Friday, February 27, 2015

«النقل الثقيل».. يغامر بين مصر وليبيا

- رئيس الجمعية العامة للنقل البرى: اتخذنا قرارًا مبكرًا بالامتناع عن الذهاب إلى ليبيا
- سائق: نواجه بلطجة داخل ليبيا.. ونضطر إلى دفع "إتاوات" للمرور
- مدير شركة نقل: نعتمد على العلاقات مع القبائل العربية لتأمين سياراتنا

قضى حسين المصرى 23 سنة عمل فى مجال النقل البرى، أدار فيها الكثير من عمليات الشحن والنقل إلى دول، مثل الإمارات والسعودية والكويت وغيرها، بينما ظلت ليبيا على رأس أولوياته لسهولة الانتقال بين الجانبين، وهو ما تغير فى السنوات الماضية بعد تدهور الأوضاع الأمنية فى الجانب الليبى.
"كانت عمليات النقل إلى ليبيا تمثل أحيانا 70% من مجموع أعمالنا، وهذا لسهولة إجراءات الانتقال بين البلدين، وفى العام 2011 انعكس سوء الأحوال الأمنية على مجال النقل الذى توجه إلى دول أخرى، كما أصبح هناك تركيز أكثر على النقل الداخلى، لكن تلك الظروف لم تمنعنى من العمل مع ليبيا". يتحدث حسين المصرى من مكتبه فى حى المعادى، على مسافة غير بعيدة من كورنيش النيل، حيث يتابع أحوال السائقين المتعاونين معه عبر الهاتف، ليتأكد من سهولة ذهابهم وعودتهم من ليبيا.
ويقول المصرى: "كى تدير مثل هذا العمل، عليك أن تستخدم علاقاتك داخل ليبيا، حتى تتأكد من سلامة الطريق". ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ترسيخ العلاقات مع أبناء القبائل العربية الموجودة بين البلدين، الذين يسهلون عملية التجارة وسط أوضاع أمنية سيئة.
تشير أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء إلى أن إجمالى عدد المقطورات المرخصة، قد بلغ 70.0 ألف مقطورة بنسبة 0.09% من إجمالى المركبات المرخصة فى مصر فى العام 2014.
"يحتاج قطاع النقل الثقيل إلى مزيد من الاهتمام، بسبب المشكلات المتعددة التى يواجهها السائقون وأصحاب شركات النقل الثقيل، فهناك الكثير من القطاعات التى تستمد قوتها من قوة قطاع النقل". هنا يتجاوز حسين المصرى الحديث عن ليبيا إلى مشاكل متكررة فى تأخر حصول السائقين على التأشيرات اللازمة للسفر عبر الحدود، قد تصل إلى 20 يوماً.
هذا إلى جانب ما يتعرض له السائقين من تعطيل فى نقاط التبادل التجارى لأسباب روتينية، ضاربا المثل بتعطل سائقيه عدة أيام فى ميناء قسطل البرى، الذى افتتح فى العام الماضى لتسهيل حركة التجارة بين مصر والسودان.
احتجاز وإهانة
تستغرق رحلة الذهاب والعودة بين مصر وليبيا نحو 7 أيام، يقضيها السائق بين القيادة لأكثر من 14 ساعة يوميا، والتوقف عند إحدى النقاط الأمنية للاستراحة والنوم، دون اتخاذ مغامرة القيادة ليلا، خشية التعرض لأذى الطريق.
تلك الرحلة مر بها إبراهيم مشعل السائق الذى يعمل لحساب شركة حسين المصرى، وهو من إحدى قرى مدينة كفر الزيات فى محافظة الغربية، ويعمل على الطريق بين مصر وليبيا منذ العام 2006.
"قبل 6 أشهر تم احتجازى مع عدد من السائقين، ولم أعرف السبب، حتى تم الإفراج عنى فيما بعد".. يتحدث السائق عن صعوبات الطريق وتجربة الاحتجاز.
ويؤكد أنها أمور من السهل أن يتعرض لها السائق فى الطريق، إذ يذكر أنه كثيرا ما يتعرض لفرض "إتاوات" من ميليشيات وأهالى قد تصل إلى 100 دولار أمريكى، ويتعرض لمضايقات وإهانات يتجاوز عنها حتى يتم تسليم "الشحنة" المطلوبة.
ويوضح إبراهيم مشعل سائق النقل الثقيل، أن تلك المضايقات لا تتم عمدا مع المصريين دون غيرهم، بل يتعرض لها الأجانب بشكل عام.
أما الأسوأ من ذلك، فهو ما قد تتعرض له الشاحنات من توقف عند المعبر الحدودى، نتيجة الاضطرابات الأمنية فى الجانب الليبى، ويستكمل قائلاً: "فى آخر مرة انتقلت فيها إلى ميناء السلوم، لم أستطع العبور، وانتظرنا وصول شاحنات ليبية من الداخل، كى تستلم منا الشحنة، وتنقلها إلى الداخل.
فى جانب آخر اختارت شريحة أخرى من أصحاب الشاحنات، الابتعاد عن الطريق بين مصر وليبيا تماماً، هذا ما يوضحه ممدوح السيد، رئيس الجمعية العامة للنقل البرى، بقوله: "تضم الجمعية أعضاء من 24 جمعية لأصحاب الشاحنات على مستوى الجمهورية، واتجه بعضنا إلى الاكتفاء بالنقل الداخلى بين المحافظات، أو إلى دول مثل السعودية والإمارات وغيرها.. وابتعدنا عن ليبيا تماما".
اختارت هذه الفئة الالتزام بقرار الجمعية، التى تعقد الاتفاقات التجارية عنهم مع الزبائن، وينص قرار الجمعية على الابتعاد عن الطريق بين مصر وليبيا، بسبب صعوبة تأمين السائقين، والشاحنات.
"كان العصر الذهبى للنقل البرى بين مصر وليبيا فى فترة التسعينيات، لكن الواقع الحالى يفرض علينا أن نحمى أنفسنا، وتحمل خسارة النقل بين مصر وليبيا". هكذا يختم رئيس الجمعية العامة للنقل البرى حديثه.

