Tuesday, August 21, 2012

الإعلانات ترحل.. وتبقى الأجساد محاصرة بالمرض


«أمنية حياتى أن تتاح لى فرصة التحدث عبر الاعلام لساعات، عن تجربتى مع ابنى المصاب بالروماتويد، فالكثيرون لا يعلمون شيئا عن هذا المرض ولا عن كم المعاناة التى يتعرض لها المريض وأهله». تتحدث وردة يوسف عن تجربتها مع ابنها مصطفى فى القاعة الرئيسية لجمعية «رسالة نور على نور»، برفقتها مجموعة من مرضى الروماتويد جاءوا للحصول على علاجهم الدورى، تجلس وردة جوار محمود عامر القادم من محافظة الفيوم، وقد ظهر كلاهما فى إعلانين ضد مرض الروماتويد المفصلى ظلا يعرضان منذ شهر رمضان. فى الإعلان الأول من الحملة الدعائية التى انفردت بها قناة فضائية واحدة، قام المعلنون بتشبيه مريض الروماتويد بالطفل المدفون فى تابوت وهو ما زال على قيد الحياة، وبعد انتقادات شديدة لقسوة المشهد، ظهر الإعلان التالى الذى تصدره محمود عامر قائلا: «الناس زعلانة إنهم جابوا إعلان لطفل فى تابوت مدفون بالحياة.. إحنا فعلا مدفونين بالحياة، وما حدش بيسأل فينا». لا يجد محمود طريقة أخرى للتعبير عن أزمته، قائلا إنه كان مقتنعا بالظهور على الشاشة، فى الوقت الذى رفضت فيه سيدة أخرى جاءت لعلاج ابنها التصوير.
تبعد المسافة بين القاهرة ومقر الجمعية فى قرية شبرامنت نحو 15 كم، بينما يفد مرضى الروماتويد الذين ترعاهم الجمعية ــ نحو 25 فردا فقط ــ من محافظات شتى، فى حين تقدر الأرقام مرضى الروماتويد بـ800 ألف حالة، تحمل شريحة منهم مضاعفات خطيرة بسبب الإهمال وسوء التشخيص، ما يجعلهم فى حاجة إلى علاج باهظ الثمن قد تصل تكلفته إلى 8000 جنيه شهريا، وجميع من يتوافدون على الجمعية من هذه الشريحة التى تفاقم معها المرض.
وبعد تلك الانتقادات التى لاحقت الجملة الإعلانية، أعلنت الجمعية عن موقفها عبر شبكة فيس بوك الاجتماعية وذكرت: «قمنا بعمل الإعلان الذى أذى مشاعركم.. وتتبادلون النقد غير البناء، وتتبارون فى الهجوم على من حملوا على عاتقهم مساعدة هؤلاء الأحياء الأموات، فى الوقت الذى رفضت فيه الدولة علاجهم». فى القاعة الرئيسية بالجمعية يجلس حاتم فراج نائب رئيس مجلس الإدارة ليدير أعمالا أخرى تقوم بها الجمعية، ويعلق قائلا: «من ينتقدوننا هم بعيدون عن تفاصيل القصة، ولم يكن لدينا أسلوب آخر، نحن نتسول من أجل هؤلاء المرضى.. من يريد المساعدة فليتبرع !!».
كانت الإنترنت من أكبر الساحات التى شهدت انتقادات لإعلانات التبرعات الخيرية، إذ لم يقتصر الأمر على الحملة الإعلانية عن مرض الروماتويد، بل امتدت لإعلانات أخرى مثل إعلان مؤسسة مجدى يعقوب لأمراض القلب الذى تصدرته الطفلة «صهيبة فاروق» المصابة بثقب فى القلب، صاحبة العبارة الأشهر وسط إعلانات رمضان الخيرية «أنا نفسى أعيش».
قبل أسابيع دونت رشا عبدالله ــ أستاذة الإعلام بالجامعة الأمريكية فى القاهرة ــ رأيها على موقع تويتر للتدوين القصير، قائلة إن «إعلانات الشحاتة» على الأمراض والمستشفيات تنتهك أبسط حقوق المرضى وخاصة الأطفال، وتشرح ذلك الآن بقولها: «هذه الإعلانات ليست أفضل وسيلة لدعم الأعمال الخيرية، بل أستطيع أن ألمس فيها حالة من امتهان كرامة الانسان، علينا أن نفكر فى نفسية طفلة مثل صهيبة حين تلاحقها هذه الصورة لسنوات قادمة وتختزنها فى ذاكرتها». لا تخفى الدكتورة رشا عبدالله انفعالها أثناء الحديث وتنتقل إلى بعض القواعد الأخلاقية فى فن الإعلان، مشددة على أن جميع المواثيق الدولية التى وقعت عليها الحكومة المصرية تحفظ كرامة المريض والطفل وتمنع استغلالهما. وحسب مصادر فى مؤسسة مجدى يعقوب للقلب فإن صهيبة فاروق مصابة بالفعل بثقب فى القلب، وكذلك أخوها، وأن ظروف ظهورها فى الإعلان قد جاءت برضا الأسرة وفى أجواء تصوير إعلانات الحملة فى المستشفى بأسوان. «لعل نجاح الإعلان هو ما زاد من حدة الانتقادات ضده، ويكفينا أن عبارة: أنا نفسى أعيش، قد جاءت من صهيبة بشكل عفوى، دون تدخل أحد أثناء تصوير الإعلان، والأهم من كل هذا هو خدمة القضية». يشرح وليد سرى ــ المسئول عن إبداع الأفكار فى شركة الدعاية التى أنتجت إعلان «صهيبة» ــ أن الشركة فى العادة لا تستخدم الأطفال داخل إعلاناتها إلا فى نطاق محدود، لكن فكرة الإعلان هى التى فرضت أن تظهر بهذا الشكل، ويضيف قائلا: «طالما لا يوجد امتهان لأحد، فما المشكلة؟! أدعو من يبدون الضجر والضيق بالإعلان أن يكونوا أكثر إيجابية ويتبرعوا لدعم هؤلاء الأطفال». فى هذا الموسم تجد بعض شركات الدعاية الفرصة أن تشارك فى أعمال الخير بجهدها الإعلانى. ورغم ما حققته عبارة «أنا نفسى أعيش» من رواج وصل بإحدى الحملات السياسية أن تتخذ مؤخرا عنوان «عايزين نعيش»، إلا أن ذلك لا يعد دليلا فى نظر الدكتورة رشا عبدالله ــ أستاذة الإعلام بالجامعة الأمريكية ــ على أن إعلان صهيبة قد كان على المسار الصحيح، وتدعم وجهة نظرها بأن تشير إلى أنه لا توجد دراسة علمية تعرض رغبات المرضى فى أن يظهر من يمثلهم عبر إعلانات بهذا الشكل، أما من الناحية العلمية فإن الأبحاث تشير إلى أن الاعلانات تفقد تأثيرها إذا ما اعتمدت بكثافة على فكرة الصدمة أو جذب التعاطف.
ما وراء الإعلانات
كل هذا الجدل حول استخدام المرضى والأطفال فى الإعلانات الخيرية يخفى وراءه خلفيات أخرى تكشفها عبارات مباشرة كالتى استخدمها نائب رئيس مجلس إدارة «رسالة نور على نور» مثل: «إحنا فيه مرحلة كنا بنشحت فيها عشان مرضى الروماتويد». وفى خلفية هذه الجملة الأخيرة تسلسل يعرضه عن كيفية انخراط الجمعية فى قضية مرض الروماتويد من الأساس، إذ بدأ الأمر بأن تم تحويل أول حالة إليهم، وبعدها لجأت حالات أخرى إليهم طلبا للدعم الطبى. وحين أصبح ذلك عبئا ماليا على الجمعية، اتجهت الإدارة إلى المؤسسات الكبرى التى تقتسم سوق الخير فى رمضان، إذ جرت العادة أن تلجأ بعض الجمعيات إلى تلك الجمعيات والمؤسسات الكبرى وتحول إليهم حالات مرضية أو حالات فى حاجة إلى دعم مالى، كما تتجه بعض الجمعيات إلى تلك المؤسسات الخيرية الكبرى للحصول على دعم مباشر لمشروعاتها. ما يرويه مشرفو جمعية «رسالة نور على نور» هو أنهم اتخذوا تلك الخطوات ولم ينجحوا فى الحصول على دعم من أحد، ولا حتى من وزارة الصحة، فى حين أن الحالات المسجلة لديهم قد يتكلف الفرد منها نحو 8000 جنيه، ما وضعهم فى أزمة، خاصة مع تأكيد عدد من أصحاب الحالات المتقدمة أن أزمة هذا المرض لا تنحصر فقط فى توفير العلاج، بل أيضا فى غياب الوعى لدى الطبيب والمواطن العادى على السواء، إذ تتشابه قصة محمود عامر أو الطفل مصطفى وغيرهما فى أنهما قد قضوا سنوات أسرى التشخيص الطبى الخاطئ حتى سيطر المرض على مفاصلهم، وأضعف قدرتهم على الحركة، بل وأفقد شابا مثل محمود فى السابعة والثلاثين عينه اليمنى، يصف محمود ذلك: «هذا الدواء هو الذى يجعلنى أتحرك وأغدو وأروح إلى المسجد، بدونه أتمدد أمام أبنائى دون حركة، ولا يستطيعون معى سبيلا سوى البكاء على حالى». من هنا لجأت «رسالة نور على نور» إلى الإعلان الصادم للفت الأنظار وسط سوق الخير الذى أصبحت تحتكره أسماء كبرى، وبحثا عن تبرعات لهذه الفئة المهمشة. وتأتى مؤسسة الدكتور مجدى يعقوب لأمراض القلب على رأس تلك المؤسسات التى نجحت فى جذب تبرعات كفيلة بالإنفاق الجيد على احتياجاتها، رغم أن حجم الحالات التى يستقبلها المستشفى لا يوازى ما يستقبله مكان حكومى آخر مثل معهد القلب القومى. وتلك الحالة نفسها تتشابه مع مثال آخر بين حالة النجومية التى نالتها مستشفى سرطان الأطفال 57357 فى المقارنة مع معهد الأورام الذى يعالج الشريحة الأكبر من المرضى فى مصر.
وفى مقر مؤسسة الدكتور مجدى يعقوب بمنطقة الزمالك فى القاهرة، تدار التبرعات والحملة الإعلانية التى بدأت قبل ثلاث سنوات. يعمل هناك خمسة عاملين فقط على رأسهم أنيسة حسونة ــ المدير التنفيذى للمؤسسة ــ التى تؤكد أن سمعة جراح القلب العالمى وأسلوب إدارته هما ما أعطيا مصداقية للمشروع، ولا يعود الأمر فقط لنجاح الحملة الإعلانية. وتكمل أنيسة حسونة: «أحب أن أوضح أن عملنا يقوم من الألف إلى الياء على التبرعات، ودونها لن نعمل تماما، لذا فإن المقارنة غير متكافئة تماما مع معهد القلب القومى، إذ إنه أيضا جهة حكومية تتلقى دعم الدولة مباشرة.. وكنا قد أخذنا عهدا على أنفسنا ألا نتنازل عن مستوى الخدمة الحالية للمريض، وألا نكلفه مليما واحدا، وأن نوفر حياة كريمة للطبيب المعالج».
وتعانى المعاهد والمستشفيات الحكومية من ضعف فى الخدمات والموارد رغم تلقيها للتبرعات من المواطنين، لكن تظل اللوائح الحكومية عائقا أمام إدارة حملة إعلانية شبيهة بحملات مستشفى سرطان الأطفال 57357 أو مؤسسة مجدى يعقوب لأمراض القلب.
يستقبل معهد القلب القومى أكثر من 12000 مريض سنويا، كما يجرى 300 عملية (قلب مفتوح) شهريا، ونحو 1000 عملية قسطرة بالقلب، وغيرها من الخدمات الطبية، لكنه يظل بعيدا عن الحالة الإعلانية فى رمضان أو حتى فى بقية شهور السنة، يوضح ذلك الدكتور محمد المراغى ــ نائب عميد معهد القلب القومى: «كانت التبرعات المقدمة إلى المعهد قد وصلت فى رمضان قبل سنوات إلى 5 ملايين جنيه، أما فى هذا العام فقد تدنت إلى مليون جنيه فقط، لقد اتجهت التبرعات إلى المؤسسات الأكثر نجاحا فى الدعاية، نحن نعمل بأموال الحكومة التى لن توفر مستوى الخدمات الفندقية من أموال التبرعات مثل مستشفى مجدى يعقوب، كما ينحصر الإنفاق على المريض ومستلزماته وليس على أجور الأطباء».
هكذا تبدو الانتقادات الموجهة إلى الإعلانات طوال الأسابيع الماضية مجرد انعكاس لواقع يخص المؤسسات والجمعيات نفسها، بين مؤسسات تحوز النسبة الأكبر من الشهرة والتبرعات، وأخرى تحتاج الأموال ولا تجدها بسهولة.

