوار دعبس الحالى عن حالته القديمة التى يصفها كبار العائلة حين كان مبنى حجرى تتخلله العروق الخشبية.
فى داخل الدوار يعرض أحمد إلياس دعبس وجها آخر للدوار كمقر إدارة وحكم «لم يكن الدوار مجلس عائلة أو واجهة اجتماعية بل كانت تفد إليه إخطارات التجنيد وإنذارات المحاكم كما كان له دور مهم يكاد يكون قد تلاشى من حياتنا الآن وهو الضبط الاجتماعى» يرى أحمد إلياس أن غياب الدوار يمكن أن يعوضه دور الأفراد وهو ما يحاول صنعه فى مكتبه بين أبناء الحى بصورة مصغرة. هنا يتدخل ابن العم أحمد عبدالمحسن دعبس برأيه: «فى الماضى كانت سلطة الدوار تتجاوز النصح والإرشاد إلى المشاركة فى العقوبة وهو ما لا يستطيع أحد ممارسته الآن ففى نفس هذا الدوار كان هناك جزء ملحق اسمه السلاحليك يحتجز فيه الأشقياء قبل عرضهم على الشرطة بهدف حل المشكلات داخل نطاق القرية أولا على يد العمدة».
ومثلما كان الحال مع دوار عائلة الشاهد أخذ دوار عائلة دعبس دورته التقليدية مع التبدل الذى أصاب ميت عقبة فى تحولها من الطابع الريفى إلى جزء من العاصمة، ومع غياب نظام العمودية استمر الدوار يقاوم حتى أعيد بناؤه من جديد فى الثمانينيات بشكله الحالى الذى حوله إلى مدخل بناية يعلوها طابقان سكنيان. لكن فكرة الدوار نفسها لاتزال عالقة فى أذهان بعض أهالى ميت عقبة.. على سبيل المثال اختار جمال عبدالحكم الشاهد الذى تجمعه قرابة بكل من عائلتى الشاهد ودعبس أن ينشئ فى العام 2005 دوارا خاصا تحت اسم «دوار أولاد عبدالحكم الشاهد»، وهى مفارقة تعارض التصور التقليدى عن تدهور فكرة الدوار فى ميت عقبة. لكن هناك غرضا أعاد فكرة الدوار مرة أخرى ونحن على مشارف القرن الحادى والعشرين. فقد كان هدف جمال الشاهد هو إحياء استخدام المكان فى حشد الأصوات الانتخابية لذا رأى كعضو فى المجلس المحلى وعضو الحزب الوطنى الديمقراطى أن يتخذ مقرا خاصا به فى دواره الجديد يرسخ به وجود الحزب بين الناس، وهو يوضح: «كان المكان متوافرا بالفعل وفكرت أن أحوله إلى دوار ليكون قناة مفتوحة بين الدائرة ونائب الحزب والمجلس المحلى».
وبعيدا عن هذا فقد أوضح حديث عائلة دعبس عن الدوار أن هناك دور اجتماعى ما زال ينشط من حين إلى حين، فإلى جانب توفير المكان لغير القادرين من أجل إقامة العزاء فهناك دور يعتمد على شباب العائلة الذين يجتمعون أسبوعيا أمام الدوار. وينشط هؤلاء ــ حسبما ذكر هشام دعب ــ خلال شهر رمضان من أجل إعداد الحقائب الرمضانية للفقراء، فالدوار يكون مفتوحا بصورة يومية. واستضاف الدوار أيضا حملة تبرع بالدم أحيت بعض النشاط الاجتماعى المحبب الذى أعاد للمكان بعض بهائه.

الخط الأحمر

تحولت القرية إلى حى شعبى مكتظ بالسكان تجاوز عدد سكانه فى ميت عقبة وجزيرة ميت عقبة حوالى 130 ألف نسمة حسب أرقام الجهاز المركزى للإحصاء فى 2006. لا يمكن إذن للدوار سوى أن يبقى رمزا فى مكان مزدحم توافدت عليه الهجرات طوال العقود الماضية. ففى دوار عائلة الشاهد أكد عفيفى الشاهد أن دور الدوار القديم قد تلاشى تقريبا منذ السبعينيات مع التضخم السكانى الذى طرأ على المنطقة، أما فى دوار عائلة دعبس فقد اختلف أولاد العم فى تاريخ محدد لانسحاب الدوار من مكانته القديمة، أحدهم قال: 1967، وآخر اقترح فترة السبعينيات مع تدفق الهجرة، وثالث رأى أنها الثمانينيات مع ارتفاع معدلات الجريمة وغياب الرقابة. لم يكن هدفنا وقتها البحث عن تاريخ محدد لانهيار الدوار رمز السلطة الموازية للسلطة الحكومية التقليدية، بل كنا نبحث عن التاريخ الذى ابتلعت فيه العاصمة قرية ميت عقبة بأكملها. قال محمد الحفناوى دعبس ــ أكبر الجالسين فى دوار عائلة دعبس ــ: «غياب الدوار ليس مسئولا عن ارتفاع معدلات الجريمة أو ما يحدث أحيانا من بلطجة وعنف، لكن السكن العشوائى والتضخم السكانى هو الذى غير وجه المنطقة». يستدرك هشام دعبس وهو يشير إلى المساحة أمام الدوار: «هذه المنطقة بمثابة منطقة محرمة تمنع فيها أى تجاوزات». كانت تلك الإشارات من عائلة دعبس تتعامل مع الدوار كخط أحمر غير مسموح بالتعدى على حدوده.. وهو الوضع الذى اختلف تماما عن ذكرى الدوار القديم المستقر الهادئ، وهى الحالة التى عبر عنها أنور الشاهد الذى استقبلنى أول مرة فى دوار عائلة الشاهد وتحدث بمرارة رجل ثمانينى رأى تبدل الحال واختفاء الأحباب وجعلته يذكر عبارة نسبها إلى حسان اليمانى أحد أبطال سيرة الزير سالم الشعبية حين قال: «زمن الأرض الخرس وابن الهلف»، أراد الحاج أنور بترديد نفس العبارة أن يصف ما يراه الآن بعد تلاشى الأرض الزراعية تماما وانعدام القدرة على إحيائها إلى جانب غياب هيبة الكبير.

Thursday, June 25, 2009

إعلانات قديمة .. سقطت سهوًا من ذاكرة الشارع



الخميس 25 يونيو 2009كتب ــ عبدالرحمن مصطفى

قد تكفى ابتسامة خفيفة أو إشارة باليد للتعبير عن طرافة المشهد وغرابة استمراره إلى الآن.. إعلانان نادران نجحا فى البقاء أكثر من نصف القرن فى نفس الموضع على نفس البناية، الأول «أسبيول.. يزيل الآلام»، والثانى «بلمونكس.. ضد الكحة». كلاهما بدا وكأنه جزء من واجهة العمارة، لكن الأمر لا يقتصر عليهما فقط فلهذين الإعلانين الغريبين إخوة على قيد الحياة فى شوارع المدينة، تطالع المارة وتتابع تبدل أحوال القاهرة على مدى سنين ابتلعت فيها كما لا بأس به من غبار الشارع وعادم السيارات.

الوقوف عند نقطة التقاء شارعى عدلى ومحمد فريد فى منطقة «وسط البلد» القاهرية يتيح فرصة أكبر لمشاهدة إعلانى الدواء، لكنه لا يجيب عن تساؤل قد يخطر على بال من يراهما «هل تمثل هذه الإعلانات أية قيمة أم أنها سقطت سهوا من ذاكرة الشارع؟».

