Thursday, October 2, 2014

الموت البطيء يطارد الحرف التراثية

في الجهة المقابلة من دار الإفتاء المصرية على طريق صلاح سالم بالقاهرة، تتراص المقابر لتخفي وراءها عالمًا مختلفًا، حيث تتجاور ورش الحرف التقليدية بين المنازل العتيقة والأماكن الأثرية، وفي أحد دروب منطقة «قايتباي» في تلك الناحية، تقع ورشة يعود تاريخها إلى عشرات السنوات. هي ورشة «الشامي» التي ما زالت تنتج علب مجوهرات، وحافظات للنقود، مصنوعة من الجلد الطبيعي.
«المكان تقريبًا شبه مغلق، ولا يفتح أبوابه للعمل سوى لإنتاج طلبيات أصنعها لحساب أصحاب الورشة، أو ما أنتجه لحسابي الشخصي، وهو ما يتكرر على فترات متباعدة، كل عدة أسابيع».. الحديث هنا لميلاد إبراهيم، الحرفي الوحيد المتبقي في هذه الورشة.
ما زالت الجدران تحمل ذكرى الفترة التي نشط فيها المكان قبل سنوات، من ملصقات على الحائط للنادي الأهلي وصورة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وغيرها، لكن الورشة نفسها لم تستطع الإبقاء على من بها من حرفيين، بسبب ركود السوق، بعد دخول منتجات صينية أرخص سعرًا قبل 15 سنة تقريبًا، ثم انهيار سوق البازارات في السنوات الثلاث الماضية نتيجة ضعف حركة السياحة.
وتدخل حرفة صناعة العلب التذكارية وحافظات النقود الجلدية، ضمن عدد كبير من الحرف اليدوية، التي تشغل واجهات البازارات السياحية، وبعض تلك الحرف تمتد جذورها لمئات السنوات، ولا تجد من يقدر قيمتها، في سوق أصبحت تستورد منتجات أرخص.
«بدأت في هذه الورشة قبل حوالي 20 سنة، وكانت المهام تتوزع علينا في تخصصات، وكلما قل عدد الحرفيين، كنت أقوم بمهامهم، أما الآن فأقوم بأغلب مراحل العمل في منزلي، عدا المراحل التي أحتاج فيها معدات الورشة، مثل الطباعة وتلوين المنتجات». هكذا يشرح ميلاد إبراهيم الحالة الراهنة. ولا يعرف طريقًا للحصول على دعم مالي يسانده في العمل، ولأنه أقرب إلى حرفي مستقل، فهو خارج خريطة التأمينات الاجتماعية، ولا يبدي اهتمامًا في التعرف على مثل هذه التعقيدات.
إذن فلماذا لا يتضامن من هم على شاكلة ميلاد لحل أزماتهم المتوالية؟ يجيب قائلا: «ليس أمام الحرفي، أيًّا كانت مهاراته الفنية، سوى التاجر الذي سيبيع منتجاته، ولم أسمع عن محاولات سابقة لتجميع الحرفيين من أجل الدفاع عن مهنتهم وحمايتها من الاندثار». على أرض الواقع، كانت هناك محاولات لتجميع أبناء الحرف التراثية في كيان واحد، لكنها لم تكلل بالنجاح الكامل.

العصر العثماني
«هناك أوقات كانت تزدهر فيها الفنون، وأوقات أخرى شهدت اضمحلالا مثل العصر العثماني.. ونحن الآن في مرحلة شبيهة بالعصر العثماني». تلك العبارة لمحمد ناصف المعروف بين أبناء شارع أبو حريبة في منطقة الدرب الأحمر باسم «محمد شركس».
كانت رحلة قصيرة من ورشة «الشامي» في منطقة قايتباي، حيث تركنا ميلاد إبراهيم، في اتجاه محمد ناصف في منطقة الدرب الأحمر، وفي زقاق جانبي من الشارع، ممرات تقود إلى غرفة صغيرة حيث يجلس محمد ناصف وسط عشرات المنتجات الخشبية المطعمة بالصدف.
«بعد ثورة 25 يناير وتعطل سوق السياحة، طرأت على ذهني فكرة أن يجتمع الحرفيون في كيان نقابي، وهو ما شاركني فيه عدد من الزملاء، وقمنا بتسجيلها رسميًّا، لكننا مع الوقت اكتشفنا أن الأمر ليس بهذه السهولة».
ينتج محمد ناصف علب مجوهرات خشبية، وعلبًا للمصاحف وغيرها من المنتجات المطعمة بالصدف، ويتوقف عن الحديث ليأتي بصدفة لؤلؤ طبيعية ويشرح كيفية تحويلها إلى غطاء فني لمنتجات خشبية، أما النقابة العامة للعاملين في الحرف التراثية المصرية‏، فلم تنم كما كان متوقعًا لها، واتجه أحد قياداتها إلى تأسيس كيان بديل.
«هناك مشكلة لدى الحرفيين أنفسهم في قلة الوعي، إلى جانب أننا قد سجلنا حوالي 32 حرفة تراثية في النقابة، وهو ما لم يصنع حالة من التجانس أثناء مناقشاتنا».
أما أحد أسباب بقاء محمد ناصف في هذه المهنة، أن لديه ورشة يعمل داخلها حتى مع قلة الإنتاج أو انسحاب من لديه من العمال إلى مجالات أخرى. «أحد العمال المهرة تركني ليعمل حاليًّا حمّالا في سوق الأزهر، وآخر يعمل سائقًا على توك توك». على حد قول ناصف القائم على أعمال النقابة العامة للعاملين في الحرف التراثية المصرية، أما ما يجعله يستمر حتى النهاية فهو أنه قد حقق سمعة طيبة في المجال، تجعله لا يفكر في ترك المهنة، رغم أنه ما زال في سن الثانية والأربعين.
وسط هذه الأجواء لا تظهر حلول أمام إنقاذ الحرفيين المهرة من الهروب من مهنهم النادرة، سوى في استعادة السوق السياحية التي كانت تستوعب إنتاجهم طوال الوقت، أما البديل فهو في الاتجاه إلى تصدير تلك المنتجات إلى الخارج، أما قيام الحرفيين أو التجار بعرض منتجاتهم اليدوية والتراثية، على نفقتهم في معارض تجارية فهو ليس الحل الأمثل، بسبب غلاء أماكن العرض، إذ يصل تأجير متر العرض في بعض المعارض الشهيرة إلى 10 جنيهات في اليوم.

الحكومة غائبة
في نوفمبر من العام الماضي، تم تدشين المجلس التصديري للصناعات اليدوية، وذلك من خلال 9 شركات تعمل في مجال الصناعات اليدوية، ويطمح المجلس لزيادتها إلى 30 شركة. «هناك مشكلة يجب أن نتحدث عنها في البداية، وهي أن طريقة البيع للبازارات ومواصفات المنتجات التي تباع هناك، تختلف تمامًا عما هو مطلوب في عالم التصدير إلى الخارج، وهذا الفارق لم يصل للأسف إلى الحرفيين أو التجار».
يتحدث هشام الجزار وكيل المجلس التصديري للصناعات اليدوية، عن أنه يجب في البداية أن يتم وضع استراتيجيات للنهوض بالحرف التقليدية، وإتاحة المناخ أمام ازدهارها، أما دور المجلس التصديري فما زال ناشئًا، يتحسس الطريق في فترة تشهد تعديلات في بعض السياسات الاقتصادية.
وحسب تقديره فإن حصيلة صادرات مصر من الصناعات اليدوية بلغت 500 مليون دولار في العام 2013. ويشرح ذلك بقوله: «هناك فرق مهم حين نتحدث عن الصناعات اليدوية، التي قد تضم خامات أرخص ومهارات أقل، وبين أن نتحدث عن صناعات ذات طابع تراثي في طريقها للاندثار.. فالحرف التراثية يجب أن يكون التعامل معها بشكل مختلف، لأنها ذات قيمة أعلى، فليست كل صناعة يدوية هي صناعة تراثية».
وبعيدًا عن عالم التجارة والتصدير، تتصدى بعض المؤسسات المهتمة بالحفاظ على التراث للتعاون مع الحرفيين أو دعمهم، لكن يبقى نشاط هذه المؤسسات مقتصرًا على دائرة ضيقة من الحرفيين الذين يتعاونون معها، وليس في إمكانها التأثير في مجتمع العاملين في الحرف التراثية.
«أرى أن الحل لإنقاذ ما تبقى من العاملين في الحرف التراثية هو إنشاء مجلس أعلى للحرف التراثية». يتحدث عز الدين نجيب، رئيس جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة، عن مشروعه الذي تقدم به إلى رئيس الوزراء الأسبق عصام شرف، ثم وزير الثقافة الأسبق عماد أبو غازي، ثم وزير الثقافة السابق صابر عرب، ولم تحدث استجابة لاقتراحه بسبب التغييرات السياسية الدائمة، في الوقت الذي لم تستطع فيه جمعية أصالة التي يديرها الحصول على أي دعم مادي منذ حوالي ست سنوات.
«هناك بعض المؤسسات لديها مهارة اصطياد الدعم الخارجي، لكن في النهاية مثل هذا الدور لا ينقذ حرفة أو يعيد عاملا إلى مهنته». هذا حسب عز الدين نجيب الذي قضى سنوات من حياته يعمل داخل وزارة الثقافة في مجال إحياء الحرف التراثية.
ويلخص رئيس جمعية أصالة أهداف المشروع – الذي سلم نسخة منه إلى رئيس الوزراء الحالي إبراهيم محلب – في عدة أهداف، هي أن يقوم هذا المجلس بإنشاء صندوق لدعم الحرفيين دون فوائد مالية، وأن يضم مجلس أمناء مشكلا من الخبراء والعاملين فى هذا المجال، وأن ينشئ المجلس شركة لتسويق وتصدير انتاج الحرفيين المصريين، إلى جانب القيام بعمل بحثى يرصد الحرف التراثية والمهددة بالاندثار، وتحديد عدد العاملين فيها.
«حين تقدمت بهذه الفكرة فى المرة الأخيرة، لمست ترحيبا من رئيس الوزراء الحالى، لكنى فوجئت بأن وزير الثقافة الدكتور جابر عصفور، قد بدأ فى تقديم أفكار شبيهة لضمها داخل وزارته، وهو ما سبب لى بعض الانزعاج من عدم إتمام فكرة المجلس الأعلى لرعاية الحرف التراثية». وهنا يتحدث عز الدين نجيب بحكم خبرته السابقة فى العمل داخل وزارة الثقافة، إذ أدرك بعد سنوات أن قضية الحرف التراثية لم تعد قضية ثقافية، بل لا بد أن يتم التعامل معها كاستثمار وتجارة إلى جانب التاريخ والثقافة.
وفى الوقت الذى يتساقط فيه الحرفيون إما بحكم انقضاء أجلهم أو بسبب انسحابهم إلى مهن أخرى، يظل عالم الحرف التراثية، مغلقا على من يعملون داخله، دون القدرة على تسويق منتجاتهم داخليا بين المصريين أو خارجيا مثل تجارب دول أخرى نجحت فى تحقيق هذه المعادلة على رأسها الهند، وهو ما زال البعض يحلم بتحقيقه فى مصر.


