Thursday, January 27, 2011

اتحاد الكتاب يتضامن مع الشارع المصري

عقد اتحاد كتاب مصر أمس الأربعاء جلسة طارئة أعلن فيها تضامنه مع موجة الاحتجاجات الأخيرة التي شهدها الشارع المصري واصفا إياها بالانتفاضة المجيدة، وبعد مناقشة استمرت حوالي ثلاث ساعات أصدر المجلس بيانا ذكر فيه : إن اتحاد كتاب مصر إذ يحيي الجماهير المصرية على سلوكها الوطني خلال اليومين الماضيين ، وهو يعلن تضامنه الكامل مع تلك الانتفاضة المجيدة ، ويؤكد مشاركته الكاملة لها في مطالبها المشروعة ، ويدين الأسلوب القمعي في التعامل معها، ويؤيد المطالب الدستورية التي عبرت عنها جماهير الشعب على نحو يكفل التداول السلمي للسلطة، وإلغاء قانون الطوارئ، ويطالب بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين كافة، واتخاذ الخطوات اللازمة للقضاء على الفساد السياسي والاقتصادي والثقافي، ومحاكمة المفسدين فضلاً عن بقية المطالب المشروعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
وقرر مجلس اتحاد كتاب مصر أن يظل في حالة انعقاد دائم حتى إشعار آخر.
كما أعلن المجلس عن تنظيم وقفة تضامنية لأدباء وكتاب مصر في تمام السادسة مساء السبت القادم بمقره بالزمالك.

Monday, January 10, 2011

تاريخ الجنون.. من البيمارستان إلى المستشفى العام



كتب – عبد الرحمن مصطفى
قد تبدو مواقع مستشفيات الصحة النفسية والعقلية الحالية على الخريطة كجزء من حياة المدينة وليست معزولة مثلما كانت لحظة تأسيسها، لكن في حقيقة الأمر فإن هذه المواقع كانت خارج المجال السكني في لحظة تأسيسها. أحد أشهر هذه النماذج هو مستشفى العباسية للأمراض العقلية والنفسية، ولم يكن ذلك مصادفة بقدر ما هو تطور لصورة المريض العقلي والنفسي عبر التاريخ، وتحول بين احتواء المريض العقلي في العصور الإسلامية ثم عزله في العصر الحديث في أطراف المدينة.
ترى الدكتورة هدى السعدي- الأستاذ المساعد في قسم الحضارات العربية والإسلامية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة- أن الأعراف والتقاليد الأوروبية في النظرة إلى الجنون قد تغلغلت إلى مصر في نهايات القرن 19 ، وذلك في ضوء ظهور الطب النفسي الجديد وتحديث الدولة المصرية في ذلك الوقت، هذه التقاليد الأوروبية انعكست على الواقع المصري حتى اليوم، ومن أبرز هذه الانعكاسات هو اختيار موقع المستشفى. وفي بحثها المنشور تحت عنوان "تغير مفهوم الجنون وتأثيره على المرأة والمجتمع في مصر في نهاية القرن التاسع عشر"، ذكرت الدكتورة هدى السعدي أن النظرة السائدة عن المجانين قبل العصر الحديث غالبا ما اتسمت بالتسامح والقبول، ومع سيادة قواعد الدولة الحديثة في مصر وظهور الاحتلال البريطاني تغيرت تلك النظرة فأصبحت أكثر صرامة وبدأ استبعاد هذه الفئة من المجتمع. يتضح هذا التحول عند عقد مقارنة مع العصور الإسلامية حين كان البيمارستان (المستشفى) يتعامل مع "المجاذيب" ببساطة كجزء من نشاطه الطبي، وكانت تلك البيمارستانات متواجدة وسط الحياة في المدينة دون قلق، فمنذ إنشاء أول بيمارستان في عهد ابن طولون وهناك قسم مخصص لرعاية المجاذيب. بل حتى في عهد محمد علي الذي اعتبره البعض باني مصر الحديثة ومفتونا بلتجربة الغربية ظل التعامل على نفس الدرجة من الاحتواء للمجانين، وبرز ذلك حين أسس بيمارستان لعلاج المجانين في قلب القاهرة في ميدان الأزبكية، إذ تم تحويل مخزن على ميناء بولاق إلى مستشفى لعلاج المجانين، لكن تلك النظرة تغيرت فيما بعد.
في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" (ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي - بيروت، 2006) لاحظ  المفكر الفرنسي -ميشيل فوكو- أنه مع بدايات العصر الحديث في أوروبا أثناء القرن 17 بدأ التعامل مع المجانين بطريقة مختلفة، إذ يقول عن ذلك القرن : "إنه اللحظة التي نظر فيها إلى الجنون باعتباره أفقا اجتماعيا للفقر وعدم القدرة على العمل، واستحالة الاندماج مع الغير، إنه اللحظة التي أصبح فيها الجنون جزءا من مشاكل المدينة". منذ تلك المرحلة ومع ازدياد وعي أوروبا بقيمة العقل والعلم، تم تكريس العزل لهذه الفئة المهمشة. وانتقلت تلك النظرة إلى مصر تدريجيا فرغم أن إنشاء مستشفى المجانين في حي الأزبكية في عهد محمد علي قد جاء بتوصيات من "كلوت بك" الطبيب الفرنسي الذي عهد إليه محمد علي بتنظيم الإدارة الصحية للجيش المصري إلا أنها ظلت وسط العاصمة، لكن العام 1883 كان نقطة فاصلة في هذه النظرة إلى "المجنون" إذ تأسست مستشفى الصحة النفسية بالعباسية ودخلت تحت رعاية الاحتلال الانجليزي لتعبر عن النظرة الغربية للجنون، فاختيرت في موقع بعيد عن العاصمة في صحراء الريدانية التي تحولت فيما بعد إلى حي العباسية، نسبة إلى حاكم مصر عباس حلمي الأولى (1848 - 1854). بل أقيمت محل سراي كان يملكها عباس حلمي في منطقة ذات هواء جاف يناسب حالته الصحية، وعلى نفس المنوال أقيمت مستشفى الخانكة في منطقة صحراوية يقطنها العربان على أطراف المدينة. وحسبما تذكر الدكتورة هدى السعدي فقد دخلت الأعراف الطبية الغربية على الخطاب الوطني في التعامل مع هذه الفئة. وتكفي نظرة إلى خريطة تواجد مستشفيات الصحة النفسية والعقلية وقت تأسيسها كي تكشف عن استمرار قواعد العصر الحديث في إقصاء هذه المستشفيات بعيدا عن المجتمع. ورغم تطور المدينة وتحول مواقع هذه المستشفيات مثل مستشفى العباسية أو الخانكة إلى جزء من المدينة، إلا أن العناوين الصحافية مؤخرا كشفت عن وصم تتعرض له هذه المستشفيات، وتعامل المجتمع معها كأمر واقع غير محبب. بدء من ضم مستشفى العباسية إلى قائمة المباني الأثرية مؤخرا بعد جدل أثير حول نقلها إلى مدينة بدر بعيدا عن القاهرة، أو في موقف آخر كشف فيه أهالي الخانكة عن رغبتهم في تغيير اسم منطقتهم بسبب ارتباطها باسم مستشفى "الخانكة" الذي يجلب عليهم إيذاء نفسيا. ووسط هذا الزحام يظل أغلب نزلاء هذه المستشفيات الموصومة على غير وعي بنظرة المجتمع إليهم على عكس حالهم في العصور الإسلامية، حين كان المجتمع لا يجد غضاضة في احتواء "المجانين" وسطهم دون حرج.

Sunday, January 2, 2011

على هامش العام الجديد

كتب – عبد الرحمن مصطفى

شجرة عيد الميلاد تبحث عن معجبيها

أمام محل لبيع الورود في حي المهندسين تصدرت شجرة عيد الميلاد المشهد على أمل إغراء الزبائن بشرائها، و داخل المحل لم يخف مديره ماهر التونسي تشاؤمه قائلا: "حاسس انه كمان سنتين مش هيبقى فيه شجرة كريسماس ولا احتفال بالسنة الجديدة". تلك النبرة المتشائمة سببها تناقص حجم مبيعات أشجار عيد الميلاد في السنوات الأخيرة، وهو ما يدركه شخص مثل ماهر دخل هذا المجال قبل 19 سنة، اليوم يخشى أن يكون المزاج العام قد أصبح أقل اهتماما بأجواء الاحتفالات وهو ما يمثل خطورة على هذا المجال بأكمله. أما الشجرة البارزة أمام محله فيرى أن سعرها معقولا، إذ تتراوح الأسعار بين 70 و 100 جنيه على عكس الحال قبل عدة سنوات حين كان يصل سعر الشجرة الواحدة من نفس الحجم إلى أربع أضعاف السعر الحالي. يعلق قائلا: "أتذكر قبل خمس سنوات فقط، كانت المحلات حولنا أكثر حرصا على تزيين واجهاتها بشجرة الكريسماس الطبيعية وفق الشروط التي حددها الحي وقتها، أما الآن فالوضع مخيب للآمال". أثناء حديثه يتوقف الكلام قليلا لينهي صفقة بيع شجرة عيد ميلاد إلى محل الكوافير المجاور، يتجه عامل في المحل لتزيين الشجرة بشكل روتيني على عكس حالة النشاط التي كانوا عليها قبل سنوات حين كانوا يرسلون أشجارا إلى فيلات وقصور على أطراف القاهرة، أما اليوم فهذه الشجرة أمام المحل هي واحدة ضمن عشرين شجرة سيجري بيعهم حتى الأسبوع الأول من يناير، في سنوات سابقة كان نفس المحل يبيع ضعف الكمية، لكن قواعد رأس السنة اختلفت تماما. يعلق سمير المليجي الذي يعمل في فرع آخر لنفس المحل قائلا: "اكتفينا بوضع أشجار عيد الميلاد أمام الفرع الرئيسي فقط، أعتقد أن المزاج العام الآن ابتعد عن أجواء الزينة والاحتفالات برأس السنة عن ذي قبل، كذلك فالأحوال الاقتصادية أصبحت تحد من الإنفاق في هذا المجال".
يكاد يتفق آخرون من العاملين في هذا المجال مع هذا الرأي، إلا أن أهم نقطة ركزوا عليها هي دخول أشجار عيد الميلاد البلاستيكية المستوردة من الصين إلى المنافسة معلنة التحدي لشجرة عيد الميلاد الطبيعية في هذه الفترة من العام.
أما أهم معاقل تجارة أشجار عيد الميلاد البلاستيكية فهو سوق درب البرابرة ناحية الموسكي، في هذه الناحية من السوق كان سيد رشاد مشغولا بشجرة متوسطة الطول مستقرة أمام المحل، والسعر 550 جنيه، يوضح: "معندناش شجر طبيعي .. كله صيني ولا فخر". في سوق درب البرابرة تظهر شجرة الكريسماس بشكل هامشي ومؤقت ضمن نشاط السوق، إذ يعتمد النشاط الرئيسي على بيع مستلزمات الأفراح والحفلات إلى جانب محلات النجف، لذا لا تتوقف نداءات متكررة من نوعية : "عايز حاجات السبوع يا برنس؟!". أما في المحلات التي تبيع شجر الزينة الطبيعي فلم يكترث أصحابها ببيع أشجار عيد الميلاد الطبيعية انصياعا لقواعد الاحتلال الصيني "البلاستيكي" للسوق، وداخل إحدى الحواري الجانبية من شارع البنداقة تراصت مجموعة من المحلات التي تبيع أشجار الزينة، لكن في الطابق الأول من عمارة مجاورة كان أحد كبار العاملين في هذا المجال، هناك وقف الحاج محمد ميرامار متابعا حركة البيع البطيئة في المحل. هنا يختلف الواقع تماما عن نوعية الأشجار الطبيعية التي يبيعها ماهر في محله بحي المهندسين، فهنا تباع الشجرة البلاستيكية مفككة إلى أجزاء ثم يتم تجميعها بمعرفة الزبون، السعر قد يتجاوز 500 جنيه لشجرة بطول 1.8 متر، مع إضافة حبال بلاستيكية مضيئة وكرات لامعة، وإضاءات متنوعة. يقول محمد ميرامار: "أصبح الناس أكثر زهدا في شراء شجرة الكريسماس على عكس الماضي، فمن اشترى شجرة بلاستيكية في عام سيحتفظ بها إلى الأعوام التالية، والأخطر من هذا أننا في مصر قبل عشر سنوات كنا نصنع هذه الشجرة، لكن بعد الغزو الصيني الذي ازدهر قبل أكثر من خمس سنوات تغيرت القواعد تماما، وقلت المبيعات الآن إلى النصف مقارنة بالسنوات السابقة، بعد أن تشبع السوق". يعلم باعة أشجار الكريسماس البلاستيكية في سوق درب البرابرة وغيره أنهم الأسرع وصولا إلى المنازل، إذ أنهم يتركون المنافسة خالية أمام باعة الأشجار الطبيعية في الفنادق والمدارس وأصحاب المزاج الخاص. وبينما يشكو باعة الأشجار الطبيعية من انتشار الأشجار البلاستيكية، نجد أن باعة الأشجار البلاستيكية يشكون من أن زبونهم يأتي مرة واحدة لا تتكرر إلا بعد سنوات طويلة. خارج هذا الصراع عرض أحد الباعة في سوق درب البرابرة وجها أخر لعوامل الزهد في تجارة شجرة عيد الميلاد لأسباب شخصية أعلنها في أنه قرر الامتناع عن بيع شجرة عيد الميلاد "لأنها بدعة وليس لها أصل في الدين الإسلامي". مضيفا : "كنت أبيع زهرة بنت القنصل التي تزدهر تجارتها في هذه الفترة، وعلمت من زميلي المسيحي أنها رمز لعقائد تخالف عقائد الإسلام، وهو ما جعلني أمتنع عن بيعها". هذا الرأي الذي يعرضه البائع يحمل مفارقة كبيرة في أن صاحب المحل الذي يعمل فيه يبيع أشجار الكريسماس في الفرع الآخر للمحل، لكنه متصالح مع هذا تماما. وبعيدا عن أصحاب الأعمال والباعة فقد شهدت نهاية العام الماضي جدلا بسبب رأي ديني أعلنه من الدوحة الشيخ يوسف القرضاوى رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إذ انتقد شراء المسلمين لشجرة الكريسماس واستخدامهم لها في تزيين واجهات محلاتهم واعتبر ذلك حراما شرعا.
وتعود جذور استخدام شجرة الكريسماس في احتفالات رأس السنة إلى أوروبا في العصور الوسطى تأثرا بعادة وثنية قديمة كانت لدى القبائل الجرمانية في أروربا ثم اتخذت طابعا مسيحيا فيما بعد، هذا الأصل يدركه جيدا ماهر التونسي مدير محل الورود في المهندسين، إذ كان قبل سنوات عديدة يستورد أشجارا كبيرة من هولندا وبلجيكا في طلبات خاصة من الفنادق والمدارس أثناء هذه الفترة من السنة، ويقول: "شجرة الكريسماس في الأصل ذات أصول أروربية، لكننا هنا في مصر نزرع شجرة التويا التي تشبهها تماما، وتباع في الأسواق أثناء احتفالات عيد الميلاد". يجلب ماهر أشجار التوية الطبيعية من محافظة المنوفية حيث تزرع في مشاتل خاصة ويتم توريدها إلى التجار مع بداية شهر ديسمبر، وفي السنوات السابقة كانت شجرة التوية (الشبيهة بشجرة عيد الميلاد) تزرع بأعداد أكبر حول القاهرة في صفط اللبن والمعتمدية والبراجيل ناحية الجيزة (محافظة 6 أكتوبر حاليا). وحتى الآن ما زالت منطقة البراجيل تزرع شجرة التوية لاستخدامها في احتفالات الكريسماس كل عام، هناك تتعد المشاتل التي تقدم أنواع الورود المختلفة، لكن يظل المشتل الأشهر هناك هو "مشتل البراجيل" التابع لهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، إذ يمتد لمساحة 75 فدانا تندس وسطها أشجار التوية على استحياء بين مئات الأنواع من الأشجار، يقول المهندس عبدالرحمن سيد مدير مشتل البراجيل:"بعض أصحاب المشاتل والأفراد العاديين يأتون إلى هنا بحثا عن أسعار أفضل، لكن على أرض الواقع فإن المشاتل التي تبيع شجرة عيد الميلاد على سبيل المثال في المنوفية تبيع بأسعار معقولة لأنها تعتمد على عمالة غير مدربة ومن الأطفال أحيانا، وهو ما ينعكس على سعر المنتج النهائي".
وسط المشتل الفسيح انشغلت مجموعة من العمال الزراعيين في "تقليع" بعض أشجار التوية التي وصل بعضها إلى ارتفاع 4 أمتار، ويبلغ متوسط سعرها 150 جنيها. يوضح المهندس عبدالرحمن أن مهمة هذا المشتل بالأساس هي إرسال نباتات الزينة إلى المشاتل الفرعية وتزيين شوارع محافظة القاهرة والتشريفات الرسمية، أما شجرة التويا المرتبطة بمناسبة أعياد الميلاد فهذا هو موسمها، ويقول: "بعض الزبائن يأتون لشرائها من أجل تزيين حدائقهم رافضين استخدام الأشجار البلاستيكية، إذ نوزع المئات منها في هذه الفترة". تختلف الشجرة التي تباع هنا عن بقية الأشجار التي تباع في محلات بيع الورود والزهور، إذ تقوم تلك المحلات بوضع الشجرة في إناء به جبس وهو ما يجعل للشجرة عمر افتراضي ينتهي بعد شرائها بأسابيع، أو حسب تعبير أحد باعة محلات الورود هي "شجرة تيك أواي". أما الأشجار التي تباع في مشاتل مثل مشتل البراجيل فيتم تقديمها لزبون في الغالب سيعمل على إعادة زرعها من جديد، وبحكم عمله في هذا المجال لأكثر من 30 سنة يرى المهندس عبدالرحمن سيد مدير مشتل البراجيل الحكومي أن استخدام شجر الزينة في إناء به جبس هو قتل للأشجار، ويقول : "نحن هنا نزرع بأيدينا وأملنا أن نرى ما زرعناه في موقع أخر أيا كان في فيلا أو شارع أو حديقة منزل صغير". يقول عبارته ثم يتابع إلقاء الأوامر إلى العمال الزراعيين الذين كانوا قد نجحوا في اقتلاع شجرة تويا كبيرة متجهين بها إلى خارج الحقل غير منشغلين كثيرا بمجيء رأس السنة، عدا مجدي الذي يعمل هنا منذ 27 سنة، لأنه سيحتفل في 7 يناير القادم بعيد الميلاد المجيد، ما دفع أحد رفاقه في العمل ممازحا مدير المشتل في أن يمنحه مجدي شجرة تويا من أجل الاحتفال، لكن سرعان ما تختفي الابتسامات ويعود الجميع إلى عمله من جديد.