Saturday, January 10, 2015

الهائمون فى برد الشتاء.. الشارع لهم والطقس عليهم

- التضامن الاجتماعى: لدينا دور للمسنين والمتسولين وليس دورنا جذب المشردين إليها
- حملة مكافحة البرد: خطوط ساخنة لتلقى البلاغات عن حالات تحتاج الدعم
- محمد الدويك: مواقع التواصل الاجتماعى تحولت إلى إحدى أدوات العمل الأهلى
- جمعية رسالة نور على نور: إجراءات التأكد ضرورية قبل الدعم واحذروا المحتالين
- المجلس القومى للصحة النفسية: القانون ينظم التعامل مع المشرد المريض
- الدكتــور أحمد عبدالله: الفصام والزهايمر والصدمات أهم مشاكلهم
قبل سنوات قليلة، لم يكن «حمدى الرُبع» سوى شاب ثلاثينى، يسكن فى شارع القدسى بمنطقة حدائق القبة، لديه سكن مستقر ويعمل فنى سيارات، ثم تغير كل شئ قبل حوالى عام. «أنا كنت شقى وبتاع مشاكل، لكن المرض وقلة الفلوس وصلتنى للحالة دى». يتحدث حمدى الربع ــ كما هو معروف فى تلك الناحية ــ عن ماضيه الذى تغير تماما، يجلس فوق مرتبة وبطانية أصابهما غبار الشارع، حيث يحتمى من برد الشتاء القارس خلف كشك للسجائر. وعلى مدى الشهور الماضية كانت الحديقة المطلة على نهاية شارع مصر والسودان هى المأوى الوحيد لحمدى، الذى أتم عامه الأربعين مؤخرا.
أحيانا ما تتحرك حوله الكلاب الضالة، وفى أوقات النهار ينبهه عمال هيئة تجميل القاهرة حين يبدأوا فى رى الحديقة بالمياه، ولا يتحرك من مكانه سوى بعكاز معدنى قديم أصابه الصدأ.
يتحدث قائلا «أصبت بجلطة فى الساق أقعدتنى عن العمل، وتزامن هذا مع أزمة مالية تسببت فى طردى من المنزل الإيجار الذى سكنته قبل سنوات طويلة، واستلمه المالك الأصلى.. منذ ذلك الوقت وأنا مقيم هنا فى الشارع، وليس لدى من يسأل عنى أو يهتم».
ليس هناك إحصاء لمن يتخذون الرصيف سكنا لهم مثلما يفعل حمدى، أما أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فقد انحصرت فى تحديد نسبة الأطفال الفقراء المحرومين من المأوى والتى بلغت نسبتهم 13.5% من الأطفال الفقراء، بينما يقدر الجهاز نسبة الأطفال الفقراء بـ 26.4% من مجمل الأطفال المصريين، أما المشردون من الشباب والمسنين، فلا يوجد إحصاء رسمى لهم.
يعود حمدى الربع ليتحدث باقتضاب عن أزمته الحالية قائلا: «كل ما أطلبه من الحياة الآن، هو سكن بحمام، على أمل استعادة حياتى مرة أخرى». لا يرغب فى الحديث عن تفاصيل المساعدات التى يتلقاها بشكل عفوى من أهل الخير، محاولا إخفاء انكساره حين يتذكر ماضيه كشخص مثير للمشاكل، بينما لا يجد ما يسلى وقته سوى متابعة حركة الشارع من بعيد، أو أن يتلقى تحية عابرة من جار قديم، وفى اوقات احتياجه لاستخدام الحمام، فليس أمامه سوى دورة المياه العمومية التى يتصادف وجودها فى الجانب الآخر من الطريق.
ومع غياب وجود أرقام عن عدد المشردين فى شوارع مصر، تبدو خطط وزارة التضامن الاجتماعى محدودة، وعاجزة عن تعريف أبناء هذه الشريحة بحقوقهم، ويقول كمال الشريف، رئيس الإدارة المركزية لمكتب الوزيرة، إن هناك دورا للمسنين والمتسولين تابعة للوزارة، وأنه بإمكان المشردين الالتحاق بها قبل أن يضيف «المشكلة هى من الذى سيأتى بهم من الشارع إلى الوزارة؟». يطرح المسئول الحكومى سؤاله، مستبعدا أى دور للوزارة فى جذب المشردين للالتحاق بهذه الدور أو عمل قوافل طبية بين الحين والآخر لهم، إذ يرى أن تقديم أغطية ومساعدات لهؤلاء تأتى عن طريق منظمات المجتمع المدنى، إلى جانب ما يراه من أن تنقل هؤلاء المشردين من مكان لآخر، يزيد من صعوبة حصرهم مستقبليا.
أما الجمعيات الخيرية، فهى أيضا تواجه أزمة فى التعامل مع أبناء هذه الشريحة، فبينما تتخصص بعض الجمعيات فى متابعة قضية أبناء الشوارع من صغار السن، يغيب عن برامجها من يقطنون الشارع من الشباب والمسنين، وهو ما تشرحه رينيه لاشين مسئولة العلاقات العامة فى جمعية رسالة نور على نور، التى تخصص برامج خيرية لدعم الأسر الفقيرة التى تقطن العشش والبيوت المتهالكة. وتشرح ذلك «هذه الشريحة من المشردين الفرادى لا تدخل فى نطاق عملنا، فلا توجد إحصائيات عنهم ولا توجد وسيلة لحصرهم أوالتعامل المنهجى أو المؤسسى معهم، لكننا نتعامل بشكل فردى مع هذه الحالات.
وتشير إلى أن الجمعية ترسل باحثا اجتماعيا إلى أماكن وجود المشردين، وكتابة تقرير عن المطلوب للحالة سواء كان علاجا شهريا أو عملية جراحية أو معاشا شهريا». ولا تخفى مسئولة العلاقات العامة فى جمعية رسالة نور على نور وجود بعض الحالات التى تحترف الحصول على إعانات من الجمعيات الخيرية، للدرجة التى تدفع بعضهم إلى استئجار مكان متهالك فى منطقة مثل منشية ناصر، لإثبات مدى استحقاقهم.. وهو ما تصفه بالاحتيال والنصب.
وتختم حديثها «الإجراءات المتبعة مع المشردين، هى أن يتقدم المتبرع بدعم إحدى الحالات إلى الجمعية، وأن يقدم مبلغ تبرعه مع الإبلاغ عن مكان تواجد الشخص المراد مساعدته، وعلى الجمعية أن تتأكد من مدى استحقاق المشرد للإعانة».

مضايقات المارة
ليست وحدها مشاكل البرد القارس ولا العيش دون مأوى هى ما يواجهه المشردون فى حياتهم اليومية، بل هناك مشاكل من نوع آخر يتعرضون لها من المارة، تمر سريعا فى ذاكرتهم محاولين نسيانها، هذا ما تعرض له «على»، الرجل الأربعينى المستتر أسفل عدد من البطانيات فى شارع قصر العينى، قد لا يلفت نظر كثيرين وهو نائم خلف محطة للأتوبيس على أول الشارع، فهو لا يظهر سوى ليلا، محاولا النوم حتى الصباح.
يروى «على» الذى اكتفى بذكر اسمه الأول، أنه قدم من محافظة بنى سويف قبل سنوات، مخفيا سبب ابتعاده عن أهله، قائلا «هناك مشاكل تمنعنى من استمرار الحياة معهم». وفى هذا المكان لا يستطيع ان يحمى نفسه بشكل كامل، إذ أحيانا ما يضايقه بعض المارة من المراهقين بأساليب مختلفة، لكنه يتناسى ذلك محاولا استكمال نومه.
«كنت أسكن الرصيف فى شارع مجاور لشارع قصر العينى، لكننى تعرضت لمضايقات من مجهولين، أخذوا كل ما معى، حتى أنهم أخذوا بطاقتى الشخصية أيضا». يتحدث بمرارة، محاولا عدم الاستطراد فى الكلام، إذ إن أمامه وقت قصير من منتصف الليل حتى ضوء الفجر كى يستطيع النوم.
عمل فى مخبز فى منطقة السيدة زينب، لكنه سرعان ما تركه، مبررا ذلك بقوله «كانت شروط البيات داخل المخبز أن يتم استغلالى فى أعمال شاقة، فتركت العمل إلى عمل جديد». أحيانا ما يستيقظ «على» ليفاجأ بأن هناك من ترك جواره وجبة إفطار، لكنه نجح مؤخرا فى الحصول على عمل من نوع مختلف، إذ تتلخص مهمته اليومية فى جمع علب المياه الغازية الفارغة، وبيعها إلى تجار متخصصين فى هذا النوع من النفايات، وبإمكانه أن يحصل فى أفضل الظروف على 30 جنيها عن اليوم.. لكنها مهنة غير مضمونة على حد قوله.

تفاؤل ومساندة
ما هو مستقبل أبناء هذه الشريحة إذا ما أصابهم المرض؟ هذا ما ترويه قصة شهيرة تداولها مستخدمو موقع فيس بوك فى الشتاء الماضى، عن المواطن محمد حسن يوسف الذى نقل قصته بالصورة أحد مستخدمى الموقع على صفحته الشخصية، إذ كان قد تعرض هذا المشرد المريض للطرد من مستشفى إمبابة العام، وظل يعانى المرض على رصيف مجاور للمستشفى قبل أن يموت.
ليست كل القصص المتداولة عن المشردين فى مواقع التواصل الاجتماعى بهذه المأساوية، فهناك قصة أخرى كتبها الكاتب والباحث محمد الدويك على صفحته تعود إلى الشتاء الماضى هى الأخرى، عن «عم عادل» الرجل الستينى الذى كان يقضى الشتاء على الرصيف، مستخدما أحد أجولة الدقيق فى حماية نفسه من البرد، ويروى محمد الدويك عن محاولاته مساعدة هذا الرجل بعد أن نشر قصته على فيس بوك، إذ تلقى الكثير من عروض المساعدة، لكنها لم تكن على درجة كافية من الجدية، ويستكمل قائلا «المفاجأة أن الذى قدم المساعدة لعم عادل، كان أحد المصريين العاملين فى الخارج، دفع إيجار سنة مقدما فى شقة سكنية، حتى يسكن الرجل المشرد». ويبدى الدويك تفاؤلا فى جدوى استخدام مواقع التواصل الاجتماعى فى مساندة الفقراء والمهمشين بشكل عام، ضاربا المثل بقصة أخرى عن طفلة صغيرة نشر قصتها عبر صفحته، كانت فى حاجة إلى إجراء عملية جراحية دقيقة، وساهم بعض من قرأوا القصة فى دعمها، حتى تمت استضافتها فى مستشفى تابع للقوات المسلحة. وهو ما يدفعه إلى أن يقول «لقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعى إلى إحدى أدوات العمل الأهلى.. وهو ما يجب أن يظل فعالا فى الفترة المقبلة».

