Saturday, April 18, 2015

المصريون في مواجهة "العبوات الناسفة" .. من تعرضوا للقنابل لايخشون اللقاء الثاني

 
-عامل النظافة محمد عبدالمنعم : اكتشفت القنبلة مصادفة ولا أخشى مواجهتها مرة أخرى
- مقهى السد العالي بعد تدمير واجهته يرفع لافتة تحذيرية من ترك متعلقات أو حقائب
- العميد خالد عكاشة : كثافة التفجيرات في الفترات الهامة أفقدها قدرتها على التأثير
- صفوت العالم : على الإعلام ألا يقدم مواد "انفعالية" في مثل تلك الأوقات
 
كتب – عبدالرحمن مصطفى
مع كل حركة يخطوها محمد عبدالمنعم أثناء كنس الشوارع في حي المطرية، يراجع نفسه عدة مرات، خشية وجود قنبلة وسط أكوام القمامة التي يقابلها، فبحكم وظيفته كعامل نظافة في هيئة تجميل ونظافة القاهرة، عليه أن ينتقل بين عدد من الشوارع في اليوم الواحد.
"أنا عامل نظافة ضمن مجموعة تطوف شوارع المطرية لمساندة زملائهم حين يواجهون ضغطا في العمل، وفي أثناء عملي في يناير الماضي، اكتشفت قنبلة في كيس بلاستيكي، فقمت بالإبلاغ عنها .. كان من الممكن أن تنفجر في جسدي لو لم أكن منتبها في ذلك اليوم".
يتحدث محمد عبدالمنعم عامل النظافة الذي تم تكريمه بعد واقعة اكتشاف قنبلة في شارع عمر المختار في حي المطرية، وحصوله على مبلغ 1000 جنيه مكافأة عن ذلك الموقف. يعلق مازحا: "هذه المكافأة تساوي قيمة مرتبي تقريبا، إذ يبلغ مرتبي 1150 جنيه شهريا". لا يبدي محمد عبدالمنعم قلقا من تلك الأجواء الجديدة، فهو ليس عامل النظافة الوحيد الذي واجه قنبلة وجها لوجه أثناء عمله، بل تكرر ذلك الموقف مع عمال آخرين.
أمام مقر حي المطرية حيث يقع مكتب هيئة تجميل ونظافة القاهرة، يسير عامل النظافة المميز وسط زملائه برفقة علاء أبو طالب مدير فرع هيئة تجميل ونظافة القاهرة بالمطرية، الذي تحدث عن ظروف عمل جديدة نشأت بعد ثورة 30 يونيو، إذ أصبح معتادا أن يصادف أحد عمال النظافة جسما غريبا أثناء عمله ويبلغ عنه فورا، يوضح ذلك : "قبل عدة أسابيع واجه عمال النظافة أثناء عملهم ليلا قنبلتين في محيط حي المطرية، وقاموا بإبلاغي وطمأنتي بأن قوات الحماية المدنية قد بدأت عملها". وبينما لم يقض عامل النظافة محمد عبدالمنعم سوى عامين في عمله، فإن علاء أبو طالب -مدير فرع الهيئة في المطرية- يعمل منذ العام 1997، وأصبح عليه أن يكون يقظا لعماله، وأن يكون على علاقة قوية برجال الشرطة للتعامل في مثل تلك المواقف.
نفس الحذر الذي يسيطر على عمال النظافة أثناء عملهم، يواجهه حسن عوض مدير مقهى السد العالي في وسط القاهرة، بعد أن عاش تجربة انفجار قنبلة على الرصيف المواجه له، قرب دار القضاء العالي بالقاهرة. لم تكن تلك هي المرة الأولى، إذ وقع تفجير في شهر أكتوبر الماضي أمام دار القضاء العالي أيضا، ثم تكرر المشهد نفسه في بداية شهر مارس الماضي، وفي الحادثين تلقت قهوة السد العالي نصيبها من الذعر وتكسير الواجهات الزجاجية.
"تأسس المقهى في العام 1963، ولم يحدث أن تعرضت المنطقة لتفجيرات من قبل، سوى في الفترة الأخيرة، لكن ذلك لن يؤثر على عملنا بأي شكل". يتحدث حسن عوض مدير المقهى، وهو يتابع الزبائن الجالسين أمامه. وفي مدخل المقهى، لافتة تقول: برجاء عدم ترك أي متعلقات شخصية داخل المقهى، مع أرقام الجهات الأمنية الواجب التواصل معها في حالة وجود مشكلات من هذا النوع.
تبدو حالة التواؤم مع أجواء التفجيرات واضحة في حديث من مروا بتجربة المواجهة مع القنابل، وهو ما يفسره العميد خالد عكاشة مدير المركز الوطنى للدراسات الأمنية، بأن توقيتات العمليات التفجيرية، أصبحت واضحة للمواطنين العاديين، إذ زادت كثافة التفجيرات قبيل المؤتمر الاقتصادي العالمي، متوقعا أن تقل حدة التفجيرات بعد انتهاء المؤتمر. ويضيف قائلا: "لا تعمل الجماعات الإرهابية سوى بخطة تصعيد، وبعد الحصول على تمويل، أما التوقيتات فهدفها إطفاء وهج الفعاليات والأحداث الإيجابية والتشويش عليها". ويضرب عكاشة مثلا بكثافة التفجيرات في توقيتات مثل ذكرى ثورة يناير الماضية، والمؤتمر الاقتصادي. ويراهن عميد الشرطة السابق على أن المصريين قد أصبح لديهم من الوعي أن يدركوا مغزى تلك المحاولات، خاصة مع تكرار إخفاق الجماعات الإرهابية في تحريض المواطنين.
أما ما يحتاجه عامل نظافة مثل محمد عبدالمنعم في مواجهة احتمالات التعرض لقنبلة أثناء عمله اليومي، فهو تعليمات في كيفية التعامل مع مثل تلك المواقف، يقول حافظ السعيد، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، أن هناك تعليمات متكررة لعمال النظافة ومن يتحركون معهم أثناء العمل الميداني، أن يتخذوا احتياطهم في التعامل مع الأجسام الغريبة، ويضيف قائلا: "هناك أزمات أكبر كانت تواجه أبناء هذه الفئة في تعرضهم لحوادث تصادم بالسيارات أثناء عملهم، لذا يستخدمون سترات فوسفورية، ويتم اتخاذ اجراءات في تحركاتهم لحمايتهم من الدهس". تلك المواقف يزيد عليها "عدم تعاون الناس" على حد قول عدد من هؤلاء العمال.
في تلك الأجواء التي تتزايد فيها كثافة العمليات التفجيرية في بعض الفترات، يظهر دور على الإعلام في مساندة المواطنين حسبما يصف صفوت العالم أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة قائلا: "في الأوقات التي تزداد فيها تلك الحوادث، يجب على الإعلام أن يبتعد عن تقديم مواد انفعالية، واتاحة الفرصة للمواطن أن يفكر في الحدث دون تحريض أو توجيه ".

Friday, April 10, 2015

الصالون الثقافى.. تجربة تتحدى الزمن

صالون علاء الأسوانى يحقق معادلة الاستمرار والحفاظ على الجمهور
- أسامة البر: الإدارة الديمقراطية وشخصية صاحب الصالون هما الضمان الوحيد للبقاء
- فاطمة ناعوت: أدعو مفكرى مصر إلى العودة إلى جمهورهم وألا يخذلوا من طلبهم
- العاملون فى النشاط الثقافى يفضلون الأنشطة التفاعلية على الندوات التقليدية

قبل دقائق من بدء فعاليات صالونه الأسبوعى، جلس الكاتب علاء الأسوانى وسط مجموعة من الأصدقاء الذين واظبوا على حضور صالونه الثقافى منذ سنوات، إذ كانت البداية الأولى فى عام 1998 فى مقهى «ستراند» فى منطقة باب اللوق وبوسط القاهرة، حيث كانت النواة الأولى لصالون الأسوانى، ثم تنقل بعدها بين عدد من المقاهى والمؤسسات الثقافية على مدى 17 سنة، حتى استقر أخيرا فى فيللا الدكتور ممدوح حمزة، المهندس والناشط السياسى المعروف.
«على مدى تلك السنوات، كان هناك منتج لهذا الصالون، قدمنا عددا من الأسماء الشابة فى الأدب والفن، وناقشنا العديد من القضايا السياسية المهمة فى مراحل زمنية مختلفة». هذا ما يشير إليه الكاتب علاء الأسوانى أثناء حديثه عن تجربة الصالون الثقافى الذى تعرض للتضييق فى فترات مختلفة. أما أولئك الذين واظبوا على الحضور منذ سنوات، فقد شهدوا جانبا من تطورات هذا الصالون. هذا ما ينقله الكاتب والأكاديمى جلال الشايب المواظب دائما على حضور الصالون منذ عام 2007، يلخص تلك التجربة أثناء حديثه، قائلاً: «تطور المشهد داخل الصالون يشبه الحالة السياسية المصرية نفسها، فقبل ثورة 25 يناير كان يحدث تضييق أمنى على الصالون، فانتقلنا إلى مقر حزب الكرامة كبديل عن التنقل بين المقاهى، ومع البروز الإعلامى لعلاء الأسوانى بعد الثورة، انتقل الصالون إلى دار الأوبرا ثم معهد إعداد القادة، لكن الوضع تغير أخيرا مع تغير الحالة العامة». هذا المشهد الذى يلخصه أحد رواد صالون الأسوانى ليس من السهل تعميمه على تجارب الصالونات الثقافية الأخرى، إذ امتازت ندوة الأسوانى الأسبوعية بمناقشة الشأن العام بشكل مفتوح، على عكس صالونات أخرى تتحرك فى مساحات أدبية وفكرية محددة.
وتمتد فكرة الصالون الأدبى بشكلها التقليدى إلى تجارب أوروبية قديمة، كان أشهرها فى إيطاليا وفرنسا بين الأسر الأرستقراطية والملوك المهتمين بالفن والأدب، ويعيد بعض الباحثين جذور تلك الصالونات إلى تجارب أقدم فى الحضارة العربية الإسلامية، حين كان الأمراء والخلفاء يديرون مجالس العلم والأدب فى حضرتهم. بينما قدمت التجربة الفرنسية نموذجا أبرز فى تحويل المقاهى إلى تجمعات للفنانين، والمفكرين والسياسيين، وظهر دورها إبان الثورة الفرنسية عام 1789.
أما فى مصر فقد ظهر نمطين من الصالونات الثقافية، نمط احتضنته بيوت المفكرين والأدباء والنبلاء، من أشهرها صالون الشاعرة مى زيادة الذى ازدهر فى فترة العشرينيات، وصالون العقاد الذى برز نشاطه فى أربعينيات القرن الماضى، بينما كان هناك نمط آخر من الصالونات احتضنته المقاهى، بدأ مع صالون جمال الدين الأفغانى فى مقهى متاتيا الذى ضم إليه شخصيات تحولت إلى رموز فى العمل الوطنى فيما بعد، مثل عبدالله النديم، وسعد زغلول، كما كان من أشهر صالونات المقاهى صالون نجيب محفوظ الذى تبدل بين عدة مقاهٍ، أشهرها مقهى ريش فى منطقة وسط البلد القاهرية.

