Friday, November 21, 2014

توبة مسجل خطر .. الوجه الآخر لعالم الجريمة



• قسوة المجتمع ورفاق السوء أهم أسباب العودة إلى طريق الانحراف
• رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائى: يجب تغيير الفلسفة العقابية فى مصر
• اللواء محمد نجيب: معتادو الإجرام ينخرطون فى مظاهرات الإخوان بحثًا عن المال
تلاشت آثار العلامات التى تركتها المشاجرات على وجه رجب السريع، بعد أن أتم عامه الستين، لتحل محلها تجاعيد الشيخوخة، يجلس حيث اعتاد جوار أقفاص الطماطم التى يبيعها فى كشكه الخشبى داخل حى ميت عقبة، بعد أن قضى نصف عمره مطاردا من الأمن كمسجل خطر.
«كنت واحد من الناس اللى بتاخد السكة رايح جاى على السجن». يطلق جملته ثم يتذكر ما ارتكبه فى الماضى، من قتل وسرقة ومشاجرات.
ليس لديه مصدر رزق سوى ذلك الكشك الذى حصل على ترخيصه بمساعدة من وزارة الداخلية ضمن إجراءات الرعاية اللاحقة للمساجين آنذاك، إلى جانب مصادر رزق موسمية كاستئجاره المراجيح فى الأعياد فى ميدان ميت عقبة، وتأجير عربة الكارو للأطفال.
لا يخجل «السريع» الذى اشتهر بهذا اللقب لكونه خفيف الحركة وخفيف اليد، من النبش فى ماضيه، بينما لا يعرف أبناء حى ميت عقبة عنه سوى أنه مسجل تائب.
هرب رجب السريع من مصير حوالى 92 ألف مسجل خطر مقيدين لدى وزارة الداخلية المصرية، حسب دراسة منشورة فى العام 2012 عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، تحت عنوان «المعاملة الجنائية للمسجلين الخطرين».
وينقسم تصنيف المسجلين خطر إلى ثلاث فئات، هى الفئة (أ)، والفئة (ب)، والفئة (جـ)، تبعا لخطورة الجرائم، وكى ينتقل المسجل من فئة إلى الفئة الأقل خطورة، يشترط أن يمر عليه ما بين سنة وثلاث سنوات، دون مزاولة أى نشاط إجرامى، مع الخضوع لكافة إجراءات المراقبة، والحصول على تقارير تفيد حصوله على عمل يتكسب منه، ولا يرفع المسجل خطر من سجلات الخطرين إلا فى حالات الوفاة، أو العجز الكلى، أو التوقف عن نشاطه الاجرامى، مع وجود استثناء أخير فى يد مدير قطاع الأمن العام فى وزارة الداخلية، برفع «مجرم خطر» من السجلات دون الالتزام بالشروط السابقة، إذا أبدى خدمات جليلة للأمن، وهذا حسب اللوائح المنظمة للتعامل مع المسجلين خطر فى وزارة الداخلية المصرية. أما رجب السريع، فقد دخل السجن لأول بعد أن قتل أمين شرطة فى مشاجرة داخل سوق روض الفرج القديم، فى منتصف السبعينيات، ثم انخرط فى عدد من الجرائم بعد أن سلك «كار النشالين» لخفة حركته، وقضى آخر عقوبة فى العام 2004 بتهمة السرقة، ثم أسقط صحيفة سوابقه بعدها، وتم تصنيفه لدى وزارة الداخلية كمسجل تائب، لكن القصة لم تنته، بل ظل تاريخه يلاحقه حتى وقت قريب.
ربما ساعده إسقاط سوابقه فى التخلص مؤقتا من إلحاح رجال المباحث فى استجوابه عن أى واقعة تحدث فى محيط منطقته، وهو العرف السائد فى الاستعانة بالمسجلين خطر كمصادر سرية فى تحرياتهم.
«توقعت مبكرا أن يكون حصولى على الكشك ثمنا فى مقابل التعاون مع رجال المباحث، وتقديم المعلومات فى تحرياتهم، لكنى تمردت على هذه الإجراءات بعد سقوط السوابق عنى، ففوجئت بضباط قسم العجوزة قبل سنة يريدون أن اساعد فى تحرياتهم، وبعد تظلمى أثبتت التحريات أنى مسجل تائب بالفعل، ومتوقف عن النشاط الإجرامى، وأن من حقى أن أعيش حياتى دون أن يستخدمنى أحد لحسابه».
كان انخراطه فى دوائر أصدقاء الجريمة هو ما أسقطه فى السجن كل مرة، حتى اختار اعتزال الإجرام مع وصوله إلى سن الخمسين، بعد تقدم عمره، وعدم قدرته على الاستمرار فى هذا الطريق، وأصبحت غايته الآن هى تعليم أصغر أبنائه وستر حاجة بيته.
العودة إلى الجريمة
ورغم ما يبدو على هذه الإجراءات من سهولة، إلا أن الظروف البائسة تدفع البعض إلى العودة إلى الطريق نفسه من جديد، على سبيل المثال فإن حسام أحمد الشاب ذى السادسة والعشرين سنة، قد تم تصنيفه كمسجل خطر (أ) متعدد الجرائم، بعد أن قضى ما يقرب من ثلاث سنوات فى السجن، على ذمة قضيتى تعاطى المخدرات وبلطجة، الأولى قضى فيها 6 أشهر فى سجن المرج، والثانية 24 شهرا فى سجن الاستئناف؛ لتعديه على أمناء شرطة قسم مصر القديمة حين كان يعمل سائسا لأحد الجراجات، وبعد أن خرج من السجن، لجأ إلى العمل فى المدابغ، حيث لم يسأله أحد عن «صحيفة الحالة الجنائية».
«لما تلاقى نفسك محبوس 6 شهور فى سيجارة حشيش، واللى جنبك بيتاجر فى الصنف وعامل بيزنس، يبقى التجارة أرحم، مادام الحبس واحد.. جوا السجن يا تبقى وحش، يا إما تبقى جبان ومدبوح، أنا طلعت من السجن عايز انتقم من ناس كتير..».
يلخص حسام حكايته فى عبارات عفوية، أثناء حديثه فى منطقة المدابغ، خلف سور مجرى العيون، وسط رائحة فضلات الجلود، والممرات الضيقة المغطاة بمياه صرف المدابغ، حيث يعمل مقابل 50 جنيها فى اليوم، وعليه أن يدبر حاجة أسرته، وحاجة أسرتى شقيقيه اللذين يقضيان عقوبة السجن ثلاث سنوات، وهو ما دفعه إلى قرار آخر، إذ بدأ فى ممارسة نشاط غير مشروع، يراه حلا لأزمته.
وتشير دراسة ميدانية أجريت فى عدد من السجون المصرية للدكتور السيد عوض أستاذ علم الاجتماع فى جامعة جنوب الوادى، أن جرائم المخدرات تحتل المرتبة الأولى فى جميع السجون التى اعتمدت عليها الدراسة، كما تشير الدراسة التى حملت عنوان «جرائم المخدرات بين الرجل والمرأة»، وصدرت عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية فى العام 2011، أن 44.6 % من الذين أجريت عليهم الدراسة، كانوا فى مهن غير مستقرة، فليس هناك عمل ثابت يخشون فقدانه فى حالة القبض عليهم، وأن حوالى 25% من الذين تناولتهم الدراسة، أكدوا أن العائد من ارتكاب جرائم المخدرات يفوق العقوبة عليها.
فوق ذلك فإن شابا مثل حسام المتأرجح بين العمل فى المدابغ واللجوء إلى طريق الاجرام، لم يسلم من محاولات تجنيده كى يصبح مصدرا سريا لدى وزارة الداخلية، وهو ما ابتعد عنه، ولم تحدث عقوبة الحبس تغييرا إيجابيا فى حياة الشاب، فالمجرم الصغير خرج إلى العالم بعد أن تعرف على شرائح أكثر إجراما، وهو ما يصفه فى كلمات تحمل المرارة: «عشت بين 50 سجينا فى مكان يكاد يتسع لعشرين سجينا، وعلى كل فرد أن يحمى نفسه، كى لا يصاب بالأمراض، سواء عبر الاختلاط الجنسى، أو بالعدوى الجلدية، لأنه قد يتعرض للإهمال».
داخل عالم السجن ملامح أخرى للمعيشة، تكشفها مؤشرات دراسة الدكتورة وفاء أبوشهبة عن «المعاملة الجنائية للمسجلين الخطرين»، منها أن حوالى 67% من فئة المسجلين خطر هم فى سن بين 20 ــ 40 سنة، و73% منهم لا يعمل داخل السجون أو يتعلم حرفة جديدة، وأن 82,2% منهم لا يمارسون الرياضة، بينما تصل نسبة الأميين إلى 66,5% من الفئة التى أجريت عليها الدراسة، هذا فى الوقت الذى انتقد فيه تقريرا صدر قبل عدة اشهر، حالة الأوضاع الصحية فى 16 سجنا ومركزا للشرطة، وذكر التقرير الصادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن هناك غيابا لعنصر الصحة النفسية عن منظومة الخدمات الصحية فى أماكن الاحتجاز، وأن التكدس الشديد، وغياب النظافة والصيانة للعنابر والزنازين ودورات المياه، كان لها دور سلبى فى التأثير على صحة السجناء.
فى جانب آخر صرح مصدر مسئول فى قطاع السجون بوزارة الداخلية لـ«الشروق»، أن قطاع السجون يوفر أطباء نفسيين للسجناء، نافيا أن يكون هناك سوء فى الخدمات الصحية التابعة للقطاع، مضيفا: «بالنسبة لفئة المسجلين خطر، فيخضعون لما يخضع له مجتمع السجناء، وهناك فرص للعمل داخل السجن، إذا ما أراد السجين ذلك».
وفى هذه الأجواء تتكرر محاولات إدخال المخدرات إلى داخل السجون، لتلبى احتياجا داخل هذا المجتمع، وهو ما تترصد له الأجهزة الأمنية طوال الوقت، أما ما يصل إلى داخل السجن، فيصبح له تبريرات لدى المتعاطين، بسبب كون بعضهم مدمنين فى الأصل، أو بسبب الفراغ وقلة العمل والرغبة فى النوم، وهو ما كان رصده الدكتور عبدالله غانم أستاذ علم الاجتماع فى دراسة شهيرة تحت عنوان «المخدرات فى السجون».
الدفاع عن المسجلين
وفى دوائر المسجلين خطر، يبرز دور المحامى الذى يتصدى للدفاع عن هذه الفئة، وهو ما يتبناه سيد حنفى المحامى أمام محكمة النقض، وفى مكتبه الذى يقع فى حى مصر القديمة، يجلس متابعا لعدد من ملفات القضايا التى تباشرها النيابة العامة، وتتنوع بين السرقة والبلطجة والمخدرات، لكنه يعلم جيدا المخرج القانونى لكل قضية، وهو ما حقق له شهرة بين معتادى هذا النوع من الجرائم، ويصف ذلك قائلا: «أصبحت أعرف مسار القضية من إجراءات الضبط القضائى، لأنها لا تخلو من الخلل القانونى، لذا أصبح من السهل أن أتوقع ما ستفسر عنه جلسات التحقيق». ولا يجد المحامى الخمسينى غضاضة فى الوصف الذى أطلقه عليه البعض بأنه «محامى المسجلين خطر»، إذ تعتمد عليه شريحة من أبناء منطقة مصر القديمة، فى كثير من قضاياهم.
وبخبرة سنوات قضاها فى الدفاع عن المنتمين لفئة المسجلين خطر يقول: «1 % فقط من المسجلين هم التائبون؛ لكرههم السجن وخوفهم من تكرار التجربة، وتبقى الـ99% ممن تعودوا على السجن والبيزنس والتجارة، ولم يجدوا مفرا من مزاولة الأعمال غير المشروعة»، هذا ما خلص إليه المحامى سيد حنفى فى خضم تعامله مع شريحة المسجلين الخطر.
ثم يضيف بثقة: «وجدت فى ملكاتى القانونية أن أعمل على قضايا المسجلين، لخبرتى فى أحوالهم والإجراءات القانونية المتعلقة بهم».
ويكاد يكون دور هؤلاء المحامين، هو الوسيط بين أبناء هذه الفئة والمؤسسات القضائية والأمنية، بينما يضعف دور الدعم الخارجى فى خارج هذا الأطار. وعن هذه النقطة تحديدا يتحدث محمد زارع، رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائى، بادئا عما وصفه بوجود أزمة فى «الفلسفة العقابية» السائدة فى السجون المصرية، وأنها تتبنى أفكارا قديمة تعتمد على الزجر والتحفظ على المساجين دون حلول جذرية لأزماتهم، بينما تتجه «الفلسفة العقابية» الحديثة إلى إعادة التأهيل من الناحية المهنية والسلوكية، ويعلق على ذلك قائلا: «الأزمة الأكبر أنه لا توجد سلطة رقابية حقيقية على أحوال المساجين أو المفرج عنهم، فحتى زيارات المجلس القومى لحقوق الانسان، تتم بشكل معد سلفا». ويتجاوز الأمر ذلك فى رأيه إلى صعوبة انتقاد أمور مهمة مثل التعديل الأخير فى لائحة السجون»، ويشرح ذلك قائلا: «فى أحد بنود اللائحة تم رفع أجر المسجون إلى 7 جنيهات، كحد أدنى عن عمله اليومى، أو منحه أجرا أعلى مقابل قيامه بأعمال فنية ممتازة أو تحقيقه حجم إنتاج أكبر.. وهذا هذا تطور إيجابى، لكنى أراه مخالفا لما أقرته محكمة القضاء الإدارى بإلزام رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه شهريا، أى ما يوازى 40 جنيها فى مقابل اليوم الواحد».
مخبر سرى
لا يتفق اللواء محمد نجيب، الرئيس الأسبق لمصلحة السجون، مع شهادات السجناء حول طبيعة المعاملة وفشل الدولة فى تأهيلهم داخل السجن وخارجه، إذ يقول إن الدولة تتعامل معهم حسب الإمكانات المتاحة لديها، مُحمِّلا المجتمع مسئولية رفض التعامل مع المسجلين.
«عملية التأهيل تتم عبر مراحل، بدءا من تعليمه الحرف، وتهيئته للعدول عن السلوك الإجرامى، والرعاية الصحية، وتقديم الدعم الاجتماعى للسجين بحالته وأسرته، بل وصرف مكآفات شهرية، كما يتم مراعاة الاعفاء من مصاريف المدارس ورعاية المسجون». على حد قوله.
يعدد نجيب من مراحل التأهيل التى يخضع لها السجين من لحظة دخوله إلى خروجه، ويضيف إلى ذلك دور الرعاية اللاحقة للسجناء عبر وسائل مختلفة منها تيسير فرص العمل ودعم الأسرة وتوفير الضمان الاجتماعى عقب خروجه؛ كى لا يعود إلى الجريمة مرة أخرى.
فى حين لم ينف الرئيس الأسبق لمصلحة السجون اعتماد إدارة البحث الجنائى بوزارة الداخلية على قدامى المسجلين، فى تسهيل اختراق المناطق الشعبية التى تزيد فيها الأعمال الإجرامية، إذ يقول: «الاعتماد عليهم أمر عادى كمخبرين سريين، ضمن مصادر متنوعة تعتمد عليها المباحث، ويسبق ذلك التأكد من حالة المسجل اذا كان منحرفا أم تائبا، ويشترط الا يكون مصدرا أساسيا للضابط».
وفى نقطة أخرى يشير اللواء محمد نجيب إلى استخدام جماعة الاخوان المسلمين مجموعات من المسجلين فى المظاهرات، التى اعتادت تنظيمها منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسى فى يوليو من العام الفائت وما تلاها من تجمعات متناثرة. قائلا: «يوفرون لهم الأجور والوجبات، ويقيم جهد كل فرد منهم على مدى عمله من التخريب والهتافات ورشق المؤسسات».
ورصدت «الشروق» فى لقاءاتها مع عدد من المسجلين الجنائيين، أن بعضهم يبدى فى حديثه عدم الاهتمام بالتخلص من ماضيه فى سجلات الدولة، إلى جانب ما يبدونه من يأس سريع بسبب ما يلاقونه من المجتمع بعد تجربة السجن، هذا ما برز مع محمود ابراهيم، الذى بلغ سن الواحدة والستين دون أن يشغل باله أن يحول «السابقة الجنائية» التى اقترفها إلى «مسجل تائب» فى ملفات وزارة الداخلية، وهو ما يفعله المسجلون بعد التوبة نهائيا، فقد قضى 17 عاما من عمره فى السجن تنفيذا لعقوبة المؤبد الصادرة بحقه فى عام 1972، حين شارك أصدقاءه فى جريمة قتل، وكان عمره لا يتعدى الـ16 سنة، وهكذا ظلت صحيفة حالته الجنائية التى تحمل «سابقة جرائم النفس» مصاحبة للرجل الستينى مثل ظله، ما ساهم فى تعزيز رغبته فى الانزواء عن الحياة الجديدة دون التعرض لماضيه.
وبعد حصوله على ليسانس الآداب أثناء تقضية فترة عقوبته، لم يجد مساندة من أحد، وأصبح يدير محل جوار منزله، لكن ظل العامل النفسى للتجربة متحكما فيه طوال الوقت، إذ يقول «البيئة المحيطة لا تقف فى صفك إطلاقا».
• تم تغيير بعض الأسماء بناء على رغبة المصادر