Thursday, August 16, 2012

من الهامش إلى قلب الأحداث سيناء.. أطياف من التدين وواقع لا يتغير

فى الشيخ زويد أهل السنة والجماعة: ليس كل صاحب لحية تكفيريًا
يمر الشيخ هانى محلاب بين المعتكفين فى مسجد التوحيد بمدينة الشيخ زويد، مستقبلا استفساراتهم ومحاولا طمأنتهم بعد حملة اعتقالات داهمت منازل عدد من السلفيين فى المدينة قبل أيام، يبدأ حديثه ساخرا عن الصورة النمطية التى تلاحق السلفيين هنا، فكانت عبارته: «مرحبا بك فى معقل الإرهابيين.. ألا يرانا البعض هكذا؟!». فى جنبات المسجد الذى يعد من أهم مراكز السلفية فى شمال سيناء، يجلس بعض من تعرضوا للاعتقال والمساءلة فى السنوات الماضية قبل الثورة، أما تصنيف رواد المسجد لأنفسهم فهم «جماعة أهل السنة والجماعة»، ويتبعون «مشايخ مثل محمد حسان وأبو إسحق الحوينى»، حسب أحد أفراد الجماعة.
تستغرق المسافة من مسجد التوحيد إلى بوابات المدينة نحو خمس دقائق بالسيارة، حيث الموعد المحدد مع الشيخ حمدين أبوفيصل أحد القيادات السلفية فى شمال سيناء، وهو من تعرض للاعتقال أيضا بعد تفجيرات طابا فى عام 2004 لمدة 18 شهرا، وازداد اهتمامه بعدها بالعلوم الشرعية حتى أصبح مقصدا للمشورة، وعلى اتصال بمشايخ آخرين خارج سيناء.
فى الطريق من مسجد التوحيد إلى منزل القيادى السلفى الشيخ أبو فيصل، اتجهنا بسيارة حمدان أحد الشباب السلفى من أبناء المدينة، ولم يخف حمدان سخريته من التناول الإعلامى للإسلاميين فى سيناء، معلقا: «فى أحد الدروب الجبلية الوعرة اتجهنا إلى منزل أحد كبار المتطرفين الدينيين.. أليس كذلك يكتب بعض الصحفيين؟». يطلق حمدان الجملة الساخرة دون أن يخلو الأمر من مرارة وقلق، هذه المرارة نفسها التى دفعت الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد أن يرفض لقاء بعض الفضائيات خشية «الإفك الإعلامى، وتحريف الأقوال»، على حد قوله.
تقع مدينة الشيخ زويد على مسافة 35 كيلومترا شرق مدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء، من هنا مر أحد مجاهدى الفتوحات الإسلامية فى عهد عمر بن الخطاب ويعتبره المتصوفة من أولياء الله الصالحين ويتبرك به بعض سكان المنطقة. ولم تشفع تلك السيرة الجهادية من أن يتم تخريب ضريحه فى عدة محاولات بعد الثورة، وتتوارد الأقوال حول إن كان الفاعل سلفيا متحمسا أم تكفيريا من خارج المدينة التى يقدر عدد سكانها بما يتبعها من قرى أكثر من 50 ألف نسمة، ويتبنى السلفيون هنا آراء تدين زيارة المقابر والتبرك بها وأنها عقيدة الضلال. وفى منزل بسيط يقتطع مساحة من أرض صحراوية يجلس الشيخ حمدين أبو فيصل أمام جهاز الكمبيوتر الشخصى «اللابتوب» متوجسا من تصاعد الأحداث فى الأيام الماضية، «قبل الثورة كان ضابط أمن الدولة يدخل السوق وينادى على من معه قائلا: (لم التكفير دول). أخشى أن تعود هذه الأيام، وتبدأ حملات اعتقالات عشوائية ضد الإسلاميين، لأن هذا سيصنع أعداء جدد للسلطة، وقد يتحول المعتدل إلى معتدى.. أملى ألا يحدث ذلك». هذه الحالة القلقة بين السلفيين فى المدينة هى حصاد صورة رسمتها الأحداث لمنطقة شمال سيناء على مدى أكثر من عام ونصف مضت منذ ثورة 25 يناير، بعد أن ترددت بكثافة تعبيرات مثل «الإمارة الاسلامية فى سيناء» بين وسائل الإعلام المختلفة، نتيجة العمليات التخريبية المتكررة، ورغم إنكار تنظيمات معروفة بنهجها الجهادى مثل «مجلس شورى المجاهدين» و«جند الإسلام» أى صلة بهجوم رفح المسلح، إلا أن الجميع هنا يؤكد وجود مجموعات تتبنى النهج المسلح، وليس لأحد عليها سلطان، يجمع أفرادها علاقات الجوار والقبلية والفكر الواحد، سواء كان جهاديا أو تكفيريا. فى ظل هذا التشابك المعقد يخشى السلفيون فى المدينة من «أهل الجماعة والسنة» أن يتحولوا إلى كبش فداء أو أن يتعرضوا لاعتقالات واسعة على يد الجهات الأمنية الباحثة عن معلومات جديدة، ليس هذا ما يخشاه «أهل السنة والجماعة» فقط، بل إن بروزهم فى المشهد يجعلهم فى مرمى النيران، خصوصا بعد مشروع مهم لفت أنظار شمال سيناء والمهتمين بالمنطقة، هو «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء»، التى تضم الشيخ حمدين أبو فيصل والشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد، وتعتمد تجربة «اللجنة الشرعية» على فكرة تطبيق القضاء الشرعى كبديل عن القضاء العرفى القبلى فى سيناء.

لسنا بديلا عن الدولة..
على صفحة «اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء» فى شبكة فيسبوك الاجتماعية، بعض الفيديوهات لمجاهدين فى أفغانستان ولأسامة بن لادن، قد لا يكون ذلك دليلا على دعم مباشر من أهل السنة والجماعة لأنشطة جهادية أو تكفيرية، فالتكفيريون لن يقبلوا إمامة شيخ يعمل لدى الحكومة، كما لن يقبلوا موقف أهل السنة والجماعة من تأييد الدكتور محمد مرسى منذ فترة الانتخابات حتى الآن، ولن يهتموا بمشروع مثل اللجنة الشرعية لفض المنازعات بشمال سيناء، لكن هل تمثل هذه اللجنة الشرعية منازعة للدولة فى سلطانها؟ أو هى بمثابة تكوين نخبة سلفية تدير المجتمع، تمهيدا لشريحة أخرى تستخدم السلاح فى إقصاء الدولة تماما ؟ يعتدل الشيخ حمدين أبو فيصل فى جلسته دون أن يخفى ضيقه بالسؤال، مجيبا بلهجة بدوية ممزوجة بالفصحى: «لسنا بديلا عن الدولة، لكن يجب أن نفهم طبيعة المجتمع هنا، لقد كان هناك قضاء عرفى لا يستند إلى أحكام شرعية واضحة، وهناك ملتزمون دينيا يريدون بديلا أكثر انضباطا، فاتخذنا هذا الطريق، وذلك فى الوقت الذى انهارت فيه أجهزة الدولة بعد الثورة مباشرة.. نحن لا ننازع الدولة، هذه فى النهاية مبادرات».
يأتى هذا الحديث بعد أيام من عودة قسم شرطة الشيخ زويد إلى العمل للمرة الأولى منذ يناير 2011 الماضى. يدرك أبو فيصل تماما أن البعض يعتبره متطرفا رغم أنه لا يعتبر نفسه كذلك موضحا وجهة نظره: «أنا متطرف بالنسبة لشريحة من الإسلاميين، أو هكذا يروننى، لكنى فى الوقت نفسه معتدل بالنسبة لإسلاميين آخرين».
وفى مجتمع تحكمه القبلية مع الصعود الإسلامى فى هذه الناحية من سيناء تدور أفكار وهواجس عن فئات أخرى أهم من الجماعات الجهادية أو التكفيرية، وتحديدا فى ذلك الحضور القديم لأمن الدولة وحلفاء الحزب الوطنى المنحل وتجار السلاح والمخدرات، فالقلق الدائم لدى السلفيين هنا هو أن يكون تصدرهم المشهد سببا فى صدام مع قوى قديمة. وسط هذا الزحام، لا بد للفرد أن يستند إلى تجمع واضح بين قبيلة أو جماعة.. أو كليهما، وهو ما يدفع البعض إلى التقليل من شأن الجماعات المسلحة ويرونها مجموعات صغيرة لكن صخبها عال وضررها أعلى.
قبل توديع الشيخ أبو فيصل والعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى يشرح الشيخ بعض مواقفه مع رجال الأمن وكيف قدم إليهم بعض التوصيات التى كان من ضمنها أنه رأى عدم عودة الشرطة إلى المدينة قبل عدة أشهر، إذ رأى بحكم تواجده فى المجتمع انتشارا للسلاح وموجات من العنف بين الأفراد والقبائل فى شمال سيناء أغلبها بعيد عن التطرف الدينى، «لقد استحسنت القيادات رأيى فيما بعد، وأدركوا إخلاصى فى رأيى حول تلك المسألة»، حسبما ينقل الشيخ أبو فيصل. أما فى طريق العودة فقد أصبح مشهد العربات المجنزرة وسيارات الشرطة والجيش وصوت الرصاص أمرا مألوفا فى الشيخ زويد كحال بقية بقاع أخرى فى سيناء. لم يعد أحد يتوقع مفاجآت جديدة، إذ أصبحت هناك ألفة مع التفجيرات المتكررة وأصوات إطلاق النار، وهو ما دفع شيخا مثل هانى محلاب أن يصدر فتوى قبل عدة أشهر بتحريم « إطلاق النار لأنه يؤدى إلى ترويع الآمنين وقتل النفس على جهة الخطأ».