استعادة المفكرين

تلك الأجواء المزدهرة بالتجمعات الثقافية أخذت فى الانحسار تدريجيا، وهو ما دفع البعض إلى محاولة إحيائها مرة أخرى، وتذكر الكاتبة فاطمة ناعوت أنها سعت لدى الشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى كى يقيم صالونا فى مقهى ريش، وأقيم الصالون الشهرى بالفعل فى يناير الماضى، لكنه توقف فجأة. ترجع الكاتبة أسباب ذلك إلى قلة الحضور، والاضطرابات الأمنية التى أصابت البلاد فى تلك الفترة، تستطرد، قائلة: «أيا كانت الأعذار فأنا ألوم أستاذى أحمد عبدالمعطى حجازى على عدم استكمال الصالون، وأعتقد أنه فرض على رموز هذا الجيل العظيم أن يجلسوا بيننا، وينقلوا إلينا رؤيتهم، وأنا أعاتبهم جميعا على غيابهم». تبدى فاطمة ناعوت اهتماما بفكرة الصالونات الثقافية فى عدد من المقالات المنشورة لها، لكنها فى الوقت نفسه تتحدث عن أزمة حالية تواجه فكرة الصالون الثقافى بسبب فقدان قيمة الثقافة لدى الشباب، مع وجود مغريات مثل الإنترنت والمقاهى، وهى أهم أسباب توقف مشروع صالونها الثقافى، الذى لم تتحمس للاستمرار فيه مقارنة بحماسها أن تكون معاونة فى تدشين صالون أحمد عبدالمعطى حجازى.
يرى بعض العاملين فى مجال الأنشطة الثقافية أن فكرة الصالون الثقافى قد تجاوزها الزمن إلى نماذج أخرى من الأنشطة الثقافية، وأن الصالونات الباقية حاليا مرتبطة بقيمة أصحابها وسعة ثقافتهم وتأثيرهم، على سبيل المثال أقامت مكتبة (أ) صالونا ثقافيا يستضيف ضيفا شهريا، لكن مع مرور الوقت اتجه القائمون على النشاط الثقافى إلى أنشطة أخرى أكثر فاعلية، هذا ما يوضحه عماد العدل، المستشار الثقافى لمجموعة مكتبات (أ)، إذ يقول: «الشكل التقليدى للصالون بطابعه الذى يعود إلى القرن الماضى سيندثر مع الوقت، ولن تستمر سوى الصالونات التى تتمحور حول شخصية مؤثرة، خاصة أن بعض الصالونات منغلقة على مجموعات بعينها، وهى روح لا يقبلها الزمن الآن». يتحدث عماد العدل من خلال خبرته السابقة فى إدارة صالون ثقافى للمكتبة، وكيف وجد لاحقا أن الأنشطة الثقافية التفاعلية هى الأكثر جذبا للزوار، على رأسها حفلات توقيع ومناقشة الكتب، فحسب رأيه أنها توفر مساحة لمن قرأ كتابا أن يناقش المؤلف، ويوقع نسخته وأن يلتقط صورا للذكرى، وهو ما يصنع خبرات وتفاعل بين الشخصية محور الحفل والجمهور.

مواجهة الكلاسيكية

على عكس الشائع فى ضرورة أن يكون الصالون الثقافى مرتبط بشخصية محورية، فإن بعض التجارب الشبابية الأخيرة قد حولت فكرة الصالون إلى ما يشبه «أندية القراءة» أو «عروض الأفلام» أو حتى «المجموعات الأدبية». وقد مرت تلك النماذج بأحمد رجائى، أحد مؤسسى مركز «بيت الرصيف» الثقافى، بسبب إتاحة المركز مساحات لأى تجربة أو مبادرة واعدة، وكان ضمن تلك المبادرات صالونا ثقافيا لم يكتمل نشاطه، وذلك للأسباب التى يذكرها رجائى، قائلاً: «لقد توقف نشاطنا فى بيت الرصيف لفترة، وهو ما أثـّر على المبادرات التى كانت تعمل معنا، كذلك تكمن مشكلة الصالونات الثقافية فى اعتمادها على جهود شخص واحد وهو ما يهدد مستقبلها».
يضع بيت الرصيف كغيره من المراكز الثقافية والمكتبات قواعد عامة لممارسة الأنشطة، على رأسها الابتعاد عن العنصرية، وتجنب الخلافات السياسية، بينما يضيف أحمد رجائى المسئول الإعلامى لبيت الرصيف أنه أحيانا ما يجرى يقترح أفكارا على بعض المجموعات الشبابية لتطوير أدائها، ويشرح ذلك بمثال: «دشن بعض الشباب فى مساحة لدينا ما يشبه الصالون الأدبى، وكانت الأجواء شديدة الكلاسيكية، ما جعلنا نقترح عليهم بشكل ودى أن يضيفوا أجواء تفاعلية، بتنظيم مسابقات أو حتى أن يطلقوا على هذا النشاط تعبير قعدة شعر، وكانت اقتراحات غير إجبارية». تلك هى وجهة النظر التى يتبناها بعض العاملين فى إدارة الأنشطة الثقافية، مع تأكيدهم على أن الأجواء الكلاسيكية التى يحتفظ بها نموذج «الصالون الثقافى» لن يدعمها سوى اسم وقيمة الشخصية المحورية للصالون.
«الصالون الثقافى الناجح لابد أن يكون لشخص واسع الاطلاع ولديه أسلوب لبق فى الإدارة وكسب الجمهور». هذه المعايير هى التى يضعها الكاتب أسامة البحر الذى شارك فى إدارة صالون علاء الأسوانى لسنوات، بعد أن تم انتخابه من رواد الصالون قبل أكثر من 10 سنوات لتولى تلك المهمة. لم يكن سهلاً على صالون له طابع سياسى أن يستمر دون مشكلات، فيذكر قائلا: «تلقيت اتصالات فى بعض الفترات من أشخاص لا أعرفهم يشتبكون معى فى الهاتف، لأنهم مختلفون سياسيا مع علاء الأسوانى، لكنى كنت أتقبل ذلك بصدر رحب». وبعيدا عما تقدمه الصالونات الثقافية من دعم معنوى للمواهب الجديدة، فإنها أيضا تؤسس روابط قوية بين زوارها، كأن يعود أحد زوار الصالون بعد سنوات كاتبا لمناقشة أعماله، أو أن تنشأ روابط أعمق على المستوى الإنسانى تدوم لسنوات. وتبقى المهمة الأعظم لإدارة أى صالون فى احتواء الجميع، والإدارة الديمقراطية وتعويد الجمهور على هذه الروح. على حد قول الكاتب أسامة البحر مدير صالون الأسوانى.

سنة أولى صالون

بشير عياد: الموسيقى والنغم هى نقطة القوة فى تجربتنا

سلوى علوان: علينا استغلال تعطش المصريين للأنشطة الثقافية والفنية
«فى هذا الشهر سيكون قد مر عام كامل على بدء فعاليات هذا الصالون». يتحدث الشاعر بشير عياد بفخر عن تجربة صالونه الثقافى الذى يحمل اسمه، مستعيدا كيف كانت البداية الأولى قبل عام. يقول: «هدفى الأساسى تهذيب الذوق، وتنقيته فى جميع مناحى الفن والإبداع».
يجلس الشاعر بشير عياد فى مكتبة بورصة الكتب حيث يقام صالونه يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وقد اختار هذا اليوم تحديدا، وفاء لأستاذه محسن الخياط الشاعر والصحفى فى جريدة الجمهورية، الذى كان يقيم صالونا فى اليوم نفسه، وقدم من خلاله عددا من المواهب، ويصف عياد نفسه قائلاً: «أنا كوكتيل من دعم الصالونات الثقافية والتبنى من رموز أدبية وفنية».
يتفق عياد مع آراء بعض المواظبين على الحضور كل ثلاثاء، أن هناك نقاط قوة أسهمت فى استمرار التجربة، ومنها أسلوب الإدارة الذى يصفه بشير عياد بعبارة حاسمة: «ليس هناك مكان للاستعراضيين، أو لمن يتسببون فى إفساد أجواء هذا المجلس.. فالمكان يتحول إلى ما يشبه الحضرة الصوفية بين العلم والنغم». تكمن نقطة القوة الأخرى فى جلسات الإستماع وتحليل النص الشعرى لأغانى أم كلثوم تحديدا، ويتكفل الكاتب الصحفى هيثم أبوزيد فيها بالجانب الفنى فى تحليل المقامات الموسيقية.
كان هذا الصالون مجرد فكرة تعود إلى العام 2012 أجهضتها ظروف مرض الشاعر بشير عياد، حتى عاد فى العام الماضى بجلسات النغم، وإقامة تكريمات للمساهمين فى الحقل الأدبى، وظل المحتوى الموسيقى فى الصالون هو ما يراهن عليه قائلاً: «رأيت فى عيون من حضروا عصر أم كلثوم، كيف استعادوها حين عرفوا معلومات جديدة مرتبطة بالأغنية، وتحليلها موسيقيا.. كذلك أسعدنى تواصل الشباب مع الصالون بعد مرور عام من العمل».
تجارب جديدة
ظهرت على مدى العام الماضى صالونات ثقافية جديدة دشنها أصحابها بعد انخراطهم السابق فى عالم الثقافة والإبداع، منها صالون أركان الثقافى فى مدينة الإسكندرية، الذى تديره الشاعرة والصحفية جيهان حسين منذ تم تدشينه فى شهر أكتوبر الماضى، تصف ذلك قائلة: «اقتربت من صالونات ثقافية متميزة فى الأسكندرية، منها صالون التذوق الثقافى لأميرة مجاهد، وصالون زمرة الثقافى فى مركز الجيزويت، ففكرت فى إقامة صالون ثقافى شهرى». تلك التجارب دفعتها إلى المحاولة، واتخذت من مركز أركان للإبداع بكاتدرائية القديس مرقس الأسقفية مقرا لها، حيث كانت تعمل بالتدريب الصحفى فى نفس المركز من قبل.
«لا أخفى سرا أننى أحاول شحذ طاقتى باستمرار حتى لا أفقد حماسى من الظروف التى قد لا تكون مواتية، مثل ضعف الحضور فى بعض الأحيان، فأنا مازلت فى البدايات ولا أمتلك اسما رنانا بعد فى دنيا الأدب، لكنى أسير بخطوات ثابتة «. تستكمل الشاعرة جيهان حسين حديثها محاولة تجاوز ما قد تواجهه من عوائق، باستغلال مواقع التواصل الاجتماعى للتعريف بالصالون والوصول إلى الشريحة المستهدفة، أما أسلوب الإدارة فتلخصه فى جملة واحدة: «أهم نقطة هى مذاكرة موضوع الجلسة الشهرية وضيف الصالون مذاكرة جيدة قبل اللقاء».
فى الجمعة الأخيرة من الشهر الماضى، خاضت الكاتبة الصحفية سلوى علوان التجربة نفسها، حين دشنت صالونها بمكتبة البلد فى وسط القاهرة، مراهنة على تعطش الكثيرين للأدب والثقافة على حد تعبيرها، أما الهدف الذى تسعى إلى تحقيقه فهو أن يكون صالونها وسيطا بين ثقافة النخبة وغير المتخصصين. «فوجئت بعدد الحضور الكبير فى حفل تدشين الصالون، الذى جاوز المساحة المخصصة لنا فى مكتبة البلد، وتلقيت عروض استضافة فى أماكن أخرى، ما جعلنى اتفاءل باستمرار التجربة». تستكمل سلوى علوان حديثها عن المشكلات التى تصاحب تأسيس صالون ثقافى فى مصر، على رأسها تكريس حالة النخبوية بين صاحب الصالون وزواره، ما يصنع فجوة مع الزوار الجدد.
لا يُخفى أصحاب هذه التجارب السابقة فى إدارة صالونات ثقافية حرصهم على أن تظهر تلك التجارب بشكل لائق، حتى لايضر ذلك بسمعتهم فى المستقبل، ما جعلهم يوضحون فى حديثهم أنهم لم يدشنوا تلك التجارب سوى بعد تفكير، وبعد التأكد من كيفية إدارتها، مع نسبة معقولة من المغامرة، على سبيل المثال توضح الكاتبة سلوى علوان ذلك بقولها: «كانت هناك إشارات تدفعنى إلى تجربة تدشين الصالون، كأن أجد إخلاصا من جمهور ندوتى فى معرض القاهرة للكتاب الأخير، والتى تزامنت مع زيارة بوتين إلى القاهرة وازدحام الشوارع بشكل غير مسبوق، وفى هذا الظرف وجدت إخلاصا من الحضور الذين انتظرونى رغم ارتباك مواعيد الندوات فى ذلك اليوم». وقد أعطاها هذا الموقف إشارة إلى إمكانية أن تخطو خطوة أكبر تختبر فيها قدرتها على جذب آخرين حول عمل ثقافى، وهو ما تخوضه فى تجربة صالونها الناشئ.