«النقش على النحاس».. حرفة تواجه شبح الاندثار

في حارة متفرعة من درب المسمط فى حى الجمالية، يجلس عبده الحلوانى الذى شارف على عامه الستين، فى مدخل بيت عتيق، جوار منطقة النحاسين الشهيرة. لا يخفى نبرة الثقة فى النفس أثناء الحديث، إذ عمل لأكثر من أربعين سنة فى صناعة المنتجات النحاسية، وهو واحد من 7 أسطوات فى المهنة تبقوا من زمن النقش على النحاس.
«عملت فى فترة من حياتى فى بغداد، وصنعت منتجات كانت تصل إلى صدام حسين أثناء فترة حكمه فى الثمانينيات، كما عملت فى سوريا ولبنان فى نفس المجال.. أما اليوم فقد حدثت تحولات ما زلت لا أستطيع استيعابها». يتحدث عبده الحلوانى وهو يجلس بتلقائية على درجة سلم يقود الزائر إلى الورشة فى الطابق العلوى، حيث يمر عليه بعض «الصنايعية»، وفى أيديهم كرات معدنية كبيرة تستخدم كغطاء للإضاءة.
والمفارقة التى يشرحها الأسطى المخضرم أنها ليست مصنوعة من النحاس، بل تمت صناعتها من الصاج. «يتكلف شراء كيلو الصاج 12 جنيها، بينما يتكلف كيلو النحاس 80 جنيها، فاتجهنا إلى الصاج حتى نعيش، وهى صناعة لا تحتاج سوى الحد الأدنى من المهارة، ولا تحتاج إلى فنانين». ويفرق عبده الحلوانى بين «أسطى» فنان، وبين حرفى عادى، إذ تبرز مهارة «الفنان» فى ابتكاره تصميمات ينقشها بيديه على الأوانى النحاسية.
وطوال الوقت كان عدد الحرفيين المهرة فى مجال النحاس قليلا، إذ يذكر الباحث الفرنسى أندريه ريمون، فى كتابه «الحرفيون والتجار فى القاهرة فى القرن الثامن عشر»، أن عدد الحرفيين فى هذا المجال قد بلغ 44 فردا فى إحدى فترات الحكم العثمانى. بينما يقدر تجار وحرفيون شهدوا حقبة الخمسينيات من القرن الماضى أن العدد قد بلغ 12 فردا، وهو ما انخفض حاليا إلى 7 أفراد، لا يجد أغلبهم فرصا لإبراز مهاراته بشكل كاف.
«المهارة فى هذا المجال لم تعد تقتصر على إبداع الحرفى، لكنها تمتد لتشمل كيفية إدارة الورشة، وحاليا أصبحت هناك مهارة زائدة فى كيفية الحفاظ على ما تبقى من الحرفة». لم يتحدث عبده الحلوانى بيأس أو إحباط بقدر ما أبدى تفاؤله بتحسن سوق السياحة فى المستقبل، فى الوقت الذى ورث عنه نجلاه ياسر ومحمد المهنة نفسها، على أمل أن يكتسبا بعضا من مهارته النادرة.
«فى فترة إحباط فكرت أن أترك المجال، وأن أعمل فى صناعة الأوانى المنزلية التقليدية، لكنى سرعان ما تركت تلك الفكرة». يتحدث عبده الحلوانى، هنا عن فكرة دارت برأسه معتمدا فيها على والده الذى تفرغ لإدارة محل صغير فى شارع أمير الجيوش فى باب الشعرية، لكنه قرر الاستمرار فى حرفته حتى النهاية

Monday, September 29, 2014

صحفيون بلا مصادر.. أزمة لها مزايا


 
كتب- عبدالرحمن مصطفى

يتابع أغلب الصحفيين جهات ومؤسسات بعينها، يستمدون منها أخبارهم بشكل دائم، وهو ما يجبرهم على أن يتوزعوا بين “مصادر أخبار” محددة للحصول على مادة أخبارهم. وهنا تظهر تعبيرات من نوعية “فلان ماسك وزارة الكهرباء” أو “فلان ماسك التعليم العالي”، لتعبر عن حالة يرتبط فيها الصحفي بمصدره، محاولا ألا يفوت خبرا أو معلومة تخص ذلك المصدر وإلا سيحاسب على تقصيره.

هذا المقال ليس عن هؤلاء الصحفيين المتابعين لمصادر بعينها، ولا عن الذين اختاروا أن يتخصصوا في الصحافة الفنية أو الثقافية أو الرياضية أو العلمية دون غيرها. بل عن الذين فرضت عليهم مهمتهم التبدل بين المصادر لتحقيق هدف واحد، هو كتابة تحقيق، أو فيتشر.

ورغم ما يتلقاه العاملون في مجالي التحقيقات وكتابة الفيتشر أحيانا من اتهامات بأنهم يفتقدون التخصص، حين يتبدل الصحفي من موضوع عن أزمة الطاقة في مرة، إلى موضوع عن الأحياء العشوائية، وهكذا. إلا أنه تظل هناك بعض المزايا الأخرى، من أهمها:

– يتعرف الصحفي على تجارب جديدة، مع كل فكرة موضوع يعمل عليها، وهو ما يجبر الصحفي أيضا على توسيع دائرة معارفه في كافة المجالات، كي يكون مستعدا للمهمة القادمة، أيا كانت.

– يصنع تجديد المصادر مع كل موضوع “أجندة”، و “أرشيفا”، يدعم الصحفي في أي مساحة عمل يلتحق بها في المستقبل.

– تكرس صحافة التحقيقات حالة من عدم الولاء للمصادر، إذ لا يقع الصحفي في حرج التعامل مع المصادر نفسها بشكل متكرر لأغراض إخبارية، وهو ما يجعله متفرغا لإنجاز موضوعه، دون حسابات الحرج مع المصدر.

– توفر التحقيقات مساحة للصحفيين الذين يملكون مهارات بحثية عالية في إشباع مهاراتهم من خلال كل موضوع جديد يعملون عليه، وهو ما يشبه عمل الباحثين في مجال الأفلام الوثائقية.

كل هذه المزايا، لا تقلل من شأن صحفي الأخبار المرتبط بمصدر محدد، فصحفيو الأخبار هم من يمدون الصحف بمانشيتاتها اليومية وانفراداتها المتميزة، كما أن تلك المزايا التي ذكرناها، لا تعلي من شأن صحفي التحقيقات والفتيشر على زملائه.

أما إذا انتقلنا إلى صلب الموضوع الرئيسي للمقال، فنحن نتحدث عن الأزمة الكبرى التي تواجه الصحفيين غير المرتبطين بمصادر محددة، وهي عن كيفية الحصول على مصادر جديدة مع كل موضوع يعملون عليه. وحتى نصل إلى بعض الحلول، كان علينا الاسترشاد بآراء بعض العاملين في أقسام التحقيقات والفيتشر والإعداد التلفزيوني، كي نصل إلى مجموعة من النقاط، كلها متعلقة بسؤال:

كيف يمارس الصحفي مهنته وهو غير متخصص في مصدر إخباري محدد؟

– في البدء لا بد للصحفي أن يملك علاقة جيدة مع الإنترنت، تمكنه من سرعة الوصول إلى كل ما يخص فكرة موضوعه في أقصر وقت ممكن، حين يبحث عن المعلومات المتاحة عن فكرة موضوعه، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال ماكينات البحث الشهيرة، أو في موضوعات صحفية سابقة.

– قد يكون الطريق الأهم والأفضل في الوصول إلى مصدر جديد، هو الاستعانة بزملاء المهنة وطلب معاونتهم في الوصول إلى وسيلة اتصال بالمصدر المطلوب، وهنا يتجه صحفي التحقيقات أو كاتب الفيتشر إلى زميله الذي يتابع مصدرا بعينه، وفي أجواء طبيعية، لا يمتنع صحفي عن معاونة زميله.

– بعد تحديد أهم المصادر المطلوبة في الموضوع، تبقى طريقة الوصول إليها.. وليس هناك حرج إن لم تكن هناك وسيلة مباشرة للوصول إلى المصدر، أن يعود الصحفي إلى الطرق التقليدية. مثل البحث في دليل التليفونات الأرضية، أو الاتصال بمكان عمل المصدر للوصول إليه، أو التواصل معه من خلال حسابه على فيسبوك أو تويتر.

– ومع اتساع مجال العمل في الإعداد التلفزيوني والمواقع الإخبارية التي تستهلك كما كبيرا من المصادر، فقد ازدادت الحاجة إلى تبادل أرقام الهواتف الهامة بين الصحفيين، وهو ما فطن إليه مؤسسو مجموعة “قهوة الصحفيين” على فيسبوك، حيث يتيحون ملفات تضم وسائل الاتصال بمئات المصادر، إلى جانب ما يتبادله الصحفيون فيما بينهم على صفحات المجموعة. علما بأنها مجموعة تضم الصحفيين فقط.

– في بعض الموضوعات يحتاج الصحفي إلى النزول الميداني لبناء علاقة ثقة مع المصادر، لكن ذلك الأسلوب قد لا يكون مفهوما مع مصدر مسؤول، أو موظف حكومي تقليدي.. لذا على الصحفي أن يقدم حججا قوية تبرر اتباعه هذه الطريقة، مع مصادر اعتادت أن تتواصل مع الإعلام عبر الهاتف والبريد الالكتروني والفاكسات، وهذه الطريقة لا يلجأ إليها الصحفي إلا حين لا يجد دعما من زملائه الصحفيين.

– على الصحفي الذي يجدد مصادره مع كل موضوع يكتبه، أن يطرح فكرة موضوعه بين من يأمنهم على فكرته في دائرته القريبة من زملاء المهنة والأصدقاء الموثوقين، فيعرض عليهم الفكرة التي يعمل عليها، على أمل أن يجد من يمده بمصادر أو معلومة مفيدة.

