Monday, August 15, 2011

الصوم في أعوام قلقة


رمضانات ساخنة

جولة بين عناوين الصحف في سنوات حاسمة مثل 1948، 1967، 1973 قد تبرز تشابها بين رمضان في تلك السنوات ورمضان بعد ثورة 25 يناير. إذ أنها سنوات يجمعها خيط واحد.. هو أنها سنوات قلقة، ألقت بطابعها على شهر الصوم
كتب – عبد الرحمن مصطفى


1948
بين أول رمضان بعد الثورة في عام 2011 ورمضان في عام 1948 ما يقارب 63 عاما، لا يلتقي الرمضانين سوى في أن أول أسبوع في كليهما قد شهد حدثا قد يضفي طابعا على الأسابيع التالية، إذ شهد الأسبوع الأول من رمضان الحالي فض اعتصام التحرير وبدء محاكمة مبارك ونجليه ليتوقع الجميع أن يكون هذا هو طابع رمضان في عام الثورة، أما العام 1948 ففي أول رمضان من عام 1367هـ الموافق 8 يوليو 1948 كان العنوان الرئيسي لجريدة الأهرام "الاستعداد لاستئناف القتال صباح غد"، لينبئ عن رمضان ساخن في ذلك العام بعد هدنة لم تستمر طويلا... فقد شهد العام 1948 بداية الحرب بين تحالف القوات العربية ضد الميلشيات الصهيونية في فلسطين، وهي المعارك التي وصفها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بأنها أقرب إلى بعثرة لجنودنا في الصحراء، وهو ما جعل أخبار القتال في فلسطين هي المسيطرة على الصحف في ذلك الوقت. وفي أجواء صيفية حارة استمرت الصحافة في عرض مشكلات مجتمعية أخرى كانت عنوانا لتلك الحقبة، مثل أزمة غلاء الايجارات والحاجة إلى بناء مساكن شعبية، لكن لم يزد توتر الصائمين في ذلك العام إلا بعد أن ظهرت الغارات الجوية في سماء القاهرة مع نهاية الأسبوع الأول من رمضان، وتزايدت حدة الأحداث مع وقوع عمليات تخريبية داخلية اتهمت الصحافة وقتها بعض اليهود الموالين للصهيونية، ولم يكتف بعضهم بهذا بل استهدفت مراكز تجارية شهيرة آنذاك مثل بنزايون وجاتينيو رغم إعلان إدارتا المتجرين عن موقفهما المناهض للجرائم الصهيونية في فلسطين. كل هذه الأحداث المقلقة في شهر الصوم خلقت حالة عامة يصفها الرئيس الأسبق محمد نجيب في مذكراته قائلا: "كانت مصر مشغولة بحرب يائسة، وبملك انحدر إلى درجة منحطة جدا". هذا التناقض بين الحرب البائسة والحاكم البائس، يمكن تتبعه من خلال أخبار المآدب الملكية التي كانت تقام للعامة أو للجنود المصابين من الحرب وكيف كان محرر الخبر آنذاك يجمل صورة الملك وجلساته بعبارة من نوعية: "وامتلأت الموائد بألوان الطعام الشهية" وأن "ضيوف الملك قد خرجوا من لديه في تمام الرضا والسعادة".
وعلى هامش تلك الحالة العامة لم تتوقف عجلة الانتاج في مجالات عديدة على رأسها السينما، بل استفزت نجما مثل أنور وجدي أن يطرح إعلانا ذكيا في الجريدة اليومية عن فيلمه الجديد فيكتب: إلى كل من تسمى سعاد.. حضرة المحترمة، بعد التحية، يسر شركة الأفلام المتحدة، دعوتك بمناسبة فيلم "طلاق سعاد هانم"، وسيعرض على سينما ريفولي، وعلى كل من تسمى سعاد أن تعرض ما يثبت شخصيتها ولها تذكرتين هدية. مثل هذه الأفكار الذكية كانت بمثابة حرب على المزاج العام لجمهور مشتت بين أخبار حرب فلسطين وصيام رمضان، ورغم وقوع غارات جوية على القاهرة وصدور تعليمات من محافظة القاهرة باطفاء الأنوار وقت الغارات، إلا أن مثل تلك الأجواء لم توقف أنشطة أخرى كانت أكثر ازدهارا، فتكفي مطالعة إعلانات الصحف في ذلك الوقت لتكشف أن هناك نشاطا آخر ازدهر وكان يعرض دعايته في الصحف اليومية مثل بيع مخلفات الحرب القادمة من فلسطين، وذلك في مفارقة أن الصحيفة المعلنة نفسها قد أعلنت عن حملات جمع تبرعات مادية من المواطنين لصالح الجنود المصريين . ولا ينتهي القلق بانتهاء شهر رمضان لعام 1948، بل يستمر بعد انتهاء الشهر الكريم.

1967
ومن شهر رمضان في العام 1948 إلى العام 1967 مرورا برمضانات أخرى ساخنة في تلك الفترة المشحونة يرتفع سعر الصحيفة اليومية من 10 مليمات إلى 15 مليما. وفي أول يوم من شهر رمضان بعد هزيمة 67، يتصدر الصفحة الأولى من جريدة الأهرام إعلانا عن افتتاح فرع جديد لمحل جاتينيو، الذي كان هدفا لعمليات تخريبية في رمضان 1948، لكنه أصبح تحت التأميم وتابعا للشركة المصرية لتأثيث المنازل. ومع مرارة الهزيمة وبرد الشتاء تبدو عناوين الصحف أكثر برودة وجمودا، إذ تتصدر الصحف طوال الشهر عناوين أخبار خارجية مثل: استقلال اليمن الجنوبي أو محاولة الانقلاب العسكري في الجزائر أو انقلاب اليونان، ويتوارى صخب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قليلا عن عناوين الصفحة الأولى وتستمر أم كلثوم في حفلاتها لكن بهدف دعم المجهود الحربي. و في الأسبوع الأول من شهر رمضان في ذلك العام تقرر الحكومة المصرية فتح باب الهجرة إلى الخارج بعد مداولات دامت أكثر من شهرين، وذلك كي تتيح الفرصة لمن ضاق بهم العيش أن يهاجروا أو أن يعملوا في الخارج. وتبدو تلك الأجواء الخانقة غير مشجعة على إظهار مشاعر البهجة برمضان، إذ ما زالت المعركة مع العدو لم تنته، ورغم ذلك استمرت محاولات الاذاعة والتلفزيون في استعادة روح رمضان في برامج المنوعات، كأن تجد برنامجا يحمل عنوان "التحليلات الصوتية" للدكتور مصطفى محمود يحلل فيه صوت فايزة أحمد، وتكشف أيضا إعلانات الصحف اليومية عن استمرار عمل الكازينوهات والملاهي الليلية في رمضان خاصة قرب احتفالات رأس السنة، وذلك في تناقض مع إعلان إلغاء حفل الكنيسة الأرثوذكسية في ذلك العام. ووسط حالة التشتت العامة يلتفت المجتمع المصري في رمضان إلى ظاهرة جديدة هي الميكروجيب والميني جيب الذي اخترق الجامعات المصرية، وفي الصفحة الأخيرة من جريدة الأهرام ينشر الصحفي مرسي عطاالله بتاريخ 20 ديسمبر 1967 الموافق 19 من رمضان موضوعا تحت عنوان: هل يختفي الميني جيب ويوحد الزي في الجامعة؟ ويستمر الجدل حول تلك القضية الجديدة، بل و ينتقل إلى البرلمان، إذ طالب عضو مجلس شعب بعدم دخول الميني جيب والميكروجيب إلى الجامعات نهائيا. ولا ينتهي رمضان بأخبار سعيدة، إذ تستمر أجواء الهزيمة والتشتت لست سنوات أخرى حتى العام 1973.

1973
بدأ أول أيام شهر رمضان من العام 1973 في السابع والعشرين من سبتمبر أثناء موجة حارة عانى منها المصريون أثناء صيامهم ولم تنته إلا في 30 سبتمبر - رابع أيام شهر رمضان- وذلك بعد يوم واحد من بدء الدراسة في البلاد. أي أن المصريين استقبلوا الموسم الدراسي متزامنا مع موسم رمضان لتتحمل الأسر تكاليف الموسمين قبل انتهاء الشهر والحصول على المرتبات. ومنذ اليوم الأول في هذا الشهر الكريم يبرز الرئيس السابق السادات بشكل أكبر في عناوين الصحف والأخبار بما يدل على وجود حراك أكبر على مستويات عديدة، إذ يفتتح الشهر الكريم بإحياء ذكرى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر عبر العديد من المنابر السياسية، كما أذاع الرئيس السادات خطابا بهذه المناسبة. أما عن الأجواء الرمضانية فقد بدت واضحة في الأيام العشرة الأولى من الشهر، إذ استمرت الملاهي الليلية في دعايتها في الصحف، واستمر المغنون في حفلاتهم، وفي الجريدة اليومية يجد القارئ إعلانا عن مسرحية فريد شوقي الجديدة "نيام نيام" دون قلق من أجواء رمضان أو الموسم الدراسي. أما صلاح جاهين فيرسم كاريكاتيره في جريدة الأهرام بتاريخ 2 أكتوبر الموافق 6 رمضان عن الهوس بالتلفزيون في رمضان راسما طفل يسأل والدته : ـ "ماما .. هو قبل ما يخترعوا التلفزيون، كان فيه رمضان؟" وكأنه يشير إلى حالة الانجذاب التي كان يعيشها الجميع مع أجواء الترفيه الرمضانية قبل حرب أكتوبر.
وقبل بدء العمليات العسكرية بيومين يـُنشر الخبر الشهير في يوم 4 أكتوبر الموافق 8 رمضان عن: آخر موعد لتقديم العسكريين للعمرة، ضمن خطة الخداع الاستراتيجي قبل الحرب، أما الجنود على جبهة القتال فلم يعرف أغلبهم بما سيحدث قريبا من عمليات عسكرية حاسمة، إلا حين وجهت إليهم أوامر بالإفطار مبكرا في 5 أكتوبر، أما صحف السادس من أكتوبر/العاشر من رمضان فاكتفت بالإشارة إلى "توتر في جبهات القتال"، بينما يرسم صلاح جاهين كاريكاتيره عن "طابور الجمعية" متضامنا مع معاناة المواطن المصري في رمضان في الحصول على حاجاته الأساسية، خاصة مع وجود من استغلوا ظروف المواطنين لحساب السوق السوداء. ولا يتغير طابع الأحداث إلا بعد السابع من أكتوبر مع إعلان عبور القوات المصرية للقناة، واجتياز خط بارليف، وهي اللحظات التي لم يصدقها بعض المصريين في البداية واتجهوا إلى الاذاعات الغربية للتأكد من حقيقة الموقف. وفي تلك الفترة ومنذ النصف الثاني من شهر رمضان بدأت أجواء الحرب تزحف على حياة المصريين، وبدأت إدارة الدفاع المدني تكرر تعليماتها بضرورة: عدم إضاء الأنوار وقت سماع صفارة الانذار، وطلاء زجاج النوافذ، والاحتفاظ بأكياس الرمل والمياه لحالات الطواريء، وغيرها من التعليمات التي حفظها المصريون على مدار حروب عديدة خاضوها طوال القرن الماضي. ومع تسلسل الأحداث وعرض صور ولقاءات مع الأسرى الإسرائيليين بدأ المزاج العام يتبدل، إذ أوقفت المسرحيات التابعة للقطاع الخاص عملها وبدأ بعض الفنانين في عمل أنشطة متصلة بأجواء الحرب، وتلاشي الطابع الرمضاني تدريجيا من أخبار الصحف مع إيقاف العمل بالمدارس. وقبل عيد الفطر بيومين فقط اضطرت مدينة السويس إلى القتال في رمضان في صف القوات المسلحة المصرية . لينتهى الشهر الكريم في أجواء خاصة احتفظ بها المصريون في ذاكرتهم إلى اليوم. وتستمر الرمضانات بعدها ولا ينافسها في الأجواء القلقة سوى رمضان الثورة في العام 2011.

مع الفرنسيس والانجليز
رمضان في زمن الاحتلال
في فبراير 1799 مـ شهدت القاهرة أول رمضان في ظل الاحتلال الفرنسي، وهو أول احتلال أجنبي كامل في العصر الحديث.. في بداية الشهر اجتمع نابليون بونابرت بالمشايخ وقادة القاهرة في ذلك الوقت وأوصل إليهم أنه قد وجه ضربات مؤلمة للمماليك في الصعيد وأنه متوجه شرقا إلى غزة لإتمام مهمته، لم يكن المصريون يدركون آنذاك هل سيتغير طابع احتفالهم الرمضاني في ذلك العام أم لا؟ أو حسبما ذكر عبدالرحمن الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار، فإن المصريون كانوا على حذر من الفرنسيين أثناء رمضان خشية غضبهم إذ يقول : "أهل مصر كانوا على عادتهم في بدعهم التي كانوا عليها وانكمشوا عن بعضها خوفا من الفرنسيس فلما تدرجوا فيها وأطلق لهم الفرنساوية القيد .. رجعوا إليها" ، إذ عاش المصريون بقية الشهر بتلقائية رغم بعض المنغصات في حوادث كانت تحمل ملمحا طائفيا بين المسلمين والمسيحيين نتيجة السياسات الخاطئة في تلك الفترة، وفيما يبدو أن بعض الشرائح من المجتمع المصري استغلت شهر رمضان و تلك الفترة المميزة من السنة لتحقيق تواصل أكبر مع الفرنسيين، إذ يضيف الجبرتي في وصفه: "إن الفرنساوية صاروا يدعون أعيان الناس والمشايخ والتجار للإفطار والسحور، ويعملون لهم الولائم ويقدمون لهم الموائد ،...، ويتولى ذلك الطباخون والفراشون من المسلمين حتى يطمئنوا".
وبعد رحيل الحملة الفرنسية عن مصر مرت سنوات طويلة دون احتلال أجنبي سوى مع مجيء الاحتلال الانجليزي لمصر في العام 1882، وتزامنت البدايات الأولى للاحتلال قبل شهر رمضان بأيام قليلة، حين تم قصف الإسكندرية بالمدافع الانجليزية في 11 يوليو 1882، وكانت مصر قبلها تعيش أجواء قلقة في أعقاب التغييرات التي أعقبت ظهور أحمد عرابي في المشهد السياسي، إذ شهد الشهر السابق على رمضان في ذلك العام توابع حادث الإسكندرية الشهير بين المالطيين (الرعايا الانجليز) والمصريين، وهو ما هدد مبكرا بتدخلات أجنبية في البلاد و توقعات بوقوع الحرب ونزوح الأجانب عن المدينة، وفي اليوم الأول من رمضان (1299 هـ) تحديدا أعلن أحمد عرابي تخوين الخديوي توفيق لموالاته الجيش الانجليزي المعتدي. وبدأ الاستعداد للحرب في كفر الدوار بعد سقوط مدينة الإسكندرية في يد الانجليز وتخريبها .. في تلك الفترة قضى المصريون رمضانا عصيبا، فرغم تأييد العديد من كبار شخصيات المجتمع لأحمد عرابي إلا أن المصريين تلقوا في نفس الشهر (7 أغسطس 1882/23 رمضان 1299هـ) منشورا من الخديوي يتهم عرابي بالعصيان وأنه سبب تخريب الإسكندرية، بل و دعا المصريين إلى التخلي عن عرابي تماما. وانتهى شهر رمضان في ذلك العام بعيد لم يفرح فيه المصريون، إذ لم يمض سوى أسابيع قليلة على سقوط المدن المصرية بأيدي الانجليز حتى سقطت العاصمة القاهرة، ليبدأ عهد جديد من الاحتلال.
pdf

