Thursday, August 28, 2014

مبادرات ضد اليأس

شباب قاوموا الإحباط على مدار العام الماضى، دون أن ينتظروا الانخراط فى تجارب جاهزة، وبدأوا تدشين مبادراتهم بسعى شخصى، طامحين فى نجاح صغير، يشعرهم بالإنجاز والتحقق. لا يدّعون قدرتهم على تغيير المجتمع، بل يعملون فى الظل بأقل الإمكانيات المتاحة، وأمام أعينهم أهداف يسعون إلى تحقيقها فى المستقبل.. بين حملة فردية للتوعية الصحية، ومن يشجع المصريين على التخلص من السمنة، ومن يستغل خبراته فى مشروع لتحفيز الموهوبين.


توعية صحية بالبالطو الأبيض
- حسام شاش: نجحت فى استهداف مئات المواطنين.. وأحلم بمشروع قومى للتوعية

فى تمام العاشرة صباحا، يخرج الطبيب حسام شاش من عيادة الفم والأسنان فى مستشفى أم المصريين بالجيزة، ليواجه المرضى وذويهم الذين جلسوا فى الاستراحة، يضع حقيبته بينهم، ثم يوجه إليهم حديثه قائلا: «يا جماعة أنا فى الشارع من 2011، ولقيت الحل إنى ماضيعش وقتى فى الزعيق أو الغضب، وهحاول أستغل العلم اللى عندى فى حملة توعية عشان تستفادوا منها، وتنقلوا الاستفادة لناس تانية».
يختم الطبيب الثلاثينى جملته، ثم يستكمل الحديث مع جمهور أغلبه من النساء، بينما يتراوح عدد الحاضرين بين 15 إلى 20 مريضا مع ذويهم.
بدأت القصة فى العام الماضى، حين اتخذ الطبيب الشاب قراره بتدشين مبادرة شخصية فى نهاية أغسطس من العام 2013، ويصف ذلك: «بمجرد أن فكرت فى تدشين حملة توعية صحية بشكل فردى، فى الوقت بدأت الأجواء فى الانغلاق مع فرض حظر التجوال فى البلاد، بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة».
لم يكن دافعه إلى التوعية، سوى بديل عن سنوات قضاها فى العمل العام دون أن يحقق مكسبا واضحا، بقدر ما تحمل تكلفة مادية. فمنذ أن شارك فى أحداث ثورة 25 يناير، بمشاركة زملائه الأطباء، وقد بدأ فى الانخراط بشكل كامل فى العمل العام. ومع الوقت، سجل عضويته فى حزب الدستور بعد تأسيسه فى العام 2012، بل كان أحد المساهمين فى تأسيس أمانة كاملة فى حى المنيل. «كنت أبحث عن التغيير من خلال بوابة الحزب، لكن المشاكل الداخلية والصراعات الشخصية أجهدتنى بشدة، ووصلت فى النهاية إلى طريق مسدود».
يتحدث بمرارة عن تجربته فى مجال السياسة، لكن ذلك لم يمنع طموحه الذى يراوده كل حين، بأن يتولى مقعد مجلس الشعب فى يوم من الأيام، لكن الخبرة السياسية التى تكونت فى الفترة القصيرة الماضية، جعلته يعترف بأن هناك خطوات أهم لإفادة المجتمع. «يمكن للإنسان أن يفيد المجتمع بتخصصه على سبيل المثال»، على حد قوله.

لم يضع حسام شاش، إخصائى جراحة الفم والأسنان بمستشفى أم المصريين، خطة معقدة لحملة التوعية، استغل زحام المرضى أمام باب العيادة، وأعد نقاطا هامة حول سلامة الفم والأسنان، وخرج إلى الناس فى أول مرة بجلسة توعية لا تتعدى نصف الساعة، وهو ما ظل يفعله بعد ذلك عشرات المرات، سواء فى داخل المستشفى أو خارجه.
«إنتى بتغسلى سنانك كام مرة فى اليوم ؟» يسأل فتاة صغيرة بصحبة والدتها فى استراحة عيادة الفم والأسنان، ويستوقف المارة ليجذبهم إلى المشاركة والاستماع إلى محاضرته، ولا يخلو الأمر من جملة استخفاف من شباب صغير السن، يقابلها عبارات الاهتمام والأسئلة من المارة الذين استوقفهم المشهد.
«حين حاولت فى العام الماضى العمل داخل المدارس تحت إشراف وزارة التربية والتعليم، كان انتمائى الحزبى عائقا فى ذلك الوقت، وهو ما أثار قلق بعض المسئولين، وهو ما دفعنى إلى استكمال المهمة وحدى تماما، وبشكل مستقل.. خاصة أنى كنت قد تركت الحياة الحزبية فى ذلك الوقت».

يتحدث حسام شاش بفخر عن إنجازه الصغير فى فتح القاعة الرئيسية بالمستشفى أمام المرضى كى يقدم إليهم محاضرة عن صحة الفم والأسنان، وذلك فى بدايات تدشين مبادرته، وكيف عقد اتفاقا مع إحدى شركات الأدوية الشهيرة، لتوزيع منتجاتها مجانا على المرضى، بعد أخذ الموافقات اللازمة من إدارة المستشفى، وفى مرحلة سابقة اتجه إلى خارج المستشفى متطوعا بالعمل مع جمعيات تنموية تعمل فى مناطق مهمشة مثل منطقة بطن البقرة. ويمر فى حديثه على العوائق التى واجهته بشكل سريع، باحثا عن نتائج وأهداف يحققها، إذ يقدر مجموع من استفادوا من حملات التوعية بحوالى 1500 شخص، عبر حوالى 50 حملة توعية، وقد حاول قياس نتائج مبادرته من خلال المترددين على عيادة الفم والأسنان فى مستشفى أم المصريين، إذ ذكر أن نسبة التحسن فى حالة أسنانهم زادت على 20% على مدار الشهور الماضية منذ بداية العام الحالى.
«كل هدفى هو أن تنتشر الفكرة، وألا تنتهى روح المبادرة بين من شاركوا فى ثورتى 25 يناير و30 يونيو، فبعد عدة محاولات، ستنجح محاولة فى تحقيق هدفها». هكذا يختم حسام شاش حديثه عن حلمه الذى يطمح أن ينتشر بين ربوع مصر من خلال حملة أكثر تنظيما، لتحقق نتائج أعلى على مدار السنوات القادمة.