– ما دام الصحفي قد اختار أن يتعامل مع مصادر متجددة طول الوقت، فمن المهم أن يستفاد من كل جلسة خاصة أو عامة يحضرها، لأنها قد تكون مصدر إلهام لفكرة موضوع، أو فرصة للتعرف على مصدر قد يحتاجه في المستقبل.

وفي الختام .. يظل العمل الصحفي قائما على تحدي الوصول إلى المعلومة من مصدرها السليم، لذا على الصحفي أن يظل مدينا بالعرفان لكن من عاونه في الوصول إلى المصدر المناسب، لأن المصادر هي أساس الكتابة الصحفية.

Thursday, August 28, 2014

مبادرات ضد اليأس

شباب قاوموا الإحباط على مدار العام الماضى، دون أن ينتظروا الانخراط فى تجارب جاهزة، وبدأوا تدشين مبادراتهم بسعى شخصى، طامحين فى نجاح صغير، يشعرهم بالإنجاز والتحقق. لا يدّعون قدرتهم على تغيير المجتمع، بل يعملون فى الظل بأقل الإمكانيات المتاحة، وأمام أعينهم أهداف يسعون إلى تحقيقها فى المستقبل.. بين حملة فردية للتوعية الصحية، ومن يشجع المصريين على التخلص من السمنة، ومن يستغل خبراته فى مشروع لتحفيز الموهوبين.


توعية صحية بالبالطو الأبيض
- حسام شاش: نجحت فى استهداف مئات المواطنين.. وأحلم بمشروع قومى للتوعية

فى تمام العاشرة صباحا، يخرج الطبيب حسام شاش من عيادة الفم والأسنان فى مستشفى أم المصريين بالجيزة، ليواجه المرضى وذويهم الذين جلسوا فى الاستراحة، يضع حقيبته بينهم، ثم يوجه إليهم حديثه قائلا: «يا جماعة أنا فى الشارع من 2011، ولقيت الحل إنى ماضيعش وقتى فى الزعيق أو الغضب، وهحاول أستغل العلم اللى عندى فى حملة توعية عشان تستفادوا منها، وتنقلوا الاستفادة لناس تانية».
يختم الطبيب الثلاثينى جملته، ثم يستكمل الحديث مع جمهور أغلبه من النساء، بينما يتراوح عدد الحاضرين بين 15 إلى 20 مريضا مع ذويهم.
بدأت القصة فى العام الماضى، حين اتخذ الطبيب الشاب قراره بتدشين مبادرة شخصية فى نهاية أغسطس من العام 2013، ويصف ذلك: «بمجرد أن فكرت فى تدشين حملة توعية صحية بشكل فردى، فى الوقت بدأت الأجواء فى الانغلاق مع فرض حظر التجوال فى البلاد، بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة».
لم يكن دافعه إلى التوعية، سوى بديل عن سنوات قضاها فى العمل العام دون أن يحقق مكسبا واضحا، بقدر ما تحمل تكلفة مادية. فمنذ أن شارك فى أحداث ثورة 25 يناير، بمشاركة زملائه الأطباء، وقد بدأ فى الانخراط بشكل كامل فى العمل العام. ومع الوقت، سجل عضويته فى حزب الدستور بعد تأسيسه فى العام 2012، بل كان أحد المساهمين فى تأسيس أمانة كاملة فى حى المنيل. «كنت أبحث عن التغيير من خلال بوابة الحزب، لكن المشاكل الداخلية والصراعات الشخصية أجهدتنى بشدة، ووصلت فى النهاية إلى طريق مسدود».
يتحدث بمرارة عن تجربته فى مجال السياسة، لكن ذلك لم يمنع طموحه الذى يراوده كل حين، بأن يتولى مقعد مجلس الشعب فى يوم من الأيام، لكن الخبرة السياسية التى تكونت فى الفترة القصيرة الماضية، جعلته يعترف بأن هناك خطوات أهم لإفادة المجتمع. «يمكن للإنسان أن يفيد المجتمع بتخصصه على سبيل المثال»، على حد قوله.

لم يضع حسام شاش، إخصائى جراحة الفم والأسنان بمستشفى أم المصريين، خطة معقدة لحملة التوعية، استغل زحام المرضى أمام باب العيادة، وأعد نقاطا هامة حول سلامة الفم والأسنان، وخرج إلى الناس فى أول مرة بجلسة توعية لا تتعدى نصف الساعة، وهو ما ظل يفعله بعد ذلك عشرات المرات، سواء فى داخل المستشفى أو خارجه.
«إنتى بتغسلى سنانك كام مرة فى اليوم ؟» يسأل فتاة صغيرة بصحبة والدتها فى استراحة عيادة الفم والأسنان، ويستوقف المارة ليجذبهم إلى المشاركة والاستماع إلى محاضرته، ولا يخلو الأمر من جملة استخفاف من شباب صغير السن، يقابلها عبارات الاهتمام والأسئلة من المارة الذين استوقفهم المشهد.
«حين حاولت فى العام الماضى العمل داخل المدارس تحت إشراف وزارة التربية والتعليم، كان انتمائى الحزبى عائقا فى ذلك الوقت، وهو ما أثار قلق بعض المسئولين، وهو ما دفعنى إلى استكمال المهمة وحدى تماما، وبشكل مستقل.. خاصة أنى كنت قد تركت الحياة الحزبية فى ذلك الوقت».

يتحدث حسام شاش بفخر عن إنجازه الصغير فى فتح القاعة الرئيسية بالمستشفى أمام المرضى كى يقدم إليهم محاضرة عن صحة الفم والأسنان، وذلك فى بدايات تدشين مبادرته، وكيف عقد اتفاقا مع إحدى شركات الأدوية الشهيرة، لتوزيع منتجاتها مجانا على المرضى، بعد أخذ الموافقات اللازمة من إدارة المستشفى، وفى مرحلة سابقة اتجه إلى خارج المستشفى متطوعا بالعمل مع جمعيات تنموية تعمل فى مناطق مهمشة مثل منطقة بطن البقرة. ويمر فى حديثه على العوائق التى واجهته بشكل سريع، باحثا عن نتائج وأهداف يحققها، إذ يقدر مجموع من استفادوا من حملات التوعية بحوالى 1500 شخص، عبر حوالى 50 حملة توعية، وقد حاول قياس نتائج مبادرته من خلال المترددين على عيادة الفم والأسنان فى مستشفى أم المصريين، إذ ذكر أن نسبة التحسن فى حالة أسنانهم زادت على 20% على مدار الشهور الماضية منذ بداية العام الحالى.
«كل هدفى هو أن تنتشر الفكرة، وألا تنتهى روح المبادرة بين من شاركوا فى ثورتى 25 يناير و30 يونيو، فبعد عدة محاولات، ستنجح محاولة فى تحقيق هدفها». هكذا يختم حسام شاش حديثه عن حلمه الذى يطمح أن ينتشر بين ربوع مصر من خلال حملة أكثر تنظيما، لتحقق نتائج أعلى على مدار السنوات القادمة.