«أبو عبيدة» لتنمية المجتمع
بالعودة إلى مسجد التوحيد مرة أخرى كان هناك لقاء آخر فى جمعية أبو عبيدة بن الجراح لتنمية المجتمع المحلى المجاورة، حيث جلسة كبيرة بعد صلاة العصر، تضم أكثر من عشرين فردا من «أهل السنة والجماعة» انضم إليهم بعض رواد المسجد، ودار سؤال فى بداية الجلسة أخذ يطوف على الحاضرين: من يقوم بهذه الهجمات؟ ولماذا يربط البعض حتى فى العريش المجاورة بين أهل الجماعة والسنة وعمليات التفجير المتكررة ؟ القصة قديمة حين أثيرت الأسئلة نفسها فى نهاية يوليو من العام الماضى، وقتها أقيمت فى ميدان التحرير ما عرف بجمعة تطبيق الشريعة، أما فى شمال سيناء فقد خرجت مسيرة باتجاه مدينة العريش مطالبة بتطبيق الشريعة، أعقبتها اعتداءات على قسم للشرطة بمدينة العريش، وعلى تمثال الرئيس أنور السادات فى ميدان الحرية وسط مدينة العريش. وفى نفس اليوم وقع اعتداء على خط لأنابيب الغاز فى سيناء، وحتى اليوم تظهر فيديوهات هذه المسيرة حين يأتى ذكر الإرهاب فى سيناء، يرد الشيخ هانى محلاب إمام مسجد التوحيد: «كنت هناك وقتها، وجاءتنا مكالمة من ضابط فى جهة أمنية رفيعة يخبرنا عن تلك الاعتداءات على قسم الشرطة، واتصل وقتها حتى نأخذ حذرنا من بعض المتهورين، لكن أخذنا الإعلام والعامة بذنب هؤلاء، رغم أن من قام بها هم مجموعة من المغامرين غير المحسوبين علينا».
«من يقوم بهذه العمليات ليسوا أشباحا خفية، فهم معروفون للأمن جيدا»... تتكرر الجملة على ألسنة السلفيين وغيرهم بحكم تشابك العلاقات القبلية وما تفرضه تجارة الأنفاق من تبادل معلومات، لكن لا توجه الاتهامات إلى أشخاص محددين، ومع اتساع نطاق «عملية النسر» الأمنية للقضاء على المسلحين فى سيناء، يتخذ البعض نبرة الاستبشار بإنهاء الموقف، مع خشية الاستجواب أو الاعتقال القسرى مثلما كان يتم قبل الثورة. يقطع الحديث الشيخ هانى محلاب إمام الأوقاف ذى النهج السلفى، مؤكدا: «نحن ندين اعتداءات رفح وما تبعها من اعتداءات تهدد الآمنين، لكننا أيضا ندين اعتقال أتباعنا ومن نعلم أنه بعيد عن الارهاب».
قبل إفطار المغرب بوقت قليل تبدو مدينة الشيخ زويد كمدينة يختلط فيها هدوء الصائم وجمود المذهول مما حوله من أحداث، فى طريق العودة إلى العريش تلتقى مرة أخرى فى طريقك بعض السلفيين الذين كانوا قبل دقائق فقط فى مسجد التوحيد، فى الطريق إلى منازلهم، وهم على حذر من المستقبل.
حزب النور.. ساعة للسياسة وساعة للاعتكاف

يتقدم من بين المعتكفين داخل مسجد عمر بن الخطاب فى مدينة العريش شاب ملتح ذو جلباب أبيض، بادئا حديثه: «دعنا نتفق على أن التيار الاسلامى ذو أطياف متعددة، بين تميع وتشدد، بين إسلامى يصافح النساء ويسمع الأغانى، وآخر منعزل عن المجتمع ويكفر من حوله، نحن أبناء الدعوة السلفية وحزب النور نحسب أنفسنا وسطا بين ذلك وذاك». الحديث لضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء، الذى انضم إلى اعتكاف قيادات حزب النور بالمحافظة، حيث يوزعون أوقاتهم بين العبادة وشئون السياسة.
لا يبدو المشهد مختلفا عن مساجد سلفية أخرى فى المحافظات المصرية، إلا أن صعود حزب النور التابع فكريا لمدرسة «الدعوة السلفية بالإسكندرية» يحمل قصة ذات مذاق مختلف، فليست مفارقة غريبة أن يكون تاريخ تأسيس صفحة «الدعوة السلفية بسيناء» على شبكة فيسبوك الاجتماعية هو نفسه تاريخ تنحى الرئيس السابق مبارك 11 فبراير 2011، إذ كانت الثورة بداية رفع التضييق عليهم. «قبل الثورة أبلغت قيادات أمن الدولة عن أن سيناء فى مأزق، وطلبت منهم أن يتركوا لى فرصة الدعوة فى الأماكن النائية التى يزهد الناس فى الاهتمام بأهلها، لكنهم كانوا يمنعوننا من التحرك شبرا واحدا خارج العريش»، هكذا يعرض شاب آخر من قيادات حزب النور تطور الوصول السلفى إلى السياسة، هو مصطفى عبدالرحمن أمين الحزب بشمال سيناء.
سريعا، ينتقل الحديث إلى الطابق الثانى من المسجد حتى لا ينزعج بقية المعتكفين، وينضم إلى الجلسة قيادات حزب النور الواحد تلو الآخر، بعضهم من ذوى الأصول العريشية، وآخرون من ذوى الأصول العربية القبلية، إلى جانب من تعود أصولهم إلى محافظات وادى النيل. بدأ النقاش بسؤال طاف على جميع الحاضرين عما إذا كان وصول السلفيين إلى السياسة قد مهد الطريق إلى تيارات أخرى أكثر تشددا تحاول هى أيضا أخذ نصيبها من السلطة؟ «وجود الإسلاميين فى السياسة هو صمام أمان حتى لا تختطف السلطة من جماعات متطرفة أو من رجال النظام القديم فى سيناء». هذه الإجابة التى طرحها ضياء مصطفى المتحدث باسم الحزب فى شمال سيناء تلقى قبولا لدى الجميع، لكنها لا تكشف عن المسافة بين أنماط السلفية الكبرى الموجودة فى المحافظة، فبعيدا عن القطيعة التى يعلنها أتباع حزب النور والدعوة السلفية مع النمط الجهادى إذا ما ارتكبت باسمه أعمال تخريبية، إلا أن مساحة العلاقات بين الدين والسياسة تجعله فى طرف آخر من المعادلة السياسية بشكل عام إذا ما قورن بتيارات أخرى ليبرالية أو اشتراكية، لكن غياب مثل تلك التيارات على أرض الواقع فى سيناء ينتج عنه أن يكون حزب النور وسطا بين جهادى وإخوانى، فى حين يكون الإخوانى وسطا بين سلفى وليبرالى فى محافظات أخرى، وخصوصا فى العاصمة، تلك الملامح قد ظهرت فى نتائج الانتخابات الرئاسية بشكل واضح.. إذ دائما ما كان يلاحق محمد مرسى فى شمال سيناء أحد ممثلى فترة ما قبل الثورة، مثلا تقدم عمرو موسى إلى المركز الثانى من المرحلة الأولى للانتخابات الرئاسية حاصدا آلاف الأصوات، وفى انتخابات الإعادة كانت نسبة ثلث الأصوات تقريبا من نصيب أحمد شفيق، وهذا ما يطرح سؤالا عن هل لا يمثل القوى السياسية المدنية سوى رموز فترة ما قبل الثورة؟ «لا تقلق القوى السياسية فى سيناء من منافس سوى رجال النظام القديم والحزب الوطنى»، هذا ما تردد على ألسنة عدد من الإسلاميين فى مدينة العريش. ويطرح مصطفى عبدالرحمن أمين حزب النور بشمال سيناء تحليلا آخر: «للأسف.. فالواقع الحالى لم يختلف كثيرا عن الماضى، إذ ما زال التهميش يحيط بأهالى سيناء، وهو ما انعكس على غياب روافد فكرية أخرى منافسة». على هذه الأرضية يمارس حزب النور السياسة فى بيئة قد تختلف قليلا عن بقية المحافظات، وفى أثناء الحديث ينضم إلى الجلسة كمال الأهتم من قيادات حزب النور فى شمال سيناء، وهو ضابط شرطة سابق استقال فى العام 2007 بعد اعتكاف مع الشيخ حازم شومان، وأنهى خدمته فى 2009. بدأ حديثه بأن لا فصل بين الدين والسياسة، فأسس اختيار القيادات قائمة على منهج الدعوة السلفية، ويشرح موضحا: «هناك منهج وتربية للفرد وهو ما يمنع أن يقع أحدنا على سبيل المثال فى بئر التطرف المسلح، وذلك رغم انتشار السلاح من حولنا بشكل بالغ». هذا الواقع لا ينفى تعددية من نوع آخر بدت ملامحها داخل المسجد، وفى هذا الجلسة نفسها نجد ذى الأصول العربية القبلية يرتدى القميص والبنطلون، والذى تنتمى أصوله إلى أهل وادى النيل يرتدى زيا عربيا، بل قد لا يعبر الزى نفسه عن هوية دينية، «ليس كل نقاب أو جلباب هو سلفية أو تدينا»، حسبما يقول أمين الحزب. فى الدور السفلى حيث ساحة المسجد، أكثرية من الملتحين إلى جانب ذوى المظهر العربى البدوى التقليدى، لا تبدو الاختلافات قوية، أما المشهد فى منطقة وسط المدينة «البلد»، فيحمل شكلا آخر من التعددية، اللهجات الصعيدية والبدوية والفلسطينية، إلى جانب لهجة العريش، وتقل تلك أجواء التعددية على أطراف المدينة، وتكاد تتلاشى فى بقية مدن شمال سيناء الأخرى.
صناعة الحياة فى زمن الرصاص
فى أرض صحراوية تتخللها زروع خفيفة داخل مدينة العريش، جلس شباب متطوعون فى سن صغيرة يعبئون حقائب بلاستيكية بالأرز والمكرونة والسكر وغيرها من المواد الغذائية، «هؤلاء فى المرحلة الثانوية، ورغم الاعتداءات المتكررة داخل العريش وخارجها، والعمليات العسكرية بين قوات الأمن والمسلحين إلا أن قرارنا واحد، وهو أن تصل حقائب الخير إلى المدن والقرى المجاورة». يشرح جهاد سليمان (23 سنة) الضغوط التى يتعرض لها فريق «صناع الحياة» فى شمال سيناء، أثناء تنسيقه إرسال الحقائب الرمضانية إلى زملائه كى يوزعوها فى (بير العبد، الشيخ زويد، رفح). هذه الحالة الطارئة لا يراها جهاد كذلك، بل يرى أن «الموقف دائما فى صعوبة داخل سيناء».
عمل جهاد بعد تخرجه مباشرة مدرسا للحاسب الآلى فى مدرسة «بئر معين» ناحية وسط سيناء، حيث يهرب الكثيرون من العمل فى قرى وسط الصحراء، وفى هذه المناطق لمس حالة التهميش مقارنة بالوضع فى مدينته العريش، فلجأ إلى أعمال تطوعية مع زملاء له، يتذكر منها زيارتهم إلى مدرسة «المغارة» فى وسط سيناء، التى لا تبعد كثيرا عن جبل «الحلال» الشهير بأنه مأوى المسلحين، يقول عن ذلك: «قمنا بطلاء المدرسة وتركيب شبابيك جديدة، وأذكر الموقف حين تاه أحد أصدقائنا، وفقدنا الاتصال بسبب غياب شبكات المحمول، فأتى به أحد البدو من سكان المغارة، هذه الأجواء الصعبة لم تنعكس بشدة على الأهالى، إذ أنهم رحبوا بمبادرتنا، وكلهم أمل فى التواصل مع العالم». فى تلك الزيارة التى يتحدث عنها جهاد كان قد توجه إلى أهل القرية الصحراوية مرتديا «تيشيرتات» عليها صور شهداء 25 يناير، «كانت رسالة واضحة إليهم أن يندمجوا مع المتطوعين دون أن يكون هناك أى غرض دعائى أو سياسى».
بحكم تلك الأنشطة الموزعة بين مدن وقرى شمال ووسط سيناء تتعدد المخاطر، «الجميع الآن يتحدث عن التكفيريين والمتطرفين المسلحين، ونسوا الواقع خارج مدن سيناء، بل وداخل بعض الأجزاء فى مدينة كبيرة مثل العريش، ستجد قصة مكررة فى كثير من القرى الصحراوية، لإمام جامع معادى للدولة، يخطب فى الناس بقوة أنصاره، ولا يذهب إلى تلك البقاع أحد من الدولة أو حتى متطوعا، ومثل هذا الإمام هو محسوب على قبيلة، ما يجعل الأمور أكثر تعقيدا». مثل تلك النوعية من الحالات رغم عدم شيوعها تثير قلق من يعمل فى مجال التطوع. أما عن مجموعة صناع الحياة فى شمال سيناء التى يقدر عدد أعضائها بخمسين متطوعا، فحتى اليوم لم يحصلوا على مقر ثابت منذ أن بدأوا نشاطهم فى 2004 بعد طرح الفكرة بواسطة الداعية عمرو خالد، وتصدت لها إلهام أبو حية من مدينة العريش. وعلى مدى تلك السنوات ظلت هذه المجموعة المتجددة من الشباب المتطوع، تمر على جمعيات أخرى وداخل معاهدهم وكلياتهم، وأحيانا ما اختطف الحزب الوطنى مجهوداتهم ونسبها إلى نفسه، تعلق الهام أبو حية: «بعض الجمعيات اجتذبت الشباب بالمقابل المالى، وهى فكرة غربية لا تتواءم مع موروثنا الاسلامى، ولا أخلاقنا العربية التى تحض على البذل والكرم، أنا أتحدث عن تجارة مع الله». هذه المواقف يضاف عليها بعض العوامل الثقافية التقليدية، مثل مشاركة الفتيات فى العمل التطوعى، وتوضح ذلك قائلة: «حين أردنا أن ندعم حملة (إوعى) المناهضة للإدمان شتتنا الأحداث المتتالية من التفجيرات، وأعلنت لزملائى خارج العريش أننا فى شمال سيناء نواجه ظروفا صعبة تمنعنى من المغامرة بالفتيات فى أى عمل تطوعى.. لقد أصبح الوضع يذكرنى بغزة التى اعتاد أهلها صوت إطلاق النار». تنتمى إلهام أبو حية إلى أصول فلسطينية، ما جعلها ترى جانبا سيئا من الأحداث الأخيرة حين تعرض بعض الفلسطينيين المقيمين فى العريش إلى التضييق وجرى اتهامهم بأنهم وراء أعمال التخريب المتتالية فى سيناء.
تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو الهام في عملهم الميداني، يروي جهاد أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا له: "كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة .."، يعلق جهاد الذي ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه : "هذه الأنماط المتشددة موجودة في كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا في سيناء هي المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة، وضعف المبادرات التطوعية".
**
من أقوال العابرين
● أنا آخذ الأجرة مضاعفة من الفلسطينيين مقارنة بالمصريين، فأنا لا أحب التعامل معهم
(سائق أجرة أمام منفذ رفح البرى)
● الفرق بين القاهرة وما يحدث هنا فى شمال سيناء من اشتباكات وعمليات مسلحة، هى أن هناك من كانوا مشاركين فى أحداث ومواجهات عند ميدان التحرير ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية، أما هنا فى شمال سيناء فمساحة الاعتراض والاشتباك محدودة، ولا يمارسها سوى الإرهابيين والجماعات المسلحة.
(شاب من مدينة العريش فى وسط المدينة)