شاهد عيان: نصنع الرفاهية ولا نشارك فيها
لم يستطع أحمد إيهاب إخفاء علامات الإنهاك الواضحة على ملامحه بعد انتهاء وردية عمله في الفندق، يقول: "رأيت في هذه المهنة ما لم أره في مكان آخر.. يكفي ما يحدث في رأس السنة فقط وفي أفراح النخبة". قبل أسبوع على بدء احتفالات رأس السنة يعيش الفندق الفخم الذي يعمل فيه حالة من الاستنفار من أجل هذه الليلة، تلك الأجواء أعادته إلى ذكريات العام الماضي حين قضى ليلة رأس السنة في "خدمة الغرف" ورأى ما لم ينسه حتى الآن. في ذلك اليوم 31 ديسمبر من العام الماضي استمر عمله لمدة 12 ساعة متواصلة للتعامل مع ضغط أعداد الزبائن الذين توافدوا على الفندق وقاعة الاحتفالات في هذه الليلة، كانت الأمور تسير بشكل معقول حتى الساعة العاشرة مساء، لكن بعد بدء حفلة رأس السنة انقلبت الأوضاع رأسا على عقب، يقول أحمد واصفا تلك الحالة: "يتحول المشهد إلى فوضى منظمة، رجال الأمن يتحركون في كل اتجاه لمتابعة الزبائن السكارى في الطرقات، والمديرون يتابعون الموقف بقلق". الصورة التي يرسمها أحمد بحكم عمله في خدمة الغرف هي "لطبقة ثرية جدا"- حسب تعبيره – جاءت لتنفق أموالها على الترفيه ومعاقرة الخمر، يعلق قائلا: "كنت أرى بعض الزبائن مكومين في الطرقات بين الغرف وأحيانا ما يحملهم زملائي إلى الداخل حفاظا على مظهر المكان وهدوء الغرف". هذه النوعية من الزبائن تأتي إلى الفندق لقضاء ليلة رأس السنة فقط، أغلبهم من طلبة الجامعات الخاصة، جاءوا في مجموعات ليمتزجوا مع غيرهم من السائحين العرب وبقية النزلاء. بعضهم يدخل الحفلة مع مجموعة من رفاقه ثم يعود إلى غرفته مع صحبة أخرى، ومن الصعب فض الاشتباك أو التطفل على ما يحدث داخل الغرف، فالزبون دائما على حق.
لم تعد تلك الأجواء تصدم أحمد إيهاب مثلما كانت صدمته في أول يوم عمل له داخل بار قاعة الحفلات في أحد الفنادق الكبرى، شارك وقتها في داخل فرح نجل عضو مجلس شعب ورجل أعمال شهير، ورأى شخصيات عامة لم يكن ليرها من قبل، ورأى بعضهم وهو منكب على كؤوس الخمر التي يقدمها لهم. يعلق قائلا: "كانت الفواتير أمامي، لقد تجاوز الفرح مليون جنيه..!" بعد هذه التجربة الأولى اتجه إلى العمل في خدمة الغرف حيث نوع مختلف من الضغوط النفسية التي لا يرها أحد. "تخيل أنك تمر على أربعين غرفة في اليوم، وعليك أن تقطع صلتك بالعالم ومشاكلك بمجرد وقوفك أمام باب الغرف، كي تؤدي دورا ما أمام النزيل، فإن كان في مزاج سيء عليك ألا تبتسم في وجهه وإلا اعتبرها سخرية منه، وان كان في مزاج مرح عليك مجاراته، وفي غرف السائحين العرب عليك ألا ترفع عينيك في وجه امرأة منقبة.. كل هذه الضغوط والتغييرات في زمن محدد لتوصيل الطلب، وإذا ما نسيت الخبز على سبيل فهي كارثة قد تتسبب في تعطيل الطلبات التالية لأن الطلبات تتم بالتوالي وليس بالتزامن، وكل شكوى يقابلها خصم، وفضيحة وسط الزملاء".
تلك الأجواء حسبما يصفها أحمد إيهاب تتخذ شكلا أكثر صخبا في ليلة رأس السنة، إذ عليه أن يقبض قيمة كل خدمة بشكل فوري لأن نسبة كبيرة من النزلاء سيقضون ليلتهم مخمورين لذا لا بد من أن يكون الحساب فوريا منعا لمشاكل التذكر والنسيان. يقول أحمد "هذه المهنة جعلتني أرى مفارقات غريبة، في مرة على سبيل المثال قدمت زجاجة شامبانيا لعروسين في ليلة زفافهما وكانت قيمة الزجاجة 9000 جنيه، في الوقت الذي أحصل على مرتب 900 جنيه شهريا، أما ثمن الإفطار الذي أقدمه قد يصل إلى 140 جنيها وأحيانا ما أقدم وجبة أسماك تصل إلى 1000 جنيه.. وكلها مفارقات وأسئلة أعيشها يوميا، تتجلى في يوم مثل رأس السنة".
الجانب الإيجابي في الأمر هو البقشيش الذي تقدمه هذه الفئة المتيسرة من الزبائن، وهنا يتم تجميع البقشيش وإعادة توزيعه على العاملين، أما ليلة رأس السنة فالمميز فيها هو رؤية مزيج متنوع من البشر على عكس التعامل العادي مع نزلاء الفندق، يعلق أحمد إيهاب: "بحكم تعاملي المباشر مع النزلاء في خدمة الغرف في العمل السابق مع جمهور المطاعم وقاعات الاحتفالات، لفت نظري شيء يتجلى في ليلة رأس السنة، هو انعدام الخشية لدى كثير من الشباب، فأنا عن نفسي أحيانا ما أشرب الخمر لكن لا أجاهر بها وأحيانا ما أراجع نفسي وأعلم أنها معصية، لكن ما أراه هناك هو غياب هذه الحسابات تماما بل أرى حالة من التفاخر". ما يذكره أحمد من ملاحظات أحيانا ما يكون الإحساس بها مضاعفا لدى فئة أخرى هي فئة عمال النظافة في الفندق، إذ يعيش بعضهم صراع القادم من بيئة ريفية محافظة، حتى أن بعضهم يرفض رفع زجاجات خمر فارغة أثناء تنظيفه الغرف تاركا المهمة لزميل غيره. وأثناء ليلة عمل صاخبة مثل ليلة رأس السنة قد يكتشف أحمد أنه ظل طوال ساعتين يمر بعربة الطلبات دون أن ينطق بكلمة، ويمر إلى جوار زميله الذي يدفع عربة طلبات أخرى بين الغرف ولا يتحدثان بسبب ضغط العمل وازدحام الغرف والحرص على قبض ثمن الفواتير فوريا من الزبائن في هذه الليلة المزدحمة، يقول أحمد : "ساعات بسأل نفسي أنا بتعب وابهدل نفسي عشان أكوٍّن نفسي وابتدي حياتي، دول مين اللي بيدفعوا المصاريف دي كلها؟؟!". في مرة أثناء فترة عمله في البار، أتاه أحدهم طالبا كأس كونياك يقدر بـ 250 جنيه كي يضع فيه سيجارا ضخما لمجرد الحصول على مذاق الكونياك.
بعد ليلة هستيرية من نوع ليلة رأس السنة، وبعد عمل إضافي حتى الصباح الباكر، يقف أحمد أمام خزانة الملابس، يرتدي ملابسه العادية مودعا الفندق.. ويعلق على ذلك قائلا: "لا أستطيع أن أتجه إلى المنزل مباشرة بعد ليلة عمل كهذه، أعتدت أن أجلس مع زملائي على مقهى مجاور لأعيد اكتشاف الحياة من جديد.". في الغالب هنا لا يتحدث الزملاء عن العمل، يحاولون التعرف من جديد على أنفسهم في بيئة أخرى، واستعادة هوياتهم الأصلية التي طمسها العمل الآلي في داخل الفندق. يقول أحمد : "أحيانا ما أنام فأحلم بمشاهد عشتها أثناء عملي في الفندق، خاصة أنك أحيانا ما تسمع قصصا غريبة من زملائك على فترات متباعدة تترك أثرا بداخلك مثل تعرض أحدهم لتحرش من نزيل أو نزيلة، وكيف تعامل مع الموقف".
حسب القواعد فكل موقف له وسيلة تصرف، واللباقة هي سيدة الموقف، لذا لا يكون المرء حرا إلا خارج الفندق، في شوارع المدينة.. حيث صخب من نوع آخر.

مع توديع عام مضى واستقبال آخر جديد يحاول البعض استعادة خبراته السابقة ومراجعة ما أنجزه فى الفترة الماضية، داخل المعتقل ليس هناك مجال لهذا الترف، بل هناك واقع آخر: «الأسئلة داخل المعتقل مختلفة تماما، إذ تعيش كأنك فى برزخ بين الحياة والموت، كل ما هو مهم ليس له أهمية، خاصة حين تكون معتقلا سياسيا لا تعرف متى يكون الخروج، وليس لديك نقاط فاصلة أو إحساس بتوالى الزمن»، هكذا يرى الناشط والروائى مسعد أبوفجر تجربة الاعتقال السياسى لمدة 30 شهرا أفرج عنه بعدها فى الصيف الماضى.شتان بين لحظة دخول العام الماضى 2010 واللحظة الحالية مع استقبال العام 2011، إذ يقضى حياته اليوم محاولا الاستمتاع بتفاصيل أخرى لم يدرك قيمتها أثناء فترة الاعتقال، منها ما ذكره: «أبحث عن الأشخاص الذين افتقدتهم فى السجن، استمتع بمشاهدة البحر ومتابعة صيانة سيارتى، الوقت الآن به حسابات أخرى، على عكس أوقات السجن حين كان أقصى طموحى أن أنام فأحلم بحلم جميل يخفف من وحشة الاعتقال».
فى غياهب المعتقلات أعداد غير محددة من المعتقلين تتراوح بين المئات حسب تصريحات مسئولين ذوى صلة بوزارة الداخلية بينما يرتفع الرقم إلى آلاف المعتقلين حسب تقديرات الحقوقيين، وجميعهم يقضون تلك الفترة بعيدا عن إحساس الانتقال من عام إلى عام أو غيرها من مناسبات مثل الأعياد.
فى كتابها «مذكراتى فى سجن النساء» (دار الآداب، 2008) استخدمت الكاتبة نوال السعداوى فقرة تعبر فيها عن فترة اعتقالها فى العام 1981 لمدة شهر، إذ قالت: «لا يموت الإنسان فى السجن من الجوع أو من الحر أو من البرد أو الضرب أو المرض أو الحشرات، لكنه قد يموت من الانتظار،الانتظار يحول الزمن إلى اللازمن، والشىء إلى اللا شىء، والمعنى إلى اللا معنى».
يرى أحمد سيف الإسلام حمد ــ المحامى الحقوقى ــ أن أكثر التجارب صعوبة للمعتقل هى إحساسه بالانعزال عن الحياة الاجتماعية وقطع الصلات بينه وبين أهله، وكان سيف الإسلام أحد من تبنوا قضية مسعد أبوفجر أثناء اعتقاله. يقول أحمد سيف الإسلام: «من خلال تعاملى مع هذا النوع من القضايا قابلت حالات قليلة أصيبت بانهيار عصبى حاد بسبب الإهانة والعزل التام داخل السجن، خاصة أن بعض السجون شديدة الحراسة لا تسمح بالخروج من الزنزانة إلا لدقائق.. لكن حالات الانهيار تلك تعد على أصابع اليد الواحدة». هذه الحياة القائمة على العزل عن المجتمع وكسر الإحساس بالزمن والتطور لم تهزم كثيرين، أحدهم هو المعتقل السابق عبدالمنعم منيب الذى قضى 14سنة فى المعتقلات المصرية حتى أفرج عنه فى 2007، يرى عبدالمنعم منيب أن المعتقل لا يهزم السجين إلا من يستسلم، فعلى مدار سنوات اعتقاله وعزلته تطورت التكنولوجيا بدءا من ظهور الهاتف المحمول وانتهاء بظهور الانترنت بقوة على الساحة، وهى تطورات ليس لها وجود بين جدران المعتقل، يعلق قائلا: «الأمر يختلف من شخص لآخر فى إدراك ما يحدث من تطورات والإحساس باختلاف الزمن، كل شىء يعود إلى فاعلية الشخص وحيويته، عن نفسى كنت أستغل كل فرصة للتعليم حتى إن كان ذلك عن طريق سؤال المعتقلين الجدد، حاولت استكمال دراستى العليا، بعض رفاق السجن نجحوا فى الحصول على الدكتوراه بينما أخفقت أنا فى استكمال دراستى العليا، إلا أننى عوضت ذلك بمجرد الإفراج عنى». نجح عبدالمنعم بعد خروجه بأسابيع فى تعلم الانترنت وأسس مدونة باسمه وعاد إلى الصحافة من جديد.
فى كتاب الناشط السياسى السيد يوسف «مذكرات معتقل سياسى» (الهيئة المصرية للكتاب، 1999) يذكر هذه الفقرة: «بينما يحتفل العالم بليلة رأس السنة وبداية السنة الجديدة 1959 انطلقت خفافيش الظلام وزوار الليل يطرقون آلاف الأبواب، يروعون الأطفال والأمهات والزوجات من نومهم لاختطاف المناضلين من أحضان أبنائهم وزوجاتهم والزج بهم فى غياهب السجون والمعتقلات»، هكذا يصور أحد معتقلى العهد الناصرى صورة نادرة انشغل فيها المعتقل باستقبال عام جديد بالخوف من مطاردات الأمن بعيدا عن أجواء يعيشها بقية العالم.
وتحت واقع استمرار الاعتقالات حتى اليوم، يرى المحامى أحمد سيف الإسلام الصورة بشكل آخر يحفظ ــ فى الحد الأدنى ــ بعض حقوق المعتقلين إذ يقول: «فى الأوضاع الطبيعية يجب توفير مراجع للباحثين فى السجون وتعميم المكتبات، وإتاحة ممارسة الهوايات والأنشطة، لكن هذه الأمور لا تتوافر فى جميع المعتقلات خاصة شديدة الحراسة التى يخرج فيها المعتقل من زنزانته لفترات قصيرة فى اليوم، وسط أجواء مهينة تكرس الإحساس بالعزل». هذه الأجواء شبهها مسعد أبوفجر بأنها حالة «أهل الكهف» لحظة خروجهم من نومهم الطويل. وفى هذه المسافة الضيقة بين عامين قد لا يدرك قيمتها سوى من شعر بغيابها مع كل عام يمر عليه فى السجن، حيث يغيب ترف الاستمتاع بمرور الزمن ومحاسبة النفس ومراجعة الذات.
PDF