«قهوة مانو».. أمسيات تتجاوز التقليدية


على مدى ثلاث سنوات يدير محمد جادالله الكاتب والباحث صالونا فى ساقية الصاوى بالزمالك، حيث يقدم أشكالًا متنوعة من طرق التواصل مع الجمهور فى كل أمسية شهرية يقيمها، بدءا من استخدام صيغة المحاضرة التى يستعين فيها بشرائح عرض على شاشة ضخمة، أو أن يعزف للجمهور موسيقى فى فترة استراحة، أو أن يستضيف أحد الضيوف المتصلين بموضوع الأمسية، والهدف النهائى هو الحديث عن الهوية المصرية ومحاولة فهمها مع الجمهور.
«بدأت القصة فى العام 2011 مع تأسيس صفحة تحت اسم صالون ماعت الحضارى على فيسبوك مع مجموعة من الأصدقاء، واخترنا اسم ماعت لأنها رمز العدالة لدى قدماء المصريين، ثم تم تدشين مبادرة صناع الوعى الحضارى التى انتشرت فى المحافظات، بينما ظهرت لدىّ فكرة أخرى أن أقيم أمسيات تناقش القضية نفسها، وهو ما أنتج صالونا له طابع مختلف». يتحدث محمد جادالله عن استغلاله جميع الأدوات التى يجيدها فى التواصل مع الجمهور حول قضية الهوية المصرية، إذ يذكر أنه قد لاحظ فى فترة مبكرة بعد ثورة 25 يناير، ومن خلال النقاشات فى صفحة «صالون ماعت الحضارى» أن هناك بوادر لأزمة مجتمعية بسبب الصراع على فكرة الهوية، فهناك من يرى أن مصر فرعونية، وآخر يراها إسلامية، وغيرها من التصنيفات، بينما يرى هو هوية مصر نتاج كل ذلك.
«فى أمسيات قهوة مانو، أقدم نماذج من الفن المصرى، محاولاً ربطها بجذورها التاريخية، فهدفى أن أظهر الصلة بين الموروث المصرى القديم، وكيفية استمراره فى حياتنا وثقافتنا اليومية». هكذا يتحدث عن تلك الأمسيات مستغلاً فيها خبرته السابقة فى مجال الإرشاد السياحى ومعرفته بالتاريخ المصرى القديم، وكذلك اهتمامه بالعمل
المسرحى والموسيقى، ودراسته لقواعد فض النزاعات المجتمعية فى الخارج، وهى أدوات يستخدمها فى نقاشاته داخل تلك الأمسيات، سواء كان الموضوع عن الفن المصرى، أو كان موضوعا عن القيم الدينية ــ العابرة للعصورــ التى ما زالت فى وجدان الإنسان المصرى المعاصر.
«هنا أحاول كسر شكل الصالون الكلاسيكى القديم، وتقديم عروض تجمع بين الندوة والتدريب والحكى، مستخدما فنون المسرح والموسيقى، من أجل جذب الجمهور حول قضية الهوية المصرية، والتأكيد على أنها غير قابلة للقرصنة أو حصرها فى بعد واحد، بل هى شاملة خبرة آلاف السنوات».
مر محمد جادالله كزائر بصالونات ذات شكل كلاسيكى، ورغم استفادته الشخصية منها، لكنه يرى أنه لابد من تطوير فى أداء الصالونات الثقافية بشكل عام، حتى تستطيع أن تدخل مجال المنافسة مع جاذبية الإعلام والإنترنت الأكثر تسلية وإبهارا، لذا يقول إنه يسعى أن تكون تلك الأمسيات فى صالونه لأن تكون أشبه ببرنامج يحمل جانبا ترفيهيا، حتى يظل محافظا على جمهوره طول الوقت، أما الأهم بالنسبة إليه، فهو إثارة قضيته الأساسية، وهى الهوية المصرية.

Saturday, March 14, 2015

المسرح المصرى ينتظر دقات البداية

فى الوقت الذى أبدت الدولة اهتمامها باستعادة النشاط فى دور العرض المسرحية، برز تيار شبابى يدعو لاستغلال المسارح المهجورة لصالح الفنانين الشباب، ورغم ذلك تستمر «أزمة المسرح» فى مواجهة عالم تشتعل فيه الأحداث يوميا، ومزاج جديد يجذب المشاهد ناحية شاشات السينما والفضائيات، ومساحات أخرى من التفاعل صنعها الانترنت، ليظهر عبء جديد على المسرحيين المصريين، فى كيفية تحقيق الجاذبية والابهار، حتى يعود النشاط المسرحى إلى قوته.. كصناعة وفن يؤثران فى المجتمع.
محرر الشروق يشتبك مع حارس سينما قصر النيل :)
فى منتصف شارع عماد الدين داخل منطقة وسط القاهرة، سور يحيط بأرض فضاء، عليه لافتة تحذر من التعدى على قطعة الأرض التى تخص البيت الفنى للمسرح، حيث تقع أطلال مسرح مصر، وعلى مدار سنوات سابقة تكررت الوعود بإعادة بناء المسرح من جديد، وهو ما لم يتم حتى الآن.
«كان المسرح يعمل حتى التسعينيات ثم انهار، وتحول إلى أرض فضاء». يتحدث باختصار حارس المسرح المتهدم، بينما يستكمل الحديث سامى سالم، صاحب المحل المجاور، الذى يحفظ تاريخ عدد من المسارح القديمة فى شارع عماد الدين.
وفى خارج تلك المنطقة من القاهرة يكثر عدد المسارح التاريخية، التى يصعب حصر تبعيتها فى جهة واحدة، إذ تنقسم بين مسارح تابعة للدولة وأخرى خاصة، وبين مسرح مهجور بسبب الإهمال، وآخر معطل بسبب غياب العروض والجمهور، يبدو المشهد فى تلك المنطقة بائسا مع انسحاب العروض المسرحية من شارع عماد الدين ومنطقة وسط البلد.
«تم الاتفاق مع القوات المسلحة على امدادنا بالمخططات الهندسية اللازمة لإعادة بناء مسرح مصر فى شارع عماد الدين، كما سيتم تخصيص جزء من ميزانية البيت الفنى للعام القادم من أجل هذا المشروع». هذا ما يوضحه فتوح أحمد رئيس البيت الفنى للمسرح الذى يخضع له مسرح مصر.
حسب حديث رئيس البيت الفنى للمسرح لـ«الشروق» فإنه يدير 13 مسرحا، كما أن لديه برامج مزدحمة بالعروض الفنية التى تحتاج إلى مزيد من المسارح، ويقول «ليس لدينا مسارح مهجورة أو معطلة». لكنه عاد واستثنى مشروع إعادة بناء مسرح مصر الذى ينتظر الدعم.
فى الجهة المقابلة لأطلال «مسرح مصر» يقع مبنى مهجور لسينما القاهرة، إذ ترجع ملكية المبنى لورثة أحمد الحاروفى، الذى كان قد خصص جزءا من هذا المبنى لعرض مقتنيات المطرب الراحل عبدالحليم حافظ، نظرا لعلاقتهما الوطيدة، وهو ما انتهى قبل سنوات، ولم يتبق من المبنى سوى كافتيريا مهجورة ومحل لبيع السجائر.
«المكان لن يتم إعادة إحيائه كمسرح أو سينما.. لقد توقف النشاط مع وفاة أحمد الحاروفى الذى كان متفرغا لإدارة هذا النشاط الفنى». هذا ما يؤكده خالد صالح، أحد ورثة الحاروفى.
وتتكرر القصة مع مسارح أخرى هجرها ملاكها أو تعطل إنتاجها مقارنة بما كانت تنتجه فى السابق، فعلى سبيل المثال لا ينتج المسرح الخاص حاليا سوى ثلاث مسرحيات هى «تياترو مصر» على مسرح جامعة مصر، و«دنيا حبيبتى» على مسرح الفن، و«بابا جاب موز» على مسرح الريحانى. ولا تعمل هذه المسرحيات على مدار الأسبوع.
وفى تلك الأثناء فإن هناك نماذج أخرى من المسارح الخاصة، تحولت عن تقديم العروض المسرحية الكلاسيكية إلى أنشطة أخرى بديلة، إذ إن بعضها تديره شركات تهدف إلى الربح، مثل شركة أفلام محمد فوزى التى امتلكت حق إدارة دار سينما ومسرح قصر النيل منذ عام 1988، وهو المسرح الذى شهد العديد من مسرحيات ذات الانتاج الخاص، بينما كان آخر العروض المسرحية التى أقيمت عليه، هو عرض «براكسا» فى العام 2011، وتم استغلاله فيما بعد فى حفلات غنائية.
«حُسن البضاعة ولا حُسن السوق». يستعير عماد عبدالمنعم مدير دار سينما ومسرح قصر النيل هذا المثل الشعبى فى وصف التطور الأخير لحالة المسارح الخاصة، فغياب أبطال العروض المسرحية الذين نشطوا منذ السبعينيات، قد أثر بشكل مباشر على حالة تلك المسارح.
وكما يوضح مدير دار سينما ومسرح قصر النيل فإن هناك طريقين للتعاقد عند إتاحة استغلال المسرح، وهو إما أن تحصل إدارة المسرح على مبلغ كامل مقابل العرض، أو أن تحصل على نسبة من الإيراد، ويعلق على تجربة إتاحة المسرح للحفلات الغنائية فى السنوات الأخيرة: «كانت التذاكر ذات أسعار معقولة، فى متوسط 40 جنيها ثمنا للتذكرة، وهو ما لم يكن مربحا على المدى البعيد». وعلى نفس هذا المسرح أقامت المطربة الراحلة أم كلثوم أهم حفلاتها الغنائية، وكذلك كان المطرب عبدالحليم حافظ، والفنان فريد الأطرش. بينما تطمح إدارة مسرح قصر النيل أن تعد برنامجا شهريا بحفلات غنائية، يعيد ارتباط الجمهور بالمسرح ذى الطابع التاريخى. أما فى مسرح راديو المجاور فقد اختارت شركة الإسماعيلية التى تدير عددا من المبانى التاريخية فى منطقة وسط البلد، أن تقوم على تأجيره لبرامج تليفزيونية، كما كان الحال مع برنامج «البرنامج» للإعلامى باسم يوسف، قبل توقفه.
ومع قلة العروض المسرحية الخاصة، وانسحاب نجومها منذ سنوات إلى العمل التليفزيونى والسينمائى، أصبح للمسرح المدعوم من الدولة أكثر أهمية، لما تقدمه الدولة من دعم، لكن حقيقة أرقام ميزانية وزارة الثقافة التى تدير مسارح البيت الفنى للمسرح، وهيئة قصور الثقافة، دار الأوبرا، تبرز مشكلة أخرى فى حقيقة دعم الدولة للحركة المسرحية، إذ كانت وزارة الثقافة قد أعلنت عن أن ميزانيتها للعام الماضى تمثل نسبة 0.23% من إجمالى الموازنة العامة للدولة بما يقارب واحد ونصف مليار جنيه، وأن 52.43% منها ينفق على أجور وتعويضات على العاملين فى الوزارة حسب تصريحات الوزير السابق صابر عرب.
«هناك أزمة أعمق من مسألة دعم المسرح، وهى عن التحدى الذى يتعرض له المسرح منذ سنوات، فعلى سبيل المثال، قمنا بإعداد استطلاع للرأى بين جمهور المسرح، وكشف عن أزمات فى التسويق والامكانيات المحدودة، وضعف المستوى الفنى، وغياب الإبهار». الحديث هنا لهانى أبوالحسن مدير عام المركزالقومى للمسرح.
وخلف مكتبه فى مقر المركز فى حى الزمالك بالقاهرة، يوضح هانى أبوالحسن أن المسرح يعانى عالميا من أزمة انسحاب الجمهور، حيث اتجه الكثيرون إلى إبهار السينما والتليفزيون، وإلى حالة التفاعلية التى يتيحها الانترنت، ما يجب أن ينتبه إليه الفنان المسرحى.
«كانت الفترة الماضية منذ السبعينيات تعمل على تغذية الحس المحافظ فى المجتمع، ما أنتج مزاجا غير مقبل على الحياة المسرحية، وهو ما يبرز فى قلة أعداد دارسى المسرح، وفى جانب آخر فإن انخفاض ميزانية العروض، ينعكس على كم الإبهار البصرى الممكن فى هذه العروض». يستكمل هانى أبوالحسن حديثه مستعيرا بعض النماذج التى تخلصت من عبء الإنفاق على الموظفين فى تجربتى مسرح الهناجر ومركز الإبداع الفنى، بينما تواجه أماكن أخرى كما كبيرا من العمليات الروتينية، والزيادة المفرطة فى أعداد الموظفين.