● لا أرى شيئا جديدا، اشتباكات، ومحاولات تطهير شمال سيناء، لكن لا أحد يبحث فى الأسباب.
(شاب من العريش ذو أصول بدوية)

● «لماذا يعتبر البعض تجارة الأنفاق أمرا غير مشروع؟ لقد كانت تتم فى أجواء علنية ونظام معروف.. ليست كل الأنفاق لتجارة المسروقات وتهريب اللاجئين».
(شاب سلفى عمل فى تجارة الأنفاق)
**
هاجس التجربة البورسعيدية يخترق الأذهان

«أنا أخشى أن ترتبط سيناء فى أذهان المصريين بأنها المكان الذى قتل فيه جنودنا فى رمضان»، هذه العبارة يقولها حسن شعبان الذى يعمل فى إدارة موقف العريش، إذ لاحظ منذ الليالى الأولى لاعتداءات رفح والعريش وقوع اعتداءات على سيارات تعمل على خط العريش إلى المحافظات، وإن لم تكن اعتداءات عنيفة فقد واجه بعض السائقين نظرات الازدراء خارج سيناء، رغم أن هذه الحالة من العداء قد خفت مع مرور الوقت. يخشى حسن شعبان الذى يعمل فى موقف أجرة العريش منذ 30 سنة من أن تواجه المدينة ما واجهته بورسعيد، بعد حادث مقتل لاعبى النادى الأهلى فى ستاد المدينة: «نحن هنا نرتبط بمصالح وعلاقات مع جميع المحافظات، ولا أحد يريد أن تتغير صورته أو أن يرتبط فى الأذهان باعتداءات أو بالإرهاب». ذلك ما يتمناه حسن شعبان، أما عن الخطاب السائد فى شوارع المدينة، فهو أن إسرائيل هى من وراء هذا الحادث، وأنه من المستحيل أن يعادى أحد الجيش المصرى. هذه الحالة من الإنكار لا تستسلم أمام ما تسفر عنه العمليات من نتائج تثبت صلات أفراد من الداخل بالحوادث المتكررة فى شمال سيناء. أما الفئة التى تعرضت هى الأخرى للوصم هنا، فهم الفلسطينيون المقيمون فى العريش، وخصوصا بعد إغلاق معبر رفح البرى، إذ أسند بعض العامة التهمة إلى جماعات فلسطينية مسلحة، وهو ما أثار نقاشات حادة ضد الفلسطينيين. ورغم هذه النبرة المتداولة والتى بدأت فى الزوال تدريجيا من مدينة العريش، فإن الحياة تبدو طبيعية فى أغلب الأوقات، حتى داخل أجزاء المدينة شهد اشتباكات بين قوات الأمن والمجموعات المسلحة. يجلس الحاج حسن شعبان نفسه فى كافيه شهير على البحر ومن حوله أجواء ترفيهية على الشاطئ ليلا، وصبية يركبون الخيل محدثين ضجة من حوله. أما فى مكان عمله الذى يبعد بمسافة طويلة عن هنا، فيدير موقف السيارات وعلاقات السائقين بشكل مختلف عن كثير من مواقف السيارات فى المحافظات الأخرى، «هنا ما زالت للعائلة والقبيلة سلطة على أفرادها، فكل من يعصى له كبير نعود إليه». ينتمى إلى أصول عريشية من المدينة، لكن الحديث عن سطوة العائلة على أفرادها، جلب معه حديثا آخر عن الجانب السيئ حين يتحول الأمر إلى نزاعات بين العائلات، «أصبح السلاح فى يد الجميع، ويطوفون به فى الشوارع، هذا ما زاد من حس التمرد والعنف، لقد أصبحت جلسات الصلح أمرا مألوفا، وأتمنى أن تكون المرحلة التالية للحرب على الإرهاب هى ضبط العلاقات بين الناس، بدلا من يدير الناس علاقاتهم بأنفسهم».
**
عاصمة شمال سيناء
تمتد أصول مدينة العريش إلى العهد المصرى القديم حين اتخذت موقعا على طريق حورس الذى اتخذه الجيش المصرى قبل آلاف السنين طريقا فى تحركاته داخل تلك الناحية من مصر، واستمر هذا الموقع المميز ضاغطا على المدينة فى أن تتلقى الصدمات والغزوات القادمة من الشرق أو من الشمال، لذا تعد قلعة العريش من أهم آثار المدينة، أما بقايا طريق القطار القديم الذى كان يعبر سيناء فما تزال بعض الملامح موجودة فى لافتات كانت فى يوم من الأيام مستخدمة كلافتة فى محطة قطار. ويقدر سكان المدينة بما تضمه من قرى مجاورة نحو 160 ألف نسمة (عام 2011)، وتعود أصول أهل العريش إلى ثلاثة روافد، الأول هو هجرة أبناء القبائل العربية التى استوطنت سيناء وتواجدت داخل المدينة، أما الرافد الثانى فهم أبناء المدينة الذين تشكلوا على مدى العصور من هجرات مختلفة فلسطينية وشامية وغيرها، كذلك فقد شهدت العريش فى الفترة العثمانية هجرات من البلقان والأرنؤوط، أما الرافد الأخير فهو ما ازداد بعد تحرير سيناء من هجرات قادمة من وادى النيل.
جبل الحلال.. الخير حين يحتوى الشر
 
يقلل عدد من أبناء قبائل شمال سيناء من شأن الاهتمام الزائد «بجبل الحلال»، وتصويره على أنه أرض الشرور فى سيناء وأن القضاء على ساكنيه سيوفر الأمن والأمان. «إن لم يتم القضاء على الأسباب المؤدية إلى الهروب إلى الجبل، سيظل جبل الحلال عامرا بالهاربين إلى يوم الدين»، هذا ما أكده أحد المتواصلين مع سكان الجبل. تبدأ أسطورة جبل «الحلال» مع بدايات الألفية الثانية بعد أن انتشرت فى سيناء أنواع جديدة من الجرائم، مثل تهريب الأجانب إلى إسرائيل، وازدياد مساحة الاشتباك بين أبناء القبائل والشرطة وتوالى العمليات الإرهابية والتفجيرات. تحول هذا المكان إلى ملجأ للفارين من الأحكام والهاربين من الاعتقالات، وكانت البداية القوية مع تفجيرات طابا ونويبع فى 2004، إذ جرت وقتها حملة أمنية واسعة تعرض فيها الآلاف من أبناء سيناء إلى الاعتقال، قدرتهم المصادر الحقوقية ب3000 مواطن، وتعرضت شريحة منهم للاعتقال التعسفى والتعذيب على يد الشرطة، ولجأ بعض الفارين منهم إلى الجبل.. وهناك تدير «القبلية» الموقف فى أغلب الأوقات، ويتحول ذلك التجمع فى جبل «الحلال» إلى جماعة ضاغطة تظهر نفوذها فى بعض المواقف. ويقدر بعض خبراء الأمن وجود آلاف المسلحين فى الجبل، بينما يؤكد عدد من أبناء القبائل العربية المحيطة أن العدد يحمل الكثير من المبالغة. هذا التقليل من شأن جبل «الحلال» ودوره فى احتواء الجماعات المسلحة على اختلاف انتماءاتها، يناقضه تلك السمعة التى حظى بها بين المنتديات الداعمة للجهاديين على الإنترنت، إذ يلفت نظر الزائر لشبكة «أنصار المجاهدين» موضوعا تحت عنوان: «اللهم احفظ مجاهدى جبل الحلال»، وبعدها يتلقى ردودا متفاعلة، أحدها تظهر فيه النبرة التكفيرية بجدارة، ويقول أحدهم معلقا على هجمات الجيش على الجبل: (لعنة الله على هذا الجيش المجرم المرتد). ما يعبر عن مكانة عظيمة لهذا الجبل فى نفوس المتمردين والتكفيريين، خصوصا مع إخفاق السلطات خلال السنوات السابقة فى تطهير هذا الجبل من الجماعات المسلحة، إذ وصل التقدم بهذه الجماعات أن زرعت ألغاما أرضية لمنع تقدم قوات العمليات الخاصة داخل جبل الحلال فى العام 2005 على خلفية تفجيرات شرم الشيخ. حين تحول جبل «الحلال» إلى رمز الإجرام والعنف، أخفى ذلك العديد من الجوانب الإيجابية فى سيرته، على رأسها كم المعادن والثروات الموجودة فى هذه المنطقة، مثل الرمال البيضاء المستخدمة فى صناعة الزجاج والسيراميك والأسمنت الأبيض، وكذلك بعض الخامات الأساسية الأخرى منها الزلط والحجر الجيرى. ويقع جبل «الحلال» على بعد نحو 60 كلم جنوب العريش باتجاه وسط سيناء، حيث تضعف القبضة الأمنية ووتغيب الأنشطة المهمة التى تجتذب الهجرات إليها على عكس منطقتى شمال وجنوب سيناء، وقد اقترح عدد من مشايخ القبائل والقيادات المحلية فى هذه المنطقة أن تقام محافظة لوسط سيناء، كى يتوافر لها النهوض واستغلال ما بها من موارد، وعلى رأسها سياحة الجبال والطبيعة، إذ مازال عالقا فى أذهان بعض أهالى سيناء ذكريات عن جبل «الحلال» قبل تحويله إلى فندق للهاربين، أحد هؤلاء كان الشاعر السيناوى أشرف العنانى الذى سجل فى مدونته على الإنترنت وصفا لهذا الجبل وكيف كان مساحة للتأمل ومغازلة الطبيعة، يقول عن ذلك: «هذا المكان الذى يظنه البعض موحشا فى حين أنه على الأقل بالنسبة لمن يعرفونه جيدا هو قطعة من جنان الصحارى، نعم قاسية دروبه ولكن ليس على من أحبه، نعم وعرة مسالكه، ولكن ليس على من تنفس هواءه بلا تذمر، وشرب سكونه الفادح دون خوف». ويستطرد أن ذلك كان فى سنوات مضت قبل أن يكتسب المكان سمعته الحالية، ثم تلاشت سيرته المحببة إلى سكان تلك الناحية، كما فقد البعض أملهم بعد التأكد من أوهام ما كان يتداول إعلاميا عن تعمير وسط سيناء، ويختم أشرف العنانى قائلا: «هذا هو جبل (الحلال) الذى أعرفه ويعرفه أبناؤه كمرادف الخير، الربيع، جنان الصحارى، لكن المفارقة أن تتحول هذه الجنان إلى جحيم! أن يرتبط اسم جبل الحلال بالعنف والقتل والمطاردة». تلك المواقف المربكة أحيانا ما تواجه شبابا مثل جهاد أو إلهام فى عملهم الميدانى، يروى جهاد مثلا أنه أثناء توزيعه لحقائب رمضان التقاه أحدهم قائلا: «كيف تلقبون أنفسكم بصناع الحياة ؟ الله وحده هو صانع الحياة..»، يعلق جهاد الذى ترك إعداد الحقائب الرمضانية قليلا ماسحا عرقه: «هذه الأنماط المتشددة موجودة فى كل محافظات مصر، لكن المشكلة هنا فى سيناء هى المساحات الواسعة، والتهميش الشديد من الدولة وضعف المبادرات التطوعية».