فى مدخل نفس العمارة ناحية شارع محمد فريد إعلان آخر فى واجهة استوديو تصوير يقول«لدينا صور قديمة ونادرة»، وكأنها إشارة إلى احتمال أن يكون لدى صاحب الاستوديو اهتمام بهذا السؤال.. جاكوب كيروبيان ذو الأصل الأرمنى والعمر المديد استقبلنى فى محرابه بين صور المشاهير وأدوات التصوير القديمة التى ورثها عن والده. ظن فى البداية أنها زيارة زبون أراد شراء الصور القديمة المعلن عنها، وحين أخبرته أننى مجرد متطفل أراد أن يسأل عن إعلان قديم لا داعى لوجوده الآن، كنت كمن فجر لغما فى ذاكرته «إعلان شركة الأدوية؟!!» واستغل الفرصة لاستدعاء قصة المكان وتفاصيله مرة أخرى. وذكر أنه بالقرب من موضع هذه العمارة كانت هناك مبانٍ ونادٍ اجتماعى تابعين لكنيسة، وبيعت لتاجر يهودى اسمه فرانسيس، اشتراها لأنها قريبة من المعبداليهودى، لذا حملت العمارة اسم عمارة فرانسيس، حتى جاء مالك شامى آخر من عائلة شوشة واستمر الوضع كذلك حتى انتقلت تبعيتها لشركة التأمين. هذه الجمل التى حاول بها جاكوب استعراض تاريخ المكان جعلته ينسى قصة الإعلان، وانهمك فى شرح تفاصيل أخرى عما حدث لوسط البلد وعماراتها وما آلت إليه الآن نتيجة تجاوزات بعض أصحاب المتاجر على جمالياتها المعمارية، وحين عدت معه إلى إعلان الدواء مرة أخرى أجاب باختصار: «مجرد إعلانين لشركة دوش لصناعة الأدوية التى كانت تقع قديما فى الطابق الثانى من نفس البناية، ومع تغير أحوال البلد بعد الثورة، تركت الشركة مكانها ولم يفكر أحد من القاطنين فى إزالة تلك اللوحات».
الصعود إلى الطابق الثانى ينتهى بلافتة ذى ملمح حكومى خالص «الشركة المصرية للأبحاث والتطوير التابعة للشركة القابضة للأدوية»، هنا لا أحد يتذكر شركة «دوش» للأدوية ولا إعلانها الطريف على واجهة البناية، عرفها فقط أحد المديرين القدامى بحكم عمله فى مجال صناعة الدواء واستخدامه هذه المنتجات فى الصغر. أما جاكوب كيروبيان فلم يجد سوى عبارة مبتسرة وابتسامة رجل عاصر تطور المنطقة على مدى عقود «ببساطة الشركة رحلت، ولم يجد أحد حرجا فى بقاء الإعلان كما هو على واجهة العمارة».
صورة هذا العقار بواجهته الإعلانية هى واحدة من صور عقارات تم رصدها وتوثيقها فى كتاب القاهرة الخديوية للدكتورة سهير حواس ــ أستاذة العمارة والتصميم العمرانى بهندسة القاهرة ــ التى صنفت المبنى بأنه من الطراز «الكلاسيكى» الذى يعود بناؤه إلى النصف الأول من القرن العشرين. وترى سهير حواس بحكم موقعها فى الجهاز القومى للتنسيق الحضارى المختص بالحفاظ على الشكل الجمالى لمبانى وشوارع المدن، أن علاقة الإعلان بالمبنى لها أبعاد أخرى أوضحتها بحسم «الأولوية للمبنى وليست للإعلان، هذه الإعلانات التى قد تبدو كجزء من ذاكرة المكان تقتطع جزءا أهم من جماليات المبنى وهى فى الحقيقة عبء عليه، سواء كانت إعلانات قديمة أو حديثة، وهى المشكلة التى نتعامل معها الآن فى مشروع تطوير القاهرة الخديوية بهدف تعويد أعين الناس على رؤية جماليات العمارة التى تسرقها الإعلانات».
المشروب العجيب

العلاقة بين الإعلان والمبنى التاريخى ــ حسب حديث الدكتورة سهير حواس ــ اجتازت مرحلة التجميل إلى الخضوع لقانون 144 لعام 2006 المتعلق بالحفاظ على المبانى ذات الطراز المعمارى المتميز، كما تخضع لقانون التنسيق الحضارى رقم 199 لعام 2008 الذى حدد هذه المبانى وكفل لجهاز التنسيق الحضارى المعايير اللازمة للحفاظ على طرزها المعمارية. أما المفارقة أن بعض هذه الإعلانات المسكوت عنها طوال أكثر من نصف القرن قد أصبح من الصعب الآن أن نرى مثلها مرة أخرى، أوضح مثال على هذا هو إعلان مشروبات كحولية بمساحة تمتد لعدة أمتار على واجهة إحدى البنايات، ربما كان فى وقت من الأوقات متألقا بين «بارات» وسط البلد التى ما زالت بقاياها موجودة إلى الآن، إعلان «كونياك ريمى» الذى يكاد يكون متواريا بعد أن أنهكته أشعة الشمس وأخفت بعض ملامحه مازال مستقرا على جدار بناية مرتفعة فى شارع شريف تلاصق مبنى أثريا يرجع تاريخه لبدايات القرن العشرين هو بنك الإسكندرية. بعض العاملين أسفل البناية لم يدركوا منذ البداية أن العمارة مازالت تحمل إعلانا مثيرا كهذا، أما حارس العمارة التى تحتضن إعلان الكونياك فأنكر وجود الإعلان فى البداية ثم اعترف بوجوده وذكر أنه إعلان منسى لا يهتم به أحد.
حسن العجيل الذى يدير متجرا أسفل البناية مازالت لديه بعض المعلومات حول المكان وإن كان لم يبرر بقاء هذا الإعلان سوى بالإجابة التقليدية التى تُحمـِّل السهو والنسيان وزر بقائه. وكتاجر محترف من تجار وسط البلد بدا مشغولا أكثر بما يمسه بصورة مباشرة «الحس الجمالى مفقود بيننا، حتى الشجرة التى حاولت زرعها أمام المحل بنفسى جاء من انتزعها من مكانها دون استحياء»، يشير بيده إلى المبانى المستقرة أمامه ويكمل «واجهات المبانى ملطخة بألوان مختلفة من الدهان ولم يراعِ أحد الحفاظ على جماليات المبنى سوى مطعم للوجبات السريعة أدرك قيمة المبنى الذى يستضيفه».
لكن ماذا عن إعلان الكونياك العجيب الذى مازال شاهدا على شارع شريف؟ الإجابة: لم يتذكره أحد، كل قصته تتلخص فى أن مالك العمارة القديم «الكونت صعب» الذى كان من كبار الملاك فى العهد الملكى كان رجلا متسامحا مع إعلانات الخمور كحال وسط البلد قديما، خاصة أن هذا الإعلان ليس الوحيد المتبقى فى هذه المنطقة، ورغم أن الكونت صعب ذو الأصل السورى الذى نال تكريما أوروبيا زيَّن اسمه بلقب كونت قد وضعت أملاكه تحت الحراسة بعد قرارات التأميم، وأعيد الإفراج عن هذه العمارة وبيعت فيما بعد، إلا أن الإعلان ظل طوال هذه السنوات مستقرا فى مكانه رغم زهد البعض فى مجرد النظر إليه.
الدكتورة سهير حواس ترى أن هناك وجها آخر أفضل لإعلانات المبانى وتقول«بالنسبة للإعلانات ذات الطابع التاريخى المتسقة مع الطراز المعمارى للمبنى يمكن التعامل معها بصورة جمالية، مثل عمارة عدس فى شارع الألفى وبعض الفنادق التاريخية التى زينت المبنى بكتابة اسمها على الجدران من الخارج، هذه الحالة تمثل إعلانا محببا يمثل جزءا من عمارة المبنى، وليست لوحة طارئة عليه من الخارج أو إعلانا يغطى جدار مبنى بالكامل..!».
إذن، فإعلانات قديمة من نوعية شركة دوش أو المشروبات الروحية تمثل الجانب المظلم من ذاكرة وسط البلد، وقد تطليها فى يوم من الأيام فرشاة عمال بناء أو ترفعها يد مرمم. إلا أن المشهد يختلف قليلا على بعد أمتار من هذه الإعلانات، حيث تستقر صيدلية عتيقة يعود تاريخ إنشائها إلى 1899، تأسست على يد جورج هربرت ستيفنسون الصيدلى البريطانى الذى أقام فى مصر فى نهاية القرن التاسع عشر، وأصبحت صيدليته جزءا من عمارة الشوربجى أو سان ديفيز سابقا.