Monday, August 1, 2011

فنون صناعة النخبة في مصر



عبد الرحمن مصطفى

«رجل الدولة يؤمن بأنه منتمٍ إلى الدولة، أما رجل السياسة فيؤمن بأن الدولة هى التى تنتمى إليه»، تلخص هذه العبارة الرائجة فى عالم السياسة الفارق بين السياسى صاحب المشروع ورجل الدولة الذى يستمر ضمن النخبة فى أى نظام سياسى. بعض الباحثين سجلوا هذه الملاحظة فى دراساتهم حول النخبة السياسية فى مصر، إذ إن بعض الرموز السياسية ما زالت مستمرة منذ العهد الناصرى فى الستينيات حتى اليوم فى مناصب عليا وداخل حوارات وطنية بعد الثورة. أحد من رصدوا تطور هذه النخبة المستمرة هو القيادى اليسارى عبدالغفار شكر، إذ يقول: «بعد بروز دور الشباب مؤخرا فكرت فى كتابة مقال بعنوان: وداعا جيل السبعينيات، الذى تصدر الحياة السياسية فى الفترة الماضية، لأن هذه الثورة جعلته يبدو قديما.. فما بالك بجيلى الأقدم منه؟!». يعد عبدالغفار شكر أحد شهود تجربتين أنتجتا بعض رموز المشهد طوال العقود الماضية، الأولى تجربة التنظيم الطليعى، والثانية هى منظمة الشباب الاشتراكى. ويعلق قائلا: «بعض من نشأوا سياسيا فى هذه الفترة انقسموا إلى فريقين، الأول انتقل إلى صفوف المعارضة متبنيا القيم العليا للشعب المصرى، أما الفريق الآخر فاختار الالتصاق بالسلطة على مر العصور منذ الستينيات رغم تبدل سياسات الدولة طوال العقود الماضية». ويرجع إنشاء «تنظيم طليعة الاشتراكيين» المعروف بالتنظيم الطليعى إلى العام 1963، وكان الهدف هو تجنيد كوادر داخل الاتحاد الاشتراكى كى تعمل على قيادة الجماهير والترويج لأفكار النظام السياسى آنذاك. وتكفى نظرة على بعض الأسماء المعروفة فى هذا التنظيم السرى الذى تجاوز عدد أعضائه 30 ألف مواطن حتى يتضح أن شريحة من رجال الدولة البارزين اليوم قد كانوا فى يوم من الأيام جزءا من هذا التنظيم واستمروا حتى هذه اللحظة. ويرصد كتاب «عبدالناصر والتنظيم الطليعى السرى» (مكتبة بيروت، 2008) بعض المشاركين فى التنظيم.. أما «منظمة الشباب الاشتراكى» فأنشئت أيضا فى العام 1963 كتنظيم شبابى للنظام الناصرى الحاكم. وتكفى نظرة أخرى على كتاب «تجربة منظمة الشباب الاشتراكى فى إعداد القيادات» (عن مركز دراسات الوحدة العربية، 2004) لعبدالغفار شكر كى تكشف عن جزء آخر من المشهد، إذ كان عبدالغفار شكر أمينا مساعدا لمنظمة الشباب الاشتراكى للتثقيف حتى عام 1969. وفى القسم الرابع من هذا الكتاب أسماء ظهرت فى الفترة الناصرية واستمرت فى عهدى السادات ومبارك بين صفوف المعارضة والسلطة على السواء، وما زال بعضهم موجودا بعد سقوط نظام مبارك. أحد من ذكروا شهاداتهم فى هذا الكتاب كان الدكتور عاصم الدسوقى ــ أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب فى جامعة حلوان ــ أما اليوم فينقد التجربة بعين متخصص فى التاريخ قائلا: «بعض أفراد هذه النخبة السياسية سواء فى منظمة الشباب أو التنظيم الطليعى اختاروا القرب من مركز السلطة حتى مع تبدل الأنظمة، على أن تكون مهمتهم هى إضفاء الشرعية على إجراءات السلطة، وفى ظل معايير اعتمدت فى النظم السابقة على تصعيد المقربين بدلا من معيار الكفاءة، ظلت بعض الأسماء مستمرة حتى بعد الثورة، وهناك من ابتعدوا عن قلب السلطة وظلوا محافظين على توازنهم، إلى جانب من اختاروا المعارضة، خاصة بعد التحول الكبير فى عهد السادات». وفى دراسة للدكتورة ــ مايسة الجمل ــ أستاذة العلوم السياسية فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة منشورة تحت عنوان «النخبة السياسية فى مصر» (عن مركز دراسات الوحدة العربية، 1998) ترصد الباحثة كيف أن النظام السياسى منذ ثورة 52 لم يتنازل عن فكرة إعادة تدوير النخبة ودعم استمرارها، لأنها فى النهاية نخبة مرتبطة بالدولة تؤدى دورها فى خدمة توجيهات الرئيس. والآن فى ظل نظام سياسى بلا رئيس، ما زالت هذه النخبة القديمة مستمرة حتى اليوم. بعض رموز هذه النخبة أثاروا الارتباك فى الأسابيع الأولى بعد الثورة بسبب تصديرهم فى المشهد السياسى، كترشيح الدكتور مصطفى الفقى لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية الذى أثار احتجاجات ضده، وهو أحد نماذج البقاء داخل النخبة منذ أن كان عضوا فى التنظيم الطليعى الخاص بالخارجية المصرية وبقاؤه فى المناصب الرفيعة حتى رحيل مبارك. ومع سقوط نظام الرئيس السابق وخاصة بعد حل الحزب الوطنى الديمقراطى اختفت رموز من النخبة المستمرة من حقبة التنظيم الطليعى كانت لصيقة بالسلطة من خلال الحزب مثل الدكتور مفيد شهاب والدكتور على الدين هلال وغيرهما، وبقيت رموز أخرى كانت جزءا من الدولة فى فترات سابقة وعادت بعد الثورة. وتكفى مطالعة أسماء من المستقلين فى العمل العام مثل وزير الإعلام الأسبق محمد فائق ــ رئيس اللجنة التنسيقية للمجلس الوطنى المشكل خارج إطار مؤسسات الدولة، أو الدكتور عبدالعزيز حجازى رئيس لجنه الحوار الوطنى، أو الدكتور يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء السابق، حتى نجد خيطا يجمع كل هذه الأسماء، فقد كانت تنتمى جميعها إلى التنظيم الطليعى فى عهد جمال عبدالناصر ثم ظهروا فى عصور تالية بمهام مختلفة. وإلى جانب هذا الجيل فهناك جيل السبعينيات الذى يمثل قيادات العمل السياسى الآن، ويوضح أحمد تهامى عبد الحى فى كتاب «الأجيال فى السياسة المصرية (عن هيئة الكتاب، 2009) أن جيل السبعينيات استعاد عافيته السياسية فى التسعينيات وعرف وقتها بجيل الوسط، لكن هذا الجيل أصبح الآن فى الخمسين والستين بينما تحول الجيل السابق عليه إلى جيل الشيوخ ليكوِّن الجيلان معا أساس النخبة السياسية الحالية. «العلاقات القديمة بين أبناء الجيل الواحد تدير الموقف أحيانا، خاصة بين من نشأوا فى تجربة سياسية مشتركة مثل التنظيم الطليعى أو منظمة الشباب»، حسبما يرى عبدالغفار شكر، وفى هذه الأجواء لا يخلو الأمر من صدامات بين جيل الشباب الحالى والنخبة السياسية القديمة داخل جلسات الحوار بسبب اختلاف ثقافة الشباب التى يصفها عبدالغفار شكر بأنها «ثقافة جيل نشأ بعيدا عن التنظيمات السياسية التقليدية للدولة».



يتحدث عبدالكريم طه بحماس واضح عن أيامه الذهبية التى قضاها فى أمانة التنظيم داخل الحزب الوطنى المنحل قائلا: «كله كان ماشى كويس، وفجأة حصلت الثورة». ولا يبدو قلقا حين يتحدث مع زملائه فى كلية الحقوق عن ماضيه مع الحزب الوطنى. عبدالكريم الذى لم يتجاوز الثانية والعشرين مارس سلطات من خلال ما كان يكلف به من مهام حزبية فى الشارع. يلتقط ورقة وقلما شارحا بعض تلك المهام: «كانت لنا هيبة حين نهبط على إحدى الوحدات الحزبية لاستطلاع آراء أعضاء الوحدة هناك عن مرشحيهم، إذ كانت لدينا من السلطة أن نطرد مرشحا انتخابيا إذا حاول التطفل على عملنا». أما أكثر المهام التى كان يبدو فيها عبدالكريم متألقا فى بدلته الأنيقة فهى أثناء مراقبة أداء مرشحى الحزب الوطنى خلال موسم الانتخابات. حين كان يتابع مع غرفة العمليات فى القاهرة تفاصيل ما يحدث أمامه، أما أكثر ما كان يدعمه وسط الأحداث فهو اللقب الذى كان يحمله هو وزملاؤه فى مثل هذه المهام، فهم إما «رجالة أحمد عز»، أو «شباب جمال مبارك». هذه النخبة التى كان يكونها الحزب الوطنى أصبحت اليوم بلا سند. فعلى حد قوله: «شباب الحزب اختفوا فى ظروف غامضة!». يختلف الدكتور وحيد عبدالمجيد ــ نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ــ مع تعبير «صناعة النخبة» أو أن الحزب الوطنى كان يمارس هذا الدور، ويقول: «فى وضع ديمقراطى لن نسمع مصطلحا مثل تكوين النخب، هذا من أعراض الحكم الشمولى الذى يتعامل مع المواطنين على أنهم أدوات يشكلها حسبما يريد.. فى فرنسا على سبيل المثال هناك المدرسة الوطنية للإدارة التى تخرج فيها الكثير من رموز الدولة، لكنها فى النهاية خارج الحسابات الحزبية وتمارس عملها باستقلال». فى الحالة المصرية لم يكن الحزب يستخدم مجهودات عبدالكريم وزملائه لمجرد تعميق مهاراتهم السياسية، إذ كان العامل الاقتصادى هو أحد دوافع مشاركة هؤلاء الشباب، فقد كانت تلك الأنشطة تتم تحت قيادة مسئول اتصال هو بمثابة «وزير فى منطقته» على حد تعبير عبدالكريم طه، هذا إلى جانب دخل شهرى يتجاوز عدة آلاف ومكاسب أخرى ونفوذ محلى. بعض المهام التى كان يؤديها «شباب أحمد عز» كانت تتم أحيانا عبر مؤسسات مثل الجمعية الوطنية للسياسات الاقتصادية، التى تقوم بدراسات واستبيانات فى الشارع تخدم أمين التنظيم، وكان على كل شاب ألا يشير من قريب أو بعيد أنه ذو صلة بالحزب الوطنى، بل يقدم نفسه للمواطنين على أنه باحث مستقل تابع للجمعية. هذه الخدمات التى كان يقدمها شباب أمانة التنظيم أحيانا ما كانت تتداخل مع نشاط أحمد عز فى مجال الصناعة، وهو ما شارك فيه مدحت الأخ الأكبر لعبدالكريم، إذ كان هو الآخر عضوا فى الحزب الوطنى المنحل، ويصف مدحت هذه التجربة قائلا: «فى مرة تم استدعاؤنا لفيللا أحمد عز فى المنوفية، وانتقلنا فى رعاية الداخلية، وذلك أثناء أزمة غلاء أسعار الحديد قبل سنوات، وجلسنا إليه وعلمنا تفاصيل مهمتنا، وأصدروا لنا كارنيهات فى الحال على أننا عاملون فى مصانع حديد عز».
كانت المهمة التى يتحدث عنها مدحت هى التفتيش على موزعى الحديد فى المحافظات وضبط المغالين فى الأسعار واتخاذ الإجراءات اللازمة ضدهم. يكمل مدحت قائلا: «كنا نعلم نحن أيضا أن علينا رقابة، فأحد زملائنا تم استدعاؤه إلى القاهرة بسبب مخالفة ارتكبها مع أحد الموزعين».الأمر كان بالنسبة للأخوين عبدالكريم ومدحت هو البحث عن فرصة للصعود فى سلم الحزب، وأن ينتقلا إلى موقع مسئول الاتصال والتنظيم فى سن الثلاثين، فيزداد الدخل، وتزداد السلطة. حسب وصف الدكتور وحيد عبدالمجيد فإن «الحزب الوطنى لم يكن حزبا بقدر ما كان تجمعا لأصحاب المصالح وأقرب إلى ميلشيا سياسية». وبعيدا عن شباب أمانة التنظيم فقد كانت هناك طلائع تصعد فى أماكن أخرى عن طريق الحزب، وخاصة فى «جمعية جيل المستقبل» التى ارتبط اسمها بجمال مبارك. ويقوم نشاطها على شباب الخريجين لتطوير مهاراتهم ودعمهم فى الحصول على وظائف، وعلى مجموعة: معا للحفاظ على جمعية جيل المستقبل ورابطة خريجى الجمعية فى شبكة الفيسبوك، يحاول بعض الأعضاء إبراز الجانب الإيجابى فى هذه المؤسسة التى انهارت مع حل الحزب الوطنى، وفى أحد التعليقات يدخل سيد راشد رافعا صورة له مع جمال مبارك قائلا: « كنت شغال فى جمعية جيل المستقبل وأعرف كل صغيرة.. أنا رأيت حاجات والله العظيم أغرب من الخيال، والحمد الله أنى تركتها فى 2007، ياريت الفترة الجاية تفكروا فى مستقبلكم بجد وممكن تستمروا فى الجمعية بس بإيديكم إنتوا مش بتوجيهات من أشخاص فاسدين». ينهى تعليقه رافضا إعطاء مزيد من التفاصيل بعد التواصل معه حول تجربته فى هذا المكان.
هل كانت تلك الكيانات تنمى روح الانتهازية لدى أعضائها من الشباب؟ يرفض عبدالكريم طه ــ أحد شباب أمانة التنظيم - التعميم، قائلا: «لقد قمت أنا وزملائى بجهد كبير فى الانتخابات السابقة، وأقسم أننا كنا نعمل بشفافية وأمانة... نعم لقد كانت النتائج غير منطقية وكان هناك تزوير لكنى لم أشارك فيه». فى ذلك الوقت كتب عبدالكريم وزملاؤه عبارة موحدة على الفيس بوك: «إحنا آسفين يا مصر»، أما اليوم فلا يخفى مشاعره تجاه الثورة التى غيرت موقعه وأنشطته تماما. ويوضح: «رأيت مرشحين ينفقون الملايين لمجرد إرضاء غرور العصبية والقبلية، ماذا ستفعل الثورة مع هذه الأدمغة؟؟». بالنسبة إليه ولأخيه مدحت لم يكن الحزب انتماء بقدر ما كان أسلوب حياة، ففى محافظته الأصلية على مسافة مئات الكيلومترات من القاهرة لا وجود حقيقيا للأحزاب السياسية، وهناك دورات كرة قدم وبطولات ورحلات كان يرعاها الحزب.. يختم قائلا: «كان الحزب هو الحكومة، لا أكثر ولا أقل».
* تم تغيير بعض الأسماء بناء على رغبة المصادر


فى مدونته «الطريق للدولة القوية العادلة» كتب عمرو العجماوى ما اعتبره نقدا لائتلاف شباب الثورة، أحد أهم الائتلافات الشابة حاليا على الساحة، وذكر أن أغلب أعضاء الائتلاف يشاركون فى العمل السياسى «وكأنهم الوحيدون الثائرون أو كأن الثورة هى عنوانهم حصريا». ويضيف قائلا: «أصبحت أشك أن تصديرهم فى مقدمة المشهد إعلاميا هو جزء من محاربة الثورة، إذ إن سلوكهم كفيل بإحداث حالة من نفور الناس من الثورة ومن ينتمى إليها».. هنا توقف عمرو العجماوى وبدأ فى سرد بعض المواقف الداعمة لوجهة نظره. ولم يكن ما كتبه منفردا إنما فى سياق يمكن تتبعه على الإنترنت فى مواقع أخرى، وخاصة على موقع التدوين القصير «تويتر» بواسطة شباب سخروا من فكرة الائتلافات المنتشرة حاليا، خاصة بعد لقاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى أول يونيو الحالى مع مجموعة من الائتلافات المغمورة. من وجهة نظر أستاذ علم الاجتماع السياسى بجامعة القاهرة ــ الدكتور أحمد زايد ــ فإن بروز الشباب بهذا الشكل فى المشهد السياسى يؤكد أننا أمام «نخبة فى طور التكوين». ويشرح قائلا: «من المؤكد أن النخبة السياسية السابقة قد أغلقت قنوات الحراك السياسى بحيث استبعدت الشباب، لكن المشهد الآن لا يوحى بأننا أمام نخبة شابة تستطيع تسلم العمل السياسى بعد الثورة، لن يحدث هذا إلا بعد سنوات من العمل والتجربة».
فى مساحات أخرى، لم تكن هناك طاقة للصبر على ائتلاف شباب الثورة المتهم دائما بأنه احتكر المشهد لحسابه، من ضمن ذلك أن يكتب أحدهم فى صفحة الائتلاف على شبكة فيس بوك تحت عنوان: نصيحة إلى الأستاذ زياد العليمى المتحدث الرسمى باسم الائتلاف، ويكتب تحت هذا العنوان قائلا: «مداخلة برنامج صباح دريم كنت أشعر بالضبط أن المتحدث هو صفوت الشريف وذلك عن طريق نبرة التعالى والكبر فى الحديث مما أشعرنى بالغضب الشديد»، فما كان من مدير صفحة الائتلاف إلا أن أجاب: «نشكر للجميع التواصل والنصيحة.. وإن شاء الله نجتهد فى إيصالها للزميل زياد العليمى». هذه الروح المناهضة لشريحة من السياسيين الشباب يتصدرون واجهة المشهد انتقلت إلى العمل الحركى نفسه، إذ تمسك الائتلاف فى دعوات سابقة للتظاهر والاعتصام يوم الجمعة بميعاد مبكر للرحيل، وفى يوم الجمعة 27/5 «الثورة المصرية الثانية» وقع شباب الائتلاف فى تحدٍ حين طالبوا من تبقى فى ميدان التحرير حتى الساعة الواحدة صباحا بفتح الطرق المؤدية للميدان، وكذلك الاكتفاء ببقاء المعتصمين فى حديقة الميدان. وكان أحد شباب الائتلاف فى ذلك اليوم على اتصال بوزارة الداخلية خشية اقتحامها التحرير كما ورد إليه من مصدر فى الوزارة.. لكن بعض من كانوا فى الميدان لم يستجيبوا فى ذلك اليوم، لرفضهم أن يمارس أحدهم دورا نخبويا وسطهم. كل هذه الصراعات التى تعيشها فئة من شباب الثورة أرادوا استكمال العمل السياسى والحركى معا، وهذه المشكلات يدركها جيدا خالد تليمة ــ عضو المجلس التنفيذى لائتلاف شباب الثورة.. فأحيانا ما توجه إليه اتهامات مباشرة فى الندوات أو الحوارات الوطنية من نوعية: «اشمعنى إنت هنا على المنصة؟! أنا مشوفتكش فى التحرير أيام الثورة..!»، ويعلق خالد على هذه التعليقات قائلا: «بعيدا عن كل هذا.. هناك نخبة سياسية بالفعل تتكون الآن، لكن الإعلام دوره مؤثر بشدة، لأن تركيز الإعلام على مجموعة أسماء بعينها فى الائتلاف أو غيره هو ما يصنع هذا الجدل». لكن بعيدا عن الإعلام فإن هناك أنشطة أخرى يشارك بها أعضاء الائتلاف سواء فى بعثات دبلوماسية ذات طابع خاص، أو فى الندوات والمؤتمرات. ويوضح خالد بهذا الشأن أن أعضاء الائتلاف من الشباب هم فى الأساس نشطاء فى أحزاب وكانت لهم أنشطتهم من قبل، ويكمل فكرته قائلا: «لا يمكن الحكم على الناس كلها بطريقة واحدة.. أنا عن نفسى أفضل أن أجلس مع ناس بسطاء على المقهى أفضل ألف مرة من الجلوس فى المؤتمرات والاحتفاليات الرسمية».