السجناء ينتظرون مجتمعًا أكثر تسامحًا
كتب ــ عبدالرحمن مصطفى
يرى الدكتور طريف شوقى أستاذ علم النفس الاجتماعى، ونائب رئيس جامعة بنى سويف، أن الأزمة الكبرى التى تواجه السجناء المطلق سراحهم، تتلخص فى حالة الاستبعاد التى يتعرضون لها من المجتمع، وما يعانونه من وصم اجتماعى، ما يدفع بعضهم إلى الاندماج مرة أخرى فى مجتمع الجريمة الذى يرحب بهم من جديد.
«الموضوع ليس له علاقة بمؤسسة السجن فقط، بل فى منظومة كاملة، وأطراف عديدة لابد أن تتعاون من أجل احتواء هذه الشريحة، وخصوصا فئة المسجلين خطر، الذين يحتاجون إلى معاملة خاصة، لإدماجهم فى المجتمع». يتحدث الدكتور طريف شوقى أستاذ علم النفس مشيرا إلى أن مؤسسة السجن لم تعد الحل الناجع أو الوحيد، وكان فى دراسة سابقة له تحت عنوان: «الآثار النفسية للعقوبات سالبة الحرية»، قد أشار مبكرا إلى تأثير الاعتداءات التى يتعرض لها السجين من أقرانه على سلوكه، وكيف قد تقوده إلى ممارسة الشىء نفسه تجاه آخرين.
لذا يشدد أستاذ علم النفس الاجتماعى على ضرورة إعداد السجين لمرحلة ما بعد السجن، بمجرد أن يخطو أولى خطواته داخل السجن.
وتصدت بعض الجمعيات للدخول فى مشروعات تهدف إلى إعادة تأهيل السجناء، ودعمهم بما يكفل لهم إقامة مشروعات صغيرة فى المستقبل، وهو ما تبنته مؤسسة «مصر الخير» فى برتوكول تعاون مع مصلحة السجون بوزارة الداخلية، لهذا الغرض.
«تقوم المؤسسات بالأساس على دعم فئة الغارمين، من الذين أوقعتهم ديونهم فى السجن، وهؤلاء هم الأولى بالرعاية فى المرحلة الحالية». حسبما تذكر هالة السيد المستشار الإعلامي لمؤسسة مصر الخير.
وهنا يبقى السؤال حول فئة المسجلين خطر تحديدا وسبل دعمها، خاصة أن الجهة التى تكاد تكون الوحيدة أمامهم هى إدارة شرطة الرعاية اللاحقة فى وزارة الداخلية، التى تقدم دعما عينيا لأسر السجناء، وتسهل فرص عمل لبعض المفرج عنهم، لكنها فرص لا تكفى لتغطية جميع أعداد المفرج عنهم حديثا، حسبما ذكر عدد منهم، وتحديدا من فئة المسجلين خطر.
وفى تجربة أخرى يروى تفاصيلها أكرم فوزى مدير مؤسسة عبدالله النديم للتنمية فى محافظة المنيا، أنه المؤسسة قد تبنت مشروعا بشراكة مع مديرية أمن المنيا، ووزارة التضامن الاجتماعى، بتمويل من مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية، يستهدف تدريب وتأهيل 150رجلا و150 سيدة من المفرج عنهم من سجن المنيا العمومى، من أجل تعليمهم حرفا يدوية، ثم مساعدتهم فى ترويج منتجاتهم فيما بعد.
«خضنا التجربة من قبل فى مشروعات مشابهة، وكانت التجربة مثمرة، ويبدى المفرج عنهم حديثا استعدادا لتغيير حياتهم، لكننا لا نقدم هذه الفرصة سوى بعد دراسة وافية، واختيار الأنسب منهم للمشروع». هذا ما يصفه مدير المؤسسة. لكن تظل الأزمة فى هذه التجارب، أن فئات أخرى من المفرج عنهم حديثا، تورطوا فى جنايات قتل أو تم تصنيفهم كمسجلين خطر، مازالوا خارج هذه التجارب حتى الآن.

Friday, October 31, 2014

تزوير الكتب.. القاتل الصامت لسوق النشر

نسخ مقلدة لأعمال ناجحة تباع بربع الثمن والمزورون يلجأون إلى حيل جديدة
• رئيس لجنة مكافحة التزوير فى اتحاد الناشرين المصريين: انتشار الظاهرة يدمر صناعة الكتب
• تجار سور الأزبكية: نبيع النسخ المزورة بعد أن غاب زبون الكتب القديمة
• نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين: السطو على العناوين الأكثر نجاحا لم ينقطع والحل فى تعديل القانون
• مؤشرات الوزارة تكشف: قرصنة الكتب العلمية أربح والأدبية أكثر رواجا

