Thursday, September 12, 2013

امسح وهكتب تانى .. نزاعات تسجلها جدران الشوارع

لم يعد أحد يتذكر متى كتبت تلك العبارات على جدران مسجد حسان بن ثابت، المجاور لقصر القبة الجمهورى، فقد اعتادوا رؤيتها يوميا منذ 17 رمضان الماضى حين خرجت مظاهرات حاشدة للإسلاميين فى ذلك اليوم، من كتبها تحديدا ؟ «الجماعة السنِّية هما اللى كتبوها» هذا أقصى ما يقدمه الباعة المستندون بظهورهم إلى نفس الجدار، أما الكتابات نفسها فتستهدف الاساءة إلى الفريق عبد الفتاح السيسى، وزير الدفاع، وتمجيد الرئيس المعزول محمد مرسى، لكن كان هناك من له رأى آخر.. إذ قرر أحدهم مؤخرا تغيير المشهد قليلا، وجاء بدهان (رش) وشطب الاساءات الموجهة إلى الفريق السيسى باللون الأسود، ثم كتب تحتها عبارات دعم وتأييد له.
على بعد حوالى 200 متر من هذا المشهد يقع قصر القبة الجمهورى الذى تم طلاء جدرانه مؤخرا لإزالة الكتابات المسيئة من النوعية نفسها، وفى الجهة المقابلة للبوابة الرئيسية يتوزع عدد من عمال هيئة نظافة وتجميل القاهرة، بعضهم اعتاد على هذه المهمة منذ فترة: «أساس عملنا هو الجانب الميدانى، لذا نرصد بسهولة بعض الكتابات المسيئة والبذيئة على جدران منشآت عامة مثل القصر الجمهورى بالقبة، ومهمتنا إزالة تلك الكتابات». يعلق المهندس عمر منير ــ مدير فرع هيئة نظافة وتجميل القاهرة بحدائق القبة ــ على تلك الكتابات، حيث يقع مكتبه على مسافة غير بعيدة من رسومات جرافيتى على سور مترو الأنفاق المواجه لقصر القبة، ما زالت كما هى دون إزالة. ويقول رئيس هيئة نظافة وتجميل القاهرة، المهندس حافظ السعيد: «تعرضنا لانتقادات حين أزيلت رسومات الجرافيتى فى شارع محمد محمود العام الماضى، أما الآن فنحن لا نزيل رسومات الجرافيتى الفنية، إنما نزيل كتابات مهينة او بذيئة من على الجدران، أيا كان من يكتبها».
بعض المشاكل التى تواجه العاملين فى هيئة النظافة تزداد حين تكون تلك الكتابات فوق تمثال أو مبنى ذى طابع أثرى، حيث يتم إشراك أثريين وفنيين متخصصين فى مثل تلك الحالات.
ما زال السؤال مستمرا حول من يكتبون عبارات اعتادتها الأعين مثل : «CC قاتل»، أو «مرسى هو رئيسي». بعض هؤلاء كانوا يستغلون خروج المسيرات المؤيدة للرئيس السابق ويقومون بطلاء الكتابات السابقة على 30 يونيو بطلاء أبيض، ثم يكتبون فوقها كتابات جديدة تستهدف الفريق أول عبدالفتاح السيسى أو تأييد الرئيس السابق محمد مرسى. وبعيدا عن هؤلاء فهناك مجموعات شبابية تكونت فى اعتصامى رابعة العدوية ونهضة مصر، ونشطت مؤخرا بعد فض هذين الاعتصامين. من هذه المجموعات «حركة شباب 18» التى كانت قد اختارت أن تقيم أغلب فعالياتها داخل مترو الأنفاق، ويترك أعضاء الحركة خلفهم أحيانا كتابات على الجدران مثل : «لا للانقلاب»، أو «يسقط حكم العسكر»، وكتابات أخرى ضد الفريق عبدالفتاح السيسى أو رسم لكف رابعة الشهير. مؤسس هذه الحركة شاب فى الثانية والعشرين اسمه عبد الرحمن عاطف، تعرض للاعتقال قبل أيام أثناء وقفة كانت تجهزها الحركة داخل مترو الأنفاق، ثم أخلى سبيله، وذكر وقتها أن كتابات الحركة تستهدف فئات محددة، مثل قادة الجيش الذين يرى أنصار الرئيس السابق أنهم قاموا بانقلاب على الشرعية، كما تستهدف الرموز الوطنية التى شاركت فى دعم 30 يونيو، وقال : «نعم.. بعض الكتابات أو الشعارات تعتبر بالفعل إساءة، ولكن يجب أن نراها من وجهة نظر أخرى، هى وجهة نظر بعض الشباب المتحمس الذى يعبر عن غضبه بهذه الوسيلة». هذه بعض كلمات عبدالرحمن عارف مؤسس «حركة شباب 18» التى عاش أعضاؤها أجواء اعتصام رابعة وصعدوا على منصة اعتصام نهضة مصر قبل فضه بأيام.

سياسة وطائفية
أحيانا ما تتعدى الكتابات حد الاتهامات أو الانتقادات إلى السب أو التحريض، هذا ما تكرر على جدران الكثير من الكنائس التى تلقت نصيبا من كتابات طائفية على جدرانها. على سبيل المثال تعرضت كنيسة سانت فاتيما فى مصر الجديدة لكتابات طائفية، وتداول مستخدمو الانترنت صورا من قاموا بتشويهها على أمل القبض عليهم، وسجلت بعدها بيوم واحد نيرمين نجيب، إحدى رواد هذه الكنيسة شهادة لها تداولها آلاف من مستخدمى الانترنت ذكرت فيها : «دخلت الكنيسة وأنا حزينة على ما وصلنا إليه، وصليت إلى ربى من قلبى لمصر.. وبعد انتهاء الصلاة خرجت لأجد فتاة محجبة تدهن سور كنيستي!».
كان هذا هو الحل الوحيد الذى قدمته إحدى فتيات مصر الجديدة لمواجهة الموقف، بأن تعيد طلاء السور مرة أخرى لإزالة الكتابات الطائفية أو المسيئة.
«لا يمكن أن يدخل ما يحدث من تشويه الجدران الذى يتخذه الاسلاميون فى مقارنة مع رسومات الجرافيتى التى كنا نراها فى شارع محمد محمود، وغيره من الأماكن، فما يحدث الآن هو مجرد كتابات خالية من أى إبداع». هذا الرأى يتبناه الكاتب والفنان شريف عبدالمجيد الذى قضى شهورا من العام 2011 فى دراسة وتوثيق الجرافيتى بمصر، وجمع ذلك فى كتابين، ويستعد لإنتاج الثالث عن الجرافيتى قبل 30 يونيو. وفى رحلته لفتت نظره حالات النزاع التى كانت تنشب على الجدران، واتخذت شكلا تدريجيا بين جرافيتى فنى يبدعه شباب ذوو صلة بالثورة، وبين محاولات الطمس التى تبناها الاسلاميون، إذ يشرح شريف عبدالمجيد أن البدايات الأولى كانت فى مدينة الاسكندرية، حين بدأ بعض الشباب الاسلامى فى الكتابة على المربعات الخرسانية المتواجدة قرب البحر، فى عبارات مثل «أترضاه لأختك» و«جمالك فى عفافك».. وكان بعض المارة يكتبون ردودا ساخرة على هذه العبارات، ومع الوقت ازدادت مساحة الاشتباك حين كان بدأ الاسلاميون ــ حسبما يصف شريف عبدالمجيد ــ فى كتابة عبارات مجاورة للجرافيتى مثل «و ما النصر إلا من عند الله»، بينما كانت المرحلة الأخيرة هى مرحلة الاشتباك الكامل. حين تقدم الاسلاميون إلى شارع محمد محمود وطمسوا بعض الرسومات ووضعوا «شعار القاعدة» على جرافيتى شهير هناك.
«الحرب كانت تدريجية على الجدران»، حسبما يرى شريف عبدالمجيد. وهو يلخص الفرق بين ما يكتبه مؤيدو الرئيس السابق وبين ما يبدعه رسامو الجرافيتى فى قوله: «كان رسامو الجرافيتى يكتبون طوال الوقت، امسح وهارسم تانى، بينما يكتب الاخوان الآن: امسح وهاكتب تانى، فالموضوع بالنسبة لهم مجرد كتابة على الجدران، وليست رسما أو إبداعا».
بعض المجموعات المحسوبة على التيار الاسلامى تركت رسومات للجرافيتى فى عدة أماكن، ولها طابع قريب من جرافيتى مجموعات الألتراس الرياضية، مثل حركة «أحرار» التى ما زالت رسوماتها متاحة فى عدة أماكن حتى يومنا هذا.