تحدى ال 100 يوم للتخلص من السمنة

- أمانى فرج: بدأت بنفسى.. وأطالب البدناء بأن يدعمونى ويدعموا أنفسهم

فى 12 يونيو الماضى، نشرت أمانى فرج فيديو على الانترنت تحت عنوان «اليوم الأول.. تحدى ال 100 يوم». وتحدثت فيه قائلة: «مشكلة حياتى إنى تخينة، وفى يوم من الأيام وصل وزنى لـ 170 كيلو.. أنا كنت أتخن واحدة فى الفصل، وفى المدرسة، وأتخن بنت فى العيلة، ولما أمى كانت بتزعق لى وبتبعد عنى الأكل، كنت بتفنن فى الوصول للأكل اللى باحبه».
تتحدث أمانى فرج التى تبلغ من العام 29 سنة، دون أن تخفى الكثير من المعلومات عن حياتها كشخص بدين، وتبدو معالم الاكتئاب واضحة على ملامحها فى هذا الفيديو، إذ بلغ وزنها 160 كيلوجراما، فهى إنسانة مكتئبة، ترتدى حذاء خاصا بسبب تورم قدميها نتيجة السمنة المفرطة، وكانت تتحدث فى الفيديو وقد تلاشت نبرة الثقة فى النفس من حديثها. حتى إنها قالت فى الفيديو نفسه: «هذا التسجيل هو ميثاق بينى وبينكم حتى أنجح فى تخفيض وزنى على مدار 100 يوم». تعمل أمانى فرج فى مجال التنمية البشرية، وكانت فى مرحلة سابقة مساعدة للراحل إبراهيم الفقى، أهم رواد مجال التنمية البشرية فى العالم العربى، ورغم نجاحها فى عملها، إلا أن بدانتها كانت نقطة الضعف التى طاردتها طول الوقت. «جربت كل محاولات التخسيس الممكنة على مدار أكثر من 16 سنة مضت، وفى العام 2012 نجحت فى أن أفقد 40 كيلوجراما فى ثلاثة أشهر، حتى وصل وزنى إلى 130 كيلوجراما، لكنى انتكست تماما الآن، وبلغ وزنى 160 كيلو مرة أخرى». تتحدث أمانى فرج فى مكتبها بمركز حياة للاستشارات والتدريب، حيث تعمل منذ سنوات، وتدين بالفضل لزملائها الذين يدعمونها نفسيا فى مبادرتها الحالية. وفى حديثها الذى اختلف تماما عن نبرة الاحباط التى بدت فى الفيديو الأول من مبادرة المائة يوم، بدت أكثر حماسا، وأكثر تصالحا مع نفسها، فهى لا تطمح إلى أن تصبح نحيفة، بقدر ما تطمح إلى مظهر مقبول، ومعيشة صحية. وعلى صفحتها فى شبكة فيسبوك الاجتماعية (امانى فرج وتحدى ال 100 يوم)، نجحت فى اجتذاب أكثر من 6000 مشارك، ما يجعلها تدخل أحيانا فى سجالات مع أعضاء الصفحة، إلى جانب من يعلقون على فيديوهاتها فى موقع يوتيوب. وتقول عن ذلك: «أتحدث معهم فى حدود معلوماتى، لكن فيما يخص المعلومات الطبية المتخصصة، فأوجههم إلى الاستعانة بطبيب». هذه هى قناعتها التى لم تخرج عنها طوال فترة تقديمها الفيديوهات أو أثناء تسجيل عبارات التحفيز على صفحتها فى الفيسبوك.
«لقد تحدثت عن نفسى فى الفيديوهات بشكل ربما لا تجرؤ عليه بعض الفتيات السمينات حرصا على صورتهن، أما أنا فتحدثت عن أضرار السمنة التى أعانى منها فى سن الشباب، مثل تناول أقراص الضغط، وآلام الركبتين، فليس لدى استعداد لتجميل صورتى، فى لحظة أعانى منها صحيا وأنا أعرف أن ذلك ما يتعرض له الكثير من البدناء». ولا تخفى أمانى أثناء حديثها فى مكتبها الكائن بحى مدينة نصر، أنها كثيرا ما كانت تصاب بالإحباط بسبب انطباعات الآخرين عن سمنتها، خاصة أن مهنتها تقوم على مواجهة الجمهور، وإلقاء المحاضرات، أو تدريب صغار السن فى المدارس على مهارات الحياة. كانت خطتها منذ البداية أن تشارك آخرين فى همها وأن يشاركوها همومهم، وذلك بديل عن تكوين مجموعة دعم نفسية، كالتى يؤسسها آخرون فى دول أخرى، إذ تقوم فكرة مجموعة الدعم Support Group على اجتماع أصحاب المشكلة الواحدة مثل: الإدمان، أو الاكتئاب، أو السمنة، فى جلسات يتبادلون فى دعم بعضهم البعض، وهو ما كان يصعب تكوينه هنا فى مصر، لغياب هذه الثقافة وقلة عدد مجموعات الدعم فى المجتمعات العربية. «اتجهت إلى البديل، وهو أن أستخدم الانترنت، وتصوير فيديوهات لتكوين ذلك المجتمع المهموم بنفس القضية، فندعم بعضنا سويا». هكذا تصف أمانى فرج ما بدأته قبل شهور، وبدأت فى حصاد ثماره قبل أسابيع، فقد قامت خطتها على الرياضة ونظام التغذية الصحى على مدار 100 يوم، ولم تكن تعلم أن هناك من يتابعونها باهتمام، وهو ما حدث مع الشاب مصطفى الذى أرسل إليها صورته فى يوليو الماضى دون سابق معرفة، وعرض صورتين له قبل تخفيض وزنه بمقدار 11 كيلوجراما وصورة بعدها، وكتب لها قائلا: «الحمد لله بفضل ربنا، وتشجيعك خسيت 11 كيلو.. بس النهارده جالى لحظة كسل كده وروحت أدور على تشجيع لاقيتك محبطة شوية.. انتى اللى خلتينا نبدأ ومش هينفع تقعى مننا فى النص». ولم تكن تلك الرسالة الوحيدة، إذ تلقت العديد من كلمات التشجيع على حسابها فى فيسبوك، وعلى فيديوهاتها فى موقع يوتيوب.
«كلما أصبت بالإحباط أو الكسل، تذكرت موقفا قديما، حين عنفنى أحد الأطباء فى مرة، بسبب أنى ظللت لأسابيع أمارس تدريبات رياضية ليس لها صلة بالتخسيس، وذلك عن طريق الخطأ، فما كان منه إلا وأن ألقى بورقة الكشف فى وجهى، ولم أزره مرة أخرى.. لا أريد تكرار هذه المواقف مرة أخرى فى حياتى». تتحدث أمانى فرج عن هذه القصة دون أن يبدو عليها الاحباط، فقد بدأت تشعر بإنجازها البسيط مع الوقت، وبدأت تخرج من حالة الاكتئاب تماما، إذ انطلقت بعدها لتروى قصة جعلتها فخورة بنفسها، حين خرجت مع أصدقائها إلى أحد المطاعم الشهيرة، حيث الطعام الشهى المميز، وهناك تمسكت بنظامها الغذائى، رغم إلحاح من حولها بأن تتخلى عن «الريجيم» فى ذلك اليوم. تستكمل ضاحكة: «ترافقنى دائما علبة بلاستيكية فيها تفاحة وبعض الأطعمة الخفيفة، وأذكر فى ذلك اليوم أنى كنت على وشك التخلى عن الريجيم، فكنت أسمع صوت اللحم الناضج، الذى خرج لتوه من تحت الشواية، وصوت المياه الغازية والبطاطس المقلية، لكنى تخليت عن كل ذلك تماما». فى 19 سبتمبر القادم تنتهى مبادرة تحدى ال 100 يوم، دون أن ينتهى مشروع أمانى فرج فى دعم من أصيبوا بالسمنة ومشاركتهم فى أحلامهم بتغيير نمط حياتهم إلى الأفضل، لكن أمامها مهمة أكبر فى أن تطبق هذا على نفسها فى البداية، أى أن تصل إلى وزن 130 كيلوجراما بعد المائة يوم، ثم تستكمل طريقها بعد ذلك بشكل أسهل.


حلم النور.. البحث عن الفنان بأقل الإمكانيات

- مدير برنامج المشروعات ب«التاون هاوس»: لا نحتاج إلى نجوم بل نحتاج إلى فنانين
- عصام فايز: مازال هناك شباب فى حاجة إلى الفن لتطوير مجتمعهم

كانت خطة عصام فايز المخرج ومدرب التمثيل بسيطة منذ أن بدأت الفكرة تدور بينه وبين أصدقائه، إذ قضى أكثر من سبع سنوات مضت فى أعمال تطوعية مع أطفال الشوارع، وفى مشروعات فنية تستهدف الشباب، ما جعله يرى احتياج شريحة عريضة من الشباب لتطوير مهاراتهم الفنية، وممارسة الفن.
«كنت أتابع دائما هؤلاء الشباب الذين لم تتوافر لديهم القدرة على الدخول إلى الأوساط الفنية، خوفا من اضطرارهم إلى تبديل نمط حياتهم كى يلائم نمط حياة الفنان، كل ما أريده هو إدماج هؤلاء الشباب فى الحركة الفنية». يتحدث عصام فايز عن مبادرة صاغها فى شكل مشروع، مستعينا بأصدقائه الذين تضامنوا مع فكرته، وأغلبهم كانت له خبرة فى الأعمال التطوعية من قبل. وفى العام 2012 عقدوا النية على بدء مشروعهم، دون أن يعرفوا من أين سيأتيهم الدعم.
وتمثل تجربة مشروع «حلم النور» خريطة لكيفية إدارة مبادرة مستقلة من الصفر، رغم أنها ما زالت فى طريقها للنمو، وكانت الخطوة الأولى فى طرح الفكرة على الدوائر المهتمة فى محيط ضيق، وهو ما يصفه عصام فايز قائلا: «بدأت فى التحدث مع ناير ناجى قائد فرقة أوركسترا أوبرا القاهرة، الذى أعرفه بشخص شخصى، وقد شجعنى على ذلك، وتحدثت مع سحر الموجى أستاذة الأدب الأمريكى فى كلية الأداب بجامعة القاهرة، وهم من جمعتنى بهم أعمال سابقة، وكان ذلك متزامنا مع حالة من الغليان فى الشارع المصرى احتجاجا على سياسات الاخوان، وقررنا مبدئيا عقد معسكر وورش تدريبية فى سبتمبر 2013، أى قبل عام تقريبا». كان يتحدث عن الفكرة فى مقهى مجاور لدار الأوبرا المصرية، حيث تدخلت زميلته أتينة مكرم إحدى المشاركات فى مبادرة «حلم النور» بقولها: «كان حادث فض اعتصام رابعة عائقا رهيبا أمام استكمال المشروع، وسط فرض حظر التجول على البلاد، ولم يكن فى استطاعتنا تحديد موعد حقيقى لبدء المشروع، فأجلنا التدشين، ولكن لم نستسلم».
وفى مثل هذه المشروعات والمبادرات، تتلخص المشكلة الأكبر فى توفير دعم مالى للفكرة، وقد استغل عصام فايز عمله فى مجال التنمية وتحديدا فى مؤسسة الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، كمدير لقسم الفنون والإعلام كى يطلب منها الدعم المالى غير المستقر، والمساعدة بالإمكانيات قدر الإمكان، لكن تظل مبادرة «حلم النور» بغير ميزانية ثابتة على عكس بقية المشروعات المدعومة، ما دفعه إلى التواصل المباشر مع فنانين فى مجالى الموسيقى والتمثيل، وشخصيات ذات خبرة فى إدارة مثل هذه المبادرات والورش، كى يساهموا بصفتهم شركاء. ياسر جراب مدير برنامج المشروعات بمؤسسة «التاون هاوس»، كان أحد هؤلاء الذين تبنوا دعم المبادرة بخبراتهم، ويشرح ذلك قائلا: «أراهن على أن تكتمل هذه المبادرة وتصبح مشروعا دائما، فأنا أراها كائنا ينمو بشكل طبيعى دون دعم تقليدى، ونطمح أن تصنع فنانين قبل أن تتجه إلى صنع نجوم.. فهذا ليس هدف المرحلة الحالية».
وبحكم خبرة عصام فايز وزملائه فى كيفية إدارة أعمال فنية وتطوعية، فقد حددوا رؤية وأهدافا بشكل احترافى، وضمنوا أن تنتقل المبادرة كى تكون مشروعا ضمن مؤسسة الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، وعلى أن يتطوع الفنانون بجهدهم فى المعسكر التدريبى الأول.
«نريد أن نعيد ما كنا سنبدأه فى العام الماضى، وأوقفته الأحداث الجسيمة التى مرت بمصر». تتحدث أتينة مكرم إحدى منسقات المشروع.
قد تبدو مبادرة عصام فايز وزملائه التى عملوا على تنفيذها على مدار عامين قريبة من بعض المشروعات التنموية التى تعمل على تطوير مهارات الشباب، ويملك عصام فايز خبرة فى العمل على تنمية المواهب فى فعاليات ترعاها الكنيسة المصرية، وهو ما لا يراه عائقا فى عمله. يقول عن ذلك: «لقد اختلطت بحكم عملى بكثير من الشرائح المحافظة فى قرى مصر، لكنى أعمل وأنا أعرف هدفى، فأنا أسعى إلى تنمية مهارات ومواهب شباب جامعيين، فى هذه الأوساط، دون أن أميز بين ديانة أو انتماء». يتوقف عصام قليلا ثم يبدأ فى شرح تلك النقطة بالتفصيل قائلا: «أنا أعرف طبيعة الأوساط الفنية، وما بها من أجواء قد تبدو متحررة للبعض، وهو ما يعزل كثيرين من أصحاب المواهب عن الاندفاع فى حبهم للفن، ولو حتى على سبيل التجربة.. أنا أبحث عن حق من هم خارج المجتمعات الفنية فى ممارسة ما يحبون». ينتهى حديث عصام فايز الذى يتحدث بمزيد من التفاؤل بسبب ما أنجزه فى تحقيق فكرته حتى الآن.