الحكم بعد العمل
فى الأول من يونيو اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بنحو 153 ائتلافا من مختلف المحافظات، بينما قاطع نحو 35 من الائتلافات والقوى السياسية الشهيرة هذا اللقاء، وكان ائتلاف 19 مارس (الأغلبية الصامتة) أحد هذه الائتلافات المغمورة التى التقت المجلس العسكرى، وتكفى زيارة إلى صفحة الائتلاف على الفيس بوك كى تتضح الملامح العامة لهذا الائتلاف. فهم مجموعة نشأت بتأثير لحظة الاستفتاء الأخير فى 19 مارس وخروجهم من الصمت والسلبية السياسية إلى الإدلاء بأصواتهم مع الجماهير المصرية. ويقول عبدالفتاح نصار ــ عضو ائتلاف الأغلبية الصامتة: «إحنا مع الثورة لحد يوم التنحى.. لكن مش ممكن نفضل فى مظاهرات على طول واعتصامات، لأن كل المطالب ممكن تتحقق مع الوقت، وكمان المحاكمات أكيد هتاخد وقتها». لا يخفى عبدالفتاح نصار غياب خبرته السياسية السابقة، إذ كانت المرة الأولى التى يشارك فيها سياسيا فى يوم استفتاء مارس الشهير رغم تجاوزه الأربعين وعمله محاميا، ولا يختلف الأمر عن بقية المجموعة الأساسية لهذا الائتلاف الذين يصفون أنفسهم بأنهم : «طلبة جامعيون ومدرسون وصيادلة ومحامون ومهندسون وأعمال حرة وربات بيوت وغيرها من الوظائف، ليس بينهم شخصية معروفة أو مشهورة، ولم يجمعهم سوى خوفهم على ما يحدث بمصر حاليا». ينفى نصار أن يكون بينهم تيار سياسى معين. ويضيف: «لقد أراد المجلس العسكرى عرض نماذج أخرى مختلفة عن القوى السياسية التى احتكرت المشهد من الشباب بعد الثورة، ونحن بشكل عام مؤيدون للمجلس العسكرى كحاكم الآن حتى نجتاز هذه المرحلة بسلام». ورغم المشهد المزدحم حاليا بانقسامات وتضارب فى وجهات النظر فإن الدكتور أحمد زايد ــ أستاذ علم الاجتماع السياسى ــ يجد رؤية أكثر واقعية لما يحدث الآن ضاربا المثل بالحركات الشبابية التى اجتاحت العالم فى عام 1968، ويقول: «كان يقال على ألسنة الشباب وقتها.. لا تثق فى أحد تجاوز الثلاثين، والمفارقة أن دراسات أجريت فيما بعد على من شاركوا فى هذه الانتفاضة فوجدوهم قد تبدلت أحوالهم إلى موظفين تقليديين ورجال أعمال.. إذن فالفيصل هنا هو أن ممارسة السياسة على أرض الواقع هى التى ستنتج نخبة المستقبل». ما يراه زايد من واقع حالى هو مجرد محاولات للحفاظ على المظهر الثورى بطرق مختلفة. لكن يبقى «الحكم بعد الممارسة السياسية» حسبما قال. وفى خضم الانتقادات التى يوجهها البعض إلى الائتلافات الشبابية المعارضة على الساحة وعلى رأسها ائتلاف شباب الثورة ما زال البعض فى المعسكر الآخر يجد فى كل ما يحدث الآن جانبا إيجابيا، أما خالد تليمة عضو المجلس التنفيذى لائتلاف شباب الثورة فيقول: «لن ننسلخ عن الشباب.. فنحن الخاسرون إن فعلنا هذا. نحن تحت أمر الشارع، لكن يجب أن يتذكر كثيرون أن أغلبنا كان يواجه الأمن المركزى طوال السنوات الماضية.. وكنا وحدنا، لذا فلنتفرغ لفرصة العمل الآن».

Monday, July 18, 2011

حالة الصورة بعد الثورة

عدسات احترافية وأخرى للهواة

كتب - عبدالرحمن مصطفى
"رغم أن الكاميرات أصبحت في أيدي جميع شعوب الأرض، إلا أن الصورة الاحترافية ستظل هي الوثيقة المعتمدة لما فيها من نزاهة وحياد" . هذه العبارة التي سمعها عمرو نبيل، رئيس شعبة المصورين بنقابة الصحفيين أثناء حضوره إحدى حفلات الجوائز العالمية، ما زال يرددها حتى اليوم، رغم التأثير الذي أحدثته الثورة على عالم التصوير في مصر وإفساحها المجال لشرائح جديدة. يعلق على ذلك قائلا: "أصبحت الأحداث أكثر ازدحاما بكاميرات الهواة والمحترفين على السواء، وهي أجواء لم نكن نعيشها قبل سنوات.. لقد أصبح هناك من يزاحم المصورين المحترفين بالفعل". هذه الملاحظة التي يسجلها المصور عمرو نبيل عن اتساع مجال التصوير بشكل متزايد يرجعها إلى سببين هما: "اتساع استخدام الكاميرات الرقمية وكاميرات الهواتف المحمولة، واهتمام النشطاء بتوثيق الأحداث وهذين السببين يعودان إلى عدة سنوات قبل الثورة". ومع بدء أحداث ثورة يناير اتسعت أهمية التصوير بهدف التوثيق، ولم يعد الأمر يقتصر على نشطاء أو مصورين محترفين، إذ كان أغلب من وثقوا الحدث بكاميراتهم هم من المشاركين من كل الفئات. وهو ما توضحه الناشطة نازلي حسين بعد معايشتها لتجربة (نقطة تجميع الفيديوهات والصور) التي بدأت أثناء اعتصام التحرير، و تقول: "لدينا الآن أرشيفا من الصور والفيديوهات قدمه متطوعون غير محترفين أرادوا نقل صورهم وفيديوهاتهم إلى الانترنت، ولعل أهمية هذا الأرشيف أنه دليل قد نحتاجه في القضايا المتتالية التي أثيرت منذ بدء الثورة". وحسبما تذكر نازلي فإن أجواء الاطمئنان التي عاشها المعتصمون لبعضهم البعض واستمرت حتى اليوم دفعت الكثيرين إلى تقديم ما لديهم من مواد دون اهتمام بذكر أسمائهم، أو على حد وصفها: "منذ ذلك الوقت تأكد دور الصحافة الشعبية بشكل كبير، ولم يعد الاهتمام فقط منصبا على المحترفين في مجالي التصوير الفوتوغرافي أو الفيديو". هذه الأحداث المتلاحقة في السنوات الأخيرة واتساع استخدام الكاميرات الرقمية دفع إلى تزايد عدد ورش التصوير و ظهور شريحة تجمع بين روح الهواية والاستقلال بعيدا عن المؤسسات التقليدية، يعلق عمرو نبيل على ذلك قائلا: "أثناء زيارتي إلى ليبيا وقت تفجر الموقف هناك لاحظت هذا النموذج لشاب تحول إلى مصدر صور للوكالات الأجنبية رغم أنه ليس محترفا أو تابعا لمؤسسة". هذا النموذج ليس حالة يمكن تعميمها في نظر عمرو نبيل، إلا أنه في نظر آخرين مؤشر على فرص جديدة لشباب كانوا هواة أو مستقلين، إذ أن هناك نماذج أخرى في مصر توضح تأثير الثورة بشكل مباشر. أحدهم هو بشير وجيه الذي تعود صلته بالتصوير لسنوات مضت، و كان للثورة تأثير خاص على حياته المهنية، ويوضح ذلك قائلا: "ما أحدثته الثورة في الحقيقة هو أنها كانت فرصة لعرض ما نصوره في توقيت كانت الأعين كلها مسلطة على مصر، وعلينا ألا ننسى أن الحس الفني للصورة يجعلها أكثر استخداما". يعيش الآن بشير خارج القاهرة حيث يعمل على مشروع لحساب إحدى القنوات التلفزيونية العالمية، إذ يطوف المحافظات المصرية تاركا مهنته الأصلية كمهندس في إحدى الشركات الكبرى في مجال الاتصالات. وجزء من هذا القرار كانت أحداث الثورة سببا فيه.. يوضح ذلك بقوله: "ما صورته من مادة فيلمية أثناء الثورة بحسي الفني كان أحد أسباب العروض التي تلقيتها فيما بعد". أما قبل ذلك بسنوات فقد كان المجال الاحترافي خانقا في بعض الأحيان وله قواعد تجارية في أحيان أخرى، وهو ما دفعه إلى العمل بشكل مستقل وصُـنع أفلام حضر بها مهرجانات. ويوضح تفاصيل تلك النقلة التي اتخذها بعد الثورة قائلا: "على سبيل المثال فإنني أثناء السنوات الماضية حاولت الدراسة الأكاديمية و تعذر الأمر عدة مرات، في الوقت الذي نجحت فيه في صنع أفلام مستقلة، وأثناء الثورة عرضت صوري بشكل تقليدي على الفيسبوك والتويتر و اكتشفت أن هناك من يهتم بالفعل، وتلقيت عروض شراء، واليوم أنا أعمل لحساب مؤسسات إعلامية عالمية".

بحر من الصور
حسبما يؤكد بشير فإن أحداث الثورة المتتالية ساهمت في إيصال البعض إلى العمل المؤسسي، لكن كان الشرط دوما هو المهارة الحقيقية والحس الفني، لكن بعيدا عما يذكره فإن نفس تلك المؤسسات اتجهت أيضا إلى فيديوهات المتطوعين التي يلقون بها على مواقع مثل يوتيوب لتحميل الفيديو، أو من يرفعون صوره بكاميراتهم على الفيسبوك، دون أن يبحثون عن الاحتراف، إذ كانت الأشهر الماضية موسما لجمع الفيديوهات بغرض إعادة إنتاجها تجاريا فيما بعد .. وحسب أرقام أعلنها مؤخرا موقع يوتيوب الأشهر عالميا لرفع الفيديو فإن أن المصريين قاموا بتحميل 2.1 مليون فيديو على موقع ''يوتيوب''من مصر منذ بداية العام 2011، وأن 14% من هذه الفيديوهات في قسم " الأخبار والسياسة"، وهو معدل مرتفع مقارنة ببقية الدول ذات الأوضاع السياسية الشبيهة . وحسب تلك الأرقام فإن حالة الصورة في ازدهار، وهو ما دفع ببعض المؤسسات العالمية إلى وضع أفكار جديدة مثل تدشين مواقع الكترونية تهدف إلى تسويق الصور والفيديوهات وأحد هذه المواقع الجديدة يستهدف مصر والشرق الأوسط بشكل خاص. وكذلك فإن بعض شركات الإنتاج المحلية قد نشطت في الفترة الماضية من أجل جمع مواد فيلمية عن أحداث الثورة على أمل إعادة إنتاجها بشكل تجاري. هذه الملاحظة سجلتها الناشطة نازلي حسين إحدى المتطوعات في (نقطة تجميع الفيديوهات والصور) أثناء بداية أحداث الثورة، وتعلق قائلة: "نعم .. لاحظت أن بعض فيديوهات المتطوعين التي وصلت إلينا في تلك الفترة المبكرة قد أعيد استخدامها كثيرا على الشاشات، وبعضها استخدم بشكل تجاري، لأن أغلب تلك المادة كان الهدف إتاحتها على الانترنت بشكل مجاني". إلا أن فكرة التطوع بتقديم مواد عن الثورة ليس بهذه البساطة لدى المصورين المحترفين، إذ تعرض منهم لمشاكل حين اختاروا التنازل عن حسهم الاحترافي جزئيا وطرح أعمالهم للجمهور مباشرة. وهو ما حدث قبل أشهر في معرض "سجل يا زمن" حين فوجي المصورون بأعمالهم التي تباع على سيديهات دون إذن كتابي منهم. وبسبب خلفيتهم الاحترافية اتجه بعضهم إلى اتخاذ إجراءات قانونية، وأثير نفس الجدل مع برنامج ناس بوك للإعلامية هالة سرحان حين وجه لها أحد المخرجين اتهاما بأن طاقم إعداد البرنامج استخدم فيلما صوره في الميدان واعتبروه من تصوير فريق البرنامج. وهذه الحوادث المتتالية تظهر ملمحا جديدا لعالم الصورة بعد الثورة، حول تلك العلاقة الشائكة بين عالم الصورة الاحترافية التقليدية لحساب المؤسسات، وبين الكاميرات الحرة والعمل التطوعي الأكثر نشاطا بعد الثورة.

Wednesday, June 1, 2011

بعد سنوات من العمل السرى .. لا (تُخفِ) نشاطك السياسى بعد اليوم




الثورة تفرض قواعدها

الشيوعيون فى اختبار مع العلنية

يؤمن صلاح عدلى ــ أمين عام الحزب الشيوعى المصرى ــ بعبارة فلسفية تقول: «لا شىء ساكنا.. كل شىء يتحرك»، فحين انضم إلى صفوف الحركة الشيوعية فى العام 75 لم يتصور أن يأتى اليوم الذى يعلن فيه الحزب الشيوعى المصرى عن نفسه مثلما هو الحال اليوم. ويعلق قائلا: «ما حدث فى ثورة 25 يناير لم يأت من فراغ، إنما سبقته نضالات قديمة». اختار أن يبدأ الحديث فى جوار مركز «آفاق اشتراكية» الذى يديره منذ سنوات، ثم تابع قائلا عن الجانب السرى فى عمل الحزب: «بعد أن التحقت بصفوف الحزب فى منتصف السبعينيات أوكلت إلىّ مسئولية الأجهزة الفنية، وهى مختصة بطباعة الوثائق والمنشورات والاتصال، وهو ما جعل مهمتى سرية فى ظل القمع الأمنى لنشاطاتنا، وكان أول اعتقال لى فى العام 81، بدأت أنشطة جديدة تمزج السرية بالعلنية». للحزب الشيوعى المصرى خصوصية وسط التيار الاشتراكى بشكل عام، إذ إنه أول حزب شيوعى فى القارة الأفريقية، تأسس فى العام 1922 ثم قضت المحكمة بالقبض على قادته بعدها بعامين واستمر عمله السرى منذ ذلك الوقت حتى أول مايو الماضى حين أعلن الشيوعيون نية تأسيسه بشكل علنى، رغم أنه قد أعيد تأسيسه فى الأربعينيات مع صعود الموجة الشيوعية الثانية ثم مرة ثالثة فى السبعينيات وهى المرحلة التى ينتمى إليها قادة الحزب الحاليون.
لا يخفى صلاح عدلى ضيقه عند تناول صورة الشيوعى فى المجتمع المصرى حاليا، إذ يرى أنها أمر لم يكن فى إمكانيات الشيوعيين الرد عليه، ويقول: «ببساطة فإن أصل الدعاية المضادة للشيوعية كانت من السلطة، خاصة حين ندرك أن المذهب الماركسى يدعو لتغييرات جذرية فى المجتمع تقلق طبقات بعينها، لذا اتهم الماركسيون فى العالم باتهامات متشابهة منها أنهم معادون للأديان وأنهم فوضويون للتشنيع عليهم، وفى مصر حدث ذلك مع حكومات ما قبل الثورة وبعدها، وفى أيام السادات تم دعم الإسلاميين فى مواجهة الشيوعيين خوفا من قوتهم.. لم يدعوا لنا مجالا للعمل». رغم ذلك كان انتماء صلاح عدلى ورفاقه معلنا إلى الحزب الشيوعى المصرى ــ ذى المكانة التاريخية ــ لكن تفاصيل اجتماعاتهم وخططهم تتم فى سرية.. تماما مثلما كان الحال مع الأجيال التى سبقتهم. وهو ما عرضهم للاعتقال من الشارع أثناء المظاهرات أو الاستدعاء إلى أمن الدولة. ويقول عن ذلك: «فترة الثمانينيات والتسعينيات كانت فترة ركود للعمل السياسى بشكل عام، لكن منذ العام 2000 بدأت الحركة تنشط، إذ كنا كشيوعيين مصريين فى داخل الكثير من الفاعليات، ولن أبالغ حين أقول إن كيانات مثل اللجنة الشعبية للتضامن مع غزة فى ذلك العام ثم اللجنة الشعبية للتغيير فى العام 2004 ساهمتا فى تحريك الشارع والتظاهر، ولم نترك فرصة للمشاركة فى حدث جماهيرى ولم نشارك خاصة فى الجمعية الوطنية للتغيير». يتوقف قليلا ليستقبل اتصالا من إحدى الفضائيات ثم ينهى المكالمة معلقا: «فى الماضى كنا نتعرض للاستبعاد أحيانا من جانب بعض الفضائيات أثناء مشاركاتنا فى المظاهرات، إذ كنا نفاجأ بالعدسات توجه إلى الإخوان أو القوميين أو أعضاء كفاية.. اليوم قد اختلف الوضع كثيرا».
فى العام الماضى، أصدر الكاتب طلعت رميح كتابا بعنوان «مأزق الحركة الشيوعية المصرية» (مركز الأهرام للنشر ــ 2010). وذكر بعض الظواهر التى لازمت الحركة طوال تاريخها، منها: عدم القدرة على بناء حزب، واعتماد المنظمات والأحزاب الشيوعية على المثقفين، وعزلة شريحة من الشيوعيين واغترابهم عن المجتمع. هذه الظواهر يتجاوزها صلاح عدلى فى حديثه، بل يبدو متصالحا معها مشغولا بالمستقبل، ويقول: «بعد الأزمة المالية العالمية ظهرت كتابات تقول: لقد عاد ماركس بقوة، وهذه الإشارات تؤكد بقاء الأفكار والمنهج العلمى، المسألة ليست انتماء سياسيا فقط، بل إيمان بأفكار تحقق عدالة اجتماعية». وحتى مع اختلاف روح العصر التى دفعت الشباب بعيدا عن الأفكار والنظريات باتجاه القيم البسيطة المجردة، يقول أمين عام الحزب الشيوعى المصرى: «هذه المرحلة التى نعيشها الآن لن تستمر إلى الأبد، لابد من أحزاب وأفكار سياسية ونظريات متنوعة لخدمة مرحلة بناء النظام.. ليس علينا أن ننفر الشباب من الحزبية والأفكار السياسية لأنها أداة لابد من استخدامها». فى أثناء أحداث الثورة شارك أعضاء الحزب الشيوعى المصرى مع الجماهير، وهى اللحظة التى يسميها عدلى بالظرف الناضج للثورة، لكن هل تأتى هذه الثورة بأعضاء جدد لحزب ذى طبيعة خاصة؟ فى السبعينيات كانت الأعداد بالآلاف والمعتقلون فى السجون من الشيوعيين بالمئات. أما اليوم فينتظر الحزب الإعلان عن عدد الأعضاء ومصادر التمويل بعد ترتيب الأوراق فى الأشهر القادمة. ووسط زحام السياسة يفتقد الحزب الشيوعى المصرى أيقونة أو رمزا يقدمه للمجتمع.. يرد «صلاح عدلى» على ذلك قائلا: «كبار الشيوعيين رحلوا، لم يتبق سوى أبناء جيلى وشباب الحركة». يصمت قليلا ثم يكمل بحماس: « ماركس نفسه رفض أن يتحول إلى أيقونة.. لقد ترك أفكارا هو وغيره من المفكرين والسياسيين الاشتراكيين، والاشتراكية العلمية هى أساس مشروعنا القادم».