تحدى ال 100 يوم للتخلص من السمنة

- أمانى فرج: بدأت بنفسى.. وأطالب البدناء بأن يدعمونى ويدعموا أنفسهم

فى 12 يونيو الماضى، نشرت أمانى فرج فيديو على الانترنت تحت عنوان «اليوم الأول.. تحدى ال 100 يوم». وتحدثت فيه قائلة: «مشكلة حياتى إنى تخينة، وفى يوم من الأيام وصل وزنى لـ 170 كيلو.. أنا كنت أتخن واحدة فى الفصل، وفى المدرسة، وأتخن بنت فى العيلة، ولما أمى كانت بتزعق لى وبتبعد عنى الأكل، كنت بتفنن فى الوصول للأكل اللى باحبه».
تتحدث أمانى فرج التى تبلغ من العام 29 سنة، دون أن تخفى الكثير من المعلومات عن حياتها كشخص بدين، وتبدو معالم الاكتئاب واضحة على ملامحها فى هذا الفيديو، إذ بلغ وزنها 160 كيلوجراما، فهى إنسانة مكتئبة، ترتدى حذاء خاصا بسبب تورم قدميها نتيجة السمنة المفرطة، وكانت تتحدث فى الفيديو وقد تلاشت نبرة الثقة فى النفس من حديثها. حتى إنها قالت فى الفيديو نفسه: «هذا التسجيل هو ميثاق بينى وبينكم حتى أنجح فى تخفيض وزنى على مدار 100 يوم». تعمل أمانى فرج فى مجال التنمية البشرية، وكانت فى مرحلة سابقة مساعدة للراحل إبراهيم الفقى، أهم رواد مجال التنمية البشرية فى العالم العربى، ورغم نجاحها فى عملها، إلا أن بدانتها كانت نقطة الضعف التى طاردتها طول الوقت. «جربت كل محاولات التخسيس الممكنة على مدار أكثر من 16 سنة مضت، وفى العام 2012 نجحت فى أن أفقد 40 كيلوجراما فى ثلاثة أشهر، حتى وصل وزنى إلى 130 كيلوجراما، لكنى انتكست تماما الآن، وبلغ وزنى 160 كيلو مرة أخرى». تتحدث أمانى فرج فى مكتبها بمركز حياة للاستشارات والتدريب، حيث تعمل منذ سنوات، وتدين بالفضل لزملائها الذين يدعمونها نفسيا فى مبادرتها الحالية. وفى حديثها الذى اختلف تماما عن نبرة الاحباط التى بدت فى الفيديو الأول من مبادرة المائة يوم، بدت أكثر حماسا، وأكثر تصالحا مع نفسها، فهى لا تطمح إلى أن تصبح نحيفة، بقدر ما تطمح إلى مظهر مقبول، ومعيشة صحية. وعلى صفحتها فى شبكة فيسبوك الاجتماعية (امانى فرج وتحدى ال 100 يوم)، نجحت فى اجتذاب أكثر من 6000 مشارك، ما يجعلها تدخل أحيانا فى سجالات مع أعضاء الصفحة، إلى جانب من يعلقون على فيديوهاتها فى موقع يوتيوب. وتقول عن ذلك: «أتحدث معهم فى حدود معلوماتى، لكن فيما يخص المعلومات الطبية المتخصصة، فأوجههم إلى الاستعانة بطبيب». هذه هى قناعتها التى لم تخرج عنها طوال فترة تقديمها الفيديوهات أو أثناء تسجيل عبارات التحفيز على صفحتها فى الفيسبوك.
«لقد تحدثت عن نفسى فى الفيديوهات بشكل ربما لا تجرؤ عليه بعض الفتيات السمينات حرصا على صورتهن، أما أنا فتحدثت عن أضرار السمنة التى أعانى منها فى سن الشباب، مثل تناول أقراص الضغط، وآلام الركبتين، فليس لدى استعداد لتجميل صورتى، فى لحظة أعانى منها صحيا وأنا أعرف أن ذلك ما يتعرض له الكثير من البدناء». ولا تخفى أمانى أثناء حديثها فى مكتبها الكائن بحى مدينة نصر، أنها كثيرا ما كانت تصاب بالإحباط بسبب انطباعات الآخرين عن سمنتها، خاصة أن مهنتها تقوم على مواجهة الجمهور، وإلقاء المحاضرات، أو تدريب صغار السن فى المدارس على مهارات الحياة. كانت خطتها منذ البداية أن تشارك آخرين فى همها وأن يشاركوها همومهم، وذلك بديل عن تكوين مجموعة دعم نفسية، كالتى يؤسسها آخرون فى دول أخرى، إذ تقوم فكرة مجموعة الدعم Support Group على اجتماع أصحاب المشكلة الواحدة مثل: الإدمان، أو الاكتئاب، أو السمنة، فى جلسات يتبادلون فى دعم بعضهم البعض، وهو ما كان يصعب تكوينه هنا فى مصر، لغياب هذه الثقافة وقلة عدد مجموعات الدعم فى المجتمعات العربية. «اتجهت إلى البديل، وهو أن أستخدم الانترنت، وتصوير فيديوهات لتكوين ذلك المجتمع المهموم بنفس القضية، فندعم بعضنا سويا». هكذا تصف أمانى فرج ما بدأته قبل شهور، وبدأت فى حصاد ثماره قبل أسابيع، فقد قامت خطتها على الرياضة ونظام التغذية الصحى على مدار 100 يوم، ولم تكن تعلم أن هناك من يتابعونها باهتمام، وهو ما حدث مع الشاب مصطفى الذى أرسل إليها صورته فى يوليو الماضى دون سابق معرفة، وعرض صورتين له قبل تخفيض وزنه بمقدار 11 كيلوجراما وصورة بعدها، وكتب لها قائلا: «الحمد لله بفضل ربنا، وتشجيعك خسيت 11 كيلو.. بس النهارده جالى لحظة كسل كده وروحت أدور على تشجيع لاقيتك محبطة شوية.. انتى اللى خلتينا نبدأ ومش هينفع تقعى مننا فى النص». ولم تكن تلك الرسالة الوحيدة، إذ تلقت العديد من كلمات التشجيع على حسابها فى فيسبوك، وعلى فيديوهاتها فى موقع يوتيوب.
«كلما أصبت بالإحباط أو الكسل، تذكرت موقفا قديما، حين عنفنى أحد الأطباء فى مرة، بسبب أنى ظللت لأسابيع أمارس تدريبات رياضية ليس لها صلة بالتخسيس، وذلك عن طريق الخطأ، فما كان منه إلا وأن ألقى بورقة الكشف فى وجهى، ولم أزره مرة أخرى.. لا أريد تكرار هذه المواقف مرة أخرى فى حياتى». تتحدث أمانى فرج عن هذه القصة دون أن يبدو عليها الاحباط، فقد بدأت تشعر بإنجازها البسيط مع الوقت، وبدأت تخرج من حالة الاكتئاب تماما، إذ انطلقت بعدها لتروى قصة جعلتها فخورة بنفسها، حين خرجت مع أصدقائها إلى أحد المطاعم الشهيرة، حيث الطعام الشهى المميز، وهناك تمسكت بنظامها الغذائى، رغم إلحاح من حولها بأن تتخلى عن «الريجيم» فى ذلك اليوم. تستكمل ضاحكة: «ترافقنى دائما علبة بلاستيكية فيها تفاحة وبعض الأطعمة الخفيفة، وأذكر فى ذلك اليوم أنى كنت على وشك التخلى عن الريجيم، فكنت أسمع صوت اللحم الناضج، الذى خرج لتوه من تحت الشواية، وصوت المياه الغازية والبطاطس المقلية، لكنى تخليت عن كل ذلك تماما». فى 19 سبتمبر القادم تنتهى مبادرة تحدى ال 100 يوم، دون أن ينتهى مشروع أمانى فرج فى دعم من أصيبوا بالسمنة ومشاركتهم فى أحلامهم بتغيير نمط حياتهم إلى الأفضل، لكن أمامها مهمة أكبر فى أن تطبق هذا على نفسها فى البداية، أى أن تصل إلى وزن 130 كيلوجراما بعد المائة يوم، ثم تستكمل طريقها بعد ذلك بشكل أسهل.


حلم النور.. البحث عن الفنان بأقل الإمكانيات

- مدير برنامج المشروعات ب«التاون هاوس»: لا نحتاج إلى نجوم بل نحتاج إلى فنانين
- عصام فايز: مازال هناك شباب فى حاجة إلى الفن لتطوير مجتمعهم

كانت خطة عصام فايز المخرج ومدرب التمثيل بسيطة منذ أن بدأت الفكرة تدور بينه وبين أصدقائه، إذ قضى أكثر من سبع سنوات مضت فى أعمال تطوعية مع أطفال الشوارع، وفى مشروعات فنية تستهدف الشباب، ما جعله يرى احتياج شريحة عريضة من الشباب لتطوير مهاراتهم الفنية، وممارسة الفن.
«كنت أتابع دائما هؤلاء الشباب الذين لم تتوافر لديهم القدرة على الدخول إلى الأوساط الفنية، خوفا من اضطرارهم إلى تبديل نمط حياتهم كى يلائم نمط حياة الفنان، كل ما أريده هو إدماج هؤلاء الشباب فى الحركة الفنية». يتحدث عصام فايز عن مبادرة صاغها فى شكل مشروع، مستعينا بأصدقائه الذين تضامنوا مع فكرته، وأغلبهم كانت له خبرة فى الأعمال التطوعية من قبل. وفى العام 2012 عقدوا النية على بدء مشروعهم، دون أن يعرفوا من أين سيأتيهم الدعم.
وتمثل تجربة مشروع «حلم النور» خريطة لكيفية إدارة مبادرة مستقلة من الصفر، رغم أنها ما زالت فى طريقها للنمو، وكانت الخطوة الأولى فى طرح الفكرة على الدوائر المهتمة فى محيط ضيق، وهو ما يصفه عصام فايز قائلا: «بدأت فى التحدث مع ناير ناجى قائد فرقة أوركسترا أوبرا القاهرة، الذى أعرفه بشخص شخصى، وقد شجعنى على ذلك، وتحدثت مع سحر الموجى أستاذة الأدب الأمريكى فى كلية الأداب بجامعة القاهرة، وهم من جمعتنى بهم أعمال سابقة، وكان ذلك متزامنا مع حالة من الغليان فى الشارع المصرى احتجاجا على سياسات الاخوان، وقررنا مبدئيا عقد معسكر وورش تدريبية فى سبتمبر 2013، أى قبل عام تقريبا». كان يتحدث عن الفكرة فى مقهى مجاور لدار الأوبرا المصرية، حيث تدخلت زميلته أتينة مكرم إحدى المشاركات فى مبادرة «حلم النور» بقولها: «كان حادث فض اعتصام رابعة عائقا رهيبا أمام استكمال المشروع، وسط فرض حظر التجول على البلاد، ولم يكن فى استطاعتنا تحديد موعد حقيقى لبدء المشروع، فأجلنا التدشين، ولكن لم نستسلم».
وفى مثل هذه المشروعات والمبادرات، تتلخص المشكلة الأكبر فى توفير دعم مالى للفكرة، وقد استغل عصام فايز عمله فى مجال التنمية وتحديدا فى مؤسسة الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، كمدير لقسم الفنون والإعلام كى يطلب منها الدعم المالى غير المستقر، والمساعدة بالإمكانيات قدر الإمكان، لكن تظل مبادرة «حلم النور» بغير ميزانية ثابتة على عكس بقية المشروعات المدعومة، ما دفعه إلى التواصل المباشر مع فنانين فى مجالى الموسيقى والتمثيل، وشخصيات ذات خبرة فى إدارة مثل هذه المبادرات والورش، كى يساهموا بصفتهم شركاء. ياسر جراب مدير برنامج المشروعات بمؤسسة «التاون هاوس»، كان أحد هؤلاء الذين تبنوا دعم المبادرة بخبراتهم، ويشرح ذلك قائلا: «أراهن على أن تكتمل هذه المبادرة وتصبح مشروعا دائما، فأنا أراها كائنا ينمو بشكل طبيعى دون دعم تقليدى، ونطمح أن تصنع فنانين قبل أن تتجه إلى صنع نجوم.. فهذا ليس هدف المرحلة الحالية».
وبحكم خبرة عصام فايز وزملائه فى كيفية إدارة أعمال فنية وتطوعية، فقد حددوا رؤية وأهدافا بشكل احترافى، وضمنوا أن تنتقل المبادرة كى تكون مشروعا ضمن مؤسسة الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، وعلى أن يتطوع الفنانون بجهدهم فى المعسكر التدريبى الأول.
«نريد أن نعيد ما كنا سنبدأه فى العام الماضى، وأوقفته الأحداث الجسيمة التى مرت بمصر». تتحدث أتينة مكرم إحدى منسقات المشروع.
قد تبدو مبادرة عصام فايز وزملائه التى عملوا على تنفيذها على مدار عامين قريبة من بعض المشروعات التنموية التى تعمل على تطوير مهارات الشباب، ويملك عصام فايز خبرة فى العمل على تنمية المواهب فى فعاليات ترعاها الكنيسة المصرية، وهو ما لا يراه عائقا فى عمله. يقول عن ذلك: «لقد اختلطت بحكم عملى بكثير من الشرائح المحافظة فى قرى مصر، لكنى أعمل وأنا أعرف هدفى، فأنا أسعى إلى تنمية مهارات ومواهب شباب جامعيين، فى هذه الأوساط، دون أن أميز بين ديانة أو انتماء». يتوقف عصام قليلا ثم يبدأ فى شرح تلك النقطة بالتفصيل قائلا: «أنا أعرف طبيعة الأوساط الفنية، وما بها من أجواء قد تبدو متحررة للبعض، وهو ما يعزل كثيرين من أصحاب المواهب عن الاندفاع فى حبهم للفن، ولو حتى على سبيل التجربة.. أنا أبحث عن حق من هم خارج المجتمعات الفنية فى ممارسة ما يحبون». ينتهى حديث عصام فايز الذى يتحدث بمزيد من التفاؤل بسبب ما أنجزه فى تحقيق فكرته حتى الآن.