Monday, August 18, 2014

الصحافة الإنسانية.. احتراف الكتابة عن الأزمات


 

عبدالرحمن مصطفى

في الوقت الذي تتعقد فيه النزاعات المسلحة داخل المنطقة العربية، وتتفاقم الأزمات الداخلية في عدد من دول المنطقة، قد يرى البعض أن دور الصحافة يجب أن يركز على تقديم تغطيات إخبارية بعقيدة مراسل حربي يعمل وسط مناطق نزاعات وحروب، لكن حقيقة الأمر أن هناك مهمة أخرى لا تقل أهمية، وهي توجيه الاهتمام إلى المستضعفين الذين يغيب صوتهم عن زحام الأخبار، وهي المهمة التي تتصدى لها الصحافة الإنسانية.
ما هي الصحافة الإنسانية وما أبرز ملامحها؟ يظل المعنى الأصيل للصحافة الإنسانية واضحا بشكله الخالص في المساحات الصحفية التي تستخدمها المنظمات العاملة في المجال الإنساني لخدمة قضاياها، مثل القصص الإنسانية القليلة على الموقع الرسمي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو كما هو الحال مع شبكة الأنباء الإنسانية “إيرين”، التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إذ تمتاز “إيرين” باستقلالية أتاحت لها تناول موضوعات أكثر تنوعا، كأن ترصد حالة ضحايا العنف في العراق وصعوبة حصولهم على العلاج، أو أن تتعرض لقضية العيش بدون الدولة في الأحياء الفقيرة في القاهرة، إلى جانب ما تقدمه من تغطية إخبارية لمناطق الكوارث والنكبات.
وفي العام 2012 خصصت جائزة الصحافة العربية فئة للصحافة الإنسانية، وذكرت في تعريفها أنها التحقيقات أو التقارير التي تتناول قضايا أو أزمات إنسانية طارئة وملحة، أو تداعيات الكوارث الطبيعية والحروب والأوبئة والآفات وانتهاكات حقوق الإنسان، وهو التعريف الذي يغطي أهم مجالات الصحافة الإنسانية. ولم تخفي الجهة الداعمة لمسابقة الصحافة الإنسانية، أن استحداث تلك المسابقة جاء استجابة للظروف التي تمر بها المنطقة العربية من تغيرات وتحولات كبيرة، ما يؤكد على احتياج الصحافة العربية إلى هذا النوع من الموضوعات.
ليست الصورة كما تبدو وكأن “الصحافة الإنسانية” مجرد امتداد لعمل المنظمات الإنسانية، فهناك مهام تفجرها الأزمات، وتستلزم جهدا صحفيا يعتمد على تحليل أسباب الأزمة ونقد مواقف الجهات المقصرة.
ولم تخل المنطقة العربية من حوادث من هذا النوع، بعضها ذا طابع محلي مثل انهيار جزء من صخرة جبلية في القاهرة عام 2008، والمعروف إعلاميا بحادث صخرة الدويقة، حين اضطر صحفيون إلى التنكر والتسلسل إلى موقع الحدث لكسر التعتيم الحكومي على الكارثة الإنسانية هناك، وحاولت الصحافة في ذلك الوقت مواجهة التقصير الحكومي، ومتابعة مصير المتضررين. أما على صعيد الأحداث ذات الأبعاد الإقليمية والدولية فمازالت الصحافة العربية في احتياج إلى المزيد من الموضوعات الإنسانية التي تتناول أزمات مناطق مثل سوريا والعراق وفلسطين.
ومن مهام الصحافة الإنسانية، أن تتناول حياة الفئات المستضعفة، حيث يتحرك الصحفي وسط شريحة من المجتمع تتعايش مع أزماتها دون دعم، وهو ما نراه في هذا التحقيق المدعوم من شبكة اريج، الذي يتعرض لظاهرة الانتحار بالحرق بين نساء كردستان، وهو ما يخفي وراءه أبعادا اجتماعية معقدة. وكذلك الحال مع التحقيق الفائز بجائزة الصحافة العربية ضمن فئة الصحافة الإنسانية عن أحفاد العبيد في المغرب.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مهام الصحافة الإنسانية لا ترتبط بقضايا الفقر والكوارث الكبرى فقط، ففي داخل إمارة دبي ذات الحالة الاقتصادية المتيسرة، تناول الصحفي قضية إشكالية ذات طابع إنساني، حول مسألة القتل الرحيم، وهي قضية خارج دائرة السياسة والنزاعات المسلحة.
إذا فهناك عدة قوالب يمكن من خلالها التعبير عن الصحافة الإنسانية، سواء عبر التغطيات والمتابعات الميدانية، أو عبر التحقيقات الاستقصائية، لكن يظل العائق أمام هذا النوع من الموضوعات الصحفية هو الابتذال الذي تعتنقه بعض المؤسسات الإعلامية، حين يكتفي الصحفي باستدعاء “حالات إنسانية” لإثارة تعاطف الجمهور، دون خدمة القضية الأساسية التي يكتب عنها، حتى لو اضطر إلى تقديم تناول سلبي أو مهين للضحايا.
وفي دليل تدريبي أعدته مؤسسة “انترنيوز” عن التغطية في النكبات الإنسانية، تتكرر التحذيرات والتوصيات بشأن كيفية التعامل مع الضحايا والمتضررين إنسانيا، بداية من مراعاة حالة الصدمة التي يعيشها “المصدر”، انتهاء بقواعد الكتابة التي يجب أن ينتهجها الصحفي في مثل تلك الحالات، وأهمها: الدقة، والتعرف على حياة الضحية بشكل عميق، والاستماع للمحيطين به، والتحدث معه بلغة بسيطة ومفهومة، مع مراعاة تجنب نقل مشاهد مثيرة للذعر أثناء التغطية رحمة بالمتضررين الذين سيتابعون ما ينقله الصحفي. مثل تلك القواعد تهدف إلى تجنب زيادة آلام المتضررين أو الضحايا، والحفاظ على كرامتهم دون ابتذال آلامهم، وهو ما تفتقده بعض الأعمال الصحفية والبرامج التلفزيونية التي تعتمد على اجترار آلام المستضعفين.

Friday, August 8, 2014

صراع الكلمة والنغم في تلاوة القرآن



 تحدّثت مرة مع شيخ مقرئ معمّم حول تلحين القرآن واستخدام الموسيقى في خلفيّة التلاوة. لم يكن المقرئ سعيدًا بالحديث، وانتهى الأمر إلى رفض الكلام حول الأمر، معللًا ذلك بأن هناك قواعد تضبط الحديث عن القرآن وقواعد تلاوته.

لم يكن موقف الشيخ الأزهري غريبًا في سياق العلاقة القديمة بين الموسيقى والنص القرآني، إذ تقوم العلاقة على صراع تديره مجموعة من آراء الفقهاء، ومجموعة من الأحاديث النبويّة تهدف إلى ضبط قواعد التلاوة، بحيث لا تتحكّم الموسيقى في النص القرآني وطريقة نطقه أو تلاوته.

أما الحل الوسط الذي يقترحه بعض المحافظين، ففي حلاوة الصوت، واعتبار الصوت أداةً لتزيين النص القرآني، بينما تأتي حلاوة النغم في موضع هامشي. يقول الحديث النبوي “الله أشد أُذُنَا إلى قارئ القرآن من صاحب القَينَةِ إلى قَينَتِهِ” والمقصود بالقينة المغنية، وبهذا المنطق تتحول أصوات المقرئين إلى مزامير مثلما يروّج الموروث الإسلامي عن النبي داوود، الذي أوتي من حلاوة الصوت ما يجمع الإنس والجن والطير أثناء تلاوته للنصوص المقدّسة.

يتجاوز الأمر الاكتفاء بالتركيز على جمال الصوت، ويمتد إلى إرهاب من يفكر في الانتصار للألحان والموسيقى ومن يفكر في جعلها أداة تتحكّم في النص القرآني. هنا تبرز أحاديث نبويّة تثير الفزع في نفوس المتجرئين، منها على سبيل المثال قول النبي: “اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكِتابَينِ وأهل الفسق، فإنه سيجيء أقوام يُرجِعونَ بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم”. يستند كثير من أعداء التطريب بالقرآن إلى هذا الحديث، ويرون أن تلاوة القرآن المثاليّة هي تلك التي يعبر عنها شيخ مثل عبدالرحمن السديس إمام الحرم المكي ومن هم على شاكلته، حين يتلون القرآن في صلاة التراويح من مقام واحد. هنا يبرز سؤال: كيف ظهر من يعادون استخدام المقامات الموسيقيّة وإجادتها، في حين أن كبار المقرئين المحترفين تعلموها وتدربوا عليها؟


أذكر هنا أني حضرت تدريبًا صوتيًا على المقامات الموسيقيّة بواسطة أحمد مصطفى كامل أستاذ علوم المقامات وأحد جامعي تراث المقرئ الشيخ مصطفى اسماعيل، وكان ضمن من تدربوا على يديه قرّاء محترفون، منهم ياسر الشرقاوي الذي كان تدريبه عبارة عن تكرار لآية، مرة يقرؤها من القرار، أي الصوت الغليظ، ومرة من الجواب، أي الصوت الأكثر حدّة. في منزله، كان الطرب يغلف الأجواء، وأصبحت قضيّة الطرب أكبر من قضية الاهتمام بقواعد النطق، إذ أنّها قضية مدربين آخرين يدربون على قواعد النطق المتصلة بالتلاوة، مثل كيفية مد بعض الحروف، وإدغام حروف أخرى، وهو ما يعرف بعلم التجويد.

في المقابل يعادي أبناء التيار المحافظ هذه الأجواء، حيث تبرز آراءهم في المنتديات الدينيّة، وفي تعليقات أسفل فيديوهات تعرض حالة الطرب بين جمهور القراء العظاملا يخلو الأمر من نزعة شعوبيّة، حين ينتفض أبناء التيار المحافظ لنماذج من شيوخ سعوديين، يتلون القرآن بالحد الأدنى من الموسيقى، بينما يدافع المصريون عن أنفسهم، مستندين في ذلك إلى أن الكثير من القراء الخليجيين قد أجيزوا على يد شيوخ مصريين، في محاولة منهم لمنع أي مزايدة على إتقان الشيوخ المصريين لقواعد التلاوة.