تكتيكات جديدة للحركة فى الشارع

منسق 6 أبريل: لكل مرحلة أسلوبها

«مساحة العمل السرى فى حركة 6 أبريل لم تكن كبيرة، كنا نلجأ للسرية فقط لإتمام نجاح الحركة فى الشارع منذ تأسيسها فى 2008 حتى ثورة 25 يناير». فى المقهى المجاور للمقر الذى يجتمع فيه أعضاء حركة 6 أبريل يروى أحمد ماهر ــ أحد مؤسسى الحركة والمنسق العام ــ عن مساحات العمل قبل الثورة وكيف تبدلت الرؤية بعيدا عن العمل السرى. هذه الأجواء الجديدة أدت إلى تبنى الحركة اقتراحا بأن تنتقل من كونها حركة «مقاومة» تسعى إلى تغيير النظام إلى جماعة ضغط سياسى. هذا الاقتراح ألقى بتأثير سيئ على بعض الأعضاء الذين انسحبوا من الحركة مؤخرا. يقول أحمد ماهر: «هذه المشكلة مررنا بها من قبل فى 2009 حين قررنا الانتقال من فكرة الاحتجاج إلى فكرة المقاومة.. والفارق كان كبيرا، فالمقاوم لا يكتفى بمظاهرة، بل يعتصم أو يكتب عبارات ثورية على الجدران، حتى إن تعرض للاعتقال.. وحين غيرنا خطتنا وقتها حدث موقف شبيه بالموقف الحالى وسرعان ما تم تجاوزه». لكن مجموعات على الفيس بوك ومواقع إخبارية نشرت قبل أسابيع قصة تحويل 6 أبريل إلى مؤسسة تتلقى دعما ماليا، وهو ما جعل مجموعة تنسحب من الحركة وتعلن أنها هى التى تمثل الحركة، وسرعان ما هدأت الأمور بعد النفى التام للفكرة من جانب المنسق العام. هذا الارتباك هو أحد أعراض ما بعد الثورة إذ كانت قصة 6 أبريل مع مؤسسها أحمد ماهر هى قصة صعود تم تتويجه فى أحداث الثورة، وبعد سقوط السلطة الحاكمة دار سؤال داخل الحركة وخارجها عن : ما مصير حركة 6 أبريل؟ يجيب أحمد ماهر قائلا: «الحل فى أن نكون جماعة ضغط سياسية.. البعض لم يفهم الفكرة حين طرحت لأول مرة، فنحن هنا نتحدث عن دور جديد يقدم توعية سياسية واجتماعية للوقاية من الوقوع فى فخ الطائفية أو عودة النظام الفاسد».
فى ضوء هذه النقلة التى يتحدث عنها أحمد ماهر هناك أجواء مختلفة داخل الحركة ستتغير، فى الماضى ــ حسب قوله ــ كان هناك أعضاء يتم دسهم داخل 6 أبريل من جانب الأمن لكشف مخططاتها. ويوضح قائلا: «كنت أحيانا ما أبلغ أحد المشكوك فيهم من الأعضاء بأننا سنقوم بمظاهرة مفاجئة فى التوقيت والميعاد الفلانى.. وهنا كنا نكتشف عميل الأمن و العضو النزيه، وهذا ما جعل هناك جانبا سريا فى عملنا». هذه الممارسات لم تتم إلا عبر التجربة والخطأ وخبرة سابقة لمؤسسى 6 أبريل فى مجموعة شباب من أجل التغيير التى سبقتها بسنوات وهناك اكتسبوا خبرات أخرى فى المظاهرات والعمل الحركى، أما عند تأسيس حركة 6 أبريل بعد نجاح الإضراب الشهير فقد اتفق المؤسسون على قناعة واحدة وهى: «أن يكون مستوى التخطيط للعمليات مغلقا على مجموعة من المؤسسين.. أما على مستوى التنفيذ فالأمر مفتوح لكل الأعضاء». وعلى هذا المنوال كان شباب الحركة يفاجئون الأمن بعمليات فى العامين الماضيين ذات طابع مختلف، مثل: توزيع منشورات أو ترديد أغان ثورية فى الشوارع. يروى أحمد ماهر هذه التفاصيل دون اكتراث بأنه سيفتقد أجواء التخطيط السرى التى اعتادها لسنوات، ويعلق قائلا: «أحيانا ما كانت سرية التخطيط تغضب بعض أعضاء الحركة لكنهم تفهموا الأسباب فيما بعد.. خاصة بعد أن تسببت التحركات المفاجئة فى إرباك الأمن عدة مرات، ومعاقبة بعض الضباط بسبب إخفاقهم المتكرر». هذا العمل الذى يمزج السرية بالعلنية تم أيضا فى 25 يناير، أما الآن.. «لم يعد هناك داع للتخطيط السرى قبل التحرك فى الشارع، لقد كانت المشكلة مع الأمن»، حسبما يذكر أحمد ماهر. وفى موقع 6 أبريل على الانترنت تبدو أجواء ما بعد الثورة واضحة للزائر، فى أحد الأركان تتم الإجابة عن سؤال: يعنى إيه منظمة 6 أبريل؟ وهناك شرح لفكرة جماعة الضغط، والفرق بينها وبين الحزب السياسى الذى يطمح إلى السلطة، وكذلك منظمات المجتمع المدنى. إذ يسعى الكيان الجديد إلى التأثير فى الحسابات السياسية عبر كوادره المنتشرة فى المحافظات، سواء فى التوعية السياسية أو دعم مرشحين تتفق أفكارهم مع مبادئ 6 أبريل. وعلى الموقع صور شباب الحركة وهم يقومون بالتدريب فى إحدى القاعات، يكمل أحمد ماهر حديثه قائلا: «قدمنا إلى مجلس الوزراء والمجلس العسكرى اقتراحا بقبول فكرة جماعات الضغط ككيان سياسى مشروع، وذلك حتى نعمل فى العلن ونبرز اختلافنا عن الأحزاب والمجتمع المدنى.. فنحن سنكون أداة رقابة أيضا». يدرك ماهر أن مرحلة العلن التالية واتساع العمل سيكون من الضرورى فيها تسجيل الحركة المالية والتبرعات للحركة، وكذلك اشتراكات الأعضاء، حتى يكون كل شىء معلنا أمام الدولة. يقول: «لدينا ثوابت فى لائحتنا الداخلية هى التى ستدير مواقفنا من القوى السياسية فى المستقبل.. على سبيل المثال لن أدعم مرشحا يدعو إلى زواج المثليين ولا مرشحا يدعو إلى دولة دينية». نبرة الحوار دفعت بسؤال: هل أنهت 6 أبريل المرحلة الثورية وبدأت مرحلة الإصلاح ؟ يجيب سريعا: «طوال الوقت كنا ثوريين وإصلاحيين.. كنا نقدم مشروعات تنموية فى مؤتمرات على أمل الإصلاح فى ظل النظام القديم، لكن لم يلتفت إليها أحد». يصمت قليلا ثم يكمل: «على فكرة.. لن نتخلى عن أدوات المقاومة، فماذا إن حدث فى أسوأ الظروف وجاء حاكم ديكتاتور، ألا يحتاج إلى إسقاطه من جديد؟» يبتسم منهيا حديثه تاركا خلفه طموحات للانتقال بـ6 أبريل إلى منظمة تؤثر فى موازين القوى السياسية.


لا مجال للكيان الأخطبوطى السابق

3 أسئلة للباحث حسام تمام - المتخصص فى شئون الحركات الإسلامية - حول التغيرات التى ستطرأ على جماعة الإخوان المسلمين:


استبداد النظام القديم كان يزيد من تماسك جماعة الإخوان .. فهل ستواجه خطر التفكك بعد اختفاء النظام الذى كان يهددها؟
- علينا أن نلاحظ أمرا مهما وهو أنه رغم أن الإخوان كانت من القوى السياسية الأكثر استفادة من الثورة، إلا أنها على أرض الواقع لم تستقطب أعدادا جديدة، بل إنها الآن تحاول الحفاظ على قواعدها الأصلية، واتضح هذا فى انتخابات الجامعات التى كشفت عن حضور هش فى بعض الكليات، رغم أن إجراء الانتخابات كان بعيدا عن القبضة الأمنية التقليدية.. ما حدث فى 25 يناير كان ثورة استثنائية أسقطت كيانات راسخة، وطبيعة المرحلة القادمة لن تعيد إنتاج تجربة الكيان الأخطبوطى الذى تشكلت عليه جماعة الإخوان، لأن هذا الكيان الضخم كان يضم تحت لوائه أفكارا وتيارات متنوعة، وقد بدأت بوادرها الآن فى الظهور على شكل أحزاب سياسية، لكن من المستبعد أن تحدث انشقاقات عظيمة أو تفكك سريع، ما يحدث هو نوع من فرز للتيارات الداخلية.

تأسست جماعة الإخوان المسلمين فى العام 1928 وظلت محتفظة ببنائها التقليدى على مدار هذه العقود الطويلة.. هل ترى أن هذه البنية القديمة والأسلوب الدعوى فى النشاط السياسى سيصبح مقبولا مع مجتمع قام بثورة رفض فيها الشعارات الدينية أو سيطرة الرموز عليها؟
- إذا ما تغيرت قواعد النظام السياسى الجديد ليصبح نظاما تعدديا فسيتحول الإخوان إلى قوة سياسية ضمن بقية القوى، لكن ما حدث فى الاستفتاء الأخير وتحويله إلى قضية دين وهوية بعيدا عن السياسة هو ما يجعل البيئة السياسية نفسها تقليدية وقديمة ضد التطور.. كذلك فإن الإخوان لديهم مشكلة فى تطوير أدائهم مع القوى السياسية الأخرى بدلا من اتخاذ قرارات أحادية مثل الانسحاب من حوار وطنى أو عدم المشاركة فى مظاهرة.. كل هذه المؤشرات سلبية تدل على التمسك بالمنطق القديم، وعدم القدرة على التعاون مع القوى الأخرى. والمشكلة التى ستواجه الإخوان الآن هى أنهم لم يعودوا من يحدد قوة الحدث السياسى. فهناك قوى أخرى صاعدة.

هل هناك دواع لاستمرار التخطيط السرى داخل جماعة الإخوان بعد أن سقطت قيود النظام السابق، وهل سيؤثر ذلك فى المستقبل على أى عمل حزبى للجماعة؟
- مما لا شك فيه أنه على جماعة الإخوان المسلمين أن تقدم عربونا للتواصل الجيد مع الشعب المصرى بعد سقوط النظام، فلم يعد من المقبول فى هذه الأجواء الجديدة أن تستمر المخططات الداخلية السرية فى الوقت الذى بدأت تظهر فيه كيانات أخرى على الساحة السياسية أكثر وضوحا. والمشكلة التى ستواجه الجماعة فى الفترة المقبلة هى ضرورة التمييز بين السياسى والدعوى وقد حدث هذا فى تجربة المغرب التى فصلت فيها الجماعة نفسها عن نشاط الحزب. المشكلة الحقيقية أن هناك نزعة هيمنة بدأت تعلو عند تيار الإسلام السياسى وتطغى على هذه الحسابات وهو ما قد تكون عواقبها وخيمة على المدى البعيد.

Tuesday, May 31, 2011

كل رجال الباشا - كتاب يواجه أسطورة محمـد عـلى وجيشـه



لا يَخفى على رواد ندوات الدكتور خالد فهمى رئيس قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ــ تأثره بأطروحته الأولى عن جيش محمد على، التى حطم فيها أسطورة محمد على باشا وجيشه «الوطنى». وفى الطبعة الثانية من الكتاب الصادرة مؤخرا عن دار «الشروق» يصبح لهذه الأطروحة مذاق آخر، إذ تصبح القراءة عن تحطيم أسطورة محمد على أكثر إثارة فى زمن الثورة التى حطمت هى الأخرى أسطورة حاكم سابق استخدم دعايته وخلفيته العسكرية فى صنع أسطورته الخاصة. وبالمرور على فصول «كل رجال الباشا» تبدأ بعض القناعات فى التغير تدريجيا.. ليس فقط على مستوى موضوع الكتاب، بل أيضا ــ وهو الأهم ــ على مستوى رؤيتنا للتاريخ وكيف تم تقديمه لنا طوال العقود الماضية.
كتاب «كل رجال الباشا» هو ثمرة جهد عشر سنوات قضاها الكاتب مع موضوعه أثناء إعداد رسالة الدكتوراه فى جامعة أكسفورد البريطانية، وصدرت طبعته العربية الأولى عن دار الشروق فى عام 2001 بترجمة الدكتور شريف يونس أستاذ التاريخ بجامعة حلوان، ولم يخشَ خالد فهمى من أن يذكر أنه عجز عن إقامة علاقة مودة مع محمد على باشا، خاصة حين تيقن أن الفظائع التى ارتكبت فى عهده لم تكن بسبب «الحاشية الفاسدة، التى تحيط بالحاكم العادل»، بل كانت سياسات عامة قهرت السكان البسطاء كى يحقق محمد على أطماعه التوسعية. وتبرز لدى خالد فهمى قضيتان يمكن ملاحظتهما على مدى أكثر 450 صفحة، الأولى: هى اهتمامه بنقد الكتابات التاريخية التى كرست صورة عظيمة لمحمد على وعصره، أما الثانية: فهى البحث عن صوت المصرى المهمَّش من خلال دراسة مؤسسة الجيش والبحث عن الجندى المستضعف داخلها، معتمدا على فكرة «التأريخ من أسفل».
فى بداية مقدمة الطبعة العربية الثانية للكتاب يعرض فهمى حالة نموذجية للكتابات التاريخية المفخخة، التى تناولت عهد محمد على، ضاربا المثل برسالة من محمد على إلى أحد موظفيه أوردها أمين سامى باشا مؤلف كتاب «تقويم النيل»، وتم استخدام هذه الرسالة وقتها للتأكيد على فكرة «الحاكم المهموم بمصالح شعبه»، لكن خالد فهمى، الذى أطلع على أصل الرسالة المدونة بالتركية وجدها ذات معنى آخر تماما، بل وجد أنها تتضمن إهانات للمصريين. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل رصد فهمى أنه قد كان لتدخل الملك فؤاد الأول فى عملية التأريخ لجده الكبير وعملية الأرشفة أثرا على حركة الكتابة التاريخية فيما بعد، إذ تم اعتبار محمد على الكبير مؤسس مصر الحديثة.
كيف يصل خالد فهمى إلى صوت الجندى الغائب فى الوثائق التاريخية؟ كانت خطته تعتمد على أدوات كشفها مبكرا فى مقدمة الكتاب. إذ استعان أولا بالفيلسوف والمؤرخ الفرنسى ميشيل فوكو الذى لعب من قبل اللعبة نفسها مع التاريخ الأوروبى الحديث وتحديدا فى نقد مؤسسات الدولة الحديثة. لذا كانت المهمة واضحة أمام خالد فهمى فى نقده لمؤسسة الجيش وعلاقتها بالأفراد، كذلك استعان بمنهج «مجموعة دراسات التابع»، التى ركز مؤرخوها على دراسة من هم خارج النخبة السياسية، وهو منهج يصلح استخدامه فى حالتنا هنا مع جنود محمد على. تبقى قضية مهمة يطرحها خالد فهمى عن مدى وعى هؤلاء الجنود بفكرة الوطنية. بل فوق هذا يطرح سؤالا عن هل كان الباشا محمد على نفسه يؤسس جيشا وطنيا «مصريا» على اعتبار أنه يبنى دولة حديثة؟ هذه الفكرة الأخيرة كانت محركا لكثير من كتابات المؤرخين، الذين رأوا فى محمد على بانيا لمصر الحديثة مثل عبدالرحمن الرافعى الذى كتب فى كتابه «عصر محمد على» واصفا التجنيد فى الجيش بأنه «الدعامة الأولى التى شاد عليها كيان مصر المستقلة». لذا كان على خالد فهمى أن يشتبك مع هذه المسلمات التى راجت لعقود طويلة، أو حسب عبارة الدكتور شريف يونس ــ المترجم ــ فى مقدمته فإن «خالد فهمى يقوض جدرانا بأكملها من صرح النمط الوطنى السائد فى الكتابة التاريخية المصرية ومسلماتها». هذه الخطة تجعل لهذا الكتاب نوعا من الخصوصية، ورغم أن المؤلف يدرس أحوال جيش خاض حروبا ومعارك ضارية فإنه على القارئ ألا يتوقع قراءة مسلية عن فتوحات وانتصارات.. فالهدف هنا مختلف.

مواجهة مع الباشا
يشعر القارئ فى بعض الأوقات أن محمد على قد اقتطع مساحات كبيرة من الكتاب قد توازى حضور جنوده، ورغم أن العنوان الكبير هو: كل رجال الباشا، فإن خالد فهمى استهدف محمد على بقوة، لذا كان العنوان الفرعى للكتاب أكثر واقعية وهو: محمد على وجيشه وبناء مصر الحديثة. وفى مسيرة المؤلف يبدأ بنقد الأسباب التى صاغها المؤرخون أثناء تفسيرهم لحملات جيش محمد على العسكرية إلى الجزيرة العربية والسودان واليونان وسوريا، ويعرض من خلال الوثائق التى توصل إليها وجها آخر للعمليات العسكرية حين يروى قصة ضابط هارب من المعركة، مقارنا كيف تم عرض نفس القصة فى كتاب لمؤرخ عسكرى مثل عبدالرحمن زكى ذكر أن ذلك اللواء «تاه فى الضباب» وهى الرواية الوطنية، التى تصر دوما على الحفاظ على الكبرياء العسكرى للجيش المصرى. وبعيدا عن التأريخ للضباط والقادة يبحث خالد فهمى فى كتابه عن الجندى المهمش، بادئا بعرض البدايات الأولى لإلحاق المصريين بجيش الباشا، وذلك ما تكشفه رسالة من محمد على إلى مدير مديرية جرجا آنذاك عن رغبة الوالى فى تجنيد سكان محليين لتغطية مشاكل جنوده الأتراك فى السودان، لم تكن النية إنشاء «جيش وطنى» لتحقيق طموحات الوطن والاستقلال، لكنها كانت أسبابا أخرى. ويستمر خالد فهمى فى خطته بحثا عن الجندى فى زحام الأحداث، من خلال رصد العلاقة بين المؤسسة العسكرية والفرد، ليكشف عن «فرد» مقهور يتحول إلى رقم فى ملفات المؤسسة، لا يدرك دوره فى طموحات الباشا الكبير، يحاول الهرب والفرار من «الجهادية» حتى إن اضطر إلى تشويه جسده، أو تحمل المرض والقهر وهو مكره. هذه النقطة الأخيرة تغاضى عنها كثير من مؤرخى الوطنية الذين رأوا فى محمد على رمزا لمشروعهم الوطنى. ولا يكتفى الكاتب بذلك بل يضع محمد على فى إطاره العثمانى كوالٍ جاء إلى الحكم على غير رغبة كاملة من السلطنة، واستمر فى ولايته محاولا الحفاظ عليها مطيعا للسلطنة أحيانا، وعاصيا لها فى أحيان أخرى، متأثرا بنجم تلك المرحلة نابليون بونابرت ذى السمعة العسكرية الشهيرة. وبعد رحلة فى الوثائق يرى خالد فهمى أنه لم يكن من طموحات محمد على باشا فى يوم من الأيام أن يؤسس دولة مصرية حرة مستقلة، لكنه أراد حكما أسريا يرثه أبناؤه من بعده.
بعد الانتهاء من قراءة «كل رجال الباشا» قد تعلق فى الأذهان أمثلة ساقها الكاتب تضيء علامات استفهام فى رأس القارئ، حتى أن كان قد أجاب عنها الكتاب فى صفحاته، مثل تمسك محمد على بالتحدث بالتركية دون تعلم العربية حتى وفاته أو إبقائه على الجنود المصريين «أولاد العرب» فى درجة أقل من ضباطه المتحدثين بالتركية، أو عن شعور الجندى المصرى وهو يواجه عسكر السلطان العثمانى «المسلمين» فى المعركة، هل كان ذلك جهاد فى سبيل الله أم فى سبيل الباشا؟ لقد كانت الراية التى يحملها الجند أثناء مواجهات محمد على مع السلطان العثمانى كاشفة لحقيقة الموقف، لم تكن راية إسلامية، ولا ذات صبغة مصرية وطنية، كانت راية عليها شعار واحد.. هو اسم الباشا، محمد على.