Saturday, August 11, 2012

الإتيكيت الإسلامى.. فن الذوق وإرضاء الرب

حين ألقت المهندسة إيمان مجدى أول ورشة تدريبية لها قبل عامين، اختارت أن يكون موضوعها عن «الاتيكيت الإسلامى»، وهى تصف ذلك قائلة : «كانت تشغلنى الاتهامات الموجهة إلى الملتزمين دينيا، عن أن بعضهم يفتقد اللباقة واللياقة، فاستخدمت ما لدى من خبرة فى العلوم الشرعية، ووجدت ضالتى فى أن أقدم تدريبا عن فن الذوق والإتيكيت حسب تعاليم الإسلام، فى شكل تدريب دون وعظ». تعمل إيمان مجدى مهندسة معمارية منذ سنوات، وقبل عامين، بدأت العمل مع فريق (أنوار رسالة-المهندسين)، وهو فريق ذو صلة بجمعية رسالة الخيرية، وهدفه تقديم ورش تدريبية للشباب من الجنسين فى مجالات متعددة. وترى إيمان مجدى أن «الإتيكيت ليس بعيدا عن الدين، فكثيرا من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية توضح كيفية التعامل فى كل الحركات والسكنات». بعض هذه النصوص استخدمتها فى ورشتها التدريبية عن الإتيكيت الإسلامى، منها نصوص تتعرض تفصيلا لضوابط الأكل والشرب والضيافة وغيرها من الممارسات اليومية، وتضرب مثالا بكتاب «الأدب المفرد» الذى جمع فيه الإمام البخارى ما يخص الآداب الإسلامية من أحاديث نبوية تشكل نمط حياة الفرد المؤمن، كدليل على اهتمام علماء المسلمين قديما بهذا المجال.
خاضت إيمان مجدى تجربة الدعوة الدينية، والتدريس فى المساجد، حتى انضمت قبل عامين، إلى فريق أنوار رسالة، الذى ساعدها على أن تحصل على دورة تدريبية فى كيفية إعداد المدربين (TOT)، قبل أن تبدأ خطوتها الأولى. وبعيدا عن تجربتها فقد أصبح «الإتيكيت الإسلامى» ضيفا على مراكز تدريبية أخرى تقدمه فى شكل ورش تدريبية، خاصة مع الطلبة الصغار الذين لا يتوافر لديهم التعرف الكافى على الدين الإسلامى، بسبب نمط دراستهم فى مدارس دولية. ورغم ارتباط كلمتى الإتيكيت والبروتوكول فى الأذهان بعالم كبار الساسة والدبلوماسيين، إلا أن هناك تعريفات أكثر شمولا من ذلك.. «نستطيع أن نوجز الإتيكيت فى أنه علاقة الإنسان بنفسه عن طريق حركات الجسد، أما البروتوكول فهو علاقة الإنسان بالآخرين .. وهنا يجب التأكيد أن الإتيكيت علم سلوكى وليس كما يتصور البعض مجرد عرض طرق الأكل بالشوكة والسكين»، هذا التعريف يقدمه الدكتور رفعت الضبع، أستاذ الإعلام وخبير البروتوكول الدولى، الذى أمضى قرابة 20 سنة فى تدريب قيادات بأجهزة الدولة المختلفة على البروتوكول، وكذلك فى تدريب البعثات الدبلوماسية المقيمة فى مصر على البروتوكول والإتيكيت فى البلدان العربية، ومؤخرا اتجه اهتمامه إلى دراسة العلاقة بين الدين والإتيكيت وأصدر كتابا بعنوان «الإتيكيت وفقا للأديان السماوية»، ويشرح سبب ذلك: «كنت أبحث عن أصل تلك القواعد والضوابط التى تلجأ إليها الشعوب فى مواقف معينة، وكان الدين هو أهم تلك المصادر، أما الأهم فهو أن اتباع هذا الإتيكيت وما تمليه القواعد الدينية، يرفع معنويات الإنسان المؤمن ويرضيه عن علاقته بربه، وعن نفسى أطمح أن يؤثر هذا الاتجاه فى مجتمعنا الذى أصبح يفتقد فن الذوق وتطبيق ما جاءت به الأديان من سلوكيات حميدة». يرفض الدكتور رفعت الضبع ممارسة التدريب على الإتيكيت إلا بواسطة خبراء، واضعا شروطا صارمة فى هذا المجال، منها: «العمل فى التخصص أكثر من 20 سنة أو الدراسة الأكاديمية بكليات متخصصة وأغلبها فى خارج الوطن العربى». كذلك يتحفظ الدكتور رفعت الضبع على أن يكون المدرب حاصلا فقط على دورة إعداد مدربين حتى يدرب على الإتيكيت قائلا: «بعد 20 سنة من التدريب، ما زلت أحضر الورش التدريبية فى الخارج كمتدرب، كى أستفيد من كل جديد». وعلى الجانب الآخر تسعى إيمان مجدى وغيرها من المدربين إلى نشر هدفهم وهذا النوع من المعرفة عبر ما يقدمونه من ورش على أمل التغيير فى المجتمع. كيف تنتشر المعرفة حول الاتيكيت الإسلامى ؟ هل نموذج المدربين مثل إيمان مجدى وفريق «أنوار رسالة» هو الحل ؟ تعلق إيمان قائلة : «أعد الآن مع فريق (أنوار رسالة) لمشروع بعنوان (سبيلى)، هدفه إعداد دعاة ومدرسين على العديد من المهارات، وفى هذه الحالة ستكون ورشة مثل الاتيكيت الإسلامى التى تعيد كل تحركاتنا إلى أصل دينى أمر يمكن أن يستخدمه الداعية الشاب فى عمله، وكذلك المعلمين فى مدارسهم، والأهم هو طريقة تدريبهم التى تختلف عن التلقين التقليدى، على أمل أن نسهم فى تطوير الخطاب الدينى فى المجتمع».
يعمل فريق «أنوار رسالة» فى منظومة أكبر تضم ورشا تدريبية أخرى مهتمة بالأخلاق، حسبما تشرح ماهيتاب محمد مسئولة الورش التدريبية، قائلة: «هناك على سبيل المثال مشروع ثورة الأخلاق الذى بدأناه قبل 3 سنوات، وساهم فيه الشباب المتطوع بالتوعية عن أهمية الالتزام الأخلاقى فى المعاملات داخل مواقف الميكروباصات، وكانت هناك حملة فى بداية الثورة هدفها الحفاظ على أخلاقيات ميدان التحرير». أما الدكتور رفعت الضبع فيرى أن نشر الاتيكيت بين المواطنين، يجب أن يتم عن طريق الكتب والتوعية الإعلامية، وكذلك أن تعد الدولة كوادر فى وزارات الأوقاف والتعليم لنقل تلك المعرفة إلى المواطنين، بل ويجب تدريس الاتيكيت الإسلامى للطلبة فى المدارس، يكمل: «من ضمن ما أطمح إليه أن أنجح فى تأسيس شعبة لدراسة الاتيكيت والبروتوكول فى إحدى الجامعات الخاصة، لأننا فى حاجة إلى متخصصين، خاصة أن الجامعات فى الخارج هى من يحتكر هذا النوع من العلوم».

Tuesday, July 31, 2012

فوق المنبر.. إمام و خطيب



كتب – عبد الرحمن مصطفى

ما زال الشيخ الشاب يتذكر أول خطبة ألقاها بشكل احترافي في القاهرة، كانت في نفس المسجد الصغير الذي مازال يخطب فيه حتى الآن بشارع بستان الجيش في حي العباسية، "تصادف أن كانت أول خطبة لي في جمعة الرحيل 11-2 -2011 ، لذا لم يكن غريبا أن يكون موضوعها عن الظلم، وعاقبة الظالمين"، يتذكر الشيخ علاء أمين (22 سنة) الطالب بكلية الدعوة الإسلامية في جامعة الأزهر، هذا اليوم الذي اختار فيه أن يقيم في هذا المسجد أسفل إحدى العمارات، حيث سكن مناسب، وتدريب مبكر على مهنة المستقبل، يشرح ذلك : "إذا قمت بزيارة إلى كلية الدعوة الإسلامية ستجد أن نسبة القادمين من الأقاليم خارج القاهرة تقرب من 99% دون مبالغة، وهم مجبرون على الاغتراب، كذلك فنحن لا تتوافر لدينا فرصة ممارسة الخطابة بشكل احترافي أثناء الدراسة، عدا اختبارات الكلية التي تتم داخل قاعات المحاضرات، لذا أنا هنا في تدريب عملي حتى أتخرج، والجيد في الأمر أن رواد المسجد يدبرون لي نفقات تعينني على عملي". يحتفظ الشيخ علاء بعلاقات طيبة مع الشباب الذين أصبحوا أكثر تواجدا الآن في المسجد أثناء شهر رمضان، لكن ذلك لم يمنع إحساسه بالمفارقة التي عاشها حين انتقل من مركز الإبراهيمية في محافظة الشرقية إلى بيئة عمل مختلفة تماما في القاهرة، و يروي: "أتذكر أول تجربة في حياتي لإلقاء خطبة الجمعة، كنت في الصف الأول الثانوي، وشجعني المصلون على صعود المنبر بسبب مظهري الأزهري بعدما تأخر الإمام، تلك الهيبة وذلك الحضور لدى إمام المسجد والخطيب يتلاشيان هنا تماما في القاهرة، بل يضعف دور الإمام في الإصلاح بين الناس، و يختفي تبجيل المشايخ، وبعد الثورة ازدادت الأمور اختلافا".
في الشوارع القريبة من مسجد "بستان الجيش" ما زالت بقايا طلاء على الجدران تحمل اسم أحد شباب العباسية الذين قتلوا في مايو الماضي أثناء اشتباكات بين المعتصمين أمام وزارة الدفاع وبعض أهالي العباسية، خصوصية المكان دفعت خطيب المسجد أن يشتبك مع الواقع وهو مضطر، خاصة أن جامع النور في العباسية أيضا كان قد شهد صدامات وقتها بين إمام المسجد هناك وبعض المعتصمين، ويقول الشيخ علاء أمين : "كانت هناك حالة حداد في حي العباسية، لذا لم يكن هناك أي معنى لتناول موضوعات بعيدة عن الحدث، فكان موضوع الخطبة عن القتل وعقوبته في الإسلام" . لم يكن هذا الموقف هو الأول الذي اقتحمت فيه السياسة ساحة المسجد، إذ تعرض مرة لموقف محرج أثناء الاستفتاء على تعديل دستور في مارس من العام الماضي ، يقول: " فجأة قاطعني أحدهم أثناء الخطبة رغم أن هذا السلوك منهي عنه بشدة في الدين، وبدأ في اتهامي بأنني أروج ل(نعم) في استفتاء التعديلات الدستورية، وهذا موقف لم أكن لأتعرض له من قبل".