Thursday, December 16, 2010

جسد المرأة

معارضة في الخفاء
الختان.. صراع الشهوة والعقل

كتب – عبدالرحمن مصطفى
"لم أعتبر يوما أن ما أقوله في الأحاديث العائلية ومع الأصدقاء يمثل شكلا من التوعية أو الدور الاجتماعي.. الأمر مجرد موقف من تجربة لا أرغب لأي فتاة أن تمر بها". ترى سامية (تم تغيير الاسم بناء على طلبها) السيدة الخمسينية أن أحاديثها المناهضة للختان مع الأمهات في دائرة معارفها هي شهادة حق تعبر عن قناعة تراكمت عبر سنوات منذ أن تعرضت للختان قبل أكثر من 45 سنة. ما زالت تذكر التفاصيل إذ تقول: "كان الختان واسع الانتشار بين بنات جيلي، ورغم أنني أنتمي إلى أسرة متعلمة، إلا أن جذور أسرتي الريفية كانت سببا ملحا وراء اتخاذ هذا القرار، إذ كان مجرد إجراء روتيني لفتيات العائلة..". بعض مشاهد ذلك اليوم ما زالت تتذكرها جيدا بدء من المفاجأة التي حدثت حين علمت من أخيها الأصغر أن ذلك اليوم هو "يوم الطهور" انتهاء بتفاصيل الممارسة التي تمت على يد نساء ريفيات جئن خصيصا من "البلد" بصحبة عمتها لإجراء الختان. وفي أحاديثها اليوم مع الأمهات تدور مناقشات حول أهمية الختان للفتاة، حسب عبارتها فإن "الموضوع حرج، ولا يتم التحدث عنه إلا بصورة عفوية"، ولا يتفجر الجدل في هذه المناقشات إلا حين تقرر سامية التعبير عن موقفها الرافض لهذه الممارسة، تقول: "تختلف المبررات، هناك من تبرر هذا بأنه إجراء يضبط شهوات الفتيات، ويكون ردي الوحيد هو : هل منع الختان ظهور العاهرات؟".
ترى فيفيان فؤاد من خلال خبرة العمل في المشروع القومي لمناهضة ختان الإناث بوزارة الأسرة والسكان أن ما حدث في الخمسة عشرة سنة الأخيرة يعد تطورا إذ أصبح بالاستطاعة التحدث عن أمر يخص أجساد الفتيات بعد ألاف السنين من الصمت عن ممارسة الختان. وتقول : "تراكم النقاش حول الختان هو ما قد يحدث التغيير الاجتماعي". تشير أرقام المسح الديموجرافي الصحي لعام 2008 إلى أن 91% من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عاماً خضعن للختان. ورغم النسبة الكبيرة للمختتنات في مصر إلا أن الدكتورة فيفيان تنظر إلى الجانب الإيجابي في الواقع الحالي، إذ أصبحت القضية متاحة للنقاش وموضع اهتمام، توضح قائلة : "ما لا يدركه البعض خاصة بين البسطاء أن هناك قانونا يجرم ممارسة الختان للإناث وهو قانون الطفل، كذلك فإن ما نلمسه من خلال خط تليفون نجدة الطفل 16000 أن هناك حالة من الوعي والاهتمام بدأت تظهر من خلال نوعية الأسئلة، فغالبية المتصلين هم من الباحثين عن المعلومات، خاصة في ظل انتشار المعلومات المغلوطة عن الختان".
هذا الجدل والنقاش لا يتوافر في كثير من بلدان العالم التي لا تمارس الختان من الأساس، هذا ما لمسته سامية أثناء إقامتها في إحدى الدول العربية المجاورة بصحبة زوجها وأسرتها، إذ تقول: "أثناء إقامتي خارج مصر كانت بعض الأسر المصرية تحرص على ختان فتياتهن في فترة الإجازة السنوية، بعضهن كنت أعرف أنهن تعرضن للختان من الانكسار الذي يبدو عليهن بعد العودة من مصر، وحين أقارن بينهن وبين فتيات الجاليات الأخرى، سواء اللاتي في أعمارهن أو الأكبر كنت أجد الأخريات أكثر نضارة وانطلاقا". تلك الخبرات والحوارات مع الأمهات دفعتها إلى مزيد من الاطلاع بدافع شخصي، خاصة بعد إثارة القضية في الفضائيات والإعلام، وتقول : "كانت حجة بعض الأمهات أحيانا أن الختان سنة، وكان زوجي أكثر اطلاعا في هذا الشأن، وبعد سنوات أصبحنا أكثر اطمئنانا إلى أنها عادة ليست لها علاقة بالدين". كان الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية قد أصدر فتوى بتحريم ممارسة الختان الحالية في العام 2007 عقب حادث وفاة طفلة أثناء ختانها على يد طبيبة. ورغم هذه الفتوى إلا أن هناك العديد من الذين تبنوا أراء أخرى ترفع الختان إلى مرتبة السنة لدى المسلمين، وما زالت تلك الآراء تنشر في كتيبات وفي أبحاث متاحة للتحميل على الانترنت بعضها ألفه أكاديميون من مؤيدي ختان الإناث. وأنتج الجدل الدائر وارتفاع مستوى التعليم إلى ظهور مصطلح جديد هو "تطبيب الختان"، فبينما كان الفتيات يتم تختين على أيدي مهن مثل:الداية، وحلاق الصحة، والممرضة. تشير الدراسات إلى أن الختان اليوم أصبح أكثر رواجا في العيادات مثلما تشير الأرقام، إذ كشف تقرير المسح الديموجرافي والصحي لمصر عام 2008، أن ثلاثة أرباع عمليات الختان يتم إجراؤها على أيدي كوادر طبية مؤهلة، الأمر الذي يزيد من تفشي ظاهرة تطبيب الختان لتصل إلى 77,4٪ ، في مقابل 17٪ في عام 1996. أي أن الاتجاه الحالي هو إجراء هذه العملية في العيادات الطبية. وترى الدكتورة فيفيان فؤاد أن انتقال أجساد الفتيات إلى العيادات الطبية سرا هو نوع من الانتصار بعد أن كانت تلك الممارسة قديما تقام في أجواء بهجة وفرحة للأهل رغم الآم الفتاة الصغيرة وتضررها في المستقبل وتأثير ذلك على الحياة الزوجية، وتقول: "التغيير يحدث حين تصل المعلومات الحقيقية إلى الناس.. هذا ما استنتجته من خلال نتائج العمل الميداني في الفترة السابقة أما أكبر تحدي فهو من أصحاب المصالح ومن يخلطون الدين بالسياسة، ويفسرون كل خطوة تفسيرا تآمريا، ما زال الأمل في أجيال جديدة اقتنعت بمضار هذه الممارسة، وبعضهم أصبح متطوعا لمناهضة هذه الممارسة، والرهان على هؤلاء في تغيير الأرقام ناحية انحسار الختان في مصر".
في مساحات بعيدة عن العمل الميداني وجها لوجه، داخل منتديات الانترنت، تدور نقاشات تحت أسماء مستعارة، في أحد المنتديات النسائية عنوان : قصتي مع الختان، تؤيد كاتبة الموضوع الختان لكن "بشروط"، أهمها العرض على "طبيبة مسلمة ثقة" لتحديد مدى ضرورة الختان، وتتوالى الردود بين المؤيدات اللاتي يرين فيه "تربية وأخلاق"، وأخريات يرين فيه جريمة بشعة، ولم تخلو الإجابات من دفاع لمن تعرضن للختان بأنه لا يؤثر على العلاقة الزوجية، وفي موضوع آخر في نفس المنتدى تتساءل إحداهن تحت عنوان: الختان للبنات، إن كان الختان في سن كبير بين 16 و21سنة يسبب مشكلات للفتاة، وتتوالى الردود التي فضل أغلبها الحديث عبر الايميل بعيدا عن المنتدى المفتوح للقراء، وتظهر من خلال الردود أن الختان قلق مصري، لا يشغل المعلقات من بلدان عربية أخرى. بعض الفتيات والنساء من نوعية سامية الرافضات للختان يعبرن عن رفضهن عبر الانترنت في خفاء واقتضاب، بينما تظهر نتائج البحث الأولية على محركات البحث على الانترنت أن الأكثر رواجا هي نتائج المدافعين عن الختان الأعلى صوتا.
قد لا تشارك سامية بحكم قلة خبرتها في التعامل مع الانترنت في هذه المناقشات، لكنها ما زالت متمسكة بموقفها القائم على التعامل وجها لوجه في دائرة معارفها معلنة رفضها للختان على أمل حماية جسد فتاة صغيرة ليس لها صوت كي تدافع على نفسها، وتردد عبارة واحدة قائلة : "لم أرزق ببنات، لكن لو كنت قد رزقت بهن لما سمحت لأحد بأن يمسهن إلا أزواجهن في المستقبل
".
ـــ
فتيات دار السلام
وسط مجموعة من الفتيات يرتدين الزي المدرسي تتصدر "أسماء" (11 سنة) المشهد، وفي الخلفية تشاركها زميلتها "دعاء" (13 سنة) الغناء، يردد الجميع : "يا بنت النيل يا حرة .. الختان عادة ضارة" ضمن عرض قررن تقديمه في إحدى قاعات جمعية بنت النيل بحي دار السلام. في السنوات السابقة عملت الجمعية في عدة أنشطة لخدمة سكان الحي المتواضع، أما المشروع الذي يضم كل من دعاء وأسماء وزميلاتهن فهو مشروع تحسين الظروف التعليمية والصحية والنفسية للفتيات المعرضات للختان بحي دار السلام، تقول سيدة السيد رئيسة الجمعية "الفكرة ليست فقط مقتصرة على قضية الختان، بل تنمية فتيات لم يتعرضن للختان كي يكن نموذجا لمن حولهن، لذا أحيانا ما نتواصل مع الأهل إذا ما وجدنا فتاة تتعرض للعنف الأسري، أو تعاني من تأخر دراسي".
كانت نفس القاعة قبلها بقليل قد شهدت جلسة تعقد شهريا مع الأمهات والآباء بهدف التوعية بقضايا تخص العلاقة بين الرجل والمرأة، من على المنصة توجه سيدة السيد وفردوس بهنسي أسئلة إلى الأمهات تدفعهن إلى التفكير، مثل : لو لم تقومي بعمل المنزل كم سيتكلف المجيء بعاملة تقوم بهذا الدور؟ كيف ترين صورة الرجل ؟ في آخر القاعة يشارك الحاج سمير الذي أتى بصحبة زوجته وإلى جواره أحد سكان الحي الذي جذبته الفكرة. يشارك الجميع في طرح الأسئلة والإجابات مع مديري جلسة النقاش.
يقول أحمد صديق مدير مؤسسة حماية وتنمية الطفل وحقوقه المشاركة في المشروع أن هذه الخطوات سبقتها دراسة مسحية في الحي أظهرت أن الغالبية العظمى من الفتيات يتم تختينهن بنسبة تقارب95%. إلى جوار القاعة الرئيسية بالجمعية أعمال فنية رسمت بأيدي الطالبات، ويقول أحمد صديق: "المشروع يدعم الفتيات ماديا وتعليميا، إلى جانب الرحلات الترفيهية". من ملاحظاتها لتطور سلوك الفتيات على مدار عام من العمل ترى سيدة السيد رئيس جمعية بنت النيل أن الفتيات أصبحن أكثر اهتماما بأنفسهن من قبل، وتقول : "حتى الأمهات لاحظن نفس الأمر، كما تسبب انخراط الفتيات في الأنشطة المتنوعة حالة من الحوار بين الفتيات وأهلهن". تلك الأنشطة كما يوضح المسئولون عن المشروع كان يعرقلها تخوفات الأهالي من فكرة خروج الفتيات في رحلات ترفيهية، وقلق بعض السكان المحيطين بالجمعية من الندوات التي تعقد للأهالي، يعلق أحمد صديق قائلا: :"أحد الجيران القلقين كان حاضرا معنا في ندوة اليوم، وشارك في النقاش بعد أسابيع من الحذر في المشاركة". يأمل القائمون على المشروع أن تتحول الفتيات المشاركات إلى سفراء في محيطهن، رغم تلك المحاولات ما زالت بعض الأمهات يتجهن بشكل جماعي إلى إجراء الختان على أطراف دار السلام لدى أحد الرجال المعروفين هناك، لكن تلك المواقف لم تمنع "أسماء" طالبة السنة الخامسة الابتدائية من التعبير عن موقفها وسط زميلاتها في المدرسة حين يثار الحديث حول هذا الأمر قائلة : "حين يسألنني زميلاتي عن الختان أقول بوضوح أن الختان حرام، ويجب ألا تتعرض له فتاة".

3 أسئلة حول المجتمع وجسد المرأة
فردوس البهنسي خبيرة تنمية المجتمع، واستشارية التدريب
- ما هي ملامح نظرة المجتمع المصري للمرأة في ضوء نتائج العمل الميداني في هذا المجال؟
نستطيع تفهم تلك النظرة من خلال عبارة شهيرة تقابلنا في المناسبات هي: لا عزاء للسيدات، إذ ما زالت المرأة في موضع التابع للرجل سواء في المواقف الاجتماعية، بل حتى في النظرة إلى صاحبات المناصب السياسية، لعل الانتخابات الأخيرة كشفت بعض ملامح هذه الصورة في أن تكون المرأة مدعومة من قبل مرشح "رجل"، ما زلنا إلى حد كبير محكومين بأفكار العزوة واسم العائلة المرتبطة بإنجاب الذكور، والمفارقة أن من خبرة العمل الميداني في المشروعات المرتبطة بتنمية المرأة وجدت أن الوضع في الصعيد حيث العادات المتأصلة وما يشاع عن مقاومة التغيير الاجتماعي أفضل بكثير من "بحري" والعاصمة، الناس في الصعيد نتيجة الحرمان من التنمية في شوق إلى الحوار والتواصل. والفيصل في تغيير هذه الصورة هو التعامل الجاد من قبل النساء العاملات على هذا التغيير.

- كيف تطور وضع المرأة في المجتمع إلى ممارسات ضدها؟
تكفي نظرة إلى الإعلانات التجارية التي يكرس بعضها صورة ضعف المرأة والاستهزاء بها، لكن تلك الممارسات ليست مرتبطة ببعد واحد، فمثلا هناك تراجع بطيء في ظاهرتي ختان الإناث وزواج القاصرات، لكن على جانب آخر نجد ظواهر أخرى قد طفت على السطح مثل ظاهرتي التحرش الجنسي و استغلال فتيات الشوارع، وتلك الظواهر الأخيرة مرتبطة بشكل كبير بالحالة الاقتصادية وغياب الأماكن التي تحتوي طاقة الشباب، أما الظواهر الراسخة في المجتمع مثل الختان وزواج القاصرات فتلك تعتمد على هيبة الدولة، لأنه رغم ظهور قوانين تجرم تلك الممارسات إلا أن هناك وسائل للتحايل عليها ما زالت موجودة. بل هناك مشاكل أكبر لدي موظفي الجهاز الإداري في الدولة، كأن نجد موظفا صغيرا يتبنى النظرة الدونية إلى المرأة ويعرقل مجهودات إصدار القوانين وحملات التوعية.

- كيف يمكن التغلب على النظرة الدونية إلى المرأة في المجتمع؟
هناك عدة مجالات يجب العمل فيها لتحقيق التغيير، فمن الصعب أن نجد في مناهج التعليم دروسا للأطفال في المرحلة الابتدائية تظهر الولد بموقف بطولي، والأم في موقف هامشي، رغم أننا نعلم جيدا كيف أن هناك أمهات هي من تعيل أسرهن، وفي مجال الإعلام ما زال البعض يفتقد الوعي بأنه يكرس لاحتقار المرأة وإظهارها بصورة مهمشة أو سخيفة، كذلك هناك طريق آخر يمكن اتخاذه بالعمل على تنمية الفتيات المميزات وأسرهن، على أمل ألا يقعن في مشاكل و يصبحن نماذج لمن حولهن، هذا النموذج اعمل عليه الآن في برنامج لاختيار فتيات غير مختنات، و دعمهن وتدريبهن على الرسم والخروج في رحلات تثقيفية، وحتى مع تخوف الأهالي إلا أننا في النهاية ننجح في طمأنتهم وتعريفهم بأهدافنا.