صابون شفاف بالجليسرين

على واجهة أجزخانة ستيفنسون إعلانات قديمة تعيدنا 60 عاما أو أكثر إلى الوراء، منها إعلان بيرس الصابون الشفاف المحتوى على الجليسرين. وأسفل هذه العبارة صورة طفل صغير يستحم داخل حوض بلاستيكى، وإلى جواره إعلان آخر يظهر فيه رجل ذو ملامح أجنبية يروج لإعلان شفرة حلاقة.. الإعلانات فى مجموعها تبدو طريفة وساذجة إلى حد كبير.
إلا أنها متوائمة مع تاريخية المبنى الذى اكتمل بناؤه فى عام 1911 على يد المعمارى روبرت وليامز، كما أن نفس الإعلانات تعبر عن روح الصيدلية العتيقة. نور السمان ــ المدير الحالى للصيدلية ــ ليس لديه الكثير من المعلومات عن المكان أو الإعلانات بحكم صغر سنه وصغر سن أغلب العاملين هناك.. لخص سبب احتفاظه بهذه الإعلانات فى الواجهة فى جملة واحدة «أنا معجب بطراز الصيدلية العتيق وأردت الاحتفاظ بها هكذا دون تغيير حفاظا على طابعها الخاص».
أجزاخانة ستيفنسون أو الصيدلية البريطانية كانت قد انضمت إلى محال عمارة سان ديفيدز فى أوائل القرن الماضى حين كانت العمارة أقرب إلى المول الحديث ومع الوقت تلاشت قوة ملاكها البريطانيين وانتقلت ملكيتها إلى عائلة الشوربجى ذات الأصول السورية وحملت اسم عمارة الشوربجى. واختفت ذكرى ستيفنسون المالك الأقدم للصيدلية ولم يتبق من سيرته سوى اسمه الذى يزين واجهة الصيدلية، ثم انضمت البناية بأكملها بعد عام 1961 إلى شركة التأمين نتيجة سقوط القطاع الخاص فى مصر الاشتراكية آنذاك. وحتى اليوم لا يبقى من آثار هذه الحقبة سوى ما تعرضه صيدلية ستيفنسون فى واجهاتها من إعلانات غريبة الشكل.
إن تأمل إعلانات تبدو رديئة الشكل للوهلة الأولى قد يحفز الخيال على تخيل الأجواء العامة التى ظهرت فيها هذه الإعلانات، لكن طول التأمل والبحث عن قصصها لا يقدم سببا وجيها لاستمرار بقائها سوى أنه السهو عنها والانشغال بتفاصيل الحياة اليومية، خاصة مع ازدياد صخب منطقة وسط البلد بمشروعات تطوير القاهرة الخديوية وما أشيع مؤخرا عن رأس مال جديد يطمح لحيازة مبانى المنطقة، أما عن الإعلانات التى بقت سهوا على جدران بنايات وسط البلد طوال العقود الماضية. ففى واقع الأمر أنها لم تجد من يتذكرها أو ينفعل لوجودها، عدا جاكوب كيروبيان الذى تجاوب مع فكرة البحث فى إعلانات الشوارع القديمة.. وأخرج من درج مكتبه صورة التقطها من شباك الاستوديو الخاص به لإعلانات قديمة من الخمسينيات ملصقة على محول كهرباء، تلاشت سريعا من الوجود لتبقى مخزنة فى صورة بدرج مكتبه فى انتظار من يشتريها.
PDF



اعتذر عن الخطأ في اسم المصور الأرمني 
الصحيح هو نوبار كيروبيان، نجل هاكوب كيروبيان.

Wednesday, June 10, 2009

لقاءات ثقافية في رحاب الكتب والمعرفة

الاربعاء 10 يونيو 2009
عبدالرحمن مصطفى

فى الوقت الذى انهمك فيه أمير زكى عضو ملتقى دروب الفكرى فى عرض كتاب «موسى والتوحيد» لعالم النفس الشهير سيجموند فرويد، كان عدد من زملائه يدونون ملاحظاتهم حول مائدة عامرة بالأوراق والأقلام والدفاتر، استعدادا لفتح باب المناقشة.
وبمجرد أن أنهى عرضه.. سادت لحظات صمت على أمل إيجاد العبارات المناسبة للتعليق على كتاب كهذا من الوزن الثقيل. لا تتكرر لحظات الحيرة كثيرا فى لقاءاتهم، فقد اختاروا منذ البداية أن يكون محور لقاءاتهم مناقشة الكتب ذات الطابع الفكرى التى قد لا تجد لها كثيرا من الأنصار ولا تندرج غالبا تحت خانة الأكثر مبيعا.
قد يوحى اسم الملتقى للوهلة الأولى بالجدية والرصانة وافتقاد روح البهجة، إلا أن هذا العنوان الرصين ليس إلا واجهة لتجمع شبابى أغلب أعضاؤه طلاب فى سن الجامعة، بعضهم عرف هذه اللقاءات عن طريق مجموعة الملتقى على شبكة فيس بوك الاجتماعية التى استقبلت الزوار بعبارة مباشرة «لن نأخذكم بعيدا فى متاهات فلسفية عميقة».
عقب عرض كتاب «موسى والتوحيد»، اخترق محمد سيد مؤسس الملتقى حالة الصمت بعبارة ساخرة نجح بها فى انتزاع ابتسامات أصدقائه الذين شعر بعضهم بثقل المادة المطروحة فى كتاب فرويد، فبدأوا فى توجيه أسئلة أقلقت روح عالم النفس الشهير.. محمد سيد ــ طالب السنة النهائية بقسم الفلسفة ــ يصف بدايات المجموعة قائلا: «خرجت الفكرة أثناء حضورنا مؤتمرا متخصصا فى الفلسفة، لم يكن فى رأسنا تجربة سابقة أو هدف محدد سوى الخروج من أسر المقررات الجامعية، ورفع السمعة السيئة عن الدراسات الفلسفية، وكان هدفنا التعامل المباشر مع النصوص الأصلية ونقدها بأنفسنا».
إلى جوار محمد سيد، يجلس زميله فى الدراسة أمير زكى الذى كان فرغ لتوه من عرض كتاب هذا الأسبوع، تدخل أمير فى الحديث موضحا «منذ أن بدأنا لقاءاتنا الأولى فى بيت محمد قبل أن تستضيفنا الجمعية الفلسفية، كنا قد قررنا أن نتناول كتبا ذات طابع خاص، اشترطنا أن تكون كتبا أسهمت فى صنع الحضارة الإنسانية، سواء كانت فى مجال الفلسفة أو الأدب، أو الفكر السياسى..».
تجربة «ملتقى دروب الفكرى» الذى يستقبل زوار موقع فيس بوك وينشر كتابات أعضائه على مدونة خاصة على الإنترنت، ليست إلا امتدادا لفكرة «مجموعات القراءة» أو «نادى الكتاب Book Club»، التى تقوم على اجتماع محبى القراءة حول كتاب أو أكثر من أجل مناقشته ونقد محتواه. وفى الوقت الذى ضمت فيه شبكة الإنترنت عددا لا بأس به من المنتديات الإلكترونية التى قامت فى الأساس لهذا الغرض، إلا أن قليلا منها الذى نقل نشاطه إلى أرض الواقع خارج الإنترنت.
بعض مجموعات القراءة تلتقى فى المنازل مثلما بدأ أعضاء ملتقى دروب، وهناك من يلتقون فى المطاعم الهادئة أو النوادى أوحتى المكتبات، كذلك تختلف دورية اللقاءات حسب خطة كل مجموعة.