أمام كشك رقم (124) فى سور الأزبكية لبيع الكتب القديمة، يتلقى فتحى طلبات الزبائن من الكتب الدراسية المستعملة، وفوق طاولة مجاورة للكشك، يتراص عدد من الكتب الأكثر مبيعا فى السوق، منها رواية تباع بسعر 15 جنيها، فى حين أن سعرها لدى دار النشر الأصلية هو 48 جنيها.
«هذه الرواية وغيرها مجرد واجهة لتشجيع الزبائن على الشراء، فلا يوجد إقبال على سوق الكتب القديمة، ونحن نحاول تغطية ضعف تجارتنا بنسخ مقلدة لأعمال شهيرة، وبأسعار أقل». يتحدث فتحى عن استغلال تجار سور الأزبكية للعناوين الأكثر مبيعا، وعرضها كفاتحة شهية للزبائن. ويؤكد هو وعدد من العاملين هناك، أن الكميات المزورة التى تتوزع عليهم عددها محدود، مقارنة بما لدى التجار الكبار، الذين يعملون فى بيع الكتب المزورة. أما فى خارج سور الأزبكية، فقد يتضاعف سعر الرواية نفسها الموجودة فى سور الأزبكية إلى 30 جنيها، حيث تباع لدى بعض موزعى الصحف على أنها النسخة الأصلية، مدعين الحصول عليها بسعر مخفض من الناشر الأصلى.
أما القاعدة الرئيسية التى تتكرر على ألسنة من يعملون فى بيع الكتب المزورة، فهى «كـُل نفسك بنفسك»، وهو ما يشرحه فتحى تاجر الكتب القديمة، وزميله خالد فى الكشك المجاور، موضحان أن الهدف هو تحقيق ربح ضئيل من حركة بيع مكثفة وسريعة، وهو ما يوازن من وجهة نظرهما غياب زبون سور الأزبكية التقليدى الذى يهوى القراءة، معتمدين فى ذلك على استغلال عناوين ناجحة فى السوق.
ويصعب تمييز الاختلافات بين الطبعة المزورة والطبعة الأصلية، إلا لمن يدقق فى تفاصيل كل من الطبعتين، أو حين يجد المشترى خللا واضحا فى صورة الغلاف، بينما تظهر مشاكل أخرى أعرب عنها بعض المؤلفين فى فترة سابقة، عن وجود نسخ مزورة لأعمالهم، تحمل أخطاء فى ترتيب فصول الكتاب.
«لا يمكن قبول مبررات عملية السطو على حقوق الآخرين، فما يحدث الآن هو تدمير لسوق النشر». الحديث هنا لأحمد بدير، رئيس لجنة حماية حقوق الملكية الفكرية ومكافحة التزوير فى اتحاد الناشرين المصريين، الذى يوضح أن الضرر الأكبر للناشرين، يكمن فى أن الكتب المزورة تستهدف الكتب الأكثر مبيعا، وهى الكتب التى تروج لبقية أعمال الناشر، وتصنع سمعته.
وفى الوقت الذى يصعب فيه تقدير حجم سوق الكتب المزورة، يتحمل الناشر تكاليف أخرى لا يتحملها المزور، على رأسها حقوق المؤلف، إذ يتراوح متوسط نسبة أجور المؤلفين بين (15% ـ 25%) حسب تقرير حركة النشر الصادر عن اتحاد الناشرين العرب فى العام الماضى، كما يحصل موزعو الكتب على حصة من المبيعات، تتراوح بين (30% ـ 40%)، وينفق الناشرون تكاليف أخرى على تسويق الكتب، وأجور العاملين، والضرائب، وتصميم الأغلفة، بينما لا ينفق المزور سوى تكلفة الورق والطباعة. ومع قلة التكاليف التى يتحملها المزور، لم يعد فى حاجة إلى استخدام نوع ورق ردىء، إذ يبلغ سعر طن ورق الطباعة المستخدم لدى دور النشر حوالى 7000 جنيه، لذا فبإمكان المزور استخدام نوع ورق أرخص بقليل يكفل له إنتاج آلاف النسخ المزورة، والقريبة من خامات الكتاب الأصلى.
«تمر عملية طباعة الكتاب بعدة إجراءات تقليدية، بينما تكمن الأزمة فى أن أغلب من ينسخون كتبا شهيرة بطريقة غير قانونية، هم أصحاب مطابع غير مرخصة، ولديهم مصادر تبلغهم قبل أى حملة على منتجاتهم». الحديث لوليد رياض، عضو مجلس إدارة شعبة تجار الورق وأصحاب المطابع بالغرفة التجارية. ويستكمل موضحا أن توافر معدات الطباعة لدى المزور، يمكنه من انتاج آلاف الكتب دون أعباء مالية كبيرة مقارنة بالناشر الذى يعمل بشكل قانونى. غير أن هذا الرأى لا ينفى تورط مطابع - تعمل بشكل قانونى - ودور نشر مغمورة فى طباعة وترويج نسخ مقلدة لكتب شهيرة، وهو ما سجلته محاضر وبلاغات سابقة لدى شرطة المصنفات وحماية الملكية الفكرية.

تغليظ العقوبة
وتخضع عملية انتهاك حقوق المؤلفين للمادة 181 من قانون حماية حقوق الملكية الفكرية، التى تنص على أن عقوبة «التعدى على حقوق المؤلف والحقوق المجاورة لها» هى الحبس مدة لا تقل عن شهر وبغرامة لا تقل عن 5000 جنيه، ولا تجاوز 10.000 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وهو ما اعتبره قانونيون على صلة بقضايا الملكية الفكرية أمرا غير كاف، وتحمل دراسة صادرة عن المركز المصرى لدراسات السياسات العامة توصية بضرورة تشديد العقوبات المنصوص عليها فى حالة مخالفة القانون، إذ تعتبر الدراسة التى تحمل عنوان: «قراءة لقانون الملكية الفكرية»، أن القانون 82 لسنة 2002 الخاص بحماية الملكية الفكرية، لا يمثل رادعا للمخالفين، ويجعل من التعدى على الملكية الفكرية فى المجتمع المصرى أمرا سائدا.
ويلجأ بعض بائعى الكتب المزورة من الموزعين، إلى حيلة للتحايل على القانون، حين يشترون كمية من الكتب الأكثر مبيعا بطريقة قانونية، فيحصلون بها على فواتير سليمة تثبت ملكيتهم لها، ويطرحونها كغطاء لبيع نسخ أخرى مزورة، وعند لحظة وقوع ضبطية قانونية، يقدمون بعض النسخ الأصلية كدليل على نزاهتهم، مع إخفاء النسخ المزورة، وهى الحيلة التى وصفها بعض بائعى الكتب المزورة. ويصعب على كثير من المشترين تمييز النسخ الأصلية من المقلدة، بينما يميزها العاملون فى مجال النشر، وهو ما استدعى قيام بعض الناشرين بتغيير أغلفة الطبعات المتتالية من الإصدارات الأكثر مبيعا، لتضليل المزورين، وهو ما أوقع بعض المزورين فى أخطاء، كأن يستخدم غلاف الطبعة الأولى مع محتوى الطبعة الثانية.
وقبل أسابيع أعلن الكاتب الشاب عمر طاهر عن مبادرة طرح فيها طبعة شعبية مُخفضة من كتابه «طريق التوابل»، وهو ما اعتبره بعض المهتمين بالشأن الثقافى فرصة لتقليل أسعار الكتب لدى دور النشر، بينما يؤكد عادل المصرى، مدير دار أطلس صاحبة حق النشر، أن هذه الفكرة لم تكن دعوة للناشرين أن يصدروا طبعات مخفضة من إصداراتهم، لأن ذلك يعد مهمة مستحيلة، ويوضح ذلك قائلا: «هذه التجربة هى إجراء انتقامى من المزورين، فهى طبعة تم طرحها تقريبا بسعر التكلفة دون مكسب حقيقى، إلى جانب ما تحمله المؤلف من تقليل أجره بشكل غير مسبوق.. هى أقرب لرسالة إلى كل مزور ينتهك أعمال الدار والكاتب، أن لدينا استعدادا لإفساد مهمته فى التزوير». ويوضح عادل المصرى الذى يشغل منصب نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين، أن مروجى الكتب المزورة أشبه بدار نشر، لا تبيع سوى الأعمال الأكثر مبيعا، دون أى تكلفة سوى الطباعة وسعر الورق، وهو ما يجعل المزورين أشبه بمنافسين شرسين فى سوق بيع الكتب، مستفيدين من خرقهم للقانون.
ويقدر أحمد بدير، مدير عام دار الشروق للنشر، حجم النسخ المزورة من العناوين الأكثر مبيعا لدى الدار، بأنها توازى حجم النسخ الأصلية المطروحة فى السوق، بينما يرى فى إصدار نسخ مخفضة من الكتب الأكثر مبيعا، أنه سيستقطع من حق المؤلف، موضحا: «إذا ما اتجه الناشرون إلى إصدار طبعات مخفضة، فإن ذلك سيقلل التنافسية بينهم، وسيقلل من حماس الكتـّاب عندما لا يحصلون على ما يوازى مقدارهم الأدبى، وحجم جهدهم وتفرغهم للكتابة».
وقبل ثلاث سنوات تقدم اتحاد الناشرين المصريين بتوصيات لإدخال تعديلات على قانون حماية الملكية الفكرية، كى يتم تغليظ العقوبة على المزورين، وتمت دراسة تلك التعديلات فى البرلمان المنحل فى العام 2012، ثم تقدم الاتحاد بالتوصيات نفسها مرة أخرى لوزير العدالة الانتقالية مؤخرا، على أمل إصدار التعديلات فى الفترة القادمة بالسلطة المخولة للسيد رئيس الجمهورية، أو انتظار انتخابات البرلمان القادم، كى يتم طرح التعديلات مرة أخرى.

نائب مدير مباحث «المصنفات» لـ«الشروق»: نحن الآن فى موسم قرصنة الكتب
• مؤشرات "الداخلية" تكشف: قرصنة الكتب العلمية أربح والأدبية أكثر رواجا

يستخدم اللواء خالد شفيق، نائب المدير العام لإدارة المصنفات وحماية الملكية الفكرية فى وزارة الداخلية، تعبير «قرصنة الكتب» بدلا من «تزوير الكتب» عند حديثه عن إعادة طبع الكتب دون تفويض من الكاتب أو دار النشر، وفى مكتبه المطل على شارع جامعة الدول العربية فى حى المهندسين، يجلس متابعا لسير العمل الذى ينقسم بين نوعين من الجرائم، هما: جرائم المطبوعات، وجرائم المصنفات.
«يختلف ضابط المصنفات فى أنه يتعامل مع مجرم ذكى، لا يلجأ للعنف، كما أن بعض المجرمين يعتبرون ما يقومون به عملا خدميا، وعند المساءلة القانونية، لا يعتبرون أنفسهم قد ارتكبوا جرائم مخلة بالشرف، ما يجعلهم يتمادون، لأنهم لا يواجهون إدانة من المجتمع». يوضح اللواء خالد شفيق أن أزمة قرصنة الكتب وطرحها فى الأسواق، ليست مقتصرة على الروايات والأعمال الفكرية، بل يوضح أن الفصل الأول من العام الدراسى، هو موسم لشريحة أخرى من «القراصنة»، ينتشرون حول الجامعات، لتوزيع قواميس ومراجع علمية مقلدة، بأقل من سعرها الأصلى، إذ أن «قرصنة الكتب العلمية أقل فى التداول مقارنة بالكتب الأدبية، لكنها أكثر ربحا»، على حد قوله.
يلتقط من فوق مكتبه نسخة من معجم للمصطلحات العلمية باللغة الانجليزية، لا يبدو من مظهرها الخارجى إن كانت نسخة أصلية أم مقلدة، بسبب جودة الطباعة والتجليد، لكنه يوضح أنها نسخة مقلدة تباع بسعر أقل حول الجامعة. ثم يستكمل «أزمتنا فى غياب وعى الناس بقضية حماية الملكية الفكرية، بل إننا نجد بعض الأكاديميين ينتهكونها بأنفسهم، ولا يرفعون من وعى طلابهم بهذه القضية، فالمجتمع يواجه حالة من التسامح مع انتهاك حقوق المؤلفين».
ويؤكد اللواء خالد شفيق وجهة نظره، بتفاصيل عن لجوء بعض المدارس الخاصة إلى مطابع تنسخ الكتب الدراسية والقواميس دون إذن الناشر، بحثا عن السعر الأرخص.
وتعد مصر حسب تقرير «التحالف الدولى للملكية الفكرية IIPA» للعام 2013 تحت تصنيف «لائحة المراقبة»، وذلك بعد أن كانت قبل سنوات فى «لائحة أولوية المراقبة»، وهو ما يعبر عن تطور فى تعامل الدولة مع قضية الملكية الفكرية، ويأخذ الممثل التجارى الأمريكى بهذا التصنيف، فى تعاملاته الخارجية مع الدول المختلفة.
وحسب حديث اللواء خالد شفيق، فإن قرصنة الكتب تمثل جزءا من عالم القرصنة فى مصر، الذى يطال البرمجيات، ورفع نسخ ضوئية من الكتب على الإنترنت والأفلام، وحتى أمور البث الفضائى، وهو ما يمثل فى مجموعه صورة لحالة الملكية الفكرية فى مصر، كما يؤكد على أن ضعف العقوبة فى غرامة مالية على قرصنة الكتب، لا يساهم فى ردع المزورين.
وتعد العقوبة الأشد فى ممارسة الطباعة دون ترخيص، هى حالة طباعة المصحف الشريف والأحاديث النبوية دون ترخيص من مجمع البحوث الإسلامية، وهو ما ينظمه القانون رقم 102 لسنة 1985بشأن تنظيم طبع المصحف الشريف والأحاديث النبوية، الذى يصل بالعقوبة إلى السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات والغرامة فى حالة العودة، والعقوبة بالأشغال الشاقة المؤقتة، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه فى حالة تعمد تحريف نص القرآن الكريم.
وينفى نائب المدير العام لإدارة المصنفات وحماية الملكية الفكرية أن تكون سوق قرصنة الكتب موازية فى حجمها سوق النشر التقليدى، أو أن تكون مصر نقطة توريد كتب مزورة إلى الدول المحيطة قائلا: «هناك محاولات دءوبة لمطاردة المطابع والقيام بحملات ضد موزعى الكتب المقرصنة».
وبين محاولات ضبط أصحاب المطابع المخالفة، واستمرار ظاهرة قرصنة الكتب، تعد هذه الفترة موسما لقرصنة الكتب وإعادة طبعها مع بدء الموسم الدراسى الجامعى، خاصة فى مجال الكتب العلمية، إلى جانب استعداد العاملين فى مجال قرصنة الكتب الأدبية، لاستنساخ كم من المطبوعات، استعدادا لموسم ازدهار الكتاب الأدبى والفكرى فى نهاية العام، قبيل معرض القاهرة الدولى للكتاب بعد أشهر قليلة.
نسخة واحدة من كتاب ورقى تساوى آلاف النسخ على الإنترنت