وبين ما تبديه الدولة من اهتمام بعودة الحياة المسرحية كما هو واضح من تصريحات كبار المسئولين الحكوميين، إلا أن الواقع يحمل معه مشاكل أخرى، عن تغير المزاج العام، وكم الانفاق المتاح على الحياة المسرحية.
مسرح روابط

كشف حساب المسرح المصري فى 3 سنوات

تشير أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء إلى تغيرات سنوية فى عدد المسارح العاملة فى المجال الفنى على مدار العام، وكذلك عن عدد جمهور المسرح فى مصر.
- يشير آخر إحصاء حسب النشرة السنوية الثقافية الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة والاحصاء، إلى أن عدد المسارح النشطة فى العام 2013 قد بلغ 40 مسرحا، فى مقابل 31 مسرحا لعام 2012 بنسبة زيادة قدرها 29%، فيما تشير أرقام العام 2011 إلى وجود40 مسرحا مقـابل 37 خلال عام 2010. وهو ما يكشف عن هبوط النشاط المسرحى فى عام تولى جماعة الاخوان المسلمين للحكم.
- ورغم ازدياد عدد المسارح فى العام 2013 وإقامة 1998 عرضا شاهدها 340 ألف مشاهد، إلا أن ذلك لم يجنى سوى 4.8 مليون جنيه، بينما بلغ عـــدد المترددين على المســارح 453 ألف مشاهد عــام 2012 بلغت جملة إيراداتها 8,3 مليون جنيه.

إحياء المسارح.. اتجاه معاكس بين الفنانين الشباب

مسرح مصر

اختار الفنان الشاب على قنديل التوقف تماما عن إدلاء تصريحات صحفية حول حملة «عايز مسرح» التى بدأها فى نوفمبر الماضى، وانتهت بوعد رئاسى عن إتاحة مسرح الفردوس للفنان الشاب ونشطاء حملته كى يبدأوا تجربتهم فى إحياء المسرح المهجور. وكانت الشروق قد حصلت فى وقت سابق على تصريحات من مؤسس حملة «عايز مسرح»، حول خطته المستقبلية فى حالة ما تحققت أمنيته فى الحصول على مسرح الفردوس، وذكر قائلا: «مبادرة عايز مسرح ليست ممثلة فى على قنديل فقط، هى مجرد خطوة لإثبات أن هذا الجيل من الشباب، لديه الكفاءة والخبرة فى الإدارة، والقدرة على تحقيق النجاح.. هى مجرد خطوة، سنسعى لتكرارها وإعداد كوادر لها». اشتهر على قنديل بأداء كوميديا الـ«ستاند أب»، بعد أن قضى سنوات سابقة فى تقديم العروض التمثيلية والتدريب فى مسارح ومراكز ثقافية مستقلة.
تعتمد حملة «عايز مسرح» على عدم تكليف الدولة نفقات إحياء مسرح الفردوس المستهدف، بل ستعتمد على أنشطة تدر ربحا، وستستخدم ذلك الربح فى عملية تطوير المكان، على أن يتم تقييم التجربة بعد فترة ثلاث سنوات، وهى الفترة التى يراهن فيها على قنديل وفريقه المكون من عشرات الشباب على تحقيق النجاح المنشود.
أما الدعوة التى طرحها على الانترنت فى شكل استمارة، فقد نالت أكثر من 3000 توقيع من متضامنين مع الحملة، كما تضامن معه فنانون شباب، يسعون خلف هذه المساحة التى ستستوعبهم فى المستقبل.
لن تكون هذه التجربة هى الأولى فى إحياء مسرح مهجور، ففى شارع «خليج الخور» المتفرع من شارع رمسيس فى وسط القاهرة، يقع مركز أوبرا ملك، الذى تم افتتاحه فى يونيو الماضى، وتتلخص قصته فى أنه كان مسرحا تديره الفنانة ملك حتى بداية الخمسينيات من القرن الماضى، ثم آلت ملكيته إلى الدولة بعد وفاتها فى العام 1983، ومن العام 2007 انتقلت إدارته إلى البيت الفنى للمسرح، وظل غير مستغل حتى العام 2013، حتى تحول إلى مركز فنى حكومى. «كان مجرد مخزن يضم بعض المعدات السينمائية، وله مديرين دون عمل حقيقى..». على حد قول أحمد السيد مدير مسرح أوبرا ملك.
فى الطابق العلوى من المسرح، يبدو أحمد السيد مشغولا بالتجهيز لفعاليات قادمة، وهو أحد الوجوه التى برزت فى اعتصام وزارة الثقافة قبيل ثورة 30 يونيو 2013.
«كان السؤال الذى يلاحقنى حين توليت إدارة المسرح فى أغسطس 2013، عن خبراتى السابقة فى إدارة المسارح، وكنت أجيب: وماذا فعل من قبلنا الذين تراكمت خبراتهم دون تحقيق نهضة مسرحية.؟ للأسف هناك كثيرون لا يعرفون كم الخبرات التى تكونت لدى جيلنا فى الفترة الماضية».مازال الحديث لأحمد السيد الذى يسترجع الفترة التى استغرقت قرابة العام فى تجهيز المسرح حتى لحظة افتتاحه، قائلا: «فى تلك الفترة لم انتظر استلام المسرح دون عمل، بل حاولت استخدام مسارح أخرى زميلة فى التحضير لورش فنية حتى يتم افتتاح مسرح ملك، لكنى كنت أقابل بفتور أو بعدم ترحيب فى بعض الحالات».
تلك المحاولات والتجارب اعتمدت بشكل مباشر على الحصول على مسرح خاضع للدولة، بينما كان هناك مسار آخر فى تجربة إحياء أماكن مهجورة وتحويلها إلى ملتقى فنى ومسرح يحتضن العروض الفنية، أحد أشهر هذه النماذج هو مسرح روابط الذى تم تأسيسه قبل 9 سنوات. بدأت القصة حسبما يرويها محمد عبدالخالق أحد مؤسسى روابط، وهو بدوره رئيس مجلس إدارة جمعية دراسات وتدريب الفرق المسرحية الحرة.
«البحث عن إحياء مسارح جديدة هو أحد تداعيات حركة المسرح المستقلة، التى بدأت قبل 25 سنة، وعلينا أن نعترف بأن العروض المستقلة هى من أنقذ الحركة المسرحية، بكثرة عروضها مقارنة بالمسرح الحكومى والمسرح الخاص». وعلى حد تعبير محمد عبدالخالق، فإن هناك منابر اجتذبت الفرق المستقلة، حين لم تجد حفاوة بها فى مسارح الدولة، بسبب مساحة اشتباكها مع الواقع والتجديد.
ويفتح باب تدشين مساحات جديدة للحركة المسرحية سؤالا حول مدى قدرة هذه التجارب على الاستمرار، فبينما تعرض مسرح روابط للتوقف بين العامين 2013 و2014 بسبب ضعف القدرات المالية، فإن هناك نماذج أسبق فى فتح مساحات لعروض مسرحية، مثل ساقية الصاوى التى عاونتها الدولة فى الحصول على المساحة التى أقيمت عليها قاعة النهر.
«الحصول على تمويل لدعم تدشين مسرح أمر وارد، لكن أزمة التمويل من مؤسسات خارجية، قد أساء إليها آخرون». يستكمل محمد عبدالخالق حديثه موضحا أن تجربة مسرح روابط لم تكن إعادة بناء مسرح، لكن فى بناء مسرح فى مساحة خاصة بمخزن قديم فى منطقة وسط البلد. ومرت بعدد من المطبات فى محاولة توفير الدعم اللازم للإيجار، وهو ما اضطر المؤسسين فى البداية إلى الإنفاق على المسرح منذ البداية. تلك الأزمات قد لا يواجهها أحمد السيد فى إدارته لمسرح أوبرا فلك التابع للبيت الفنى للمسرح، لكنه فى التوقيت نفسه مقيد بميزانية، عليه أن يوزعها على رواتب الموظفين، وإقامة فعاليات لائقة.
أما بالعودة لعلى قنديل الذى يستهدف مسرح الفردوس التابع لوزارة الداخلية، فقد أعلن مبكرا نيته عدم الاعتماد على تمويل، بقدر ما سيعتمد منهجا فى الادارة يتيح إمكانية الحصول على دخل يمكنه الانفاق على متطلبات المسرح.
PDF