يبدو أن الأمر أقدم من هذا الجدل الحديث، إذ يذكر الإمام القرطبي (توفي ٦١٧ هجريةفي كتابه “الجامع لأحكام القرآن” قائلًا: “الذين يقرؤون أمام الملوك والجنائز، ويأخذون على ذلك الأجور والجـوائز، ضـل سعيهم، وخاب عملهم”. كان يقصد القراء المصريين تحديدًا.

يمكن إيجاز القضية محل النزاع بين التيار المحافظ والتيار الأكثر تصالحًا مع الموسيقى في أمر هام وجذري، وهو ألا يكون هناك خرق لقواعد النطق والتلاوة أثناء القراءة، بمعنى ألا يكون استخدام مقام موسيقي سببًا في مد حرف مدًا زائدًا، أو في تغيير نطق حرف من الحروف، أو أن يقف المقرئ في مواضع تغير المعنى، كأن يقف على جملة ولا تقربوا الصلاة” من الآية من دون استكمالها، ويغلف كل هذا رؤية أشمل، تعتبر مثل تلك الخروقات، استهتارًا بمضمون النص القرآني المقدس.

نحن هنا أمام أطياف من التعامل مع النص، أغلبها يُجمع بشكل قاطع على رفض فكرة التلحين ذات الطابع الغنائي للقرآن، أو التشبه بالترانيم المسيحيّة التي تخضع النص إلى اللحن بشكل كامل، أو استخدام الأدوات الموسيقيّة.

يحذر أبناء هذا التيار من أداء مشاهير المشايخ مثل مصطفى اسماعيل والطبلاوي وغيرهم، ويعتبر بعضهم أن تعلم المقامات الموسيقية فتنة عن مهمة القارئ الأصليّة، وحجتهم في ذلك أن التنوع في استخدام المقامات الموسيقية يستلزم اتباع أوزان موسيقية ملائمة، في حين أن النص القرآني ليس نصًّا غنائيًّا يتبع أوزان الأشعار والقصائد، وبالتالي فإنهم يفترضون أن الاهتمام الزائد بالموسيقى سيؤدي لا محالة إلى خرق قواعد النطق السليمإذ ينقل عن الإمام السيوطي (توفي ٩١١ هجريةرأياً يرى فيه أن قراءة القرآن بالألحان والأصوات الحسنة تعتبر سنّة حسنة إن لم تخرجه عن هيئته المعتبرة، أما إن أخرجته عنها فذلك حرام فاحش. بينما يتحدث ابن القيم الجوزية (توفي ٧٥١ هجرية) بشكل قاطع عن نفس القضية في كتابه زاد الميعاد قائلًا: “إن القراءة بالتطريب والألحان لا تتضمن زيادة في الحروف، وذلك لأنها لا تخرج الكلام عن وضعه، ولا تحول بين السامع وبين فهمه، ولو كانت متضمنة لزيادة الحروف لأخرجت الكلمة عن موضعها، وحالت بين السامع وبين فهمها، ولم يدر المقصود بها.”


تكشف مثل تلك الآراء عن صراع بين الرغبة في تقديم النص القرآني بأنغام تقرّب الجمهور إلى المعنى، وبين خشية من أن تتحول قضية المقرئ إلى متابعة النغم قبل متابعة المعنى وإجادة النطق، أو أن يصبح “قلب القارئ مصروفًا إلى وزن اللفظ بميزان الغناء لا يتدبره ولا يعقله”. على حد عبارة ابن تيمية (توفي ٧٢٨ هجرية).

هنا يبرز حديث نبوي يمثل معضلة أمام هذا التيار المحافظ، يقول الحديث: “ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن”. أمام هذا النص يستخدم أبناء التيار المحافظ حجة أخرى تؤيد وجهة نظرهم، مفادها أن النبي وسلفه لم يتعلموا المقامات الموسيقية، وأنها مسألة دخيلة ظهرت على يد الموالي وأبناء الشعوب الأخرى، وأن الرسول نفسه قد أوصى بقراءة القرآن بلحون العرب.

لكن في جانب آخر يظهر من هم أكثر تسامحها مع تزيين القرآن بالمقامات الموسيقيّة، واعتبار قراءة القرآن فنًّا يحتاج إلى دراسة موسيقيّة. يستند أبناء هذا التيار أيضًا إلى الحديث النبوي نفسه، وحديث نبوي آخر يقول ” زيّنوا القرآن بأصواتكم”. يتحدّث أبناء هذه المدرسة بلغة مطمئنة تحكمها الخلفية الأكاديميّة التي ترى أن علم النغم والمقامات لن يطغى على علم التجويد، فمن لديه العلم، لن يقع في الخطأ أو يتعثر في التلاوة.

موقع معازف

Thursday, July 31, 2014

الطبقة الوسطى.. حصار بين السياسة والاقتصاد

هبة الليثى: أصحاب الدخل الثابت هم الأكثر تضررا من غلاء الأسعار
تختلف مساحة الطبقة الوسطى لكنها تمثل الأغلبية بين الفقراء والأثرياء

عبدالرحمن مصطفى
قبل أسابيع قليلة من توليه رئاسة الجمهورية، صرح عبدالفتاح السيسى فى لقاء ضمن حملته الانتخابية بأن «الطبقة الوسطى قد تآكلت، حتى أصبح الناس يمارسون الفساد بصورة عادية». لم تكن تلك العبارة سوى بداية جدل يزداد يوما بعد يوم حول مستقبل الطبقة الوسطى، بعد قرارات تخفيض الدعم على الوقود والطاقة. وبينما ينظر الفقير إلى من ينتمون إلى الطبقة الوسطى على أنهم ميسورو الحال، فإن بعض أبناء الطبقة الوسطى يستشعرون القلق من صعوبة المعيشة مقارنة بطموحاتهم، ما يضفى حالة من الضبابية على ملامح هذه الطبقة العتيدة.هناك مشكلة قديمة فى تعريف الطبقة الوسطى، إذ وضع العلماء محددات اختلفت من فريق لآخر، فهناك من اهتم بدراسة دورها فى عملية الانتاج، وهناك من اهتم بدراسة الدخل ومستوى التعليم والحرفية المهنية، لكن تظل الطبقة الوسطى فى النهاية هى الطبقة الوسيطة بين الكادحين والميسورين». الحديث هنا لعمرو عادلى الباحث الاقتصادى فى مركز كارنيجى للسلام العالمى، الذى يوضح أن ملامح الطبقة الوسطى المصرية قد تشكلت فى فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ويضيف قائلا: «فى تلك الحقبة تكونت صورة الطبقة الوسطى بسبب التوسع فى عملية التعليم، واندماج الكثيرين فى الجهاز الإدارى للدولة وفى القطاع العام، أما ظهور القلق على مستقبل هذه الطبقة، فقد بدأ مع فترة التحول إلى النظام الرأسمالى فى عهد السادات، حين لم يعد الموظف الحكومى فقط هو من يعبر عن الطبقة الوسطى».
لم يعد سرا أن فترة الستينيات كانت أكثر الفترات أمانا للطبقة الوسطى المصرية، وهو ما سجلته كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولى فى مايو الماضى، حين ذكرت أن نصيب الطبقة الوسطى المصرية من ثروة المجتمع فى الستينيات، كان أكثر مما هو عليه حاليا. حتى جاءت نهاية السبعينيات فأحدثت هزة عظيمة فى صورة الطبقة الوسطى التقليدية، ويضرب عمرو عادلى الباحث الاقتصادى مثلا على هذه النقطة تحديدا، بما جسدته رواية الحب فوق هضبة الهرم، للكاتب نجيب محفوظ، حين عرضت أزمة شاب ينتمى إلى الطبقة الوسطى، يعمل موظفا حكوميا، ولا يجد وسيلة للزواج بمن يحب، بينما تضطر عائلته تزويج ابنتها من «سباك» لديه القدرة على توفير المسكن والحياة الكريمة.
حسب الأرقام التى أوردها الكاتب جلال أمين فى كتابه «ماذا حدث للمصريين»، فإن الطبقة الوسطى قد تمددت ست مرات فى الفترة من 1952 – 1991، وتبعا لحساباته ــ التى أوردها فى الكتاب نفسه ــ فإن هذه الطبقة كانت تمثل حوالى 19% من المجتمع فى العام 1955، بينما وصلت النسبة إلى 45% فى العام 1991. وتختلف أساليب تقدير نسبة الطبقة الوسطى من المجتمع، وهو ما أوجد تقديرات مختلفة لنسبتها الحالية، إذ تتأرجح تلك التقديرات بين 60% و 84% من المجتمع المصرى، بسبب اختلاف طرق وأساليب تقدير الطبقة الوسطى فى مصر.
تقلبات الزمن
طرح باحثون تصورا لأربعة تقسيمات طبقية فى العام الماضى، ضمن دراسة تحت عنوان: نهج جديد لقياس الطبقة الوسطى، صدرت عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربى آسيا التابعة للأمم المتحدة «الإسكوا»، معتمدين فيها على قياس حجم الإنفاق والاستهلاك لكل طبقة من تلك الطبقات الأربع، وكانت التقسيمات كالآتى: الطبقة الثرية، والطبقة الوسطى، ثم الطبقة الدنيا المعرضة للخطر، وتأتى الطبقة الفقيرة فى قاع هذا التصنيف. وأظهر العرض البيانى أن ذروة نمو الطبقة الوسطى كانت فى الفترة من سنة 2000 إلى 2005 ، حين بلغت نسبتها 51.8% من المجتمع المصرى، ثم انكمشت بعد ذلك حتى وصلت إلى 44% فى العام 2011. فى حين بلغت نسبة الطبقة الثالثة (المعرضة للخطر) 23.7% من السكان فى العام 2011، وفى ذيل هذا التصنيف، حازت الطبقة الفقيرة على نسبة 25.2% من السكان.
«مع الاجراءات الاقتصادية الأخيرة فى تخفيض دعم الدولة عن الوقود، ومع ازدياد الأسعار، هناك توقع بأن تنتقل كتلة من الطبقة الثالثة المهددة اقتصاديا إلى الطبقة الفقيرة، ومن المتوقع أن يزداد التهديد بشكل خاص لأصحاب الدخل الثابت، الذين لا يملكون فرصا أخرى لتنمية دخلهم». هذا ما تذكره هبة الليثى أستاذة الإحصاء بجامعة القاهرة، وأحد المشاركين فى الدراسة السابقة.
وترى هبة الليثى أن وضع الطبقة الثالثة «المهددة اقتصاديا»، يجعلها أقرب إلى الطبقة الوسطى عن الطبقة الفقيرة، إذ يحدد الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، قيمة خط الفقر القومى بقيمة 327 جنيهًا للفرد فى الشهر، كما حدد احتياج الأسرة المكونة من 5 أفراد لسد احتياجاتها الأساسية بمبلغ 1620 جنيها شهريا، أما ما هو أدنى من ذلك فيندرج ضمن الطبقة الفقيرة.
فى أوقات التهديد الاقتصادى يتحايل أبناء الطبقة الوسطى على الأزمات، مستخدمين فى ذلك عدة أساليب. منها تقليل الأنشطة المكلفة مثل الرحلات والترفيه، وتقليل الاستهلاك فى الغذاء والملبس والمسكن، والبحث عن عمل إضافى، إلى جانب استغلال ما لديهم من اصول ثابتة لجلب الأموال، مثل تأجير العقارات. هذا ما رصده مهدى القصاص أستاذ علم الاجتماع فى جامعة المنصورة فى دراسة سابقة عن الطبقة الوسطى المصرية، ويعلق على تلك النقطة قائلا: «هناك أمور خفية لا تذكر فى الأوراق البحثية أو فى الإحصاء، منها أنه قد يكون هناك اثنان فى مهنة واحدة مثل التدريس، ونجد أحدهم فى المستوى الأدنى من الطبقة الوسطى، والآخر فى مستوى أعلى بسبب ما يربحه بشكل غير رسمى من الدروس الخصوصية.. لذا فإن ملامح الطبقة الوسطى فى مصر معقدة ومتشابكة». هذا ما يذكره مهدى القصاص أستاذ الاجتماع.
وبمقارنة الطبقة الوسطى مع الطبقة الفقيرة، تتضح بعض نقاط القوة لدى أبناء الطبقة الوسطى، توفر لهم القدرة على مواجهة التقلبات الاقتصادية، منها ميزة التعليم، إذ لا تتجاوز نسبة الفقر بين الجامعيين سوى 8%، بينما تبلغ نسبة الفقر بين الأميين 37%، وكذلك نجد أن 60% من أبناء الطبقة الفقيرة يعملون خارج المنشآت الخاصة أو الحكومية، ما يمثل تهديدا دائما فى أرزاقهم، بينما تقل النسبة إلى 36% فى الطبقتين الوسطى والغنية. وذلك حسب بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء.
وبينما تمتد الطبقة الوسطى لتشمل ملايين العاملين فى الحكومة والمهن الحرة والقطاع الخاص، إلا أن اهتمام الحكومات غالبا ما ينصب على فئة العاملين فى الحكومة، فهم الكتلة القديمة للطبقة الوسطى التى أسستها الدولة، وهى الفئة التى حاولت الدولة طمأنتها بنواياها فى تطبيق الحدين الأدنى والأقصى للأجور، ويعلق عمرو عادلى الباحث الاقتصادى فى مركز كارنيجى للسلام العالمى قائلا: «من أسوأ ما نراه فى بلد يعانى اقتصاديا مثل مصر، هو سلوك الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، التى استنزفت الدعم الحكومى، فى الوقت الذى يغيب فيه صوت الفقراء عن المشهد».
 **
طبقة الأفندية.. مصلحتك أولا