فى موقع شهير لتحميل الكتب على الانترنت، تم تحميل رواية «عزازيل» 70674 مرة، وهو ما يتكرر فى مواقع شبيهة لتحميل الكتب، ما يجعل كم النسخ المستنسخة إلكترونيا عن الكتاب الورقى، أكثر انتشارا على أجهزة الكمبيوتر من الكتب الورقية التى يحفظها القراء فى مكتباتهم الشخصية.
وتجرى عملية الاستنساخ عبر تصوير نسخة الكتاب بجهاز ماسح ضوئى Scanner، ثم تحويلها إلى ملف إلكترونى على الإنترنت، وهو ما احترفه عدد من رواد الإنترنت فى السنوات العشر الماضية.
أحد ابرز الأسماء فى هذا المجال هو «على مولا» مؤسس منتدى مكتبة الاسكندرية، الذى استنسخ فيه حوالى 1400 كتاب من مقتنياته الشخصية، إلى جانب مهمته الأكبر فى تجميع روابط النسخ المنتشرة على الإنترنت، للتسهيل على من يرغب فى تحميلها إلى جهاز الكمبيوتر الشخصى.
ويرى على مولا ذو الأصل السورى والمقيم فى مدينة بودابست المجرية، أن موقعه الالكترونى يقدم خدمة للقراء، ويشبهه بمعبدالفكر وقبلة الباحثين، على حد قوله، فى الوقت الذى يتهمه بعض هواة نشر الكتب على الانترنت بأنه مهووس بالشهرة، وأنه سعى لإفشال محاولاتهم لتأسيس مواقع شبيهة.
وفى حالات الكتب المستنسخة عن أصل ورقى ومطروحة على الانترنت، فهناك من ينسخ صورة ضوئية منها بشكل عفوى، دون أن يدرك إنها تنتشر بكثافة، مثلما يتضح من أحاديث بعضهم فى المنتديات الإلكترونية المهتمة بهذا المجال، على عكس شخصيات مثل على مولا المشار إليه سابقا، الذى يستهدف كتبا ذات طابع فكرى وفلسفى ثقيل.
وتتجاوز أزمة حقوق الملكية الفكرية فى فضاء الإنترنت، مشكلة استنساخ كتب ورقية ثم طرحها على الانترنت، إلى مشاكل أخرى تخص الحفاظ على الحقوق الأدبية لمن يكتبون على الانترنت، فى مدوناتهم أو فى صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعى، وتحاول رخصة المشاع الإبداعى، التى بدأت تستخدمها المواقع الالكترونية، حل هذه المشكلة عبر توضيح الغرض من طرح ملف على الانترنت، وتوضيح المؤلف إذا ما كان سيسمح باستغلال مؤلفه أم لا، فإما أن يوضح أن «بعض الحقوق محفوظة» لمنتجه، أو أن تكون «جميع الحقوق محفوظة».. لكن خرق ذلك لا يخضع للقانون أو العقوبة، سوى من المواقع نفسها التى تنشر المنتج المخالف، وهو ما ينطبق على المؤلفات الموسيقية أو المكتوبة.
أما فى الكتب الورقية، فهى تخضع بشكل كامل لقانون حماية الملكية الفكرية، وهو ما أثار أزمة أخلاقية لدى بعض مستخدمى الانترنت حين يقومون باستنساخها الكترونيا وبتحميلها، حين يواجهون التنويه المدون على هذه الكتب بأن حقوق الطبع محفوظة للناشر، خاصة أن بعضهم يقوم بتحميل كتب دينية، ويخشى أن يكون فى ذلك معصية.

Saturday, October 11, 2014

قصص من طاردوا أحلامهم

بعيدا عن صخب السياسة وتقلبات الأحداث، يعيش بيننا من نجحوا في وضع أقدامهم على عتبات تحقيق أحلامهم.. لم يكن المشوار سهلا، فهناك من توقف لسنوات، وهناك من ما زال يقاوم ظروفا بائسة، على أمل تحقيق أحلام مؤجلة. وبين كاتب للسيناريو، ومعيد جامعي، ومهندس شاب، غاية واحدة تجمعهم فى مطاردة أحلامهم حتى النهاية.

كتب ــ عبد الرحمن مصطفى 

هشام هلال.. حلم كتابة السيناريو الذى تأخر 


يعكف السيناريست الشاب هشام هلال والكاتب أحمد مراد على كتابة النسخة المصرية من المسلسل الأمريكى الشهير «Prison Break». 
قد توحى المقدمة بأن كل شىء مستقر، دون أن يعرف القارئ كيف سارت الأمور مع السيناريست هشام هلال، أو كيف وصل إلى المرحلة الحالية.. فهل كانت الأمور تسير على ما يُرام على مدى السنوات السابقة؟ 
"قبل أكثر من عشر سنوات، كانت الحياة مظلمة، وكان حلم كتابة الدراما قد انتهى تماما.. كنت أعمل موظفا للاستقبال فى السفارة اليابانية". يروى هشام هلال، الذي أتم عامه الأربعين، قصة شريحة من العاملين في مجال الكتابة، لا نعرف الكثير عن صراعاتهم، إلى أن وصلوا إلى الاستقرار النسبي في مجالهم، وهو واحد من هؤلاء الذين أجبرهم الواقع على ترك أحلامهم لفترة، بسبب اتخاذهم الطريق التقليدى، حيث الوظيفة المستقرة، والحياة العادية، رغم ما سببه ذلك فى أزمات نفسية للبعض. 
"منذ المرحلة الإعدادية، وأنا مولع بكتابة السيناريو، كنت أشترى عددا من السيناريوهات المنشورة فى كتب، لأعرف كيف تتم صناعة عمل فني. لكن في لحظة الاختيار بعد الثانوية العامة، خضعت لقرارات الأسرة، واخترت الحياة التقليدية دون الالتحاق بأكاديمية الفنون، وتبدلت بين كليات التجارة، ثم الحقوق، ثم الآداب". هكذا يصف هشام هلال قصة تتكرر كثيرا في حياة الشباب، تدفعهم للابتعاد عن مغامرات في مجالات عمل غير مستقر، وعلى رأسها مجال الكتابة. 
 وإلى جانب ما تتخذه بعض الأسر المحافظة والبعيدة عن المجال الفنى من إجراءات لإبعاد أبنائهم عن هذا الطريق، فإن فترة التسعينيات التى يتحدث عنها هشام هلال، كانت أكثر صعوبة من الآن، حين كان سوق الدراما مغلقا، بحكم غياب أى متنفس فى الفضائيات أو حتى فى الإنترنت. أما الأصعب فى حياة هشام فقد كان ولعه الشديد بتخصص محدد هو كتابة السيناريو، وهو عالم أكثر انغلاقا من الإخراج أو التمثيل. "التحقت بورشة تدريبية داخل قصر السينما فى عام 1997، وهدفى أن أحضر محاضرات الكاتب وحيد حامد، لكنها لم تتم بسبب وقوع أحداث الأقصر وقتها.. كانت الإشارات كلها توجهنى للابتعاد عن هذا المجال، بينما كنت أعطى دروسا خصوصية لأكسب قوت يومى». 
يجلس هشام هلال فى أحد كافيهات المعادى الشهيرة، متحدثا بسعادة عن أعمال شارك فى كتابتها فى العامين الماضيين، منها: المنتقم، وطرف ثالث. ويتوقف حديثه أحيانا، ليتذكر سنوات التخبط بين ملاحقة الحلم والتخلى عنه، وقناعته التى تراكمت فى سنوات التسعينيات عن أن كتابة السيناريو، لا تصلح أن تكون مهنة يعتمد عليها بشكل كامل، رغم تحقيقه بعض النجاح فى تجربة ورشة خاضها مع زميليه محمد حماد ووليد خيرى، أنتجا منها فيلما مستقلا بعنوان «مرسال المراسيل»، وذلك بأقل التكاليف الممكنة. 
«فى تلك الفترة، كنا نعلم جيدا أن شركات الإنتاج المحدودة، تتكدس أرففها بعشرات السيناريوهات، وأحيانا ما يلقى بعضها فى سلة المهملات.. كان العالم مغلقا ولا يشجع على استكمال المشوار». 
هكذا يصف هشام تلك المرحلة، التى دفعته إلى طريق اليأس والاعتكاف، أو على حد قوله: «تركت كل شىء، والتزمت طريق التشدد الدينى، ثم اخترت الزواج، واعتبرت حلم كتابة الدراما وهمًا لا يستحق العناء.. وكانت سنوات عمرى تمر أمامى دون تحقيق إنجاز».

 موظف استقبال 
فى عام 2002 استلم هشام هلال وظيفة فى السفارة اليابانية، بعد سنوات من إعطاء دروس خصوصية بمقابل معقول، وعمل موظف استقبال، وهو فى سن الثامنة والعشرين، كشاب جامعى حاصل على ليسانس الآداب من قسم اللغة الإنجليزية، وقضى خمس سنوات ترقى فيها من موظف استقبال إلى مترجم فى المكان نفسه، لكن الحلم القديم ظل يطارده من بعيد. "لن أدعى أنى من جيل مظلوم، لكن أعتقد أن أحوالنا قد تحسنت مع عام 2005، حين بدأ حراكا فى مصر على مستوى الإعلام والفن، وتعددت الفضائيات وبرزت الحركة الفنية المستقلة». 
فى هذا العام كان هشام هلال يعيش كموظف تقليدى، فى سن الواحدة والثلاثين، يعانى من حنين قديم إلى حلم كتابة الدراما، وواقع يتطلب عملا مستقرا. فبدأ فى الكتابة ضمن ملحق «ضربة شمس» فى جريدة الدستور، ثم تسلل إلى عالم الدراما مرة أخرى من بوابة الكتابة ضمن ورشة إعداد برنامج الأطفال «عالم سمسم» للأطفال فى عام 2006، وبدأ فى المشاركة ضمن ورش الكتابة لحلقات (السيت كوم) التى بدأت تظهر على شاشات التليفزيون المصرى، وفى العام 2007 كان عليه الاختيار، ليتكرر الموقف الذى عاشه من قبل مرة أخرى، أن يتفرغ للبحث عن فرص فى عالم الدراما، أو أن يستمر فى عمله المستقر، ثم كان القرار بالاستقالة من عمله فى السفارة اليابانية. "كنت رب أسرة فى الثالثة والثلاثين، وحاولت العمل فى مجال لا يتسم بالاستقرار، لذا اتهمنى أهلى بالجنون، عدت وأنا أعلم أننى مقبل على حرفة لا يمكنها أن تكون وظيفة مستقرة.. لكنه كان القرار". 
يصف هشام تلك المرحلة، التي بدأ يبحث فيها لتحقيق حلمه القديم، وقضاء سنوات من التوتر والقلق حول المستقبل، متذكرا بعض أسماء كبار كتاب السيناريو الذين بدأوا مشوارهم متأخرا. 
"قامت الثورة فى 2011، وكنت داعما لها، لكنى قضيت سنة ونصف بلا دخل، فقد توقف السوق تماما، وأنا ما زلت أحاول تثبيت أقدامى فى هذا المجال، وتعرضت لخسارة مادية كارثية فى تلك الفترة". 
يستكمل هشام هلال حديثه فى هذه النقطة وهو يراجع نفسه حتى هذه اللحظة، هل يمكن أن تتحول حرفة كتابة الدراما إلى عمل مستقر ودائم؟ لا يجد إجابة، رغم الاستقرار النسبى الذى يعيشه حاليا فى سوق الدراما. المؤكد فى حديثه أنه متصالح مع الفترة التى ترك فيها حلمه، رغم خسارته سنوات. أو على حد قوله: "كنت أكتب فى ورشة إعداد سيناريو وهناك من هم أصغر منى بسنوات". 
أما الآن فقد أصبح مشغولا بعمله، أكثر من انشغاله بالقلق من المستقبل، مودعا تجارب الإخفاق السابقة.