جرعة سياسة

 ما رآه الشيخ الشاب علاء أمين في الفترة الماضية هي تجربة خاضها أئمة و مشايخ وفدوا قبله إلى القاهرة، أحدهم هو الشيخ أحمد عبد الظاهر – موجه أزهري بالمعاش- و يخطب الجمعة في مسجد تابع لإحدى الشركات الكبرى في حي الأميرية بالقاهرة، إذ وفد من محافظة سوهاج إلى القاهرة قبل أربعين سنة، كي يدرس الشريعة والقانون، ومنذ العام 78 اختار العمل في مجال التدريس الأزهري إلى جانب عمله كخطيب مقابل مكافأة شهرية من وزارة الأوقاف. على مدار تلك السنوات، تنقل بين عدد من المساجد داخل أحياء شعبية، و رصد تطورات حدثت داخل المساجد، يوضح: "عبر تلك السنوات من السبعينات حتى الآن رأيت كيف يتنامى دور الإعلام بشدة في التأثير على الناس، وكيف أصبح رواد المسجد ينقلون بعض القضايا الدينية المفتعلة مثل زواج الجارية، وقبلها إرضاع الكبير، وغير ذلك إلى المسجد، وفي جانب آخر تماما فقد ازدادت جرعة السياسة داخل المساجد بشكل لم يكن موجودا من قبل بسبب تراخي القبضة الأمنية مؤخرا". يتحول الخطيب أحيانا إلى صمام أمان يمنع اختطاف المنبر لحساب تيار أو صاحب مصلحة، على حد قوله: "بعد سنوات أصبحت ألقي خطبة الجمعة في مسجد تابع لشركة كبيرة، و يرتاده أيضا سكان المنطقة المجاورة، لذا من مهامي هنا ألا يستغل المنبر كوسيلة ضغط من أجل مطالب فئوية للعاملين في الشركة، أو أن يختطفه أحد المنتمين إلى تيار بعينه، وهو ما حدث من قبل حين فوجئت بمن يصعد إلى المنبر من نفسه دون استئذان وتسبب ذلك في مشكلة، وكان ذو ميول متطرفة". هذه المواقف التي يواجهها الشيخ أحمد عبد الظاهر الذي تجاوز 65 سنة، لم تنسيه نفس الملاحظة التي لاحظها الشيخ الشاب علاء أمين، حول اختلاف دور الخطيب من القرية إلى المدينة، إذ خطب الشيخ أحمد لأول مرة وهو في الصف الثالث الإعدادي في ستينات القرن الماضي بسوهاج، ويعلق قائلا: "كان للشيخ في القرية أدوارا مهمة، في الصلح بين الناس، وتوزيع الصدقات، أما الآن فالواقع مختلف، خاصة مع سيطرة الجمعيات على إدارة بعض المساجد، ومن سلبيات إدارة الجمعيات للمساجد، هو وقوع صراعات على إدارة الأموال داخل مجالس إدارات الجمعيات، ويتنافس البعض في السيطرة على شؤون المسجد كنوع من الوجاهة الاجتماعية، لذا اخترت لنفسي أن أمارس دورا اجتماعيا بشكل تطوعي، خاصة في مساعدة الفقراء، بعيدا عن المساجد الخاضعة لنفوذ أشخاص".
أما الجانب الفني المتعلق بالخطابة نفسها فيتفق كلا من الشيخ الشاب علاء، والشيخ أحمد الأكبر سنا، على أن ما يصنع الثقة على المنبر – حتى في سن صغير- هو الحصيلة العلمية، فكلما ازداد حضور النصوص في الذهن، كلما أسعف ذلك الخطيب، يعلق الشيخ أحمد عبد الظاهر قائلا: "في الثمانينات سافرت في إعارة إلى دولة اليمن، وهناك طالبتني إدارة المساجد أن أقرأ خطبة الجمعة من ورقة، واعترضت، وامتنعت عن الخطابة، إذ أؤمن أن من يفتقد الذهن الحاضر عليه ألا يكون خطيبا".
هاتين الحالتين رغم تباين عمريهما إلا أنهما لا يواجهان كم الضغوط التي يتعرض لها خطباء المساجد الكبرى، التي تحول بعضها إلى منصات لإطلاق المسيرات والمظاهرات، أحد أهم تلك المساجد هو مسجد مصطفى محمود في حي المهندسين، ومنذ جمعة الغضب يشهد الدكتور محمد قاسم المنسي - أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة - تسلل السياسة إلى ساحات الصلاة، وهو ما برز واضحا في خطبته الشهيرة يوم 28 -1 -2011 والمتاحة على موقع يوتيوب لتحميل لقطات الفيديو، حين حاول تهدئة الثوار في كلمته، مطالبا بنبذ العنف، ومراعيا حالة الغضب التي ذكر أنه كان آنذاك يلمسها بين الناس بشدة، وعلى مدار أكثر من عام ونصف لم يخلو الأمر من حوارات ساخنة بين الدكتور المنسي- خطيب مسجد مصطفى محمود- وبين بعض المتظاهرين، خاصة حين يجدون في خطبته دعوة إلى التهدئة، يعلق قائلا: "بالفعل حدثت حوارات جانبية بعد الصلاة مع شباب رأوا في كلماتي تهدئة، فأوضحت أنني أؤمن بأنه ليس على الخطيب أن يثير الثائر، بل أن يعمل على تهدئته من أجل مصلحة البلاد". لا يخفي الدكتور محمد قاسم المنسي رفضه لبعض الهتافات التي كانت تعقب مباشرة صلاة الجمعة مثل : "يسقط حكم العسكر"، عدا ذلك فيؤمن بأن على الخطيب أن يحقق معادلة هامة هي : ألا يسمح بتوظيف المسجد في خدمة السياسة. وحسبما يذكر فإن "هناك أزمة حقيقية في إدارة المساجد على مستوى الحكومة، و على مستوى الجمعيات التي تدير شؤون المساجد، في عدم قدرتهما على مراقبة كفاءة من يخطبون على المنابر، وهل يستغلوا المسجد في الترويج السياسي أم لا". ويتفق أغلب الفقهاء على شروط واجبة في الإمام والخطيب على رأسها: سعة العلم، وإجادة القرآن، والتفقه في الدين، وحسن الخلق، يضيف الدكتور محمد قاسم المنسي أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة صفات أخرى تلائم المرحلة التي نعيشها الآن ، وهي " الثبات النفسي وسعة العلم وكثرة الاطلاع ".

Thursday, July 26, 2012

وجوه في مرايا التصوف ..