وسيلة لتنمية الذات

يرى أعضاء مجموعة «دروب» للقراءة أن هدف لقاءاتهم أكبر من مجرد الالتفاف حول كتاب وقراءته، بل هى وسيلة لتنمية الذات.. من نفس هذا المنطلق تأسست قبل تأسيس ملتقى دروب بخمسة أعوام، مجموعة أخرى على نفس النمط، حين بدأت الفكرة تداعب خيال حازم الشورى ــ طالب الطب آنذاك مع صديقته شيرين على طالبة الهندسة ــ يصف حازم البدايات الرومانسية للفكرة بأن الطموحات كانت أكبر من إنشاء مجموعة قراءة، ويقول: «كنا نفكر مع أصدقائنا فى إصدار مجلة شبابية تقدم الثقافة فى قالب ترفيهى، وقسمنا أنشطة المجموعة إلى مناقشات للكتب، وعروض يقدمها كل مشارك عن مجال تخصصه، ثم عروض أفلام وجلسات نقاش حولها». فى تلك المرحلة كانت المجموعة ــ حسب وصف حازم ــ تضم «شلة» من الأصدقاء فى سن العشرين، يأملون فى تقديم خدمة لمجتمعهم بتنمية أنفسهم ومن ينضم إليهم، وهو ما دفعهم إلى تقديم دورات تدريبية فى اللغة الفرنسية والكمبيوتر فيما بينهم لتحقيق هذا الهدف الطموح.
لم يختلفوا كثيرا عن شباب ملتقى دروب الفكرى فى طموحاتهم، حيث يعتبر شباب «ملتقى دروب» أن وراء لقاءاتهم أبعادا أعمق من القراءة فى كتاب لمجرد ساعتين، هذا ما عبر عنه محمد سعد ــ أحد الأعضاء المؤسسين للملتقى ــ فى عبارات واضحة على صفحتهم على الفيس بوك التى تضم 130عضوا: «ترتكز أفكارنا حول تحقيق نهضة لهذا البلد ولكنها نهضة تقوم على نظرية معرفية سليمة.. ووعى سليم لا يتحقق إلا بمعرفة وبثقافة نفتقد إليها فى حاضرنا الراهن لذا قررنا إنشاء تلك الجماعة».

غربة القراءة

ليس خافيا أن تدنى معدلات القراءة فى مصر والعالم العربى يصاحبه إحساس بالغربة لدى محبى القراءة، ما دفع بعضهم إلى إنشاء مثل هذه المجموعات التى تعطى بعض الأمل فى وجود من ما زالوا حريصين على القراءة واقتناء الكتب. وحسب دراسة نشرتها شركة سينوفات المتعددة الجنسيات لأبحاث السوق، فإن المواطن المصرى يقرأ بمعدل 9 دقائق يوميا فى حين يتضاعف هذا الرقم لدى القارئ الغربى، وفى الوقت الذى يقرأ فيه المواطن العربى 4 صفحات سنويا، يقرأ المواطن فى أوروبا الغربية أكثر من 30 كتابا سنويا.
ولم يخف محمد سعد أن شباب «ملتقى دروب» أدركوا هذا الجانب المرير مبكرا، يقول محمد: «لا تخفى على أحد تلك النظرة السلبية للفلسفة والثقافة، فأحيانا ما نواجه بعبارات حادة على طريقة إنتو هتتجننوا، لمجرد اهتمامنا بدراستنا ومواظبتنا على قراءة أعمال مهمة قامت عليها النهضة الحديثة».
يعلق زميله أمير زكى على هذه النقطة موضحا أن رؤيتهم الواحدة التى لا تتكرر كثيرا لدى الآخرين هى ما جمعهم وأن هذا الإحساس هو الذى دعّم روح الصداقة بين أفراد المجموعة فى مواجهة مجتمع لا يهتم بهذه النوعية من التجمعات. ثم يوضح أمير: «ليس فقط اختلافنا عن الآخرين، بل أيضا اختلافنا فيما بيننا، حتى اختيار اسم دروب قام على اعترافنا منذ البداية باختلافاتنا نحن شخصيا، فكل فرد من أعضاء الملتقى يمثل دربا خاصا، رغم اجتماعنا حول هدف واحد».

روح الجماعة

«روح العمل الجماعى هى أساس عمل مجموعات القراءة» هكذا ترى شيرين المشد ــ الموظفة بإحدى الهيئات الدولية ــ حين تتذكر تجربتها مع مجموعة «Cairo Book Club» التى بدأتها مع صديقتها «آتى» فى العام 2005. أى قبل عدة سنوات من إنشاء ملتقى دروب.. فى تلك المرحلة كانت شيرين وصديقتها فى حاجة إلى متابعة القراءة والاطلاع بعد انتهاء مرحلة الدراسات العليا، فبحثتا سويا بين المهتمين بالفكرة، وتقول عن البداية الأولى: «حين كنا نبحث عن تأسيس مجموعة قراءة فى تلك الفترة وجدنا متحمسين حولنا، حتى اسم المجموعة الإلكترونية وإنشائها كان إهداء من أحد الأصدقاء، ومن بين عدد الحضور الذى كان يدور حول عشرة أفراد فى كل لقاء، كان هناك خمسة هم الأكثر نشاطا، هم من أسهموا فى استمرار المجموعة».
أعباء إدارة المجموعة وحجز أماكن اللقاءات وترتيب المواعيد، أمور لا يجب أن تعلق فى رقبة فرد واحد، فارتباط تنظيم اللقاءات بظروف شخص أو اثنين فقط هو مخاطرة كبيرة، وتباعد فترات اللقاء هو الإنذار المبكر الذى قد يعطل عملها فيما بعد.
يتفق أمير زكى مع هذا الرأى، ورغم أنه هو من يضع خطة ملتقى دروب الفكرى كل ستة أشهر فإن إدارة جلسات الملتقى هى مهمة يتداولها الأعضاء كل فى دوره.
مر حازم الشورى مع أصدقائه بتجربة توقف أنشطة المجموعة نتيجة عدة أسباب، فى البداية كان التوقف إجباريا فى فترات الدراسة، وبعد أن تخرج أغلب أفراد المجموعة التى أنشئت قبل ملتقى دروب بعدة سنوات، أصبحت هناك أعباء أخرى تقلل من إمكانية التفرغ، يقول حازم: «فى البداية كنا نلتقى فى مراكز تعليمية، فى أجواء غير ملائمة لمناقشة الكتب، ومع تراكم الأعباء الشخصية وعدم القدرة على المتابعة بدأ نشاطنا يقل حتى توقف تماما، ولولا همة الأعضاء وعدم الاعتماد على مديرى المجموعة فقط، لما عادت المجموعة مرة أخرى، بل إن هناك من الأعضاء من بدأ مؤخرا فى التواصل مع الكتاب ودعوتهم لحضور جلسات نقاش كتبهم، وما من شك أن ظهور المكتبات الجديدة مثل ديوان وكتب خان والشروق، أتاحت أماكن للقائنا، حتى إن مكتبة الشروق فى الكوربة القريبة من سكننا اهتمت بحضورنا وإحياء نشاطنا من جديد».
يشير حازم أيضا إلى أهمية استخدام موقع فيس بوك وأدواته فى تنظيم اللقاءات، وكأن الموقع قد أصبح مساهما بصورة خفية فى إدارة المجموعة، بما تقدمه المجموعة الإلكترونية من إمكانية إرسال رسائل تذكيرية للأعضاء، واستخدام خاصية Event التى تحدد عدد الراغبين فى الحضور والممتنعين ومن لم يحددوا موقفهم.
وهو ما وصفه قول محمد سيد مؤسس ملتقى دروب بأن «الفيس بوك أصبح وسيلة ترويجية مجانية بين المهتمين بالخط الذى اخترناه، وهو ما أوجد تنوعا فى تخصصات الحاضرين أحيانا».