سرقة مشرد
بعض الحالات لم تصل إلى فيس بوك، ولم تجد من يدعمها بشكل منظم، ففى حى الزمالك الراقى، قصة أخرى لم تجد من يدعمها لسنوات، هى قصة محسن محمد، الرجل الخمسينى القاطن فوق رصيف شارع 26 يوليو فى الزمالك، وفى ليلة بلغت فيها درجة الحرارة حوالى 11 درجة مئوية، وبينما الساعة تقترب من العاشرة مساء، أعلن صوت المذيع من تليفزيون مقهى مجاور عن موجة صقيع قادمة، قليل من المارة دفعهم البرد للاحتماء بالكثير من الملابس، بينما يجلس الرجل الخمسينى، تحت كوبرى 15 مايو ملتحفا بالأغطية، واضعا لفافة على رأسه بالكاد تطل منها عيناه.
يتذكر، الحاج محسن محمد، الذى تكسو التجاعيد وجهه، كيف لم يبرح مكانه هذا منذ خمس سنوات، محتملا نهارا شديد الحرارة فى الصيف، وليلا قارس البرودة فى الشتاء، ما زال يذكر كيف أجبرته إدارة محطة مصر على مغادرة مصدر رزقه، كبائع متجول وقامت بتهشيم كشكه، ليخرج إلى الشارع هو وبناته الخمس وتتفرق بهم السبل، وتتركه زوجته كى تتزوج بآخر، بعدما لم يستطع دفع 250 جنيها هى إيجار شقته بالكيت كات، ويبقى رصيف أحد الشوارع بحى الزمالك مأواه الدائم منذ خمسة أعوام.
الأغطية الخشنة التى يلتحف بها الحاج محسن أعطاها له بعض المارة، لكنه تعرض لسرقات من مشردين آخرين، يصفها باقتضاب «ممكن يكونوا محتاجين يناموا أو بيضايقونى» يقول معقبا قبل أن يشير إلى أنه تمت سرقته مرات عدة، ويضيف «معى نقود قليلة، أحصل عليها من اهل الخير، كلها أنفقها فى الطعام والعلاج».
يعانى محسن من كسر بإحدى فقرات العمود الفقرى، لذا يحاول أن يدخر مبلغا ضئيلا كل فترة من أجل العلاج، لكنه فى الوقت ذاته لا يمانع فى أن يعمل.
قد تبدو هذه القصص كحالات فردية قليلة، لكن الدخول على صفحة جمعية رسالة للأعمال الخيرية، تكشف عن وجود آخرين قد أجبرتهم الظروف على اختيار الشارع مأوى لهم، ومؤخرا تبنت الجمعية حملة تحت اسم «مكافحة البرد» لتوزيع الاحتياجات على المشردين فى الشوارع، وتلقت الصفحة على فيس بوك عددا من البلاغات عن حالات خارج القاهرة وداخلها، كما خصصت الجمعية خطا ساخنا لتلقى البلاغات تليفونيا.
يقول صلاح الجمل، مسئول مبادرة مكافحة البرد التى اطلقتها جمعية رسالة، أنهم خصصوا قوافل طبية لرعاية المشردين فى شوارع القاهرة وتقديم العلاج لهم، وذلك قبل أن يجروا بعض الأبحاث فى حلوان والسيدة زينب من أجل رصد أعداد المشردين وتقديم أغطية وملابس شتوية لهم.
ويشير مسئول الحملة إلى أن مبادرة «مكافحة البرد» ليست الوحيدة التى اطلقتها الجمعية ولكنهم لديهم مبادرة أخرى حملت اسم «ستر ودفا» للمساعدة بشكل عاجل فى تقديم الأغطية الكافية لمن ليس لهم مأوى مع الانخفاض الشديد فى درجات الحرارة.

مرضى نفسيون ينتظرون علاجـًا لا يأتى
يحرك الرجل يديه فى الهواء بعصبية، مطلقا صيحات غير مفهومة للمارة، يسير وفى يده حقيبة بلاستيكية كبيرة، وفى يده الأخرى عصا غليظة، بينما يبدو وجهه متسخا من أثر الحياة فى الشارع.
الاقتراب من الرجل العصبى لا يسفر عن الكثير، إذ يستمر فى التلويح بيديه مطالبا الابتعاد عنه، ما يمنع أى محاولة للاستفسار منه عن قصته أو كيفية حصوله على الطعام.
لا يوجد إثبات أو دليل على إصابة الرجل بمرض نفسى أو عقلى، سوى ما يظهره من حركات غير مفهومة للمارة، ومع محاولة متابعته فى أثناء حركته فى محيط ميدان التحرير، بدأ بعض المارة فى إطلاق التحذيرات من محاولة تتبعه، بينما واصل هو تحركه من مكان لآخر، حتى استقر فى ركن مجاور للميدان.
«لا يمكن التأكد من إصابة إنسان بمرض نفسى أو عقلى سوى بعد إجراء الكشف الطبى، وليس كل مشرد مصاب بمرض نفسى مكانه مستشفى الصحة النفسية والعقلية، فهناك من يمكنه متابعة العلاج دون إقامة فى المستشفى». الحديث هنا للدكتور تامر زغلول مدير العلاقات العامة فى المجلس القومى للصحة النفسية، الذى يؤكد على أن هناك إجراءات ينظمها القانون رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسى، والهدف منه هو إغلاق باب الشكاوى الكيدية فى حق المريض النفسى، وضمان حمايته.
تنص المادة رقم 13 من قانون رعاية المريض النفسى على عدم إمكانية إيداع أحد المرضى بأحد مستشفيات الصحة النفسية، سوى بعد عدد من الاجراءات، إذ تنص هذه المادة على أنه «لا يجوز إدخال أى شخص إلزاميا للعلاج بإحدى منشآت الصحة النفسية إلا بموافقة طبيب متخصص فى الطب النفسى، وذلك عند وجود علامات واضة تدل على وجود مرض نفسى شديد، وعند وجود احتمال لتدهور شديد ووشيك للحالة النفسية، أو إذا كانت أعراض المرض النفسى تمثل تهديدا جديا ووشيكا لسلامة المريض النفسى أو سلامة من حوله».
هنا يعود السؤال مرة أخرى عن كيفية مساندة المشردين المصابين بأمراض نفسية، وهنا يعود الحديث إلى الدكتور تامر زغلول الذى يذكر عددا من الاجراءات التى ينظمها القانون، فى حالة وجوب إيداع مريض بالمستشفى، أن يتم ذلك بناء على طلب مكتوب، من أحد أقارب المريض حتى الدرجه الثانية، أو من أحد ضباط قسم الشرطة، أو الإخصائى الاجتماعى التابع لوزارة التضامن الاجتماعى بالمنطقة، أو عن طريق مفتش الصحة المختص.
ويشير زغلول إلى أنه فى حالة كون المريض غير حامل للجنسية المصرية، فتقع مهمة تقديم الطلب عن طريق قنصل الدولة التى ينتمى إليها المريض الأجنبى، وتتيح هذه الإجراءات التى ينظمها قانون رعاية المريض النفسى، أن يتم تطبيقها مع المشردين المصابين بأمراض نفسية.
وبعيدا عن هذه الاجراءات يبدو صوت هذه الفئة من المشردين خافتا، وتصعب محاولات التواصل معهم، على سبيل المثال، أجرينا محاولات للتواصل مع أحدهم فى الحديقة المجاورة لنفق أبو حشيش قرب حى العباسية، حيث جلس الشاب ذو الملامح الثلاثينية ليدخن سيجارة فى هدوء، بعد فترة من تحدثه مع نفسه، «محمد» الذى نطق اسمه بعد محاولات متكررة للتواصل معه، رد مجيبا عن الأسئلة بعبارات بسيطة، مبديا رفضه العودة إلى المنزل، وطلب مالا يشترى به ما يأكله، ومع تكرار بعض الأسئلة عن أحواله المعيشية رفض الحديث، وطلب مغادرتى من المنطقة المحيطة به.
«نسبة كبيرة من المشردين الكبار، قد يكون لديهم اضطراب نفسى جسيم ناتج عن صدمات تعرضوا لها، وبعضهم يكون لديهم فصام أو زهايمر، ونسبة كبيرة منهم ليس لديهم مقر للإقامة فيضطرون للجوء إلى الشارع».. الحديث هنا للدكتور أحمد عبدالله مدرس الطب النفسى بجامعة الزقازيق، الذى يرى ضرورة أن يتعامل الأهالى بشكل جيد مع المشردين، وأن يحاولوا مساعدتهم بتقديم بعض الأغذية أو الأغطية لتقيهم من برد الشتاء، لكنه فى الوقت ذاته يشير إلى ضرورة اهتمام العديد من منظمات المجتمع المدنى بقضية المشردين من كبار السن، مثلما يجرى الاهتمام بقضية الأطفال الذين بلا مأوى.
PDF

Saturday, December 20, 2014

المنوفية.. شاهد عيان على تراجع المسرح خارج القاهرة

أحمد الصعيدي يشير إلى أطلال مسرح الماي - تصوير: عبدالرحمن مصطفى
 
-         الشاعر أحمد الصعيدي: بيت ثقافة "الماي" أمل عودة المسرح إلى القرية

-         المخرج أحمد عباس : شباب المسرحيين يعملون في أسوأ الظروف
-         مدير عام ثقافة المنوفية: مسرح ثقافة "شبين الكوم" سيعود في العام القادم