من الشعب وإلى الشعب
هل المستقبل فى المرحلة القادمة لجدران تحمل كتابات حادة تتم إزالتها كل فترة، مقابل انسحاب رسومات الجرافيتى الفنية؟ بعض الفنانين تحدثوا فى الفترة الماضية بعد 30 يونيو عن أن الجرافيتى فن مرتبط بالأزمات، وآخرون رأوا أن هناك حالة انسحاب للجرافيتى الفنى بسبب ارتباك الرؤية الحالية.
«لم ننسحب من العمل، لكن ربما نريد الظهور بصورة جديدة كفنانين فى المرحلة القادمة»، هذا ما يقوله رسام الجرافيتى الفنان عمار أبو بكر فى تعليقه عن ضعف حركة الجرافيتى فى الفترة الماضية لصالح جدران داعمة للرئيس السابق محمد مرسى. ويضيف أن ما يراه من عبارات حادة أو عفوية على الجدران من أبناء التيار الاسلامى أو مؤيدى الرئيس السابق هى أيضا «جرافيتي»، ويشرح ذلك قائلا: «كانت هناك كتابات شبيهة قبل 30 يونيو مثل «الإخوان خرفان» وغيرها من العبارات التى يمكن للبعض اعتبارها مسيئة، لكن فى النهاية الجرافيتى هو استخدام الجدران من الشعب وإلى الشعب، بأدوات المواطنين على اختلاف أفكارهم، كما أن الكتابة بهذه الصورة فعل تلقائى يكشف صاحبها أمام الجميع».
من وجهة نظر عمار أبو بكر، الذى اشتهر بالعمل مع مجموعات الشباب على رسم الجرافيتى فى شارع محمد محمود، أن استغلال الجدران بهذا الشكل هو امتداد لمحاولة السطو على الثورة ومحاولات استخدام أدواتها وشعاراتها. وهو ما اتضح بشكل كبير فى استخدام اللونين الأصفر والأسود الذى كان يستخدم فى شعارات حملة «لا للمحاكمات العسكرية»، وإعادة استخدامه فى شعار «كف رابعة».
لا يقلق عمار ورفاقه من شدة القبضة الأمنية فى الفترة الحالية، إذ أنهم يعتنقون فكرة غايتها أن الجرافيتى هو إبداع الناس وبأدواتهم، وحتى إن تمت إزالته ففى النهاية ستكون الرسالة قد وصلت، أما أكثر ما يطمئنهم هو أنهم لم يؤيدوا مرسى فى يوم من الأيام، ولم يدعموا 30 يونيو، ليكونوا أحرارا من أى أعباء أو انحياز.

Sunday, September 1, 2013

موسيقـى تتحدى الـحظـــر

 البعض يعـزف ليــلا هروبًـا مـن الإحبــاط والـملل

قبل الساعة التاسعة مساء بدقائق قليلة يبدأ الجميع فى الدخول إلى القاعة الرئيسية فى مركز «مكان» للثقافة والفنون، تمهيدا لإغلاق البوابة الرئيسية قبل موعد حظر التجول حسب التوقيت المحلى لمدينة القاهرة.
«الهدف من تواجدنا هنا هو كسر حالة الإحباط التى نعيشها بعد تسلسل الأحداث فى الفترة الأخيرة بشكل درامى، نحاول أن نقاوم حالة الجمود التى أصابت كافة الأنشطة الفنية والثقافية». العبارة للدكتور أحمد المغربى مدير مركز «مكان» الذى جلس فى الطابق العلوى لتحضير أنشطة اليوم الذى يستمر حتى الساعة السادسة صباحا. ويجتمع هنا عدد من الموسيقيين ارتبطوا بالمكان منذ سنوات، وآخرون تقدموا بطلب المشاركة فى العزف معهم لأول مرة، وجاءوا اليوم للتعرف على التجربة. بعض العازفين المتواجدين فى القاعة الرئيسية أصابهم ما أصاب المراكز الثقافية والفنية والأماكن الترفيهية والسياحية، إذ تعطلت هذه الشريحة من الموسيقيين تماما، وأغلب المتواجدين هنا جاءوا بحثا عما افتقدوه فى الأسابيع الماضية من تعطل واحساس بالإحباط.
بعد التاسعة بنصف ساعة تقريبا، بدأ صوت آلة الساكسفون يملأ المكان بتقاسيم شرقية خالصة، فى حين كان مهندس الصوت ينسق مع الجميع لضبط الأجهزة، قابعا فى مكانه بالطابق العلوى، الذى يكشف مساحة المسرح بأكملها، ومن هذا الموقع الكاشف تبدو حالة التفاهم التى تجمع الحاضرين سواء فى أثناء العمل الموسيقى أوفى كافة الأحاديث الجانبية، حتى إن انتقلت إلى السياسة أحيانا.
«الفكرة كانت مبادرة فردية منى، لتجميع الموسيقيين والفنانين المرتبطين بالمكان للعمل سويا بدلا من الجلوس فى المنزل». الحديث ما زال للدكتور أحمد المغربى مدير مركز «مكان»، ولأن المركز يفسح المجال الأوسع للموسيقى الشعبية والتراث، فقد كانت تركيبة الموسيقيين أغلبها من هذه الشريحة الفنية.
عدد الحضور قد يتجاوز العشرين فردا بقليل، وبينما تنتقل التقاسيم الشرقية من آلة الساكسفون إلى الترومبيت، كان أمين شاهين عازف الناى والأرغول فى حوار جانبى مع المغنية الشابة هند الراوى عن تصورات لبقية الليلة، ثم ينتقل قائلا: «أعرف الدكتور أحمد المغربى قبل عشر سنوات، كما تربطنا بالمركز هنا عروض دورية، توقفت تماما بعد ازدياد أحداث العنف، ثم فرض حظر التجول». كذلك كان الحال مع هند الراوى الفتاة العشرينية السمراء، التى أفادها انخراطها فى أنشطة المركز لتعلم المزيد من الخبرة فى الغناء الشعبى، ينهيان حديثهما ثم يهبطان أسفل وسط بقية الموسيقيين، ووسط اشتباك أصوات الترومبيت والساكسفون والايقاع، يدور سؤال فى رأس الزائر لهذه التجربة فى أول مرة، ما هو المنتج الذى يمكن أن يخرج من اجتماع هؤلاء الفنانين حتى ينتهى الحظر؟
فى البداية بدأ الأمر خلال جلسة لتبادل العزف والارتجال، لكن الأمر تطور فيما بعد إلى مشروع موسيقى، وتحولت تلك الجلسات إلى ورشة عمل، حتى يظهر منتجا حقيقيا يسجل مزاج هؤلاء الموسيقيين فى وقت الحظر.
«على فكرة أنا انتخبت مرسى!!» بهذه الجملة يبدأ إبراهيم عبدالبارى، عازف الساكسفون الخمسينى، موضحا أنه كلما ارتفع سقف طموحاته، كان الواقع يؤثر بشكل سلبى فى مهنته التى اختارها قبل أكثر من 30 سنة. «ربما أنا هنا بحكم علاقتى القديمة بالمكان وما ينتجه من مشروعات فنية، اختلطنا فيها مع أنواع موسيقية أخرى، لكن فى الحقيقة أنا أعمل أيضا مصاحبا لفنانين شعبيين فى الكازينوهات السياحية بشارع الهرم، وكل هذا توقف تماما الآن». ينهى ابراهيم عبدالبارى حديثه، ليأخذ استراحة من العزف تاركا المجال لآلات أخرى.
بعد الساعة العاشرة مساءً بقليل كان الجميع قد بدأ فى العزف الذى سيستمر حتى السادسة صباحا... يبدأ الترومبيت، ثم الأرغول، وطبول فرقة مزاهر للزار... جملة موسيقية تتكرر، وتعاد بشكل مختلف، وتتسارع الايقاعات، مع الوقت.. كان آخر من جاءوا للمشاركة، طارق الأزهرى مع زميله عبدالله أبوذكرى عازف آلة (الساز) الوترية، الشبيهة بالعود.
«كانت مغامرة أن نأت اليوم بعد ميعاد الحظر، لكن وصلنا فى وقت معقول»، يتحدث طارق الذى يدرس آلة العود فى «بيت العود»، إلى جانب دراسته للحقوق. كان من المفترض أن ينهى دراسته للعود فى هذا الشهر قبل ازدياد أحداث العنف فى الشارع قبل أسابيع، وينتظر العودة فى سبتمبر القادم.
«حاولت مع أصدقاء من العازفين أن نجتمع فى شقة صديق لنا وقت الحظر حتى نتدرب، لكن الأجواء كانت تزداد صعوبة، وحين سمعت بالفكرة هنا تقدمت بطلب وبدأت فى التعاون مع بقية العازفين المشاركين فى الورشة».
لم يقتصر الأمر على مجرد المشاركة مثلما يشرح طارق، فعلى سبيل المثال، صديقه الشاب عبد الله قد أتى بلحن من تأليفه أسمعه لبقية الفرقة حتى يبدأ معهم التنويع عليه والخروج بمقطوعة موسيقية بمزاج الحظر.