Monday, August 18, 2014

الصحافة الإنسانية.. احتراف الكتابة عن الأزمات


 

عبدالرحمن مصطفى

في الوقت الذي تتعقد فيه النزاعات المسلحة داخل المنطقة العربية، وتتفاقم الأزمات الداخلية في عدد من دول المنطقة، قد يرى البعض أن دور الصحافة يجب أن يركز على تقديم تغطيات إخبارية بعقيدة مراسل حربي يعمل وسط مناطق نزاعات وحروب، لكن حقيقة الأمر أن هناك مهمة أخرى لا تقل أهمية، وهي توجيه الاهتمام إلى المستضعفين الذين يغيب صوتهم عن زحام الأخبار، وهي المهمة التي تتصدى لها الصحافة الإنسانية.
ما هي الصحافة الإنسانية وما أبرز ملامحها؟ يظل المعنى الأصيل للصحافة الإنسانية واضحا بشكله الخالص في المساحات الصحفية التي تستخدمها المنظمات العاملة في المجال الإنساني لخدمة قضاياها، مثل القصص الإنسانية القليلة على الموقع الرسمي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو كما هو الحال مع شبكة الأنباء الإنسانية “إيرين”، التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إذ تمتاز “إيرين” باستقلالية أتاحت لها تناول موضوعات أكثر تنوعا، كأن ترصد حالة ضحايا العنف في العراق وصعوبة حصولهم على العلاج، أو أن تتعرض لقضية العيش بدون الدولة في الأحياء الفقيرة في القاهرة، إلى جانب ما تقدمه من تغطية إخبارية لمناطق الكوارث والنكبات.
وفي العام 2012 خصصت جائزة الصحافة العربية فئة للصحافة الإنسانية، وذكرت في تعريفها أنها التحقيقات أو التقارير التي تتناول قضايا أو أزمات إنسانية طارئة وملحة، أو تداعيات الكوارث الطبيعية والحروب والأوبئة والآفات وانتهاكات حقوق الإنسان، وهو التعريف الذي يغطي أهم مجالات الصحافة الإنسانية. ولم تخفي الجهة الداعمة لمسابقة الصحافة الإنسانية، أن استحداث تلك المسابقة جاء استجابة للظروف التي تمر بها المنطقة العربية من تغيرات وتحولات كبيرة، ما يؤكد على احتياج الصحافة العربية إلى هذا النوع من الموضوعات.
ليست الصورة كما تبدو وكأن “الصحافة الإنسانية” مجرد امتداد لعمل المنظمات الإنسانية، فهناك مهام تفجرها الأزمات، وتستلزم جهدا صحفيا يعتمد على تحليل أسباب الأزمة ونقد مواقف الجهات المقصرة.
ولم تخل المنطقة العربية من حوادث من هذا النوع، بعضها ذا طابع محلي مثل انهيار جزء من صخرة جبلية في القاهرة عام 2008، والمعروف إعلاميا بحادث صخرة الدويقة، حين اضطر صحفيون إلى التنكر والتسلسل إلى موقع الحدث لكسر التعتيم الحكومي على الكارثة الإنسانية هناك، وحاولت الصحافة في ذلك الوقت مواجهة التقصير الحكومي، ومتابعة مصير المتضررين. أما على صعيد الأحداث ذات الأبعاد الإقليمية والدولية فمازالت الصحافة العربية في احتياج إلى المزيد من الموضوعات الإنسانية التي تتناول أزمات مناطق مثل سوريا والعراق وفلسطين.
ومن مهام الصحافة الإنسانية، أن تتناول حياة الفئات المستضعفة، حيث يتحرك الصحفي وسط شريحة من المجتمع تتعايش مع أزماتها دون دعم، وهو ما نراه في هذا التحقيق المدعوم من شبكة اريج، الذي يتعرض لظاهرة الانتحار بالحرق بين نساء كردستان، وهو ما يخفي وراءه أبعادا اجتماعية معقدة. وكذلك الحال مع التحقيق الفائز بجائزة الصحافة العربية ضمن فئة الصحافة الإنسانية عن أحفاد العبيد في المغرب.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مهام الصحافة الإنسانية لا ترتبط بقضايا الفقر والكوارث الكبرى فقط، ففي داخل إمارة دبي ذات الحالة الاقتصادية المتيسرة، تناول الصحفي قضية إشكالية ذات طابع إنساني، حول مسألة القتل الرحيم، وهي قضية خارج دائرة السياسة والنزاعات المسلحة.
إذا فهناك عدة قوالب يمكن من خلالها التعبير عن الصحافة الإنسانية، سواء عبر التغطيات والمتابعات الميدانية، أو عبر التحقيقات الاستقصائية، لكن يظل العائق أمام هذا النوع من الموضوعات الصحفية هو الابتذال الذي تعتنقه بعض المؤسسات الإعلامية، حين يكتفي الصحفي باستدعاء “حالات إنسانية” لإثارة تعاطف الجمهور، دون خدمة القضية الأساسية التي يكتب عنها، حتى لو اضطر إلى تقديم تناول سلبي أو مهين للضحايا.
وفي دليل تدريبي أعدته مؤسسة “انترنيوز” عن التغطية في النكبات الإنسانية، تتكرر التحذيرات والتوصيات بشأن كيفية التعامل مع الضحايا والمتضررين إنسانيا، بداية من مراعاة حالة الصدمة التي يعيشها “المصدر”، انتهاء بقواعد الكتابة التي يجب أن ينتهجها الصحفي في مثل تلك الحالات، وأهمها: الدقة، والتعرف على حياة الضحية بشكل عميق، والاستماع للمحيطين به، والتحدث معه بلغة بسيطة ومفهومة، مع مراعاة تجنب نقل مشاهد مثيرة للذعر أثناء التغطية رحمة بالمتضررين الذين سيتابعون ما ينقله الصحفي. مثل تلك القواعد تهدف إلى تجنب زيادة آلام المتضررين أو الضحايا، والحفاظ على كرامتهم دون ابتذال آلامهم، وهو ما تفتقده بعض الأعمال الصحفية والبرامج التلفزيونية التي تعتمد على اجترار آلام المستضعفين.

Friday, August 8, 2014

صراع الكلمة والنغم في تلاوة القرآن



 تحدّثت مرة مع شيخ مقرئ معمّم حول تلحين القرآن واستخدام الموسيقى في خلفيّة التلاوة. لم يكن المقرئ سعيدًا بالحديث، وانتهى الأمر إلى رفض الكلام حول الأمر، معللًا ذلك بأن هناك قواعد تضبط الحديث عن القرآن وقواعد تلاوته.

لم يكن موقف الشيخ الأزهري غريبًا في سياق العلاقة القديمة بين الموسيقى والنص القرآني، إذ تقوم العلاقة على صراع تديره مجموعة من آراء الفقهاء، ومجموعة من الأحاديث النبويّة تهدف إلى ضبط قواعد التلاوة، بحيث لا تتحكّم الموسيقى في النص القرآني وطريقة نطقه أو تلاوته.

أما الحل الوسط الذي يقترحه بعض المحافظين، ففي حلاوة الصوت، واعتبار الصوت أداةً لتزيين النص القرآني، بينما تأتي حلاوة النغم في موضع هامشي. يقول الحديث النبوي “الله أشد أُذُنَا إلى قارئ القرآن من صاحب القَينَةِ إلى قَينَتِهِ” والمقصود بالقينة المغنية، وبهذا المنطق تتحول أصوات المقرئين إلى مزامير مثلما يروّج الموروث الإسلامي عن النبي داوود، الذي أوتي من حلاوة الصوت ما يجمع الإنس والجن والطير أثناء تلاوته للنصوص المقدّسة.

يتجاوز الأمر الاكتفاء بالتركيز على جمال الصوت، ويمتد إلى إرهاب من يفكر في الانتصار للألحان والموسيقى ومن يفكر في جعلها أداة تتحكّم في النص القرآني. هنا تبرز أحاديث نبويّة تثير الفزع في نفوس المتجرئين، منها على سبيل المثال قول النبي: “اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكِتابَينِ وأهل الفسق، فإنه سيجيء أقوام يُرجِعونَ بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم”. يستند كثير من أعداء التطريب بالقرآن إلى هذا الحديث، ويرون أن تلاوة القرآن المثاليّة هي تلك التي يعبر عنها شيخ مثل عبدالرحمن السديس إمام الحرم المكي ومن هم على شاكلته، حين يتلون القرآن في صلاة التراويح من مقام واحد. هنا يبرز سؤال: كيف ظهر من يعادون استخدام المقامات الموسيقيّة وإجادتها، في حين أن كبار المقرئين المحترفين تعلموها وتدربوا عليها؟


أذكر هنا أني حضرت تدريبًا صوتيًا على المقامات الموسيقيّة بواسطة أحمد مصطفى كامل أستاذ علوم المقامات وأحد جامعي تراث المقرئ الشيخ مصطفى اسماعيل، وكان ضمن من تدربوا على يديه قرّاء محترفون، منهم ياسر الشرقاوي الذي كان تدريبه عبارة عن تكرار لآية، مرة يقرؤها من القرار، أي الصوت الغليظ، ومرة من الجواب، أي الصوت الأكثر حدّة. في منزله، كان الطرب يغلف الأجواء، وأصبحت قضيّة الطرب أكبر من قضية الاهتمام بقواعد النطق، إذ أنّها قضية مدربين آخرين يدربون على قواعد النطق المتصلة بالتلاوة، مثل كيفية مد بعض الحروف، وإدغام حروف أخرى، وهو ما يعرف بعلم التجويد.

في المقابل يعادي أبناء التيار المحافظ هذه الأجواء، حيث تبرز آراءهم في المنتديات الدينيّة، وفي تعليقات أسفل فيديوهات تعرض حالة الطرب بين جمهور القراء العظاملا يخلو الأمر من نزعة شعوبيّة، حين ينتفض أبناء التيار المحافظ لنماذج من شيوخ سعوديين، يتلون القرآن بالحد الأدنى من الموسيقى، بينما يدافع المصريون عن أنفسهم، مستندين في ذلك إلى أن الكثير من القراء الخليجيين قد أجيزوا على يد شيوخ مصريين، في محاولة منهم لمنع أي مزايدة على إتقان الشيوخ المصريين لقواعد التلاوة.

يبدو أن الأمر أقدم من هذا الجدل الحديث، إذ يذكر الإمام القرطبي (توفي ٦١٧ هجريةفي كتابه “الجامع لأحكام القرآن” قائلًا: “الذين يقرؤون أمام الملوك والجنائز، ويأخذون على ذلك الأجور والجـوائز، ضـل سعيهم، وخاب عملهم”. كان يقصد القراء المصريين تحديدًا.