Wednesday, March 4, 2015

حكاية سيدات يجبرهن «الرزق» على «السعى فى الليل وآخره»

- أقدم بائعة حمص على الكورنيش: السمعة الطيبة هى أكبر حماية للمرأة.. ومنة الله «الجامعية» تحلم بمشروع «نصبة الشاى»
- «المركزى للتعبئة والإحصاء»: 17.8% من إجمالى الأسر المصرية يترأسها نساء
- صاحبة مشروع «النصبة»: البعض مازال فى ذهنه صورة السيدة البسيطة التى تعمل فى الشارع.. لكنى جامعية وأقدم المشروع بشكل راقٍ
- مهندسة طوارئ فى «الكهرباء»: 40% من المهمات التى أنجزها تكون بعد الساعة الواحدة صباحا
- باحثة فى مؤسسة المرأة الجديدة: قضايا التمييز فى الأجور تكشف واقع المرأة

كتب- عبدالرحمن مصطفى
تقف «أم علاء» بمحاذاة كورنيش النيل أمام منطقة رملة بولاق القاهرية، تبيع الشاى وحمص الشام، وتستمر هكذا لساعات متأخرة بعد منتصف الليل، على أمل مجىء المزيد من الزبائن، وفى ذلك اليوم لم يحدث ما تتمناه، إذ أحيانا ما يقل عدد الزبائن تدريجيا بسبب قسوة برد الشتاء، والاضطرابات الأمنية التى تتصاعد فى لحظات غير متوقعة.
تقول عن نفسها: «أنا أقدم بائعة شاى وحمص الشام على كورنيش الساحل، كنت أعمل مع والدى قبل أكثر من 40 سنة، ما زلت فى نفس المهنة، وأعمل من العصر حتى مطلع الفجر، فليس لى دخل آخر سوى ما أحصل عليه من عربة الحمص ونصبة الشاى».
تتحدث أم علاء ــ التى تفضل مناداتها بهذا الاسم ــ عن ظروف أسرية أجبرتها على أن تنفق على أبنائها الخمسة بعد وفاة الزوج، وفى ساعات الليل المتأخرة يعاونها أبناءها فى العمل، أكبرهم علاء، وهو أبكم يصعب التواصل معه سوى بالإشارات، وهو ما دفعه إلى التنحى جانبا عن الحديث والانشغال بالوقوف أمام عربة حمص الشام.
يبدأ التحضير ليوم عمل جديد مع نهاية اليوم الذى يسبقه، إذ تبدأ أم علاء فى شراء وتجهيز مستلزمات الشاى وحمص الشام مع شروق الشمس، بعد أن تكون انتهت من بيع ما لديها، ثم تبدأ فترة النوم والراحة حتى الاستيقاظ ظهرا، ثم يبدأ العمل فى اليوم الجديد من العصر حتى مطلع الفجر، وتتحدد ساعات العمل حسب إقبال الزبائن، ويبقى الأمل فى زبون ميسور الحال، يقدم بقشيشا مناسبا.
تحصل أم علاء على 300 جنيه من معاش زوجها، بينما يبقى دخلها من بيع الشاى وحمص الشام متباينا حسب حالة الشارع، وذلك لا يزعجها كثيرا، تقول: «حصلت فى فترات سابقة على مكاسب كبيرة، وعرفت فترات خسارة، ومنذ وقت مبكرة نجحت فى صنع سمعة تحمينى من مشاكل الشارع، لكن أكثر ما يزعجنى الآن هو مستقبل أبنائى».
يتحرك ابنها أحمد مختار ذى الاثنين والعشرين عاما تاركا «نصبة» الشاى، ليشارك فى الحديث: «أنا أبحث عن عمل آخر.. سائق تاكسى أو سائق توك توك، وأطلب لمن يجد لى وظيفة أخرى أن يدلنى عليها، فى النهاية أنا وإخوتى سنحتاج إلى توفير شقة للزواج».
هذه الأسرة الصغيرة، لا تخشى برد الشتاء أو العمل الليلى، بقدر ما تخشى الحفاظ على صورتها وسمعتها فى هذه المنطقة، وهى السمعة التى أسستها «أم علاء» على مدى عشرات السنوات، تنقلت فيها بين عدة أماكن فى كورنيش الساحل ورملة بولاق.
«أم علاء» هى نموذج لشريحة من النساء تمثل 17.8% من إجمالى الأسر المصرية، وهى نسبة الأسر التى يترأسها نساء، حسب أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء، وفى هذه الحالة تصبح المرأة هى المسئولة عن توفير احتياجات أسرتها بشكل كامل، وهو ما ظلت تفعله بائعة الشاى المخضرمة طوال السنوات الماضية، حتى مع وجود زوجها الراحل.

نهاية النصبة
هذه التجربة التى تقدمها بائعة الشاى وحمص الشام، هى خلاصة عشرات السنوات من الاحتراف حتى استقرت الأمور نسبيا فى النهاية، وهو ما لا يحدث دائما مع من يخوضون تجربة العمل الليلى فى الشارع، خاصة فى حالة إذا ما كانت تلك التجربة مع فتاة شابة لا تتجاوز الرابعة والعشرين سنة من عمرها، هذا ما حدث مع منة الله الحسينى، التى أثارت جدلا أخيرا، حول مشروع «النصبة».

كانت تدير مشروعها فى منطقة وسط البلد القاهرية، حيث دشنت «نصبة» تقليدية لتقديم المشروبات بأسعار متوسطة، ثم فاجأها قرار بإزالة مشروعها تماما من الساحة القريبة لمقر وزارة الأوقاف، بعد مضايقات من موظفى البلدية وبلطجية المنطقة.
بعد أن تركت مشروعها مؤقتا، تتذكر الآن كيف كانت مضطرة أن تدافع عن فكرتها البسيطة، وهى أنه يمكن لفتاة متعلمة أن تدير مشروعا خاصا فى الشارع، تقول: «نعم.. كان هناك جزء من المعاناة التى تعرضت لها بسبب التنميط، فالبعض مازال فى ذهنه صورة السيدة البسيطة التى تعمل فى الشارع، لكنى جامعية أدرس فى كلية الحقوق، وأقدم المشروع بشكل راقٍ، وحتى وقت متأخر.. لذا كنت فى حالة دفاع دائمة عن النفس، لأنى خارج توقعات الشارع».
انتهى مشروع «النصبة» قبل أسابيع، لكنها مازالت تحلم بإعادة إحيائه من جديد، وانتهت الفكرة بسبب رفض أجهزة الحى استمرار المشروع، وتعرض منة للمضايقات المتكررة والاتهامات القاسية، لكنها مازالت تطمح فى أن تصبح فكرة «النصبة» وسيلة لكسر بطالة الكثير من الشباب، ضاربة المثل بعربات «السجق» الشهيرة فى شوارع نيويورك، التى تحصل على ترخيص، وتنتشر هناك دون تهديدات لأصحابها.
«كان الفيصل فى إفشال المشروع، هو الابتزاز الذى أتعرض له من بعض الموظفين كى أدفع لهم رشوة»، على حد قول الفتاة الجامعية التى خسرت حلمها.
أما الأزمة الأخرى التى واجهت منة الله الحسينى صاحبة مشروع «النصبة»، فكانت فى عدم وجود إجراء قانونى لتنفيذ فكرة مشروعها، فالتراخيص تصدر عادة لبناء أكشاك ثابتة، وهو ما لا يصدر للعربات المتجولة التى تقدم طعاما فى الشارع.
«كنت أواجه يوميا بنظرات تحرش واستفزاز، إلى جانب ما أوجهه من مشاكل العمل العادية مع تأخر الوقت ليلا، لكن استمرار المشروع لأسابيع طويلة، كان يعطينى أملا». هكذا تصف منة الحسينى ما كانت تواجهه، وهو ما كان يجعلها فى حالة تحفز دائمة، انتهت بهدنة مؤقتة بعد توقف المشروع.

العمل اختيار
ليست كل التجارب النسائية فى العمل الليلى ذات طابع واحد، فأحيانا ما يكون اختيار العمل فى ساعات متأخرة من الليل، هو اختيار المرأة لأسباب مهنية بحتة، على سبيل المثال فإن المهندسة الشابة نهى عبدالفتاح، ذات التاسعة والعشرين عاما، التحقت بالعمل فى وزارة الكهرباء فى العام 2008، وبعد قضاء سنتين فى العمل المكتبى التقليدى، جاءتها فرصة للعمل فى صيانة محولات الكهرباء داخل نطاق القاهرة وبعض المناطق المجاورة، وتصف ذلك: «جذبتنى الفكرة من صديقة تعمل هى الأخرى فى قسم العمل الميدانى للطوارئ، وهو ما دفعنى إلى التجربة التى ستزيدنى خبرة وتميزا»، أما ما شجعها على ذلك فهو أن والدها هو الآخر كان يعمل بالطريقة نفسها.

يقوم نظام عمل المهندسة الشابة، على أن تنتظر فى كل ليلة أن يأتيها أمر بالذهاب إلى أحد المواقع التابعة للوزارة، فهى ليست مضطرة إلى الحضور التقليدى وقضاء ساعات عمل فى نفس المكتب، بل تنتقل من مكان لآخر.
«نحو 40% من المهمات التى أنجزها تكون بعد الساعة الواحدة صباحا، لسبب فنى بحت، فهذا هو الوقت الذى تقل فيه الأعباء الكهربائية»، على حد قولها.
ليست كل المهام سهلة، وفى أغلب انتقالاتها من موقع لآخر، تقابل بأسئلة العاملين فى تلك المحطات التى تقوم على صيانتها، حين يندهشون من مجىء مهندسة فى ساعة متأخرة من الليل، يرافقها 4 من الفنيين والمهندسين، وتنتقل بصحبة المعدات وسيارة العمل، بين مجتمعات وبيئات مختلفة.
«وقت حظر التجول فى العام 2013 تم احتجازنا قرب كمين عسكرى، بسبب أحداث عنف وقعت جواره، وأصيب أهلى بالذعر، بعد أن قضينا ساعات دون حركة، وانقطع الشحن عن هواتفنا المحمولة. كانت تجربة سيئة»، هذا ما تتحدث نهى عبدالفتاح عن إحدى المهام التى قامت بها.
وتبدو نهى راضية عما تحققه من خبرة وتميز، لما تلمسه من سمعة طيبة لمن يحترفون العمل الميدانى فى داخل الوزارة، وحسب المادة 89 من القانون رقم 12 لسنة 2003، فإنه «يصدر الوزير المختص قرارا بتحديد الأحوال والأعمال والمناسبات، التى لا يجوز فيها تشغيل النساء فى الفترة ما بين الساعة السابعة مساء والسابعة صباحا». ورغم هذه الصيغة إلا أن قانون العمل فى الوقت نفسه لا يحظر عمل النساء فى هذه الأوقات بشكل قاطع. لذا فإن بعض الآراء المدافعة عن حق المرأة فى العمل قد اقترحت تعديلات على قانون العمل، ومنها ما قدمته مؤسسة المرأة الجديدة، عن تعديل مواد مثل المادة رقم 91 الخاصة «بتحديد الأعمال الضارة صحيا أو أخلاقيا وكذلك الأعمال الشاقة وغيرها من الأعمال التى لا يجوز تشغيل النساء فيها». وهو ما اعتبره البعض نوعا من تمييز غير المستحب ضد المرأة.
ترى مى صالح الباحثة فى مؤسسة المرأة الجديدة، أن الهدف من الاعتراض على مثل هذه المواد، يأتى سعيا لإغلاق باب التمييز بين المرأة والرجل، فقد ترغب امرأة فى العمل على مسئوليتها فى أى مجال، لذا فإن المؤسسة تقترح فتح المجال، بأن تكون هناك موافقة كتابية على الأعمال التى قد تمثل خطورة.
وتضيف قائلة: «الأصل هو الإباحة وليس التقييد فى العمل، وعلينا ألا نفتح المجال لفكرة أن هناك ما يناسب المرأة ومالا يناسبها، حتى لا يصبح ذلك بابا للتضييق، خاصة حين نعلم أن هناك قضايا أخرى متعلقة بعمل المرأة، مثل التمييز فى الأجور».
وسط تلك الصعوبات التى تواجهها شريحة من النساء فى العمل الليلى، لكن الصورة العامة لعمل المرأة توضح صعوبات أخرى خاصة بأجور المرأة فى مقابل أجور الرجل، إذ يبلغ متوسط دخل الفرد الأسبوعى للعاملين الذكور فى كل من القطاع العام والأعمال العام والقطاع الخاص هو 769 جنيها، بينما يبلغ متوسط الأجر الأسبوعى للعاملات الإناث 714 جنيها، وذلك حسب أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فى تقريره السنوى لإحصاءات التوظيف والأجور وساعات العمل.
وتكشف تجربة التواصل مع عدد من النساء اللاتى يضطررن إلى العمل فى أوقات متأخرة من الليل، قد كشفت عن أمور تجمعهن، رغم اختلاف ثقافتهن، من أهمها أنهن لا يبدين فخرا بالعمل لأوقات متأخرة من الليل، بل رفض عدد منهن الحديث عن تلك التجربة بسبب ما يرد فى أذهان البعض من ارتباط بين العمل ليلا للمرأة والصورة النمطية عن سوء السلوك.
PDF