 استراحة منتصف الليل
قرب منتصف الليل، يأخذ الجميع استراحة، فى تلك الأثناء كان خميس البابلى قد اختار استراحته أمام شاشات الكمبيوتر بجانب مهندس الصوت فى الطابق العلوى. ينتقل من حديث إلى آخر، من قصة تعارفه على الراحل سامى البابلى عازف الترومبيت الأول، الذى اقتبس اسمه، إلى الأعمال التى شارك فيها مع حسن الأسمر وحكيم وعبد الباسط حمودة : «دى أول حفلة أحضرها من أسابيع وأعزف وسط زمايلي». يستكمل خميس البابلى حديثه موضحا أهمية الاستراحة لعازف الترومبيت بسبب اعتماده على النفس الطويل، والتحكم فى الشفاه. يتدخل الدكتور المغربى بجملة: «عم خميس، عايزين منك جملة نشتغل عليها، وقول لبقية الناس تحت هيتعاملوا معاها ازاي». هنا يحاول مدير المركز القيام بدوره الأصلى فى إدارة هذه الورشة.
بدأت الأغانى تزداد حماسا مع مشاركة الفنان الجنوبى سيد الركابى مع هند الراوى فى الغناء على إيقاعات شعبية، وقرب الساعة الواحدة، تبدأ هدنة أخرى هى استراحة الطعام.. بعض الساندويتشات، ثم تتطوع هند بتقديم الشاى إلى زملائها، بينما يبدو المشهد خارج مركز «مكان»، قرب ضريح سعد زغلول هادئا، وكأن حفلة لم تقم على بُعد عشرات الأمتار.
أحد الشباب الحاضرين يعزف أغنية أجنبية داخل الصالة الفسيحة، ويرتجل معه سيد الركابى تنويعات موسيقية على طريقته الجنوبية. وقرب باب الخروج من المركز، يقف الدكتور أحمد المغربى مازحا لمن حوله: «أنا حدودى خلف هذا الباب، والحظر خارج هذا الباب.. لو تحركت خطوة إلى الخارج فليحاسبنى أحد».
تزداد حالة المرح مع الوقت، سواء للزوار فى أول مرة أو لمن يعرفون بعضهم من قبل، وتختم الليلة بعرض بين فيلم كلاسيكى، والاستمرار فى الحديث والغناء، حتى السادسة صباحا، فى ذلك التوقيت يبدأ الكثيرون يومهم، بينما يتجه من كانوا فى «مكان» لإنهاء ليلة صاخبة وإحساس بأداء عملهم الذى تعودوه لسنوات.

الغناء الثورى فى هدنة

على صفحة الفنان الشاب محمد محسن فى شبكة فيسبوك الاجتماعية اعتذار مكتوب فى نفس اليوم الذى تم فيه فض اعتصامى «رابعة العدوية» و«نهضة مصر»، يقول فيه: «نظرا للأحداث المؤسفة التى تمر بها البلاد تم تأجيل حفل محسن اللى كان مفروض يتعمل الجمعة الجاية للمرة الرابعة على التوالي! بنعتذر لكم للمرة الألف وإن شاء الله تُفرج وتتعوض قريب».
كان محمد محسن أحد الأسماء التى برزت بشكل أكبر فى الأجواء الثورية بسبب اختياراته لكلمات شعراء ثوريين، والتواجد فى كثير من الفعاليات الثورية منذ 25 يناير 2011، ذلك التوضيح لم يعقبه أى تحديث حتى الآن، وعلى عكس الصورة التقليدية التى كان يشارك فيها العديد من المغنين والفرق الشابة داخل الاعتصامات المتتالية على مدار عامين ونصف، اختفى صوت هؤلاء إلى أجل غير مسمى.. البعض يبدى إحساسه بالقلق، مثلما فعل المغنى الشاب رامى عصام الذى كتب بيانا يعبر عن موقفه بشكل واضح، جاء فيه: «نحن كثوار مستقلين لم نشترك فى هذه المعركة بسبب رفضنا للإخوان والعسكر وخيانتهم للثورة.. نحن فقط ننتظر من سينتصر فى هذه المعركة حتى نعلم ضد من سنناضل سواء كان عسكر أو إخوان، ولن نسمح لفلول النظام أن يعودوا إلا فوق جثثنا».
فى هذه الأثناء تختفى المشاركة القوية للفنانين فى الفعاليات السياسية بسبب انحصار الأحداث فى الاشتباكات بين الاسلاميين والأمن، أو بين الاسلاميين والأهالى. وبعد أن كانت الأغانى مندمجة بالكلمات والحضور فى فعاليات خطرة مثل أحداث محمد محمود وخلافه، لم يجد أعضاء فرقة «اسكندريلا» سوى الحنين إلى زمن مشاركاتهم فى تلك الأحداث، إذ تعيد صفحتهم نشر صور حفلة لهم فى اعتصام مجلس الوزراء من العام 2011، وهى الحفلة التى غنوا فيها دون استخدام ميكروفونات أو تجهيزات صوتية تقليدية، فى حين كانت آخر مشاركة غنائية لهم فى معرض «أدنبره» للكتاب بإسكتلندا، حيث ألقى أمين حداد أشعاره عن الثورة، وكذلك فعلت الفرقة الغنائية بتقديم أغانيها الشهيرة. هنا تقل درجة المقاومة لحظر التجول بسبب الأجواء السياسية الضبابية، ولم تبتعد تلك الحالة كثيرا عن دول عربية أخرى من أشهرها لبنان، إذ تعانى هذه الأخيرة من قلاقل سياسية ووقوع تفجيرات، ورغم ذلك أحيا مؤخرا الفنان مارسيل خليفة حفلا غنائيا ببيروت، رغم القلق من تكرار التفجيرات والنداءات بفرض حظر فى بعض الأماكن خشية التصعيد. أحد الأسباب التى دفعت مارسيل خليفة إلى الغناء والدعوة إلى السلام أنه خاض تجارب أعنف مع الحرب الأهلية اللبنانية التى دامت حوالى 16 سنة، وحصدت أرواح عشرات الآلاف.

السمسمية تبحث عن مقاومة جديدة

فى الوقت الذى واجهت فيه بورسعيد حظرا للتجول وأعمال عنف فى شهر يناير الماضى، كانت أغلب محافظات الجمهورية عدا مدن القناة تعيش بصورة طبيعية، وفى تلك الفترة تعمدت مدن القناة وعلى رأسها بورسعيد اختراق حظر التجول، وكانت الموسيقى وأغانى السمسمية إحدى أهم أدوات المقاومة ضد الحظر آنذاك. أما اليوم، فالآية معكوسة، إذ انصاعت 14 محافظة لحظر التجول دون مقاومة، بينما تعيش بورسعيد حرة من حظر التجول، لكن الصورة ليست وردية تماما.
«أوقفنا حفلتنا الأسبوعية فى محافظة بورسعيد لمدة أسبوعين بعد فض اعتصامى رابعة العدوية وميدان النهضة فى القاهرة، هناك حالة من الارتباك أصابتنا جميعا، فالفن يحتاج إلى قدر معقول من الهدوء والأمان». يتحدث هنا زكريا ابراهيم مؤسس فرقة الطنبورة البورسعيدية، ويوضح كذلك صعوبة انتقال الفرقة إلى مسرح الضمة فى حى عابدين بالقاهرة الذى اعتادوا إقامة حفلاتهم عليه، بسبب الحظر.
على مدار 25 سنة من عمل فرقة الطنبورة البورسعيدية وغيرها من فرق السمسمية فى مدن القناة، كانت هناك مناسبات متجددة تشارك فيها السمسمية بشكل وطنى، ارتباطا بموروث ما زال يعتنقه عازفو السمسمية منذ أن كانت رفيقة لرجال المقاومة فى معارك مدن القناة ضد المحتلين، لذا ظهرت السمسمية فى ميدان التحرير، وفى ميادين مدن القنال، لدعم ثورة 25 يناير. وتجدد الأمر قبل 30 يونيو الماضى من مشاركات فى الميادين، بل وتأليف أغان خاصة لهذه المناسبة ومن ذلك ما ألفه زكريا ابراهيم عن «تمرد». أما فى الفترة التى كانت فيها بورسعيد تعانى من العزلة ومن المواجهات العنيفة مع الأمن بعد صدور حكم إعدام لعدد من أهالى المدينة فى قضية قتل ألتراس أهلاوى بإستاد بورسعيد، وهو ما اعتبره الأهالى تضحية بالمدينة إرضاء للألتراس. بدأت أحداث بورسعيد يوم 26 يناير 2013 وفى تلك الأجواء المحمومة بالغضب، لم ينصع أحد لحظر التجول، بل شاركت السمسمية فى مقاومة الحظر، وتبدلت كلمات الكثير من الأغانى التراثية بكلمات ساخطة على حكم الرئيس المعزول محمد مرسى. «فرقة الطنبورة على سبيل المثال ألفت أغنية عن يوم 26 يناير»، حسب عبارة زكريا إبراهيم.
لماذا لم يبرز صوت السمسمية كأداة للمقاومة فى الفترة الماضية؟ يوضح زكريا أن الصورة ليست واضحة، والهدف الذى يمكن أن تقوم ضده السمسمية ما زال ضبابيا، «فكرت أنا وزميلى محسن العشرى أن نكتب عن هذه الفترة، لكن علينا أن نصبر ونفهم»، يصمت قليلا ثم يضيف: «صعب تغنى وجنبك ناس بتموت».