أمنيات الطفل اليتيم الذي اختار طريق الهندسة


رغم ما حققه من إنجاز في حياته، منذ أن كان طفلا يتيما في أسرة فقيرة، ونجاحه في أن يصبح مهندسا في صيانة السيارات، فإنه تحفظ على نشر اسمه أثناء الحديث عن تجربته، فما زال يصيبه بعض القلق من تعليقات الآخرين على ما مر به من معاناة. ويتجاوز ذلك سريعا في قوله: "أمامي حلمان أسعى لتحقيقهما في المستقبل، الأول أن أدير مؤسسة أو جمعية خيرية لرعاية الأيتام، أما الثاني فهو أن أؤسس مع أحد أصدقائي مركزا لصيانة السيارات في موطني الأصلي بمركز سمالوط في المنيا، ووضعنا تاريخا محددا لتحقيق هذا الحلم فى سنة 2020″. 
يتحدث سامي ممدوح ــ تم تغيير الاسم بناء على طلبه ــ في أحد المقاهي المجاورة لمسكنه ومقر عمله الحالي في الجيزة، ورغم ما يظهر في حديثه من نبرة واثقة، فإنه لم يكن كذلك في فترة طفولته، بل كان طفلا خجولا، ليس في استطاعته أن يدير حوارا مع الآخرين، وكثيرا ما تلقى تعليقات على سلوكه الانطوائي، من العملاء في الأماكن التي عمل بها منذ أن كان في مرحلة الإعدادية. 
 هذا المهندس الشاب الذي بلغ الرابعة والعشرين من العمر مؤخرا، تغيرت حياته تدريجيا، حين وجد من يلهمه. يصف ذلك قائلا: "كنت طالبا متفوقا في سنوات الدراسة، وفي الصف الثالث الإعدادي كان مصيري قريبا من مصير إخواتي الكبار، الذين تركوا الدراسة بسبب الأحوال المادية السيئة، وهنا ظهرت منظمة كوبتك أورفانز الخيرية، المعنية بدعم الأطفال الأيتام، لقد دعموني نفسيا قبل الدعم المادي". 
 يقف سامي حاليا في منتصف الطريق لتحقيق أحلامه، فقد أنجز الجزء الأول، حين نجح في تجاوز ظروفه البائسة حتى تخرج مهندسا، ما زال يشق طريقه بنفسه، كما أنه استغل علاقته بمؤسسة «كوبتك أورفانز» لرعاية الأيتام، واهتمامه بالأنشطة الكنسية والخدمية في تنمية شخصيته، على أمل أن ينقل ذلك إلى الآخرين في المستقبل. 
"بعد أن تخرجت في كلية الهندسة بجامعة المنيا العام الماضي، توجهت مباشرة إلى المؤسسة التي طالما دعمتني كي أقوم بدوري في دعم الأيتام متطوعا معهم، فأنا أكثر من يدرك حساسية الطفل اليتيم وسط المجتمع". 
 يتحدث سامي بنبرة قلق من تنفيذ طموحاته، والاستمرار على مبادئه التى لخصها في بعض العبارات منها: "إحنا مولودين عشان نساعد بعض ونخدم الناس" و"زي ما الشغل ليه حق عليا، كمان فيه حق ربنا، وفيه حق الناس اللي مستنيين مساعدتنا». 
ويستدعى أثناء حديثه ذكرى «صالح»، وهو المتطوع المسؤول عن رعاية الأيتام في مؤسسة «كوبتك أورفانز» داخل نطاق مركز سمالوط بمحافظة المنيا، الذي كان يشرف على عشرات الأيتام، ويتابع احتياجاتهم المالية ومستواهم الدراسى، بل وأعياد ميلادهم.. هذا النموذج هو الذي طور حياة طفل يتيم خجول مثل سامي، أو على حد قوله: "لم يكن إحساسا مريحا أن تقابل نظرات الشفقة من المحيطين بك طول الوقت، أو أن تأتيك إشارات في المدرسة بأنك تحصل على تعليم مجاني، دون دفع مصاريف الكتب لأنك يتيم، لكن مقاومة ذلك كانت بالانخراط في أنشطة كنسية وجامعية كثيرة، فأصبحت بعد سنوات مسؤولا عن تنظيم معسكرات شبابية، وأخوض تجارب التمثيل المسرحى". 
هنا يتحدث وهو يدرك أنه في رحلة إعداد طويلة من أجل تحقيق أهدافه، فالطفل الذي كان يتلعثم في الحديث، كان عليه قضاء سنوات من أجل الاقتراب من حلمه الأول في أن يصبح مسؤولا عن نشاط يدعم الأيتام، كما كان عليه أن يقضي سنوات من التفوق التعليمى حتى يصبح مؤهلا ليصبح مهندسا ناجحا. 
"أحاول أن أكون مشرفا على طفلين يتيمين، أساعدهما في الدراسة والدعم النفسي طوال الوقت، وذلك عن طريق الجمعية نفسها التي كانت تدعمني من قبل.. مجرد خطوة في طريق طويل قد يتحقق بعد مزيد من السنوات". ووسط زحام القاهرة، تبدو الصورة ضبابية أحيانا أمامه، ما يصنع لديه قناعة بأن مستقبله ليس هنا، بل في مسقط رأسه في محافظة المنيا، مشرفا على أيتام ومهندسا ناجحا يملك مركزا للصيانة. 

 PDF

Thursday, October 2, 2014

الموت البطيء يطارد الحرف التراثية

في الجهة المقابلة من دار الإفتاء المصرية على طريق صلاح سالم بالقاهرة، تتراص المقابر لتخفي وراءها عالمًا مختلفًا، حيث تتجاور ورش الحرف التقليدية بين المنازل العتيقة والأماكن الأثرية، وفي أحد دروب منطقة «قايتباي» في تلك الناحية، تقع ورشة يعود تاريخها إلى عشرات السنوات. هي ورشة «الشامي» التي ما زالت تنتج علب مجوهرات، وحافظات للنقود، مصنوعة من الجلد الطبيعي.
«المكان تقريبًا شبه مغلق، ولا يفتح أبوابه للعمل سوى لإنتاج طلبيات أصنعها لحساب أصحاب الورشة، أو ما أنتجه لحسابي الشخصي، وهو ما يتكرر على فترات متباعدة، كل عدة أسابيع».. الحديث هنا لميلاد إبراهيم، الحرفي الوحيد المتبقي في هذه الورشة.
ما زالت الجدران تحمل ذكرى الفترة التي نشط فيها المكان قبل سنوات، من ملصقات على الحائط للنادي الأهلي وصورة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وغيرها، لكن الورشة نفسها لم تستطع الإبقاء على من بها من حرفيين، بسبب ركود السوق، بعد دخول منتجات صينية أرخص سعرًا قبل 15 سنة تقريبًا، ثم انهيار سوق البازارات في السنوات الثلاث الماضية نتيجة ضعف حركة السياحة.
وتدخل حرفة صناعة العلب التذكارية وحافظات النقود الجلدية، ضمن عدد كبير من الحرف اليدوية، التي تشغل واجهات البازارات السياحية، وبعض تلك الحرف تمتد جذورها لمئات السنوات، ولا تجد من يقدر قيمتها، في سوق أصبحت تستورد منتجات أرخص.
«بدأت في هذه الورشة قبل حوالي 20 سنة، وكانت المهام تتوزع علينا في تخصصات، وكلما قل عدد الحرفيين، كنت أقوم بمهامهم، أما الآن فأقوم بأغلب مراحل العمل في منزلي، عدا المراحل التي أحتاج فيها معدات الورشة، مثل الطباعة وتلوين المنتجات». هكذا يشرح ميلاد إبراهيم الحالة الراهنة. ولا يعرف طريقًا للحصول على دعم مالي يسانده في العمل، ولأنه أقرب إلى حرفي مستقل، فهو خارج خريطة التأمينات الاجتماعية، ولا يبدي اهتمامًا في التعرف على مثل هذه التعقيدات.
إذن فلماذا لا يتضامن من هم على شاكلة ميلاد لحل أزماتهم المتوالية؟ يجيب قائلا: «ليس أمام الحرفي، أيًّا كانت مهاراته الفنية، سوى التاجر الذي سيبيع منتجاته، ولم أسمع عن محاولات سابقة لتجميع الحرفيين من أجل الدفاع عن مهنتهم وحمايتها من الاندثار». على أرض الواقع، كانت هناك محاولات لتجميع أبناء الحرف التراثية في كيان واحد، لكنها لم تكلل بالنجاح الكامل.

العصر العثماني
«هناك أوقات كانت تزدهر فيها الفنون، وأوقات أخرى شهدت اضمحلالا مثل العصر العثماني.. ونحن الآن في مرحلة شبيهة بالعصر العثماني». تلك العبارة لمحمد ناصف المعروف بين أبناء شارع أبو حريبة في منطقة الدرب الأحمر باسم «محمد شركس».
كانت رحلة قصيرة من ورشة «الشامي» في منطقة قايتباي، حيث تركنا ميلاد إبراهيم، في اتجاه محمد ناصف في منطقة الدرب الأحمر، وفي زقاق جانبي من الشارع، ممرات تقود إلى غرفة صغيرة حيث يجلس محمد ناصف وسط عشرات المنتجات الخشبية المطعمة بالصدف.
«بعد ثورة 25 يناير وتعطل سوق السياحة، طرأت على ذهني فكرة أن يجتمع الحرفيون في كيان نقابي، وهو ما شاركني فيه عدد من الزملاء، وقمنا بتسجيلها رسميًّا، لكننا مع الوقت اكتشفنا أن الأمر ليس بهذه السهولة».
ينتج محمد ناصف علب مجوهرات خشبية، وعلبًا للمصاحف وغيرها من المنتجات المطعمة بالصدف، ويتوقف عن الحديث ليأتي بصدفة لؤلؤ طبيعية ويشرح كيفية تحويلها إلى غطاء فني لمنتجات خشبية، أما النقابة العامة للعاملين في الحرف التراثية المصرية‏، فلم تنم كما كان متوقعًا لها، واتجه أحد قياداتها إلى تأسيس كيان بديل.
«هناك مشكلة لدى الحرفيين أنفسهم في قلة الوعي، إلى جانب أننا قد سجلنا حوالي 32 حرفة تراثية في النقابة، وهو ما لم يصنع حالة من التجانس أثناء مناقشاتنا».
أما أحد أسباب بقاء محمد ناصف في هذه المهنة، أن لديه ورشة يعمل داخلها حتى مع قلة الإنتاج أو انسحاب من لديه من العمال إلى مجالات أخرى. «أحد العمال المهرة تركني ليعمل حاليًّا حمّالا في سوق الأزهر، وآخر يعمل سائقًا على توك توك». على حد قول ناصف القائم على أعمال النقابة العامة للعاملين في الحرف التراثية المصرية، أما ما يجعله يستمر حتى النهاية فهو أنه قد حقق سمعة طيبة في المجال، تجعله لا يفكر في ترك المهنة، رغم أنه ما زال في سن الثانية والأربعين.
وسط هذه الأجواء لا تظهر حلول أمام إنقاذ الحرفيين المهرة من الهروب من مهنهم النادرة، سوى في استعادة السوق السياحية التي كانت تستوعب إنتاجهم طوال الوقت، أما البديل فهو في الاتجاه إلى تصدير تلك المنتجات إلى الخارج، أما قيام الحرفيين أو التجار بعرض منتجاتهم اليدوية والتراثية، على نفقتهم في معارض تجارية فهو ليس الحل الأمثل، بسبب غلاء أماكن العرض، إذ يصل تأجير متر العرض في بعض المعارض الشهيرة إلى 10 جنيهات في اليوم.