يمكن إيجاز القضية محل النزاع بين التيار المحافظ والتيار الأكثر تصالحًا مع الموسيقى في أمر هام وجذري، وهو ألا يكون هناك خرق لقواعد النطق والتلاوة أثناء القراءة، بمعنى ألا يكون استخدام مقام موسيقي سببًا في مد حرف مدًا زائدًا، أو في تغيير نطق حرف من الحروف، أو أن يقف المقرئ في مواضع تغير المعنى، كأن يقف على جملة ولا تقربوا الصلاة” من الآية من دون استكمالها، ويغلف كل هذا رؤية أشمل، تعتبر مثل تلك الخروقات، استهتارًا بمضمون النص القرآني المقدس.

نحن هنا أمام أطياف من التعامل مع النص، أغلبها يُجمع بشكل قاطع على رفض فكرة التلحين ذات الطابع الغنائي للقرآن، أو التشبه بالترانيم المسيحيّة التي تخضع النص إلى اللحن بشكل كامل، أو استخدام الأدوات الموسيقيّة.

يحذر أبناء هذا التيار من أداء مشاهير المشايخ مثل مصطفى اسماعيل والطبلاوي وغيرهم، ويعتبر بعضهم أن تعلم المقامات الموسيقية فتنة عن مهمة القارئ الأصليّة، وحجتهم في ذلك أن التنوع في استخدام المقامات الموسيقية يستلزم اتباع أوزان موسيقية ملائمة، في حين أن النص القرآني ليس نصًّا غنائيًّا يتبع أوزان الأشعار والقصائد، وبالتالي فإنهم يفترضون أن الاهتمام الزائد بالموسيقى سيؤدي لا محالة إلى خرق قواعد النطق السليمإذ ينقل عن الإمام السيوطي (توفي ٩١١ هجريةرأياً يرى فيه أن قراءة القرآن بالألحان والأصوات الحسنة تعتبر سنّة حسنة إن لم تخرجه عن هيئته المعتبرة، أما إن أخرجته عنها فذلك حرام فاحش. بينما يتحدث ابن القيم الجوزية (توفي ٧٥١ هجرية) بشكل قاطع عن نفس القضية في كتابه زاد الميعاد قائلًا: “إن القراءة بالتطريب والألحان لا تتضمن زيادة في الحروف، وذلك لأنها لا تخرج الكلام عن وضعه، ولا تحول بين السامع وبين فهمه، ولو كانت متضمنة لزيادة الحروف لأخرجت الكلمة عن موضعها، وحالت بين السامع وبين فهمها، ولم يدر المقصود بها.”


تكشف مثل تلك الآراء عن صراع بين الرغبة في تقديم النص القرآني بأنغام تقرّب الجمهور إلى المعنى، وبين خشية من أن تتحول قضية المقرئ إلى متابعة النغم قبل متابعة المعنى وإجادة النطق، أو أن يصبح “قلب القارئ مصروفًا إلى وزن اللفظ بميزان الغناء لا يتدبره ولا يعقله”. على حد عبارة ابن تيمية (توفي ٧٢٨ هجرية).

هنا يبرز حديث نبوي يمثل معضلة أمام هذا التيار المحافظ، يقول الحديث: “ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن”. أمام هذا النص يستخدم أبناء التيار المحافظ حجة أخرى تؤيد وجهة نظرهم، مفادها أن النبي وسلفه لم يتعلموا المقامات الموسيقية، وأنها مسألة دخيلة ظهرت على يد الموالي وأبناء الشعوب الأخرى، وأن الرسول نفسه قد أوصى بقراءة القرآن بلحون العرب.

لكن في جانب آخر يظهر من هم أكثر تسامحها مع تزيين القرآن بالمقامات الموسيقيّة، واعتبار قراءة القرآن فنًّا يحتاج إلى دراسة موسيقيّة. يستند أبناء هذا التيار أيضًا إلى الحديث النبوي نفسه، وحديث نبوي آخر يقول ” زيّنوا القرآن بأصواتكم”. يتحدّث أبناء هذه المدرسة بلغة مطمئنة تحكمها الخلفية الأكاديميّة التي ترى أن علم النغم والمقامات لن يطغى على علم التجويد، فمن لديه العلم، لن يقع في الخطأ أو يتعثر في التلاوة.

موقع معازف

Thursday, July 31, 2014

الطبقة الوسطى.. حصار بين السياسة والاقتصاد

هبة الليثى: أصحاب الدخل الثابت هم الأكثر تضررا من غلاء الأسعار
تختلف مساحة الطبقة الوسطى لكنها تمثل الأغلبية بين الفقراء والأثرياء

عبدالرحمن مصطفى
قبل أسابيع قليلة من توليه رئاسة الجمهورية، صرح عبدالفتاح السيسى فى لقاء ضمن حملته الانتخابية بأن «الطبقة الوسطى قد تآكلت، حتى أصبح الناس يمارسون الفساد بصورة عادية». لم تكن تلك العبارة سوى بداية جدل يزداد يوما بعد يوم حول مستقبل الطبقة الوسطى، بعد قرارات تخفيض الدعم على الوقود والطاقة. وبينما ينظر الفقير إلى من ينتمون إلى الطبقة الوسطى على أنهم ميسورو الحال، فإن بعض أبناء الطبقة الوسطى يستشعرون القلق من صعوبة المعيشة مقارنة بطموحاتهم، ما يضفى حالة من الضبابية على ملامح هذه الطبقة العتيدة.هناك مشكلة قديمة فى تعريف الطبقة الوسطى، إذ وضع العلماء محددات اختلفت من فريق لآخر، فهناك من اهتم بدراسة دورها فى عملية الانتاج، وهناك من اهتم بدراسة الدخل ومستوى التعليم والحرفية المهنية، لكن تظل الطبقة الوسطى فى النهاية هى الطبقة الوسيطة بين الكادحين والميسورين». الحديث هنا لعمرو عادلى الباحث الاقتصادى فى مركز كارنيجى للسلام العالمى، الذى يوضح أن ملامح الطبقة الوسطى المصرية قد تشكلت فى فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ويضيف قائلا: «فى تلك الحقبة تكونت صورة الطبقة الوسطى بسبب التوسع فى عملية التعليم، واندماج الكثيرين فى الجهاز الإدارى للدولة وفى القطاع العام، أما ظهور القلق على مستقبل هذه الطبقة، فقد بدأ مع فترة التحول إلى النظام الرأسمالى فى عهد السادات، حين لم يعد الموظف الحكومى فقط هو من يعبر عن الطبقة الوسطى».
لم يعد سرا أن فترة الستينيات كانت أكثر الفترات أمانا للطبقة الوسطى المصرية، وهو ما سجلته كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولى فى مايو الماضى، حين ذكرت أن نصيب الطبقة الوسطى المصرية من ثروة المجتمع فى الستينيات، كان أكثر مما هو عليه حاليا. حتى جاءت نهاية السبعينيات فأحدثت هزة عظيمة فى صورة الطبقة الوسطى التقليدية، ويضرب عمرو عادلى الباحث الاقتصادى مثلا على هذه النقطة تحديدا، بما جسدته رواية الحب فوق هضبة الهرم، للكاتب نجيب محفوظ، حين عرضت أزمة شاب ينتمى إلى الطبقة الوسطى، يعمل موظفا حكوميا، ولا يجد وسيلة للزواج بمن يحب، بينما تضطر عائلته تزويج ابنتها من «سباك» لديه القدرة على توفير المسكن والحياة الكريمة.
حسب الأرقام التى أوردها الكاتب جلال أمين فى كتابه «ماذا حدث للمصريين»، فإن الطبقة الوسطى قد تمددت ست مرات فى الفترة من 1952 – 1991، وتبعا لحساباته ــ التى أوردها فى الكتاب نفسه ــ فإن هذه الطبقة كانت تمثل حوالى 19% من المجتمع فى العام 1955، بينما وصلت النسبة إلى 45% فى العام 1991. وتختلف أساليب تقدير نسبة الطبقة الوسطى من المجتمع، وهو ما أوجد تقديرات مختلفة لنسبتها الحالية، إذ تتأرجح تلك التقديرات بين 60% و 84% من المجتمع المصرى، بسبب اختلاف طرق وأساليب تقدير الطبقة الوسطى فى مصر.
تقلبات الزمن
طرح باحثون تصورا لأربعة تقسيمات طبقية فى العام الماضى، ضمن دراسة تحت عنوان: نهج جديد لقياس الطبقة الوسطى، صدرت عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربى آسيا التابعة للأمم المتحدة «الإسكوا»، معتمدين فيها على قياس حجم الإنفاق والاستهلاك لكل طبقة من تلك الطبقات الأربع، وكانت التقسيمات كالآتى: الطبقة الثرية، والطبقة الوسطى، ثم الطبقة الدنيا المعرضة للخطر، وتأتى الطبقة الفقيرة فى قاع هذا التصنيف. وأظهر العرض البيانى أن ذروة نمو الطبقة الوسطى كانت فى الفترة من سنة 2000 إلى 2005 ، حين بلغت نسبتها 51.8% من المجتمع المصرى، ثم انكمشت بعد ذلك حتى وصلت إلى 44% فى العام 2011. فى حين بلغت نسبة الطبقة الثالثة (المعرضة للخطر) 23.7% من السكان فى العام 2011، وفى ذيل هذا التصنيف، حازت الطبقة الفقيرة على نسبة 25.2% من السكان.
«مع الاجراءات الاقتصادية الأخيرة فى تخفيض دعم الدولة عن الوقود، ومع ازدياد الأسعار، هناك توقع بأن تنتقل كتلة من الطبقة الثالثة المهددة اقتصاديا إلى الطبقة الفقيرة، ومن المتوقع أن يزداد التهديد بشكل خاص لأصحاب الدخل الثابت، الذين لا يملكون فرصا أخرى لتنمية دخلهم». هذا ما تذكره هبة الليثى أستاذة الإحصاء بجامعة القاهرة، وأحد المشاركين فى الدراسة السابقة.
وترى هبة الليثى أن وضع الطبقة الثالثة «المهددة اقتصاديا»، يجعلها أقرب إلى الطبقة الوسطى عن الطبقة الفقيرة، إذ يحدد الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، قيمة خط الفقر القومى بقيمة 327 جنيهًا للفرد فى الشهر، كما حدد احتياج الأسرة المكونة من 5 أفراد لسد احتياجاتها الأساسية بمبلغ 1620 جنيها شهريا، أما ما هو أدنى من ذلك فيندرج ضمن الطبقة الفقيرة.
فى أوقات التهديد الاقتصادى يتحايل أبناء الطبقة الوسطى على الأزمات، مستخدمين فى ذلك عدة أساليب. منها تقليل الأنشطة المكلفة مثل الرحلات والترفيه، وتقليل الاستهلاك فى الغذاء والملبس والمسكن، والبحث عن عمل إضافى، إلى جانب استغلال ما لديهم من اصول ثابتة لجلب الأموال، مثل تأجير العقارات. هذا ما رصده مهدى القصاص أستاذ علم الاجتماع فى جامعة المنصورة فى دراسة سابقة عن الطبقة الوسطى المصرية، ويعلق على تلك النقطة قائلا: «هناك أمور خفية لا تذكر فى الأوراق البحثية أو فى الإحصاء، منها أنه قد يكون هناك اثنان فى مهنة واحدة مثل التدريس، ونجد أحدهم فى المستوى الأدنى من الطبقة الوسطى، والآخر فى مستوى أعلى بسبب ما يربحه بشكل غير رسمى من الدروس الخصوصية.. لذا فإن ملامح الطبقة الوسطى فى مصر معقدة ومتشابكة». هذا ما يذكره مهدى القصاص أستاذ الاجتماع.
وبمقارنة الطبقة الوسطى مع الطبقة الفقيرة، تتضح بعض نقاط القوة لدى أبناء الطبقة الوسطى، توفر لهم القدرة على مواجهة التقلبات الاقتصادية، منها ميزة التعليم، إذ لا تتجاوز نسبة الفقر بين الجامعيين سوى 8%، بينما تبلغ نسبة الفقر بين الأميين 37%، وكذلك نجد أن 60% من أبناء الطبقة الفقيرة يعملون خارج المنشآت الخاصة أو الحكومية، ما يمثل تهديدا دائما فى أرزاقهم، بينما تقل النسبة إلى 36% فى الطبقتين الوسطى والغنية. وذلك حسب بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء.
وبينما تمتد الطبقة الوسطى لتشمل ملايين العاملين فى الحكومة والمهن الحرة والقطاع الخاص، إلا أن اهتمام الحكومات غالبا ما ينصب على فئة العاملين فى الحكومة، فهم الكتلة القديمة للطبقة الوسطى التى أسستها الدولة، وهى الفئة التى حاولت الدولة طمأنتها بنواياها فى تطبيق الحدين الأدنى والأقصى للأجور، ويعلق عمرو عادلى الباحث الاقتصادى فى مركز كارنيجى للسلام العالمى قائلا: «من أسوأ ما نراه فى بلد يعانى اقتصاديا مثل مصر، هو سلوك الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، التى استنزفت الدعم الحكومى، فى الوقت الذى يغيب فيه صوت الفقراء عن المشهد».
 **
طبقة الأفندية.. مصلحتك أولا