Sunday, August 25, 2013

حقوق الإنسان.. مهنة.. وتهمة.. و واجب

  • حملات تهكم وتخوين ضد الحقوقيين والنشطاء
فى أسابيع قليلة تحولت «أسماء محمد» -تم تغيير الاسم بناء على رغبة المصدر- من العمل على قضايا مجتمعية تخص الصحة والسكن والبيئة إلى الاشتباك الكامل مع الأحداث، ضمن فريق من زملائها داخل المؤسسة الحقوقية التى تعمل بها، وذلك بعد تصاعد حدة الاشتباكات بين مؤيدى الرئيس السابق محمد مرسى وقوات الأمن منذ شهر يوليو الماضى.
«تقوم وظيفتى على التنسيق بين العمل الميدانى والباحثين بالمؤسسة من أجل خدمة قضايا بعينها، لكننا انتقلنا سريعا إلى قضية المصابين والجرحى نتيجة الاشتباكات المتتالية، فمن الصعب تماما العمل على قضايا السكن أو الصحة فى الوقت الذى يخشى المواطن العادى على حياته وسلامته الجسدية». قد يتطلب الأمر منها التوجه إلى أماكن الاشتباكات لجمع الشهادات، وهو ما فعلته عقب أحداث الحرس الجمهورى التى أسفرت عن مقتل عشرات المواطنين، وكان الهدف من وجودها هو مساندة المحامين بالمؤسسة فى عملهم، ومساندة أهالى الضحايا.
وفى أثناء الفترة المشحونة بالاستقطاب بين من يرفضون استخدام العنف ضد المعتصمين فى ميدانى رابعة العدوية والنهضة ومن يرى ضرورة الضرب بقبضة حديدية، كانت هناك شريحة من الحقوقيين يرفضون اللجوء إلى العنف، ما عرضهم لانتقادات عنيفة والتشكيك فى وطنيتهم. وكانت تلك الانتقادات الحادة بارزة فى عالم الإنترنت، ثم انتقلت سريعا إلى الإعلام التقليدى.
وهنا بدأت كلمتا «حقوقيين» و«نشطاء»، تتحول سريعا إلى «حكوكيين» و«نوشتاء»، وذلك على سبيل السخرية من موقف تلك الشريحة من الحقوقيين التى أدانت سقوط مئات القتلى فى الأسابيع الماضية، كما اتهمت تلك الشريحة بالجبن والخيانة والانسحاب من الحرب على الإرهاب.. وبمتابعة هذا العالم قد يعتاد زائر الإنترنت على مشهد الشاعر الشاب الذى يبدأ يومه على موقع تويتر بسب أحد النشطاء الحقوقيين بشكل مباشر، أو أن تجد آخر قد طرح قائمة تدين أسماء بعينها من العاملين فى مجال حقوق الانسان، خاصة من أعلنوا آراءهم الشخصية على صفحاتهم من خلال شبكة فيس بوك الاجتماعية وعلى موقع تويتر.
ولم يعد يخفى بعض الحقوقيين ضيقهم من هذه الانتقادات الحادة، مثلما وصف حسام بهجت مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قائلا فى حسابه على تويتر: «توثيق العنف الطائفى بيجيب شتيمة الإسلاميين، وتوثيق قتل الإسلاميين بيجيب شتيمة التانيين. ولو وثقت وأدنت الجريمتين برضو هتتشتم عشان محايد». ضمن من تعرضوا لهذا العنف اللفظى الدكتورة عايدة سيف الدولة، أحد مؤسسى مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسى لضحايا العنف، ورغم ذلك تعلق قائلة: «أعمل منذ أكثر من 20 سنة على الأهداف نفسها ولم يطرأ جديد فى أسلوب عملنا كى نتلقى الشتائم وتهم الخيانة، إذ نعمل على رصد الانتهاكات التى يتعرض لها المواطنون على يد السلطات، ومساعدة أهالى الضحايا فى الوصول إلى ذويهم وغيرها من مهام إعادة التأهيل، لكننا لم نمر بمثل هذه الأزمة من قبل».
من بين الاتهامات المتداولة ضد الفرد الحقوقى أنه يتدخل فى الشأن السياسى، وأن ما تقدمه المراكز من بيانات وشهادات قد تستخدم ضد مصلحة البلاد، كما تشرح عايدة سيف الدولة: «التسييس يأتى من جانب المتحيزين، وفى تفسيراتهم الخاصة، لأننا فى مركز النديم على سبيل المثال لم نقدم بيانات فى أى وقت إلى حكومات خارجية، بل أحيانا ما نقدمها إلى الحكومة المصرية بهدف الإصلاح، ولعل موقف كثير من الحقوقيين فى المطالبة بمحاكمة عادلة للرئيس السابق مبارك، والمطالبة بمساءلة المشير طنطاوى والرئيس السابق مرسى عما ارتكب فى عهدهم من انتهاكات يوضح أن الهدف هو حقوق الضحايا أيا كانوا وهو نفس الموقف من السلطة الحالية». تتوقف سيف الدولة قليلا ثم تستطرد: «هناك مراسلون أجانب كانوا شهودا على الكثير من الأحداث التى أسفرت عن قتلى، فكيف يخشى البعض من الحقوقيين فى زمن تنتقل فيه المعلومات فى نفس اللحظة؟».

مشاكل شخصية
مثل تلك الضغوط أحيانا ما يصاحبها تجارب أشد قسوة حين يفاجئ الحقوقى المستقل أو التابع لإحدى المؤسسات بأنه قد فقد أحد المقربين إليه وسط الاشتباكات. تكرر المشهد نفسه، فى الأسابيع الماضية، على صفحات بعض النشطاء والحقوقيين، حين يفاجئ أصدقاءه بمقتل أحد أقربائه داخل الاشتباكات.. بعضهم يعلن ذلك، وآخرون يخفون، ومن ضمن ذلك الفريق الأخير كانت «أسماء» التى لم تنزل إلى موقع الاشتباكات فى أحداث المنصة للقيام بمهمتها المعتادة لجمع شهادات وغير ذلك، بل اتجهت إلى هناك وقتها للبحث عن أحد أقربائها الذى تعرض لطلق نارى أثناء قيامه بإسعاف المصابين فى أثناء الأحداث، وتوفى هناك.
تلك الضغوط كثيرا ما تنعكس على الحياة الشخصية، اكتئاب، عصبية، إحباط، حسبما تصف أسماء ذلك: «تتدخل الأسرة أحيانا وتطالبنى بترك هذا المجال، لكنها قناعاتى الشخصية التى تجعلنى أكمل، بل بدأت تتسع لدى مساحة القلق من أن تكون المرحلة الراهنة بداية لقتل مساحات المقاومة والمبادرة بشكل عام». كانت أسماء، خريجة الهندسة، مشاركة على مدى الفترة الماضية بعد الثورة فى مبادرات تطوعية كاملة لخدمة وتنمية المناطق العشوائية، واليوم تخشى أن الهجمة الحالية على العمل الحقوقى، قد تتجاوز الأمر ويبدأ المجتمع فى الوقوف ضد المبادرات الفردية والجماعية وتخوينها.