تكاد تنحصر صورة الطبقة الوسطى قبل ثورة 23 يوليو فى صورة الأفندى الذى يناضل ضد الاحتلال البريطانى، وهى الصورة التى كررتها العديد من الأعمال الأدبية والدرامية.. لكن الواقع لما يكن بهذه المثالية، فكثيرا ما كان يفكر أبناء الطبقة الوسطى فى مصلحتهم أولا على حساب من هم أدنى فى السلم الاجتماعى. وفى دراسة تحت عنوان «الطبقة الوسطى المصرية بين الوعى الطبقى والوعى الاجتماعى» ذكر المؤرخ الراحل رءوف عباس أن أبناء الطبقة الوسطى لم يحرصوا بجدية على النهوض بالطبقات الدنيا والفقراء فى المجتمع، بل اهتموا بضمان استقرار مصالحهم.
لذا فإن صورة الأفندى المناضل بالبدلة والطربوش، لم تكن معبرة عن الموقف العام للطبقة الوسطى كلها، وهو ما يتشابه حاليا مع ما رآه البعض فى ثورة 25 يناير واعتبارها ثورة الطبقة الوسطى، إذ يرى آخرون أنها لم تعبر سوى عن شريحة منها، وأن الطبقة الوسطى على مدار التاريخ كانت أعقد من أن يكون لها موقف سياسى واحد.
«حين نتحدث عن الطبقة الوسطى، فنحن لا نتحدث عن طبقة لها موقف سياسى موحد، فطوال الوقت كانت هناك فئات موالية للسلطة، وأخرى معارضة تعيش حالة من التهميش، كذلك فإن الطبقة الوسطى لا تتبنى ثقافة واحدة، بحكم الاختلافات الموجودة داخلها». هكذا يصف عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ الحديث فى جامعة حلوان، تطور الطبقة الوسطى منذ نشأتها الأولى. ويعتبر أن نشأتها الحقيقية قد تزامنت مع فترة حكم محمد على، حين تلقى أبناؤها الأوائل تعليما مهنيا متخصصا، وخاض بعضهم تجربة الدراسة فى الخارج، ثم احتوتهم الدولة فى إداراتها، فى حين ساءت أحوال هذه الطبقة فى فترة الاحتلال البريطانى، حين فرضت سلطات الاحتلال رسوما على التعليم.
أما إذا ما بحثنا عن جذور أقدم للطبقة الوسطى المصرية، فتصف نيللى حنا أستاذ الدراسات العثمانية فى الجامعة الأمريكية، أحوال هذه الطبقة فى كتابها «ثقافة الطبقة الوسطى فى مصر العثمانية»، حيث تعرض نقاطا مهمة ميزت تلك الطبقة قبل أكثر من ثلاثة قرون، مازال بعضها ممتدا حتى الآن، وأولى هذه المزايا هى تقدير العلم، بل وحرص بعض العائلات على اقتناء الكتب، أما فى مواقفها السياسية، فإن بعض أبناء هذه الطبقة قد شاركوا «العامة» أحيانا فى احتجاجاتهم على الولاة، لكن كل ذلك ظل فى نطاق ضيق بحكم صغر هذه الطبقة، مقارنة بالعصور التالية.
ويعود الدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ الحديث فى جامعة حلوان، ليوضح أن ثقافة الطبقة الوسطى السياسية قبل 100 عام، ما زالت لها تأثيرها حتى اليوم، فهى مزيج من تأثر بالحضارة الغربية والأفكار الليبرالية، وحضور للفكر الدينى، إلى جانب الارتباط بالعادات والتقاليد والنزعة المحافظة، وأخيرا فى وجود تيار اشتراكى لدى بعض الفئات.
وتلقت الطبقة الوسطى اتهامات بأنها تخلت عن الاصطفاف حول مشروع قومى بعد سياسة الانفتاح الاقتصادى فى نهاية عهد السادات، وأنها سعت إلى التركيز على مصالح أفرادها، دون إبراز ولاء أو تضحيات وطنية، وهو ما يجعل أبناء الطبقة الوسطى فى مرمى النيران طول الوقت، بين من يعلى من دورها الوطنى، وآخرون يرونها قد تخلت عن هذا الدور إلى الأبد.