أمام أطلال مسرح قرية الماى التابعة لمركز شبين الكوم فى محافظة المنوفية، يقف الشاعر والمؤلف المسرحى أحمد الصعيدى مشيرا بيده إلى ساحة فضاء، حيث كانت تقام عروض فرقة الماى المسرحية، التى عمل بها ممثلا ومؤلفا قبل نحو حوالى 30 سنة.
يقول الصعيدى: «شهدت تأسيس مسرح الماى وأنا طفل صغير فى العام 1970، ورأيت الفنان الراحل سعد الدين وهبة، وهو يشرف بنفسه على البناء، ثم شاركت فى نشاطه حتى توقف تماما.. أما الآن فأسعى وراء بادرة أمل جديدة». ضم بيت ثقافة الماى مسرحا على الطراز الرومانى تتبعه فرقة مسرحية، وكانت الدولة تراهن فى هذا المشروع على تعزيز وجود المسرح داخل القرية المصرية، لكن إهمال المسرح فى السنوات التالية، تسبب فى إيقاف نشاطه بتوصية من إدارة الحماية المدنية فى العام 2005، واستمرت باقى الأنشطة فى مبنى مجاور، بينما تهدم المسرح حسبما تروى أسماء أحمد مدير بيت ثقافة الماى.
يشير أحمد الصعيدى إلى بقايا سور متهدم، قائلا: «استخدم بعض الأهالى حجارة المسرح لأغراضهم الخاصة». لم يستطع أحد إعادة إحياء مسرح القرية، إذ آلت تبعية الأرض إلى «المحليات»، ما أعاق إعادة بناء مسرح بيت ثقافة الماى، أو نقل تبعيته إلى وزارة الثقافة. «تم حل الأزمة بعد كل هذه السنوات مؤخرا، حين صدر قرار تخصيص من المجلس التنفيذى لمحافظة المنوفية بمساحة 850 مترا مربعا لصالح الهيئة العامة لقصور الثقافة، فى الموقع القديم لمسرح ثقافة الماى». يتوقف عن الحديث قليلا، ثم يضيف: «أدعو وزارة الثقافة أن تقيم سورا لحماية أملاكها من البلطجية».
وإلى جانب ما كان يتم من نشاط مسرحى فى بيت ثقافة الماى، فقد كان هناك نشاط موازٍ يشارك فيه أحمد الصعيدى فى قصر ثقافة شبين الكوم، وهو ما شاركه فيه زميله المخرج أحمد عباس، حيث ضم قصر الثقافة فى عاصمة محافظة المنوفية مسرحا لائقا، وفرقة مسرحية تابعة له.
فى نادى التجارة المطل على النيل فى مدينة شبين الكوم، وعلى بعد 4 كيلومترات من قرية الماى، يجلس المخرج أحمد عباس وسط زملائه وعدد من شباب المسرحيين، ليتفقوا جميعا على أن الحياة المسرحية متوقفة منذ إغلاق مبنى قصر ثقافة شبين الكوم، بسبب أعمال الإحلال والتجديد فى العام 2006. «بدأت صلتى بقصر ثقافة شبين الكوم فى العام 1979، وبعد توقف نشاط الفرقة المسرحية، أصبحت أكثر تفرغا للعمل مع الفرق الجامعية..». يتحدث المخرج أحمد عباس عن غياب وجود مسرح حقيقى فى المحافظة يستوعب المواهب الشابة، فى الوقت الذى تعانى فيه المحافظة أيضا من غياب دور السينما. فى السنوات الماضية، تلاشى جيل من الشباب الموهوبين، بسبب عدم وجود فرصة للأداء المسرحى، عند هذه النقطة ينتقل الحديث إلى أحمد عمر طالب الدراسات العليا فى كلية التجارة بجامعة المنوفية، يقول: «منذ أن بدأت فى ممارسة العمل المسرحى، لم أر مسرح قصر ثقافة شبين الكوم، ولم أتعامل هنا فى المنوفية سوى مع مدرجات الجامعة التى تستوعبنا فى عرض المسابقة السنوية لليلة واحدة». يتحدث أحمد عمر وسط زملائه الذين لم يجدوا حلا سوى تأسيس فرقة مستقلة تحت اسم «ملامح»، كى يستطيعوا من خلالها المنافسة والمشاركة فى مهرجانات المسرح المتنوعة، بينما لا يستطيعون أداء التدريبات المسرحية سوى فى قاعات مؤجرة أو فى منازلهم.
حسب تصريحات حكومية فإنه من المتوقع أن يتم افتتاح قصر ثقافة شبين الكوم فى يونيو من العام المقبل، بعد ضغوط ازدادات مؤخرا كى يتم إحياء العمل المسرحى فى المحافظة.


يقول سامي أبو المجد مدير عام الثقافة في محافظة المنوفية: "سيتم إعادة تأسيس الفرقة القومية لمحافظة المنوفية في قصر ثقافة شبين الكوم بعد افتتاحه، ورغم استمرار بقية أنشطة قصر الثقافة في أماكن بديلة طوال الفترة الماضية، لكننا لم نستطع أن نستكمل عمل الفرقة المسرحية دون خشبة مسرح". ويراهن بعض الشباب المستمرين في نشاطهم المسرحي على أن يكونوا ضمن الفرقة المزمع إنشاؤها بعد عودة النشاط المسرحي في قصر الثقافة الرئيسي.
حتى ذلك الحين، يستمر أحمد الصعيدي المؤلف المسرحي، متابعا لمستقبل إحياء مسرح ثقافة الماي، متسائلا إن كان في الإمكان أن يعود المسرح مرة أخرى إلى قريته، بينما يستمر المخرج أحمد عباس وشباب فرقة ملامح المسرحية في سعيهم للعمل بأقل التكاليف.
  PDF