تفاصيل إدارية

يكاد يجمع كل من مروا بتجربة إدارة مجموعات القراءة على أهمية تحديد عناصر مهمة مثل التنظيم ومكان اللقاء والرؤية قبل إنشاء المجموعة.. فمن جانبهم، تغلب أفراد «ملتقى دروب» على المشكلة التى واجهها حازم الشورى فى مجموعته، وشيرين المشد فى مجموعتها، وهى إيجاد مكان ثابت للقاء، حيث نجح أعضاء ملتقى دروب مبكرا فى إقناع الجمعية الفلسفية المصرية فى إتاحة مقرها فى عمارات هيئة التدريس بالجيزة للقاءاتهم الأسبوعية. هنا ترصدهم أعين الفلاسفة والمفكرين من خلال لوحاتهم المعلقة على جدران الجمعية أثناء لقاءاتهم الدورية، وبإمكانهم الرجوع إلى أرفف المكتبة المجاورة لمراجعة ما يحتاجونه من معلومات.
يقول أمير زكى: «حضر معنا الدكتور حسن حنفى ــ أستاذ الفلسفة والسكرتير العام للجمعية ــ فى بداياتنا وشجعنا على الاستمرار، وكنا قبل إعلان ظهورنا قد اتفقنا فيما بيننا على الابتعاد عن أى تلميحات سياسية، حتى إننا ابتعدنا عن استخدام وصف جماعة لما حوله من التباس وفضلنا عليه وصف الملتقى، فما يجمعنا هو الكتاب والثقافة».
أما حازم الذى كان قد أقر مع أصدقائه منذ سنوات تسمية «Book Club Cairo» لمجموعتهم تمييزا عن تجربة «Cairo Book Club» التى عاشتها شيرين المشد مع أصدقائها، فذكر أن اختيار هذه التسمية كان هدفه منذ البداية التأكيد على أن محور اللقاءات هو الكتاب والأنشطة الثقافية الموازية له، ويقول: «فى مرة تبنينا اقتراحا من زميل لنا مهتم بالعمارة الإسلامية بالقيام بجولات فى القاهرة الفاطمية، قبلنا الفكرة لأنها لم تبتعد عن فكرة تنمية ثقافتنا واستمرار أنشطتنا الموازية للقراءة».
ويرى حازم أنه من المهم فى البداية تحديد رؤية المجموعة ووضع اتفاق بين المؤسسين ينظم جلسات القراءة ويؤكد: «كانت أهم النقاط التى اتفقنا عليها هى الحرية والتسامح مع الآخر، خاصة أن المناقشات قد تتطرق إلى ما هو أبعد من محتوى الكتاب، وقد تثير الكتب الجدل بين أعضاء المجموعة، لذا تصبح مثل تلك البنود على درجة عالية من الأهمية».
أما شيرين المشد فواجهت فى مجموعتها هذا الاختلاف الذى كان عليها قبوله والخضوع لإرادة المجموعة كما تبين: «كنا نقوم فى المجموعة الإلكترونية بترشيح الكتب والتصويت عليها إلكترونيا لاختيار الكتاب موضوع المناقشة، وهو ما يضطرك أحيانا إلى قراءة كتب قد لا تستسيغها».
ورغم هذا الجانب السلبى وتوقف اللقاءات المنتظمة للمجموعة، فإن شيرين مازالت محتفظة بالكثير من المكاسب على رأسها الصداقات والعلاقات التى تكونت أثناء فترات تنظيم اللقاءات وحجز الأماكن، بل حتى اضطرارها إلى قراءة أعمال لم تخترها فى جلسات النقاش ترى فيه الآن جانبا إيجابيا أكسبها بعض المهارات تقول عنها: «أكسبنى العمل فى تنظيم لقاءات المجموعة مهارات فى التواصل مع الآخرين وقبول اختياراتهم وقدرات تنظيمية، إلى جانب التعرف على نوعيات أخرى من الكتب خاصة فى المجال الأدبى».
حازم الشورى يعرض جانبا آخر عما اكتسبه من تجربة المشاركة فى مجموعة للقراءة قائلا: «بدأت الفكرة بهدف تنموى ومجموعة صغيرة من الأصدقاء، وخلال هذه الفترة اكتسبت قدرة أكبر على قبول الرأى الآخر والاختلاف لم تكن لتتاح بهذا الشكل سوى فى مجموعة كهذه تعرض مختلف الآراء».
أما شباب ملتقى دروب الفكرى، فكانت مكاسبهم الرئيسية فى الاطلاع والنقاش حول مجالات يحبونها قد لا تلقى كثيرا من الرواج لدى الآخرين، إلى جانب ما أعلنوه على مجموعتهم فى الفيس بوك من واجب تجاه المجتمع فى اختيار قراءات تدور فى فلك النهضة، وما يسعون إلى نشره عبر مدونتهم الإلكترونية من أوراق تعرض ما خلصوا إليه من أفكار ومقالات وبحوث خاصة بهم، يعتبرونها المنتج الأول الذى أخرجه الملتقى بعد شهور من الحوار والبحث.
**
كيف تؤسس ناديا للقراءة؟
على الإنترنت تتوافر مجموعات إلكترونية ومدونات متخصصة فى القراءة وعروض الكتب إلى جانب العديد من المنتديات الفرعية التى تقدم مساحات لطرح الكتب وتحميلها إلكترونيا، وتعانى بعض هذه المواقع أحيانا تعطل نشاطها نتيجة قلة الحماس، وغياب التنظيم الجيد منذ البداية.
وبعيدا عن الإنترنت، فهناك مجموعات قراءة أخرى تدار داخل بعض المكتبات، وأندية القراءة فى الجامعات، إلى جانب المجموعات التى تدار بشكل عفوى، دون وضع قواعد لاستمرارها، وهو ما يصعب عملها فى بعض الأحيان، رغم استعانة بعضها بالكثير من أدوات الإنترنت التى توفرها مواقع مثل جوجل، وفيس بوك، وياهو، للتواصل بين أعضاء المجموعة، بدءا من إرسال الرسائل التذكيرية، حتى إعداد أجندة لنشاط المجموعة.
وتنتشر فكرة مجموعة القراءة أو نادى الكتاب Book club، فى كثير من المواقع الأجنبية التى كانت أكثر اهتماما بتقديم طرق تأسيس نادى كتاب ناجح، من أهمها موقع http://www.book-clubs-resource.com/
الذى حدد خطوات إنشاء مجموعة قراءة فى الخطوات التالية:
فى البداية يجب مراجعة التجارب السابقة من أندية الكتب ومجموعات القراءة الموجودة بالفعل، سواء على الإنترنت، أو التى تديرها بعض المكتبات.
تحديد هوية المجموعة التى سيتم إنشاؤها وتحديد الهدف منها بصورة أولية.
تحديد أماكن الاجتماعات، والعدد المتوقع، ودورية اللقاء ويفضل أن يكون اللقاء شهريا.
دعوة الأعضاء، وغالبا ما تتكون المجموعات فى البداية من زملاء الدراسة أو العمل، غير أن الدعوات يجب أن تتجاوز محيط الزمالة، وأن يتم الإعلان عنها بصورة دائمة حتى يشترك العدد المحدد مسبقا لأعضاء المجموعة.
الاتفاق على خطوط عريضة مكتوبة أقرب إلى الميثاق الأخلاقى، حول كيفية إدارة المجموعة وعلاقات الأعضاء وجلسات المناقشة، وتنظيم الأمور المالية الخاصة بمصاريف أماكن المقابلات.
فى حالة اتساع عمل نادى الكتاب، وكثرة عدد الأعضاء، بالإمكان تخصيص مبلغ لأحد الأعضاء مقابل التفرغ لإدارة المجموعة، ويجمع من مساهمات الأعضاء.