الجسد.. بين فستان و ريشة فنان
"نجاح الموديل يتوقف على أمور ليست بيدها، مثل تقبل مصممي الأزياء لها وأن يتوافر لديها القوام الملائم للمهنة". ترى أمينة شلباية مصممة الأزياء وخبيرة التجميل أن الضغط العصبي الوحيد الواقع على عارضة الأزياء هو أن تحافظ على قوامها وبشرتها، وأن تجيد المشي برشاقة وخفة على "الممشى". عدا تلك التحديات، فغالبية العاملات في مهنة عروض الأزياء يعلمون أنهم يؤدون عملا مؤقتا، تقول أمينة شلباية: "بعض من يؤدين عروض الأزياء يعملن في بنوك وخريجات جامعات محترمة، المسألة لا تحتاج إلى تفرغ كامل، والموديل المطلوبة هي التي لها طلة مميزة على الممشى.. وهذا المجال يكاد يكون الوحيد الذي لا تصلح فيه الوساطة، لن تجد مصمم أزياء يضحى بعمله من أجل مجاملات". بعض الاتهامات أحيانا ما كانت توجه إلى فكرة استخدام الجسد كوسيط لعرض الأزياء، وشغلت تلك الفكرة بعض المفكرين في الغرب، وأهمهم كان المفكر الفرنسي جان بودريار الذي روّج لمصطلح صنمية الصورة، إذ تحدد صورة العارض والعارضة طبيعة الأزياء التي يجب أن تنتشر في المجتمع، هذا الجدل لم يشغل كثيرين في مجتمعاتنا، عدا بعض الانتقادات التي يسددها أحيانا أصحاب الاتجاهات المحافظة وهو ما دفع إلى ظهور أفكار جديدة مثل رابطة عارضات الأزياء المحجبات التي تم تدشينها على شبكة فيسبوك الاجتماعية بهدف أن تقتصر العضوية على المحجبات وتقول أمينة شلباية : "لا يوجد شيء اسمه عارضة أزياء محجبة، مهمة العارضة أن تعرض ملابس أيا كانت، بواسطة جسدها الملائم لتلك المهنة، أما نظرة المجتمع فلم تعد تتحكم في شيء، في النهاية عرض الأزياء مثل التمثيل وغيره من المهن الأخرى، بها الجيد والرديء على السواء" . حسب عبارة أمينة شلباية التي احترفت عروض الأزياء ثم انتقلت إلى التصميم وتقديم البرامج فإن "عرض الأزياء في النهاية هو سلم لمجالات أخرى وليس مجال مهني ثابت"، إذ أن تطور ملامح العارضة تجعل الأضواء تخفت عن العاملة في هذا المجال في بدايات سن الثلاثين.
رحلة البحث عن موديل في مجال عروض الأزياء تحددها معايير مهنية تقليدية، تجعل الفرصة متاحة أمام فتيات بالتحديد، كأن يتجاوز الطول 170 سنتيمتر، وأن تكون ذات ملامح مقبولة للجمهور ومصمم الأزياء، الأمر مختلف تماما في مجالات أخرى مثل الفن التشكيلي حين يبحث الفنان عن "موديل" تعينه في إتمام أعماله الفنية، ويزيد الحرج الاجتماعي على تلك الموديل التي تتعرى أحيانا أمام فنان لساعات كي ينجز لوحته. في كتاب نساء حسن سليمان (المجلس الأعلى للثقافة، 2009)، ترصد الكاتبة عبلة الرويني تلك العلاقة بين الفنان والموديل من خلال حواراتها مع الفنان التشكيلي حسن سليمان. بين ملاحظاته لبعض النساء في الأسواق والشوارع يتحولن في لحظات إلى بطلات لوحاته. يقول حسن سليمان كما نقلت عنه عبلة الرويني: "أنا لا عمري ما رسمت موديل مومس، ولا تشكل لوحاتي امتهانا للجسد، وبالعكس، الموديل دائما فخورة بجسدها ومتباهية به" هذه العبارات جاءت في تعليقه على النظرة الدونية إلى الموديل في ذلك الوقت، إذ يرى البعض – حسبما يقول- أنها مجرد امرأة سيئة السمعة تتعرى لتقبض الثمن. تلك الصورة منذ أن كان حسن سليمان ينتج لوحاته وأعماله أصبحت أكثر غموضا اليوم يعلق على ذلك سمير فؤاد الفنان التشكيلي الذي شارك حسن سليمان الكثير من المواقف، ويعلق قائلا: "أزمتنا اليوم هي غياب الموديل المحترف، في الماضي حين كان الفنانون يجتمعون في البيوت التاريخية لرسم الموديلات، كانت الواحدة منهن تشعر بأهميتها، أما اليوم فالأمر بالنسبة لها مجرد قرشين زيادة إلى جانب عملها". في معرضه الأخير الذي أقامه تحت عنوان "الجسد" كان محور أعماله حول فكرة الجسد، استعان ببعض الموديلات كي ينقل عنهن تشريح الجسد الذي يصوره، ثم يضع لمساته بعدها، اليوم قد لا يستطيع الوصول إلى نفس الموديل التي رسمها قبل سنوات، حسب عبارته: "قد تجد رقم الهاتف قد تغير، أو قد لا تبدي أخرى اهتماما بالحضور والالتزام بالمواعيد، المشكلة الأكبر هي أن الغالبية لا تقدر أن جسدها جزءا هامة من إنتاج عمل فني".

Thursday, December 9, 2010

دفتر أحوال العلم والعلماء

فى ظل ضعف الإمكانات وندرة المجموعات البحثية، يسعى بعض العلماء للهجرة بحثا عن ظروف أفضل، فى حين يقرر آخرون العودة للوطن أملا فى إحداث تطور ما.. مبادرات متفرقة ويظل التغيير بطيئًا.
قبل سنوات اتجهت هبة ونيس للدراسة فى جامعة أدنبرة باسكتلندا حتى حصلت على شهادة الماجستير فى الصحة العامة عام 2006، وبعد عودتها إلى مصر واستقرارها لعدة أعوام انتقلت مرة أخرى إلى خارج مصر، حيث تعمل الآن فى مدينة جنيف بسويسرا.فى المرتين كانت هناك أسباب وجيهة للسفر، ودائما ما كان الطموح والكفاءة أهم عوامل الانتقال خارج مصر، توضح هبة قائلة: «أنا صيدلانية تخرجت فى جامعة عين شمس، وحين أردت أن أتخصص فى دراسة الصحة العامة فوجئت بأن ذلك غير متاح لخريجى الصيدلة على عكس الجامعات فى الخارج، لذا لم يكن هناك مفر من السفر».اختارت هبة موضوع بحثها عن وضع الصحة العامة والدواء فى مصر بعد تطبيق اتفاقية «التربس»، وهى اتفاقية مختصة بحماية حقوق الملكية الفكرية، وأثارت جدلا حين توقع البعض أنها قد تؤثر فى منع إنتاج بدائل رخيصة للأدوية، وهو ما دفعها إلى دراسة تأثير ذلك على مصر.
وحين عادت إلى مصر اتجهت للعمل لعدة سنوات فى برنامج الأمم المتحدة الإنمائى بالبرنامج الإقليمى للإيدز فى الدول العربية، لكن تخصصها الأصلى وجهها إلى جنيف حيث تعمل حاليا فى شبكة العالم الثالث وهى منظمة غير حكومية، ومن خلال وجودها هناك أصبحت أكثر قربا من تخصصها فى مجال الصحة.
تعلق قائلة: «ليس معنى أن يكون تخصصك جديدا أو مهما أن تجد نفسك مضطرا إلى الهجرة إلى الغرب، كل تخصص جديد يمكن الاستفادة منه إذا ما كانت هناك نية للتطوير، وقتها ستشعر بأنك تصنع فارقا بالعلم الذى قضيت سنوات فى دراسته، لكن للأسف هناك شىء فى مصر يعرقل هذا تماما، خاصة مع ازدياد روح الأنانية والفردية على حساب تحقيق المنفعة العامة.. أقول هذا رغم أنى عملت مع شخصيات فى مصر أدين لها بالفضل الكبير فى حياتى».
عدد ليس بالقليل من الكفاءات المصرية اتجه إلى الخارج بحثا عن التقدير وإمكانية الاستفادة من تخصصاتهم، وهو ما أسفر عن وجود أكثر من 450 ألف مصرى فى الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبى وكندا وأستراليا من «الكفاءات العلمية» حسب توصيف دراسة أصدرتها أكاديمية البحث العلمى قدرت خسائر مصر من نزيف العقول بما يجاوز 45 مليار دولار.
بعض من يخوض تجربة السفر إلى الخارج بحثا عن العلم أو تطوير كفاءته يعود مرة أخرى إلى مصر مثلما اختارت هبة أن تعود باحثة عن فرصة لممارسة تخصصها البحثى، إلا أن المهاجر العائد أكثر جرأة على البحث عن هجرة جديدة، إذ يذكر تقرير «الهجرة العصرية للمصريين» الصادر عن وزارة القوى العاملة والهجرة أنه تزداد نية الهجرة لدى المهاجرين العائدين وخاصة بين النساء العائدات. ويشير التقرير إلى أن جميع المؤشرات تؤكد أن من خاضوا تجربة الهجرة الدولية هم الأكثر عرضة لخوض التجربة مرة أخرى أكثر من غيرهم.
تقول هبة ونيس: «الكثير من أصدقائى خططوا للهجرة منذ سنوات لأنهم لا يرون مستقبلا فى مصر ويريدون لأولادهم بلدا أفضل، أنا ضد الهروب والسفر لغرض تغيير البلد وكأن كل المشاكل ستحل فى أى مكان آخر، لأننا هنا أيضا نواجه مشاكل ثقافية وعنصرية وغيرها». بعد تجربة السفر والإقامة فى بلدين أوروبيين هما اسكتلندا وسويسرا، رصدت هبة ما كانت تفتقده فى مصر، وتوضح ذلك: «ما ألاحظه هنا، خاصة بحكم نظرتى كشخص يعمل فى مجال التنمية أن البلاد الغربية تعمل على الاستثمار فى الموارد البشرية والتعليم لأنه أساس المستقبل، كذلك تعمل على توظيف العقول المميزة فى أماكنها السليمة وربط العلم باحتياجات المجتمع».
تذكر موقفا تعرضت له أثناء إعدادها رسالة الماجستير حين واجهت قلة المعلومات عن الصناعات الدوائية فى مصر فطلبت من إحدى الجهات فى مصر بحثا لم تستطع فتح رابطه على الانترنت، فوجئت بهذا الرد «التقرير تمت إزالته لأسباب سياسية» تعلق على ذلك قائلة: «هناك مشكلة فى الوصول إلى المعلومات، خاصة حين تطلبها بنفسك فتثير الشكوك بطلبك، المفاجأة أن لى صديقا عزيزا أرسل إلى الأبحاث بعد ما شكيت له».

الجذور مصرية والفرصة أمريكية
تنتمى هبة إلى أحدث أجيال الهجرة إلى الخارج، سواء كانت هجرة مؤقتة أو دائمة، وتضع الدكتورة اعتماد علام ــ أستاذ علم الاجتماع بكلية البنات فى جامعة عين شمس ــ أسبابا رئيسية تدفع أصحاب الكفاءات إلى الهجرة خارج البلاد، وتلخص ذلك فى أن عدم وجود حركة فكرية واضحة تحتوى ذوى الكفاءات العلمية، يزيد من إحساسهم بالاغتراب والإحباط وعدم التقدير.
وترصد فى ورقة بحثية تحت عنوان «الأبعاد الاجتماعية لهجرة الكفاءات العلمية المصرية للدول المتقدمة»، تطور الخلفيات الاجتماعية لحركة هجرة الكفاءات العلمية فى مصر، إذ كانت الفترة بعد الثورة حتى عام 64 مشحونة بالوعى القومى إلى جانب توافر الكثير من القيود على السفر إلى الخارج عدا الإعارات المنظمة، وانتقالات محدودة من الرأسماليين الذين أحسوا بانعدام الأمان فى مصر الاشتراكية! لكن بعد هزيمة عام 67 وتراجع معدل النمو الاقتصادى من 6.5% إلى 2% واتجاه الأموال إلى المجهود الحربى زادت المعوقات التى تقف ضد تطوير مهارات أصحاب الكفاءات، خاصة مع غياب الفرص أمامهم، ونتيجة هذه التطورات تم إقرار الهجرة الدائمة والمؤقتة بشكل معلن فى دستور عام 71، وهو ما أثر بشكل واضح على معدلات الهجرة إلى الخارج.
وتذكر الدراسة أن أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء رصدت أن 9% فقط كانوا يفضلون البقاء فى الخارج قبل عام 73، لكن النسبة ارتفعت بين عامى 73 و78 لتصل إلى 40% بقوا خارج مصر. هذه الفترة هى التى أنتجت عددا من الباحثين العالميين أمثال العالم أحمد زويل وفاروق الباز وغيرهما من العلماء الذين توجهوا إلى الولايات المتحدة فى نهاية الستينيات، وفى كتاب عصر العلم (دار الشروق، ط12، 2010)، يذكر العالم المصرى أحمد زويل أسباب شغفه بالدراسة فى أمريكا قائلا : «لم تكن الولايات المتحدة وقتذاك فى وضع يسمح لها بأن تكون صديقة حميمة لمصر،... ومع ذلك فقد عقدت العزم على أن أذهب إلى الولايات المتحدة وأستكمل دراستى فيها، لأننى أعرف أن أفضل الأبحاث فى مجال تخصصى كانت تجرى هناك».
كذلك كان الدكتور زويل متعلقا بأساتذته الذين تصادف أن عددا كبيرا منهم طور مهاراته بسبب دراسته فى أمريكا، ولا يخفى أنه «فى ظل النكسة وشعور اليأس العارم والظروف الاقتصادية المضطربة والكئيبة قرر عدد كبير من خريجى الجامعات، مكرهين، الهجرة».سجل زويل فى ثنايا كتابه بعض المقارنات بين الجامعة التى عمل بها فى أمريكا ومناسبات حضرها فى مصر قبل حصوله على نوبل ولمس أثناءها عدم الانضباط. ورغم نجاح هذه الشخصيات وتحققها فى الخارج إلا أن إطلالتهم على بلادهم أحيانا ما تثير الشجن، كان أوضح مثال على ذلك مقال «جيل الفشل» الذى كتبه العالم المصرى فاروق الباز عام 2006 بجريدة الشرق الأوسط بادئا إياه بعبارة: «فشل جيلى فشلا ذريعا فى تحقيق آمال الشعب العربى». ويصف هذا الجيل بأنه «الذى تتلمذ بالمدارس والجامعات حتى أعلى المستويات فى الخمسينيات والستينيات»، داعيا إلى تأسيس جيل جديد مسلح بالثقة المتولدة عن العلم.
إلى العالم المتقدم
تعد مصر من أكثر الدول العربية التى تعانى من هجرة العقول والكفاءات، ويشير التقرير الإقليمى لهجرة العمل العربية لعام 2008 إلى أن مصر فى عقد التسعينيات كانت أكثر الدول العربية عرضة لاستنزاف عقولها وكفاءاتها، إذ كانت تمثل نسبة 22% من حجم هجرة العقول العربية فى العام 1990 مقارنة بنسبة 17.5% فى العام 2000، وأغلب هذه الكفاءات تتجه إلى دول العالم المتقدم فى أمريكا وأوروبا.
هذه الملاحظة رصدتها هبة ونيس بحكم عملها فى منظمة مهتمة بالعالم النامى، ولاحظت أن هجرة الكفاءات ليست حكرا فقط على مصر أو العالم العربى، بل هو أمر يمتد إلى دول أخرى فى الظروف نفسها. ومن موقعها الحالى فى جنيف، لا تخفى حيرتها من المجتمع فى مصر الذى يواجهها بعدم تقبل هجرة الفتيات للعمل فى الخارج، لذا تتابع أخبار مصر بشكل دائم، وتشعر بقلق على التغييرات التى تطرأ على البلد، والتفكير فى مدى توافر وظائف مناسبة فى حالة العودة، وتعلق على ذلك: «أنا فى جنيف للعمل الآن، وأستطيع البقاء هنا لفترة طويلة أن أخترت ذلك، ومن الواضح أننى سأختار الاستقرار هنا، على الأقل فى هذه المرحلة من حياتى.
**
واجه تامر صبرى «29 سنة» مجموعة من الخبرات منذ أن بادر مع أصدقائه إلى إنشاء «الجمعية المصرية لشباب العلماء»، يعلق على ذلك قائلا: «كنا 11 فردا من شباب الخريجين نطمح إلى المشاركة بجزء بسيط فى إحداث نهضة علمية فى مجتمعنا، لكن المواقف التى واجهناها كانت مقلقة، وتتلخص فى أنه لا يوجد حماس كبير للعلم، ورغم ذلك لن نيأس». يرأس تامر صبرى مجلس إدارة الجمعية المصرية لشباب العلماء التى يوضح أنها ليست جمعية تضم «شباب العلماء» إنما جمعية تطمح إلى أن «يصبح البحث العلمى والتطوير والاستكشاف منهج حياة للمجتمع». بدأت الفكرة قبل عام 2005 حين أراد تامر تطوير بحث خاص متعلق بعيش الغراب، واكتشف حتمية أن يستعين بتخصصات أخرى مساندة له فى هذا البحث بعيدة عن تخصصه كطبيب بشرى. ومن خلال عمله الخيرى فى جمعية «رسالة الخيرية» التقى عددا من أصحاب التخصصات العلمية، التى تواجه المأزق نفسه، بسبب غياب الجهة التى تنسق العمل العلمى الحر. يضيف موضحا: «تلك المواقف حمستنا لإنشاء مشروع يؤسس لعالم المستقبل، إذ اكتشفنا مع الوقت أن القصة ليست فقط فى توافر الكفاءة العلمية للشباب، إنما هناك أمور أخرى يجب أن يجيدها الشباب». أثناء بدايات العمل بعد إنشاء الجمعية فى 2005، تواصل الشباب المؤسس للجمعية مع باحثين مصريين فى جامعات فى اليابان وأمريكا طلبا لخبراتهم، وتولدت فكرة النشاط الأول حسبما يوضح تامر: «حين ينهى الخريج دراسته الجامعية، يكتشف أنه لا يعرف شيئا عن دورات وبرامج دراسية تدرس فى الجامعات المتقدمة، مثل إعداد الباحث العلمى والتفكير العلمى وتسويق الأبحاث وإدارة فريق العمل.. كانت تلك هل المادة التى بنينا عليها أول دورة لإعداد شباب الباحثين، وحصلنا بهذا النشاط فى شهر فبراير الماضى على جائزة مسابقة منظمات المجتمع المدنى 2010 من مكتبة الإسكندرية». رغم هذه الصورة إلا أن هناك معوقات تعرقل نشاط الجمعية، الذى بدأ فعليا منذ العام 2008، وذلك لأن النشاط أحيانا ما يتوقف على مدى تفرغ الأعضاء المؤسسين والمتطوعين حسب ظروف عملهم وحياتهم.
أما النقطة الأهم أن العمل يدار بمنطق «الميزانية الصفرية Zero budget» أى الاعتماد على الحد الأدنى من الإمكانيات والتكاليف، واستئجار قاعات خارجية، بسبب غياب الدعم عن جمعيتهم، ويعلق تامر قائلا: «حين طلبنا دعما من أكاديمية البحث العلمى، اقترحوا علينا مبلغ 500 جنيه سنويا لإصدار مجلة تابعة للجمعية». تقدر ميزانية البحث العلمى فى مصر بمبلغ مليارى جنيه، يذهب 80% منها لرواتب أعضاء هيئات التدريس والإداريين، حسب تصريحات حديثة لرئيس أكاديمية البحث العلمى. لهذه الأسباب يدين تامر بالفضل إلى خلفية عمله التطوعى فى جمعية رسالة الخيرى، وهى الجمعية نفسها، التى عمل بها إكرامى محمد (31 سنة) لسنوات عديدة قبل أن يتجه إلى تأسيس مبادرة مختلفة إلى حد ما. لم يلتق إكرامى مع تامر أثناء عملهما فى نشاط جمعية رسالة، إلا أنه يتفق معه فى عدد من النقاط، شارك إكرامى قبل عدة سنوات فى التطوع للتدريب داخل جمعية رسالة فى مجال الكمبيوتر بحكم عمله كمصمم مواقع.
وأثناء الدورات كان الأمر محكوما بقاعات محدودة العدد ومكان ثابت، لكن قبل أكثر من عام وجد أن الأفضل هو إتاحة كل تلك المعرفة على الإنترنت من خلال موقع شامل دشنه فى الصيف الماضى تحت اسم «يلا علم»، ويقول إكرامى: «كانت الفكرة هى نشر المعرفة بواسطة متطوعين من داخل مصر وخارجها، وكانت أغلب اجتماعاتنا الأولى عبر الإنترنت، ويعمل كل متطوع على إعداد موضوع ضمن تخصصه، ثم ننشره على الإنترنت، على أمل تكوين موقع موسوعى ومتخصص».
يؤكد إكرامى أن هناك الكثير من المشاكل، التى تواجهه للاستمرار فى الفكرة، يذكرها: «الهدف بعيد المدى هو أن يتحول الموقع إلى بوابة إلكترونية مكونة من عدة مواقع فى اللغات والعلوم الإنسانية والكمبيوتر وغيرها من العلوم، وفى النهاية نؤسس مركزا ينشر المعرفة مجانا، فى جميع فروع المعرفة، ويقوم على ذلك متطوعون متخصصون، على أمل أن نسهم فى إقامة نهضة فى مجتمعنا، لكن على أرض الواقع أحيانا يتفرغ أحد المتطوعين لعدة ساعات أسبوعيا لكتابة مادة نضيفها للموقع، ويحدث ألا يشعر باستجابة لجهده، خاصة أننا ما زلنا فى المرحلة الأولى من تدشين الموقع، والمؤسف أن البعض تفتر همته بعد قليل، أو تغلبه ظروفه».