Friday, February 27, 2015

«النقل الثقيل».. يغامر بين مصر وليبيا

- رئيس الجمعية العامة للنقل البرى: اتخذنا قرارًا مبكرًا بالامتناع عن الذهاب إلى ليبيا
- سائق: نواجه بلطجة داخل ليبيا.. ونضطر إلى دفع "إتاوات" للمرور
- مدير شركة نقل: نعتمد على العلاقات مع القبائل العربية لتأمين سياراتنا

قضى حسين المصرى 23 سنة عمل فى مجال النقل البرى، أدار فيها الكثير من عمليات الشحن والنقل إلى دول، مثل الإمارات والسعودية والكويت وغيرها، بينما ظلت ليبيا على رأس أولوياته لسهولة الانتقال بين الجانبين، وهو ما تغير فى السنوات الماضية بعد تدهور الأوضاع الأمنية فى الجانب الليبى.
"كانت عمليات النقل إلى ليبيا تمثل أحيانا 70% من مجموع أعمالنا، وهذا لسهولة إجراءات الانتقال بين البلدين، وفى العام 2011 انعكس سوء الأحوال الأمنية على مجال النقل الذى توجه إلى دول أخرى، كما أصبح هناك تركيز أكثر على النقل الداخلى، لكن تلك الظروف لم تمنعنى من العمل مع ليبيا". يتحدث حسين المصرى من مكتبه فى حى المعادى، على مسافة غير بعيدة من كورنيش النيل، حيث يتابع أحوال السائقين المتعاونين معه عبر الهاتف، ليتأكد من سهولة ذهابهم وعودتهم من ليبيا.
ويقول المصرى: "كى تدير مثل هذا العمل، عليك أن تستخدم علاقاتك داخل ليبيا، حتى تتأكد من سلامة الطريق". ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ترسيخ العلاقات مع أبناء القبائل العربية الموجودة بين البلدين، الذين يسهلون عملية التجارة وسط أوضاع أمنية سيئة.
تشير أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء إلى أن إجمالى عدد المقطورات المرخصة، قد بلغ 70.0 ألف مقطورة بنسبة 0.09% من إجمالى المركبات المرخصة فى مصر فى العام 2014.
"يحتاج قطاع النقل الثقيل إلى مزيد من الاهتمام، بسبب المشكلات المتعددة التى يواجهها السائقون وأصحاب شركات النقل الثقيل، فهناك الكثير من القطاعات التى تستمد قوتها من قوة قطاع النقل". هنا يتجاوز حسين المصرى الحديث عن ليبيا إلى مشاكل متكررة فى تأخر حصول السائقين على التأشيرات اللازمة للسفر عبر الحدود، قد تصل إلى 20 يوماً.
هذا إلى جانب ما يتعرض له السائقين من تعطيل فى نقاط التبادل التجارى لأسباب روتينية، ضاربا المثل بتعطل سائقيه عدة أيام فى ميناء قسطل البرى، الذى افتتح فى العام الماضى لتسهيل حركة التجارة بين مصر والسودان.
احتجاز وإهانة
تستغرق رحلة الذهاب والعودة بين مصر وليبيا نحو 7 أيام، يقضيها السائق بين القيادة لأكثر من 14 ساعة يوميا، والتوقف عند إحدى النقاط الأمنية للاستراحة والنوم، دون اتخاذ مغامرة القيادة ليلا، خشية التعرض لأذى الطريق.
تلك الرحلة مر بها إبراهيم مشعل السائق الذى يعمل لحساب شركة حسين المصرى، وهو من إحدى قرى مدينة كفر الزيات فى محافظة الغربية، ويعمل على الطريق بين مصر وليبيا منذ العام 2006.
"قبل 6 أشهر تم احتجازى مع عدد من السائقين، ولم أعرف السبب، حتى تم الإفراج عنى فيما بعد".. يتحدث السائق عن صعوبات الطريق وتجربة الاحتجاز.
ويؤكد أنها أمور من السهل أن يتعرض لها السائق فى الطريق، إذ يذكر أنه كثيرا ما يتعرض لفرض "إتاوات" من ميليشيات وأهالى قد تصل إلى 100 دولار أمريكى، ويتعرض لمضايقات وإهانات يتجاوز عنها حتى يتم تسليم "الشحنة" المطلوبة.
ويوضح إبراهيم مشعل سائق النقل الثقيل، أن تلك المضايقات لا تتم عمدا مع المصريين دون غيرهم، بل يتعرض لها الأجانب بشكل عام.
أما الأسوأ من ذلك، فهو ما قد تتعرض له الشاحنات من توقف عند المعبر الحدودى، نتيجة الاضطرابات الأمنية فى الجانب الليبى، ويستكمل قائلاً: "فى آخر مرة انتقلت فيها إلى ميناء السلوم، لم أستطع العبور، وانتظرنا وصول شاحنات ليبية من الداخل، كى تستلم منا الشحنة، وتنقلها إلى الداخل.
فى جانب آخر اختارت شريحة أخرى من أصحاب الشاحنات، الابتعاد عن الطريق بين مصر وليبيا تماماً، هذا ما يوضحه ممدوح السيد، رئيس الجمعية العامة للنقل البرى، بقوله: "تضم الجمعية أعضاء من 24 جمعية لأصحاب الشاحنات على مستوى الجمهورية، واتجه بعضنا إلى الاكتفاء بالنقل الداخلى بين المحافظات، أو إلى دول مثل السعودية والإمارات وغيرها.. وابتعدنا عن ليبيا تماما".
اختارت هذه الفئة الالتزام بقرار الجمعية، التى تعقد الاتفاقات التجارية عنهم مع الزبائن، وينص قرار الجمعية على الابتعاد عن الطريق بين مصر وليبيا، بسبب صعوبة تأمين السائقين، والشاحنات.
"كان العصر الذهبى للنقل البرى بين مصر وليبيا فى فترة التسعينيات، لكن الواقع الحالى يفرض علينا أن نحمى أنفسنا، وتحمل خسارة النقل بين مصر وليبيا". هكذا يختم رئيس الجمعية العامة للنقل البرى حديثه.

Saturday, January 10, 2015

الهائمون فى برد الشتاء.. الشارع لهم والطقس عليهم

- التضامن الاجتماعى: لدينا دور للمسنين والمتسولين وليس دورنا جذب المشردين إليها
- حملة مكافحة البرد: خطوط ساخنة لتلقى البلاغات عن حالات تحتاج الدعم
- محمد الدويك: مواقع التواصل الاجتماعى تحولت إلى إحدى أدوات العمل الأهلى
- جمعية رسالة نور على نور: إجراءات التأكد ضرورية قبل الدعم واحذروا المحتالين
- المجلس القومى للصحة النفسية: القانون ينظم التعامل مع المشرد المريض
- الدكتــور أحمد عبدالله: الفصام والزهايمر والصدمات أهم مشاكلهم
قبل سنوات قليلة، لم يكن «حمدى الرُبع» سوى شاب ثلاثينى، يسكن فى شارع القدسى بمنطقة حدائق القبة، لديه سكن مستقر ويعمل فنى سيارات، ثم تغير كل شئ قبل حوالى عام. «أنا كنت شقى وبتاع مشاكل، لكن المرض وقلة الفلوس وصلتنى للحالة دى». يتحدث حمدى الربع ــ كما هو معروف فى تلك الناحية ــ عن ماضيه الذى تغير تماما، يجلس فوق مرتبة وبطانية أصابهما غبار الشارع، حيث يحتمى من برد الشتاء القارس خلف كشك للسجائر. وعلى مدى الشهور الماضية كانت الحديقة المطلة على نهاية شارع مصر والسودان هى المأوى الوحيد لحمدى، الذى أتم عامه الأربعين مؤخرا.
أحيانا ما تتحرك حوله الكلاب الضالة، وفى أوقات النهار ينبهه عمال هيئة تجميل القاهرة حين يبدأوا فى رى الحديقة بالمياه، ولا يتحرك من مكانه سوى بعكاز معدنى قديم أصابه الصدأ.
يتحدث قائلا «أصبت بجلطة فى الساق أقعدتنى عن العمل، وتزامن هذا مع أزمة مالية تسببت فى طردى من المنزل الإيجار الذى سكنته قبل سنوات طويلة، واستلمه المالك الأصلى.. منذ ذلك الوقت وأنا مقيم هنا فى الشارع، وليس لدى من يسأل عنى أو يهتم».
ليس هناك إحصاء لمن يتخذون الرصيف سكنا لهم مثلما يفعل حمدى، أما أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فقد انحصرت فى تحديد نسبة الأطفال الفقراء المحرومين من المأوى والتى بلغت نسبتهم 13.5% من الأطفال الفقراء، بينما يقدر الجهاز نسبة الأطفال الفقراء بـ 26.4% من مجمل الأطفال المصريين، أما المشردون من الشباب والمسنين، فلا يوجد إحصاء رسمى لهم.
يعود حمدى الربع ليتحدث باقتضاب عن أزمته الحالية قائلا: «كل ما أطلبه من الحياة الآن، هو سكن بحمام، على أمل استعادة حياتى مرة أخرى». لا يرغب فى الحديث عن تفاصيل المساعدات التى يتلقاها بشكل عفوى من أهل الخير، محاولا إخفاء انكساره حين يتذكر ماضيه كشخص مثير للمشاكل، بينما لا يجد ما يسلى وقته سوى متابعة حركة الشارع من بعيد، أو أن يتلقى تحية عابرة من جار قديم، وفى اوقات احتياجه لاستخدام الحمام، فليس أمامه سوى دورة المياه العمومية التى يتصادف وجودها فى الجانب الآخر من الطريق.
ومع غياب وجود أرقام عن عدد المشردين فى شوارع مصر، تبدو خطط وزارة التضامن الاجتماعى محدودة، وعاجزة عن تعريف أبناء هذه الشريحة بحقوقهم، ويقول كمال الشريف، رئيس الإدارة المركزية لمكتب الوزيرة، إن هناك دورا للمسنين والمتسولين تابعة للوزارة، وأنه بإمكان المشردين الالتحاق بها قبل أن يضيف «المشكلة هى من الذى سيأتى بهم من الشارع إلى الوزارة؟». يطرح المسئول الحكومى سؤاله، مستبعدا أى دور للوزارة فى جذب المشردين للالتحاق بهذه الدور أو عمل قوافل طبية بين الحين والآخر لهم، إذ يرى أن تقديم أغطية ومساعدات لهؤلاء تأتى عن طريق منظمات المجتمع المدنى، إلى جانب ما يراه من أن تنقل هؤلاء المشردين من مكان لآخر، يزيد من صعوبة حصرهم مستقبليا.
أما الجمعيات الخيرية، فهى أيضا تواجه أزمة فى التعامل مع أبناء هذه الشريحة، فبينما تتخصص بعض الجمعيات فى متابعة قضية أبناء الشوارع من صغار السن، يغيب عن برامجها من يقطنون الشارع من الشباب والمسنين، وهو ما تشرحه رينيه لاشين مسئولة العلاقات العامة فى جمعية رسالة نور على نور، التى تخصص برامج خيرية لدعم الأسر الفقيرة التى تقطن العشش والبيوت المتهالكة. وتشرح ذلك «هذه الشريحة من المشردين الفرادى لا تدخل فى نطاق عملنا، فلا توجد إحصائيات عنهم ولا توجد وسيلة لحصرهم أوالتعامل المنهجى أو المؤسسى معهم، لكننا نتعامل بشكل فردى مع هذه الحالات.
وتشير إلى أن الجمعية ترسل باحثا اجتماعيا إلى أماكن وجود المشردين، وكتابة تقرير عن المطلوب للحالة سواء كان علاجا شهريا أو عملية جراحية أو معاشا شهريا». ولا تخفى مسئولة العلاقات العامة فى جمعية رسالة نور على نور وجود بعض الحالات التى تحترف الحصول على إعانات من الجمعيات الخيرية، للدرجة التى تدفع بعضهم إلى استئجار مكان متهالك فى منطقة مثل منشية ناصر، لإثبات مدى استحقاقهم.. وهو ما تصفه بالاحتيال والنصب.
وتختم حديثها «الإجراءات المتبعة مع المشردين، هى أن يتقدم المتبرع بدعم إحدى الحالات إلى الجمعية، وأن يقدم مبلغ تبرعه مع الإبلاغ عن مكان تواجد الشخص المراد مساعدته، وعلى الجمعية أن تتأكد من مدى استحقاق المشرد للإعانة».