Wednesday, June 3, 2009

الكيتش.. فى وصف المبتذل والردئ

للتعبير عن كل ما لا يطيقونه، لجأ شباب وسط البلد ما بين العشرين والثلاثين عاما إلى كلمة «كيتش» الألمانية، وصف جديد انتقل من عالم الفن التشكيلى والأدب إلى العامية الدارجة.
الاربعاء 3 يونيو 2009

عبدالرحمن مصطفى
حين يقف أحدهم وفى يده وردة بلاستيكية حمراء رديئة الصنع، مرتديا قميصا ذا ذوق سيئ، مع كمية كثيفة من الكريمات اللامعة فوق شعره، ثم يزيد على هذا باستخدام عبارات مستعارة من الأشعار والأفلام القديمة مفتعلا حالة حب يستعرض بها أمام الآخرين، فإن الوصف المناسب لدى الشباب لهذه الحالة بجميع تفاصيلها هو كلمة..
«كيتش». قد تبدو الكلمة غريبة على أسماع الكثيرين حين تذكر للمرة الأولى، إلا أن ذلك لا يمنع أنها اتخذت طريقها بالفعل إلى شريحة وجدت فيها أداة انتقام من الواقع المزيف وتعبيرا مختصرا لحالات المبالغة والابتذال والتزييف بجميع أنواعها.
فالعبارات الرنانة والادعاءات الكبرى والأداء المتكلف، كلها وجوه لكلمة «كيتش»، التى استمدت جذورها الأولى من وصف الفن الردئ بما يحويه من رخص وابتذال وإنتاج سيئ.
«استخدام التيمات الفنية التقليدية، التى نراها فى الأفلام العربية المتكررة واستخدام بعض الشعراء لصفات معينة يصفون بها مصر كبهية أو السيدة السمراء، لرسم صورة ذهنية لا هى واقعية ولا حقيقية هو أصدق تعبير عن الكيتش» هكذا وصف الصحفى والمدون الشاب أحمد ناجى بعض الأمثلة الفنية والأدبية المكررة فى حياتنا، التى لا نجد أحيانا المعنى المعبر عنها.
ورغم أن الموضع المثالى لاستخدام هذه الكلمة هو الكتابات الأدبية والفنية، فإنها انتقلت إلى من هم خارج هذا المجال من فئة القراء المطلعين، بعد أن أعجبوا بالمعنى المختفى وراء هذه الكلمة، الذى يمكنهم من وصف أداء الأشخاص وتصرفاتهم ومبالغاتهم، يكمل أحمد ناجى: «بالإمكان اعتبار هذه الكلمة مجرد موضة، استمرار بقائها لدى بعض الفئات سببه أنها تحولت إلى كلمة بديلة عن ألفاظ أخرى حادة من الصعب استخدامها للتعبير عن الضجر والملل».
يعود أصل كلمة «كيتش» Kitsch إلى اللغة الألمانية، حيث ظهرت فى منتصف القرن التاسع عشر كتعبير عن موجة فنية أنتجت وقتها فنونا رديئة اعتمدت على التقليد والمبالغة.
وانتقلت الكلمة من بلد إلى بلد، ثم اشتهرت مع قراءات خاصة للكلمة من قبل بعض الكتاب، خاصة ذلك التقديم الذى أضافه الأديب التشيكى ميلان كونديرا لملايين القراء حين ركز على وجه آخر لهذه الكلمة، فالكيتش لديه ليس فقط الفن الرخيص كما يظن البعض، بل هو سلوك وموقف وصفة لفئة من البشر ترى نفسها فى الكذب المجمل.
سرعان ما انتقل هذا المعنى إلى مساحة أوسع للتداول على شبكة الإنترنت منذ عدة سنوات، خارج نطاق نخب القراء إلى رواد الشبكات الاجتماعية والمدونات، لتتحول الكلمة إلى طريقة لوصف الكثير من الأفعال والأشياء المحيطة وتقييمها.
وفى تجمع صغير يكاد يكون العربى الوحيد، الذى يتناول «الكيتش» فى حياتنا من بين مئات الآلاف من مجموعات شبكة فيس بوك الاجتماعية، التقى عشرات المشتركين للتعبير عن ضجرهم من مظاهر «الكيتش».
تقول نهال عمران ــ مديرة المجموعة: «الكلمة فى الأساس تعبر عن رؤية فنية لكن استخدامها الآن أصبح يعبر عن كل جميل تم ابتذاله واستهلاكه وتكراره بصورة مملة أفقدته معناه الأصلى، فصورة الثائر جيفارا، التى كانت رمز البطولة أصبحت مجرد ملصق رخيص يتمسح به كل مدعى الثورية، حتى الحب لم يسلم من المظاهر المتكلفة المثيرة للسخرية، تماما مثل المنتجات الرخيصة المقلدة، التى أساءت للمنتجات الأصلية، هذا كله هو الكيتش الذى لا نستسيغه».
ولعل فكرة الكتابة عن «الكيتش» فى حد ذاتها تعتبر نوعا من الكيتش، حين يبدأ الصحفى فى التعرف على آراء الناس حول الكلمة وأصلها وفصلها، من أجل كتابة موضوع يدعى فيه أنه أدرك الحقيقة، وتوصل إلى النتيجة النهائية تحت عنوان مثير، فهذه الحالة نفسها تعتبر نوعا من الكيتش حسب وصف إحدى الشابات، التى رأت فى الحديث عن الكلمة فى موضوع صحفى نوعا من التكلف والمبالغة، فهى ترفض فكرة أن تعامل كنجمة يستطلع رأيها فى الصحافة.
وقد يثير استخدام الكلمة ووصف أحدهم بها مشكلات غير محسوبة، وهو ما دفع صاحبة إحدى المدونات إلى استخدام عبارة واضحة فى صدر مدونتها تقول فيها «هذه المدونة ضارة جدا بصحة كارهى الكيتش»، وذلك كى تمهد لنفسها أن تكتب ما تريد حتى إن اعتبره البعض مبالغ فيه أو... كيتش
يتساءل أحمد ناجى: «ما المشكلة فى أن يوصف أحدهم بأن تعبيراته كيتش؟ من حق أى أحد أن يعبر عن نفسه بأى طريقة حتى إن كانت متكلفة، ومن حق الآخرين أن يقيموه حسب رؤيتهم، فالجدل والاختلاف حول ذلك مطلوب، ولعل الإنترنت تعطى مساحة للتعبير والجرأة لا توجد فى الواقع بهذا الشكل، فقد يحزن أنصار شاعر حين توصف كلماته فى إحدى المدونات بأنها كيتش، ويقيموا الدنيا.. وذلك لأنهم على أرض الواقع لا يواجهون بهذه الآراء أو المعارك كثيرا». لا يخلو الأمر من تنويعات جديدة قدمها بعض الكتاب فى وصف نماذج من أوساط بعينها، ففى كتابها «المبتسرون» تعرضت الكاتبة الراحلة أروى صالح لتعبير «الكيتش النضالى» حين تناولت فكرة انسحاق الفرد داخل حلم «الخلاص الجماعى» بعد أن يقع فى فخ يتصور فيه أنه فى رحلة نضال، بينما الواقع انه أسير مجموعة من الصور والاستعارات والخطابة تتحول حسب رؤيتها إلى كيتش.. فى إشارة منها إلى حالة الزيف، التى تمارسها السلطة على الأفراد عن طريق الوهم النضالى أو الكيتش النضالى حسب تعبيرها.
ولا تخفى نهال أن الكلمة فى كثير من الأحيان ما تكون استعلائية، وأقرب إلى أداة تقييم، لكنها تراها الآن أكثر الكلمات تعبيرا عن التمرد على أشكال الحياة، التى فقدت روحها الأصلية. ثم تضيف: «ليتنا نجد كلمة عربية جامعة تعبر عن هذه الحالة التى تصف نمط الحياة المتكلف والفن الردئ، وذلك رغم أنه أحيانا ما يكون اللجوء إلى تلك الحالة وإلى كلاشيهاتها المكررة محاولة لرفع حالتنا المعنوية وبحث عن الأمان».
وسواء تمثل «الكيتش» فى خطاب سياسى يزيف وعى الناس أو فى منتج ردئ الصنع أو فى فن مبتذل يداعب العواطف البشرية أو حتى كان تكلفا فى القول والفعل.. فمن الواضح أن هذه الكلمة هى الوصف المناسب لهذه الحالة الذى ارتضاه شباب بين العشرين والثلاثين من أعمارهم، وكأنها علامة تحذيرية من التفاعل مع المحتوى الردئ .