تكاد تنحصر صورة الطبقة الوسطى قبل ثورة 23 يوليو فى صورة الأفندى الذى يناضل ضد الاحتلال البريطانى، وهى الصورة التى كررتها العديد من الأعمال الأدبية والدرامية.. لكن الواقع لما يكن بهذه المثالية، فكثيرا ما كان يفكر أبناء الطبقة الوسطى فى مصلحتهم أولا على حساب من هم أدنى فى السلم الاجتماعى. وفى دراسة تحت عنوان «الطبقة الوسطى المصرية بين الوعى الطبقى والوعى الاجتماعى» ذكر المؤرخ الراحل رءوف عباس أن أبناء الطبقة الوسطى لم يحرصوا بجدية على النهوض بالطبقات الدنيا والفقراء فى المجتمع، بل اهتموا بضمان استقرار مصالحهم.
لذا فإن صورة الأفندى المناضل بالبدلة والطربوش، لم تكن معبرة عن الموقف العام للطبقة الوسطى كلها، وهو ما يتشابه حاليا مع ما رآه البعض فى ثورة 25 يناير واعتبارها ثورة الطبقة الوسطى، إذ يرى آخرون أنها لم تعبر سوى عن شريحة منها، وأن الطبقة الوسطى على مدار التاريخ كانت أعقد من أن يكون لها موقف سياسى واحد.
«حين نتحدث عن الطبقة الوسطى، فنحن لا نتحدث عن طبقة لها موقف سياسى موحد، فطوال الوقت كانت هناك فئات موالية للسلطة، وأخرى معارضة تعيش حالة من التهميش، كذلك فإن الطبقة الوسطى لا تتبنى ثقافة واحدة، بحكم الاختلافات الموجودة داخلها». هكذا يصف عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ الحديث فى جامعة حلوان، تطور الطبقة الوسطى منذ نشأتها الأولى. ويعتبر أن نشأتها الحقيقية قد تزامنت مع فترة حكم محمد على، حين تلقى أبناؤها الأوائل تعليما مهنيا متخصصا، وخاض بعضهم تجربة الدراسة فى الخارج، ثم احتوتهم الدولة فى إداراتها، فى حين ساءت أحوال هذه الطبقة فى فترة الاحتلال البريطانى، حين فرضت سلطات الاحتلال رسوما على التعليم.
أما إذا ما بحثنا عن جذور أقدم للطبقة الوسطى المصرية، فتصف نيللى حنا أستاذ الدراسات العثمانية فى الجامعة الأمريكية، أحوال هذه الطبقة فى كتابها «ثقافة الطبقة الوسطى فى مصر العثمانية»، حيث تعرض نقاطا مهمة ميزت تلك الطبقة قبل أكثر من ثلاثة قرون، مازال بعضها ممتدا حتى الآن، وأولى هذه المزايا هى تقدير العلم، بل وحرص بعض العائلات على اقتناء الكتب، أما فى مواقفها السياسية، فإن بعض أبناء هذه الطبقة قد شاركوا «العامة» أحيانا فى احتجاجاتهم على الولاة، لكن كل ذلك ظل فى نطاق ضيق بحكم صغر هذه الطبقة، مقارنة بالعصور التالية.
ويعود الدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ الحديث فى جامعة حلوان، ليوضح أن ثقافة الطبقة الوسطى السياسية قبل 100 عام، ما زالت لها تأثيرها حتى اليوم، فهى مزيج من تأثر بالحضارة الغربية والأفكار الليبرالية، وحضور للفكر الدينى، إلى جانب الارتباط بالعادات والتقاليد والنزعة المحافظة، وأخيرا فى وجود تيار اشتراكى لدى بعض الفئات.
وتلقت الطبقة الوسطى اتهامات بأنها تخلت عن الاصطفاف حول مشروع قومى بعد سياسة الانفتاح الاقتصادى فى نهاية عهد السادات، وأنها سعت إلى التركيز على مصالح أفرادها، دون إبراز ولاء أو تضحيات وطنية، وهو ما يجعل أبناء الطبقة الوسطى فى مرمى النيران طول الوقت، بين من يعلى من دورها الوطنى، وآخرون يرونها قد تخلت عن هذا الدور إلى الأبد.