Friday, November 21, 2014

توبة مسجل خطر .. الوجه الآخر لعالم الجريمة



• قسوة المجتمع ورفاق السوء أهم أسباب العودة إلى طريق الانحراف
• رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائى: يجب تغيير الفلسفة العقابية فى مصر
• اللواء محمد نجيب: معتادو الإجرام ينخرطون فى مظاهرات الإخوان بحثًا عن المال
تلاشت آثار العلامات التى تركتها المشاجرات على وجه رجب السريع، بعد أن أتم عامه الستين، لتحل محلها تجاعيد الشيخوخة، يجلس حيث اعتاد جوار أقفاص الطماطم التى يبيعها فى كشكه الخشبى داخل حى ميت عقبة، بعد أن قضى نصف عمره مطاردا من الأمن كمسجل خطر.
«كنت واحد من الناس اللى بتاخد السكة رايح جاى على السجن». يطلق جملته ثم يتذكر ما ارتكبه فى الماضى، من قتل وسرقة ومشاجرات.
ليس لديه مصدر رزق سوى ذلك الكشك الذى حصل على ترخيصه بمساعدة من وزارة الداخلية ضمن إجراءات الرعاية اللاحقة للمساجين آنذاك، إلى جانب مصادر رزق موسمية كاستئجاره المراجيح فى الأعياد فى ميدان ميت عقبة، وتأجير عربة الكارو للأطفال.
لا يخجل «السريع» الذى اشتهر بهذا اللقب لكونه خفيف الحركة وخفيف اليد، من النبش فى ماضيه، بينما لا يعرف أبناء حى ميت عقبة عنه سوى أنه مسجل تائب.
هرب رجب السريع من مصير حوالى 92 ألف مسجل خطر مقيدين لدى وزارة الداخلية المصرية، حسب دراسة منشورة فى العام 2012 عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، تحت عنوان «المعاملة الجنائية للمسجلين الخطرين».
وينقسم تصنيف المسجلين خطر إلى ثلاث فئات، هى الفئة (أ)، والفئة (ب)، والفئة (جـ)، تبعا لخطورة الجرائم، وكى ينتقل المسجل من فئة إلى الفئة الأقل خطورة، يشترط أن يمر عليه ما بين سنة وثلاث سنوات، دون مزاولة أى نشاط إجرامى، مع الخضوع لكافة إجراءات المراقبة، والحصول على تقارير تفيد حصوله على عمل يتكسب منه، ولا يرفع المسجل خطر من سجلات الخطرين إلا فى حالات الوفاة، أو العجز الكلى، أو التوقف عن نشاطه الاجرامى، مع وجود استثناء أخير فى يد مدير قطاع الأمن العام فى وزارة الداخلية، برفع «مجرم خطر» من السجلات دون الالتزام بالشروط السابقة، إذا أبدى خدمات جليلة للأمن، وهذا حسب اللوائح المنظمة للتعامل مع المسجلين خطر فى وزارة الداخلية المصرية. أما رجب السريع، فقد دخل السجن لأول بعد أن قتل أمين شرطة فى مشاجرة داخل سوق روض الفرج القديم، فى منتصف السبعينيات، ثم انخرط فى عدد من الجرائم بعد أن سلك «كار النشالين» لخفة حركته، وقضى آخر عقوبة فى العام 2004 بتهمة السرقة، ثم أسقط صحيفة سوابقه بعدها، وتم تصنيفه لدى وزارة الداخلية كمسجل تائب، لكن القصة لم تنته، بل ظل تاريخه يلاحقه حتى وقت قريب.
ربما ساعده إسقاط سوابقه فى التخلص مؤقتا من إلحاح رجال المباحث فى استجوابه عن أى واقعة تحدث فى محيط منطقته، وهو العرف السائد فى الاستعانة بالمسجلين خطر كمصادر سرية فى تحرياتهم.
«توقعت مبكرا أن يكون حصولى على الكشك ثمنا فى مقابل التعاون مع رجال المباحث، وتقديم المعلومات فى تحرياتهم، لكنى تمردت على هذه الإجراءات بعد سقوط السوابق عنى، ففوجئت بضباط قسم العجوزة قبل سنة يريدون أن اساعد فى تحرياتهم، وبعد تظلمى أثبتت التحريات أنى مسجل تائب بالفعل، ومتوقف عن النشاط الإجرامى، وأن من حقى أن أعيش حياتى دون أن يستخدمنى أحد لحسابه».
كان انخراطه فى دوائر أصدقاء الجريمة هو ما أسقطه فى السجن كل مرة، حتى اختار اعتزال الإجرام مع وصوله إلى سن الخمسين، بعد تقدم عمره، وعدم قدرته على الاستمرار فى هذا الطريق، وأصبحت غايته الآن هى تعليم أصغر أبنائه وستر حاجة بيته.
العودة إلى الجريمة
ورغم ما يبدو على هذه الإجراءات من سهولة، إلا أن الظروف البائسة تدفع البعض إلى العودة إلى الطريق نفسه من جديد، على سبيل المثال فإن حسام أحمد الشاب ذى السادسة والعشرين سنة، قد تم تصنيفه كمسجل خطر (أ) متعدد الجرائم، بعد أن قضى ما يقرب من ثلاث سنوات فى السجن، على ذمة قضيتى تعاطى المخدرات وبلطجة، الأولى قضى فيها 6 أشهر فى سجن المرج، والثانية 24 شهرا فى سجن الاستئناف؛ لتعديه على أمناء شرطة قسم مصر القديمة حين كان يعمل سائسا لأحد الجراجات، وبعد أن خرج من السجن، لجأ إلى العمل فى المدابغ، حيث لم يسأله أحد عن «صحيفة الحالة الجنائية».
«لما تلاقى نفسك محبوس 6 شهور فى سيجارة حشيش، واللى جنبك بيتاجر فى الصنف وعامل بيزنس، يبقى التجارة أرحم، مادام الحبس واحد.. جوا السجن يا تبقى وحش، يا إما تبقى جبان ومدبوح، أنا طلعت من السجن عايز انتقم من ناس كتير..».
يلخص حسام حكايته فى عبارات عفوية، أثناء حديثه فى منطقة المدابغ، خلف سور مجرى العيون، وسط رائحة فضلات الجلود، والممرات الضيقة المغطاة بمياه صرف المدابغ، حيث يعمل مقابل 50 جنيها فى اليوم، وعليه أن يدبر حاجة أسرته، وحاجة أسرتى شقيقيه اللذين يقضيان عقوبة السجن ثلاث سنوات، وهو ما دفعه إلى قرار آخر، إذ بدأ فى ممارسة نشاط غير مشروع، يراه حلا لأزمته.
وتشير دراسة ميدانية أجريت فى عدد من السجون المصرية للدكتور السيد عوض أستاذ علم الاجتماع فى جامعة جنوب الوادى، أن جرائم المخدرات تحتل المرتبة الأولى فى جميع السجون التى اعتمدت عليها الدراسة، كما تشير الدراسة التى حملت عنوان «جرائم المخدرات بين الرجل والمرأة»، وصدرت عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية فى العام 2011، أن 44.6 % من الذين أجريت عليهم الدراسة، كانوا فى مهن غير مستقرة، فليس هناك عمل ثابت يخشون فقدانه فى حالة القبض عليهم، وأن حوالى 25% من الذين تناولتهم الدراسة، أكدوا أن العائد من ارتكاب جرائم المخدرات يفوق العقوبة عليها.
فوق ذلك فإن شابا مثل حسام المتأرجح بين العمل فى المدابغ واللجوء إلى طريق الاجرام، لم يسلم من محاولات تجنيده كى يصبح مصدرا سريا لدى وزارة الداخلية، وهو ما ابتعد عنه، ولم تحدث عقوبة الحبس تغييرا إيجابيا فى حياة الشاب، فالمجرم الصغير خرج إلى العالم بعد أن تعرف على شرائح أكثر إجراما، وهو ما يصفه فى كلمات تحمل المرارة: «عشت بين 50 سجينا فى مكان يكاد يتسع لعشرين سجينا، وعلى كل فرد أن يحمى نفسه، كى لا يصاب بالأمراض، سواء عبر الاختلاط الجنسى، أو بالعدوى الجلدية، لأنه قد يتعرض للإهمال».
داخل عالم السجن ملامح أخرى للمعيشة، تكشفها مؤشرات دراسة الدكتورة وفاء أبوشهبة عن «المعاملة الجنائية للمسجلين الخطرين»، منها أن حوالى 67% من فئة المسجلين خطر هم فى سن بين 20 ــ 40 سنة، و73% منهم لا يعمل داخل السجون أو يتعلم حرفة جديدة، وأن 82,2% منهم لا يمارسون الرياضة، بينما تصل نسبة الأميين إلى 66,5% من الفئة التى أجريت عليها الدراسة، هذا فى الوقت الذى انتقد فيه تقريرا صدر قبل عدة اشهر، حالة الأوضاع الصحية فى 16 سجنا ومركزا للشرطة، وذكر التقرير الصادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن هناك غيابا لعنصر الصحة النفسية عن منظومة الخدمات الصحية فى أماكن الاحتجاز، وأن التكدس الشديد، وغياب النظافة والصيانة للعنابر والزنازين ودورات المياه، كان لها دور سلبى فى التأثير على صحة السجناء.
فى جانب آخر صرح مصدر مسئول فى قطاع السجون بوزارة الداخلية لـ«الشروق»، أن قطاع السجون يوفر أطباء نفسيين للسجناء، نافيا أن يكون هناك سوء فى الخدمات الصحية التابعة للقطاع، مضيفا: «بالنسبة لفئة المسجلين خطر، فيخضعون لما يخضع له مجتمع السجناء، وهناك فرص للعمل داخل السجن، إذا ما أراد السجين ذلك».
وفى هذه الأجواء تتكرر محاولات إدخال المخدرات إلى داخل السجون، لتلبى احتياجا داخل هذا المجتمع، وهو ما تترصد له الأجهزة الأمنية طوال الوقت، أما ما يصل إلى داخل السجن، فيصبح له تبريرات لدى المتعاطين، بسبب كون بعضهم مدمنين فى الأصل، أو بسبب الفراغ وقلة العمل والرغبة فى النوم، وهو ما كان رصده الدكتور عبدالله غانم أستاذ علم الاجتماع فى دراسة شهيرة تحت عنوان «المخدرات فى السجون».
الدفاع عن المسجلين
وفى دوائر المسجلين خطر، يبرز دور المحامى الذى يتصدى للدفاع عن هذه الفئة، وهو ما يتبناه سيد حنفى المحامى أمام محكمة النقض، وفى مكتبه الذى يقع فى حى مصر القديمة، يجلس متابعا لعدد من ملفات القضايا التى تباشرها النيابة العامة، وتتنوع بين السرقة والبلطجة والمخدرات، لكنه يعلم جيدا المخرج القانونى لكل قضية، وهو ما حقق له شهرة بين معتادى هذا النوع من الجرائم، ويصف ذلك قائلا: «أصبحت أعرف مسار القضية من إجراءات الضبط القضائى، لأنها لا تخلو من الخلل القانونى، لذا أصبح من السهل أن أتوقع ما ستفسر عنه جلسات التحقيق». ولا يجد المحامى الخمسينى غضاضة فى الوصف الذى أطلقه عليه البعض بأنه «محامى المسجلين خطر»، إذ تعتمد عليه شريحة من أبناء منطقة مصر القديمة، فى كثير من قضاياهم.
وبخبرة سنوات قضاها فى الدفاع عن المنتمين لفئة المسجلين خطر يقول: «1 % فقط من المسجلين هم التائبون؛ لكرههم السجن وخوفهم من تكرار التجربة، وتبقى الـ99% ممن تعودوا على السجن والبيزنس والتجارة، ولم يجدوا مفرا من مزاولة الأعمال غير المشروعة»، هذا ما خلص إليه المحامى سيد حنفى فى خضم تعامله مع شريحة المسجلين الخطر.
ثم يضيف بثقة: «وجدت فى ملكاتى القانونية أن أعمل على قضايا المسجلين، لخبرتى فى أحوالهم والإجراءات القانونية المتعلقة بهم».
ويكاد يكون دور هؤلاء المحامين، هو الوسيط بين أبناء هذه الفئة والمؤسسات القضائية والأمنية، بينما يضعف دور الدعم الخارجى فى خارج هذا الأطار. وعن هذه النقطة تحديدا يتحدث محمد زارع، رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائى، بادئا عما وصفه بوجود أزمة فى «الفلسفة العقابية» السائدة فى السجون المصرية، وأنها تتبنى أفكارا قديمة تعتمد على الزجر والتحفظ على المساجين دون حلول جذرية لأزماتهم، بينما تتجه «الفلسفة العقابية» الحديثة إلى إعادة التأهيل من الناحية المهنية والسلوكية، ويعلق على ذلك قائلا: «الأزمة الأكبر أنه لا توجد سلطة رقابية حقيقية على أحوال المساجين أو المفرج عنهم، فحتى زيارات المجلس القومى لحقوق الانسان، تتم بشكل معد سلفا». ويتجاوز الأمر ذلك فى رأيه إلى صعوبة انتقاد أمور مهمة مثل التعديل الأخير فى لائحة السجون»، ويشرح ذلك قائلا: «فى أحد بنود اللائحة تم رفع أجر المسجون إلى 7 جنيهات، كحد أدنى عن عمله اليومى، أو منحه أجرا أعلى مقابل قيامه بأعمال فنية ممتازة أو تحقيقه حجم إنتاج أكبر.. وهذا هذا تطور إيجابى، لكنى أراه مخالفا لما أقرته محكمة القضاء الإدارى بإلزام رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه شهريا، أى ما يوازى 40 جنيها فى مقابل اليوم الواحد».
مخبر سرى
لا يتفق اللواء محمد نجيب، الرئيس الأسبق لمصلحة السجون، مع شهادات السجناء حول طبيعة المعاملة وفشل الدولة فى تأهيلهم داخل السجن وخارجه، إذ يقول إن الدولة تتعامل معهم حسب الإمكانات المتاحة لديها، مُحمِّلا المجتمع مسئولية رفض التعامل مع المسجلين.
«عملية التأهيل تتم عبر مراحل، بدءا من تعليمه الحرف، وتهيئته للعدول عن السلوك الإجرامى، والرعاية الصحية، وتقديم الدعم الاجتماعى للسجين بحالته وأسرته، بل وصرف مكآفات شهرية، كما يتم مراعاة الاعفاء من مصاريف المدارس ورعاية المسجون». على حد قوله.
يعدد نجيب من مراحل التأهيل التى يخضع لها السجين من لحظة دخوله إلى خروجه، ويضيف إلى ذلك دور الرعاية اللاحقة للسجناء عبر وسائل مختلفة منها تيسير فرص العمل ودعم الأسرة وتوفير الضمان الاجتماعى عقب خروجه؛ كى لا يعود إلى الجريمة مرة أخرى.
فى حين لم ينف الرئيس الأسبق لمصلحة السجون اعتماد إدارة البحث الجنائى بوزارة الداخلية على قدامى المسجلين، فى تسهيل اختراق المناطق الشعبية التى تزيد فيها الأعمال الإجرامية، إذ يقول: «الاعتماد عليهم أمر عادى كمخبرين سريين، ضمن مصادر متنوعة تعتمد عليها المباحث، ويسبق ذلك التأكد من حالة المسجل اذا كان منحرفا أم تائبا، ويشترط الا يكون مصدرا أساسيا للضابط».
وفى نقطة أخرى يشير اللواء محمد نجيب إلى استخدام جماعة الاخوان المسلمين مجموعات من المسجلين فى المظاهرات، التى اعتادت تنظيمها منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسى فى يوليو من العام الفائت وما تلاها من تجمعات متناثرة. قائلا: «يوفرون لهم الأجور والوجبات، ويقيم جهد كل فرد منهم على مدى عمله من التخريب والهتافات ورشق المؤسسات».
ورصدت «الشروق» فى لقاءاتها مع عدد من المسجلين الجنائيين، أن بعضهم يبدى فى حديثه عدم الاهتمام بالتخلص من ماضيه فى سجلات الدولة، إلى جانب ما يبدونه من يأس سريع بسبب ما يلاقونه من المجتمع بعد تجربة السجن، هذا ما برز مع محمود ابراهيم، الذى بلغ سن الواحدة والستين دون أن يشغل باله أن يحول «السابقة الجنائية» التى اقترفها إلى «مسجل تائب» فى ملفات وزارة الداخلية، وهو ما يفعله المسجلون بعد التوبة نهائيا، فقد قضى 17 عاما من عمره فى السجن تنفيذا لعقوبة المؤبد الصادرة بحقه فى عام 1972، حين شارك أصدقاءه فى جريمة قتل، وكان عمره لا يتعدى الـ16 سنة، وهكذا ظلت صحيفة حالته الجنائية التى تحمل «سابقة جرائم النفس» مصاحبة للرجل الستينى مثل ظله، ما ساهم فى تعزيز رغبته فى الانزواء عن الحياة الجديدة دون التعرض لماضيه.
وبعد حصوله على ليسانس الآداب أثناء تقضية فترة عقوبته، لم يجد مساندة من أحد، وأصبح يدير محل جوار منزله، لكن ظل العامل النفسى للتجربة متحكما فيه طوال الوقت، إذ يقول «البيئة المحيطة لا تقف فى صفك إطلاقا».
• تم تغيير بعض الأسماء بناء على رغبة المصادر