Wednesday, May 27, 2009

ملامح القاهرة الصعيدية في عزبة عبدالنعيم

نحو ستين ألف نسمة هم سكان عزبة الصعايدة بإمبابة، تمتزج ملامحهم السمراء ونمط حياتهم بعادات الأجداد وذكرياتهم، خاصة محمد عبدالنعيم مؤسس الحى.
الاربعاء 27 مايو 2009
عبد الرحمن مصطفى

لم يكن عبدالنعيم محمدين الذى هاجر فى الحقبة الخديوية إلى القاهرة يتصور فى هذا الزمن البعيد أنه بصدد صنع روابط تاريخية بين جزيرة الزمالك ومنطقة إمبابة.
فحين وفد عبد النعيم إلى القاهرة قادما من قنا، كانت جغرافيا المدينة لم تستقر بعد على وضعها الحالى، فالزمالك فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر لم تكن سوى جزيرة مهجورة مليئة بالأحراش والثعالب والذئاب، حتى إنها اتخذت تسميتها من كلمة زملك التركية، وهى العشش التى يستخدمها الجند على ضفاف النيل.
وبنظرة فاحصة منه على أرض الزمالك أدرك عبد النعيم أن لديه كنزا لا يعوض إذا ما قام باستغلال هذه الأراضى لحسابه، وهو ما تحقق بعد أن بدأ فى شراء الأراضى بثمن بخس لم يزد سعره على القرشين ونصف القرش للمتر الواحد.
واتسع نفوذه فى هذه الناحية بعد أن استدعى أقاربه وبنى جلدته من الجنوب كى يشاركوه تعمير المكان وأصبحوا بالمئات، وولوه عمدة عليهم. ومع تزايد الاهتمام بالزمالك وانتقال الأمراء والوجهاء إليها لوجود قصر الخديو إسماعيل، جاء القرار بتوطين هؤلاء المهاجرين فى موضع آخر، حيث عزبة الصعايدة الحالية التى عرفت سابقا باسم عزبة عبدالنعيم.
أما اليوم فلم يعد يجمع بين حى الزمالك وعزبة الصعايدة سوى ذكرى عبدالنعيم الذى هاجر إلى القاهرة حاملا معه طموحاته وهويته الصعيدية التى نقلها مع أهله وعشيرته لتصبح عنوان منطقة بالكامل فى إمبابة، وذكرى سابقة فى جزيرة الزمالك.
«المنطقة اسم على مسمى، أغلب السكان حتى الآن أصولهم من الصعيد» تلك كانت الجملة المفيدة والمختصرة التى وصف بها عبدالفتاح العامل فى مقهى وادى الملوك بحى عزبة الصعايدة. قد لا يعلم عبدالفتاح عدد سكان أبناء منطقته الذين بلغوا ــ حسب تقديرات الجهاز المركزى للإحصاء ــ نحو 60 ألف مواطن، لكنه لا يزال يحتفظ فى ذاكرته بقصة هجرة سكان العزبة الأوائل من الزمالك إلى الضفة الأخرى فى إمبابة.

وعلى كراسى المقهى لديه وفى المقاهى المجاورة يجلس المهاجرون حديثا من الصعيد إلى جوار أحفاد أصحاب الهجرة الأولى، وتمتزج الملامح الصعيدية مع النوبية التى جاءت فى هجرات أخرى.
حتى اليوم، لا تزال عزبة الصعايدة على وفائها لعبدالنعيم محمدين الذى يخترق العزبة شارع باسمه، وشارع آخر باسم نجله عسران. الشوارع ضيقة والبيوت القديمة لايزال بعضها يحمل الطابع الريفى الذى اتخذه المهاجرون الأوائل. تزحف عربات التوك توك الصاخبة أمام المقاهى التى لا تزال تستضيف أصحاب الملامح الصعيدية السمراء وتجمعاتهم، هناك.. كان من اليسير البحث عن أحفاد عبد النعيم، الجميع لا يزالون يتذكرون أن بعض سكان المنطقة تربطهم قرابة بعبدالنعيم وبمحافظة قنا.
من على أحد المقاهى المجاورة لجمعية أبناء عزبة عبدالنعيم دلنى أحد أصحاب هذه القرابة البعيدة على المنزل الذى وصفه ببيت العمدة. هنا يسكن عدد من أفراد العائلة فى منزل عائلى تقليدى، حيث يجتمعون فى جلستهم العائلية الأسبوعية.
كان فى الاستقبال المحاسب «حسين متولى خطاب عبدالنعيم محمدين»، هكذا ذكر اسمه الخماسى فى البداية موضحا صلته بعبدالنعيم مؤسس العزبة وكيف تأسست على العصبية والقرابة: «أنجب عبدالنعيم محمدين ولدين، أحدهما عسران الذى تولى عمودية الزمالك، أما أخوه الأصغر فكان جدى خطاب عمدة هذه الناحية من إمبابة، وتكونت المنطقة فى بداية القرن الماضى من أولاد عبدالنعيم وأقاربه وأهله القادمين من قنا، وحتى اليوم لا تزال الشوارع تحمل اسمىّ عبدالنعيم وعسران عبدالنعيم اللذين يحددان الأصل القديم للمنطقة، هذا إلى جانب شوارع فرعية تشير إلى أسماء عائلات أخرى مثل عائلة الصغير وغيرهم من السكان القدامى».
كان حديث أفراد العائلة عن الماضى موصولا بالحاضر، يتذكر حسين خطاب هذه المنطقة قديما حين كانت أكثر تعبيرا عن روح القرابة والتكاتف بين سكانها من أبناء الصعيد: «قديما كان الغريب يعرف بمجرد مروره من الشارع، والعائلات التى تقطن المنطقة كانت معروفة بالاسم، أما الآن فاتسعت المساحة وتكدست المبانى وأصبح كل من هب ودب يتجول فى الحى».