مضايقات المارة
ليست وحدها مشاكل البرد القارس ولا العيش دون مأوى هى ما يواجهه المشردون فى حياتهم اليومية، بل هناك مشاكل من نوع آخر يتعرضون لها من المارة، تمر سريعا فى ذاكرتهم محاولين نسيانها، هذا ما تعرض له «على»، الرجل الأربعينى المستتر أسفل عدد من البطانيات فى شارع قصر العينى، قد لا يلفت نظر كثيرين وهو نائم خلف محطة للأتوبيس على أول الشارع، فهو لا يظهر سوى ليلا، محاولا النوم حتى الصباح.
يروى «على» الذى اكتفى بذكر اسمه الأول، أنه قدم من محافظة بنى سويف قبل سنوات، مخفيا سبب ابتعاده عن أهله، قائلا «هناك مشاكل تمنعنى من استمرار الحياة معهم». وفى هذا المكان لا يستطيع ان يحمى نفسه بشكل كامل، إذ أحيانا ما يضايقه بعض المارة من المراهقين بأساليب مختلفة، لكنه يتناسى ذلك محاولا استكمال نومه.
«كنت أسكن الرصيف فى شارع مجاور لشارع قصر العينى، لكننى تعرضت لمضايقات من مجهولين، أخذوا كل ما معى، حتى أنهم أخذوا بطاقتى الشخصية أيضا». يتحدث بمرارة، محاولا عدم الاستطراد فى الكلام، إذ إن أمامه وقت قصير من منتصف الليل حتى ضوء الفجر كى يستطيع النوم.
عمل فى مخبز فى منطقة السيدة زينب، لكنه سرعان ما تركه، مبررا ذلك بقوله «كانت شروط البيات داخل المخبز أن يتم استغلالى فى أعمال شاقة، فتركت العمل إلى عمل جديد». أحيانا ما يستيقظ «على» ليفاجأ بأن هناك من ترك جواره وجبة إفطار، لكنه نجح مؤخرا فى الحصول على عمل من نوع مختلف، إذ تتلخص مهمته اليومية فى جمع علب المياه الغازية الفارغة، وبيعها إلى تجار متخصصين فى هذا النوع من النفايات، وبإمكانه أن يحصل فى أفضل الظروف على 30 جنيها عن اليوم.. لكنها مهنة غير مضمونة على حد قوله.

تفاؤل ومساندة
ما هو مستقبل أبناء هذه الشريحة إذا ما أصابهم المرض؟ هذا ما ترويه قصة شهيرة تداولها مستخدمو موقع فيس بوك فى الشتاء الماضى، عن المواطن محمد حسن يوسف الذى نقل قصته بالصورة أحد مستخدمى الموقع على صفحته الشخصية، إذ كان قد تعرض هذا المشرد المريض للطرد من مستشفى إمبابة العام، وظل يعانى المرض على رصيف مجاور للمستشفى قبل أن يموت.
ليست كل القصص المتداولة عن المشردين فى مواقع التواصل الاجتماعى بهذه المأساوية، فهناك قصة أخرى كتبها الكاتب والباحث محمد الدويك على صفحته تعود إلى الشتاء الماضى هى الأخرى، عن «عم عادل» الرجل الستينى الذى كان يقضى الشتاء على الرصيف، مستخدما أحد أجولة الدقيق فى حماية نفسه من البرد، ويروى محمد الدويك عن محاولاته مساعدة هذا الرجل بعد أن نشر قصته على فيس بوك، إذ تلقى الكثير من عروض المساعدة، لكنها لم تكن على درجة كافية من الجدية، ويستكمل قائلا «المفاجأة أن الذى قدم المساعدة لعم عادل، كان أحد المصريين العاملين فى الخارج، دفع إيجار سنة مقدما فى شقة سكنية، حتى يسكن الرجل المشرد». ويبدى الدويك تفاؤلا فى جدوى استخدام مواقع التواصل الاجتماعى فى مساندة الفقراء والمهمشين بشكل عام، ضاربا المثل بقصة أخرى عن طفلة صغيرة نشر قصتها عبر صفحته، كانت فى حاجة إلى إجراء عملية جراحية دقيقة، وساهم بعض من قرأوا القصة فى دعمها، حتى تمت استضافتها فى مستشفى تابع للقوات المسلحة. وهو ما يدفعه إلى أن يقول «لقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعى إلى إحدى أدوات العمل الأهلى.. وهو ما يجب أن يظل فعالا فى الفترة المقبلة».

سرقة مشرد
بعض الحالات لم تصل إلى فيس بوك، ولم تجد من يدعمها بشكل منظم، ففى حى الزمالك الراقى، قصة أخرى لم تجد من يدعمها لسنوات، هى قصة محسن محمد، الرجل الخمسينى القاطن فوق رصيف شارع 26 يوليو فى الزمالك، وفى ليلة بلغت فيها درجة الحرارة حوالى 11 درجة مئوية، وبينما الساعة تقترب من العاشرة مساء، أعلن صوت المذيع من تليفزيون مقهى مجاور عن موجة صقيع قادمة، قليل من المارة دفعهم البرد للاحتماء بالكثير من الملابس، بينما يجلس الرجل الخمسينى، تحت كوبرى 15 مايو ملتحفا بالأغطية، واضعا لفافة على رأسه بالكاد تطل منها عيناه.
يتذكر، الحاج محسن محمد، الذى تكسو التجاعيد وجهه، كيف لم يبرح مكانه هذا منذ خمس سنوات، محتملا نهارا شديد الحرارة فى الصيف، وليلا قارس البرودة فى الشتاء، ما زال يذكر كيف أجبرته إدارة محطة مصر على مغادرة مصدر رزقه، كبائع متجول وقامت بتهشيم كشكه، ليخرج إلى الشارع هو وبناته الخمس وتتفرق بهم السبل، وتتركه زوجته كى تتزوج بآخر، بعدما لم يستطع دفع 250 جنيها هى إيجار شقته بالكيت كات، ويبقى رصيف أحد الشوارع بحى الزمالك مأواه الدائم منذ خمسة أعوام.
الأغطية الخشنة التى يلتحف بها الحاج محسن أعطاها له بعض المارة، لكنه تعرض لسرقات من مشردين آخرين، يصفها باقتضاب «ممكن يكونوا محتاجين يناموا أو بيضايقونى» يقول معقبا قبل أن يشير إلى أنه تمت سرقته مرات عدة، ويضيف «معى نقود قليلة، أحصل عليها من اهل الخير، كلها أنفقها فى الطعام والعلاج».
يعانى محسن من كسر بإحدى فقرات العمود الفقرى، لذا يحاول أن يدخر مبلغا ضئيلا كل فترة من أجل العلاج، لكنه فى الوقت ذاته لا يمانع فى أن يعمل.
قد تبدو هذه القصص كحالات فردية قليلة، لكن الدخول على صفحة جمعية رسالة للأعمال الخيرية، تكشف عن وجود آخرين قد أجبرتهم الظروف على اختيار الشارع مأوى لهم، ومؤخرا تبنت الجمعية حملة تحت اسم «مكافحة البرد» لتوزيع الاحتياجات على المشردين فى الشوارع، وتلقت الصفحة على فيس بوك عددا من البلاغات عن حالات خارج القاهرة وداخلها، كما خصصت الجمعية خطا ساخنا لتلقى البلاغات تليفونيا.
يقول صلاح الجمل، مسئول مبادرة مكافحة البرد التى اطلقتها جمعية رسالة، أنهم خصصوا قوافل طبية لرعاية المشردين فى شوارع القاهرة وتقديم العلاج لهم، وذلك قبل أن يجروا بعض الأبحاث فى حلوان والسيدة زينب من أجل رصد أعداد المشردين وتقديم أغطية وملابس شتوية لهم.
ويشير مسئول الحملة إلى أن مبادرة «مكافحة البرد» ليست الوحيدة التى اطلقتها الجمعية ولكنهم لديهم مبادرة أخرى حملت اسم «ستر ودفا» للمساعدة بشكل عاجل فى تقديم الأغطية الكافية لمن ليس لهم مأوى مع الانخفاض الشديد فى درجات الحرارة.