Thursday, May 19, 2011

الريف يريد تغيير النظام

الحياد والاستقلالية أهم أدوات المرحلة
كتب - عبدالرحمن مصطفى









الخريطة السياسية فى قرية الماى (محافظة المنوفية)، كما يرى عماد سمير (33 سنة)، بدأت تتغير فى اتجاه غير معلوم، ولا أحد فى العاصمة يهتم بما يحدث فى الريف على حد قوله: «أتعجب من انكباب قوى المجتمع المدنى فى القاهرة على توعية شرائح لديها وعى سياسى بالأساس تاركين خلفهم الريف يصارع ماضيه السياسى». يلقى عبارته فى أحد الكافيهات الشهيرة بمدينة شبين الكوم (محافظة المنوفية) التى تبعد عن قريته «الماى» 4 كيلومترات تقريبا. ثم يضيف: «بحكم عملى فى الهيئة العامة للتأمين والمعاشات كنت أتعامل أحيانا مع البسطاء واكتشفت غياب الوعى بحقوقهم إلى حد كبير، كما اكتشفت وصول نسبة الأمية فى قريتى إلى الربع، وفى بداية هذا العام فكرت فى تأسيس جمعية تحت اسم (وعى) ذات طابع تنموى، لكن زياراتى إلى ميدان التحرير فى فترة الثورة كشفت لى أن التاريخ يصنع بشكل آخر، وتحول مشروع الجمعية إلى (رابطة وعى) بقرية الماى». يأمل عماد ورفاقه فى أن يكون لـ(وعى) دور فى تغيير ملامح العملية السياسية فى قريتهم. يخرج من حقيبته منشورا أعدته الرابطة تحت عنوان «اختار صح ...تعيش صح» مكتوبا بلغة عامية توضح مهام عضو البرلمان وأسس اختياره، ويقول عماد: «الهدف أن تصل الفكرة بشكل جذاب». فى نهاية المنشور فقرة تحتوى على هذه العبارة «مش دى بلدنا، وده حقنا؟ ولا هانستنى تانى لحد ما نجيب بإيدينا شوية بلاليص يقعدوا فى مجلس الشعب؟!».
فى الطريق إلى (الماى) يشرح طبيعة القوى السياسية هناك قائلا: «كانت أكبر قوة سياسية بيد الحزب الوطنى الديمقراطى المنحل، ثم من بعده الإخوان المسلمون.. أما أسس اختيار النائب فكانت تحددها أمور كثيرة.. على رأسها قدرة المرشح على التأثير على العائلات ذات القدرة التصويتية العالية». يقدر عدد سكان الماى حسب تقديرات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فى العام 2006 بـ 24 ألف نسمة، لكن تقديرات حديثة تعلو بالرقم من 45 إلى 60 ألف نسمة، وتقع قرية الماى ضمن دائرة البتانون الانتخابية، حيث يراهن كل مرشح برلمانى على اجتذاب أصوات الماى من أجل نيل كرسى البرلمان. وعلى عكس بعض قرى الريف الأخرى فإن الماى تختلف فى أنها لم تعش أجواء إقطاعية صاخبة قبل ثورة يوليو 52، وهو ما أوجد تقاربا بين مستوى العائلات هناك، وهو ما جعلها أيضا حالة نموذجية فى الفترة الناصرية حين أنشئت السينما والمسرح إكراما لقرية تكاد تكون خالية من الإقطاع. أما اليوم فقد تحول المسرح إلى «خرابة» تجتذب الشاردين.
على مقهى مجاور للمسرح القديم كان محمد عبدالسميع عبدالله ــ عضو اللجنة العامة لحزب الوفد بالمنوفية ــ ينتظر حسب الموعد.. ينتمى محمد إلى إحدى العائلات المؤثرة سياسيا فى القرية، إلا أن ذلك الأمر كان سببا فى غربته طوال السنوات الماضية، ويشرح ذلك قائلا: «عانى جيلى من الإحباط وعدم ممارسة السياسة فى الجامعة، وفى العام 2000 انضممت إلى حزب الوفد، لكن ذلك كان خارج سياق العائلة، إذ كان والدى على سبيل المثال عضوا فى الاتحاد الاشتراكى ثم من بعده عضوا فى الحزب الوطنى، وهكذا كانت ميول الكثير من العائلات». ينوى محمد عبدالسميع تأسيس مقر للوفد فى القرية مستندا إلى اختلاف الأجواء عن السابق، فبعد أن كان هناك استهجان لخروجه على الأغلبية، أصبحت اليوم هناك مساحة للنقاش وقبول الاختلاف بعد حل الحزب الوطنى. ويقول: «كان الأمر فى الماضى يصل إلى حد تدخل البعض فى طموحاتى السياسية تحت تأثير قوة الحزب الوطنى على العائلة وقتها.. وازداد الأمر حين انضممت إلى حزب الغد فى 2004 خصوصا حين قدت حملة أيمن نور الرئاسية فى 2005». حسب عبارته كان البعض فى القرية يعتبرونه «مجنونا» لتأييده مرشحا ضد مبارك. أما اليوم فبإمكانه إدارة حوار فى المناسبات الاجتماعية بصفته الوفدية بعد أن عاد إلى الوفد فى العام الماضى.
تلك الحالة الجديدة على القرية التى يستبشر بها محمد عبدالسميع وعماد سمير لايزال يصاحبها غموض قادم، خصوصا أن القواعد القديمة للعملية السياسية لم تتغير، وهناك شرائح كانت مؤيدة للحزب الوطنى ما زالت تتحسس الطريق، أحدهم على سبيل المثال هو فتحى مندور الذى كان أمينا للتنظيم عن الحزب الوطنى بالقرية، واليوم يتبرأ من ماضيه السياسى قائلا: «أنا نادم على مشاركتى فى يوم من الأيام داخل هذا الحزب... ربنا يسامحنى» .
ورغم تأكيده على أن الحزب قد كان بالفعل القوة الأولى داخل القرية فإن أغلب الأعضاء كانوا «يحملون كارنيه الحزب وليس لديهم أدنى انتماء له». وبحكم خبرته السياسية فى القرية يرى أن قواعد اللعبة السياسية لن تختلف كثيرا، ويشرح ذلك: «ربما يكون هناك 20% من الناخبين هم من سيختارون مرشحهم على أساس سليم، أما الباقون فستظل تحكمهم القواعد القديمة اعتمادا على علاقة المرشح بالعائلات، وما يقدمه من إنفاق على القرية.. بل أعتقد أن الإخوان المسلمين قادمون لأنهم أكثر قوة منظمة من العهد الماضى». اليوم ازداد عدد من ينوون ترشيح أنفسهم داخل القرية، وهناك من بدأ حملته مبكرا.. إذ تكفى نظرة حول المقهى الذى يجلس عليه عماد سمير ومحمد عبدالسميع لملاحظة تلك الدعاية من الآن. ينضم إلى الجلسة طالبا السنة النهائية فى كلية الهندسة أحمد عرفات وصديقه أحمد جمال. وكلاهما من زملاء عماد سمير فى رابطة «وعى» ذات الموقف السياسى الداعى للدولة المدنية، بمجرد مجيئهما استدعى الحديث عن الإخوان المسلمين فى القرية موقفا تعرضا له أثناء الاستفتاء الأخير، إذ وقع اشتباك طفيف فى مؤتمر نظمه الإخوان حول التعديلات الدستورية حين حاول المؤيديون لـ(لا) طرح وجهة نظرهم خوفا من تأثير الإخوان على الجماهير والزج بهم ناحية (نعم). يقول عماد سمير: «أحدهم وصفنا بأننا ثورة مضادة..رغم أننا كلنا شاركنا فى أحداث الثورة».

مدنية أم إسلامية؟
يمتاز نشاط التيار الإسلامى فى القرى بوجوده الملحوظ عبر النشاط الخدمى طوال العام، والتواصل الفعال مع الجماهير. لكن تظل هناك قواعد متشابكة داخل «الماى» لاختيار المرشح البرلمانى، منها أن يكون المرشح من أبناء القرية، وهنا قد يأتى الدعم الجماهيرى دون الاهتمام بفكرة الانتماء السياسى وهو ما أتى بعضو إخوانى فى انتخابات 2005 . ولدى طارق رجب ــ أحد إخوان قرية الماى ــ تعليقات حول مخاوف بعض المستقلين أو أنصار الوطنى القديم من ازدياد فرص الإخوان فى المستقبل إذ يقول: «ليس ذنب الإخوان أن فاعلياتهم تعمل طوال العام وليست فى المواسم الانتخابية فقط، أضف إلى هذا أن لدينا خطة عمل وحملات تثقيفية قادمة وأنشطة خدمية لقريتنا».
يزداد القلق لدى بعض الشرائح المثقفة فى القرية التى ازداد قلقها من تنامى قوة التيار الدينى وظهور عنف من بعض السلفيين فى المنوفية والقليوبية ضد الأضرحة الصوفية على سبيل المثال مؤخرا. وكلها تخوفات تزداد لدى شاب مثل عماد سمير الذى يسترجع كلمة لشيخ سلفى هو حازم شومان وصف الدولة المدنية فى إحدى خطبه بأنها: «يعنى أمك ما تلبسشى حجاب». لكن هذه التخوفات يراها طارق رجب المنتمى إلى الإخوان المسلمين أمرا مبالغا فيه قائلا: «ما الضرر أن تكون مرجعيتى دينية فى مقابل مرجعيته الماركسية أو الليبرالية!؟».يخرج أحمد عرفات، الشاب الذى لم يتجاوز 22 سنة، عن صمته طوال فترة جلوسه على المقهى كاشفا عن أنه ينتمى لأقلية نادرة من اليساريين فى قرية الماى، بل أنه عضو فى حزب التجمع من قبل الثورة. ويقول: «لا شك أنها غربة أن تكون ضمن أقلية فى مواجهة كتلة كبيرة مؤيدة للحزب الوطنى المنحل ووسط حضور للإخوان المسلمين». هنا.. يبتسم صديقه أحمد جمال الذى طالما عارضه فى انتمائه السياسى، لكن عرفات يكمل حديثه: «لا شك أن هناك صورة نمطية لليسارى فى القرية، مثل أنه شيوعى ضعيف الإيمان، خصوصا مع تحذيرات المشايخ على المنابر من الشيوعية طوال السنوات الماضية»، هذه الصورة رسمها أيضا ضعف الوجود الحزبى اليسارى فى القرية، وارتباط هذه الفئة بأجواء الثقافة وإخفاق بعضهم فى الوصول لكرسى المجلس مع سطوة الحزب الوطنى والتضييق الأمنى عليهم. أما الآن فحسبما يصف أحمد عرفات: «أصبحت لنا شرعية ــ كشباب ــ بعد نجاح الثورة، حتى فى التعامل مع عائلاتنا».
صخب الحديث عن المستقبل يشوش عليه صخب السيارات من حول المقهى ومقاطعة المارة للحديث، فى إحدى اللحظات الهادئة يقتنص أحمد جمال عضو رابطة «وعى» الفرصة لافتا إلى أمر خطير داخل القرية، ويقول: «أخطر ما قد نواجهه مستقبلا هو تفتيت الأصوات مع ازدياد عدد المرشحين وهو ما قد يأتى بعضو من الوجوه القديمة أيا كان انتماؤه وهو ما لا نرغب فيه.. كل طموحنا أن نرى وجها جديدا ندعمه، ويتبنى منطق المرحلة التى نعيشها». يصمت الجميع قليلا ثم يبدأ عماد سمير الأكبر سنا فى طرح مقترحات، مشيرا إلى تعاونه مع بعض القوى الشبيهة فى القاهرة مثل «رابطة الشباب التقدمى»، ويقول فى حماس: «نفكر فى صنع ملصقات تعتمد على الرسم لتوجيه رسائل إلى العامة عن أسس الاختيار السليم فى العملية الانتخابية».
العبارة لم تمنع أحمد جمال من العودة إلى نقطته الأولى مرة أخرى قائلا: «كل ما نخشاه هو أن نراهن كشباب مستقل على أحد المرشحين وندعمه ثم يخذلنا.. نحن مقدمون على مرحلة صعبة». على الرغم من أجواء القلق التى تسيطر على الجميع هنا فإن الجميع يترقب القادم على أمل تغيير ملامح العملية السياسية فى القرية.. أما عماد سمير فيختتم قائلا: «الريف هو البوابة الخلفية للسياسة فى مصر، فإن لم تحموا بوابة مصر الخلفية.. فعلى الدنيا السلام».







رحلة البحث عن المصري الجديد


يتابع محمود متعب المحاضرة بقلق على أمل الحصول على نتائج طيبة على المدى البعيد، يقول معلقا: "هذه هي المحاضرة الثانية لنا في بني سويف، والمرحلة القادمة من الحملة ستدار بأيدي أبناء بني سويف أنفسهم". محمود متعب هو أحد المتطوعين والمؤسسين في حملة الوعي السياسي التي اتخذت عنوان "مصري على باب الديمقراطية" حسب عنوان الحملة على شبكة فيسبوك الاجتماعية، أما تفاصيل هذا المشروع فتعتمد على إعطاء دورات سياسية على أيدي أكاديميين متخصصين ثم الاعتماد على المتدربين في نقل هذه المعرفة إلى شرائح اقل ثقافة في مجتمعاتهم، وذلك بعيدا عن توجيه الحضور أو فرض اختيارات سياسية عليهم. يكمل محمود شارحا: "التقيت بمجموعة من الشباب في ميدان التحرير وبدأنا هذا العمل بعد مناقشات حول الطريقة المثلى للحفاظ على مكتسبات الثورة، وكان هدفنا أيضا أن نصل إلى المحافظات خارج القاهرة، وحين تواصلنا مع كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، رحبوا بالفكرة.. وخرج مشروع المصري الجديد من مركز حوار الحضارات بالكلية ليتوجه إلى المحافظات خارج القاهرة". في داخل قاعة المحاضرة في الطابق الأخير من مستشفى بني سويف الجامعي كان الدكتور صالح الشيخ الأستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة يحاضر عن المفاهيم السياسية والدستور، ولم يخلو الأمر من قفشات أو تعليقات حماسية عند محاولة الربط بين ما يتلقاه المتدربين من معلومات وما هو على أرض الواقع، ويعتمد المشروع في تعامله مع الحضور على نظام (TOT) أو تدريب المدربين، إذ يراهن منظمو الحملة على أن يتصدى الشباب الحاضر إلى تدشين حملات توعية سياسية في مناطقهم داخل بني سويف. ومن المخطط أن يصدر عن كلية الاقتصاد والعلوم السياسية كتيبا يساعد المدرب فيما بعد أثناء تعامله مع الجمهور فيما بعد. في هذه الأثناء يتابع الدكتور ياسر دياب أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة كأحد المنظمين لهذا النشاط. ويقول: "بعد الثورة تواصلت مع بعض شباب بني سويف عبر الفيسبوك، وبدأنا لقاءاتنا على أرض الواقع، وفي نفس الوقت لفتت نظري حملة المصري الجديد وإمكانية نقلها إلى بني سويف.. وقد كان، وآمل أن تنجح مثل هذه الحملات في منع عودة الحياة السياسية إلى ما كانت عليه من فساد واختيار غير واع لأعضاء البرلمان". وبمجرد أن بدأت فترة الاستراحة بين جزأي المحاضرة، انشغل الجميع في أحاديث جانبية خارج قاعة المحاضرة تكشف عن التنوع السياسي والاجتماعي للشباب الحاضر بين من يعمل إماما لمسجد، وشاب ذو ميول قومية لا يخفيها، وثالث ليبرالي.. ويجمعهم طموح أن يمارسوا التوعية السياسية في محافظتهم ومواجهة مجتمعاتهم وخصوصيتها. في هذه المحاضرة حاول أحد الحاضرين بدافع الفضول عرض وجهة نظره من وجهة نظره كإسلامي، بينما شهدت المحاضرة السابقة نقاشا حول الانتماء إلى القبيلة (لذوي الأصول العربية) وكيف يجب ألا يتعارض مع الالتزام بأسس نزيهة عند اختيار عضو البرلمان. المهندس إسلام فتحي الناشط في مدينة بني سويف أحد هؤلاء الذين سيواجهون نظاما قديما ينتظر التغيير، ويقول: "الهدف أن أوصل للناس رسالة حول مهام عضو البرلمان وأسس اختياره وما هو الدستور وغير ذلك على أمل التغيير إلى الأفضل" . يصمت قليلا ثم يعلق باسما: "ليس لدي مشكلة في الانتقال بتوكتوك بين القرى للتنويه عن ندوة للتوعية السياسية". يشارك الدكتور ياسر دياب معلقا على حالة يراها في القرية التي تنتمي إليه جذوره في بني سويف، ويقول: "المشكلة أن ترى الناس في القرية بعد حل الحزب الوطني وزوال تأثيره، ما زالوا يديرون أحاديثهم فيما بينهم حيث لا تصل إليهم المعلومات الكافية.. الجميع في حاجة إلى التحاور مع غيره في هذه المرحلة.. لأن أكبر خطر أن يعود نفس المرشحين بنفس طريقتهم وكأن شيئا لم يكن". في ختام اليوم يبدأ عرض خطة المرحلة الثانية من المشروع وتعتمد على تكوين فريق عمل بالمحافظة واختيار متدربين ذوي المهارات العالية كي يكونوا مدربين في المرحلة التالية ثم عمل أنشطة تعتمد على دراية المتطوعين بمجتمعاتهم.. وما أن ينته يوم العمل حتى يكمل كل متدرب بقية يومه محتفظا بعنوان كبير هو شعار المرحلة القادمة في التوعية وهو "التوعية الحيادية" على أمل التأثير في الآخرين وإصلاح الحياة السياسية في محافظته.