متطوعون من أجل المفقودين
استكمالا لمبادرات شبيهة كانت قد ظهرت فى العامين الماضيين بعد أحداث ثورة 25 يناير، والهدف: تتبع المفقودين فى الأحداث والاشتباكات المتتالية. ربط البعض توقيت ظهور الموقع بأن يكون مؤسسوه على صلة باعتصام رابعة العدوية، إلا أن مصطفى ــ أحد مؤسسى الموقع- ينكر ذلك بقوله: «نحن خمسة شباب قمنا بتأسيس الموقع والصفحة على فيس بوك، وليس لنا أى انتماء سياسى، ومن يراجع قائمة المسجلين من المفقودين أو المصابين فى الموقع سيلاحظ أيضا أنهم لا ينتمون إلى تيار بعينه، هم مصريون فى النهاية، ولا يهمنا أن نعرف إلى أى طرف ينتمون».
يضم الموقع الإلكترونى قائمة لأكثر من 500 مواطن، ويتواجد فى أغلب فترات اليوم من 100 إلى 200 زائر بسبب الحالة الراهنة وازدياد الاشتباكات وفرض حظر التجول. وفى أسفل الصفحة الرئيسة بالموقع يخلى المؤسسون مسئوليتهم بعبارة: «الموقع عمل تطوعى مبنى على المشاركة من المستخدمين ونحن غير مسئولين عن المعلومات التى بداخله»، إذ ليس لديهم من وسيلة للتأكد من البيانات سوى مراجعة التقارير والبيانات الحقوقية، وكذلك بما يقدمه مستخدمو الموقع من بيانات الاتصال.
«فى الحقيقة لا نسجل الحالات التى يصل فيها أحد الأهالى إلى قتيل أو مفقود عن طريق الموقع، بل أضفنا خاصية حذف المفقودين، على سبيل تحديث البيانات»، هذا ما يوضحه مصطفى ــ أحد مؤسسى الموقع ــ خاصة أن البعض لم يختفِ فى أثناء اشتباكات، بل فى مواقف أخرى مثل «العودة من كورس للغة الإنجليزية»، «أو زيارة أحد الأصدقاء»، لذا تطمح هذه المجموعة الشابة التى يدرس أعضاؤها الحاسب الآلى بكلية الهندسة أن يستمر الموقع فى نشاطه حتى بعد هدوء الأحداث.
تزيد فى هذه التجربة مساحة العمل العفوى والتطوعى، وهناك نوع آخر من المبادرات أكثر عفوية، إذ يقوم على الجهد الفردى بشكل كامل، هذا ما يوضحه محمد منصور (29 سنة) الذى تطوع قبل عامين بجمع قوائم للمفقودين فى أحداث ثورة 25 يناير وما بعدها من اشتباكات. ثم كرر الأمر نفسه مؤخرا معتمدا على مصادر متنوعة مثل صفحات فيس بوك والبيانات التى توفرها المراكز الحقوقية على الإنترنت، دون تواصل مباشر معها. وفى ذات الوقت لم يكن على صلة باعتصام رابعة العدوية أو النهضة، بل كان على حد تعبيره له موقف معادى من وجود جماعة الإخوان فى السلطة، «لكن هذا لا يمنع من المساعدة فى هذه الأزمة التى أصابت مصر».
فى عام 2011 أصدر مجلس الوزراء تقريرا وصل فيه عدد المفقودين حتى مارس 2011 إلى 1200 شخص. وفى ظل ضعف الأداء الحكومى فى متابعة هذا الملف ظهرت أشهر مبادرة من نوعها عام 2012 تحت اسم «هنلاقيهم»، على يد مجموعة من المتطوعين. وبعد شهور من العمل توصلت المبادرة إلى أن أغلب المفقودين الذين مازالوا على قيد الحياة كانوا محتجزين بشكل قسرى فى سجون الدولة.
«بعد الأحداث الأخيرة عملنا من جديد على القضية نفسها، نجمع البيانات من المنظمات والمستشفيات والمشرحة، ونتلقى على أرقام الهواتف المعلنة أو عبر الإنترنت بلاغات ونطابق البيانات مع بعضها حتى نصل إلى الحالة المفقودة». تشرح شيماء ياسين ــ أحد مؤسسى المبادرة ــ إنهم أحيانا ما يتعرضون لمواقف تزيد من ضيقهم، مثلما حدث مؤخرا حين توصلوا إلى أحد المواطنين الذين تم الإبلاغ عنهم، وبعد التواصل مع أهله وإبلاغهم أنه محتجز لدى الأمن، تعرض للقتل فى حادث مصرع 38 من أنصار الرئيس السابق داخل سيارة ترحيلات.
«مش كل مفقود توفى»، حسبما تؤكد شيماء، لذا فهم يلاحقون الأمل الذى لا ينفذ لدى الأهالى فى الوصول إلى المفقودين. ومؤخرا حاول أفراد المجموعة إشراك متطوعين جدد معهم بسبب كثافة الأحداث والاشتباكات، لكن تظل الأوضاع الأمنية أكثر تضييقا عليهم، خاصة بعد فرض حظر التجول.
PDF  

Thursday, August 8, 2013

شبح السياسة يحاصر العمل الخيرى

 