السجناء ينتظرون مجتمعًا أكثر تسامحًا
كتب ــ عبدالرحمن مصطفى
يرى الدكتور طريف شوقى أستاذ علم النفس الاجتماعى، ونائب رئيس جامعة بنى سويف، أن الأزمة الكبرى التى تواجه السجناء المطلق سراحهم، تتلخص فى حالة الاستبعاد التى يتعرضون لها من المجتمع، وما يعانونه من وصم اجتماعى، ما يدفع بعضهم إلى الاندماج مرة أخرى فى مجتمع الجريمة الذى يرحب بهم من جديد.
«الموضوع ليس له علاقة بمؤسسة السجن فقط، بل فى منظومة كاملة، وأطراف عديدة لابد أن تتعاون من أجل احتواء هذه الشريحة، وخصوصا فئة المسجلين خطر، الذين يحتاجون إلى معاملة خاصة، لإدماجهم فى المجتمع». يتحدث الدكتور طريف شوقى أستاذ علم النفس مشيرا إلى أن مؤسسة السجن لم تعد الحل الناجع أو الوحيد، وكان فى دراسة سابقة له تحت عنوان: «الآثار النفسية للعقوبات سالبة الحرية»، قد أشار مبكرا إلى تأثير الاعتداءات التى يتعرض لها السجين من أقرانه على سلوكه، وكيف قد تقوده إلى ممارسة الشىء نفسه تجاه آخرين.
لذا يشدد أستاذ علم النفس الاجتماعى على ضرورة إعداد السجين لمرحلة ما بعد السجن، بمجرد أن يخطو أولى خطواته داخل السجن.
وتصدت بعض الجمعيات للدخول فى مشروعات تهدف إلى إعادة تأهيل السجناء، ودعمهم بما يكفل لهم إقامة مشروعات صغيرة فى المستقبل، وهو ما تبنته مؤسسة «مصر الخير» فى برتوكول تعاون مع مصلحة السجون بوزارة الداخلية، لهذا الغرض.
«تقوم المؤسسات بالأساس على دعم فئة الغارمين، من الذين أوقعتهم ديونهم فى السجن، وهؤلاء هم الأولى بالرعاية فى المرحلة الحالية». حسبما تذكر هالة السيد المستشار الإعلامي لمؤسسة مصر الخير.
وهنا يبقى السؤال حول فئة المسجلين خطر تحديدا وسبل دعمها، خاصة أن الجهة التى تكاد تكون الوحيدة أمامهم هى إدارة شرطة الرعاية اللاحقة فى وزارة الداخلية، التى تقدم دعما عينيا لأسر السجناء، وتسهل فرص عمل لبعض المفرج عنهم، لكنها فرص لا تكفى لتغطية جميع أعداد المفرج عنهم حديثا، حسبما ذكر عدد منهم، وتحديدا من فئة المسجلين خطر.
وفى تجربة أخرى يروى تفاصيلها أكرم فوزى مدير مؤسسة عبدالله النديم للتنمية فى محافظة المنيا، أنه المؤسسة قد تبنت مشروعا بشراكة مع مديرية أمن المنيا، ووزارة التضامن الاجتماعى، بتمويل من مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية، يستهدف تدريب وتأهيل 150رجلا و150 سيدة من المفرج عنهم من سجن المنيا العمومى، من أجل تعليمهم حرفا يدوية، ثم مساعدتهم فى ترويج منتجاتهم فيما بعد.
«خضنا التجربة من قبل فى مشروعات مشابهة، وكانت التجربة مثمرة، ويبدى المفرج عنهم حديثا استعدادا لتغيير حياتهم، لكننا لا نقدم هذه الفرصة سوى بعد دراسة وافية، واختيار الأنسب منهم للمشروع». هذا ما يصفه مدير المؤسسة. لكن تظل الأزمة فى هذه التجارب، أن فئات أخرى من المفرج عنهم حديثا، تورطوا فى جنايات قتل أو تم تصنيفهم كمسجلين خطر، مازالوا خارج هذه التجارب حتى الآن.