مصير التوعية في متاهات السياسة


يرى الدكتور مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن التوعية السياسية في الريف لن تغير مزاجه الانتخابي ضد مرشحين قدامى أو لصالح مرشحين جدد، فحتى مع تغير ملامح الخريطة السياسية بعد سقوط الحزب الوطني سيظل المعيار الأساسي هو مصالح الناخب. هذا الرأي لا يختلف كثيرا عما يعتقده أحمد عبدالعليم المدرب في مجالي التنمية وحقوق الإنسان، إذ يقول: "ليس من المتوقع أن تتغير القواعد القديمة للعملية السياسية تماما.. على سبيل المثال فيمكن ملاحظة وجود نسبة كبيرة تريد بالفعل تغيير الواقع السياسي تماشيا مع حالة الثورة، لكن على جانب آخر نكتشف أن بعض أعضاء الحزب الوطني المنحل والوجوه البرلمانية القديمة تحاول ركوب الموجة والعودة من جديدة وهو ما لاحظناه في بعض المحافظات". ورغم هذا الترقب الذي يعيشه العاملون في مجال التدريب والتوعية إلا أن هناك بعض الملامح الجديدة لم تكن متواجدة من قبل، إذ يصف أحمد عبدالعليم الأجواء قبل الثورة بأنها كانت خانقة على بعض أنشطته، للدرجة التي كان يقلق المتدربون من موضوعات مثل أساليب الاحتجاج والمقاومة والضغط، خوفا من فكرة الاعتصام والمظاهرة وغيرهما. أما اليوم فيقول: "بعد تجربة في التدريب على التوعية بعد الثورة، لمست استعدادا وتسامحا من المتدربين للحديث عن أساليب الاحتجاج والضغط والمقاومة، في أجواء أقل حذرا من قبل.. لكن ما نحتاجه اليوم هو أساليب مبتكرة ومختلفة عن الفترة الماضية، بحيث نبتعد قليلا عن أداء المحاضرة والندوة". تلك الأجواء الجديدة على عالم التوعية السياسية أدت إلى نتائج جديدة لم تكن لتحدث من قبل مثل أن تقام ندوة للتوعية السياسية في جمعية خيرية مثل "رسالة"، وهو ما يؤكد معتزبالله محمد مدير الدعاية في الجمعية بأنه كان من الصعب حدوث ذلك في السابق، لكن الحدث فرض نفسه وعقدت أول ورشة توعية سياسية على يد معتزبالله نفسه قبيل الاستفتاء الأخير، ويقول:"كان الهدف مناقشة مفاهيم عامة عن الدستور وبعض المفاهيم السياسية، ولم يكن الهدف بأي حال توجيه الحاضرين لأن أغلبهم من الشباب الواعي، لكنهم يفتقدون الوعي السياسي تحديدا". وينوى معتزبالله نقل فكرة التوعية السياسية إلى فروع أخرى خارج القاهرة في الشرقية والمنصورة، وبعد أن كانت بعض الأقلام تتهم العمل الخيري بأنه مهرب من السياسة، بدأت السياسة في التواجد داخل مساحات أخرى، ويعلق معتزبالله قائلا: "لا أعتقد أن اهتمام الشباب بالسياسة سيؤثر على اهتمامهم بالعمل الخيري أو التطوعي.. فكلاهما مطلوب". وكانت دراسة صادرة عن مجلس الوزراء المصري قد أشارت في العام 2009 إلى أن نسبة الشباب المتطوع في العمل الخيري لا تتجاوز 3%. ويعود الدكتور مصطفى كامل السيد معلقا على إمكانية تغيير ملامح العملية السياسية في الريف قائلا: "كل ما نراهن عليه في المستقبل أن تؤثر حملات التوعية السياسية في تغيير نمط التصويت، وليس من المفترض أن يحدث تغييرا جذريا بسبب رواج الحس الثورة الحالي، ستظل هناك حسابات مؤثرة في العملية الانتخابية مثل الروابط العائلية، وكاريزما المرشح الانتخابي، والخدمات التي يقدمها.. فتقدم الحزب الوطني في السابق لم يكن سببه الانتماء والولاء للحزب بقدر ما كان بسبب تغليب المصالح إضافة إلى عامل التزوير". وحسبما يرى الدكتور مصطفى كامل السيد، فإن نضج الناخب ووعيه في لحظة الاختيار هو المكسب الحقيقي من عمليات التوعية لكنها يحدث على مدى بعيد.

Thursday, April 28, 2011

شباب بين القلق الثوري والرغبة في الاستقرار




العلاج فى المشاركة .. بدلا من مقاعد المتفرجين


على المقهى نفسه فى منطقة وسط البلد تقاسم مينا هانى ــ مهندس الشبكات ــ وصديقه ماجد بيومى ــ مهندس الإنشاءات ــ نشوة الحس الثورى طوال فترة اعتصام التحرير حتى انتهوا بإسقاط الرئيس السابق مبارك، أما اليوم فيجلسان فى حالة مختلفة يشرحها مينا هانى (27 سنة) قائلا: «أنا أحد من مروا بحالة من الانتكاس النفسى بعد أن عدنا من أحداث الثورة إلى مقاعد المتفرجين». أما صديقه ماجد بيومى (28 سنة) فيتعامل مع الموقف بمنطق آخر يشرحه قائلا: «بعد العودة إلى العمل ومع اضطراب الأحداث والغموض المحيط بكثير من القرارات السياسية شعرت بارتباك وإحساس بالعجز، خصوصا مع الالتقاء بمن ليس لديهم أى وعى سياسى أو اهتمام حقيقى بما يحدث حولهم، لكن هذا لم يفقدنى الأمل». القلق الذى مر به كلاهما مؤخرا يرجعانه إلى انسحابهما مع كثير من «شباب التحرير» من الأحداث بعد أن شاركوا فى صنعها، ثم ظهور أسماء أخرى خطفت المشهد العام مثل: «المجلس العسكرى»، «ائتلاف شباب الثورة»، «السلفيين»، «جماعة الإخوان»،.. وغيرهم. حالة القلق على ما أنجزه ثوار التحرير تضخمت حتى تحولت إلى تأرجح بين الشك واليقين حسبما يشرح مينا هانى قائلا: «فى الماضى كان اليقين بالنسبة إلينا أن الطائفية مصنوعة وليست من أخلاقيات الشعب المصرى، كان هناك من يؤمن أن النظام فاسد ويجب إسقاطه، لكن الآن مع استمرار بعض هذه المشاهد، خصوصا فى الحوادث الطائفية الأخيرة، اهتز اليقين داخل البعض بعد أن انكشف الناس أمام بعضهم البعض».
حالة الشك التى مر بها دفعته إلى الاعتكاف لفترة بعيدا عن أحداث مثل صعود التيار الدينى وخلافات فريقى نعم ولا فى الاستفتاء الأخير، مستعيدا ما ذكره الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل فى تحليله عن أن شباب الثورة أشبه برجل كان طموحه الصعود إلى القمر وحين وصل طلب كيلو كباب!. حالة الاهتزاز التى أصابت البعض تجد لها الدكتورة عزة حجازى ـ أستاذة علم النفس الاجتماعى بكلية البنات فى جامعة عين شمس ـ تفسيرا إذ تقول: «ليس من الغريب أن يصاب الفرد باكتئاب بسبب حالة التأرجح بين الأجواء الحالمة الرومانسية التى عاشها كثيرون فى الثورة وتحقيقهم لنصر غير متوقع، ثم تعرضهم لمجهول وغموض لم يعرفوا التعامل معه، وهنا يجب أن نلاحظ أن البعض لديه نفسية هشة خاصة بعد الثورة وكأنه فى حالة نقاهة، لذا لا يحتمل ما يحدث من ارتباك وتصبح حساسيته شديدة تجاه كل ما قد يفسد ما أنجزه». وترى الدكتورة عزة حجازى أن الفئة العمرية التى تنتمى للعشرينيات ومنتصف الثلاثينيات قد عانت طويلا من تغييبها وتكريس إحساسها بالانفصال، لذا فإن هذه المشاركة المفاجئة تحتاج إلى دعم.
يعبر ماجد بيومى هو الآخر عن حالة جيله قائلا: «جيلنا الذى شارك فى هذه الأحداث ندم على تفاهة حياته فى التعليم المعتمد على الدروس الخصوصية والمخدرات والتفكير فى هوامش الحياة، يوم 25 يناير كان فرصة للهروب من كل هذا». يصمت قليلا ثم يضيف: «فى العام 2006 تصادف أن وجدت أغلب الكتب التى أريد شراءها ممنوعة من الأسواق، فى ذلك الوقت أصابتنى الحيرة والإحباط، ما أخشاه أن نعود إلى هذه الأيام مع صعود التيار الدينى والحكم العسكرى»، على الرغم من هذا الرأى فإنه مصر على أهمية دوره كفرد فى توعية من حوله دون استسلام. يتوقف عن حديثه فى حين كانت هناك مجموعة مجاورة صاخبة تعقد اجتماعا سياسيا على المقهى، يستفز المشهد مينا الذى يعلق قائلا: «أحد أسباب القلق هو هذا المشهد.. وأجواء وسط البلد.. حيث الاجتماعات واللغو والصخب دون منتج حقيقى، ما أخشاه أن نعود إلى سفسطة الماضى وأن تسرق الثورة من التيارات الدينية، وهؤلاء لن يمكن لمسيحى مثلى على سبيل المثال أن يتحاور معهم، فبعضهم لا يعترف بوجودى بالأساس». رغم تسلسل الأحداث تعود بارقة الأمل لدى كثيرين فى عودة تأثير ميدان التحرير، أما الدكتورة عزة حجازى فترى الحل فى المشاركة السياسية من خلال مجموعات، وتقول: «للتخلص من هذا القلق لابد من الانخراط فى مجموعات عمل إن كانت هناك رغبة حقيقية فى المشاركة، على أن يكون العمل ضمن مجموعة متجانسة ومتفهمة للبيئة التى ستتوجه إليها، على سبيل المثال يجب أن يراعى من يوجه رسالته إلى الآخرين ثقافتهم واختلافهم.. ولا حل للتغلب على أى حالة إحباط طارئة سوى مزيد من الإصرار ثم الإصرار وعدم الاستسلام حتى لا تضيع منجزات الثورة».


الباحثون عن الاستقرار فى ذكرى نظام سابق


ما زال هناك من تحركه عبارات التخويف, التى ذكرها الرئيس السابق مبارك فى خطابه الشهير مساء جمعة الغضب 28/2 حين قال: «إن ما حدث خلال هذه التظاهرات يتجاوز ما حدث من نهب وفوضى وحرائق لمخطط أبعد من ذلك لزعزعة الاستقرار والانقضاض على الشرعية». رامى مدحت ــ يعمل محاسبا بإحدى الشركات الخاصة ــ أحد المؤمنين بحكمة الرئيس السابق، إذ يقول: «انتهى الاستقرار منذ أن جرت الأحداث الأخيرة، مثلما توقع الرئيس مبارك، وللأسف لا يوجد من يعمل على استعادة الاستقرار». يستخدم رامى لفظ الرئيس عند الحديث عن الرئيس المخلوع، ويؤكد أنه ليس عضوا فى أى حركة داعمة لمبارك أو عضوا فى الحزب الوطنى، ويوضح: «الأحداث الماضية ــ يقصد الثورة ــ لم تأت بجديد، الإصلاح كان قادما فى عهد مبارك وكان سيقضى على الفساد مع الضغط الشعبى». يبدو رامى منفصلا فى حديثه عن المجتمع وقلقه الحالى على منجزات الثورة، إذ يبدو متعلقا بالرئيس السابق مبارك والفريق أحمد شفيق مظهرا العداء للثورة، ويقول: «لا أعلن هذا فى كل المواقف، لكن ما أؤكده أن هناك كثيرين مثلى».. لا يملك رامى دليلا على كثرة من يتفقون معه فى وجهة نظره، لكن زيارة إلى صفحات من نوعية «ائتلاف صفحات مؤيدى مبارك» على شبكة فيس بوك الاجتماعية تكشف عن آخرين مثل رامى قد اختاروا التعبير عن أنفسهم فى فضاء الإنترنت والدخول فى حروب ومواجهات مع الآخرين من منطلق الدفاع عن ذكرى مبارك. وفى صفحة «أنا آسف يا ريس»، التى نالت كما لا بأس به من السخرية على الفيس بوك يقارب عدد الأعضاء 80 ألف عضو، بعضهم شارك بدافع الفضول للتعرف على أنصار مبارك وأهدافهم، وداخل هذه المجموعات هناك من يؤيد فكرة الاستقرار لكنه «ضد مبارك الذى نهب مصر»، وهناك من يتحدث عن النهوض بالاقتصاد بعدما حدث فى الشهرين الأخيرين. لكن تظل السيطرة لأنصار مبارك وكل من يظهر العداء «لبتوع الثورة».. أما الأمر بالنسبة لشاب مثل رامى مدحت الذى لم يتجاوز الرابعة والعشرين، ولم يشارك فى أى حدث عام فيجد فى لفظ الاستقرار حجة تأييد لمبارك أو الفريق أحمد شفيق والندم على ما فعله الثوار، إذ يقول: «النظام الذى سقط كان حاجزا بيننا وبين الإخوان والسلفيين والخونة الذين ظهروا لركوب الموجة.. أنا ضد الفوضى». الحدة التى يظهرها أحيانا فى حديثه عبـَّر عنها البعض فى صفحات على الفيس بوك كانت أقرب لصفحات تشهير مثل «صفحة وائل غنيم عميل وبالدليل»، وليست مفاجأة أن تلك الصفحة قد أسسها نفس الشخص الذى أسس صفحة «الفريق احمد شفيق رئيسا للجمهورية 2011»، وهو الشاب أحمد سبايدر مغنى الراب الذى أعلن على الصفحة فخره بأنه بدأ فى النزول إلى الشارع فى حملات توعية سلوكية، لكن شاب آخر وهو أحمد جمال ــ منسق ائتلاف شباب الاستقرار ــ قد اختار أن ينزل إلى الشارع مؤيدا لمبارك فى مرة، وفى مرة أخرى مؤيدا للفريق أحمد شفيق، نافيا هو الآخر انتماءه إلى الحزب الوطنى. يقول: «الإعلام بيصورنا على إننا بلطجية رغم إننا انضربنا فى الشارع». لا يخفى غضبه أثناء حديثه مطلقا عبارات من نوعية: «عصام شرف رئيس وزراء بتوع التحرير»، «عمرى ما هسلم نفسى لناس زى 6 أبريل أو بتوع التحرير»، «دول مش عايزين استقرار.. دى مؤامرة على مصر».

هذا الغضب الذى يظهره مؤيدو النظام القديم تحت حجة الاستقرار، ليس افتعالا بقدر ما هو نتيجة الضغط الذى يتعرضون له والنبذ أحيانا فى العمل أو فى الحى مثلما أوضح عدد منهم، وهناك من نشر تعبير «متلازمة ستكهولوم» فى إشارة إلى حالة نفسية شهيرة يرتبط فيها الضحية بالجلاد، وانتشر التعبير فى مقالات على الإنترنت، وتم الربط بين هذه الحالة النفسية وأنصار النظام السابق. وكان أول من أشار إلى هذا التعبير واستخدمه فى وصف المتعلقين بنظام مبارك هو الكاتب علاء الأسوانى، فى عام 2009. وما زالت محاولات أنصار مبارك وأحمد شفيق مستمرة، أما العنوان الكبير المستخدم لخدمة قضيتهم فهو «الاستقرار». أما أحمد جمال ــ منسق ائتلاف شباب الاستقرار ـ فلا يقلق من حبس مبارك أو البلاغات التى قدمت فى السابق ضد الفريق أحمد شفيق، أما عن وجود بدائل أخرى لديه يرضاها فأجاب: «إذا أردنا إشاعة مناخ الاستقرار فى مصر فليس هناك حل سوى أمرين إما حكم رجال الدين مثل الشيخ محمد حسان أو محمد حسين يعقوب أو الحكم العسكرى لأحد رجال القوات المسلحة.. هذا الحل الوحيد لتحقيق الاستقرار والقضاء على حالة الجرأة على الحاكم، التى حدثت لأول مرة بهذا الشكل».
PDF