مهمة شيرين.. انتقاء المتطوعين
تشارك إكرامى هذا الحلم زميلته شيرين بدر، وتتركز مهمتها فى انتقاء المتطوعين بحيث يكونون متخصصين فى مجالهم، خاصة أن الهدف حسبما يشير إكرامى «ليس هدفنا تعليميا، إنما تنويريا، وصنع تراكم من المعرفة والمعلومات يثرى المحتوى العربى على الإنترنت». وسط زحام المواقع والمنتديات المتخصصة، لا يخفى إكرامى قلقه، لكنه يصر على البقاء مع حلمه حتى النهاية. هل تعبر هذه المبادرات الشابة عن تيار يصارع للظهور داخل مجتمع غير متحمس للعلم حسبما يؤكدون؟ لم تجد الدكتورة يمنى طريف الخولى ــ أستاذة فلسفة العلوم بكلية الآداب فى جامعة القاهرة ــ سوى استعارة مبدأ علميا قديما لنيوتن قائلة: «فى الماضى كان العالم يؤمن بقانون العلة والمعلول لنيوتن، أى لكل نتيجة سببها، لكن الواقع الآن أكثر تعقيدا من ذلك».
توضح الدكتورة يمنى كلامها بأن ظهور مثل هذه المبادرات لا يتصل بسبب وحيد أو علة واحدة، وإنما مجموعة أسباب: «هذه التجارب الواعدة تتصل بشكل كبير بطبيعة العصر، لم يعد التعامل مع العلم مقتصرا كما كان على التجارب المعملية، اليوم مع دخول التكنولوجيا واتقان اللغات، أصبح الوصول إلى المعرفة أيسر، وكذلك إعادة تقديمها بواسطة مبادرات على هذه الشاكلة». وتؤكد الدكتورة يمنى أن الأمر ليس بالبساطة المتوقعة إذا ما حاولت هذه المبادرات أن تنمو، هناك تحديات متعلقة بالتمويل، وأخرى تتعلق بالكفاءات المطلوبة لتنمية هذه المبادرات.
فى تجربة الجمعية المصرية لشباب العلماء خاض تامر ورفاقه هذه التجربة مؤخرا حين أرادوا الصعود إلى مستوى أعلى فى الدورات التدريبية التى يقدمونها، إذ يطمحون فى الورشة القادمة أن تكون متخصصة فى مجال الخلايا الجذعية، يقول تامر صبرى: «تحدثنا مع بعض الأساتذة الأكاديميين وبعضهم أبدى حماسه، لكن ما نخشاه هو كيفية إدارة مثل هذه الخطوة، وضرورة التفرغ لها من جانبنا ومن جانب المتطوعين، لتقديم خدمة حقيقية للمهتمين بهذا المجال المهم». تعود الدكتورة يمنى الخولى لتطرق خلفيات أخرى تعرقل المناخ العلمى والبحثى فى مصر: «لا أريد أن أبدو متشائمة لكن القيم الاستهلاكية وعلاقات الزملاء فى مجال البحث وضعف روح الفريق، كلها تحديات تواجه هذه المبادرات الشابة». تقارن يمنى الخولى المتخصصة فى دراسة تاريخ العلم بين ظروف نبوغ بعض العلماء الذين ظهروا فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى والفترة الحالية، إذ تقول: «هناك أزمة يتسبب فيها الإعلام أحيانا، فى الفترة الذهبية التى ظهر بها علماء فى الأربعينيات كانت القيم السائدة تضع كل شخص فى محله، لن أدعى أن العالم مصطفى مشرفة أو غيره من العلماء قد تلقوا تقديرا زائدا فى ذلك العصر، لكن الثورة الإعلامية الحالية تجعل نجوم الفن والكرة فى المقدمة، فى الماضى على سبيل المثال لم يكن الاهتمام بشريحة النجوم ليضع طه حسين ومصطفى مشرفة مع محمود شكوكو وإسماعيل يس فى مرتبة واحدة بحكم أنهم فى النهاية نجوم مجتمع. الحقيقة أن مفهوم النجومية وارتباطه بالثراء والشهرة ضلل كثير من الشباب الآن، ولم يعد التقييم على أساس خلفية الشخص ومدى إسهاماته».

«يلا علم»
فى تلك الأجواء يحاول تامر وزملاؤه فى الجمعية المصرية لشباب العلماء التواصل مع أكاديميين أغلبهم أنتج أبحاثه فى الخارج وعاد مكتفيا بالعمل الأكاديمى أو البحثى فقطـ، كذلك يبحث تامر ورفاقه عن جيل جديد من المتطوعين، إذ إن أغلب المؤسسين من جيل واحد قاربوا على الثلاثين الآن، يقول تامر: «نحن فى حاجة إلى أن يكون العلم فى دائرة الضوء». هذه العبارة اتفق معها إكرامى ــ صاحب مبادرة موقع «يلا علم» ــ إذ عاشها بعد ازدياد عدد زوار موقعه الناشئ إلى ما يزيد على الأربعة أضعاف بعد أن أشار الكاتب معتز بالله عبدالفتاح إلى هذه المبادرة فى مقال تحت عنوان «شباب جاد فى مجتمع غير جاد» (جريدة الشروق ــ 10 أكتوبر الماضى)، لكن سرعان ما عادت أرقام الزوار كما كانت، يعلق إكرامى: «نعمل على تسويق الموقع فى شبكة فيس بوك الاجتماعية لجذب المتطوعين، ونشر الموقع». فى الجمعية المصرية لشباب العلماء يطمح تامر وزملاؤه فى تقديم ورشة عن الخلايا الجذعية خلال الأشهر المقبلة، بينما يعلن إكرامى فى موقع «يلا علم» أن موعد التدشين الرسمى واكتمال الموقع فى أول يونيو من العام المقبل، وكلاهما متمسك بتحقيق رؤية المشروعين، حتى لو بعد حين.
**
حين أسس الفيلسوف أفلاطون أكاديميته كتب على بابها «لا يدخلها جاهل بعلم الهندسة»، وظلت الجملة تتردد للتأكيد على فضل علوم الهندسة والرياضيات، ومع مرور الزمن قل عدد السائرين على درب أفلاطون. حتى وصل عدد الدارسين لشعبة الرياضيات إلى عدد لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، إذ تنقسم الدراسة إلى عدة شعب دراسية إحداها هى دراسة الرياضيات بشكل منفرد إلى جانب شُعب أخرى تدرس الرياضيات مع علوم الحاسب أو الفيزياء أو الإحصاء، على عكس شعبة الرياضيات المنفردة التى لا يدرس بها إلا عدد قليل من الطلبة. يعلق الدكتور محمد زيدان ــ الأستاذ بقسم الرياضيات فى كلية العلوم بجامعة القاهرة ــ قائلا: «لقد فرضت سوق العمل قواعد جديدة على الإقبال على بعض الدراسات العلمية مثل دراسة الرياضيات، أصبح الطلبة يتجهون إلى شُعب وتخصصات بعينها على أمل الوصول إلى وظائف محددة، لكن الجانب الايجابى فى الأمر أنه حين يكون لديك خمسة طلاب فقط فى شعبة واحدة تنفرد بدراسة الرياضيات فهذا يجعلهم تحت أعين الأساتذة، خاصة أن اختيار هؤلاء الطلبة للاستمرار يبرهن على أنهم مميزون».
تثير قلة الإقبال على الدراسات العلمية البحتة مثل الرياضيات أسئلة طرحها بعض طلاب كلية العلوم أنفسهم حول مدى أهمية الدراسات العلمية لدى الشباب، وفى مجموعة كلية العلوم بجامعة القاهرة على شبكة فيسبوك الاجتماعية، طرح أحد الطلبة هذا السؤال : «ليه دخلتو كلية العلوم؟»، فجاءه الرد من طالب آخر ذكر فيه: «لنكن صريحين.. من منا كان يفكر أصلا فى كلية العلوم. كل منا كان له غايات وأهداف أخرى.. طلاب علمى علوم كانت أهدافهم طب وصيدلة، وكذلك طلاب علمى رياضة كان هدفهم أيضا هندسة وحاسبات، ولكن قدر الله وما شاء فعل».
لا تخفى هذه العبارات على الدكتور محمد زيدان الذى تخرج فى دفعة العام 1975 حين كان معه فى القسم نحو 120 طالبا، فى تلك الفترة من سبعينيات القرن الفائت لم تكن بعض الشعب الحديثة قد أنشئت بعد. يعلق قائلا: «الطالب فى الماضى كان أكثر جدية من الآن، إذ ينشغل الطالب اليوم بالعديد من وسائل الاتصال والترفيه، إلى جانب ضغوط الحالة الاقتصادية التى تعتصر بعض الطلبة وتجعلهم يفكرون بعيدا عن تحصيل العلم، كذلك.. فإن شعبة مثل الرياضيات المنفردة ليس بها فرصة أمام الطالب للعمل فى المجال البحثى سوى فى التعيين معيدا بالجامعة».
يرى الدكتور محمد زيدان أن تراجع الإقبال على دراسة الرياضيات بشكل منفرد سببه ضعف الحركة البحثية فى مصر بشكل عام، إذ يعتمد عمل هذه الشريحة من الدارسين على وجود فريق بحثى مكون من عدة تخصصات، يكون أحدهم خريج شعبة الرياضيات. وسط مجموعات طلبة أقسام الرياضيات فى كليات العلوم على شبكة فيس بوك الاجتماعية تتنوع تعليقات الطلبة واهتماماتهم، بين من يسجل تعليقا يعد فيه زملاءه بنشر إجابات «الشيت» على الانترنت، وآخر فى مجموعة اتحاد طلبة كليات علوم مصر يضيف روابط لمنح دراسية للخريجين، بينما اختار بعض الطلبة فى قسم الرياضيات بجامعة إقليمية وضع نكات لتسلية الزوار وعبارات عن الحب والعلاقات الإنسانية. وسط هذا الزحام يقرر أحدهم طرح سؤال جاد فى مجموعة طلبة كلية العلوم بجامعة القاهرة قائلا: كيف أصبحت صورة العلماء فى الإعلام العربى هى صورة لشخص مجنون؟ كيف يمكننا تغيير هذه الصورة فى أعين الشباب؟ حملت الإجابات بعض المرارة، إذ يقول مصطفى: «الإعلام العربى بيضيع الصورة الحقيقية للعلماء العرب وكمان بيساعد على تعقيد الأطفال والشباب اللى لسه ماتحددش مصيرهم». تدخل زميلته هناء فى إجابة أخرى قائلة: «الناس أساسا ما تعرفش الكليات العلمية بيبقى نظامها إيه وبتخرج ناس المفروض يبقى صفاتها إيه فى المجتمع.. المفروض يبقى فيه توعيه عن العلم والكليات العلمية والعلماء». يدرك الدكتور محمد زيدان هذه الجزئية معلقا: «ربما نكون فى حاجة للتعريف أكتر بنوعية الدراسة». ورغم بعض الإحجام من الطلاب على دراسات من نوعية «الرياضيات» إلا أن خريج كلية العلوم من وجهة نظر الدكتور زيدان يعد عملة جيدة، حسب عبارته «بعيدا عن قلة عدد الطلبة فى دراسة الرياضيات، إلا أن ما سيفتقده من أعرض عن هذا التخصص هو تغير طريقة التفكير إلى الأفضل.. هذه الدراسة أقرب لأسلوب حياة».