رياح الجنوب

التطور الذى يصفه حسين خطاب فى عزبة الصعايدة على مدى العقود الماضية هو نفسه الذى أصاب العديد من المناطق القاهرية، وهو الذى أصاب منطقة إمبابة الحاضنة للعزبة بأكملها حين انتقلت من الطابع الريفى الهادئ فى منتصف القرن الماضى إلى الطابع الحضرى الصاخب نتيجة ظهور المصانع والهجرة المتزايدة من أحياء القاهرة القديمة ثم من الصعيد على وجه الخصوص، حيث يخترق قطار الصعيد هذه البقعة السكنية منذ عقود طويلة.
تلك الأجواء كانت سببا فى إلهام أحد الروائيين وهو حسنى سيد لبيب ــ أحد أبناء حى إمبابة ــ لكتابة روايته «نفق المنيرة» التى حاول فيها تسجيل أحوال إمبابة فى فترة الستينيات من خلال شخصيات مستمدة من الواقع وأماكن أسهب فى وصفها، كان من ضمنها «عزبة الصعايدة»، وكما فعل إبراهيم أصلان فى الكيت كات وشارع فضل الله عثمان، وغيرهما.
أما اليوم ورغم تزاحم الحى بعربات التوك توك ومناوراتهم الجريئة فإن الروح الصعيدية لا تزال تصبغ بعض تفاصيل الحى.
ربما تكون قد مضت عشرات السنوات على زمن وجود الأجداد فى الزمالك وهجرتهم إلى القاهرة إلا أن العلاقة بالجنوب والتمسك بعاداتهلا تزالا راسختين لدى الأحفاد.
سلوى كمال خطاب ــ إحدى حفيدات عبدالنعيم محمدين ــ عاشت فترة طويلة من حياتها فى الزمالك مع زوجها محيى الدين عسران الذى ينتسب معها إلى الجد الكبير عبدالنعيم. تقلدت منصب أمينة المرأة فى شياخة أبو الفدا، حيث ذكرى وبقايا أملاك جدها الكبير، فى الوقت الذى تقلد فيه زوجها منصب رئيس المجلس الشعبى لحى غرب القاهرة.
وهى ترى أن دورها هى وأبناء العائلة فى العمل العام هو ميراث آخر عن أجدادهم الذين استوطنوا الزمالك وإمبابة منذ عقود. «ارتباطنا بالعائلة والنسب، واحترام الكبير، أصبحا ميراثا متداولا بين أفراد عائلتنا، وبين بعض أفراد الحى الذين مازالوا متمسكين بهذه القيم، كذلك فالأعباء التى تلقى على كاهل من ينتمى إلى عائلة من مجتمع صعيدى كانت بيدها مقاليد العمودية هى واجب يسعى الكثيرون لأدائه».
يوضح حسين خطاب هذه النقطة «أغلبنا لم نزر أرض الأجداد فى قنا إلا مرات معدودات، إلا أن عادات الصعيد مازالت تحركنا وتدير علاقاتنا، فوقت حدوث خلاف لابد أن تسمع كلمة الكبير، وفى المنطقة هنا جمعية ودار مناسبات هى أقرب للمندرة أنشئت للمقيمين فى عزبة عبدالنعيم منذ فترة، تضم لقاءاتنا ومناسباتنا، وهى أداة لدعم من يحتاج، ورغم مرور عشرات السنوات على زمن عبدالنعيم لا نزال على صلة بقنا والوافدين من أقاربنا إلى الحى».
أمام «جمعية أبناء المقيمين فى عزبة عبدالنعيم» أوضحت سلوى كمال خطاب بإخلاص الحدود الأصلية لعزبة عبدالنعيم القديمة التى يحدها شارعا عبدالنعيم وعسران، مشيرة إلى أن الجمعية كانت فى يوم من الأيام مقر الاتحاد الاشتراكى أيام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. أما اليوم فقد توسعت الحدود وتضخم الحى، وهو مازال متمسكا بتسمية عزبة الصعايدة، وما زال يستقبل الوافدين من الجنوب إلى أقاربهم كالعديد من المناطق القاهرية الأخرى.

بداية العشوائية

قد لا تختلف كثيرا مظاهر بعض المنازل البسيطة عن حالها عام 1924، وهو العام الذى تؤرخ به بعض الدراسات للظهور الرسمى لعزبة الصعايدة خاصة فى الدراسات الحديثة الخاصة بالعشوائيات، حيث يعتبرها البعض إحدى البدايات الأولى لظاهرة العشوائيات الحديثة. فمع توافد المهاجرين إلى حى بعينه بدأ العمران بصورة عفوية لا تقيدها خرائط أو خطط.
لكلمة «عشوائيات» وقع سيئ على أذان أفراد العائلة لما للكلمة من ارتباط بالفقر وانعدام النظام، وهو ما يخالف الواقع فى وجود عائلات ميسورة الحال استمرت فى السكن هنا لارتباطها بالمكان.
يستنكر حسين خطاب «المنطقة منذ فترة وهى خاضعة لسلطة الدولة، ولها شياخة تحمل اسم عزبة عبدالنعيم، لكن ما حدث هو أن اتساع البناء والهجرة إليها جعلاها أكثر تكدسا مثل المناطق المجاورة أيضا».
وكحال المنازل الأولى التى أقيمت فى الماضى تتخذ العزبة الملمح الريفى فى العمران، تتخلله بعض العمارات التقليدية الحديثة. يتشابه الحال مع العديد من الأماكن الأخرى القاهرية التى تضم تجمعات من مهاجرى الجنوب، ورغم تحول بعضهم إلى أرقام داخل بيانات الهجرة الداخلية ومشروعات القاهرة المستقبلية التى تتعامل مع العاصمة كمشكلة تبحث عن حلول فإن هذا التلاصق فى السكن أوجد أيضا حالة من الترابط ترسخها العلاقات المتشابكة والقرابة والتاريخ المشترك للحى.
«من الصعب أن أترك هذا الحى الآن، فرغم إمكانية الانتقال إلى سكن آخر فإننى ما زلت مرتبطا بالمكان وبالعائلة وشكل العلاقات هنا الذى لن أجده فى حى آخر». هذه وجهة نظر محمد حسين خطاب المتخرج حديثا فى كلية التجارة، موضحا أن الجيل الجديد لا يزال لديه هذا الالتزام نحو العائلة وفكرة العزوة التى لن يشعر بها فى أى مكان آخر. ويلتقط منه عمر أحد شباب العائلة طرف الحديث ليوضح بمثال عملى شكل العلاقات داخل المنطقة، أشار ناحية شارع عسران عبد النعيم قائلا: «قريبا كان هنا فى هذا المكان صوان يغلق الشارع بعد حالة وفاة، يتوافد المعزون حتى يملؤوا هذه المنطقة للوقوف بجانب أهل الميت وتعزيتهم.. ولا شك أن حضور اسم عائلتك وتاريخك فى الحى يسهم فى تكاتف الناس حولك».
إلى جانب هذه النظرة الواقعية التى يصف بها شباب العائلة علاقتهم بالمكان وتاريخ العائلة ــ يحتفظ الكبار بذكريات أخرى من الماضى كصورة الجد خطاب وحكايات عن لقائه بجمال عبدالناصر وقت زيارته إلى إمبابة، وعدد من مجلة الاثنين القاهرية بتاريخ يوليو من العام 1952 أى قبل الثورة بأيام تناول سيرة الجد عبدالنعيم وقصته مع حى الزمالك. أيضا مازالت الحفيدة سلوى تحتفظ برخصة قيادة جدها التى لم يرها شباب العائلة حتى اليوم، كان مكتوبا فى خانة المهنة «من ذوى الأملاك» كتعبير عن زمن لن يتكرر وإرث عائلى محفوظ فى الذاكرة لمكان له تاريخ من نوع خاص، يصور الذاكرة الصعيدية لأماكن قاهرية.