الحكومة غائبة
في نوفمبر من العام الماضي، تم تدشين المجلس التصديري للصناعات اليدوية، وذلك من خلال 9 شركات تعمل في مجال الصناعات اليدوية، ويطمح المجلس لزيادتها إلى 30 شركة. «هناك مشكلة يجب أن نتحدث عنها في البداية، وهي أن طريقة البيع للبازارات ومواصفات المنتجات التي تباع هناك، تختلف تمامًا عما هو مطلوب في عالم التصدير إلى الخارج، وهذا الفارق لم يصل للأسف إلى الحرفيين أو التجار».
يتحدث هشام الجزار وكيل المجلس التصديري للصناعات اليدوية، عن أنه يجب في البداية أن يتم وضع استراتيجيات للنهوض بالحرف التقليدية، وإتاحة المناخ أمام ازدهارها، أما دور المجلس التصديري فما زال ناشئًا، يتحسس الطريق في فترة تشهد تعديلات في بعض السياسات الاقتصادية.
وحسب تقديره فإن حصيلة صادرات مصر من الصناعات اليدوية بلغت 500 مليون دولار في العام 2013. ويشرح ذلك بقوله: «هناك فرق مهم حين نتحدث عن الصناعات اليدوية، التي قد تضم خامات أرخص ومهارات أقل، وبين أن نتحدث عن صناعات ذات طابع تراثي في طريقها للاندثار.. فالحرف التراثية يجب أن يكون التعامل معها بشكل مختلف، لأنها ذات قيمة أعلى، فليست كل صناعة يدوية هي صناعة تراثية».
وبعيدًا عن عالم التجارة والتصدير، تتصدى بعض المؤسسات المهتمة بالحفاظ على التراث للتعاون مع الحرفيين أو دعمهم، لكن يبقى نشاط هذه المؤسسات مقتصرًا على دائرة ضيقة من الحرفيين الذين يتعاونون معها، وليس في إمكانها التأثير في مجتمع العاملين في الحرف التراثية.
«أرى أن الحل لإنقاذ ما تبقى من العاملين في الحرف التراثية هو إنشاء مجلس أعلى للحرف التراثية». يتحدث عز الدين نجيب، رئيس جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة، عن مشروعه الذي تقدم به إلى رئيس الوزراء الأسبق عصام شرف، ثم وزير الثقافة الأسبق عماد أبو غازي، ثم وزير الثقافة السابق صابر عرب، ولم تحدث استجابة لاقتراحه بسبب التغييرات السياسية الدائمة، في الوقت الذي لم تستطع فيه جمعية أصالة التي يديرها الحصول على أي دعم مادي منذ حوالي ست سنوات.
«هناك بعض المؤسسات لديها مهارة اصطياد الدعم الخارجي، لكن في النهاية مثل هذا الدور لا ينقذ حرفة أو يعيد عاملا إلى مهنته». هذا حسب عز الدين نجيب الذي قضى سنوات من حياته يعمل داخل وزارة الثقافة في مجال إحياء الحرف التراثية.
ويلخص رئيس جمعية أصالة أهداف المشروع – الذي سلم نسخة منه إلى رئيس الوزراء الحالي إبراهيم محلب – في عدة أهداف، هي أن يقوم هذا المجلس بإنشاء صندوق لدعم الحرفيين دون فوائد مالية، وأن يضم مجلس أمناء مشكلا من الخبراء والعاملين فى هذا المجال، وأن ينشئ المجلس شركة لتسويق وتصدير انتاج الحرفيين المصريين، إلى جانب القيام بعمل بحثى يرصد الحرف التراثية والمهددة بالاندثار، وتحديد عدد العاملين فيها.
«حين تقدمت بهذه الفكرة فى المرة الأخيرة، لمست ترحيبا من رئيس الوزراء الحالى، لكنى فوجئت بأن وزير الثقافة الدكتور جابر عصفور، قد بدأ فى تقديم أفكار شبيهة لضمها داخل وزارته، وهو ما سبب لى بعض الانزعاج من عدم إتمام فكرة المجلس الأعلى لرعاية الحرف التراثية». وهنا يتحدث عز الدين نجيب بحكم خبرته السابقة فى العمل داخل وزارة الثقافة، إذ أدرك بعد سنوات أن قضية الحرف التراثية لم تعد قضية ثقافية، بل لا بد أن يتم التعامل معها كاستثمار وتجارة إلى جانب التاريخ والثقافة.
وفى الوقت الذى يتساقط فيه الحرفيون إما بحكم انقضاء أجلهم أو بسبب انسحابهم إلى مهن أخرى، يظل عالم الحرف التراثية، مغلقا على من يعملون داخله، دون القدرة على تسويق منتجاتهم داخليا بين المصريين أو خارجيا مثل تجارب دول أخرى نجحت فى تحقيق هذه المعادلة على رأسها الهند، وهو ما زال البعض يحلم بتحقيقه فى مصر.


«النقش على النحاس».. حرفة تواجه شبح الاندثار

في حارة متفرعة من درب المسمط فى حى الجمالية، يجلس عبده الحلوانى الذى شارف على عامه الستين، فى مدخل بيت عتيق، جوار منطقة النحاسين الشهيرة. لا يخفى نبرة الثقة فى النفس أثناء الحديث، إذ عمل لأكثر من أربعين سنة فى صناعة المنتجات النحاسية، وهو واحد من 7 أسطوات فى المهنة تبقوا من زمن النقش على النحاس.
«عملت فى فترة من حياتى فى بغداد، وصنعت منتجات كانت تصل إلى صدام حسين أثناء فترة حكمه فى الثمانينيات، كما عملت فى سوريا ولبنان فى نفس المجال.. أما اليوم فقد حدثت تحولات ما زلت لا أستطيع استيعابها». يتحدث عبده الحلوانى وهو يجلس بتلقائية على درجة سلم يقود الزائر إلى الورشة فى الطابق العلوى، حيث يمر عليه بعض «الصنايعية»، وفى أيديهم كرات معدنية كبيرة تستخدم كغطاء للإضاءة.
والمفارقة التى يشرحها الأسطى المخضرم أنها ليست مصنوعة من النحاس، بل تمت صناعتها من الصاج. «يتكلف شراء كيلو الصاج 12 جنيها، بينما يتكلف كيلو النحاس 80 جنيها، فاتجهنا إلى الصاج حتى نعيش، وهى صناعة لا تحتاج سوى الحد الأدنى من المهارة، ولا تحتاج إلى فنانين». ويفرق عبده الحلوانى بين «أسطى» فنان، وبين حرفى عادى، إذ تبرز مهارة «الفنان» فى ابتكاره تصميمات ينقشها بيديه على الأوانى النحاسية.
وطوال الوقت كان عدد الحرفيين المهرة فى مجال النحاس قليلا، إذ يذكر الباحث الفرنسى أندريه ريمون، فى كتابه «الحرفيون والتجار فى القاهرة فى القرن الثامن عشر»، أن عدد الحرفيين فى هذا المجال قد بلغ 44 فردا فى إحدى فترات الحكم العثمانى. بينما يقدر تجار وحرفيون شهدوا حقبة الخمسينيات من القرن الماضى أن العدد قد بلغ 12 فردا، وهو ما انخفض حاليا إلى 7 أفراد، لا يجد أغلبهم فرصا لإبراز مهاراته بشكل كاف.
«المهارة فى هذا المجال لم تعد تقتصر على إبداع الحرفى، لكنها تمتد لتشمل كيفية إدارة الورشة، وحاليا أصبحت هناك مهارة زائدة فى كيفية الحفاظ على ما تبقى من الحرفة». لم يتحدث عبده الحلوانى بيأس أو إحباط بقدر ما أبدى تفاؤله بتحسن سوق السياحة فى المستقبل، فى الوقت الذى ورث عنه نجلاه ياسر ومحمد المهنة نفسها، على أمل أن يكتسبا بعضا من مهارته النادرة.
«فى فترة إحباط فكرت أن أترك المجال، وأن أعمل فى صناعة الأوانى المنزلية التقليدية، لكنى سرعان ما تركت تلك الفكرة». يتحدث عبده الحلوانى، هنا عن فكرة دارت برأسه معتمدا فيها على والده الذى تفرغ لإدارة محل صغير فى شارع أمير الجيوش فى باب الشعرية، لكنه قرر الاستمرار فى حرفته حتى النهاية

Monday, September 29, 2014

صحفيون بلا مصادر.. أزمة لها مزايا


 
كتب- عبدالرحمن مصطفى

يتابع أغلب الصحفيين جهات ومؤسسات بعينها، يستمدون منها أخبارهم بشكل دائم، وهو ما يجبرهم على أن يتوزعوا بين “مصادر أخبار” محددة للحصول على مادة أخبارهم. وهنا تظهر تعبيرات من نوعية “فلان ماسك وزارة الكهرباء” أو “فلان ماسك التعليم العالي”، لتعبر عن حالة يرتبط فيها الصحفي بمصدره، محاولا ألا يفوت خبرا أو معلومة تخص ذلك المصدر وإلا سيحاسب على تقصيره.

هذا المقال ليس عن هؤلاء الصحفيين المتابعين لمصادر بعينها، ولا عن الذين اختاروا أن يتخصصوا في الصحافة الفنية أو الثقافية أو الرياضية أو العلمية دون غيرها. بل عن الذين فرضت عليهم مهمتهم التبدل بين المصادر لتحقيق هدف واحد، هو كتابة تحقيق، أو فيتشر.

ورغم ما يتلقاه العاملون في مجالي التحقيقات وكتابة الفيتشر أحيانا من اتهامات بأنهم يفتقدون التخصص، حين يتبدل الصحفي من موضوع عن أزمة الطاقة في مرة، إلى موضوع عن الأحياء العشوائية، وهكذا. إلا أنه تظل هناك بعض المزايا الأخرى، من أهمها:

– يتعرف الصحفي على تجارب جديدة، مع كل فكرة موضوع يعمل عليها، وهو ما يجبر الصحفي أيضا على توسيع دائرة معارفه في كافة المجالات، كي يكون مستعدا للمهمة القادمة، أيا كانت.

– يصنع تجديد المصادر مع كل موضوع “أجندة”، و “أرشيفا”، يدعم الصحفي في أي مساحة عمل يلتحق بها في المستقبل.

– تكرس صحافة التحقيقات حالة من عدم الولاء للمصادر، إذ لا يقع الصحفي في حرج التعامل مع المصادر نفسها بشكل متكرر لأغراض إخبارية، وهو ما يجعله متفرغا لإنجاز موضوعه، دون حسابات الحرج مع المصدر.

– توفر التحقيقات مساحة للصحفيين الذين يملكون مهارات بحثية عالية في إشباع مهاراتهم من خلال كل موضوع جديد يعملون عليه، وهو ما يشبه عمل الباحثين في مجال الأفلام الوثائقية.

كل هذه المزايا، لا تقلل من شأن صحفي الأخبار المرتبط بمصدر محدد، فصحفيو الأخبار هم من يمدون الصحف بمانشيتاتها اليومية وانفراداتها المتميزة، كما أن تلك المزايا التي ذكرناها، لا تعلي من شأن صحفي التحقيقات والفتيشر على زملائه.