Thursday, December 2, 2010

الخان والوكالة..فنادق العصور الوسطى


كتب – عبدالرحمن مصطفى
لم يبد صاحب محل بيع الموازين في شارع خان جعفر بحي الحسين اهتماما كبيرا بالحديث عن أصل التسمية، يحيط به عدد من الشوارع والآثار التي تحمل اسم "خان" و "وكالة"، اكتفى بعبارة مقتضبة: "خلاص مفيش حاجة متبقية غير الاسم بس، مفيش خان دلوقت هنا". لم يبتعد كثيرا عن الواقع عدا أنه ما زالت هناك أثار للخانات والوكالات متواجدة حوله في حي الجمالية والدرب الأحمر حتى اليوم. قبل مئات السنوات كانت أجواء العمل مختلفة تماما في هذا المكان، إذ كان الخان والوكالة هما عصب الحياة الاقتصادية في القاهرة. "الخان ليس فندقا تقليديا حسب المفهوم الحديث، بل مقر تجاري لاستلام الصفقات التجارية وتسويقها، في الأسفل أماكن للدواب وفناء مكشوف تتراص حوله المتاجر، وتباع السلع وسط هذا الصحن، أما في الأعلى فهناك المخازن ومساكن للتجار المغتربين". يوضح الدكتور حسين رمضان الأستاذ في كلية الآثار بجامعة القاهرة كيف كانت ملامح الصورة الأولى لفكرة الفندق التي اعتمدت بشكل أساسي على النشاط التجاري. سواء كان الاسم "خان"، أو "وكالة" أو "قيسارية". كما عرفت كلمة الفندق في العهد المملوكي حسبما ذكرها المؤرخ المقريزي في كتاب المواعظ والاعتبار (طبعة مكتبة مدبولي، 1997) الذي أرخ فيه للعديد من الخانات والوكالات والفنادق. كان أهمها خان الخليلي الذي تعود تسميته إلى الأمير المملوكي "جهاركس الخليلي". وحسبما تذكر الدكتورة نيللي حنا أستاذة التاريخ العثماني بالجامعة الأمريكية في كتاب "تجار القاهرة في العصر العثماني، مكتبة الأسرة، 2007" فإن إنشاء الوكالات والخانات هو أمر تصدى له العديد من كبار التجار كنوع من "الاستثمار في البنية الأساسية التي تدعم النشاط التجاري في المدينة"، وتعرضت في كتابها لنموذج إسماعيل أبو طاقية شاهبندر التجار في العصر العثماني، أما ما تبقى من سيرته فهو الشارع الذي يحمل اسمه حتى اليوم جوار سوق الصاغة.. "شارع خان أبو طاقية". إذ يقع على مسافة غير بعيدة من شارع خان جعفر السابق، أما في الداخل فيبدو شارع خان أبو طاقية أقرب إلى حارة ضيقة لا تعبر عن أجواء الماضي بسبب ازدحام المحلات اليوم بكثير من السلع المتعددة، بدء من الملابس انتهاء بالمشغولات الذهبية، يوضح الدكتور حسين رمضان هذا التغير قائلا : "لا يمكن مضاهاة الشوارع التي استضافت هذه الخانات بالواقع الآن، إذ كانت المواصلات تعتمد على الدواب، أما اليوم فكي نعرف العرض الأصلي لتلك الشوارع فعلينا البحث عن أثر مقابل يدلنا على عرض تلك الشوارع، وهو ما لا يتوافر في كل الحالات". منذ ذلك العصر حتى العصر الحديث تطورت فكرة الفندق، خاصة مع ظهور عصر محمد علي وسياسة الاحتكار وانشاء المصانع التي أثرت على فكرة ارتباط الورش بالوكالة والسوق بشكل مباشر، إلى جانب تغير وسائل المواصلات وشكل الحركة التجارية في مصر. تلك التغييرات اتخذت شكلا آخر رصده الكاتب الراحل نجيب محفوظ في كتاب (نجيب محفوظ صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته، مركز الأهرام للنشر، 1989) حين تحدث عن "خان جعفر" الذي عرف فيه السينما أثناء ارتياده سينما "الكلوب المصري" التي كانت ملحقة بفندق شهير آنذاك تأسس في بداية القرن الماضي، وهو ما يبرز اختلاف وظيفة الفنادق فيما بعد عن وظيفة الخان القديم الذي لم يعد يبحث أحد عن ذكراه. ورغم زوال بقايا تلك الحقب التاريخية إلا أن تسمية الخان ظلت ضيفة على مجال آخر هو الأدب، إذ ألف نجيب محفوظ نفسه رواية تحت اسم "خان الخليلي"، وحتى اليوم ما زال خان مسرور محفورا في حكايات ألف ليلة وليلة رغم هدمه قبل مئات السنين. وهو الذي وصفه المقريزي بفندق مسرور. ويرى الدكتور حسين رمضان أن سيرة الفنادق القديمة لم تزل تماما، ما زالت أسماء أصحابها تزين أسماء الشوارع والأحياء، وكذلك الحال مع الوكالات التجارية التي تحول بعضها إلى مراكز ثقافية مثل وكالة الغوري في حي الدرب الأحمر.

Thursday, November 4, 2010

سنة أولى قاهرة

بعض من انتقلوا إلى القاهرة ظلوا محتفظين بانطباعاتهم الأولى عنها حتى إن تبدلت أحوالهم وصاروا قادة فى الفكر والسياسة. أحدهم وفد إلى القاهرة فى بداية القرن الماضى من أجل الدراسة فى الجامع الأزهر، لم يكن مبصرا كى يرى بعينيه مشاهد يختزنها داخله لكنه بعد سنوات طويلة تحول إلى عميد للأدب العربى، يذكر طه حسين فى كتاب الأيام (مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1992) أن القاهرة كانت بالنسبة إليه «مستقر الأزهر، ومشاهد الأولياء الصالحين»، وحسب عبارته فلم يكد يصل إلى القاهرة «حتى سمع ذكر الأدب والأدباء، كما سمع ذكر العلم والعلماء»، ذلك المزيج أنتج عالما وأديبا فى شخص واحد.
وفى كتابه «الأيام» الذى دون فيه ذكرياته يسجل فصولا عن تجربة الانتقال من الريف إلى المدينة فى الصغر، حيث افتقد مهابة العلم فى الريف التى نشأ عليها، وبعد سنوات من هذه الرحلة ووصوله إلى منصب وزير المعارف فى العام 1950 عاد طه حسين إلى القضية نفسها، التى عانى منها فى صغره بعد انتقاله إلى القاهرة، داعيا إلى مجانية التعليم وأن يكون «مثل الماء والهواء» بين الناس.
تلك المفارقات التى خلقها التنقل بين الريف والمدينة فى الصغر صنعت قضايا لشخصيات أخرى كانت أكثر نفوذا، منها شخصية الرئيس السادات، إذ وفد هو الآخر فى صغره إلى القاهرة، وظل تأثير الاختلاف بين قريته «ميت أبو الكوم» فى محافظة المنوفية وأحياء القاهرة عالقا فى ذهنه، حتى دونه فى مذكراته التى كتبها تحت عنوان «البحث عن الذات» (المكتب المصرى الحديث، 1979).
ورغم أنه قضى سنوات فى الخدمة العسكرية والحياة داخل القاهرة وخارجها فإن تمسكه الشديد بالجذور الريفية انعكس إلى حد ما على سياساته فى ذلك الوقت أو حسبما ترى الدكتورة سلوى شعراوى جمعة فى كتابها الدبلوماسية المصرية فى عقد السبعينيات، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1988)، فإن السادات كان يحرص على أن يقدم نفسه كعمدة فى أدائه السياسى، وقد انتقده محللون آخرون على استخدامه تعبيرات من نوعية «أخلاق القرية» أو «العيب» فى خطابه السياسى.
وتكشف مذكرات الرئيس الراحل بعض هذه الأسباب، وخاصة فيما سجله من انطباعات أولية عن القاهرة فى قوله: «هكذا كانت حياتى طوال مدة تعليمى بالقاهرة، سلسلة من المقارنات أو المفارقات بين المدينة والقرية.. لكنها لم تكن فى أى وقت فى صالح المدينة بأى حال من الأحوال، على العكس أشياء كثيرة أزعجتنى فى القاهرة»، هذه الفقرة قد تعبر عما اختزنه الرئيس الراحل نتيجة انطباعاته عن القاهرة وكيف حاول نقل هذا إلى خطابه السياسى.
النشأة القاهرية التى يعيشها أطفال لا ينتمون إلى المدينة لم يمر بها الرئيس السادات وحده بين الزعماء العرب، بل عاشها الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات، إذ عاش فى بيئة قاهرية تشكلت فيها نواة حياته القادمة، وفى كتاب «من القلب هوى فلسطين» (تيميلى دومى لون جنيف باريس 2009) تنقل المؤلفة إيزابيل بيزانو عن شقيقة الرئيس الراحل أنه كان يمارس دور القائد العسكرى مع أطفال الحى الذين كانوا يطيعونه.. وتنقل المؤلفة عن حارسة العقار الذى نشأ فيه أنه كان كثير التسكع فى شوارع الحى، لكن النشأة القاهرية الرحبة لم تكن سببا مباشرا فى ظهور زعيم فلسطينى، لكن أسبابا أخرى كانت هى الأهم على رأسها دور ياسر عرفات بين الطلاب الفلسطينيين فى القاهرة، وهو ما أهل بعضهم إلى أن يكونوا رفقاء نضال فيما بعد. وبعد سنوات من هذه الرحلة لم يبتعد «أبوعمار» عن القاهرة وحتى وفاته ظل فى مرتبة الزعامة مثلما كان يقوم بالدور نفسه فى شوارع حى السكاكينى بالقاهرة.

**

«الإسكندرية فى الزمن يمتد عمرها لأكثر من ألفى عام، والقاهرة فى الزمن يمتد عمرها لألف عام، ومع ذلك تبدو القاهرة دائما أقدم من الإسكندرية.. لماذا؟ هذا هو السر.. الإسكندرية مشبعة بندى الصباح من البحر، مشبعة باليقظة». من كتاب «غواية الإسكندرية»، (مكتبة الأسرة 2005).
قد لا يجد البعض مثل هذه العبارات البليغة التى اختارها الروائى إبراهيم عبدالمجيد للتعبير عن انتمائه لمدينة الإسكندرية ومقارنتها بالقاهرة، قد يكون البديل لدى من هم أقل فصاحة فى عبارات من نوع آخر، تكثر مثل العبارات، التى نجدها على الانترنت حيث المساحات الرحبة لتسجيل جميع الانطباعات، حتى إن كانت أقل عذوبة. على موقع «جوجل» داخل قسم خدمة الإجابات الذى يرتاده أصحاب الأسئلة المتنوعة طرح أحدهم سؤالا: ما الفرق بين القاهرة والإسكندرية فى الأجواء الاجتماعية والسياحية؟ فتوالت الإجابات على شاكلة: «الإسكندرية أرقى من القاهرة، القاهرة كلها زحمة»، وإجابات أخرى لا تخلو من المرح مثل «قاهرة مين والناس نايمين بعد الإسكندرية مفيش». وعلى مواقع أخرى تأتى الإجابات بالنبرة نفسها، التى تمجد الإسكندرية على حساب القاهرة، مثل عبارة ألقى بها أحدهم يقول فيها: «الإسكندرية روعة المفروض هى اللى تكون العاصمة»! مثل هذه العبارات يكتبها العابرون داخل الانترنت بحرية أكبر من الواقع، سواء داخل شبكة الفيس بوك الاجتماعية أو فى مدونات على الانترنت.
«هناك مبالغات فى إسباغ صورة مثالية للإسكندرية بشكل قد يثير السخرية فى بعض الأحيان، خاصة أن أغلب كاتبى هذه العبارات على الإنترنت من الشباب، ولم يعيشوا حين كانت المدينة متعددة الثقافات والجنسيات»، العبارة لهيثم الشاطر الطالب فى كلية هندسة بجامعة الإسكندرية.
اختار هيثم قبل سنوات أن ينشئ مدونة تحت عنوان «بنيكة شاى»، ولم يخف اتجاهه منذ البداية فى الكتابة عن الإسكندرية وتفاصيلها، بداية من اختيار اسم مدونته الذى يعنى بالعامية «نصبة شاى»، انتهاء باختيار موضوعات تتناول حياة المهمشين والمواطنين العاديين فى المدينة. لا يخفى هيثم انطباعاته عن القاهرة إذ يرى أن الحياة بها «رديئة وتثير الدهشة خصوصا لمن لم يغادر الإسكندرية من قبل». قد تبدو عباراته هادئة مقارنة بآخرين سجلوا انطباعات ساخنة عن زياراتهم لمدينة القاهرة، فقبل عدة أعوام اشتهرت إحدى المدونات يحررها مجموعة من الشباب السكندرى اختاروا أن يكون عنوانها «إسكندرانية». وكتب أحدهم قبل عامين عن انطباعات شاب سكندرى عن القاهرة قائلا: «عارف إن مميزات القاهرة أكتر من إسكندرية بكتير بس فى نفس الوقت عارف إنه كإسكندرانى أصيل عيب أوى إنه يفارق البحر ويروح يعيش فى الزحمة والتلوث والدوشة والوشوش المتعصبة فى الشوارع»، بينما كتب آخر عن كرهه للسفر إلى القاهرة فى حين أنه مضطر الآن إلى العيش داخل هذه المدينة. هذه التجربة، التى خاضتها مجموعة من الشباب فى مدونة مشتركة، انتهت بفقدانهم الحماس كى يواصلوا التدوين عن الموضوع نفسه، واستمرت هذه المناقشات حول الموضوع نفسه بواسطة آخرين فى ساحات الفيس بوك. وأحيانا ما تحتد النقاشات بين من هم أكثر حماسا للإسكندرية ضد القاهرة، وهو ما لفت أنظار البعض لهذا النقاش.كان أحد هؤلاء الكاتب الشاب محمد ربيع الذى كتب على مدونته فى مرات متفرقة عن أحياء القاهرة، واضطر فى أوقات أخرى إلى الدخول فى هذا الجدل الذى أسفر عن نتائج مختلفة، إذ يقول: «كنت أتابع مدونة إسكندرانية التى كانت تمثل ظاهرة وسط المدونات قبل عدة سنوات، وكنت أتقبل انطباعات كاتبى هذه المدونة، وربطتنى صداقة ببعضهم، لكن ما لفت نظرى هو الحفاوة الشديدة بالكلمات السكندرية وأحاديث الحنين لمن هم فى اغتراب».
لم يكن محمد ربيع وحده الذى يتابع كتابات الشباب السكندرى عن نفسه، فقد فرضت المدونات حالة من التنوع جعلت الجميع يطلع على الجميع، لكن مع التحول إلى الفيس بوك أصبحت طريقة التعبير أكثر اختصارا وأشد قوة. وهو ما لفت نظر البعض إلى تعليقات كثيفة تجاوزت حد التعبير عن الانتماء إلى الإسكندرية وأصبحت أقرب إلى الهوس، وتأسيس مجموعة تحمل روح المبالغة فى التعبير عن الهوية، بل وأحيانا استخدام عبارات معادية للقاهرة، خاصة لمن اضطر إلى العمل أو السفر إلى القاهرة. يقول محمد ربيع: «فى الانترنت أحيانا ما يتيح المجال للادعاءات». فى مدونته القديمة كتب ربيع نصا ساخرا عن هذه المبالغات فى التعبير عن حب الإسكندرية، ولاقى إعجاب أصدقائه القاهريين والسكندريين على السواء. لكن بعيدا فى مجموعات أخرى على شبكة فيس بوك الاجتماعية انشغل آخرون بقضايا أخرى، خاصة ما يحدث للمدينة على أيدى زوار المدينة. وفى مجموعة تحت عنوان: «ارحموا أهل الإسكندرية يرحمكم الله»، يعرض مؤسس المجموعة لقطة أخرى تفسر حساسية البعض، ويقول: «معظم شقق الإسكندرية على البحر مغلقة لأن ملاكها من خارجها لا يأتونها إلا أياما معدودة، فهل هذا يجوز بالله عليكم.. تعالوا إلينا زائرين سنحملكم فوق رءوسنا فليس شرطا أن تكون من ملاك الإسكندرية، ارحمونا يا أهل الأقاليم يرحمكم الله فكفا ما عندكم من أطيان فى ريفكم فلا تضيقوا علينا وتهجرونا من مدينتنا الحبيبة التى هى أغلى عندنا من أرواحنا»، هذه الحساسية، التى تظهر تجاه زوار المدينة تختلف عن حالة الإعجاب بصورة متخيلة عن المدينة حيث ترتبط الأذهان بعالم الخواجات وصيادين بحرى والعمارات ذات الطرز الغربية.
يرى هيثم الشاطر أن التعصب لصورة غير واقعية للمدينة أمر غير واقعى، فالإسكندرية حسب رأيه هى مدينة معقدة، فيها مناطق لا تمت بصلة لصورة المدينة الحالمة ذات الطابع الأوروبى، بل إن أغلبية السكان ليس لديهم شعور قوى بالانتماء للمدينة، وحتى بعض الأحياء ذات السمعة الأسطورية مثل المنشية وبحرى ووسط البلد قد أصبحت جزءا من الحياة اليومية ولا تختلف عن القاهرة إلا فى مستوى الزحام، ويعلق قائلا: «أركز فى الكتابة عن المناطق العشوائية واستخدم لغتهم الحادة.. لا أقدم مدينة تعيش فيها الجاليات القديمة ممتعضة من الوضع الحالى، لأن ذلك بعيد عن الواقع، وأغلب ردود الأفعال التى أتلقاها داعمة لهذا النهج فى رصد أحوال المدينة بهدف تصحيح صورتها المغلوطة فى الأذهان».
فى كتابه «غواية الإسكندرية» يضع الكاتب إبراهيم عبدالمجيد حلا يرضى جميع من انشغلوا بهذه المدينة، سواء بالدفاع عن صورة فى أذهانهم أو بتحطيم صور نمطية أخرى، إذ يقول: «ستجد سكندريات.. لكل سكندريته، وكل سكندرية متجاوزة للحقيقة وأحيانا بل غالبا للخيال المتاح».