«مستورة الحمدلله» شعار من هبطوا إلى الحد الأدنى

الأزمات المالية تتطلب مهارات جديدة فى مواجهة الحياة

تبدلت حياة أمل يوسف، الأرملة الخمسينية، حين ألقت بها الظروف الاقتصادية من حياة مستقرة فى سكن راق إلى ظروف أسوأ، جعلتها ضمن الشريحة الأدنى من الطبقة الوسطى، فبعد أن ساهمت فى تعليم ابنتها الوحيدة فى مدرسة خاصة، وعاشت حياة اجتماعية أكثر ثراء، أصبح دخلها الحالى مقتصرا على 1200 جنيه شهريا، هو قيمة معاش زوجها المتوفى، أما السبب الرئيسى الذى أطاح بها إلى مستوى المعيشة الأقل، فهو فقدانها نصيبها الشرعى من ميراث الزوج نتيجة خلافات عائلية.
«أدعو الله أحيانا ألا يتعرض أحد لتجربتى فى الانتقال من حياة متيسرة إلى حياة أفقر، فأنا الآن أبحث عن الصبر فى سيرة الرسول الكريم، الذى كان يمر بفترات لا يُطهى فيها الطعام فى منزله لأسابيع ويكتفى بالتمر والماء». هكذا تلخص أمل قصتها وهى تحاول أن تتعايش مع نمط حياة جديد، يعتمد على دخل محدود، لكنها تحاول طول الوقت أن تبتعد عن نمط حياة البسطاء ما جعلها على غير دراية بإمكانية الحصول على ما توفره الدولة من دعم قد يساندها فى معيشتها، لذا فقد حاولت الاعتماد على نفسها بشكل كامل. على سبيل المثال فهى لم تلتفت إلى أهمية إصدار بطاقة تموينية تساعدها فى الحصول على سلع مدعمة، رغم استحقاقها ذلك، وتنفق أمل على حد قولها 900 جنيه شهريا على السكن والمعيشة، حيث تسكن فى مساكن التعاونيات فى مدينة السادس من أكتوبر، ولا يتبقى لها من فرص زيادة الدخل سوى بعض الأعمال الخاصة التى كانت توفر لها حوالى 500 جنيه إضافية، وهو ما فقدته مؤخرا.
«ما حدث معى أنه قد استغل بعض أقارب زوجى فترة مرضه، وأجبروه على توقيع تنازل عن ممتلكاته، ولم يعد لى سوى معاشه، وحتى الآن ما زلت مصدومة من أنه لا توجد وسيلة فى القانون تحمى الأرملة فى مثل هذه المواقف، حين تجد نفسها محرومة من حقها الشرعى فى الميراث». تستكمل أمل يوسف حديثها، موضحة المعاناة التى يمر بها من يعيش ضمن الشريحة العليا فى الطبقة الوسطى، وتجبره الظروف على النزول إلى الشريحة السفلى من نفس الطبقة، لذا بدأت أزمتها حين رفضت فكرة السكن فى منطقة عشوائية، كى لا تضغط على ابنتها نفسيا التى تدرس فى المرحلة الجامعية»، أصبحت أفكر عدة مرات قبل الذهاب إلى الطبيب، بسبب ما قد يتطلبه الأمر من مصاريف وأدوية، وأنا لم أعتد على طلب المساعدة من أحد». رغم هذه التطورات فى حياتها، فهى لا تعتبر نفسها من أبناء الطبقة الفقيرة.
وتوضح مؤشرات «بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك» الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، أن قيمة خط الفقر القومى هو 327 جنيهًا للفرد فى الشهر، أى أن أسرة صغير مكونة من أرملة وابنتها مثل أسرة أمل يوسف، لا تندرج ضمن الأسر الفقيرة، بل يمكن تصنيفها بأنها فى الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة، وبسبب حيرتها فى كيفية التعايش مع هذا الوضع المادى الطارئ، بدت زاهدة فى الحصول على ما توفره الدولة من الدعم.
«مصاريف الكلية التى التحقت بها ابنتى تتكلف 3000 جنيه سنويا، واستطعت توفيرها العام الماضى، لكنى لا أستطيع التفكير فى أن أجعلها تخوض تجربة إجراء بحث اجتماعى على أسرتها من أجل تخفيض المصاريف أو الاعفاء منها، الحياة مستورة الحمدلله». وهنا تتحدث وكأنها ما زالت فى مستواها الاجتماعى السابق، وهو ما يزيد من إحساسها بأزمة ميسورى الحال، حين يمرون بأزمات مالية عنيفة.
حاولت أمل أن تدشن مشروعاتها الخاصة، واندمجت فى عالم الانترنت قليلا من أجل تسويق منتجاتها، وكانت أولى تجاربها مع تجهيز الخضار للنساء العاملات كى يتم تجميده وإعادة استخدامه فى أى وقت، وكانت تبيع الكيس الواحد أقل من سعر كيس الخضار المجمد من انتاج المصانع بحوالى 9 جنيهات، لكن تحريك الأسعار وقلة خبرتها فى إدارة مثل هذه المشروعات، جعلها تخفق فى التجربة، حيث لم تستطع أن تضع سعرا ثابتا لمنتجاتها مع تحرك الأسعار، أو إيجاد الزبائن، فى الوقت الذى يقدم فيه بعض النساء الريفيات نفس الخدمة، ويبيعونها فى الشارع.
بعدها انتقلت إلى تجربة أخرى فى صنع ملابس المطبخ، لكنها لم تنجح فى تسويقها، بسبب اعتماد المحلات على الصناعات الصينية، وتشبع السوق بها.
«حاولت حشد مجموعات على الانترنت من أجل إقامة مشروعات تجارية تفيد أمثالى، لكن المشكلة هى ضعف العزيمة، على عكس ما وجدته من نجاح فى مشروعات السوريين التجارية فى مدينة 6 أكتوبر التى أعيش فيها حاليا». وفى حديثها تطرح أفكارا عن ضرورة أن يكون هناك سكن حكومى لشرائح من المجتمع، مثل الأرامل، وأن يكون هناك اهتمام حكومى بتعليم أمثالها كيفية كسب الأموال، دون الاعتماد على دعم عينى.
تستعيد أمل ذكريات سنوات قضتها فى حياة أفضل من حياتها الحالية، وليس أمامها سوى حلم وحيد، يوفر لها الانتقال إلى درجة أعلى فى الطبقة الوسطى، بأن تقيم مشروع حضانة للأطفال، يلائم ثقافتها، ويوفر لها دخلا أكبر.
**
أثرياء الطبقة الوسطى

بعد تحريك أسعار بعض السلع وارتفاع سعر الوقود، كتب أحمد فراج الشاب الثلاثينى بعض المصروفات التى تنفقها أسرة من الطبقة الوسطى التى ينتمى إليها، ونشر هذه التقديرات على حسابه الخاص فى شبكة فيسبوك. وفى دقائق تبادل المئات ما كتبه الشاب الذى يعمل فى أحد البنوك المصرية، وتوالت ردود الأفعال المعادية تجاهه، واعتبروا ما كتبه نوعا من الاستفزاز لهم، وأن أمثاله لا يندرجون تحت بند الطبقة الوسطى.
كان ضمن ما كتبه، أن أبناء طبقته ينفقون على تعليم أبنائهم من 15 ألفا إلى 50 ألف جنيه سنويا كمصاريف دراسية، وغالبا ما يمتلك كل من الوالدين سيارة شخصية، وتتكلف مصاريف الطعام فى المنزل حوالى 2000 جنيه شهريا. وقد صدمت هذه الأرقام العديد من مستخدمى الفيسبوك، خاصة حين ذكر الشاب بعض المصاريف الجانبية، مثل السفر سنويا للتصييف فى الساحل الشمالى مقابل 4000 جنيه، أو شراء حذاء رياضى ثمنه من 400 إلى 700 جنيه.
وكتب فى ختام ما ذكره قائلا: «كل الحاجات دى، والمصاريف دى، وييجى واحد يقولك زيادة البنزين هتقضى على الطبقة المتوسطة !!».
لم يكن يدرك أن كلماته سيتناقلها الآلاف والعديد من صفحات الفيسبوك وتويتر، حتى نال نصيبه من التعليقات التهكمية، واضطر إلى حذف ما كتبه، وكتابة توضيح أشد قسوة قائلا إن ما ذكره لم يبتعد عن الواقع الذى يعيشه، هو وأصدقاؤه من الطبقة الوسطى، ثم كتب بعدها واصفا أسلوب معيشة الأثرياء، الذين لن يصل أبدا لمستواهم.

Thursday, July 24, 2014

«الدراجة الأحادية» تتجول فى شوارع القاهرة

إذا مر جوارك رجل يتحرك بسرعة منتظمة، كأنه فوق بساط سحرى ينقله من مكان إلى آخر، فهذا الرجل ليس سوى أحمد صلاح فوق دراجته ذات العجلة الواحدة، يمر بها بين شوارع القاهرة.
«رأيت هذه الدراجة للمرة الأولى فى بريطانيا حين كنت مقيما هناك، وقررت قبل شهرين فقط أن أشتريها من الخارج، وأقضى بها مشاويرى فى حى مدينة نصر حيث أسكن».
يتحدث أحمد صلاح، مدير شركة للأجهزة الطبية، عن «الدراجة الأحادية الكهربائية electric unicycle» التى يتنقل بها فى شوارع القاهرة، حيث لا تتجاوز سرعتها 20 كيلومترا فى الساعة، ويقدر سعرها مستوردة من الخارج ما يوازى 6000 إلى 11000 جنيه مصرى.
فى ذلك اليوم كان أحمد صلاح يتنقل من المهندسين إلى غمرة، حيث ترك سيارته هناك، وأثناء حركته تلقى تعليقات طريفة مثل: «برنس والله» أو «عملتها إزاى دى؟». فيكتفى بأن يوجه إليهم ابتسامة، ثم يكمل طريقه. ويؤكد أحمد صلاح أن استخدام تلك العجلة ليس بالصعوبة التى تبدو عليها، إذ يتم ضبط توازنها بتحريك الجسم إلى الأمام أو الخلف، لكن المشكلة التى تواجهه هى مطبات الطريق، أما فى الخارج فهناك ممر مخصص للدراجات، يعطى الراكب مزيدا من الأمان فى استخدامها.

شباب يحصدون ثواب الصيام وأجر توعية المواطنين


 كتب – عبدالرحمن مصطفى
 تقف مي عادل خريجة كلية الحقوق في شارع عبدالخالق ثروت في وسط القاهرة، مرتدية قميص عليه شعار "المشروع القومي لتحسين كفاءة الطاقة"، حيث تستوقف المارة وتوزع عليهم مطبوعات عن تخفيض استهلاك الكهرباء.
"هدفنا أن نقدم معلومات للمواطنين عن ترشيد استهلاك الكهرباء، وأن نقنع الناس أن يقللوا الاستهلاك في منازلهم، فاستهلاك القطاع المنزلي يمثل 40% من إجمالي استهلاك الكهرباء على مستوى الجمهورية". تختم مي حديثها لتبحث عن مواطن آخر للحديث معه، بينما يشاركها في التوعية ثلاث شباب آخرين، تبدأ مهمتهم اليومية من الساعة الرابعة مساء حتى السادسة مساء .
علمت مي عادل عن هذه الحملة عن طريق صديقة والدتها التي تعمل في وزارة الكهرباء، ثم زارت صفحة المشروع على شبكة فيسبوك، ودعت أخيها وابن خالها للإنضمام معها إلى الحملة.
وفي شهر يونيو الماضي بدأت الحملة القومية للتوعية بترشيد وتحسين كفاءة استخدام الطاقة بمشاركة 94 شاب وفتاة تلقوا تدريبا قصير المدة، ثم توزعوا بعدها بين العديد من المناطق، في مقابل مكافأة شهرية قدرها 800 جنيه لكل شاب مشارك.
أما مي عادل وفريقها فقد احتموا بظل شجرة في شارع عبدالخالق ثروت، وبدؤوا في نهاية اليوم بالتخطيط لنقل نشاطهم في المرحلة المقبلة إلى جوار دار الأوبرا المصرية.
"أحيانا ما نفاجأ بردود أفعال غير متوقعة، كأن يسألنا أحد المارة إن كنا مؤيدين للسيسي، أو أن يعترض آخر على فكرة ترشيد الطاقة بحجة أن الحكومة تقطع الكهرباء عن المواطنين دون سبب، ومهمتنا أن نشرح لهم أساليب تقليل الاستهلاك بطرق بسيطة، أبسطها استخدام اللمبة الموفرة". هنا يتحدث محمد طالب الصف الثالث الثانوي، أحد الشباب المتطوعين في الحملة .
ليست تلك هي المهام الوحيدة التي قام بها هذا شباب الحملة، إذ ساهموا أيضا في نقل شكاوى المواطنين إلى إدارة الشكاوي في وزارة الكهرباء، كما أجروا استطلاعات للرأي حول نفس القضية. ورغم الأجواء الصيفية الحارة، وتعب الصوم، إلا أنهم يحاولون ألا ينقلوا احساسا بالضجر أو التعب إلى المارة، متمسكين بحماسهم حتى النهاية.