Sunday, April 24, 2011

سلفيون فى زمن الثورة


الاختلاف حول المشاركة السياسية

كتب - عبدالرحمن مصطفى
«يجب علينا الآن يا إخوانى أن نتحرك.. البلد يُصنع من جديد ونحن سلبيون.. نحن لم نصنع الحدث، وأعرضنا حتى عن المشاركة فى الحدث. أى فقه هذا.. وأى فهم هذا؟!». لم يكن الشيخ محمد حسان ــ أحد أبرز شيوخ السلفية ــ بهذا الحماس قبل سنوات قليلة، هذه الكلمات الثائرة التى أطلقها قبل أسابيع هى الأكثر تعبيرا عن تحول شريحة من السلفيين فى مصر نحو المشاركة فى العمل السياسى، وقبل ثورة 25 يناير كان غاية طموح بعض الشباب السلفى أن يسمع مثل هذه العبارات من شيخه كى يندمج فى العمل السياسى.. محمد سمير (24 سنة) الطالب بكلية الهندسة فى جامعة حلوان كان أحد هؤلاء الشباب القليلين الذين اختبروا العمل السياسى ــ كناشط فى حزب العمل ــ مخالفا الاتجاه العام لدى السلفيين فى الابتعاد عن السياسة والمظاهرات والتركيز على الدعوة والعلم الشرعى والعمل الخيرى. يعلق قائلا: «فى تلك الفترة كان الشاب الملتزم أحيانا ما يجد فى المظاهرات ما لا يرضيه من هتافات تحتوى على سب، كما أن بعض الملتزمين كانوا يرفضون فكرة الوقوف بجانب شخص شيوعى أو ليبرالى مناهض للإسلاميين، كل ذلك كان يدفع إلى الانسحاب، خاصة مع دعوات مشايخ السلفية التى تحذر من المشاركة السياسية». ومع التحول الذى أصاب مصر عقب الثورة وتبدل مواقف بعض مشايخ التيار السلفى فى مصر، وجد محمد سمير وزملاؤه فرصة فى إنجاز ما لم يكونوا يطمحوا إليه من قبل، وهو تأسيس حزب سياسى، وأطلقوا على حزبهم بشكل مؤقت «حزب صحوة التحرير»، وحسبما حدد محمد سمير وزملاؤه الذين شاركوا فى الثورة فإن الهدف من الحزب هو: «إقامة دولة عصرية متطورة فى إطار المشروع الحضارى الإسلامى»، مستغلين انسحاب جزء من الميراث السلفى المعادى للحياة الحزبية والعمل السياسى. بل وأعلن مشايخهم عن قبول فكرة تأسيس حزب سياسى يضم السلفيين. هذه التطورات على الساحة السياسية صاحبها ظهور أكثر جرأة على موقع مثل شبكة فيس بوك الاجتماعية فى مجموعات سلفية مثل: «إعفاء اللحية فى النيابة والجيش والشرطة المصرية لإحياء السنة النبوية». وهى مجموعات لم تكن ليظهر بعضها أثناء حكم النظام السابق، وأصبحت مشاهد مؤتمرات السلفية ذات الكثافة العددية ضيفة على مواقع جديدة مثل تويتر وفيس بوك بسبب صعود «الظاهرة السلفية» بشكل كبير. أما عند البحث فى هذه الحلقات والدروس والندوات المتاحة على الإنترنت فقد كان الأداء قبل 25 يناير يتجنب الدخول فى تفاصيل الأحداث السياسية داخل مصر، بينما كان الاتجاه العام نحو قضية إصلاح الفرد، وهو ما صنع حالة من الارتباك عند وقوع حدث بقوة أحداث 25 يناير، فحسب دراسة صدرت مؤخرا عن المركز العربى للدراسات الإنسانية فإن هذا التحول فى الموقف السياسى صاحبه ارتباك مع بداية أحداث الثورة وتناقضات فى إعلان التأييد من بعض الشيوخ ذوى الحضور والمكانة، كما أشارت الدراسة إلى افتقار المواقف السلفية منذ بدء أحداث الثورة إلى الرؤية السياسية والاستراتيجية للأحداث.
هذا التحول المفاجئ دفع البعض إلى التمسك بما اعتاده طوال السنوات الماضية، رافضا أن تكون الثورة سببا فى تغيير عقائده وأفكاره حتى مع تغيير بعض المشايخ لمواقفهم من السياسة.. أبوعبدالرحمن أحد هؤلاء، اختار أن يعلن فى صفحته على شبكة فيس بوك الاجتماعية هذه العبارة «من السياسة ترك السياسة»، إذ اختار الدعوة وطلب العلم الشرعى والبقاء كما كان الحال قبل الثورة، يوضح موقفه قائلا: «هذا دين.. عندما نقول إنه ليست هناك مشاركة سياسية لسبب من الأسباب فلا يتغير رأينا بمجرد تغير الأحداث». ينشط أبوعبدالرحمن ــ مثلما اختار كنيته على الإنترنت ــ فى عدة منتديات سلفية ذات نفس الطابع الدعوى الذى لا يشتبك مع السياسة إلا من باب التعليق على الأحداث، لكن له آراء أخرى فى أسباب رفض النظام السياسى الحالى أو الاندماج فيه موضحا: «عندما نقول لا مشاركة فى أثناء وجود الرئيس السابق فلا شىء تغير بعد رحيله، مثل عدم تغير قانون الانتخابات، على سبيل المثال: هل أصبح صوت الرجل بصوت امرأتين أم ما زال الصوت يقابله صوت؟ هل أصبح أهل الحل والمشورة فى كل الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها هم أهل الرأى والمشورة أم يتساوى الجاهل مع العالم؟» وفى نهاية حديثه يختم قائلا: «أنا لم أشارك ولن أشارك فى أى انتخابات أو استفتاءات مقبلة إلى حين تغير الأوضاع». هذا الملمح الذى قدمه أبوعبدالرحمن يعبر عن شريحة لم تتواءم مع التطورات التى تحدث داخل المجتمع السلفى واجتهادات بعض المشايخ بعد الثورة، لذا ظل متمسكا بمواقف قديمة وآراء دينية غير رائجة فى المشاركة السياسية.

التشدد درجات
ورغم هذه الهبة نحو السياسة من جانب شريحة من السلفيين، فإن السياسة نفسها ما زالت مصدر قلق لدى البعض وهو ما عبر عنه بعض المشايخ مؤخرا فى عبارات مقتضبة مثل الشيخ أحمد النقيب فى أحد دروسه قائلا: «لا نريد أن ننشغل عن الدعوة». وتستمد هذه المواقف جذورها من جذور الحركة السلفية نفسها، منذ أن رسمت صورة «السنى» فى المجتمع المصرى والتزامه الدينى متزامنا مع تأسيس «الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية» فى عام 1912 وكذلك مع ظهور جمعية «أنصار السنة المحمدية» فى العام 1926، ثم انتشار تعبير «جامع السنية» على المساجد الحاضنة لأتباع هذا المنهج. وفى منتصف السبعينيات أنشأ مجموعة من قادة الحركة الطلابية الإسلامية «المدرسة السلفية» التى انكبت على تقديم العلم مع العمل الحركى والجماهيرى فى مدينة الإسكندرية وعرفت فيما بعد بالدعوة السلفية، كما ظهر فى الثمانينيات مجموعة عرفت بالسلفية الحركية، ورغم التباين النسبى بين مشايخ السلفية فإن لفظ «السلفى» هو ما يوحد الجميع رغم تحفظ بعض «الملتزمين» دينيا على استخدامه واعتباره قيدا وتصنيفا لا يحبونه. وفى زحام هذا التيار الواسع تختلف درجة التشدد بين شاب يرفض الحديث للصحافة لأنها تنشر صور فنانات عاريات، وسلفى آخر يرتدى الجينز ويرتاد المقاهى ويلقى النكات، وكلاهما قد يلتقى فى مسجد واحد وقت الصلاة، وقد تجمع كثير منهم مواقف مثل المشاركة فى الاستفتاء الأخير على الدستور والتصويت بنعم خوفا من أن تكون (لا) فرصة لإلغاء المادة الثانية من الدستور الخاصة بالشريعة الإسلامية، أما صورة «الناشط السلفى» فهى الشريحة الجديدة التى لم تظهر بعد بقوة فى انتظار إعلان حزب سياسى يضم الشباب السلفى، خاصة من شاركوا فى أحداث الثورة. يقول محمد سمير المشارك فى مبادرة الحشد لتأسيس حزب يضم السلفيين: «ما أعلمه الآن أن هناك زملاء لنا فى الجامعة يتجهون لتأسيس أسر جامعية تقدم الدعوة السلفية، وما من شك أن مشاركة الشباب السلفى فى الثورة كجزء من الشباب المصرى قد أسهمت فى تطوير مواقف المشايخ، لقد قررنا المشاركة منذ البداية، ولم نلتفت لمن اتخذ موقفا ضد الثورة، وقدر الله أن كان معنا مشايخ مؤيدون لنا».
لا يخفى محمد سمير الحرج الذى يتفاداه بعض المشايخ الآن فى الفصل بين مرجعيتهم للحزب القادم ــ أيا كان اسمه ــ وبين المواقف السياسية التى سيتخذها (السياسيون السلفيون) فى المستقبل، كما لا يخفى موقفه الذى أصبح أكثر وضوحا الآن مستعيرا عبارة من أحد شيوخ السلفية تقول: «زاحموا العلمانيين فى كل مواقع اتخاذ القرار».. هكذا تتحرك شرائح كبيرة من السلفيين الآن.


● ينسب لفظ «السلفية» إلى «السلف الصالح» من المسلمين الأوائل، ويعتمد المنهج السلفى على اتباع السلف الصالح، وقد علت موجات النهج السلفى على أيدى كثير من العلماء من أبرزهم ابن تيمية فى القرن 7هـ، إذ يتصدى علماؤه لفكرة تطهير العقيدة من البدع والشرك والخرافة.
● الوهابية: هى إحدى المراحل المهمة فى التأريخ للسلفية إذ تنسب إلى الشيخ محمد بن عبدالوهاب فى نجد أثناء القرن 18م، الذى تبنى حركة إصلاحية تضامن معها آل سعود فى الجزيرة العربية للعودة بالمسلمين إلى مظاهر التدين الأولى، وكان له أتباع فى أقطار كثيرة ــ منها مصر ــ تبنوا دعوته السلفية.
● السلفية فى مصر: ظهرت الدعوات لإحياء النهج السلفى تحت ضغط الاحتلال البريطانى، وإلى جانب تيار التجديد الإصلاحى الذى تبناه شيوخ مثل الإمام محمد عبده، فإن هناك تيارا آخر نما فى بدايات القرن الماضى كان اللبنة الأولى للتيار السلفى الحديث فى مصر، وخاصة بعد تأسيس الجمعية الشرعية رسميا فى العام 1912 وأطلق على أعضائها «أهل السنة» أو «السنية»، ثم من بعدها جماعة أنصار السنة المحمدية فى العام 1926 ورغم أن دعوة الإمام حسن البنا فى جماعة الإخوان المسلمين قد جاءت فى هذا السياق فى إعلانها الأول أنها (دعوة سلفية وطريقة سنية) إلا أن تطور الأحداث فصلها اليوم عن التيار السلفى التقليدى، وعادت السلفية إلى المشهد فى سبعينيات القرن الماضى، ممثلة فى تيار جهادى تأثر بأفكار الأديب والمفكر المصرى سيد قطب وغيره من المنظرِّين، الذين تجرأوا على فكرة التكفير، إلا أن تيارا آخر ظهر من داخل التيار الإسلامى فى جامعة الإسكندرية فى السبعينيات كان أكثر توازنا وانكب على التفقه فى العلم الشرعى وتحول قادته اليوم إلى أبرز مشايخ السلفية وهم من ينتمون إلى «الدعوة السلفية».

Wednesday, March 30, 2011

الإعلام الجديد بعد الثورة .. اشتباك مع واقع مختلف



حين وجه الإعلامى الأمريكى وولف بليتزر سؤاله إلى الناشط المصرى وائل غنيم قائلا: «ماذا بعد تونس ومصر ؟!»، كانت الإجابة تلقائيا: «اسأل الفيس بوك». ثم أضاف غنيم: «أتمنى فى يوم من الأيام أن ألتقى مارك زوكربيرج ــ مؤسس شبكة فيسبوك الاجتماعية ــ كى أشكره بشدة». هذا الحوار جرى بعد ساعات من إعلان الرئيس السابق مبارك تخليه عن السلطة، لتظهر بعدها أسئلة أخرى عن دور الإعلام الجديد فى ثورة 25 يناير وكيف غيرت الثورة ملامح مواقع مثل (فيس بوك، تويتر، المدونات) لدى المستخدمين المصريين.

قبل 25 يناير لم يكن من الرائج وجود تعليق على شبكة الإنترنت موجها إلى القوات المسلحة المصرية من نوعية: «إيه البطء الممل ده؟.. كده أتوقع ثورة أخرى لإنقاذ الثورة»، هذا التعليق ليس سوى واحد من آلاف التعليقات التى تتلقاها صفحة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على شبكة فيس بوك، ولم يعد أمام القوات المسلحة إلا الرضوخ لقواعد الإنترنت الحرة والصبر على التعليقات الغاضبة، فى السنوات الماضية كان حضور القوات المسلحة المصرية منحصرا على موقع بسيط باللغة الإنجليزية، وبعض فيديوهات الصاعقة المنتشرة على الإنترنت.. لم يعد غريبا الآن أن يكتب أحدهم على صفحة مجلس الوزراء على الفيس بوك تعليقا مثل: «لازم تبينوا كرامة عشان صورتكم تبقى حلوة أمام الشعب العظيم»، إذ تمر التعليقات ويتم التعامل معها بصبر، على عكس القطيعة، التى كانت بين الجهات الحكومية والشباب على الإنترنت فى السنوات الماضية. يرى الدكتور محمود خليل ــ أستاذ الصحافة بكلية الإعلام فى جامعة القاهرة ــ أن النظام الماضى كان يتعامل بقدر كبير من الجهل بأدوات الإعلام الجديد على الانترنت، ويعلق قائلا: «كان هناك نوع من الجهل بمفاهيم سياسية حديثة نتجت عن التقاء عالم الإنترنت والسياسة مثل مفهوم الديمقراطية الإلكترونية، بل كان يتم تهميش المجموعات السياسية، التى وجدت لها مساحة فى فضاء الإنترنت». هذه الخطوة من الجهات الحكومية للوجود فى مواقع على الإنترنت ذات سمعة «شبابية» أصابها بعض الارتباك إذ أصدرت نفس هذه الجهات (المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ورئاسة مجلس الوزراء) توضيحات تؤكد على وجود صفحات أخرى شبيهة (غير رسمية) يجب الحذر فى التعامل معها. هذا الارتباك داخل مواقع التدوين والشبكات الاجتماعية رسم ملامح جديدة لهذه المواقع، فبعدما كانت الأضواء مسلطة على شباب لمعوا من خلال الانترنت بسبب نشاطهم السياسى أو بسبب كتاباتهم فى مدوناتهم على مدار السنوات الماضية، أصبحت هناك قواعد جديدة ناتجة عن التعطش لمقال رصين لشاب من شباب التحرير، ولم يعد اسم الكاتب أهم من المضمون السياسى داخل شبكة مثل الفيس بوك، بل ظهرت مفاجآت أخرى لفئات ظهرت بشكل مختلف تماما مثل الشرطة التى أصبح هناك من يمثلها فى ثوب إصلاحى مثل «ضباط ضد الفساد» أو «ضباط شرطة ضد الفساد». وبعد صعود شريحة السلفيين على الساحة السياسية مؤخرا، بدأت حالة من الوجود السلفى فى مواقع لم يكونوا عليها بالكثافة نفسها مثل شبكة فيسبوك الاجتماعية. يحذر الناشط الحقوقى والمدون ــ علاء عبدالفتاح ــ من خداع الفيس بوك لمستخدميه قائلا: «فى النهاية أنت ترى ما يتم تبادله بين دائرة أصدقائك على الموقع من مقالات وفيديوهات، وليس بالضرورة أن يعبر عن ظاهرة حقيقية شاملة لدى مستخدمى الفيس بوك.. فعلى سبيل المثال كانت فترة اعتصام التحرير فرصة للتعرف على شباب سلفى هناك، وبعضهم أضاف أصدقاء جددا فى الفيس بوك، وبالتالى انضم إلى دوائر أخرى جديدة بعيدا عن التجمعات السلفية التقليدية على الإنترنت، لكن هذا لا يمثل ظاهرة حقيقية، خاصة أن أغلبهم من مستوى ثقافى معين». يرى علاء عبدالفتاح أن طبيعة التجمعات السلفية على الإنترنت ذات طابع خاص مرتبط بمرجعية الشيخ وقائمة على التحزب والتحفظ لحماية العقيدة، وهو ما يناسب المنتديات الإلكترونية، حيث الرقابة الصارمة، مما يؤكد فكرته حول عدم وجود هجرة حقيقية للسلفيين نحو أدوات الإعلام الجديد.


ملامح أخرى

من ضمن الملامح الجديدة لعالم الإعلام الجديد هو ظهور وجوه قديمة بشكل جديد، مثل الفنانين والإعلاميين حين يتحول إلى مادة للتندر ــ الفنانة عفاف شعيب نموذجا ــ بسبب تصريحات أدلى بها أثناء الثورة، أو أن يتم تبادل مقالات كتبها سيناريست ومخرج مثل محمد دياب على شبكة الفيس بوك فى موقف لم يكن ليحدث لولا موقفه الداعم للثورة. يتوقع الدكتور محمود خليل ــ أستاذ الإعلام ــ فى الفترة المقبلة أن ينعكس الواقع السياسى بشدة على الإعلام الجديد، إذ يقول: «أصبحنا نسأل الآن هل أنت مع النظام القديم أم الجديد..؟ مع الاستقرار أم التغيير؟ هذه الروح ستنعكس على الإعلام الجديد، أتوقع أن يحدث ما نسميه بتفكيك الحشد، خاصة أننا مقدمون على مرحلة ستدخل إليها قوى سياسية جديدة فى حاجة إلى أدوات إعلامية رخيصة توافرها الإنترنت». هذا الزحام أحيانا ما يصاحبه تضارب فى المعلومات، وهو ما حدث مع صفحات كبرى على شبكة فيس بوك وموقع تويتر لتدوين الرسائل القصيرة، كانت لها مصداقية عالية أثناء فاعليات الثورة مثل شبكة رصد الإخبارية، التى تعرضت للتشكيك بعد بثها أخبارا عن وقوع حوادث فى مواقع محددة، ونفى أعضاء الصفحة حدوثها، كما اتهمها آخرون بأن وراء الصفحة مصالح إخوانية، وهو ما اضطرها إلى الإعلان عن هوية مديريها وأماكن وجودهم ومهنة كل واحد منهم من أجل استعادة مصداقيتها.

هذه الأجواء القلقة تزداد مع الحوادث الكبرى أيضا، مثلما حدث مع موجة الهوس بتسريبات وثائق جهاز أمن الدولة السابق بعد اقتحام مقاره وظهور عدة صفحات تعرض بعض هذه الوثائق.. لكن عدم القدرة على التأكد من صحة الوثائق ومصدرها الحقيقى دفع البعض إلى التشكك فى صحة بعضها، بينما واجه آخرون ذلك بالسخرية، إذ زيّف أحدهم وثيقة تثبت أن مصر اختارت «شيبسى» بطعم الملوخية وليس الجمبرى فى إشارة إلى الإعلان الشهير، وذلك لمجرد التأكيد على إمكانية تزييف أى وثيقة على الإنترنت ونسبها إلى أى جهة. يقول الدكتور محمود خليل: «ما زلنا فى البداية وفى ضوء أننا بلد ما زال لم يصك قانونا لتداول المعلومات سنظل نعمل بعيدا عن الاحترافية»، ويزيد غياب الاحترافية حسب رأى الدكتور محمود خليل بسبب طبيعة أدوات الإعلام الجديد نفسها وصعوبة السيطرة على انتشار المعلومة أو مراجعتها بسهولة. ويرى علاء عبدالفتاح أن خطورة انتشار معلومات مغلوطة على شبكة الفيس بوك ــ تحديدا ــ هو أنها تصل إلى العضو عن طريق شبكة علاقاته مما يعطيها بعض المصداقية خاصة مع تكرارها على عكس المدونات قديما حين كان المجال مفتوحا للمراجعة من الزوار والمدونين الآخرين، ويقول: «فى الجزء الأول من أحداث الثورة كنت خارج مصر ورأيت كيف أن بعض المصريين فى الخارج قد ساهموا فى نشر بعض الشائعات مثل الهجوم على مدينة الرحاب من البلطجية، ووصل الخبر إلى مصر وانتشر رغم عدم مصداقيته، وهذه الحالة من الشائعات لم تظهر فى السنوات الأخيرة بهذا الشكل سوى وقت صراع مصر والجزائر حين تم بث كليبات مزيفة من البلدين للتحريض على الكراهية».