أما إذا انتقلنا إلى صلب الموضوع الرئيسي للمقال، فنحن نتحدث عن الأزمة الكبرى التي تواجه الصحفيين غير المرتبطين بمصادر محددة، وهي عن كيفية الحصول على مصادر جديدة مع كل موضوع يعملون عليه. وحتى نصل إلى بعض الحلول، كان علينا الاسترشاد بآراء بعض العاملين في أقسام التحقيقات والفيتشر والإعداد التلفزيوني، كي نصل إلى مجموعة من النقاط، كلها متعلقة بسؤال:

كيف يمارس الصحفي مهنته وهو غير متخصص في مصدر إخباري محدد؟

– في البدء لا بد للصحفي أن يملك علاقة جيدة مع الإنترنت، تمكنه من سرعة الوصول إلى كل ما يخص فكرة موضوعه في أقصر وقت ممكن، حين يبحث عن المعلومات المتاحة عن فكرة موضوعه، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال ماكينات البحث الشهيرة، أو في موضوعات صحفية سابقة.

– قد يكون الطريق الأهم والأفضل في الوصول إلى مصدر جديد، هو الاستعانة بزملاء المهنة وطلب معاونتهم في الوصول إلى وسيلة اتصال بالمصدر المطلوب، وهنا يتجه صحفي التحقيقات أو كاتب الفيتشر إلى زميله الذي يتابع مصدرا بعينه، وفي أجواء طبيعية، لا يمتنع صحفي عن معاونة زميله.

– بعد تحديد أهم المصادر المطلوبة في الموضوع، تبقى طريقة الوصول إليها.. وليس هناك حرج إن لم تكن هناك وسيلة مباشرة للوصول إلى المصدر، أن يعود الصحفي إلى الطرق التقليدية. مثل البحث في دليل التليفونات الأرضية، أو الاتصال بمكان عمل المصدر للوصول إليه، أو التواصل معه من خلال حسابه على فيسبوك أو تويتر.

– ومع اتساع مجال العمل في الإعداد التلفزيوني والمواقع الإخبارية التي تستهلك كما كبيرا من المصادر، فقد ازدادت الحاجة إلى تبادل أرقام الهواتف الهامة بين الصحفيين، وهو ما فطن إليه مؤسسو مجموعة “قهوة الصحفيين” على فيسبوك، حيث يتيحون ملفات تضم وسائل الاتصال بمئات المصادر، إلى جانب ما يتبادله الصحفيون فيما بينهم على صفحات المجموعة. علما بأنها مجموعة تضم الصحفيين فقط.

– في بعض الموضوعات يحتاج الصحفي إلى النزول الميداني لبناء علاقة ثقة مع المصادر، لكن ذلك الأسلوب قد لا يكون مفهوما مع مصدر مسؤول، أو موظف حكومي تقليدي.. لذا على الصحفي أن يقدم حججا قوية تبرر اتباعه هذه الطريقة، مع مصادر اعتادت أن تتواصل مع الإعلام عبر الهاتف والبريد الالكتروني والفاكسات، وهذه الطريقة لا يلجأ إليها الصحفي إلا حين لا يجد دعما من زملائه الصحفيين.

– على الصحفي الذي يجدد مصادره مع كل موضوع يكتبه، أن يطرح فكرة موضوعه بين من يأمنهم على فكرته في دائرته القريبة من زملاء المهنة والأصدقاء الموثوقين، فيعرض عليهم الفكرة التي يعمل عليها، على أمل أن يجد من يمده بمصادر أو معلومة مفيدة.

– ما دام الصحفي قد اختار أن يتعامل مع مصادر متجددة طول الوقت، فمن المهم أن يستفاد من كل جلسة خاصة أو عامة يحضرها، لأنها قد تكون مصدر إلهام لفكرة موضوع، أو فرصة للتعرف على مصدر قد يحتاجه في المستقبل.

وفي الختام .. يظل العمل الصحفي قائما على تحدي الوصول إلى المعلومة من مصدرها السليم، لذا على الصحفي أن يظل مدينا بالعرفان لكن من عاونه في الوصول إلى المصدر المناسب، لأن المصادر هي أساس الكتابة الصحفية.

Thursday, August 28, 2014

مبادرات ضد اليأس

شباب قاوموا الإحباط على مدار العام الماضى، دون أن ينتظروا الانخراط فى تجارب جاهزة، وبدأوا تدشين مبادراتهم بسعى شخصى، طامحين فى نجاح صغير، يشعرهم بالإنجاز والتحقق. لا يدّعون قدرتهم على تغيير المجتمع، بل يعملون فى الظل بأقل الإمكانيات المتاحة، وأمام أعينهم أهداف يسعون إلى تحقيقها فى المستقبل.. بين حملة فردية للتوعية الصحية، ومن يشجع المصريين على التخلص من السمنة، ومن يستغل خبراته فى مشروع لتحفيز الموهوبين.


توعية صحية بالبالطو الأبيض
- حسام شاش: نجحت فى استهداف مئات المواطنين.. وأحلم بمشروع قومى للتوعية

فى تمام العاشرة صباحا، يخرج الطبيب حسام شاش من عيادة الفم والأسنان فى مستشفى أم المصريين بالجيزة، ليواجه المرضى وذويهم الذين جلسوا فى الاستراحة، يضع حقيبته بينهم، ثم يوجه إليهم حديثه قائلا: «يا جماعة أنا فى الشارع من 2011، ولقيت الحل إنى ماضيعش وقتى فى الزعيق أو الغضب، وهحاول أستغل العلم اللى عندى فى حملة توعية عشان تستفادوا منها، وتنقلوا الاستفادة لناس تانية».
يختم الطبيب الثلاثينى جملته، ثم يستكمل الحديث مع جمهور أغلبه من النساء، بينما يتراوح عدد الحاضرين بين 15 إلى 20 مريضا مع ذويهم.
بدأت القصة فى العام الماضى، حين اتخذ الطبيب الشاب قراره بتدشين مبادرة شخصية فى نهاية أغسطس من العام 2013، ويصف ذلك: «بمجرد أن فكرت فى تدشين حملة توعية صحية بشكل فردى، فى الوقت بدأت الأجواء فى الانغلاق مع فرض حظر التجوال فى البلاد، بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة».
لم يكن دافعه إلى التوعية، سوى بديل عن سنوات قضاها فى العمل العام دون أن يحقق مكسبا واضحا، بقدر ما تحمل تكلفة مادية. فمنذ أن شارك فى أحداث ثورة 25 يناير، بمشاركة زملائه الأطباء، وقد بدأ فى الانخراط بشكل كامل فى العمل العام. ومع الوقت، سجل عضويته فى حزب الدستور بعد تأسيسه فى العام 2012، بل كان أحد المساهمين فى تأسيس أمانة كاملة فى حى المنيل. «كنت أبحث عن التغيير من خلال بوابة الحزب، لكن المشاكل الداخلية والصراعات الشخصية أجهدتنى بشدة، ووصلت فى النهاية إلى طريق مسدود».
يتحدث بمرارة عن تجربته فى مجال السياسة، لكن ذلك لم يمنع طموحه الذى يراوده كل حين، بأن يتولى مقعد مجلس الشعب فى يوم من الأيام، لكن الخبرة السياسية التى تكونت فى الفترة القصيرة الماضية، جعلته يعترف بأن هناك خطوات أهم لإفادة المجتمع. «يمكن للإنسان أن يفيد المجتمع بتخصصه على سبيل المثال»، على حد قوله.

لم يضع حسام شاش، إخصائى جراحة الفم والأسنان بمستشفى أم المصريين، خطة معقدة لحملة التوعية، استغل زحام المرضى أمام باب العيادة، وأعد نقاطا هامة حول سلامة الفم والأسنان، وخرج إلى الناس فى أول مرة بجلسة توعية لا تتعدى نصف الساعة، وهو ما ظل يفعله بعد ذلك عشرات المرات، سواء فى داخل المستشفى أو خارجه.
«إنتى بتغسلى سنانك كام مرة فى اليوم ؟» يسأل فتاة صغيرة بصحبة والدتها فى استراحة عيادة الفم والأسنان، ويستوقف المارة ليجذبهم إلى المشاركة والاستماع إلى محاضرته، ولا يخلو الأمر من جملة استخفاف من شباب صغير السن، يقابلها عبارات الاهتمام والأسئلة من المارة الذين استوقفهم المشهد.
«حين حاولت فى العام الماضى العمل داخل المدارس تحت إشراف وزارة التربية والتعليم، كان انتمائى الحزبى عائقا فى ذلك الوقت، وهو ما أثار قلق بعض المسئولين، وهو ما دفعنى إلى استكمال المهمة وحدى تماما، وبشكل مستقل.. خاصة أنى كنت قد تركت الحياة الحزبية فى ذلك الوقت».

يتحدث حسام شاش بفخر عن إنجازه الصغير فى فتح القاعة الرئيسية بالمستشفى أمام المرضى كى يقدم إليهم محاضرة عن صحة الفم والأسنان، وذلك فى بدايات تدشين مبادرته، وكيف عقد اتفاقا مع إحدى شركات الأدوية الشهيرة، لتوزيع منتجاتها مجانا على المرضى، بعد أخذ الموافقات اللازمة من إدارة المستشفى، وفى مرحلة سابقة اتجه إلى خارج المستشفى متطوعا بالعمل مع جمعيات تنموية تعمل فى مناطق مهمشة مثل منطقة بطن البقرة. ويمر فى حديثه على العوائق التى واجهته بشكل سريع، باحثا عن نتائج وأهداف يحققها، إذ يقدر مجموع من استفادوا من حملات التوعية بحوالى 1500 شخص، عبر حوالى 50 حملة توعية، وقد حاول قياس نتائج مبادرته من خلال المترددين على عيادة الفم والأسنان فى مستشفى أم المصريين، إذ ذكر أن نسبة التحسن فى حالة أسنانهم زادت على 20% على مدار الشهور الماضية منذ بداية العام الحالى.
«كل هدفى هو أن تنتشر الفكرة، وألا تنتهى روح المبادرة بين من شاركوا فى ثورتى 25 يناير و30 يونيو، فبعد عدة محاولات، ستنجح محاولة فى تحقيق هدفها». هكذا يختم حسام شاش حديثه عن حلمه الذى يطمح أن ينتشر بين ربوع مصر من خلال حملة أكثر تنظيما، لتحقق نتائج أعلى على مدار السنوات القادمة.