غياب ملحوظ للمتطوعين الإسلاميين.. والجمعيات الإخوانية الأكثر تضررًا


لم يكن هو المشهد الرمضانى المعتاد أمام ساحة جمعية رسالة للأعمال الخيرية بمدينة نصر، فكثير من الشباب المتطوعين فى نشاط تعبئة الشنط الغذائية يدركون أن عددهم أقل من العام الماضى. «كان عدد المتطوعين فى رمضان الماضى ضعف هذا العدد المشارك الآن، وذلك بسبب الأحداث السياسية والاشتباكات المتلاحقة، التى لم تنقطع عن حى مدينة نصر». هنا لا يخفى هشام مجدى ــ قائد فريق الفرسان للعمل التطوعى ــ ضيقه من تأثير الأحداث السياسية على العمل الخيرى، ورغم أن فريق الفرسان يعمل بشكل مستقل عن جمعية رسالة منذ سنوات، إلا أنهم يحرصون فى كل رمضان على أن يشاركوا كمتطوعين فى تعبئة الشنط الغذائية. وفى العام الحالى بالذات قد أدركوا أهمية حضورهم، «هناك شباب يقطنون فى العباسية، وفى الناحية الأخرى من مدينة نصر، أصبح من الصعب ان نجدهم معنا، بسبب صعوبة المواصلات عليهم، وقلق أسرهم من مشاركتهم»، حسبما يصف أحد المتطوعين.
فى أحد الشوارع الخلفية لشارع عباس العقاد، تقع جمعية «رسالة» فى مدينة نصر، وهناك اجتمع عشرات الشباب وسط مئات الأجولة والمواد الغذائية، ليفرغوا محتوياتها فى أكياس بلاستيكية، وذلك على مسافة غير بعيدة من اعتصام رابعة العدوية، حيث جرت العديد من الاشتباكات والفعاليات والمسيرات على مدار شهر رمضان الحالى.
تلك الأزمة لا تخص المتطوعين العاملين فى حى مدينة نصر وحدهم، حسبما يصف هشام مجدى ــ قائد فريق الفرسان ــ قائلا: «على سبيل المثال فإن فريقنا يعمل منذ سنوات على فئة متحدى الاعاقة، وبسبب الأحداث المتتالية كنا نؤجل بعض الفعاليات خارج القاهرة، بسبب حالة القلق التى كانت تصيب بعض المتطوعين من السفر فى ظروف غير آمنة أو اشتباكات داخل المحافظات». فى المسافة بين مبنى الجمعية والساحة المقابلة لها يتحدث هشام مجدى واصفا موقف لم يكن ليتعرض له من قبل: «رفض والد أحد المتطوعين مشاركة نجله معنا، ظنا منه أننا سنوجه مساعداتنا لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما اتهمنا به أيضا بعض المارة أثناء عبورهم من أمام ساحة تعبئة الشنط الرمضانية، وهو أمر جديد علينا، لم نقابله فى السنوات الماضية».
أصدرت «رسالة» فى نهاية العام الماضى بيانا تنفى فيه انتماءها لأى حزب أو تيار سياسى، وذلك ردا على اتهامات بأنها جمعية داعمة لجماعة الإخوان المسلمين، وتجددت الشائعات مرة أخرى بكثافة بعد 30 يونيو، ما اضطر الجمعية إلى مواجهة الأمر بحملة دعائية. وأقام شباب الجمعية سلاسل بشرية للتأكيد على أنهم لا ينتمون إلى التيار الاسلامى، وفى هذه الأجواء، لم يقتصر الأمر على جمعية رسالة للأعمال الخيرية وحدها، بل امتدت إلى مؤسسات أخرى مثل بنك الطعام وجمعية الأورمان.
ويكشف أرشيف الموقع الالكترونى لجمعية رسالة عن عدد من الأخبار توضح وجود تعاون بين فروع جمعية «رسالة» وحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين. كما تكشف بعض الفعاليات التى أقامتها الجمعية عن تنسيق بين الحرية والعدالة والجمعية فى فعاليات خيرية أو تنموية، تلك الأنشطة لا تعبر بشكل كامل عن وجود انحياز ناحية جماعة الإخوان المسلمين أو التيار الاسلامى، إذ نسقت الجمعية نفسها فعاليات مع كيانات أخرى ليس لها صلة بالتيار الاسلامى، على سبيل المثال فقد تعاونت «رسالة» فى إبريل الماضى مع حزب الدستور لإقامة «كرنفال الدقى ليوم اليتيم»، وحضره فى ذلك الوقت الدكتور محمد البرادعى.
أما فى ساحة تعبئة الشنط الرمضانية، فيعمل الجميع على كسر تلك الأجواء، كأن تقوم متطوعة بمتابعة المجموعات المشاركة، وتقييمهم على لوحة بيضاء، ويتم تكريم المجموعة الأكثر نشاطا، حتى ينسى الجميع من كان يداوم على زيارة اعتصام رابعة العدوية، أو كان من زوار ميدان التحرير.
ضحايا الأزمة
وفى الوقت الذى كانت تذيع فيه جمعية رسالة إعلانات تنفى صلتها بأى تيار أو فصيل سياسى، كانت هناك جمعيات ومؤسسات أخرى تبث إعلاناتها على نفس النمط الرمضانى فى كل عام، دون أن تقع فى دائرة أى اتهامات، فهل تأثرت هذه الجمعيات بالأزمة السياسية الحالية؟ تجيب الدكتورة أنيسة حسونة المدير التنفيذى لمؤسسة مجدى يعقوب للقلب بأسوان، بأنها لا تستطيع أن تقيم مدى تأثير الحالة السياسية على حجم التبرعات، سوى بعد عملية التقييم التى تجريها الجمعيات الخيرية بعد انتهاء الموسم الرمضانى، وتقول: «لن أفاجأ إن كشفت الأرقام أن العمل الخيرى قد تأثر بسبب الأحداث السياسية، لكننى متأكدة من أن المصريين الذين اعتادوا على العمل الخيرى فى كل عام، لن يوقفهم شىء، وسيقدمون تبرعاتهم بأى وسيلة».
قد لا يكون حجم الضرر الذى تعرضت له الجمعيات الكبرى بحجم الضرر الذى تعرضت له الجمعيات الخيرية الصغيرة والمعتمدة بشكل مباشر على دعم جماعة الإخوان المسلمين، سواء فى إقامة أسواق خيرية أو معارض ملابس أو غيرها من الفعاليات. بعض هذه الجمعيات كانت ترد الجميل للجماعة وحزبها فى ندوات تستضيف أعضاء مجلس الشعب السابق من جماعة الإخوان، كما حاولت التأثير سياسيا على المستفيدين من خدماتها، وكل ذلك مازال محفوظا فى صفحات هذه الجمعيات على الفيسبوك. أما فى حالة التواصل وطلب الاستفسار من قيادات هذه الجمعيات، التى يقتصر عملها فى الغالب على نطاق حى أو قرية، فينتهى الأمر بإجابة واحدة: «نعتذر عن الحديث بسبب الظروف السياسية الراهنة».
 يوضح مثلا عضو مجلس إدارة جمعية خيرية فى حى الزيتون بالقاهرة، أسباب حساسية الحديث عن هذا الموضوع، خاصة أنه قد تعاون سابقا مع حزب الحرية والعدالة، قائلا: «قمت مع زملائى منذ فترة بتعليق أنشطة مثل السوق الخيرى أو معرض الملابس، خشية أن نفاجأ ببلطجية يدمرون عملنا تحت دعوى أننا ننتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، وخشية استهداف مقر الجمعية أثناء أى اشتباكات أو خلاف سياسى فى الحى».
لا يخفى عضو مجلس إدارة الجمعية التى تعمل على نطاق ضيق أن أنشطتها تأثرت بشدة بسبب انشغال العاملين بها فى أزمة التيار الاسلامى، إلى جانب تضرر الجمعية من غياب المتطوعين الذين كانت تعتمد عليهم الجمعية، وأغلبهم من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، الذين انسحبوا من النشاط العام فى الحى.
بين «رسالة» ورابعة
بالعودة إلى جمعية «رسالة» فى مدينة نصر، أمام ساحة تعبئة المواد الغذائية، كان يقف محمود عاشور، طالب الصف الثانوى، وأحد شباب الإخوان المسلمين... يستعد لخطوة جديدة فى العمل مع فريق المتطوعين، بعد أن قضى أغلب وقته فى شهر رمضان، موزعا بين التطوع فى جمعية رسالة وزيارة اعتصام رابعة العدوية. يعلق على ذلك قائلا: «هناك جمعيات خيرية تحت إدارة أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، وقد عرض على البعض أن أوجه عملى التطوعى إلى هناك خشية أن أتعرض لمضايقات من المتطوعين فى رسالة، لكنى تشبثت بأن أظل متطوعا ضمن فريق رسالة، وأواجه الموقف دون قلق، وفى النهاية الهدف هو العمل الخيري». وحسبما يذكر محمود فإنه لا يمثل الجمعية بأى شكل داخل الاعتصام، بينما تساهم بعض الجمعيات الخيرية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين بشكل مباشر فى تقديم الإفطار للمعتصمين عن طريق متبرعين لديهم الرغبة فى «إفطار الصائمين».
تقف مروة زهدى مسئولة الاطعام فى جمعية رسالة بمدينة نصر كى تنظم مجموعات المتطوعين داخل عدد من الميكروباصات، حيث يبدأون نشاط توزيع الطعام على المحتاجين المسجلين لدى الجمعية. وهى تروى أن أحد معتصمى رابعة العدوية قد قدم لفرع رسالة حوالى 600 وجبة فاضت لديه ولم يوزعها داخل الاعتصام، وأراد إنقاذ ما تبقى لديه بأن يرسلها إلى جمعية رسالة، التى يمكنها حفظ تلك الوجبات وإعادة توزيعها بمعرفتها، وتقول مروة: «بعد أن وجدناه يكرر العرض مرة أخرى بتقديم حوالى 2000 وجبة، اعتذرنا له منعا للحرج، حتى لا نكون موضع شبهات أو نحسب على تيار سياسى بعينه».
الصورة ليست قاتمة بأى حال، حسبما ترى الدكتورة إقبال السمالوطى ــ أستاذ ورئيس قسم التخطيط بالمعهد العالى للخدمة الاجتماعية بالقاهرة، وعضو الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية ــ فرغم تأثر النشاط الخيرى بحالة التوتر السياسى فى الشارع المصرى، إلا أن هناك ملامح جديدة قد أضيفت هذا العام إلى العمل الخيرى. وتوضح الدكتورة إقبال السمالوطى: «هناك جمعيات تعمل فى مجال التنمية أخضعت إمكانياتها لتقديم أعمال خيرية فى رمضان لهذا العام، نتيجة ضغوط من أعضائها، خاصة أن بعض الجمعيات الخيرية التابعة للإخوان المسلمين قد تأثر بعضها فى الفترة الماضية، وأعتقد أن هذا يعبر عن روح مبادرة جيدة تؤكد حرص المصريين على العمل الخيرى بشكل عام». فى الوقت الحالى تبدو صورة العمل الخيرى خاضعة لتأثير الظروف السياسية الداخلية، من انشغال أبناء التيار الاسلامى بالسياسة عن نشاطهم التقليدى فى العمل الخيرى، إلى خشية بعض المتطوعين من العمل فى ظل حالة حادة من الاستقطاب والاحتقان السياسى .
**
الدين والخير والسياسة.. علاقات قديمة
منذ فترات مبكرة من عمل الجمعيات الخيرية فى مصر،  امتزج العمل الخيرى بالسياسة والدين فى كثير من الأحيان، فعندما ظهرت الجمعيات الخيرية الدينية فى نهاية القرن 19، كانت البداية بتأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية فى العام 1878، وكان من أهم رجالها الإمام محمد عبده والزعيم مصطفى كامل. ورغم أن هناك أهدافا خدمية وخيرية لهذه الجمعية مثل إنشاء المدارس للفقراء ومساعدة المحتاجين، إلا أنه كان هناك هدف آخر ذو بعد سياسى هو مواجهة الجمعيات الأجنبية والتبشيرية، التى كانت تعمل فى مصر آنذاك. ولم يقتصر الأمر على الجمعيات الإسلامية فقط،  بل إن شخصيات وطنية مثل عبدالله النديم قد دعمت تأسيس جمعيات مسيحية، مثل «جمعية المساعى الخيرية» فى 1881، وذلك لمواجهة الجمعيات الأجنبية والتبشيرية ولتكريس فكرة الوحدة الوطنية.
وكان تأسيس هذه الجمعيات الخيرية متأخرا نسبيا عن تأسيس جمعيات من نوع آخر، مثل الجمعيات الثقافية والعلمية فى مصر، وذلك لسبب يرجعه باحثون إلى اعتماد النشاط الخيرى قبلها على دور المسجد والأوقاف، هذا إلى جانب دور الطرق الصوفية. وبعد تأسيس دستور 1923 أصبح تشكيل الجمعيات الأهلية التطوعية حق يكفله الدستور للمواطنين، وهو ما زاد من عدد الجمعيات الأهلية بشكل عام. ثم برز فى عام 1928 دور جمعية «الإخوان المسلمين»،  التى حملت وجها جديدا يمزج بين العمل الدعوى والدور السياسى، وكانت القضية الفلسطينية بداية مجال حركة لجمعية الإخوان المسلمين آنذاك منذ الثورة الفلسطينية فى الثلاثينيات، ثم مشاركتها فى مجال الإغاثة ورعاية اللاجئين.