بعيدا عن هذه الأجواء القلقة يستعير البعض اللمحة الفكاهية، التى ارتبطت بثورة 25 يناير فى صفحات على الفيس بوك يسخرون فيها على كل تطور يطرأ على الأحداث، إحدى هذه الصفحات انطلقت من خلفية حضور البلطجية فى الأحداث مؤخرا، ودشن مؤسسوها «الصفحة الرسمية للبلطجية فى مصر»، وأصبحت مهمة أكثر من 30 ألف عضو هى تقمص شخصية البلطجى والتهكم على ما يدور حولهم من أحداث تخفيفا لقلقهم، يمر أحد الأعضاء قائلا: «عايز أسأل سؤالا.. الناس اللى مشتركة هنا مكتفية بالهزار والضحك ومش بتشارك فى أى خطوة من خطوات إصلاح البلد؟» فيأتى الرد من مدير الصفحة: «إحنا بنتكلم جد جدا بس بأسلوب ساخر، اتكلمنا عن التعديلات الدستورية، اتكلمنا عن اللى بيحصل فى الإعلام، واتكلمنا عن الطائفية». بعض أعضاء الصفحة لهم اهتمامات سياسية حقيقية لكنهم يتابعون الصفحة وصفحات أخرى شبيهة كجزء من المشهد، الذى فرضته ثورة 25 يناير على الإنترنت والإعلام الجديد.

Saturday, March 26, 2011

أحزاب 25 يناير: لا للحزب الوطنى ولا للمشاهير

من ميدان التحرير إلى ميدان السياسة
كتب - عبدالرحمن مصطفى

لم يعتقد سيد حسن فى يوم من الأيام أنه سيقتحم عالم السياسة ويتحول فى أسابيع قليلة إلى وكيل مؤسسى حزب سياسى جديد، ما أصابه هو نفس ما أصاب آخرين شاركوا بالحماسة نفسها فى أحداث ثورة 25 يناير، وأرادوا استكمال مشوارهم عبر حزب سياسى، يقول سيد حسن وكيل مؤسسى حزب ثورة يناير: «قبل تنحى الرئيس بيوم واحد خرجت على الناس فى ميدان التحرير وأخذت الميكروفون لأعلن ضرورة إنشاء كيان سياسى..وحين ضغط على بعض المنتمين إلى الإخوان المسلمين لمعرفة برنامج الحزب، قلت عبارة واحدة وهى أن برنامج الحزب القادم هو تحقيق رغبات الناس». تلك العفوية التى يظهرها فى حديثه لا تختلف عن حال كثير من «ثوار التحرير» الذين اختبروا السياسة للمرة الأولى عبر مبادرات تأسيس أحزاب جديدة، أصحاب تلك المبادرات اختاروا فى البداية اسم «حزب 25 يناير» كاسم مؤقت لأحزابهم المستقبلية، وتكفى زيارة إلى شبكة فيس بوك الاجتماعية والبحث عن اسم «حزب 25 يناير» حتى تظهر عشرات النتائج، ومن الصعب تحديد عدد المبادرات التى قامت لتأسيس أحزاب جديدة من الشباب الذين شاركوا فى الثورة، فبعضهم اكتفى بصفحات على الفيس بوك دون عمل على الأرض، والبعض الآخر اتخذ إجراءات عملية لتسجيل حزبه.
فى الطابق الأخير من مبنى تجارى عتيق فى حى الدرب الأحمر، يجلس سيد حسن وسط مجموعة من زملائه فى حزب ثورة يناير (تحت التأسيس)، يطل الشباك المجاور على مركز شباب الحبانية حيث مشهد مختلف تماما عما يدور فى هذه الغرفة من مناقشات. أغلب الجالسين قد تكونت علاقاتهم فى ميدان التحرير، هناك ولدت فكرة الحزب، وقادتهم العفوية إلى هذا المقر المؤقت الذى تبرع به أحد أبناء الحى إلى أن اتخذوا مقرا آخر فيما بعد. يتدخل وليد أحد المشاركين الأوائل فى الحزب بسؤال قائلا: «هل تعلم أين كانت النشأة الأولى لهذا الحزب؟» استمر فى سرد الإجابة موضحا: «كانت الاستمارات يتم تجميعها داخل محل تجارى قرب ميدان التحرير فى عهدة أحد المتطوعين، لكننا فوجئنا بأن هذا الشخص الذى تركنا له مهمة الحفاظ على الاستمارات يمنعها عنا حين قررنا تحويل الفكرة إلى واقع عملى واتهمنا بأننا من الحزب الوطنى، وخضنا معركة حتى استرددنا استمارات الحزب عنوة». يترك سيد حسن ــ وكيل المؤسسين ــ الغرفة ثم يعود بعد قليل بكومتين من الأوراق واصفا إياها بفخر: «دى استمارات الحزب، ولسه بنجمع تانى».يعمل سيد حسن ــ الذى جاوز الأربعين ــ محاسبا، بينما يعمل وليد الثلاثينى موظفا بإحدى شركات البترول، ويستغل كل منهما علاقاته التى تكونت فى ميدان التحرير من أجل دعم مشروعهم السياسى. ويجمع هذه المبادرات الشابة رابط مهم يتمثل فى رفض دخول الرموز السياسية إلى مشروعاتهم الحزبية حماية لها من الاختطاف. لكن كثافة تلك المبادرات أثارت قلق بعض المتخصصين، خاصة بعد الإعلان مؤخرا عن نية تعديل قانون الأحزاب بما يسمح بإنشاء الأحزاب فور الإخطار.
الدكتور عمرو هاشم ربيع مدير ــ وحدة التحول الديمقراطى بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية ــ لا يخفى قلقه تجاه هذه المبادرات ذات النوايا الطيبة قائلا: «أخشى أن يصاب بعضهم بالإحباط إذا لم ينجح فى إدارة حزب سياسى، وأخشى أكثر من أن يحدث إخفاق نتيجة قلة الخبرة السياسية ويتم تفسير ذلك تفسيرا تآمريا». يرى الدكتور عمرو هاشم أن قلق هؤلاء الشباب الحالى من دخول رموز سياسية بينهم هو قلق من أن تضيع مكتسبات الثورة التى عاشوها لحظة بلحظة، ويضيف: «الرهان الآن على الأكثر تنظيما والحكم للصندوق الانتخابى فى النهاية». وعند الحديث مع أصحاب المبادرات الحزبية يؤكد أغلبهم على قدرته على إدارة الموقف، بل تتردد عبارات من نوعية: «نحن معنا متخصصون فى السياسة وأكاديميون.. ولدينا برنامج محكم». لكن تلك العفوية التى تقود المسيرة ما زالت تنتج مفارقات وشكلا جديدا على الحياة السياسية، من هذه المفارقات محمد ريحان، الشاب العشرينى الذى كان اسمه متصدرا فى البداية لصفحة الحزب مع سيد حسن على شبكة الفيس بوك وانتقاله إلى مجموعة أخرى يتزعمها الآن على الفيس بوك تحت اسم: «حزب التحرير والتغيير».يعلق محمد ريحان على ذلك: «كنت مع مجموعة سيد حسن واخترت أن أعمل فى جبهة جديدة.. أنا أبحث عن مزيد من النضج السياسى». لم يندم على هذه الخطوة حتى بعد أن علم أن الحزب الذى تركه قد سجل أوراقه فى الشهر العقارى وبدأ فى خطوات عملية للوجود، ويقول: «أهم نقطة لدى ألا يدخل الحزب الذى أسعى مع رفاقى لتأسيسه شخص ينتمى إلى الحزب الوطنى، وأن يكون لدى العضو مستوى مقبول من الإدراك بالسياسة، يكفينى ما وجدت فى الفترة الماضية، لقد وصل الحال أن قابلت شخصا لديه رغبة فى إنشاء حزب لمجرد أنه تعرض لحادث سرقة!!». محمد ريحان الذى نفى استعداده قبول أعضاء من الحزب الوطنى، لم يتخذ مقرا بعد، وكانت خانة الانتماء السياسى فى صفحته الشخصية على الفيس بوك تحتوى على هذه العبارة «الحزب الوطنى الديمقراطى»، وأزالها بعد الاستفسار عنها.

توحيد الأحزاب
فى خضم هذا الزحام بدأت محاولات لضم المبادرات الصغيرة من قبل أحزاب أخرى، حزب «شباب التحرير» الذى ارتبط اسمه فى البداية باسم الصحفى والإعلامى وائل الإبراشى هو أحد الأحزاب التى نشأت فى ميدان التحرير، لم يخف الإبراشى محاولاته المبكرة لضم هذه المشروعات الحزبية فى حزب واحد، وعلى شبكة الفيس بوك كانت هناك دلائل واضحة على هذه المحاولات.. ففى صفحة تحمل اسم «حزب شباب 25 يناير» تجاوز عدد أعضائها الخمسين ألف عضو، كتب أحد مديرى الصفحة هذا العنوان: «مهم وعاجل جدا.. حزب شباب 25 يناير يتحد مع حزب شباب التحرير فى حزب واحد»، صاحب هذا العنوان أوضح بعض تفاصيل لقائه مع الإعلامى وائل الإبراشى، وحين استفسر أعضاء صفحة الحزب عن زميله الذى كان متصدرا المشهد اتضح أن هناك انقساما حدث فى الداخل. وأوضح قائلا: «رامى شغال مع نفسه ورافض النقاش أو التعاون». وخلال أيام ترددت أنباء عن ابتعاد وائل الإبراشى ورفع اسمه من على مجموعة الحزب على شبكة الفيس بوك. هذا التضارب الذى صاحب دعوات إنشاء أحزاب الثوار بدأ يهدأ مع مرور الوقت، خاصة بعد إجماع أغلب أصحاب المبادرات الحزبية الجديدة على مجموعة من «اللاءات» المحددة، منها: «لا لدخول الرموز السياسية»، «لا لكوادر الحزب الوطنى»، «لا للتمويل الخارجى». فى مقر حزب آخر تحت التأسيس هو «حزب الحر المستقل» قرب ميدان الأوبرا يجلس عمرو حسان مشغولا باتخاذ الخطوات التى تكفل له ولمجموعته وجود قاعدة شعبية فى المحافظات وفى العاصمة، هو الآخر اختلفت حياته تماما فى ميدان التحرير، إذ كان له دور أثناء الاعتصام مع اللجان الأمنية هناك، يقول عن مجموعة الحزب: «كنا نحو خمسين فى البداية تعرفنا فى الميدان، وبدأنا فى العمل بعد التنحى.. وبدأنا خطوات فعلية فى مؤتمرات شعبية داخل القاهرة وخارجها». منذ 25 يناير الماضى وهو مقيم فى القاهرة بعيدا عن مسقط رأسه بمحافظة المنوفية، واليوم يشارك مع رفاق ميدان التحرير فى إعداد لائحة للحزب وضم أعضاء جدد. يصمت قليلا ثم يصف قصة الحصول على المقر المؤقت للحزب فى وسط المدينة بالتوفيق الإلهى حين تعاطف المالك معهم واقتنع بأفكارهم، وتطوعوا جميعا لتجهيز المكان وتأجيره.أثناء حديثه تخرج مجموعة من رفاقه إلى الشارع للتعرف على شباب جدد محاولين إقناعهم بالانضمام إلى الحزب. ما يتفق فيه عمرو حسان وكيل مؤسسى «حزب الحر المستقل» مع سيد حسن وكيل مؤسسى «حزب ثورة يناير»، هو الابتعاد عن الرموز السياسية، وقيادات الوطنى، وكلاهما تعرض لمحاولات إقناع من جانب حزب التحرير حيث الإعلامى وائل الإبراشى، كما تعرضا لمحاولات سيطرة من رجال أعمال ميسورى الحال. وعلى أرض الواقع فإنهما أظهرا بعض التسامح مع فكرة أن يكون للشخص ماضٍ فى الحزب الوطنى حسبما يوضح عمرو حسان من حزب الحر المستقل فإن «كارنيه الحزب الوطنى ليس جريمة.
البعض كان مضطرا للحصول عليه لأسباب متعددة، لم يكن يمثل أدنى انتماء، القلق من أن تكون هناك هجرة من الحزب الوطنى للأحزاب الناشئة»، فى داخل الأحزاب الناشئة بعض من كانوا فى فترة سابقة فى الحزب الوطنى، لكــــن المعيـــــار لدى المؤسسين فى القبول هو مصداقية الشخص.

الخوف من الوطنى
فى هذه المرحلة من حياة أصحاب المبادرات السالف ذكرها هناك حساسية شديدة تجاه ما يخص سمعتهم، خاصة مع ما راج فى الصحف وعلى الإنترنت مبكرا وقبل تنحى الرئيس السابق مبارك عن تأسيس «حزب 25 يناير» الذى سيضم الراحلين عن الحزب الوطنى الديمقراطى، وهو ما وصم الكثير من أحزاب «ثوار التحرير» فى بدايتها، خاصة أن أغلبها اختار اسم «25 يناير» كاسم مؤقت فى البداية. أحد من تعرضوا لهذا الوصم وما زالوا يتعرضون له على صفحتهم هم مجموعة من الشباب دشنوا مبكرا على شبكة الفيس بوك الاجتماعية صفحة (حزب 25 يناير 25th January Party) التى تضم اليوم أكثر من 360 ألف عضو، ومازال يواجه مؤسسها ــ أدهم حسن ــ متاعب العمل السياسى للمرة الأولى بصبر. ويقول: «مبدئيا فإن اسم هذا الحزب كان مؤقتا ولم يتم تغيير اسم الصفحة لأسباب تقنية، وقد كان علينا الظهور فى التليفزيون لنعلن عن أنفسنا، خاصة بعد أن اتهمنا البعض بأننا نعمل لصالح الحزب الوطنى». تبدو طريقة إدارة الأمور لدى أدهم ومجموعته مختلفة إلى حد ما عن مشروعات أحزاب أخرى، فبينما يشارك فى الصفحة على الفيس بوك أكثر من 360 ألف عضو إلا أن العمل على الأرض يديره ما بين 40 إلى 50 فردا فقط فى 15 محافظة. وتختلف ثقافة أدهم الذى يعمل فى المجال العقارى بعد سنوات قضاها فى الولايات المتحدة عن بعض أصحاب المبادرات الحزبية الأخرى، ويوضح: «نعد برنامجا حزبيا على أساس علمى يقدم حلولا ومعنا خبرات قانونية ستعيننا على ذلك». فى تلك الأجواء تدور حرب ضد اسم «حزب 25 يناير 25th January Party». إذ نشر أحدهم على الانترنت فيديو مدته 9 دقائق تحت هذا العنوان (حقائق جديدة لحزب 25 يناير) إلى جانب تعليقات من نوعية «مينفعش أساسا إنه حد يسمى حزب بالاسم ده.. علشان دى ثورة مصر كلها مش حزب بس». ويظهر الفيديو ترصدا لمجموعة أدهم حسن وصفحته التى جاوز أعضاؤها 360 ألفا، واستدل معد الفيديو من خلال تحليل مضمون الصفحة بأنها تابعة للحزب الوطنى دون أن يتواصل مع مديرى الصفحة الذين نفوا ذلك، كما أعلنوا مؤخرا عن استقرارهم على اسم جديد للحزب هو «النهضة» وفى قول آخر «نهضة 25 يناير» الذى يتشابه مع اسم مبادرة تأسيس حزب آخر منسوبة إلى الداعية عمرو خالد، لكن يظل الاتهام بخطف اسم 25 يناير واتهام الصفحة بأن وراءها الحزب الوطنى كلها أمور مربكة لشباب لم يحترفوا السياسة من قبل.
هذا الطريق الذى اختارته مجموعات من الشباب التقوا فى ميدان التحرير أثناء أحداث الثورة، وبدأوا فى تكوين أحزاب سياسية، لم يكن على هوى شباب آخرين خاصة أولئك الذين اختبروا العمل الحزبى والسياسى من قبل مثل هانى رياض عضو اللجنة التنسيقية فى حركة شباب 25 يناير، إذ لم يخف أن فكرة إنشاء حزب سياسى فى هذا التوقيت ستكون أمرا شكليا.. وعلى عكس ما يراه أصحاب جميع هذه المبادرات يرى هانى أن مفهوم (الحركة السياسية) فى هذه المرحلة أفضل، لأنها تبتعد عن الشكل السياسى القديم لحقبة ما قبل 25 يناير، ويعلق قائلا: «الحركة الآن لها وجود فى 12 منطقة شعبية فى القاهرة وفى داخل 5 محافظات وبدأ العمل طوال الأسابيع الماضية على تطوير أدائها وتشكيل لجان لحماية الثورة، ورعاية المطالب الاجتماعية حتى لمن لم يشارك فى أحداث الثورة». ويؤمن هانى بقناعة تتلخص فى أن «المطالب الاجتماعية والفئوية الآن مهمة تماما مثل المطالب السياسية، لذا فأساس عمل الحركة مرتبط بالشارع والعمل الحركى إلى حد كبير». لهذه الأسباب لم تفكر الحركة حتى الآن فى التحول إلى حزب سياسى، على عكس شريحة خاضت معارك الثورة وتريد أن تحافظ عليها من خلال حزب يوفر لهم وجودا فى العمل السياسى، يعلق الدكتور عمرو هاشم ربيع ــ مدير وحدة التحول الديمقراطى بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية ــ قائلا: «فى المرحلة القادمة لن يكون تاريخك وما أنجزته فى ميدان التحرير مفيدا بقدر ما ستكون لائحة الحزب هى الفيصل».