تحدى ال 100 يوم للتخلص من السمنة

- أمانى فرج: بدأت بنفسى.. وأطالب البدناء بأن يدعمونى ويدعموا أنفسهم

فى 12 يونيو الماضى، نشرت أمانى فرج فيديو على الانترنت تحت عنوان «اليوم الأول.. تحدى ال 100 يوم». وتحدثت فيه قائلة: «مشكلة حياتى إنى تخينة، وفى يوم من الأيام وصل وزنى لـ 170 كيلو.. أنا كنت أتخن واحدة فى الفصل، وفى المدرسة، وأتخن بنت فى العيلة، ولما أمى كانت بتزعق لى وبتبعد عنى الأكل، كنت بتفنن فى الوصول للأكل اللى باحبه».
تتحدث أمانى فرج التى تبلغ من العام 29 سنة، دون أن تخفى الكثير من المعلومات عن حياتها كشخص بدين، وتبدو معالم الاكتئاب واضحة على ملامحها فى هذا الفيديو، إذ بلغ وزنها 160 كيلوجراما، فهى إنسانة مكتئبة، ترتدى حذاء خاصا بسبب تورم قدميها نتيجة السمنة المفرطة، وكانت تتحدث فى الفيديو وقد تلاشت نبرة الثقة فى النفس من حديثها. حتى إنها قالت فى الفيديو نفسه: «هذا التسجيل هو ميثاق بينى وبينكم حتى أنجح فى تخفيض وزنى على مدار 100 يوم». تعمل أمانى فرج فى مجال التنمية البشرية، وكانت فى مرحلة سابقة مساعدة للراحل إبراهيم الفقى، أهم رواد مجال التنمية البشرية فى العالم العربى، ورغم نجاحها فى عملها، إلا أن بدانتها كانت نقطة الضعف التى طاردتها طول الوقت. «جربت كل محاولات التخسيس الممكنة على مدار أكثر من 16 سنة مضت، وفى العام 2012 نجحت فى أن أفقد 40 كيلوجراما فى ثلاثة أشهر، حتى وصل وزنى إلى 130 كيلوجراما، لكنى انتكست تماما الآن، وبلغ وزنى 160 كيلو مرة أخرى». تتحدث أمانى فرج فى مكتبها بمركز حياة للاستشارات والتدريب، حيث تعمل منذ سنوات، وتدين بالفضل لزملائها الذين يدعمونها نفسيا فى مبادرتها الحالية. وفى حديثها الذى اختلف تماما عن نبرة الاحباط التى بدت فى الفيديو الأول من مبادرة المائة يوم، بدت أكثر حماسا، وأكثر تصالحا مع نفسها، فهى لا تطمح إلى أن تصبح نحيفة، بقدر ما تطمح إلى مظهر مقبول، ومعيشة صحية. وعلى صفحتها فى شبكة فيسبوك الاجتماعية (امانى فرج وتحدى ال 100 يوم)، نجحت فى اجتذاب أكثر من 6000 مشارك، ما يجعلها تدخل أحيانا فى سجالات مع أعضاء الصفحة، إلى جانب من يعلقون على فيديوهاتها فى موقع يوتيوب. وتقول عن ذلك: «أتحدث معهم فى حدود معلوماتى، لكن فيما يخص المعلومات الطبية المتخصصة، فأوجههم إلى الاستعانة بطبيب». هذه هى قناعتها التى لم تخرج عنها طوال فترة تقديمها الفيديوهات أو أثناء تسجيل عبارات التحفيز على صفحتها فى الفيسبوك.
«لقد تحدثت عن نفسى فى الفيديوهات بشكل ربما لا تجرؤ عليه بعض الفتيات السمينات حرصا على صورتهن، أما أنا فتحدثت عن أضرار السمنة التى أعانى منها فى سن الشباب، مثل تناول أقراص الضغط، وآلام الركبتين، فليس لدى استعداد لتجميل صورتى، فى لحظة أعانى منها صحيا وأنا أعرف أن ذلك ما يتعرض له الكثير من البدناء». ولا تخفى أمانى أثناء حديثها فى مكتبها الكائن بحى مدينة نصر، أنها كثيرا ما كانت تصاب بالإحباط بسبب انطباعات الآخرين عن سمنتها، خاصة أن مهنتها تقوم على مواجهة الجمهور، وإلقاء المحاضرات، أو تدريب صغار السن فى المدارس على مهارات الحياة. كانت خطتها منذ البداية أن تشارك آخرين فى همها وأن يشاركوها همومهم، وذلك بديل عن تكوين مجموعة دعم نفسية، كالتى يؤسسها آخرون فى دول أخرى، إذ تقوم فكرة مجموعة الدعم Support Group على اجتماع أصحاب المشكلة الواحدة مثل: الإدمان، أو الاكتئاب، أو السمنة، فى جلسات يتبادلون فى دعم بعضهم البعض، وهو ما كان يصعب تكوينه هنا فى مصر، لغياب هذه الثقافة وقلة عدد مجموعات الدعم فى المجتمعات العربية. «اتجهت إلى البديل، وهو أن أستخدم الانترنت، وتصوير فيديوهات لتكوين ذلك المجتمع المهموم بنفس القضية، فندعم بعضنا سويا». هكذا تصف أمانى فرج ما بدأته قبل شهور، وبدأت فى حصاد ثماره قبل أسابيع، فقد قامت خطتها على الرياضة ونظام التغذية الصحى على مدار 100 يوم، ولم تكن تعلم أن هناك من يتابعونها باهتمام، وهو ما حدث مع الشاب مصطفى الذى أرسل إليها صورته فى يوليو الماضى دون سابق معرفة، وعرض صورتين له قبل تخفيض وزنه بمقدار 11 كيلوجراما وصورة بعدها، وكتب لها قائلا: «الحمد لله بفضل ربنا، وتشجيعك خسيت 11 كيلو.. بس النهارده جالى لحظة كسل كده وروحت أدور على تشجيع لاقيتك محبطة شوية.. انتى اللى خلتينا نبدأ ومش هينفع تقعى مننا فى النص». ولم تكن تلك الرسالة الوحيدة، إذ تلقت العديد من كلمات التشجيع على حسابها فى فيسبوك، وعلى فيديوهاتها فى موقع يوتيوب.
«كلما أصبت بالإحباط أو الكسل، تذكرت موقفا قديما، حين عنفنى أحد الأطباء فى مرة، بسبب أنى ظللت لأسابيع أمارس تدريبات رياضية ليس لها صلة بالتخسيس، وذلك عن طريق الخطأ، فما كان منه إلا وأن ألقى بورقة الكشف فى وجهى، ولم أزره مرة أخرى.. لا أريد تكرار هذه المواقف مرة أخرى فى حياتى». تتحدث أمانى فرج عن هذه القصة دون أن يبدو عليها الاحباط، فقد بدأت تشعر بإنجازها البسيط مع الوقت، وبدأت تخرج من حالة الاكتئاب تماما، إذ انطلقت بعدها لتروى قصة جعلتها فخورة بنفسها، حين خرجت مع أصدقائها إلى أحد المطاعم الشهيرة، حيث الطعام الشهى المميز، وهناك تمسكت بنظامها الغذائى، رغم إلحاح من حولها بأن تتخلى عن «الريجيم» فى ذلك اليوم. تستكمل ضاحكة: «ترافقنى دائما علبة بلاستيكية فيها تفاحة وبعض الأطعمة الخفيفة، وأذكر فى ذلك اليوم أنى كنت على وشك التخلى عن الريجيم، فكنت أسمع صوت اللحم الناضج، الذى خرج لتوه من تحت الشواية، وصوت المياه الغازية والبطاطس المقلية، لكنى تخليت عن كل ذلك تماما». فى 19 سبتمبر القادم تنتهى مبادرة تحدى ال 100 يوم، دون أن ينتهى مشروع أمانى فرج فى دعم من أصيبوا بالسمنة ومشاركتهم فى أحلامهم بتغيير نمط حياتهم إلى الأفضل، لكن أمامها مهمة أكبر فى أن تطبق هذا على نفسها فى البداية، أى أن تصل إلى وزن 130 كيلوجراما بعد المائة يوم، ثم تستكمل طريقها بعد ذلك بشكل أسهل.


حلم النور.. البحث عن الفنان بأقل الإمكانيات

- مدير برنامج المشروعات ب«التاون هاوس»: لا نحتاج إلى نجوم بل نحتاج إلى فنانين
- عصام فايز: مازال هناك شباب فى حاجة إلى الفن لتطوير مجتمعهم

كانت خطة عصام فايز المخرج ومدرب التمثيل بسيطة منذ أن بدأت الفكرة تدور بينه وبين أصدقائه، إذ قضى أكثر من سبع سنوات مضت فى أعمال تطوعية مع أطفال الشوارع، وفى مشروعات فنية تستهدف الشباب، ما جعله يرى احتياج شريحة عريضة من الشباب لتطوير مهاراتهم الفنية، وممارسة الفن.
«كنت أتابع دائما هؤلاء الشباب الذين لم تتوافر لديهم القدرة على الدخول إلى الأوساط الفنية، خوفا من اضطرارهم إلى تبديل نمط حياتهم كى يلائم نمط حياة الفنان، كل ما أريده هو إدماج هؤلاء الشباب فى الحركة الفنية». يتحدث عصام فايز عن مبادرة صاغها فى شكل مشروع، مستعينا بأصدقائه الذين تضامنوا مع فكرته، وأغلبهم كانت له خبرة فى الأعمال التطوعية من قبل. وفى العام 2012 عقدوا النية على بدء مشروعهم، دون أن يعرفوا من أين سيأتيهم الدعم.
وتمثل تجربة مشروع «حلم النور» خريطة لكيفية إدارة مبادرة مستقلة من الصفر، رغم أنها ما زالت فى طريقها للنمو، وكانت الخطوة الأولى فى طرح الفكرة على الدوائر المهتمة فى محيط ضيق، وهو ما يصفه عصام فايز قائلا: «بدأت فى التحدث مع ناير ناجى قائد فرقة أوركسترا أوبرا القاهرة، الذى أعرفه بشخص شخصى، وقد شجعنى على ذلك، وتحدثت مع سحر الموجى أستاذة الأدب الأمريكى فى كلية الأداب بجامعة القاهرة، وهم من جمعتنى بهم أعمال سابقة، وكان ذلك متزامنا مع حالة من الغليان فى الشارع المصرى احتجاجا على سياسات الاخوان، وقررنا مبدئيا عقد معسكر وورش تدريبية فى سبتمبر 2013، أى قبل عام تقريبا». كان يتحدث عن الفكرة فى مقهى مجاور لدار الأوبرا المصرية، حيث تدخلت زميلته أتينة مكرم إحدى المشاركات فى مبادرة «حلم النور» بقولها: «كان حادث فض اعتصام رابعة عائقا رهيبا أمام استكمال المشروع، وسط فرض حظر التجول على البلاد، ولم يكن فى استطاعتنا تحديد موعد حقيقى لبدء المشروع، فأجلنا التدشين، ولكن لم نستسلم».
وفى مثل هذه المشروعات والمبادرات، تتلخص المشكلة الأكبر فى توفير دعم مالى للفكرة، وقد استغل عصام فايز عمله فى مجال التنمية وتحديدا فى مؤسسة الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، كمدير لقسم الفنون والإعلام كى يطلب منها الدعم المالى غير المستقر، والمساعدة بالإمكانيات قدر الإمكان، لكن تظل مبادرة «حلم النور» بغير ميزانية ثابتة على عكس بقية المشروعات المدعومة، ما دفعه إلى التواصل المباشر مع فنانين فى مجالى الموسيقى والتمثيل، وشخصيات ذات خبرة فى إدارة مثل هذه المبادرات والورش، كى يساهموا بصفتهم شركاء. ياسر جراب مدير برنامج المشروعات بمؤسسة «التاون هاوس»، كان أحد هؤلاء الذين تبنوا دعم المبادرة بخبراتهم، ويشرح ذلك قائلا: «أراهن على أن تكتمل هذه المبادرة وتصبح مشروعا دائما، فأنا أراها كائنا ينمو بشكل طبيعى دون دعم تقليدى، ونطمح أن تصنع فنانين قبل أن تتجه إلى صنع نجوم.. فهذا ليس هدف المرحلة الحالية».
وبحكم خبرة عصام فايز وزملائه فى كيفية إدارة أعمال فنية وتطوعية، فقد حددوا رؤية وأهدافا بشكل احترافى، وضمنوا أن تنتقل المبادرة كى تكون مشروعا ضمن مؤسسة الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، وعلى أن يتطوع الفنانون بجهدهم فى المعسكر التدريبى الأول.
«نريد أن نعيد ما كنا سنبدأه فى العام الماضى، وأوقفته الأحداث الجسيمة التى مرت بمصر». تتحدث أتينة مكرم إحدى منسقات المشروع.
قد تبدو مبادرة عصام فايز وزملائه التى عملوا على تنفيذها على مدار عامين قريبة من بعض المشروعات التنموية التى تعمل على تطوير مهارات الشباب، ويملك عصام فايز خبرة فى العمل على تنمية المواهب فى فعاليات ترعاها الكنيسة المصرية، وهو ما لا يراه عائقا فى عمله. يقول عن ذلك: «لقد اختلطت بحكم عملى بكثير من الشرائح المحافظة فى قرى مصر، لكنى أعمل وأنا أعرف هدفى، فأنا أسعى إلى تنمية مهارات ومواهب شباب جامعيين، فى هذه الأوساط، دون أن أميز بين ديانة أو انتماء». يتوقف عصام قليلا ثم يبدأ فى شرح تلك النقطة بالتفصيل قائلا: «أنا أعرف طبيعة الأوساط الفنية، وما بها من أجواء قد تبدو متحررة للبعض، وهو ما يعزل كثيرين من أصحاب المواهب عن الاندفاع فى حبهم للفن، ولو حتى على سبيل التجربة.. أنا أبحث عن حق من هم خارج المجتمعات الفنية فى ممارسة ما يحبون». ينتهى حديث عصام فايز الذى يتحدث بمزيد من التفاؤل بسبب ما أنجزه فى تحقيق فكرته حتى الآن.