Thursday, October 28, 2010

ملف : موسيقى الشارع


وسط الشوارع أنواع مختلفة من الموسيقى والغناء، بعضها أعلن عن نفسه فى أفراح ومهرجانات شعبية، والبعض الآخر تلاشت نغماته بين الزحام.. حالة خاصة يختلط فيها الإبداع مع الاستعراض والتجريب مع الاحتراف لا تظهر تجلياتها إلا فى الشارع.
كتب - عبدالرحمن مصطفى

تصوير : محمود خالد، هبة خليفة

الأغنية التى يعرضها أحمد سمير على جهاز الكمبيوتر فى غرفته الصغيرة هى نفسها التى قد يسمعها غيره فى التوك توك أو المترو أو مواقع الانترنت، الفارق الوحيد أن أحمد سمير هو أحد صانعى هذه الأغانى التى تحمل تصنيف «مهرجان». والمهرجان فى مفهوم هؤلاء الشباب المنتمين لأحياء شعبية هو: سرادق ومسرح ودى جيه وعدد غفير من الشباب الراقص، سواء كانت المناسبة هى ليلة حنة أم مجرد احتفالية بهدف «الفرحة». يجلس أحمد سمير فى غرفته مع مجموعة من أصدقائه المنخرطين فى عالم المهرجانات الشعبية، لكل واحد منهم اسم شهرة.. أما هو فلقبه «فيفتى يانو »، يدير كليبا يصورهم وهم يرقصون فى آخر مهرجان أحيوه، ويعلق أحد الجالسين قائلا: «المهرجان ده الدنيا ولعت فيه، لحد النهارده الناس فاكرينا هناك». هؤلاء الشباب بمثابة نجوم بالنسبة لمحبى المهرجانات الشعبية وخاصة فى هذه الناحية من حى عين شمس، يعيشون فى مجتمع صغير مهووس بالموسيقى. لأحمد فيفتى يانو وضع خاص بين هذه المجموعة الكبيرة، فهو زعيم فرقة «عفاريت الاستيفا» للرقص فى المهرجانات، أغلب أصدقائه الجالسين حوله كانوا أيضا من الاستيفا، عدا آخرين متصلين بدنيا المهرجانات فى مجالات أخرى.
حسبما أكدوا جميعا فإنهم ليسوا على درجة واحدة من التفرغ، على سبيل المثال فيفتى يانو الذى يلقبه البعض بزعيم الشمساوية (نسبة لحى عين شمس) هو شاب فى الواحدة والعشرين من عمره يتوزع يومه بين ورديات العمل فى المطار، إلى جانب ما يقوم به من رقص وإعداد موسيقى فى بقية اليوم. وهكذا حال كثيرين حوله، يقول معلقا: «الحكاية إنى كنت حابب المزيكا دى قوى، ودربت نفسى عليها لوحدى». يصمت قليلا ثم يكمل شارحا، «هاوريك حاجة كنت عاملها زمان بس ماتضحكش!». يشغل أغنية ألفها قبل أربع سنوات حين بدأت صلته بهذا النوع من الموسيقى، الأغنية كانت بائسة إلى حد كبير وقريبة من إيقاع موسيقى الراب الغربية.. يكمل قائلا: «أنا غير إنى برقص مع الاستيفا، كمان باعمل مزيكا». أذاع أحدث أعماله التى حملت اختلافا كبيرا وحرفية أكبر، وبدأ فى توضيح كيفية استخدام برنامج التوزيع وإضافة الإيقاعات المختلفة لصنع هذا النوع من الموسيقى الذى تنتظره كل المهرجانات. هذا هو التطور النهائى لموسيقى شباب اتصلوا بالموسيقى الغربية دون أن يبتعدوا عن الأغانى الشعبية التقليدية. فقبل أكثر من عشر سنوات بدأ انتشار مهنة الدى جيه D.J فى حفلات ورحلات الشباب، وحتى داخل الجامعة.. استعار الشباب وقتها الفكرة الغربية التى كانت مقتصرة على قاعات الديسكوتيك والحفلات الكبرى، حيث يقف الديه جيه متصدرا الحفل كى يلعب الأغانى التى يحبها الشباب مطلقا عباراته الحماسية لتسخين أجواء الاحتفال والرقص، ومع الوقت بدأ الاعتماد على الدى جيه فى حفلات الأفراح وافتتاح المحال، حيث يقف وسط أجهزته كى يدير الموقف تماما، الآن قررت مجموعة من الشباب تأثروا بالفكرة أن «يمصرونها» مستخدمين أجواء الإبهار نفسها مع وضع لمساتهم الخاصة عبر برامج أصبحت متاحة على الانترنت. تجاوز هؤلاء الشباب الصورة التقليدية لحفل افتتاح محل تجارى يتصدر واجهته بالون ضخم يحمل لافتة «مهرجان»، ونقلوا إلى الشارع موسيقى ورقصا مختلفين، سواء فى ليلة حنة قبل الزفاف أو لمجرد التعبير عن أنفسهم. هكذا حال فيفتى يانو وأصدقائه الذين اعتمدوا على الشارع فى وجودهم، من هناك اتخذوا شرعيتهم ووجدهم، ومن الشارع انتشرت موسيقى المهرجانات.

عيشتى حرام فى حرام
يتدخل بعض الحضور موضحين أن الأمر أكثر تعقيدا فى تقسيم العمل وتوزيع الأدوار، أحمد فيفتى يانو أساس مهامه فى المهرجان هو الرقص إلى جانب ما يقوم به من توزيع موسيقى أحيانا، لكن الأمر بالنسبة لآخرين مختلف تماما حسبما يوضح «محمد بلية» 23 سنة: «أنا فى الأصل ديه جيه .. أذهب للعمل فى حفلات يتعاقد عليها المكتب الذى أعمل لحسابه، أحب الموسيقى وأغنى من صغرى، ومن خلال إمساكى بالميكروفون لتسخين الحفلات، أصبح لدى رغبة فى تسجيل أغنية كاملة على طريقة الراب الشعبى». المهمة التى يقوم بها بلية داخل المهرجان الشعبى فى الشارع اسمها «مايك مان»، إذ يمسك بالميكروفون مطلقا عباراته لتحميس الشباب، فى بداية هذا العام فجر بلية قنبلة المهرجانات.. المعروفة بمهرجان العشرين والأغنية الأشهر «أنا اللى عيشتى حرام فى حرام» التى انتشرت بين كل المهرجانات الشعبية، وداخل عربات التوك توك وفى رنات الموبايل. يقول بلية: «أنا ألفت الكلام وروحت لعمرو حاحا أشهر موزع فى عين شمس وسجلها لي».هذه الأغنية تحديدا تعد نموذجا لأغانى المهرجان أو ما اعتبره البعض فيما بعد «راب شعبى». الأغنية عبارة عن إيقاع متكرر، ويغنى فيها بلية بطريقة أقرب إلى ترديد الجمل. أما المضمون فهو حالة خاصة تعبر عما وصل إليه أهل المهرجانات من حقائق تعبر عن عالمهم.. يقتطع بعض الجمل من أغانٍ شعبية قديمة مثل «أنا اللى عيشتى حرام فى حرام» التى هى فى الأصل أغنية لمطرب شعبى لم ينل نصيبه من الشهرة اسمه سيد إمام، ويضيف جملا أخرى من أغنية كتاب حياتى للمطرب حسن الأسمر، لكن بإيقاع مختلف. وأضاف «بلية» جملا أخرى تذكرك بالعبارات المكتوبة على خلفيات الميكروباص، وعبارات أخرى ساخرة مثل: «العب وريهم.. اصحى وصحيهم، راكب المرجيحة.. عايز اركبها لوحدى».
يتدخل أحمد نجيب الملقب وسط هذه المجموعة بشبح عين شمس. قائلا: « الكلام ده كنا بنقوله عادى فى المهرجانات، ونقول الجمل دى على مزيكا، لكن بعد كده المزيكا أصبحت متسجلة على اسطوانات وتتذاع فى مهرجانات تانية حتى لو صاحبها مش موجود». فى الشارع تعرض هذه الموسيقى جنبا إلى جنب مع الأغانى الشعبية التقليدية، وفى الشارع يرقص عليها من يرقص من الشباب، وسواء سميت الموسيقى «مهرجانا»، أو «فرحة»، لكن الأذن تعى ذلك المزيج الجديد بين الشرقى والغربى، حسب عبارة محمد بلية فقد لقبها ب«الراب الشعبى». وهو ما يجعلها مختلفة إلى حد ما عما يقدمه مغنو الراب المصريون الذين لمع منهم نجوم من نوعية الفنان أحمد مكى أو الفنان أحمد الفيشاوى. ورغم أن غناء الراب المصرى يسبق «الراب الشعبى» بسنوات، لكن ذلك الأخير أصبح أكثر رواجا فى عربات التوك توك والمحال وعلى الانترنت.وأصبحت له أقسام خاصة داخل المنتديات الموسيقية، كما أنه أعاد بهاء مهنة الدى جيه. وكوّن طقوسا خاصة مرتبطة بالمهرجان الشعبى. حسب أغلب العاملين فى هذا المجال فإن رائد هذه الموسيقى هو أحمد فيجو «شبح السلام»، هكذا يردد كثيرون لأنه كان الأكثر انتشارا فى البداية، ووزع العديد من المهرجانات الشهيرة، وتكفى زيارة إلى موقع يوتيوب لرفع لقطات الفيديو التى توضح حالة النجومية التى يعيشها هؤلاء الشباب بوصفهم صانع الفرحة، أسماؤهم تتردد فى كل مهرجان على سبيل التحية، ويتردد اسم «عمرو حاحا» بعد فيجو خاصة فى منطقته بحى عين شمس حيث ينال شهرة كبيرة. العديد من الأسماء تظهر فى أحياء أخرى مثل الزيتون والمطرية والأميرية، ولم تعد المهرجانات حكرا على حى واحد، بل أصبح مؤلفو هذه الموسيقى مطلوين بالاسم، سواء بصفتهم «ديجيهات» أو حتى «مايك مان» يدير المسرح. هذا العالم الذى بدأ يظهر بقوة إلى الأضواء بدأ يرسى قواعد المنافسة، تجلى هذا واضحا فى التوتر الذى شب بين قطبى المهرجانات الشعبية «فيجو وعمرو حاحا»، حين بدأ كل منهما فى تأليف أغانٍ تسخر من الآخر، وفى هذه الأزمة ظهر صوت جديد هو مغنو الراب التقليدى.

راب شعبى
على موقع يوتيوب لتحميل لقطات الفيديو رفع أحد الشباب من مغنى الراب التقليدى ذى الحس الغربى كليبا تحت عنوان «طظ فى دى جى فيجو وحاحا»، وكتب تحتها هذا التعليق: «كل البلد بتعمل مهرجانات وقرف.. وحاجات غريبة وكلام حشاشين وعربجية، بلا نيلة.. والأغنية دى أقل رد»! داخل محتوى الأغنية تتضح وجهة نظر تتعالى على الطبقات الشعبية، لكنها من وجهة نظر أخرى انتقاد «للراب الشعبى» الذى حطم القواعد التقليدية للراب، حيث المضمون الواضح للأغانى والقواعد الموسيقية المعروفة. بعد نشره هذا الكليب تلقى تعليقا يوضح الصراع الثقافى، حين كتب أحدهم: «المهرجانات أرحم من أغانى السيس بتاعتك». تلك النزاعات الثقافية التقليدية بين ما هو غربى وما هو شعبى، حاول البعض معالجتها، على سبيل المثال أفصح فريق مكون من شباب اشتهروا فى حى الأميرية عن وجهة نظرهم فى المسألة داخل مجموعتهم على شبكة فيسبوك الاجتماعية قائلين: «نشأنا فى الأميرية من زمان أوى من صغرنا وإحنا بنحب الراب المصرى الجميل وبنحب نغنى ونفسنا تبقى الناس كلها بتحب الراب المحترم واللى كلامه يتفهم والناس تحس بيه لان الراب ينقل نظرتنا للشارع وليس لغة الشارع». انتهى كلام الفريق الذى يلقب نفسه باسم «فرقة 8%»، ورغم محاولتهم لتقريب بين المذاهب الموسيقية فإنهم فى النهاية محسوبون على دنيا المهرجانات الشعبية.
كل هذه الأجواء يحاول شباب الشمساوية أبناء عين شمس أن يظهروا داخلها بوضع متميز وهو ما يدفع أحمد فيفتى يانو جنرال الشمساوية إلى أن يقول: «احنا هنا كلنا إيد واحدة، وميزتنا إننا بنجامل بعض، وعلى طول مع بعض». يستحسن أصدقاؤه الجالسون من حوله هذه العبارات، ثم يتدخل على وزة الذى يعمل ديه جيه قائلا: «بالمناسبة أغلبنا جامعيون، ولنا حياة أخرى فى المهن التى نعمل بها، بالنسبة لى أنا ومحمد بلية الموضوع مختلف.. لأننا نعمل فى مكتب متعهد حفلات، وعملنا الأساسى هو الحفلات سواء فى شرم الشيخ أو فى أى مكان آخر».يحزن بعض الحضور حين يجد نفسه عرضة للنقد الحاد أو سخرية الآخرين، يتدخل أحمد نجيب شبح عين شمس موضحا: «فى رمضان فوجئنا ببرنامج (ضحكنى شكرا) يتهكم على أغنية (عيشتى حرام فى حرام) وعلى مؤلفيها دون أن يعلم من هم، والغريب أن أحد المهرجانات الذى ألفناه بأنفسنا وجدناه مذاعا على إحدى الفضائيات الشهيرة دون إشارة إلينا بالطبع». ينهى نجيب حديثه منبها الحاضرين فى منزل فيفتى يانو إلى أنهم قد تأخروا على مهرجان ناحية شارع العشرين المجاور فى عين شمس، يعلق أحمد سمير الذى يتحول إلى فيفتى يانو داخل المهرجانات قائلا: «لازم أكون موجود فى كل واجب». وينطلق الجميع بحماس إلى المهرجان.