عمرو فكري .. التأمل طريقا للفن
"أحيانا ما أنطلق في رحلات أشبه برحلات المتصوفة في رحاب الله، حاملا معي الكاميرا لتوثيق مشاهداتي وتأملاتي "، يلخص الفنان عمرو فكري علاقته بالفن والتصوف معا، إذ لم يعد يشغله سوى التعبير عن النفس الصوفية بواسطة الفن المعاصر. يقتبس من نصوص كبار المتصوفة أمثال النفري وابن عربي وابن الفارض، مازجا إياها مع صور التقطها بنفسه و تصميمات فنية تعبر عن تلك الرؤية، لتخرج أعمالا تعكس قناعاته ونمط حياته اليومية، إذ يعيش كما يعيش الزاهد في شقة أعلى أسطح إحدى عمارات وسط المدينة، أما منزله فهو أقرب إلى خلوة تفصله عن صخب العاصمة، تعطرها أحيانا رائحة أعواد البخور. يمثل عمرو فكري شريحة اختارت أن تكون نموذجا عابرا للطرق الصوفية التقليدية، بعد أن احتك ببعض مشايخها، و اختار ألا يأخذ العهد من أحدهم، وأن يبتعد عن البناء الهرمي لهذه الطرق، وأن يحمل التصوف في داخله، كنمط  تفكير وأسلوب حياة.
"أنا أتبع الفكرة وليس صاحبها .. والفنان لا يقبل المحدودية"، هذه العبارة ليست تبريرا لاختياراته، يشرح ذلك بالحديث عن تجربة أخرى خاضها في فترة مبكرة من سن المراهقة حين عرف التدين التقليدي، ثم انتقل في سن التاسعة عشر إلى كتابات المتصوفة العظام أمثال "محي الدين بن عربي ، و عمر بن الفارض". أما اليوم فيجلس مطمئنا بعد أن أنهى مشروعا تحت عنوان "قدس الأقداس" أنجزه على مدار سنوات وعدة مراحل، وبعضها كان ينجزه بعفوية آخذا بمبدأ أن "كل خطوة علامة وإشارة"، يرى أن يقوده إحساسه دون حسابات للخطوة التالية، يبتسم قائلا : "أحيانا ما أجد مشروعات فنية صممتها محفوظة على الكمبيوتر، وجاءت الفرصة أن أطلقها الآن". ليس أغلب الفنانين المعاصرين يفكرون بالطريقة نفسها حين تشغلهم تسويق مشروعاتهم أو البحث عن دعم. اختار عمرو فكري تتبع نمط حياة الصوفي، وهو ما يلهمه بأفكار أكثر اختلافا في عمله، يشرح ذلك قائلا: "بعد أن أنهيت دراستي في كلية الفنون الجميلة عام 2001، كان لدي مخزون من الفكر الصوفي، أردت تجسيده في أعمال، وكانت البداية مع معرض حضرة مولاي في 2002، وبعد إنهاء العمل وجدت الفرصة لعرضه، كانت الحركة في البداية، ثم أعقبها التوفيق، وفي كل عمل أسير حسب تلك الرؤية، وانتقلت من فكرة معرض إلى الآخر، حتى اكتمل المشروع الذي استغرق سنوات".
في صميم عمله تبزغ حالة من الوفاء لشيوخ المتصوفة يمكن للمتابع أن يتلمسها في مشاهد من صور معارضه التي تحملها جدران المنزل، حيث لوحات تجمع بين الخط العربي ورقص المولوية ونصوص عمر بن الفارض. هذا الوفاء يحمله عمرو فكري أيضا لشيخ آخر هو الفنان حامد سعيد (١٩٠٨-٢٠٠٦) الذي تتلمذ على يديه في (جماعة الفن والحياة)، هناك تكونت علاقة أقرب بعلاقة الشيخ بالمريد، و يقول عن ذلك : "كان لديه ذلك الحس الصوفي، حين يجيبك على أسئلة تحتفظ بها داخلك، ولم تطرحها على أحد". تلك التجربة مع حامد سعيد جعلته يرى النفس المتصوفة في امتدادها بدء من الحضارة المصرية القديمة، مرورا بالعصر المسيحي، ثم انتهاء بالعصر الاسلامي، وهناك تعلم أن "الوعي هو ما يخلق القيمة" وهو محور تفكير هذه المدرسة.. و في علاقتنا بالتاريخ كانت هناك ملامح للروح المصرية، التي اقترب لتجسيدها أبي الحجاج الأقصري وذي النون المصري في صلتهما بالروح المصرية مع فهم الدين والتصوف.
هل كانت تجربة التدين التقليدي والاقتراب من التصوف طريقا لتقديم وجها آخر للدين ؟ يجيب ببساطة : "الله لا يحتاج من يدافع عنه مثلما تفعل بعض التيارات السلفية المتشددة، وفي الناحية الأخرى لا يجب أن تكون هناك مبادرات مضادة كرد فعل، هناك من يخطؤون ويتخذون هذا المسلك، وما أعرفه واختبرته جيدا أن الفن هو توصيل إحساس أو فكرة، و أبعد من الماديات الملموسة و تسجيل المواقف".
طارق غانم : الصوفي الحق .. هو الثائر الحق
لدى طارق غانم قناعة بأن "الثورة هي جهاد العصر" وأن الانتماء الصوفي لا يجب أن يمنع أحدا من أن يقف في وجه الظلم والفساد، و يشرح ذلك قائلا: "أعلم أن العديد من مشايخ الطرق الصوفية أظهروا موقفا سلبيا من الثورة، وأيدوا مرشحا من رجال النظام السابق، لكن على أرض الواقع فالتاريخ يذكر أن التجربة الصوفية كانت حافزا في أوقات كثيرة على النضال و الجهاد". يستعير طارق أمثلة من مئات السنين كان للمتصوفة فيها مواقف إيجابية في الجهاد. وبحكم عمله كباحث متخصص في الشؤون الإسلامية، فباستطاعته أن ينقل اجتهادات تبناها هو وآخرون يعتبرون فيها الثورة جهادا مشروعا، وعلى حسب قوله : "يتوقف ذلك على فهمنا لفكرة التغيير الجذري وكيف تبناها الرسول الكريم في أسلوب إدارته، وكذلك كيف يمكننا أن نفهم فكرة أخرى هي: الخروج على الحاكم، والتي علينا أن نفهمها الآن في ضوء أننا في دولة قومية حديثة مختلفة تماما عن حالة الدولة قديما، إذ أن الحاكم اليوم هو النظام، وليس الرئيس فقط". هذا ما يراه طارق غانم الباحث في الشؤون الاسلامية ومسؤول المطبوعات في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
بعد إقامته لخمس سنوات في الولايات المتحدة، تزامنت عودته إلى مصر مع أسرته مع أحداث مجلس الوزراء في ديسمبر 2011، حيث استشهد الشيخ عماد عفت أحد الذين ارتبط بهم طارق بشكل كبير، لكن ذلك لم يعقه نفسيا من الاندماج في المظاهرات والفعاليات طوال الفترة التالية، بدء من رمي الحجارة، حتى المشاركة السلمية في الاعتصامات، ووراء كل مشاركة كان هناك هدف آخر ديني وأخلاقي، وهو ما يشرحه قائلا : "حين كنت أشارك في فاعلية لحملة (كاذبون) أو حين دعمت حملة (لا للمحاكمات العسكرية)، كان ذلك بوعي ثوري، إلى جانب الوازع الديني والأخلاقي في نصرة الحق وكشف الباطل" . كل هذا الانخراط يدفع إلى سؤال حول : هل يعيق الانتماء الصوفي والارتباط بمشايخ ناصروا النظام السابق ورموزه أن يشارك الشاب المتصوف في الثورة ورحلة التغيير بكامل طاقته؟ ما حدث في رأي طارق أن هناك موجة شبابية بين التيارات الاسلامية قد تمردت على قياداتها في لحظة الاختيار بين التغيير أو المهادنة . يمكن رصد ذلك في مواقف شباب الإخوان الذين انفصلوا عن الجماعة، ويضرب مثلا بنموذج آخر هو شباب السلفيين الذين أنتجتهم الثورة وشكلتهم في كيانات ذات سمعة ثورية مثل (سلفيو كوستا)، أما بالنسبة لشباب المتصوفة فيقول طارق : "لقد حدث بالفعل جدل بين شباب ينتمون إلى طرق صوفية، ومشايخ لم يظهروا الإخلاص للثورة ، أما الأكثر وضوحا فكان بين شباب الأزهر الذين عارضوا موقف مؤسستهم في مواقف مختلفة، بل وشكلوا كيانات معارضة شاركت في  أحداث الثورة وما تلاها من احتجاجات، وأستطيع أن أؤكد أن شريحة كبيرة منهم ذوي انتماء صوفي".
يعمل طارق غانم على عنوان كتاب يدرس فيه "مستقبل التدين بعد الثورة"، ولمس فيه بعض النتائج الأولية منها : أن التدين كان يشكل أحيانا عبئا على الفرد في فترة قبل الثورة بسبب الضغوط الأمنية، ولما انكسرت تلك القيود عاد عبء التدين بشكل مختلف نتيجة ما وصفه "بشيطنة الاسلاميين"، وعاد التدين ليصبح وسيلة تنميط وإدانة، يصف ذلك قائلا : "أتعرض أنا شخصيا لذلك أحيانا، فاللحية الخفيفة ومشاركتي السياسية، تجعل البعض ينطلق قائلا : إنت إخوان .. مش كده ؟َ!". يدرك طارق أن هناك صورة نمطية عن التصوف تجسدها صورة الدرويش غريب الأطوار أو الشيخ المسالم كرموز للسلبية و الانسحاب من المجتمع، وهو ما لا يتفق مع مزاج شريحة من الصوفيين الثوار أمثاله، يعلق على ذلك : "بعد رحلة معرفية اخترت الطريقة الشاذلية الدرقاوية الهاشمية، أغلب مشايخها من أهل الشام، وذلك اختيارا لمذهب أهل السنة والجماعة الذي أصبح يطلق اليوم فقط على السلفيين، و لي في أحد مشايخ الطريقة نموذجا على الرجل المبدع والفعال، و هو الشيخ عبد الرحمن الشاغوري الشاعر، والقيادي العمالي في سوريا". ورغم ما أنتجته الثورة وما صاحبها من مسيرات واحتجاجات من كيانات جديدة للشباب المتدين أو الاسلامي، ما زالت تلك الشريحة من الثوار المتصوفين يخوضون رحلة التغيير بشكل فردي، ودون كيان يجمعهم على أمل التغيير من أسفل.
مجاهدون ومناضلون
لم يمثل التصوف عائقا في اتخاذ مواقف إيجابية على المستوى السياسي، إذ كان بعض حكام المسلمين من المحسوبين على التصوف، مثل صلاح الدين الأيوبي حتى أنه عزز ذلك بإنشاء خانقاه للصوفية في عصره، كذلك كان الحال مع الظاهر بيبرس الذي أبدى دعمه للعارفين بالله في عصره وعلى رأسهم السيد البدوي، لكن تظل تجربة "الرباط الصوفي" كمنصات جهادية هي الأكثر دليلا على اندماج المتصوفة في الشأن العام والعمل النضالي، وفي فترة مبكرة عرفت الدول الإسلامية وخاصة في الشمال الافريقي فكرة "الرباط" التي تقوم على تجميع المجاهدين المدافعين عن الثغور، وطلبة العلم والزاهدين، ويعرف الرباط أيضا "بالزاوية" وفي العصر الحديث ظهرت بعض الشخصيات النضالية التي تحمل تلك الخلفية الصوفية الجهادية، وعلى رأسهم عمر المختار في ليبيا الذي انطلق عمله النضالي من زاوية تابعة للطريقة السنوسية في واحة جغبوب.
محمد القادري .. شيخ طريقة، شغوف بالطاقة والروح
يقدم محمد لطفي نفسه كخادم الطريقة القادرية العلية في مصر، وبعد سنوات من أخذ العهد من شيخه أصبح يحمل مسؤولية تمثيل الطريقة، إلا أن ذلك لم يوقف شغفه بالفلك وعلوم الطاقة والروحانيات الذي صاحبه منذ الصغر، يصف ذلك قائلا: "أقارن بين ما لدي من موروث إسلامي، وما تقدمه تلك العلوم من تفسيرات للخوارق والصفاء الروحي الذي يشعر به العارفون بالله".
يبلغ محمد لطفي (القادري) 30 سنة  وهو خريج معهد فني تجاري، وحاصل على إجازات شرعية في الحديث والفقه واللغة والأدب، كما تلقى دورات في البرمجة اللغوية العصبية والعلاج بالطاقة، وفي هذه الجزئية تحديدا يستدعي في حديثه العديد من النصوص والمأثورات الإسلامية التي تدعم وجهة نظره، يضرب مثلا بقصة عمر بن الخطاب مع سارية أحد قادة الفتوحات الإسلامية، حين نادي وهو يخطب بين الناس قائلا : "يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم، فقد ظلم"، وفي هذه اللحظة كان القائد سارية قد سمع النداء نفسه، وهما على بعد مئات الكيلومترات ويستخدم الكثيرون هذه القصة للتدليل على القدرة على التخاطر الذهني.  يستخدم القادري بعض المفاهيم مثل "الجلاء السمعي البصري"، ومفاهيم أخرى تداولها علم الباراسايكولوجي و البرمجة اللغوية العصبية، وذلك ليرى المفهوم الأقرب إليها في الموروث الصوفي مثل "الكشف " الذي ترفع فيه الحجب فيتلقى العارف بالله علما ومعرفة خبرات لا ينالها الآخرون. و يضيف مثالا آخر : "التربية الروحية قد تصنع خوارق، كأن تجد راهبا بوذيا يرتدي إزارا خفيفا في بيئة جليدية فوق جبال التبت، مثل هذه المشاهد سمعنا وقرأنا عن أشياء شبيهة بها في ميراثنا الصوفي، و الهدف من دراسة علوم الطاقة هو فهم ذلك في إطار علمي". هذا التوجه يتعرض لانتقادات من البعض الذي يرى في تلك العلوم وعلى رأسها علم "الريكي Reiki " أنها تجارب وافدة من حضارات غير اسلامية، وهو ما يرفضه محمد القادري تماما قائلا : "نحن لا نأخذ عقائد، بل علما .. حتى اليوم ما زلت أتذكر حلقة من برنامج الدكتور مصطفى محمود التي كانت عن اللمسة الشافية، وتقدم طبا بديلا، وأحزن حين أرى انتشار العلاج بالحجامة في الخارج ونحن ما زلنا لا نهتم به هنا في بلادنا رغم أصوله الإسلامية .. علينا ألا نخشى من تجارب الآخرين لأننا في النهاية سنجد ما هو قريب منها لدينا". أحد الخبرات التي تعلمها محمد القادري هو العلاج بالريكي )العلاج بالطاقة(، أي تحقيق التوافق في الطاقة الداخلية لجسم الانسان من خلال جلسات استشفاء وتدريبات تتم على يد المعالج، حاول القادري أن يدير هذه الجلسات بشكل إسلامي، فبينما يتعرض الشخص في الجلسات التقليدية لتدريبات مثل التنفس بشكل عميق، والتأمل، جرب محمد القادري طريقة أخرى تعتمد على ضبط الشهيق والزفير مع ذكر أسماء الله الحسنى وقراءة الفاتحة، في موقف شبيه بحلقات الذكر والحضرة الصوفية، وفي تدريبات أخرى يستبدل فكرة استحضار مشهد مبهج بصورة الكعبة المشرفة، يقول عن ذلك قائلا : "أذكر في هذا المقام مولانا زين العابدين علي ابن الحسين الذي كان إذا توضأ اصفر وجهه، وإذا قام إلى الصلاة ارتعد، وذلك لأنه يستحضر عظمة الله في قلبه، وهذا هو تأثير الجانب الروحي على الجانب الجسدي". استشار محمد القادري أحد المحامين من أبناء الطريقة في إمكانية استخدام هذا النوع من العلاج، فتأكد أنه غير مصرح به في مصر. هذا الاتجاه الإسلامي حتى الآن ليس شائعا في التعامل مع هذا النوع من العلوم والفنون، و هو يعلق على ذلك قائلا : "في نهاية سنوات عمره قدم الدكتور إبراهيم الفقي رحمه الله ذلك المزيج بين فنون التنمية البشرية ونماذج وأمثلة من الموروث الإسلامي، أما ما أطمح إليه هو أبعد من ذلك، أن أرى في موروثنا الصوفي طريقة علاجية دون أن أخجل من أن أستعير من علوم أخرى".
·       الريكي Reiki
هي كلمة من شقين (ري) : الطاقة الكونية، و (كي) : الطاقة الشخصية ، وهو علم ياباني من أصول صينية، يهدف إلى تحقيق التوافق الداخلي عبر تدريبات، واستخدام اليدين في علاج أماكن محددة، أو عبر جلسات تأمل تحقق الصفاء الذهني، وتخفف التوتر، وتشفي الآلام. والريكي من أشكال الطب البديل، ويعتمد على افتراض وجود سبعة مراكز للطاقة في جسم الإنسان، وأن انسداد مسارات الطاقة في الجسم يسبب الأمراض النفسية والجسدية.
·        البرمجة اللغوية العصبية
مجموعة من الطرق والمناهج التي تساعد على حل بعض الأزمات النفسية والسلوكية، من أجل تحقيق حياة ناجحة، وتساعد على استخدام العقل بشكل أفضل، كما تعمل هذه التدريبات والطرق على عدم الاستسلام لبرمجة العقل على أداء معين وطرق استجابة واحدة، بل على إعادة برمجة استجابة الإنسان للمواقف بشكل أكبر.
·       العلاج بالاسترخاء
يعتمد هذا العلاج على تلك العلاقة بين التوتر النفسي والتوتر العضلي، كما يعتمد على محاربة التوتر عن طريق استرخاء أعضاء الجسم، وبتدريبات يلقنها مدرب في بداية الجلسة هدفها تحقيق الصفاء الذهني.