Sunday, July 6, 2014

تفاءل .. أنت في رمضان


 
في الوقت الذي تتصدر فيه مشاهد العصبية والتوتر وجوه المصريين في رمضان، ترى الدكتورة هبة العيسوي أستاذ الطب النفسي في جامعة عين شمس، أن هذا الشهر يحمل معه ما يدعو إلى التفاؤل، وتقول: "لننظر إلى الجانب الإيجابي في هذا الشهر الكريم، حيث تنكسر حالة الوحدة إلى حد كبير، بسبب ما يحدث من صلة للرحم، وتقارب بين الناس في وقت الإفطار، وهو ما يمثل دعما نفسيا للانسان". هذه الحالة التي تصفها الدكتورة هبة العيسوي يحتاجها بعض المصابين بأمراض نفسية مثل "الوسواس القهري"، حين يمثل لهم التواصل الانساني في رمضان شيئا من الدعم النفسي.
لكن صورة الصائم المتوتر والعصبي مازالت تسيطر على تفكير كثيرين، وهناك عوامل تقف وراء ذلك، منها امتناع ملايين عن التدخين في نهار رمضان، وامتناع الملايين عن شرب المنبهات وعلى رأسها الشاي والقهوة. كذلك فهناك نظرية أخرى تفسر عصبية بعض الصائمين، وهي أن المخ يعتمد على السكر الموجود في الدم، و أن المخ هو أكثر أعضاء الجسم تأثرا بقلة السكر، وهو ما ينعكس على عصبية الانسان، لكن هبة العيسوي أستاذ الطب النفسي، تطرح رأيا آخر أكثر عملية إذ تقول أن ممارسة الصوم تعمل على تحفيز بعض الهرمونات في الجسم تساعد في الإحتفاظ بالمياه داخل الجسم، وهو ما يساعد على حالة التحفز والانتباه لدى الصائم، وهو ما تدعو هبة العيسوي إلى استغلاله استغلالا جيدا في المذاكرة والعمل.


60 دقيقة في رحاب السيدة زينب .. 

- جولة بين موائد الرحمن وأهل الخير قبل أذان المغرب

كتب – عبدالرحمن مصطفى
في مساحة لا تزيد عن كيلومتر مربع، قرب مسجد السيدة زينب، تبدو أجواء رمضان أقل صخبا عن أعوام سابقة، لكنها ما زالت تحمل الخير في أرجاء المكان، وقبل أذان المغرب بحوالي الساعة، كان المشهد كالتالي، حالة من التوتر أصابت بعض الصائمين وهم يسعون إلى منازلهم، بينما يجلس البسطاء في ساحة المسجد وكلهم ثقة بأن رزقهم سيأتيهم أينما استقروا.
"لو بتسأل عن موائد رحمن أو توزيع أكل، هتلاقيهم بعد القسم .." كانت تلك إجابة إمرأة جالسة في جوار المسجد بعد سؤالها عن وجود "أهل الخير" وموعد ظهورهم، إذ اعتادت الأعين في هذا التوقيت على رؤية المتبرعين وهم يوزعون الأطعمة بين الفقراء، لكن البعض هنا يراهن أن يزداد حضورهم في العشر الأواخر من شهر رمضان. أما أبرز من يتولون المهام الخيرية في محيط المنطقة، فهم أصحاب موائد الرحمن التي تتصدر الطريق، إلى جانب بعض الميسورين من أصحاب المطاعم الذين يوزعون الوجبات على الفقراء.
ومع بداية الساعة الأخيرة قبل الإفطار، يقرر قسم شرطة السيدة زينب إغلاق الشارع، وتحويل المرور إلى الطريق الموازي، تحسبا لأي هجمات تخريبية، بينما يختلف المشهد على بعد حوالي 200 متر، حيث يرص العاملون في "فراشة نصار" طاولات وكراس في مائدة للرحمن كبيرة قرب الشارع الرئيسي، ويقف مصطفى نصار المدير التنفيذي للشركة متابعا عملية تحضير الوجبات باهتمام.
"نقيم هذه المائدة في رمضان من كل سنة، ونجهز حوالي 150 وجبة موزعة على المائدة يوميا، بينما نجهز 50 وجبة أخرى للعاملين والسائقين في المحلات المجاورة، وبحكم خبرة السنوات الماضية في إدارة مائدة الرحمن، أصبحنا نحضر الطعام وفقا لجدول، تتنوع فيه الأطعمة كل يوم". هذا ما يذكره مصطفى نصار، الذي اتجه إلى خارج المتجر لمتابعة المشهد، حيث بدأ يتسلل بعض البسطاء قبل الإفطار بحوالي ساعة إلا ربع الساعة، ليحجزوا أماكنهم مبكرا.
تبدو وجوه البسطاء حول المائدة مألوفة للعاملين هنا، فغالبية الجالسين هم من أبناء حي السيدة زينب ويحضرون إلى المائدة في كل سنة، أما إذا انتقلنا في اتجاه شارع قدري المجاور، فيظهر زحام في منتصف شارع بورسعيد الرئيسي، حيث تقف سيارة ربع نقل يتجمهر حولها المارة، لأخذ نصيبهم من "التمر هندي"، وقد رفض أصحاب السيارة التصوير أو التحدث معللين ذلك بأنه "عمل خيري"، وأنهم يريدون إنهاء المهمة في أسرع وقت.
مر الوقت، وأصبح متبقيا على لحظة إطلاق مدفع رمضان نصف ساعة، وفي تلك الأثناء يبدو شارع بورسعيد المؤدي إلى ميدان السيدة زينب هادئا، حيث يتلاشى الزحام والصخب، عدا ما يسببه أصحاب الميكروباص الذين استغلوا هذا الهدوء للوقوف بحرية والنداء على الركاب حتى لحظة الإفطار، لكن لا يستجيب لهم إلا القليل.
بعد لحظات تبدو المفارقة واضحة، ففي مقابل تجمهر المارة حول سيارة أهل الخير التي توزع "التمر هندي"، يزداد الزحام في الجهة المقابلة أمام محل "سوبيا توتو" الشهير، من أجل شراء التمر هندي والسوبيا، يقول حسام، الشاب الملتحي الذي يعمل في المحل، أنهم يفتحون أبوابهم منذ الصباح، لكن تظل الساعة الأخيرة قبل الإفطار هي ساعة الذروة في البيع. ينهي حديثه سريعا ثم يتابع طلبات الزبائن، على أمل أن تمر النصف ساعة المتبقية بهدوء.
ووسط شوارع خالية من الزحام عدا زوايا قليلة تضم تجمعات من البشر، تفتح بعض المقاهي أبوابها من بعد صلاة العصر يوميا، على أمل استقطاب الشاردين، ولدى أصحاب المقاهي مبرر قوي لفتح أبوابهم مبكرا، إذ تزامنت بعض مباريات كأس العالم مع الإفطار. وكان مقهى المعلم عماد هو أحد تلك المقاهي المطلة على شارع بورسعيد، حيث يجلس عدد من شباب الحي قبل الإفطار لمشاهدة مباراة لكرة القدم في تصفيات كأس العالم، ويعلق صاحب المقهى قائلا: "طبعا صعب أحاسبهم، عشان ماطلبوش مشاريب .. هستنى لما يفطروا في بيوتهم ويرجعوا لي تاني". ولهذا السبب، ينشغل المعلم عماد عن المقهى بأمر أهم، وهو الوقوف على ناصية الشارع لبيع العصائر والتمر هندي للصائمين.
في الربع ساعة الأخيرة قبل أذان المغرب، تبدو موائد الرحمن في ذروة نشاطها، ويبدأ كل مسؤول عن مائدة في دعوة المارة بكل ترحيب حتى يجلسوا حول مائدته، ذكر لنا أحدهم مبتسما أنه ليس لديه استعداد أن يحتفظ بالوجبات مرة أخرى بعد أن قام برصها على المائدة، وكان الرجل يستوقف المارة في الشارع، مصافحا إياهم يدا بيد ويجذبهم إلى الداخل لتناول الإفطار لديه.. ورغم حالة الترحيب التي يبديها أصحاب موائد الرحمن، إلا أن بعض التجار والحرفيين قد اختاروا البقاء في أماكنهم دون اهتمام واضح بما يحدث حولهم. هكذا اختار محمد أبو النور -على سبيل المثال- أن يجلس في صحبة ولديه، داخل سرادق ملاصق لمسجد السيدة زينب، ليمارس حرفته في صنع فوانيس رمضان، ولا يبدي أي ضجر من الجلوس في مواجهة النار، مستخدما أدواته في تجميع فانوس رمضان، وفي اللحظة التي لم يتبقى فيها على الأذان سوى عشر دقائق، كان السؤال الذين وجهناه إليه هو : أين ستفطر؟ يجيب: "سيأتي الطعام إلينا هنا من مائدة مجاورة". وتابع عمله دون اهتمام، بينما يتجول حوله بعض الشباب المفطرين الذين أخرجوا سجائرهم ودخنوها علنا دون اهتمام بانتقادات الآخرين، أما محمد أبو النور، فظل يعمل حتى لحظة الإفطار دون تعب.
قبل الأذان بدقائق، يجتمع المساكين في قلب ساحة مسجد السيدة زينب، وتتراص أمامهم الوجبات الخيرية، ويتشابه المشهد في الجانب الآخر عند مائدة "فراشة نصار" التي زرناها قبل ساعة من الإفطار، حيث تتجاور وجبات الأرز واللحم على الطاولة، ويبدو التوتر على بعض الوجوه التي انتظرت مدة طويلة قبل الإفطار، ووقع شجار خفيف بين شاب وامرأة بسبب الرغبة في تبديل الأماكن حول المائدة، وهنا تدخل مصطفى نصار المشرف على تنظيم المكان لحل الموقف بشكل سريع.
في الساعة السابعة، يعلو صوت الأذان من مسجد السيدة زينب، ويحاول منظمو موائد الرحمن كسر صومهم ببعض العصير، ويزداد هدوء المكان مع غروب الشمس، بينما ينشغل الجميع في طعامه، عدا شباب يوزعون التمر هندي سريعا، انطلقوا بعدها إلى منازلهم لحضور الإفطار مع عائلاتهم.
**