«مستورة الحمدلله» شعار من هبطوا إلى الحد الأدنى

الأزمات المالية تتطلب مهارات جديدة فى مواجهة الحياة

تبدلت حياة أمل يوسف، الأرملة الخمسينية، حين ألقت بها الظروف الاقتصادية من حياة مستقرة فى سكن راق إلى ظروف أسوأ، جعلتها ضمن الشريحة الأدنى من الطبقة الوسطى، فبعد أن ساهمت فى تعليم ابنتها الوحيدة فى مدرسة خاصة، وعاشت حياة اجتماعية أكثر ثراء، أصبح دخلها الحالى مقتصرا على 1200 جنيه شهريا، هو قيمة معاش زوجها المتوفى، أما السبب الرئيسى الذى أطاح بها إلى مستوى المعيشة الأقل، فهو فقدانها نصيبها الشرعى من ميراث الزوج نتيجة خلافات عائلية.
«أدعو الله أحيانا ألا يتعرض أحد لتجربتى فى الانتقال من حياة متيسرة إلى حياة أفقر، فأنا الآن أبحث عن الصبر فى سيرة الرسول الكريم، الذى كان يمر بفترات لا يُطهى فيها الطعام فى منزله لأسابيع ويكتفى بالتمر والماء». هكذا تلخص أمل قصتها وهى تحاول أن تتعايش مع نمط حياة جديد، يعتمد على دخل محدود، لكنها تحاول طول الوقت أن تبتعد عن نمط حياة البسطاء ما جعلها على غير دراية بإمكانية الحصول على ما توفره الدولة من دعم قد يساندها فى معيشتها، لذا فقد حاولت الاعتماد على نفسها بشكل كامل. على سبيل المثال فهى لم تلتفت إلى أهمية إصدار بطاقة تموينية تساعدها فى الحصول على سلع مدعمة، رغم استحقاقها ذلك، وتنفق أمل على حد قولها 900 جنيه شهريا على السكن والمعيشة، حيث تسكن فى مساكن التعاونيات فى مدينة السادس من أكتوبر، ولا يتبقى لها من فرص زيادة الدخل سوى بعض الأعمال الخاصة التى كانت توفر لها حوالى 500 جنيه إضافية، وهو ما فقدته مؤخرا.
«ما حدث معى أنه قد استغل بعض أقارب زوجى فترة مرضه، وأجبروه على توقيع تنازل عن ممتلكاته، ولم يعد لى سوى معاشه، وحتى الآن ما زلت مصدومة من أنه لا توجد وسيلة فى القانون تحمى الأرملة فى مثل هذه المواقف، حين تجد نفسها محرومة من حقها الشرعى فى الميراث». تستكمل أمل يوسف حديثها، موضحة المعاناة التى يمر بها من يعيش ضمن الشريحة العليا فى الطبقة الوسطى، وتجبره الظروف على النزول إلى الشريحة السفلى من نفس الطبقة، لذا بدأت أزمتها حين رفضت فكرة السكن فى منطقة عشوائية، كى لا تضغط على ابنتها نفسيا التى تدرس فى المرحلة الجامعية»، أصبحت أفكر عدة مرات قبل الذهاب إلى الطبيب، بسبب ما قد يتطلبه الأمر من مصاريف وأدوية، وأنا لم أعتد على طلب المساعدة من أحد». رغم هذه التطورات فى حياتها، فهى لا تعتبر نفسها من أبناء الطبقة الفقيرة.
وتوضح مؤشرات «بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك» الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، أن قيمة خط الفقر القومى هو 327 جنيهًا للفرد فى الشهر، أى أن أسرة صغير مكونة من أرملة وابنتها مثل أسرة أمل يوسف، لا تندرج ضمن الأسر الفقيرة، بل يمكن تصنيفها بأنها فى الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة، وبسبب حيرتها فى كيفية التعايش مع هذا الوضع المادى الطارئ، بدت زاهدة فى الحصول على ما توفره الدولة من الدعم.
«مصاريف الكلية التى التحقت بها ابنتى تتكلف 3000 جنيه سنويا، واستطعت توفيرها العام الماضى، لكنى لا أستطيع التفكير فى أن أجعلها تخوض تجربة إجراء بحث اجتماعى على أسرتها من أجل تخفيض المصاريف أو الاعفاء منها، الحياة مستورة الحمدلله». وهنا تتحدث وكأنها ما زالت فى مستواها الاجتماعى السابق، وهو ما يزيد من إحساسها بأزمة ميسورى الحال، حين يمرون بأزمات مالية عنيفة.
حاولت أمل أن تدشن مشروعاتها الخاصة، واندمجت فى عالم الانترنت قليلا من أجل تسويق منتجاتها، وكانت أولى تجاربها مع تجهيز الخضار للنساء العاملات كى يتم تجميده وإعادة استخدامه فى أى وقت، وكانت تبيع الكيس الواحد أقل من سعر كيس الخضار المجمد من انتاج المصانع بحوالى 9 جنيهات، لكن تحريك الأسعار وقلة خبرتها فى إدارة مثل هذه المشروعات، جعلها تخفق فى التجربة، حيث لم تستطع أن تضع سعرا ثابتا لمنتجاتها مع تحرك الأسعار، أو إيجاد الزبائن، فى الوقت الذى يقدم فيه بعض النساء الريفيات نفس الخدمة، ويبيعونها فى الشارع.
بعدها انتقلت إلى تجربة أخرى فى صنع ملابس المطبخ، لكنها لم تنجح فى تسويقها، بسبب اعتماد المحلات على الصناعات الصينية، وتشبع السوق بها.
«حاولت حشد مجموعات على الانترنت من أجل إقامة مشروعات تجارية تفيد أمثالى، لكن المشكلة هى ضعف العزيمة، على عكس ما وجدته من نجاح فى مشروعات السوريين التجارية فى مدينة 6 أكتوبر التى أعيش فيها حاليا». وفى حديثها تطرح أفكارا عن ضرورة أن يكون هناك سكن حكومى لشرائح من المجتمع، مثل الأرامل، وأن يكون هناك اهتمام حكومى بتعليم أمثالها كيفية كسب الأموال، دون الاعتماد على دعم عينى.
تستعيد أمل ذكريات سنوات قضتها فى حياة أفضل من حياتها الحالية، وليس أمامها سوى حلم وحيد، يوفر لها الانتقال إلى درجة أعلى فى الطبقة الوسطى، بأن تقيم مشروع حضانة للأطفال، يلائم ثقافتها، ويوفر لها دخلا أكبر.
**
أثرياء الطبقة الوسطى

بعد تحريك أسعار بعض السلع وارتفاع سعر الوقود، كتب أحمد فراج الشاب الثلاثينى بعض المصروفات التى تنفقها أسرة من الطبقة الوسطى التى ينتمى إليها، ونشر هذه التقديرات على حسابه الخاص فى شبكة فيسبوك. وفى دقائق تبادل المئات ما كتبه الشاب الذى يعمل فى أحد البنوك المصرية، وتوالت ردود الأفعال المعادية تجاهه، واعتبروا ما كتبه نوعا من الاستفزاز لهم، وأن أمثاله لا يندرجون تحت بند الطبقة الوسطى.
كان ضمن ما كتبه، أن أبناء طبقته ينفقون على تعليم أبنائهم من 15 ألفا إلى 50 ألف جنيه سنويا كمصاريف دراسية، وغالبا ما يمتلك كل من الوالدين سيارة شخصية، وتتكلف مصاريف الطعام فى المنزل حوالى 2000 جنيه شهريا. وقد صدمت هذه الأرقام العديد من مستخدمى الفيسبوك، خاصة حين ذكر الشاب بعض المصاريف الجانبية، مثل السفر سنويا للتصييف فى الساحل الشمالى مقابل 4000 جنيه، أو شراء حذاء رياضى ثمنه من 400 إلى 700 جنيه.
وكتب فى ختام ما ذكره قائلا: «كل الحاجات دى، والمصاريف دى، وييجى واحد يقولك زيادة البنزين هتقضى على الطبقة المتوسطة !!».
لم يكن يدرك أن كلماته سيتناقلها الآلاف والعديد من صفحات الفيسبوك وتويتر، حتى نال نصيبه من التعليقات التهكمية، واضطر إلى حذف ما كتبه، وكتابة توضيح أشد قسوة قائلا إن ما ذكره لم يبتعد عن الواقع الذى يعيشه، هو وأصدقاؤه من الطبقة الوسطى، ثم كتب بعدها واصفا أسلوب معيشة الأثرياء، الذين لن يصل أبدا لمستواهم.

Thursday, July 24, 2014

«الدراجة الأحادية» تتجول فى شوارع القاهرة

إذا مر جوارك رجل يتحرك بسرعة منتظمة، كأنه فوق بساط سحرى ينقله من مكان إلى آخر، فهذا الرجل ليس سوى أحمد صلاح فوق دراجته ذات العجلة الواحدة، يمر بها بين شوارع القاهرة.
«رأيت هذه الدراجة للمرة الأولى فى بريطانيا حين كنت مقيما هناك، وقررت قبل شهرين فقط أن أشتريها من الخارج، وأقضى بها مشاويرى فى حى مدينة نصر حيث أسكن».
يتحدث أحمد صلاح، مدير شركة للأجهزة الطبية، عن «الدراجة الأحادية الكهربائية electric unicycle» التى يتنقل بها فى شوارع القاهرة، حيث لا تتجاوز سرعتها 20 كيلومترا فى الساعة، ويقدر سعرها مستوردة من الخارج ما يوازى 6000 إلى 11000 جنيه مصرى.
فى ذلك اليوم كان أحمد صلاح يتنقل من المهندسين إلى غمرة، حيث ترك سيارته هناك، وأثناء حركته تلقى تعليقات طريفة مثل: «برنس والله» أو «عملتها إزاى دى؟». فيكتفى بأن يوجه إليهم ابتسامة، ثم يكمل طريقه. ويؤكد أحمد صلاح أن استخدام تلك العجلة ليس بالصعوبة التى تبدو عليها، إذ يتم ضبط توازنها بتحريك الجسم إلى الأمام أو الخلف، لكن المشكلة التى تواجهه هى مطبات الطريق، أما فى الخارج فهناك ممر مخصص للدراجات، يعطى الراكب مزيدا من الأمان فى استخدامها.

شباب يحصدون ثواب الصيام وأجر توعية المواطنين


 كتب – عبدالرحمن مصطفى
 تقف مي عادل خريجة كلية الحقوق في شارع عبدالخالق ثروت في وسط القاهرة، مرتدية قميص عليه شعار "المشروع القومي لتحسين كفاءة الطاقة"، حيث تستوقف المارة وتوزع عليهم مطبوعات عن تخفيض استهلاك الكهرباء.
"هدفنا أن نقدم معلومات للمواطنين عن ترشيد استهلاك الكهرباء، وأن نقنع الناس أن يقللوا الاستهلاك في منازلهم، فاستهلاك القطاع المنزلي يمثل 40% من إجمالي استهلاك الكهرباء على مستوى الجمهورية". تختم مي حديثها لتبحث عن مواطن آخر للحديث معه، بينما يشاركها في التوعية ثلاث شباب آخرين، تبدأ مهمتهم اليومية من الساعة الرابعة مساء حتى السادسة مساء .
علمت مي عادل عن هذه الحملة عن طريق صديقة والدتها التي تعمل في وزارة الكهرباء، ثم زارت صفحة المشروع على شبكة فيسبوك، ودعت أخيها وابن خالها للإنضمام معها إلى الحملة.
وفي شهر يونيو الماضي بدأت الحملة القومية للتوعية بترشيد وتحسين كفاءة استخدام الطاقة بمشاركة 94 شاب وفتاة تلقوا تدريبا قصير المدة، ثم توزعوا بعدها بين العديد من المناطق، في مقابل مكافأة شهرية قدرها 800 جنيه لكل شاب مشارك.
أما مي عادل وفريقها فقد احتموا بظل شجرة في شارع عبدالخالق ثروت، وبدؤوا في نهاية اليوم بالتخطيط لنقل نشاطهم في المرحلة المقبلة إلى جوار دار الأوبرا المصرية.
"أحيانا ما نفاجأ بردود أفعال غير متوقعة، كأن يسألنا أحد المارة إن كنا مؤيدين للسيسي، أو أن يعترض آخر على فكرة ترشيد الطاقة بحجة أن الحكومة تقطع الكهرباء عن المواطنين دون سبب، ومهمتنا أن نشرح لهم أساليب تقليل الاستهلاك بطرق بسيطة، أبسطها استخدام اللمبة الموفرة". هنا يتحدث محمد طالب الصف الثالث الثانوي، أحد الشباب المتطوعين في الحملة .
ليست تلك هي المهام الوحيدة التي قام بها هذا شباب الحملة، إذ ساهموا أيضا في نقل شكاوى المواطنين إلى إدارة الشكاوي في وزارة الكهرباء، كما أجروا استطلاعات للرأي حول نفس القضية. ورغم الأجواء الصيفية الحارة، وتعب الصوم، إلا أنهم يحاولون ألا ينقلوا احساسا بالضجر أو التعب إلى المارة، متمسكين بحماسهم حتى النهاية.