Tuesday, July 23, 2013

رمضان 2013 .. صلوات في رحاب السياسة

 إمام أسد بن الفرات : احذروا من سقوط المساجد في قبضة السياسة
 كتب - عبدالرحمن مصطفى
ما أن ينه الدكتور أحمد عبدالرحيم إمام وخطيب مسجد أسد بن الفرات صلاة التراويح، حتى ينتقل بعدها إلى غرفته للقاء بعض رواد المسجد وزواره، وفي أوقات كثيرة كان يتزامن ذلك مع فعاليات خارج المسجد في شارع التحرير بالدقي لدعم الرئيس السابق محمد مرسي، سواء كانت بتوزيع المنشورات أو بخروج مسيرات معادية للسلطة الحالية. تلك الأجواء ليست غريبة على المسجد، إذ كان أشبه بمنصة اطلاق مسيرات ومظاهرات على مدار أكثر من عامين ، كما كان معقلا للشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل وأتباعه. يشرح الدكتور أحمد عبدالرحيم وضعية هذا المسجد الذي عمل في إمامته قبل خمس سنوات قائلا: "كان هذا المسجد من أهم مساجد وزارة الأوقاف بالجيزة، حين كانت تقام فيه الندوات والمؤتمرات لسنوات طويلة قبل أن يفد عليه الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل في العام 2011، فأصبح المسجد يستضيف دروسه الأسبوعية وندواته ومؤتمراته لساعات طويلة، وقد أخبرت بعض أتباعه في فترة مبكرة أن ما يقومون به غير منضبط من الناحية الشرعية، لكن المسجد كان يتم أسره في مناسبات محددة، من جمهور الشيخ حازم". رغم هدوء الأجواء داخل المسجد في شهر رمضان حاليا، إلا أن ذلك لم يمنع في وقت من الأوقات أن يمر بعض معتصمي جامعة القاهرة على المسجد الشهير للصلاة، و لوم الإمام على انه لم يدعو على السلطة الحالية ، أو الدعاء للرئيس السابق محمد مرسي، يقول الشيخ أحمد عبدالرحيم متابعا: "في الحقيقة أنا أقدر الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل ، و أقدر مريديه، وتجمعني صلة طيبة بهم جميعا، والحقيقة أنهم كانوا يستأذنون قبل أي فعالية يقيمونها هنا في المسجد". يصمت قليلا ثم يضيف مبتسما: "كان استئذانا في صيغة إخطار".
ما عاناه إمام مسجد أسد بن الفرات من ارتباط سمعة المسجد بفصيل محدد هو أتباع الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل ، ليس حالة فريدة، إذ يرى الدكتور أحمد عبدالرحيم أن إمام المسجد ليس في سلطته فرض إجراءات تنظيمية على أحد، خاصة أن سياسة الدولة في فترة من الفترات قد أعلت من شأن أئمة سلفيون ومن جماعة الاخوان ورفعتهم فوق منابر مساجد تاريخية، أما في فترة تولي الرئيس السابق محمد مرسي، فقد كان الضغط يزيد على بعض الأئمة المستقلين من أجل الترويج لبعض المواقف السياسية التي يتبناها تيار الاسلامي السياسي، وبعيدا عن تجربة مسجد أسد بن الفرات ، فإن أئمة آخرين كانوا متوافقين مع تيار الاسلام السياسي، وتأثرت المساجد التي يؤمونها بهذا الأمر، و من أشهر هذه الحالات، ما حدث في مسجد الفتح في ميدان رمسيس بالقاهرة، حيث أعلن إمام المسجد موقفه المتضامن في اعتصام رابعة العدوية الشهير ، ما جعل مسجد الفتح في مرمى نيران الاشتباكات التي وقعت مؤخرا، بعد لجوء أنصار الرئيس مرسي إلى هذا المسجد تحديدا في عدة فعاليات .
أما في مسجد أسد بن الفرات فلم يزول القلق تماما من ذهن إمام المسجد ، فقد مر بتجارب تعرض في إحداها للتضييق المباشر من صعود المنبر على يد أنصار الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل ، كما تعرض للتعنيف في مواقف أخرى، و يزيد على ذلك قائلا: "المشكلة الأسوأ أن سمعة إمام الأوقاف لدى شريحة من الناس أنه إمام الحكومة ، وهذا للأسف أمر له جذور حقيقية ، بسبب تبعية الأئمة لوزارة الأوقاف التي تتبدل سياساتها مع تبدل الحكومات المختلفة، هذا إلى جانب تحريض بعض المشايخ من تيارات أخرى على الأزهر الشريف، وكل ذلك يضعف موقف الإمام في مواجهة الجمهور" . بعد عمله 16 سنة قضاها الشيخ أحمد عبدالرحيم إماما بالأوقاف المصرية، كان من المتوقع أن يفقد منصبه في قرار لتغيير أئمة المساجد الكبرى في حكومة هشام قنديل السابقة،من أجل ضمان انحياز المساجد للرئيس السابق محمد مرسي، لكن الأحداث المتلاحقة أبقت الأوضاع كما هي حتى حين، ليقضي إمام أسد بن الفرات هدنة مع رواد المسجد في شهر رمضان.
 **
هموم الدعوة و الداعية
 " كان أكبر خوفنا هو أن تتحول المساجد إلى منابر للأحزاب والسياسة ، و أن يتم تهميش دور إمام المسجد تحت سطوة التيارات الدينية المختلفة"  . يتحدث الشيخ قرشي سلامة الإمام والخطيب في وزارة الأوقاف بمحافظة قنا عن حالة الدعوة والداعية في فترة تولي الرئيس السابق محمد مرسي ، حين تم تصعيد أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين إلى مناصب هامة في وزارة الأوقاف، وهو ما بدأ في التأثير على الحياة اليومية لبعض الإمام والخطباء التابعين للوزارة ، يعلق الشيخ قرشي سلامة الذي عمل في الأوقاف قبل أكثر من 20 سنة قائلا: "هناك من ينصاع أمام النظام الجديد ، على طريقة مات الملك ، عاش الملك ، سواء كانت القيادات من الحزب الوطني في عهد مبارك أو من الاخوان المسلمين في عهد مرسي ، لذا فإن استبدال قيادات الأوقاف لحساب تيار معين يعني بالضرورة تغيير معالم الامامة والدعوة بشكل كامل ، فالإمام و الخطيب يعملان وفق توجهات الوزارة، وهذا وضع لابد أن ينته " . هنا تبرز أزمة يدركها أئمة ناشطون مثل الشيخ قرشي سلامة الناشط في حركة "أئمة بلا قيود" ، إذ تتلخص الأزمة الحالية في كيفية التعامل مع المساجد التي خضعت لسيطرة تيارات دينية ، و كيفية تحقيق استقلال الدعوة في المساجد عن السياسة.
هذه التفاصيل تخفي وراءها هموم أثقل وعلى رأسها أنه لا يوجد قانون ينظم عمل الأئمة والوعاظ ، وحين جرت محاولة مبكرة بعد ثورة 25 يناير لتدشين نقابة الأئمة والدعاة (المستقلة) المشهرة في العام 2011، ظهر مشروع مضاد في فترة الرئيس السابق مرسي ممثلا في نقابة الدعاة المصرية التي احتضنها جامع الفتح برمسيس في القاهرة، وكان المشرفون على هذا المشروع مسؤولون ينتمون إلى جماعة الاخوان المسلمين، لذا فإن كل ما ينتظره الأئمة الناشطين الآن هو إعادة ترتيب الأوراق من جديد.
بعيدا عن المشاكل الادارية و التنظيمية هناك أمور ذات صلة بعقيدة الامام ، إذ يقدم أغلب خريجي الأزهر الشريف أنفسهم كأصحاب المنهج الوسطي الذي يؤهلهم في العمل بالدعوة والإمامة في المساجد المصرية، بحيث يكونوا على مسافة واحدة من كافة التيارات الدينية الأخرى ، هذه القناعة هي التي دفعت بعضهم إلى الالتفات منذ بدء ثورة 25 يناير إلى تأسيس كيانات تهدف إلى استقلال الأزهر الشريف، و ألا يتحول إلى صوت للسلطة ، يقول عبدالغني هندي منسق الحركة الشعبية لاستقلال الأزهر: "يمكن تسييس الدعوة في وزارة الأوقاف بعدد بسيط من المسؤولين، فهي تحكمها اللوائح الداخلية والمنشورات والعلاقات المباشرة ، على عكس وزارات أخرى تحكمها قوانين واضحة، وقد ظهرت في الفترة الماضية بالفعل محاولات لتشويه منهج الأزهر، وتدمير استقلاليته الفكرية النابعة من مصر". كانت الفترة الماضية في عهد الرئيس السابق مرسي قد شهدت ضغطا على الأئمة والدعاة الناشطين من العاملين في وزارة الأوقاف ، وذلك في مواجهة محاولات لتغيير فكر الأئمة ، من أشهرها كانت الحادثة الشهيرة التي جرت في يونيو الماضي أثناء دورة تدريبية حاضر فيها الدكتور صفوت حجازي المحسوب على جماعة الاخوان المسلمين وشخصيات أخرى ، شنت هجوما على المنهج الأزهري في الدعوة، واكتملت الصورة بعد أن ظهرت نفس هذه الشخصيات فيما بعد في ميدان رابعة العدوية بعد عزل الرئيس السابق مرسي و أعلنوا عداءهم لمؤسسة الأزهر .  هنا تتحرك مجموعات وائتلافات داعمة لاستقلال الأزهر ترى أن "الأزهري"  بحكم تكوينه العلمي هو أبعد الناس عن الاستقطاب الديني. 