Friday, October 31, 2014

تزوير الكتب.. القاتل الصامت لسوق النشر

نسخ مقلدة لأعمال ناجحة تباع بربع الثمن والمزورون يلجأون إلى حيل جديدة
• رئيس لجنة مكافحة التزوير فى اتحاد الناشرين المصريين: انتشار الظاهرة يدمر صناعة الكتب
• تجار سور الأزبكية: نبيع النسخ المزورة بعد أن غاب زبون الكتب القديمة
• نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين: السطو على العناوين الأكثر نجاحا لم ينقطع والحل فى تعديل القانون
• مؤشرات الوزارة تكشف: قرصنة الكتب العلمية أربح والأدبية أكثر رواجا

أمام كشك رقم (124) فى سور الأزبكية لبيع الكتب القديمة، يتلقى فتحى طلبات الزبائن من الكتب الدراسية المستعملة، وفوق طاولة مجاورة للكشك، يتراص عدد من الكتب الأكثر مبيعا فى السوق، منها رواية تباع بسعر 15 جنيها، فى حين أن سعرها لدى دار النشر الأصلية هو 48 جنيها.
«هذه الرواية وغيرها مجرد واجهة لتشجيع الزبائن على الشراء، فلا يوجد إقبال على سوق الكتب القديمة، ونحن نحاول تغطية ضعف تجارتنا بنسخ مقلدة لأعمال شهيرة، وبأسعار أقل». يتحدث فتحى عن استغلال تجار سور الأزبكية للعناوين الأكثر مبيعا، وعرضها كفاتحة شهية للزبائن. ويؤكد هو وعدد من العاملين هناك، أن الكميات المزورة التى تتوزع عليهم عددها محدود، مقارنة بما لدى التجار الكبار، الذين يعملون فى بيع الكتب المزورة. أما فى خارج سور الأزبكية، فقد يتضاعف سعر الرواية نفسها الموجودة فى سور الأزبكية إلى 30 جنيها، حيث تباع لدى بعض موزعى الصحف على أنها النسخة الأصلية، مدعين الحصول عليها بسعر مخفض من الناشر الأصلى.
أما القاعدة الرئيسية التى تتكرر على ألسنة من يعملون فى بيع الكتب المزورة، فهى «كـُل نفسك بنفسك»، وهو ما يشرحه فتحى تاجر الكتب القديمة، وزميله خالد فى الكشك المجاور، موضحان أن الهدف هو تحقيق ربح ضئيل من حركة بيع مكثفة وسريعة، وهو ما يوازن من وجهة نظرهما غياب زبون سور الأزبكية التقليدى الذى يهوى القراءة، معتمدين فى ذلك على استغلال عناوين ناجحة فى السوق.
ويصعب تمييز الاختلافات بين الطبعة المزورة والطبعة الأصلية، إلا لمن يدقق فى تفاصيل كل من الطبعتين، أو حين يجد المشترى خللا واضحا فى صورة الغلاف، بينما تظهر مشاكل أخرى أعرب عنها بعض المؤلفين فى فترة سابقة، عن وجود نسخ مزورة لأعمالهم، تحمل أخطاء فى ترتيب فصول الكتاب.
«لا يمكن قبول مبررات عملية السطو على حقوق الآخرين، فما يحدث الآن هو تدمير لسوق النشر». الحديث هنا لأحمد بدير، رئيس لجنة حماية حقوق الملكية الفكرية ومكافحة التزوير فى اتحاد الناشرين المصريين، الذى يوضح أن الضرر الأكبر للناشرين، يكمن فى أن الكتب المزورة تستهدف الكتب الأكثر مبيعا، وهى الكتب التى تروج لبقية أعمال الناشر، وتصنع سمعته.
وفى الوقت الذى يصعب فيه تقدير حجم سوق الكتب المزورة، يتحمل الناشر تكاليف أخرى لا يتحملها المزور، على رأسها حقوق المؤلف، إذ يتراوح متوسط نسبة أجور المؤلفين بين (15% ـ 25%) حسب تقرير حركة النشر الصادر عن اتحاد الناشرين العرب فى العام الماضى، كما يحصل موزعو الكتب على حصة من المبيعات، تتراوح بين (30% ـ 40%)، وينفق الناشرون تكاليف أخرى على تسويق الكتب، وأجور العاملين، والضرائب، وتصميم الأغلفة، بينما لا ينفق المزور سوى تكلفة الورق والطباعة. ومع قلة التكاليف التى يتحملها المزور، لم يعد فى حاجة إلى استخدام نوع ورق ردىء، إذ يبلغ سعر طن ورق الطباعة المستخدم لدى دور النشر حوالى 7000 جنيه، لذا فبإمكان المزور استخدام نوع ورق أرخص بقليل يكفل له إنتاج آلاف النسخ المزورة، والقريبة من خامات الكتاب الأصلى.
«تمر عملية طباعة الكتاب بعدة إجراءات تقليدية، بينما تكمن الأزمة فى أن أغلب من ينسخون كتبا شهيرة بطريقة غير قانونية، هم أصحاب مطابع غير مرخصة، ولديهم مصادر تبلغهم قبل أى حملة على منتجاتهم». الحديث لوليد رياض، عضو مجلس إدارة شعبة تجار الورق وأصحاب المطابع بالغرفة التجارية. ويستكمل موضحا أن توافر معدات الطباعة لدى المزور، يمكنه من انتاج آلاف الكتب دون أعباء مالية كبيرة مقارنة بالناشر الذى يعمل بشكل قانونى. غير أن هذا الرأى لا ينفى تورط مطابع - تعمل بشكل قانونى - ودور نشر مغمورة فى طباعة وترويج نسخ مقلدة لكتب شهيرة، وهو ما سجلته محاضر وبلاغات سابقة لدى شرطة المصنفات وحماية الملكية الفكرية.

تغليظ العقوبة
وتخضع عملية انتهاك حقوق المؤلفين للمادة 181 من قانون حماية حقوق الملكية الفكرية، التى تنص على أن عقوبة «التعدى على حقوق المؤلف والحقوق المجاورة لها» هى الحبس مدة لا تقل عن شهر وبغرامة لا تقل عن 5000 جنيه، ولا تجاوز 10.000 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وهو ما اعتبره قانونيون على صلة بقضايا الملكية الفكرية أمرا غير كاف، وتحمل دراسة صادرة عن المركز المصرى لدراسات السياسات العامة توصية بضرورة تشديد العقوبات المنصوص عليها فى حالة مخالفة القانون، إذ تعتبر الدراسة التى تحمل عنوان: «قراءة لقانون الملكية الفكرية»، أن القانون 82 لسنة 2002 الخاص بحماية الملكية الفكرية، لا يمثل رادعا للمخالفين، ويجعل من التعدى على الملكية الفكرية فى المجتمع المصرى أمرا سائدا.
ويلجأ بعض بائعى الكتب المزورة من الموزعين، إلى حيلة للتحايل على القانون، حين يشترون كمية من الكتب الأكثر مبيعا بطريقة قانونية، فيحصلون بها على فواتير سليمة تثبت ملكيتهم لها، ويطرحونها كغطاء لبيع نسخ أخرى مزورة، وعند لحظة وقوع ضبطية قانونية، يقدمون بعض النسخ الأصلية كدليل على نزاهتهم، مع إخفاء النسخ المزورة، وهى الحيلة التى وصفها بعض بائعى الكتب المزورة. ويصعب على كثير من المشترين تمييز النسخ الأصلية من المقلدة، بينما يميزها العاملون فى مجال النشر، وهو ما استدعى قيام بعض الناشرين بتغيير أغلفة الطبعات المتتالية من الإصدارات الأكثر مبيعا، لتضليل المزورين، وهو ما أوقع بعض المزورين فى أخطاء، كأن يستخدم غلاف الطبعة الأولى مع محتوى الطبعة الثانية.
وقبل أسابيع أعلن الكاتب الشاب عمر طاهر عن مبادرة طرح فيها طبعة شعبية مُخفضة من كتابه «طريق التوابل»، وهو ما اعتبره بعض المهتمين بالشأن الثقافى فرصة لتقليل أسعار الكتب لدى دور النشر، بينما يؤكد عادل المصرى، مدير دار أطلس صاحبة حق النشر، أن هذه الفكرة لم تكن دعوة للناشرين أن يصدروا طبعات مخفضة من إصداراتهم، لأن ذلك يعد مهمة مستحيلة، ويوضح ذلك قائلا: «هذه التجربة هى إجراء انتقامى من المزورين، فهى طبعة تم طرحها تقريبا بسعر التكلفة دون مكسب حقيقى، إلى جانب ما تحمله المؤلف من تقليل أجره بشكل غير مسبوق.. هى أقرب لرسالة إلى كل مزور ينتهك أعمال الدار والكاتب، أن لدينا استعدادا لإفساد مهمته فى التزوير». ويوضح عادل المصرى الذى يشغل منصب نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين، أن مروجى الكتب المزورة أشبه بدار نشر، لا تبيع سوى الأعمال الأكثر مبيعا، دون أى تكلفة سوى الطباعة وسعر الورق، وهو ما يجعل المزورين أشبه بمنافسين شرسين فى سوق بيع الكتب، مستفيدين من خرقهم للقانون.
ويقدر أحمد بدير، مدير عام دار الشروق للنشر، حجم النسخ المزورة من العناوين الأكثر مبيعا لدى الدار، بأنها توازى حجم النسخ الأصلية المطروحة فى السوق، بينما يرى فى إصدار نسخ مخفضة من الكتب الأكثر مبيعا، أنه سيستقطع من حق المؤلف، موضحا: «إذا ما اتجه الناشرون إلى إصدار طبعات مخفضة، فإن ذلك سيقلل التنافسية بينهم، وسيقلل من حماس الكتـّاب عندما لا يحصلون على ما يوازى مقدارهم الأدبى، وحجم جهدهم وتفرغهم للكتابة».
وقبل ثلاث سنوات تقدم اتحاد الناشرين المصريين بتوصيات لإدخال تعديلات على قانون حماية الملكية الفكرية، كى يتم تغليظ العقوبة على المزورين، وتمت دراسة تلك التعديلات فى البرلمان المنحل فى العام 2012، ثم تقدم الاتحاد بالتوصيات نفسها مرة أخرى لوزير العدالة الانتقالية مؤخرا، على أمل إصدار التعديلات فى الفترة القادمة بالسلطة المخولة للسيد رئيس الجمهورية، أو انتظار انتخابات البرلمان القادم، كى يتم طرح التعديلات مرة أخرى.