PDF

Monday, July 16, 2012

سكان الشقة الواحدة


سكان الشقة 22 رشيد ــ مصر الجديدة: خد مساحتك.. واشتغل براحتك 
فى 22 شارع رشيد، شقة فى بناية قديمة ذات طراز متميز، لا تختلف ملامحها كثيرا عن البنايات المجاورة قرب ميدان الاسماعيلية فى حى مصر الجديدة، لكن استخدامها مختلف تماما. «هنا مساحة لكل من يريد العمل، ولا يتوافر له المكان»، يلخص أحمد سلامة (23 سنة) طالب السنة النهائية فى إحدى الجامعات الخاصة الهدف من وجود هذا المكان.
خارج الشقة لافتة تحمل اسم «22 رشيد»، أما نوع النشاط فهو co-working space أى مساحة عمل مشتركة، وهى ترجمة لفكرة انتشرت فى الغرب مع بداية الألفية، تعتمد على إتاحة أماكن لشرائح الشباب الذين يعملون بشكل حر دون مكاتب، وكذلك الطلبة الذين يمارسون أعمالهم بهدوء، خاصة مع ازدياد أنواع جديدة من المهن لا تحتاج سوى توافر أجهزة كمبيوتر شخصية والإنترنت، بعيدا عن الشكل المؤسسى التقليدى.
يعمل أحمد سلامة هنا بشكل تطوعى إيمانا منه بالفكرة التى لم تنتشر فى مصر بالقدر الكافى، إذ بدأت علاقته بالمكان حين جاء قبل سنة باحثا عن مكان يحاضر فيه عن «تنظيم الوقت»، إذ يعمل أحيانا كمدرب فى مجال التنمية البشرية، يصف تلك التجربة قائلا : «بعض من جاءوا فى البداية كانوا يبحثون عن التقليدية، مثل سكرتيرة تحول له المكالمات، وفراش يصنع المشروبات للضيوف، هؤلاء لا يكملون معنا هنا، لأنهم لم يدركوا الهدف». يمر أحمد بين الغرف الفسيحة شارحا كيف يمكن الاستفادة من المكان فى تنظيم ورشة عمل، أو تنفيذ مشروع شخصى بهدوء، أو حتى المذاكرة، يشير ناحية المطبخ، مضيفا: «عليك أن تترك هنا كمية من الشاى والقهوة بدلا من التى استهلكتها، وأن تنظف الأكواب، وأن تحرص على نظام المكان .. هنا أسلوب حياة، وطريقة جديدة فى العمل».
فى الغرفة المجاورة كانت الألمانية «أوليركة فون رويكر» (43 سنة) التى أسست «22 رشيد» تنهى حديثا سريعا مع إحدى الضيوف، وتقول : «المسألة ليست فقط فى إتاحة مكان للعمل، الموضوع بالنسبة لى أقرب لرسالة أريد نشرها، فالفكرة تقوم على المشاركة والتعاون، فأغلب محتويات المكان تبرع بها الزوار الدائمون والمؤمنون بالفكرة». هذه المحتويات تبدأ بورق يتم اعادة استخدامه والكتابة على ظهره، انتهاء بالأريكة والمروحة الكهربائية، أما بداية التأسيس فقد كانت فى عام 2007 دون ترويج أو دعاية، خوفا من التضييق الأمنى، الذى رأته أولريكا فى تجارب شبيهة، حتى تغير الوضع بصورة كبيرة بعد ثورة 25 يناير، فى ظل ازدياد عدد المبادرات ووجود حالة أكبر من الحرية فى الحركة، وتوضح مخاوفها قائلة: «هذا المكان ليس شركة تجارية، هو مجرد مبادرة غير هادفة للربح، وأعترف أن هناك مشكلة فى التعامل مع هذا النوع من المبادرات فى مصر، سواء من الناحية القانونية أو الاجتماعية». عن نفسها فهى تتعامل مع الأمر ببساطة أكبر، فالمالك الذى تستأجر منه الشقة لا يعارض هذا النوع من النشاط، كما لا يبدو على المكان أنه يهدف إلى الربح أو إدارة أعمال تجارية، هنا يتدخل أحمد سلامة ضاربا مثالا بصديقه مازن الذى كان متطوعا سابقا فى «22 رشيد»، ويدير اليوم مكانا شبيها فى حى المعادى اسمه «District»، إذ فوجئ مازن فى مكانه الجديد بمن يوصيه بأن يسدد التأمينات للزوار الدائمين معتقدا أن هؤلاء الزوار من العاملين فى المكان، لأن الفكرة لم تصل بعد إلى الكثيرين، «كل ما نستطيع تقديمه من دعم لمازن فى تجربته الجديدة أن نحول إليه من يريدون تجربة الفكرة والقريبين من حى المعادى» حسبما يقول أحمد سلامة.

للعمل فقط
فى عام 2011 أجرت مجلة «ديسكماج» المهتمة بهذا النوع من الأعمال دراسة على نماذج «لمساحات العمل المشتركة»، وضمت العينة 661 فردا فى 24 دولة، وذكرت النتائج أن الغالبية قد أصبح لديها حافز أكبر على العمل، وأن أكثر من نصف العينة قد كونت فرق عمل نتيجة اختلاطهم فى هذه الأماكن، وأعطت الدراسة نتائج أخرى لها دلالاتها على رأسها أن متوسط أعمار المشاركين فى «مساحات العمل المشتركة» هو 34 سنة، وأن أغلبهم من العاملين فى مجال تقنية المعلومات وتصميم الجرافيك، وكذلك من الكتاب المستقلين الشباب.
فى «22 رشيد» يأتى الزائر إما عن طريق صديق أعجبته الفكرة واستفاد منها، أو عبر صفحات الفيس بوك مثل : CairoSpaces، أو Rasheed22، يملأ الزائر فى المرة الأولى استمارة تعارف، ويحدد الساعات التى يرغب فى الوجود فيها، والغرض، وتتراوح الأسعار بين 50 جنيها للفرد فى اليوم الكامل، و10 جنيهات للساعة الواحدة أما المجموعات فتدفع 50 جنيها لنصف يوم من الوجود أو 100 جنيه لليوم الكامل، وقد يشمل ذلك تأجير قاعة وإلقاء محاضرة، واستخدام الإنترنت والأدوات المتاحة للعمل، وهذه القواعد مرنة وفقا لكم تردد الزائر على المكان.
تعلق أولريكة قائلة: «بالكاد نحاول تسديد إيجار المكان، والحال أفضل بكثير عما كان عليه قبل الثورة، وهذا شىء إيجابى جدا فى ظل الأحداث التى تمر بها البلاد، إذ يثبت ذلك أن هناك من لايزال يعمل ويبادر دون قلق من المستقبل». تقيم «أوليركة فون رويكر» فى مصر منذ حوالى 15 سنة، وعملت فى فترة سابقة فى الغرفة التجارية الألمانية، وتزوجت بمصرى وتعيش فى القاهرة. وتقول: «أنا مؤمنة بأن المستقبل سيخدم هذه الفكرة، التى تساعد من يريد مساحة لتخطيط مشروعه، أو العمل الخاص، أو المذاكرة، لأن البديل هو الكافيهات أو دور العبادة، وهى ليست أماكن عمل فى النهاية .. ولنسأل أنفسنا لماذا لا توجد بدائل؟». ورغم حالة الترحاب الموجودة فى حديث أحمد وأولريكة إلا أن ذلك لا يمنع وجود تحفظات، على رأسها أن هذا المكان ليس للمناقشات السياسية أو التنظيمية، وكذلك من الممنوع استخدامه لأغراض الدعوة الدينية أيا كان المذهب، «هذا المكان للعمل فقط!!»، على حد قولهما.
يحرص «22 رشيد» على نشر سلوكيات أخرى بين الزوار، مثل ما يقوم به أحمد وأولريكة من تصنيف المخلفات وإعطائها لإحدى الجهات التى تعمل على تدوير المخلفات وإعادة تصنيعها، كما يهدف إلى نشر ثقافة التعاون، وهو ما يوضحه أحمد سلامة قائلا: «بعض الزوار وخاصة من أبناء المجال الواحد يتقاربون ويحدث بينهم تعاون بدءا من تبادل أدوات العمل، انتهاء بدخول مشروعات مشتركة، سواء كانوا من العاملين فى مجال التنمية أو فى تقنية المعلومات، وفى النهاية هذا اختيار الفرد». ما طبيعة مرتادى المكان والسمة الغالبة عليهم؟ الإجابة بحسب أولريكة: «هى شريحة لديها حس إبداعى، وعلى درجة جيدة من التعليم والمهارات، وجادون فيما يطمحون إليه».

Sunday, July 8, 2012

الزعماء في مرآة الانترنت

كتب – عبدالرحمن مصطفى

"من "البوب " الي شباب تويتر و فيس بوك: أزداد شبابًا بكم"، هذه الجملة التي كتبها الدكتور محمد البرادعي على حسابه في موقع تويتر للتدوينات القصيرة "تويتر"، هي التطور الأخير لصورته على الانترنت، وطوال الفترة الماضية أطلق عليه مديرو الصفحات الداعمة له على الانترنت هذا اللقب المتداول بين الشباب، في إشارة إلى زعامته.. ورغم هذه الروح الساخرة إلا أن رصانة البرادعي لم تتلاشى في التدوينات القصيرة التالية، بل لم يعد غريبا على شخصية مثل محمد يسري سلامة أحد مؤسسي حزب الدستور والمستقيل من حزب النور السلفي، أن يكتب هو الأخر على تويتر قبل أيام جملة مثل " بس البوب جامد، هو ريس لوحده كده من غير رئاسة". وبعيدا عن هذه التعبيرات الطريفة التي استخدمها مؤيدو البرادعي فهناك صورة أخرى تتكرر في المجموعات الداعمة له على شبكة فيسبوك الاجتماعية، عن "الزعيم الذي لم تسمع الأمة أراؤه"، ويتكرر ذلك بنقل مساهمات أعضاء هذه الصفحات مثل صفحة "أنا البرادعي" التي نقلت مؤخرا عن أحد أعضائها : البرادعي مش لازم ينزل اعتصام عشان يقول موقفه..الراجل موقفه معلن من بعد الثورة بأيام واظن الأيام أثبتت صحة موقفه..". وإمعانا في التأكيد على ذلك يتبادل مستخدمو الانترنت أقوالا قديمة للبرادعي في مواقف سياسية للتأكيد على نظرته الثاقبة. هذا الاهتمام بتأكيد الأنصار على قوة أراء السياسي الذي يدعمونه يتكررأيضا مع الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل فمن بين عشرات الصفحات الداعمة له على فيسبوك تتفرغ صفحة كاملة لجمع أقوال الشيخ حازم، ويجد الزائر نفس النبرة في ملصقات الكترونية، إحداها يقول: "العسكر ثعالب وذئاب" وأسفلها "ياريتنا سمعنا كلامك". وكذلك يتشابه التعامل مع النبرة الشبابية والشعبية مثلما هو الحال مع البرادعي، إذ لا تستنكر شريحة من أنصار الشيخ حازم استخدام لقب "ولاد أبو اسماعيل" رغم أنه مستعار من فيلم بوحة الشهير. وتعد إحدى أهم الأدوات التي يستخدمها مؤيدو القادة السياسيين لإشاعة فكرة كثرة عددهم، هو نسبهم إلى اسم السياسي، مثل : البرادعوية، حازمون، فاتحون، ما يعطي زخما لهذه الزعامات على الانترنت.
وفي الجهة الأخرى تلعب الصفحات المؤيدة للرئيس المخلوع مبارك نفس اللعبة حين تستعير بعض أقواله وتنشرها في ملصقات الكترونية بين الصفحات المؤيدة له، الا أن الاهتمام الأكبر في مجموعات مثل "انا آسف يا ريس"، "الأغلبية الصامتة" ينصب على نشر الأخبار بصورة أكبر.
PDF