 **
درس الفجر .. ملجأ من اعتزلوا الفتنة
يبدأ الشيخ مسعد أنور درسه الأسبوعي بعد صلاة الفجر بدقائق قليلة، أمام العشرات من رواد مسجد أبوبكر الصديق في منطقة الوايلي الكبير بشارع بورسعيد، بعضهم اعتاد حضور دروسه منذ سنوات، وآخرون ازداد ارتباطهم به من خلال برنامجه على قناة الرحمة الاسلامية التي أغلقت مؤخرا. وتزامن البدء في جدول دروس الفجر في رمضان مع أوقات عصيبة ألقت بظلالها على حالة المسجد ذي الطابع السلفي ، يقول الشيخ مسعد الشيمي الذي أشرف مؤخرا على إعادة بناء المسجد ليكون مركزا إسلاميا ضخما: "بدأ رمضان و هناك شريحة من أبناء هذا المسجد قد اختاروا المكوث في اعتصامي رابعة العدوية و جامعة القاهرة، لكن هناك من اعتزل فتنة السياسة وأتى هنا للعبادة وطلب العلم". ينسق الشيخ مسعد الشيمي مع الداعية مسعد أنور كافة شؤون الدعوة في المسجد الذي نال سمعته منذ منتصف التسعينات ، إذ كان حاضرا طوال الوقت لابعاد المسجد عن السياسة قدر الامكان، خاصة مع وجود سياسات جهاز أمن الدولة القديم قبل الثورة. ورغم الضغوط التي يتعرض لها الملتحون أحيانا مع ازدياد حدة الاشتباكات السياسية بين الاسلاميين وغيرهم ، فإن الأمر هنا يختلف حسبما يصف الشيخ مسعد الشيمي، إذ أن الحضور القديم لبعض العائلات التي ينتمي إليها السلفيون، كثيرا ما يضبط شكل العلاقات بين كافة الأطراف.
أما في درس الفجر ، فقد جاء من حضروا من المناطق المجاورة في حي الوايلي والزاوية الحمراء، يستأنسون بشيوخ مثل مسعد أنور وأيمن صيدح، و من يرونهم على الفضائيات و يعرفونهم في هذا المسجد منذ سنوات، وهي أجواء يرحب بها أهل السهر، الذين اختاروا قضاء وقت مفيد في صلاة الفجر وحضور درس ديني بعدها .
لكن تظل الشريحة الأهم من رواد هذا المسجد هم الشباب السلفي الحريص على ارتياد المسجد طوال العام ، حيث يلم أغلبهم بالعلم الشرعي، ما يعطي ثقلا لوجودهم في المناقشات الدينية، وداخل الأنشطة المختلفة بالمسجد، أحد الشباب ذكر بعد انتهاء الدرس أن امثال الشيخ مسعد أنور هم من يكسرون الصورة النمطية التي يصنعها الاعلام عن الملتحي وكأنه إرهابي. وبينما انشغل جزء من هذ الشريحة الشابة بالسياسة، مكث بقيتهم في المسجد معتزلين للفتنة على حد قول أحمد جمال الشاب الملتحي، الذي لم يتكف بدرس الفجر ، بل قضى وقتا بعدها في قراءة القرآن حتى طلوع الشمس، يقول: "بعضنا اختاروا اعتزال الفتنة ، أنا عن نفسي لا أستطيع قبول فكرة أن أتحول إلى قاتلا أو قتيلا في مثل هذه الاشتباكات، لكني في نفس الوقت أقدر قرار من اختاروا الانخراط في مسيرات واعتصامات طوال الاسابيع الماضية". لم تفرِّق السياسة بين أحمد جمال المواظب على ارتياد المسجد وبين زملائه الذين انخرطوا في اعتصام رابعة العدوية منذ بدايته، لكن غاية طموحه الآن هو أن يجدهم إلى جواره قريبا في صلوات التراويح و في دروس الفجر، ويقول: "ليست المرة الأولى التي تقع فيها مشاكل بسبب السياسة ، لكن أقسم بالله أن كل ذلك يزول حين يجد المتنازعان كليهما في نفس المسجد يؤديان صلاة واحدة".
تجسد قصة هذا المسجد صعود التيار السلفي منذ التسعينات متزامنا مع بروز شيوخ مثل محمد حسان ، وأبو اسحق الحويني ، ومحمد حسين يعقوب ، وغيرهم ، فالمسجد يرجع عمره إلى عشرات السنوات حين كان معروفا باسم "جامع الماحي" على اسم مؤسسه ، ويروي الشيخ مسعد الشيمي أنه تعاون بنفسه مع الشباب في منتصف التسعينات لازاحة الاخوان المسلمين وبقايا المتصوفة من المسجد و إضفاء الطابع السلفي على الشعائر، وأصبح الاسم الرسمي للمسجد هو أبو بكر الصديق، ويعود الشيخ مسعد الشيمي معلقا: "الحقيقة أن انغماس بعض الشباب والمشايخ في عالم السياسة ، أفقدنا الكثير، وشغل البعض عن العبادة وطلب العلم ". حتى الآن  لا تتضح صورة المستقبل أمام رواد المسجد ، ولا يعلمون إذا ما كانت السياسة ستعود إلى المساجد مع عودة من خاضوا تجربة الاعتصام والاشتباك في الفترة الماضية داخل ميداني رابعة ونهضة مصر. الأمر الوحيد المؤكد هنا، هو أن برنامج دروس الفجر سينتقل بعد رمضان بنفس ترتيبه ليصبح بعد صلاة العشاء، أما عدا ذلك .. فلا أحد يرى تصورا للمستقبل.
 **
التراويح في رحاب رابعة العدوية
 المشهد لا يتواءم مع ذكرى السيدة رابعة العدوية، فهي نفسها من قالت في القرن الثاني الهجري: راحتي يا إخوتي في خلوتي ، أما الآن فيحيط أنصار الرئيس السابق  محمد مرسي بمسجد رابعة العدوية في مدينة نصر ، حيث تختفي الخلوة ، وتزول الراحة . فالمتوجه إلى صلاة التراويح في اعتصام رابعة العدوية، سيواجه طرقا تضيق بالمصلين في شارع الأتوستراد، حيث تتوزع عربات الباعة الجائلين و خيام المعتصمين على جانبي الشارع ، وبين هؤلاء جميعا يمر الوافدون على الاعتصام، و هم يتلون عبارات السخط على السلطة الحالية، وبين الحين والآخر يتلقون نفس النداء في أثناء صلاة التراويح ، "الصوت يا جماعة ، الناس بتصلي". فيصمت المارة وسط طرقات بلا إنارة منذ عدة أيام، وحين يكتشف الوافدون على الاعتصام أن الطرق مزدحمة بشكل لن يسمح لهم بالصلاة، يعودون من نفس الطريق بحثا عن مساحات أخرى أكثر اتساعا .
في أثناء البحث عن موضع قدم في طرق أغلقتها الخيام و عربات الباعة الجائلين، يجلس بعض الشباب بين المصلين و قد اختاروا مهمة مختلفة، حيث يوجهون شعاع الليزر الأخضر لبعض العساكر المناوبين فوق أحد المباني العسكرية المجاورة، وكذلك يفعلون مع بقية المباني السكنية المجاورة خشية وجود قناصة . و كلما اقترب الزائر من مسجد رابعة العدوية نفسه ، يزيد الزحام ، حتى وصل ببعض المعتصمين أن أقاموا شعائرهم في مداخل العمارات، أما في داخل مسجد رابعة العدوية نفسه، فالصلاة مقصورة على السيدات . في أوقات التصعيد ، حين تخرج المسيرات من الميدان في اتجاه الحرس الجمهوري أو إلى رمسيس مثلما حدث في يوم الاثنين 17 يوليو الماضي، يكون الإجراء كالتالي : تعلن المنصة في استراحة صلاة التراويح عن مسيرات تهدف إلى التصعيد، وفي تلك اللحظات يمر المتحمسون وسط المصلين في طوابير طويلة، وكلما مرت طائرة عسكرية لمراقبة الاعتصام، تبدأ الهتافات، ويتصدى لها المعتصمون بنفس الرد الشهير "الصوت يا جماعة ، الناس بتصلي" .
 PDF