نائب مدير مباحث «المصنفات» لـ«الشروق»: نحن الآن فى موسم قرصنة الكتب
• مؤشرات "الداخلية" تكشف: قرصنة الكتب العلمية أربح والأدبية أكثر رواجا

يستخدم اللواء خالد شفيق، نائب المدير العام لإدارة المصنفات وحماية الملكية الفكرية فى وزارة الداخلية، تعبير «قرصنة الكتب» بدلا من «تزوير الكتب» عند حديثه عن إعادة طبع الكتب دون تفويض من الكاتب أو دار النشر، وفى مكتبه المطل على شارع جامعة الدول العربية فى حى المهندسين، يجلس متابعا لسير العمل الذى ينقسم بين نوعين من الجرائم، هما: جرائم المطبوعات، وجرائم المصنفات.
«يختلف ضابط المصنفات فى أنه يتعامل مع مجرم ذكى، لا يلجأ للعنف، كما أن بعض المجرمين يعتبرون ما يقومون به عملا خدميا، وعند المساءلة القانونية، لا يعتبرون أنفسهم قد ارتكبوا جرائم مخلة بالشرف، ما يجعلهم يتمادون، لأنهم لا يواجهون إدانة من المجتمع». يوضح اللواء خالد شفيق أن أزمة قرصنة الكتب وطرحها فى الأسواق، ليست مقتصرة على الروايات والأعمال الفكرية، بل يوضح أن الفصل الأول من العام الدراسى، هو موسم لشريحة أخرى من «القراصنة»، ينتشرون حول الجامعات، لتوزيع قواميس ومراجع علمية مقلدة، بأقل من سعرها الأصلى، إذ أن «قرصنة الكتب العلمية أقل فى التداول مقارنة بالكتب الأدبية، لكنها أكثر ربحا»، على حد قوله.
يلتقط من فوق مكتبه نسخة من معجم للمصطلحات العلمية باللغة الانجليزية، لا يبدو من مظهرها الخارجى إن كانت نسخة أصلية أم مقلدة، بسبب جودة الطباعة والتجليد، لكنه يوضح أنها نسخة مقلدة تباع بسعر أقل حول الجامعة. ثم يستكمل «أزمتنا فى غياب وعى الناس بقضية حماية الملكية الفكرية، بل إننا نجد بعض الأكاديميين ينتهكونها بأنفسهم، ولا يرفعون من وعى طلابهم بهذه القضية، فالمجتمع يواجه حالة من التسامح مع انتهاك حقوق المؤلفين».
ويؤكد اللواء خالد شفيق وجهة نظره، بتفاصيل عن لجوء بعض المدارس الخاصة إلى مطابع تنسخ الكتب الدراسية والقواميس دون إذن الناشر، بحثا عن السعر الأرخص.
وتعد مصر حسب تقرير «التحالف الدولى للملكية الفكرية IIPA» للعام 2013 تحت تصنيف «لائحة المراقبة»، وذلك بعد أن كانت قبل سنوات فى «لائحة أولوية المراقبة»، وهو ما يعبر عن تطور فى تعامل الدولة مع قضية الملكية الفكرية، ويأخذ الممثل التجارى الأمريكى بهذا التصنيف، فى تعاملاته الخارجية مع الدول المختلفة.
وحسب حديث اللواء خالد شفيق، فإن قرصنة الكتب تمثل جزءا من عالم القرصنة فى مصر، الذى يطال البرمجيات، ورفع نسخ ضوئية من الكتب على الإنترنت والأفلام، وحتى أمور البث الفضائى، وهو ما يمثل فى مجموعه صورة لحالة الملكية الفكرية فى مصر، كما يؤكد على أن ضعف العقوبة فى غرامة مالية على قرصنة الكتب، لا يساهم فى ردع المزورين.
وتعد العقوبة الأشد فى ممارسة الطباعة دون ترخيص، هى حالة طباعة المصحف الشريف والأحاديث النبوية دون ترخيص من مجمع البحوث الإسلامية، وهو ما ينظمه القانون رقم 102 لسنة 1985بشأن تنظيم طبع المصحف الشريف والأحاديث النبوية، الذى يصل بالعقوبة إلى السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات والغرامة فى حالة العودة، والعقوبة بالأشغال الشاقة المؤقتة، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه فى حالة تعمد تحريف نص القرآن الكريم.
وينفى نائب المدير العام لإدارة المصنفات وحماية الملكية الفكرية أن تكون سوق قرصنة الكتب موازية فى حجمها سوق النشر التقليدى، أو أن تكون مصر نقطة توريد كتب مزورة إلى الدول المحيطة قائلا: «هناك محاولات دءوبة لمطاردة المطابع والقيام بحملات ضد موزعى الكتب المقرصنة».
وبين محاولات ضبط أصحاب المطابع المخالفة، واستمرار ظاهرة قرصنة الكتب، تعد هذه الفترة موسما لقرصنة الكتب وإعادة طبعها مع بدء الموسم الدراسى الجامعى، خاصة فى مجال الكتب العلمية، إلى جانب استعداد العاملين فى مجال قرصنة الكتب الأدبية، لاستنساخ كم من المطبوعات، استعدادا لموسم ازدهار الكتاب الأدبى والفكرى فى نهاية العام، قبيل معرض القاهرة الدولى للكتاب بعد أشهر قليلة.
نسخة واحدة من كتاب ورقى تساوى آلاف النسخ على الإنترنت

فى موقع شهير لتحميل الكتب على الانترنت، تم تحميل رواية «عزازيل» 70674 مرة، وهو ما يتكرر فى مواقع شبيهة لتحميل الكتب، ما يجعل كم النسخ المستنسخة إلكترونيا عن الكتاب الورقى، أكثر انتشارا على أجهزة الكمبيوتر من الكتب الورقية التى يحفظها القراء فى مكتباتهم الشخصية.
وتجرى عملية الاستنساخ عبر تصوير نسخة الكتاب بجهاز ماسح ضوئى Scanner، ثم تحويلها إلى ملف إلكترونى على الإنترنت، وهو ما احترفه عدد من رواد الإنترنت فى السنوات العشر الماضية.
أحد ابرز الأسماء فى هذا المجال هو «على مولا» مؤسس منتدى مكتبة الاسكندرية، الذى استنسخ فيه حوالى 1400 كتاب من مقتنياته الشخصية، إلى جانب مهمته الأكبر فى تجميع روابط النسخ المنتشرة على الإنترنت، للتسهيل على من يرغب فى تحميلها إلى جهاز الكمبيوتر الشخصى.
ويرى على مولا ذو الأصل السورى والمقيم فى مدينة بودابست المجرية، أن موقعه الالكترونى يقدم خدمة للقراء، ويشبهه بمعبدالفكر وقبلة الباحثين، على حد قوله، فى الوقت الذى يتهمه بعض هواة نشر الكتب على الانترنت بأنه مهووس بالشهرة، وأنه سعى لإفشال محاولاتهم لتأسيس مواقع شبيهة.
وفى حالات الكتب المستنسخة عن أصل ورقى ومطروحة على الانترنت، فهناك من ينسخ صورة ضوئية منها بشكل عفوى، دون أن يدرك إنها تنتشر بكثافة، مثلما يتضح من أحاديث بعضهم فى المنتديات الإلكترونية المهتمة بهذا المجال، على عكس شخصيات مثل على مولا المشار إليه سابقا، الذى يستهدف كتبا ذات طابع فكرى وفلسفى ثقيل.
وتتجاوز أزمة حقوق الملكية الفكرية فى فضاء الإنترنت، مشكلة استنساخ كتب ورقية ثم طرحها على الانترنت، إلى مشاكل أخرى تخص الحفاظ على الحقوق الأدبية لمن يكتبون على الانترنت، فى مدوناتهم أو فى صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعى، وتحاول رخصة المشاع الإبداعى، التى بدأت تستخدمها المواقع الالكترونية، حل هذه المشكلة عبر توضيح الغرض من طرح ملف على الانترنت، وتوضيح المؤلف إذا ما كان سيسمح باستغلال مؤلفه أم لا، فإما أن يوضح أن «بعض الحقوق محفوظة» لمنتجه، أو أن تكون «جميع الحقوق محفوظة».. لكن خرق ذلك لا يخضع للقانون أو العقوبة، سوى من المواقع نفسها التى تنشر المنتج المخالف، وهو ما ينطبق على المؤلفات الموسيقية أو المكتوبة.
أما فى الكتب الورقية، فهى تخضع بشكل كامل لقانون حماية الملكية الفكرية، وهو ما أثار أزمة أخلاقية لدى بعض مستخدمى الانترنت حين يقومون باستنساخها الكترونيا وبتحميلها، حين يواجهون التنويه المدون على هذه الكتب بأن حقوق الطبع محفوظة للناشر، خاصة أن بعضهم يقوم بتحميل كتب دينية، ويخشى أن يكون فى ذلك معصية.