مرضى نفسيون ينتظرون علاجـًا لا يأتى
يحرك الرجل يديه فى الهواء بعصبية، مطلقا صيحات غير مفهومة للمارة، يسير وفى يده حقيبة بلاستيكية كبيرة، وفى يده الأخرى عصا غليظة، بينما يبدو وجهه متسخا من أثر الحياة فى الشارع.
الاقتراب من الرجل العصبى لا يسفر عن الكثير، إذ يستمر فى التلويح بيديه مطالبا الابتعاد عنه، ما يمنع أى محاولة للاستفسار منه عن قصته أو كيفية حصوله على الطعام.
لا يوجد إثبات أو دليل على إصابة الرجل بمرض نفسى أو عقلى، سوى ما يظهره من حركات غير مفهومة للمارة، ومع محاولة متابعته فى أثناء حركته فى محيط ميدان التحرير، بدأ بعض المارة فى إطلاق التحذيرات من محاولة تتبعه، بينما واصل هو تحركه من مكان لآخر، حتى استقر فى ركن مجاور للميدان.
«لا يمكن التأكد من إصابة إنسان بمرض نفسى أو عقلى سوى بعد إجراء الكشف الطبى، وليس كل مشرد مصاب بمرض نفسى مكانه مستشفى الصحة النفسية والعقلية، فهناك من يمكنه متابعة العلاج دون إقامة فى المستشفى». الحديث هنا للدكتور تامر زغلول مدير العلاقات العامة فى المجلس القومى للصحة النفسية، الذى يؤكد على أن هناك إجراءات ينظمها القانون رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسى، والهدف منه هو إغلاق باب الشكاوى الكيدية فى حق المريض النفسى، وضمان حمايته.
تنص المادة رقم 13 من قانون رعاية المريض النفسى على عدم إمكانية إيداع أحد المرضى بأحد مستشفيات الصحة النفسية، سوى بعد عدد من الاجراءات، إذ تنص هذه المادة على أنه «لا يجوز إدخال أى شخص إلزاميا للعلاج بإحدى منشآت الصحة النفسية إلا بموافقة طبيب متخصص فى الطب النفسى، وذلك عند وجود علامات واضة تدل على وجود مرض نفسى شديد، وعند وجود احتمال لتدهور شديد ووشيك للحالة النفسية، أو إذا كانت أعراض المرض النفسى تمثل تهديدا جديا ووشيكا لسلامة المريض النفسى أو سلامة من حوله».
هنا يعود السؤال مرة أخرى عن كيفية مساندة المشردين المصابين بأمراض نفسية، وهنا يعود الحديث إلى الدكتور تامر زغلول الذى يذكر عددا من الاجراءات التى ينظمها القانون، فى حالة وجوب إيداع مريض بالمستشفى، أن يتم ذلك بناء على طلب مكتوب، من أحد أقارب المريض حتى الدرجه الثانية، أو من أحد ضباط قسم الشرطة، أو الإخصائى الاجتماعى التابع لوزارة التضامن الاجتماعى بالمنطقة، أو عن طريق مفتش الصحة المختص.
ويشير زغلول إلى أنه فى حالة كون المريض غير حامل للجنسية المصرية، فتقع مهمة تقديم الطلب عن طريق قنصل الدولة التى ينتمى إليها المريض الأجنبى، وتتيح هذه الإجراءات التى ينظمها قانون رعاية المريض النفسى، أن يتم تطبيقها مع المشردين المصابين بأمراض نفسية.
وبعيدا عن هذه الاجراءات يبدو صوت هذه الفئة من المشردين خافتا، وتصعب محاولات التواصل معهم، على سبيل المثال، أجرينا محاولات للتواصل مع أحدهم فى الحديقة المجاورة لنفق أبو حشيش قرب حى العباسية، حيث جلس الشاب ذو الملامح الثلاثينية ليدخن سيجارة فى هدوء، بعد فترة من تحدثه مع نفسه، «محمد» الذى نطق اسمه بعد محاولات متكررة للتواصل معه، رد مجيبا عن الأسئلة بعبارات بسيطة، مبديا رفضه العودة إلى المنزل، وطلب مالا يشترى به ما يأكله، ومع تكرار بعض الأسئلة عن أحواله المعيشية رفض الحديث، وطلب مغادرتى من المنطقة المحيطة به.
«نسبة كبيرة من المشردين الكبار، قد يكون لديهم اضطراب نفسى جسيم ناتج عن صدمات تعرضوا لها، وبعضهم يكون لديهم فصام أو زهايمر، ونسبة كبيرة منهم ليس لديهم مقر للإقامة فيضطرون للجوء إلى الشارع».. الحديث هنا للدكتور أحمد عبدالله مدرس الطب النفسى بجامعة الزقازيق، الذى يرى ضرورة أن يتعامل الأهالى بشكل جيد مع المشردين، وأن يحاولوا مساعدتهم بتقديم بعض الأغذية أو الأغطية لتقيهم من برد الشتاء، لكنه فى الوقت ذاته يشير إلى ضرورة اهتمام العديد من منظمات المجتمع المدنى بقضية المشردين من كبار السن، مثلما يجرى الاهتمام بقضية الأطفال الذين بلا مأوى.
PDF

Saturday, December 20, 2014

المنوفية.. شاهد عيان على تراجع المسرح خارج القاهرة

أحمد الصعيدي يشير إلى أطلال مسرح الماي - تصوير: عبدالرحمن مصطفى
 
-         الشاعر أحمد الصعيدي: بيت ثقافة "الماي" أمل عودة المسرح إلى القرية

-         المخرج أحمد عباس : شباب المسرحيين يعملون في أسوأ الظروف
-         مدير عام ثقافة المنوفية: مسرح ثقافة "شبين الكوم" سيعود في العام القادم


أمام أطلال مسرح قرية الماى التابعة لمركز شبين الكوم فى محافظة المنوفية، يقف الشاعر والمؤلف المسرحى أحمد الصعيدى مشيرا بيده إلى ساحة فضاء، حيث كانت تقام عروض فرقة الماى المسرحية، التى عمل بها ممثلا ومؤلفا قبل نحو حوالى 30 سنة.
يقول الصعيدى: «شهدت تأسيس مسرح الماى وأنا طفل صغير فى العام 1970، ورأيت الفنان الراحل سعد الدين وهبة، وهو يشرف بنفسه على البناء، ثم شاركت فى نشاطه حتى توقف تماما.. أما الآن فأسعى وراء بادرة أمل جديدة». ضم بيت ثقافة الماى مسرحا على الطراز الرومانى تتبعه فرقة مسرحية، وكانت الدولة تراهن فى هذا المشروع على تعزيز وجود المسرح داخل القرية المصرية، لكن إهمال المسرح فى السنوات التالية، تسبب فى إيقاف نشاطه بتوصية من إدارة الحماية المدنية فى العام 2005، واستمرت باقى الأنشطة فى مبنى مجاور، بينما تهدم المسرح حسبما تروى أسماء أحمد مدير بيت ثقافة الماى.
يشير أحمد الصعيدى إلى بقايا سور متهدم، قائلا: «استخدم بعض الأهالى حجارة المسرح لأغراضهم الخاصة». لم يستطع أحد إعادة إحياء مسرح القرية، إذ آلت تبعية الأرض إلى «المحليات»، ما أعاق إعادة بناء مسرح بيت ثقافة الماى، أو نقل تبعيته إلى وزارة الثقافة. «تم حل الأزمة بعد كل هذه السنوات مؤخرا، حين صدر قرار تخصيص من المجلس التنفيذى لمحافظة المنوفية بمساحة 850 مترا مربعا لصالح الهيئة العامة لقصور الثقافة، فى الموقع القديم لمسرح ثقافة الماى». يتوقف عن الحديث قليلا، ثم يضيف: «أدعو وزارة الثقافة أن تقيم سورا لحماية أملاكها من البلطجية».
وإلى جانب ما كان يتم من نشاط مسرحى فى بيت ثقافة الماى، فقد كان هناك نشاط موازٍ يشارك فيه أحمد الصعيدى فى قصر ثقافة شبين الكوم، وهو ما شاركه فيه زميله المخرج أحمد عباس، حيث ضم قصر الثقافة فى عاصمة محافظة المنوفية مسرحا لائقا، وفرقة مسرحية تابعة له.
فى نادى التجارة المطل على النيل فى مدينة شبين الكوم، وعلى بعد 4 كيلومترات من قرية الماى، يجلس المخرج أحمد عباس وسط زملائه وعدد من شباب المسرحيين، ليتفقوا جميعا على أن الحياة المسرحية متوقفة منذ إغلاق مبنى قصر ثقافة شبين الكوم، بسبب أعمال الإحلال والتجديد فى العام 2006. «بدأت صلتى بقصر ثقافة شبين الكوم فى العام 1979، وبعد توقف نشاط الفرقة المسرحية، أصبحت أكثر تفرغا للعمل مع الفرق الجامعية..». يتحدث المخرج أحمد عباس عن غياب وجود مسرح حقيقى فى المحافظة يستوعب المواهب الشابة، فى الوقت الذى تعانى فيه المحافظة أيضا من غياب دور السينما. فى السنوات الماضية، تلاشى جيل من الشباب الموهوبين، بسبب عدم وجود فرصة للأداء المسرحى، عند هذه النقطة ينتقل الحديث إلى أحمد عمر طالب الدراسات العليا فى كلية التجارة بجامعة المنوفية، يقول: «منذ أن بدأت فى ممارسة العمل المسرحى، لم أر مسرح قصر ثقافة شبين الكوم، ولم أتعامل هنا فى المنوفية سوى مع مدرجات الجامعة التى تستوعبنا فى عرض المسابقة السنوية لليلة واحدة». يتحدث أحمد عمر وسط زملائه الذين لم يجدوا حلا سوى تأسيس فرقة مستقلة تحت اسم «ملامح»، كى يستطيعوا من خلالها المنافسة والمشاركة فى مهرجانات المسرح المتنوعة، بينما لا يستطيعون أداء التدريبات المسرحية سوى فى قاعات مؤجرة أو فى منازلهم.
حسب تصريحات حكومية فإنه من المتوقع أن يتم افتتاح قصر ثقافة شبين الكوم فى يونيو من العام المقبل، بعد ضغوط ازدادات مؤخرا كى يتم إحياء العمل المسرحى فى المحافظة.


يقول سامي أبو المجد مدير عام الثقافة في محافظة المنوفية: "سيتم إعادة تأسيس الفرقة القومية لمحافظة المنوفية في قصر ثقافة شبين الكوم بعد افتتاحه، ورغم استمرار بقية أنشطة قصر الثقافة في أماكن بديلة طوال الفترة الماضية، لكننا لم نستطع أن نستكمل عمل الفرقة المسرحية دون خشبة مسرح". ويراهن بعض الشباب المستمرين في نشاطهم المسرحي على أن يكونوا ضمن الفرقة المزمع إنشاؤها بعد عودة النشاط المسرحي في قصر الثقافة الرئيسي.
حتى ذلك الحين، يستمر أحمد الصعيدي المؤلف المسرحي، متابعا لمستقبل إحياء مسرح ثقافة الماي، متسائلا إن كان في الإمكان أن يعود المسرح مرة أخرى إلى قريته، بينما يستمر المخرج أحمد عباس وشباب فرقة ملامح المسرحية في سعيهم للعمل بأقل التكاليف.
  PDF