رمضان .. ذكرى الإقلاع عن التدخين

- د.عصام المغازي: الإفطار على السجائر يزيد من احتمالات الأزمة القلبية

بينما يقاوم المدخنون حاجتهم إلى تدخين سيجارة في نهار رمضان، يحتفل أسامة يوسف بالذكرى السنوية الرابعة لإقلاعه عن التدخين، ومع مجئ شهر رمضان من كل عام، يتذكر كيف استغل فترة الصيام لانتشال نفسه من إدمان السجائر.
"كان أول أسبوعين في رمضان هما الأشد وطأة وصعوبة حين قررت الامتناع نهائيا عن التدخين، ولم تنحصر الصعوبة فقط في احتياج الجسم إلى النيكوتين، بل في تغيير عاداتي المرتبطة بشرب السجائر بشكل مفاجيء". هذا ما يصفه أسامة يوسف - مصمم الجرافيك في التلفزيون المصري - عن تجربته في استغلال شهر رمضان للاقلاع عن التدخين، لكنه بعد نجاحه لسنوات، عاد في اليوم الأول من رمضان الحالي ليكتب على حسابه في موقع تويتر للتدوين القصير قائلا: "النهاردة الذكرى السنوية الرابعة لتبطيلي السجاير .. اللهم دمها نعمة". وتأتي عبارته وسط فيض من الكتابات الساخرة على الانترنت، تعبر عن عجز المدخنين في التعامل مع رمضان. كأن يكرر بعضهم نفس الجملة التي تقول :"ﻳﺎ ﺳﺎﻣﻊ ﺍﻻﻏﺎﻧﻲ، ﻭﻳﺎ ﻣﺪﻣﻦ ﺍﻟﺴﺠﺎﻳﺮ، ﻭﻳﺎ ﻋﺎﺷﻖ ﺍﻟﺰﻣﺎﻟﻚ، ﺭﻣﻀﺎﻥ ﻓﺮﺻﺘﻚ ﻟﺘﺮﻙ ﻛﻞ ﻫﺬﺓ ﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺴﻴﺌﺔ". وآخر يكتب: "مشكلتي مش حتبقى مع السجاير في رمضان نهائي .. مشكلتي حتبقى مع الحشيش".
يقدر عدد المدخنين في مصر بحوالي 14 مليون نسمة، ينفقون حوالي ١٨ مليار جنيه على التدخين سنويا، وذلك حسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بينما يصنف الدكتور عصام المغازي، رئيس جمعية مكافحة التدخين والدرن وأمراض الصدر، شرائح المدخنين كالتالي : 82% يدخنون السجائر، و14% يدخنون الشيشة، و4% يدخنون السجائر إلى جانب الشيشة.
وبينما لا يرى كثير من المدخنين في رمضان فرصة للإقلاع عن التدخين، إلا أن قواعد الشهر الكريم تجبر المدخنين على تخفيض استهلاكهم عن الأيام العادية، وهو ما يلاحظه بقوة بعض العاملين في أكشاك بيع السجائر الذين رجح سبعة منهم استطلعت الشروق أراءهم، أن المبيعات تنخفض ما بين 50-75% من حجم المبيعات الأصلي في الأيام العادية . أو على حد قول عرفة محمد الذي يعمل في كشك مطل على شارع القصر العيني بالقاهرة "لا أملأ الأرفف بالسجائر في وردية الليل، بل أبيع ما تبقى من النهار".
ويرى الدكتور عصام المغازي في رمضان فرصة مثالية للإقلاع عن التدخين، إذ أن المدخن الصائم يخوض تجربة الإقلاع الإجباري عن التدخين لأكثر من 16 ساعة، موضحا أن الأعراض الانسحابية التي تصاحب الامتناع عن التدخين تندمج مع الأعراض العادية للإمتناع عن الصيام، ويوضح المغازي أن أعراض الانسحاب من إدمان التدخين ليست خطيرة أو صعبة كما يعتقد البعض، بل أنها لا تظهر عند كل المدخنين.
تلك الأعراض عاشها أسامة يوسف مصمم الجرافيك الذي أقلع عن التدخين قبل سنوات، لكنه تخطاها سريعا بعد أن خاص التجربة بكافة تفاصيلها، وهو ما يوجزه في التالي قائلا: "كنت معتادا على تدخين سيجارة صباحية أمام الكمبيوتر، فغيرت تلك العادة تماما، وبقيت لفترة أتجنب التواجد مع أصدقائي المدخنين، أو الجلوس في أماكن مليئة بالدخان، لقد كانت نيتي الابتعاد التام عن كل ما هو مرتبط بالسجائر".
وفي رحلة إقلاعه عن التدخين، اتخذ أسامة خطوات بينه وبين نفسه، تقاطعت مع برنامج علاج الإدمان الشهير "12 خطوة للتخلص من الإدمان"، مثل الاعتراف بأخطاء تجربة التدخين، والاعتراف بأن هناك من تأذوا من هذه التجربة، خاصة أنه كان مقبل على الزواج في الفترة التي أقلع فيها عن التدخين.
وفي جانب آخر يمارس المدخنون في رمضان عادات أسوأ من عاداتهم في الأيام العادية، وهو ما يحدث مع البعض عقب لحظة الإفطار حين يعقبوا إفطارهم بتدخين السجائر، بل أحيانا ما يتجه البعض إلى أن يكون أول ما يدخل جوفه هو دخان السجائر قبل تناول الطعام . ويحذر الدكتور عصام المغازى، رئيس جمعية مكافحة التدخين من هذا السلوك قائلا: "التدخين بعد الإفطار مباشرة يتسبب في زيادة احتمال الإصابة بأزمات قلبية. كما أن التدخين المتواصل بعد الإفطار يزيد من نسبة أول أكسيد الكربون في الدم، وهذا بدوره أيضا يتسبب في زيادة إحتمالية الإصابة بأزمات قلبية" .
ويستكمل الدكتور عصام المغازي موضحا أنه تحدث فى مصر 170 ألف حالة وفاة سنويا بسبب التدخين، كما يبلغ حجم الانفاق السنوى لعلاج الامراض المترتبة على التدخين ما يقرب من 2.4 مليار جنيه. ثم يختم قائلا: "بما أن المدخن يستطيع ترك السيجارة طوال فترة الصيام، فهذا دليل على أن الإنسان يستطيع توديع هذه العادة القاتلة".
 **
بين الكافيه الراقي والمقهى شعبي .. زبائن تحت تهديد الكهرباء

ما أن بدأت لحظة الإفطار في الكافيه الشهير قرب ميدان لبنان في المهندسين، حتى انقطعت الكهرباء عن الحي تماما، لكن إضاءة هذا الكافيه تحديدا لم تختلف بسبب وجود مولد كهربائي للطواريء أنقذ ما يمكن إنقاذه.
"ليس من العادي أن تنقطع الكهرباء أثناء وجبة الإفطار بهذا الشكل.." العبارة لخالد زكي مدير كافيه ومطعم كارين في المهندسين، الذي لا يخفي نبرة الضيق في حديثه، خاصة فيما يخص انقطاع الكهرباء. ثم يستكمل قائلا:  "بشكل عام، أنا لا أراهن على كثافة الزبائن في وقت الإفطار، خاصة في الأسبوع الأول من رمضان، بل أراهن على تواجد الزبائن في الفترة من بعد الإفطار حتى قبل السحور ".
يمر الوقت داخل الكافيه بشكل عادي بسبب وجود محول الكهرباء الاحتياطي، بينما تبدو الشوارع مظلمة في الخارج وسط أجواء رطبة وارتفاع في درجة الحرارة، وبعد مرور ساعة على الإفطار، ورحيل عدد من الزبائن، تعود الكهرباء من جديد، ليبدأ العاملون في تشغيل التكييفات وزيادة الإضاءة.
لا يتوافر هذا المولد الكهربائي في غالبية الكافيهات، إذ تتراوح أسعاره بين 1500 جنية و 4500 جنية، ولا يتصدى لشرائه سوى كافيهات ومطاعم ذات مستوى راق. ورغم أن هذا الكافيه قد بدأ العمل منذ العام 2003، إلا أن ملامح العمل نفسها قد تغيرت تماما عن ذي قبل، إذ كانت السنوات السابقة على العام 2011 تعتمد على السياحة العربية إلى جانب الزبائن المصريين، أما اليوم فيقتصر الأمر على المصريين فقط.
"كانت الأحوال صعبة في العام الماضي أثناء أعتصامي النهضة ورابعة العدوية، خاصة مع تصاعد اشتباكات الإخوان المسلمين، لكننا الآن بعد عام، نرى الأمور لم تتغير إلى الأفضل، بل أضيف على المشهد مسألة التفجيرات .." يتوقف خالد زكي مدير الكافيه عن حديثه، وينقل الجلسة إلى طاولة أخرى، تاركا المكان لأحد الزبائن المميزين في المكان، ويعلق قائلا: "رهاننا على زبائننا الدائمين".
وبمجرد الخروج من الكافيه إلى ميدان لبنان، ثم السير بمحاذاة منطقة ميت عقبة المجاورة، يظهر تحول واضح في المشاهد، حيث المقاهي البسيطة، التي يغزوها أبناء الحي مع قلة من الغرباء، وفي أحد هذه المقاهي كانت الجلسة مختلفة تماما، إذ تصدر بعض شيوخ الحي الجلسة على أريكة خشبية في واجهة المقهى.
"المشهد هاديء كما ترى، ولا يفسده سوى الألعاب النارية التي يشعلها أطفال الحي". يصف أحد العاملين في مقهى ابن البلد في حي ميت عقبة أجواء الأسبوع الأول من رمضان. وعلى شاشة التلفزيون يتنقل الريموت كنترول بين المحطات الإخبارية، حتى يستقر على أحد المسلسلات الرمضانية. ويفتح المقهى أبوابه من قبل الإفطار بقليل، على أمل أن تعوض فترة العمل الليلي غياب الزبائن الصائمين في فترة النهار، لكن الزبائن يقتصرون هنا على أبناء الحي، إلى جانب بعض العمال الغرباء الذين يستقرون قرب سور نادي الزمالك المجاور.
" أعرض مباريات كأس العام لجذب مزيد من الزبائن، لكن مجئ الزبائن قبل الإفطار بساعة لحضور بعض المباريات، لم يعوض تكاليف المقهى، وفي أول أسبوع في رمضان لا يتحمس كثيرون لقضاء لحظات الإفطار على المقهى، حتى إن تزامن ذلك مع مباريات كأس العالم.". الحديث هنا لمحمود بدر (الشهير بظأطط) مدير مقهى ابن البلد في ميت عقبة. وسواء كان الإفطار في كافيه فخم في حي المهندسين أو في مقهى شعبي في ميت عقبة المجاورة، تظل أزمة انقطاع الكهرباء تلاحق الزبائن، أينما جلسوا.