كان يكفى السؤال عن الدى جى «عمرو حاحا» أو عن «فرقة الاستيفا» للتأكد من أن العنوان سليم.. شباب المنطقة فى هذه الناحية من حى عين شمس يعرفون الكثير من التفاصيل، يجيب أحدهم: «عمرو حاحا فى فرح ناحية شارع أحمد عرابى، مش هتلاقيه هنا، إنما الاستيفا هتلاقيهم فى المهرجان اللى فى آخر الشارع». فى ذلك اليوم كان الاستيفا متألقين فى «مونديال» أو حسب التعبير الشائع فى «مهرجان» وسط الشارع، تظهر جمل على لسان الشاب الممسك بالميكروفون فوق المسرح «فرحة اورتيجا.. صوت مزيكا»، كلما اقتربت من السرادق المنصوب كلما ازداد الصوت صخبا، وتتكرر كلمات غير مفهومة على إيقاع راقص مثل «برولوم» أو «جوجوجوجوجو». المعانى غائبة وغير مطلوبة. فجأة ينشط راقصو «الاستيفا» ويتدخل صاحب الميكروفون على المسرح قائلا: «اللى يحب الاستيفا يدخل جوا». نداءات الدى جيه هدفها أن يتوزع الشباب الراقص بطول السرادق ولا يقفون فقط قرب المسرح، كى يعطوا فرصة للاستيفا.
«على برشلونة» هو أحد أعضاء فرقة الاستيفا الراقصة، يوضح فى البداية سبب التسمية: «الكلمة جاية من حجز الاستيفا اللى فى أقسام الشرطة، كانت الفرقة زمان فيها شباب جامدين، لكن مع الوقت سابوا كل حاجة وضاعوا مننا، لكن دلوقت الفريق اتغير ودخل شباب جديد حالتهم أحسن، ومالهومش فى الشرب ولا المخدرات».
الرقص فى الشارع لا يثير قلق الشباب، حسب كلام محمود عرفة أحد أعضاء الاستيفا فإن مهمتهم هى تسخين أجواء الرقص.. يشرح ذلك قائلا: «لو رأينا أحدهم محبطا أو مكتفيا بالمشاهدة نشاركه ونجذبه كى يرقص معنا». وبعيدا عن تفاصيل العمل فإن الملمح الرئيسى للمكان هو أنه للشباب فقط. بعضهم أدوا رقصا جماعيا على شكل مربعات ثم داروا سويا فى أماكنهم على الإيقاع الراقص، وهناك من اكتفى بالمراقبة أو التصوير. فى هذا الزحام يمر أحد المسنين فيلكزه شاب عن غير عمد، ويبدأ الشباب فى الاعتذار غير المسموع. فى هذه الأجواء يعيش الاستيفا الذين يديرون المهرجان حالة قلق من شكوى الجيران أو أسئلة الشرطة التقليدية. يبدأ المهرجان فى العاشرة وينتهى فى الواحدة صباحا، وأثناء ازدياد الحماس يخلع بعض الشباب ملابسه العلوية ويبدأ فى الرقص.
وسط هذا الزحام من الصعب التركيز على ما يقال فوق المسرح، فليس هناك اهتمام من الديه جيه بالغناء لقضية بعينها، الأهم هو صنع حالة من خلال جمل أقرب للإفيه، وكذلك تكرار التحيات للموزعين الموسيقيين الذين ألفوا الموسيقى المذاعة فوق المسرح، وتتردد أسماء الأحياء المجاورة لعين شمس مثل «المطرية، الأميرية، الزيتون». وقرب انتهاء المهرجان يحاول البعض إعادة وضع الستائر الجانبية الحاجبة التى تغطى المسافة بين السرادق والمسرح، أما فى الداخل فيبدأ بعضهم فى «التشكيل»، أحد هؤلاء كان محمود عرفة الذى تحدث قبل قليل عن دور الاستيفا فى «الفرح»، بدأ هو خطته بافتعال معركة افتراضية راقصة مع زملائه، هدفها لفت انتباه الجمهور الراقص وتحميسه. بعد انتهاء الحفل يأت بعض الجيران كى يسألوا أحمد فيفتى يانو زعيم الاستيفا عن سبب هذا المهرجان. فيشرح لهم أنه كان ليلة حنة وتم إلغاؤها. البعض يصدق والبعض لا يهتم، لكن بعيدا عن هذا المهرجان ففى أوقات أخرى تقام هذه الاحتفاليات الشعبية لمجرد الفرحة.

قد يختلف شحتة كاريكا عن بعض نجوم المهرجانات الشعبية فى أنه توصل لقناعات خاصة تجعله أكثر عملية وواقعية فى التعامل مع عمله، يوضح باختصار: «أنا باقدم شعبى.. مش راب». بهذه العبارة تخلص من عبء اختلاف الجمهور الذى يتبدل مع كل فرح، فقد يتوافر الشباب الذى يجيد الرقص الغربى، وقد لا يتوافر ذلك فى فرح آخر، لذا يعتمد شحتة على نفسه كلية فى إدارة الفرح ويلعب فى المساحة التى لا يختلف عليها أحد وهى الغناء الشعبى. يقف على المسرح وإلى جواره «المايك مان». وخلفهما لاعب الاسطوانات الذى يغير ويضبط الموسيقى، فى تلك الأجواء قليلة الإضاءة يتواصل شحتة مع الدى جيه المرافق له بقلم ليزر كى ينبهه لتغيير الاسطوانات.
فى هذا الفرح بالذات الذى أقيم فى حى المطرية حيث نفوذ منطقة شحتة كاريكا، كانت الأجواء عائلية بدرجة كبيرة، لم يكن هناك شباب يجيدون الرقص على إيقاعات موسيقى الراب الغربية مثلما يحدث عادة مع أغانى المهرجانات، يعلق شحتة: «تغيير الموسيقى يتم بالاتفاق مع الدى جيه المرافق لى، حين تحتاج الأجواء أن ندخل لمسات غربية للشباب الذى يجيد الرقص نفعل هذا، لكن فى الأجواء التقليدية نركز على الشعبى». بعد أكثر من عشر سنوات قضاها شحتة مساعدا للصوت فى كثير من الأماكن خارج القاهرة وداخلها، اعتادت أذناه على أنواع الموسيقى الغربية المختلفة، أما الموسيقى التى يقدمها الآن فهى غناء يجمع بين النداءات والترديد لجمل شهيرة، وأحيانا ما تتقارب الحالة العامة مع موسيقى الزار، رغم ما يغلفها من إيقاعات حديثة. بعض ما يذيعه شحته هنا من تأليفه وتنفيذ موزعين آخرين. على المسرح الوضع مختلف، وحين وجد شحتة الحضور قد بدأوا فى التوقف عن الرقص نزل إليهم مستعينا بميكروفون معلق بالرأس كى يدير السرادق ويتواصل مع الحضور، رغم ما يقوم به شحتة من إدارة كاملة للموقف فإنه يرفض فكرة ربطه «بنوبتجى» الفرح الذى يحيى القادمين بالاسم ويجمع «النقطة»، لكنه يوضح: «أنا دى جيه بعمل مزيكا، والأهم من كده إن البنوبتجى بيتعامل مع النقطة فى الفرح، ودى حاجات مش بنتعامل فيها». كل ما عليه هو أن يأتى بأجهزة الصوت التابعة لمكتب حفلات يتعامل معه، ويقام السرادق، وتبدأ الحفلة بأدائه الذى له جمهوره فى الشوارع أو فى مواقع الانترنت.
حتى اليوم ما زال شحتة يحتفظ فى هاتفه المحمول بلقطات من الفرح الذى أقيم فى إطار برنامج «الفن فى شوارع القاهرة» الذى نظمه المعهد الدنماركى للحوار فى مصر. وفى أثناء غنائه على المسرح ردد عبارات من نوعية «من المطرية.. للعالمية»، ويعلق متذكرا: «أهم ما أبحث عنه فى هذه المهنة هو التقدير، رغم الحروب التى قد يتعرض لها من يعمل فى هذا المجال، بدء من إلغاء الفرح أو الاحتفال، انتهاء بأن يدخل أحد المنافسين بسعر أقل.. لكن فى النهاية دى أرزاق، لكن فى تجربة التعامل مع الأجانب شعرت بتقدير عال لهذه الموسيقى». يحاول شحتة أن يقدم خلطة متكاملة مقدرا كل الأذواق، فى بداية المهرجان أو الفرح يغنى الأغانى التى ارتبطت بموسيقى المهرجانات الشعبية، خصوصا التى ألفها هو أو شارك فيها أحد زملائه، ثم يدع مساحة بعد ذلك كى يتواصل مع الجمهور أسفل المسرح. وهى فرصة يتيحها لأصحاب المزاج التقليدى الذين ما زالوا لم يألفوا أجواء الراب الشعبى ولا موسيقى المهرجانات.
ص2
مهند ناصف وبدوى إبراهيم وبدرى حسين، ثلاثة طلاب فى المرحلة الإعدادية تجمعهم الجيرة كما تجمعهم هواية لا تظهر إلا فى الشارع فقط، وهى الرقص على أنغام موسيقى الراب والهيب هوب الغربية. يقول مهند: «بنييجى هنا كل خميس وجمعة عند مجمع التحرير نتدرب على الرقص». يقول مهند عبارته بحماس رغم تأخر بعض أصدقائه عن موعدهم، تبدأ الأحداث حين يدير أحد الرفاق المصاحبين لهم موسيقى الهيب هوب على الهاتف المحمول، لا يختلف المشهد فى بدايته عن أى تدريب إحماء رياضى آخر، لكن ما يفسر ذلك هو أن مهند بطل الجمهورية فى رياضة الكونغ فو التى يمارسها منذ أن كان فى سن العاشرة، يقول: «أنا باجى هنا مش بس للرقص.. أنا الرقص بالنسبة لى أقرب للرياضة، وبيخلى نفسيتى كويسة». يستطيع المشاهد أن يتفهم عبارة مهند الأخيرة حول علاقة الرياضة بالرقص الذى يؤدونه، فالصورة تبرز ثلاثة شباب صغار يؤدون حركات بهلوانية غير مفهومة، لكن الواقع أن هذا النوع من الرقص يسمى (بريك دانس ) يمارسه الشباب فى شوارع العالم على أنغام إيقاعات موسيقى الهيب هوب والراب. يسمى الراقص فى هذه الحالة بريكر أو B-Boy، وتعود جذور هذا النوع من الرقص إلى السبعينيات حين ازدهر مرتبطا بموسيقى السود الأمريكيين وموسيقاهم مثل الهيب هوب والراب، وكل من الموسيقى والرقص مرتبطان بشكل كبير بالشارع.
فى حديقة مجمع التحرير يمر الموظفون من أمام الشباب الراقص ليلقوا ابتسامات عابرة ونظرات دهشة وتعجب، وهو ما يجعل مهند ورفاقه يشعرون بالفخر، خاصة حين يقف البعض خصيصا للمشاهدة، البعض الآخر يلقى تعليقات طريفة كأن تقول موظفة لزميلها «تعرف تعمل زى العيال دول؟»، أو أن يمر رجل مسن فى لحيته البيضاء مطلقا تحذيرا فى الهواء «يا بنى رقبتك هتتكسر !!»، وفى هذه المساحة يختبر الأصدقاء كل ردود الأفعال، لكنهم يتعاملون معها ببراءة رغم غرابة فكرة الرقص فى شوارع القاهرة.نفس تلك الرقصات التى يؤدونها يحترفها شباب آخرون يرقصون فى مولات كبرى مكونين فرقا ذات أسماء مميزة، حين يوجه السؤال إلى بدوى «ما هو اسم فرقتكم؟» يصمت قليلا ثم يعلق ضاحكا: «هقولك كذا اسم، وابقى اختار منهم اللى يعجبك». حسبما يقول مهند فإن هناك عددا أكبر من الشباب يمارس هذه الهواية ولا يجدون متنفسا، ويوضح قائلا: «أنا مثلا أتعلمت عن طريق أصحابى، وبعرف كل حركة جديدة من الانترنت وموقع يوتيوب، وبعدها نييجى نتدرب عليها هنا».
المفارقة أن رقص البريك دانس قد وصل إلى مرحلة من الرسوخ فى عدد من الدول بحيث تقام له المسابقات العالمية فى الشوارع، بينما هنا قد يظهر بعض المتطفلين الذين يحاولون التضييق على مهند ورفاقه، لكن انتصار الراقصين الصغار سببه إعجاب المارة بأدائهم العفوى، حتى إن بعض المارة من الشباب وقفوا خصيصا للتصوير عبر هواتفهم المحمولة، بعد كل عدة تراكات من الأغانى التى يرقصون عليها يسترخى الأصدقاء فى الحديقة مع رفاقهم الذين اكتفوا بالمشاهدة والاستماع، وبدأ كل منهم فى طرح طموحه الشخصى، كانت الصورة واضحة لمهند الذى رفع حلمه الرياضى عاليا خاصة أن مدربه كان أحد أبطال العالم فى الكونغ فو، أما زميله بدوى فأحيانا ما يفكر فى أنه قد يمكنه احتراف الرقص فيما بعد، لكن الأمر كان واضحا بالنسبة لزميلهم الثالث بدرى الذى قال: «أخوالى يعملون فى مجال الرقص النوبى بالسياحة وقالوا لى أنه بمجرد إنهاء دراستى فى الدبلوم يمكننى أن أذهب معهم للعمل فى هذا المجال».بمجرد أن ينهى بدرى عبارته يعود الجميع إلى الرقص مرة أخرى، وفى خلفيتهم بائع عرقسوس يصنع موسيقاه المختلفة عن موسيقاهم، بينما يستمر ميدان التحرير فى بث صخبه التقليدى تاركا مساحة لشباب اختاروا المشاركة فى صنع موسيقى الشارع
.
من الصعب المرور على مصطفى وزميليه دون الانتباه إلى أدائهما فى عرض منتجاتهما على الزبائن، يقف مصطفى فوق سيارة ربع نقل أمام مجموعة من الدكاكين التى أقامتها المحافظة فى سوق المنيرة بحى إمبابة. يعرض ملابس الأطفال ضاربا على الدف الكبير مناديا بعشرة وبس، فيرد عليه زميلاه موجهان نداءهما إلى المارة تعالى. يكرر مصطفى النداء الذى يتوقف كل بضع دقائق، ثم يعود النداء من جديد: «بعشرة وبس.. تعالى»، حتى يصمت الجميع وتبدأ صفقات الزبائن وتلقى الأسئلة والفصال فى السعر.. مصطفى الذى تحدث باختصار نيابة عن زميليه ينتمى إلى الجيل الثانى من أسرة سوهاجية هاجرت إلى إمبابة قبل أكثر من عشرين سنة، حين كان طفلا صغيرا، يغير النداء «هدوم العيل.. تعالى»، «البس جديد.. تعالى». ويجذب النداء بعض الأطفال الذين وقفوا يتابعون الأداء الأسبوعى الذى يقدمه تجار السوق، إذ لا يظهر مصطفى وزميلاه فى هذه المساحة سوى أيام الجمعة، أما الدف الكبير الذى يضرب عليه بيده فله مهام أخرى تظهر فى الاستاد أثناء مباريات المنتخب المصرى والنادى الأهلى. لوقت طويل كانت نداءات الباعة مادة خصبة استمد منها كبار الموسيقيين أفكارا يسجلونها فى أعمالهم، أحدهم كان الملحن الراحل سيد مكاوى الذى أعد أعمالا غنائية كان إحداها تحت عنوان «البياعين»... سجل فيه أكثر من 30 نداء ملحنا فى عمل موسيقى كامل، وبعد أعوام من اختفاء هذا العمل، عاد مرة أخرى إلى الجمهور عبر أحد منتديات الانترنت. مثل هذه الأعمال التى اقترنت بنداءات الباعة انحسرت بشدة لعدة عوامل، كما يرى الدكتور إبراهيم عبد الحافظ الأستاذ المساعد بالمعهد العالى للفنون الشعبية: كان هناك توجه شعبى فى الماضى نحو طبقات الحرفيين والبسطاء ظهر فى أعمال الموسيقيين أمثال سيد درويش وسيد مكاوى، لكن الأمر لم يكن يستند فقط إلى اهتمام هؤلاء الموسيقيين بهذه النداءات بل أيضا إلى اختلاف نوعية النداء وجاذبيته، حين كان البائع يغنى جملا موسيقية أقرب للموال.. لقد اختلف الحال ولم يعد منطقيا أن نقارن بين بائع يحمل بضاعته على عربة كارو أو حمار ويتجول حرا دون قلق، وبائع اليوم الذى يعيش الصخب اليومى والزحام.. لابد أن يكون النداء متماشيا مع المناخ العام.
فى مؤتمر الموسيقى العربية الأول بالقاهرة عام 1932 الذى كان يعد حدثا فى تاريخ الموسيقى العربية كان الجميع يهدف آنذاك إلى وضع نظم لتدوين الموسيقى الشرقية، وتم تداول قضايا كبيرة منها تسجيل المقامات العربية حسب القواعد العالمية، لكن المفاجأة أن نداءات الباعة الجائلين ظهرت أثناء المناقشات للاستدلال بها على استخدام الشارع للمقامات الشرقية. استمر وجود نداءات الباعة الجائلين فى الحياة الموسيقية بعدها لعقود، ما دفع عددا من المغنيين الشعبيين لتداول جمل تنادى على فواكه بعينها مثل يا خوخ خانونا الحبايب لشفيق جلال، وعلى بياعين العنب لمحمد رشدى (وهى مأخوذة عن الفلكلور). أما اليوم فتكفى زيارة إلى أسواق من نمط سوق المنيرة ذات الطابع العشوائى كى يتأكد المار أنه لم يعد هناك مكان لجمل لحنية بقدر ما هناك عبارات بها سجع وقافية واحدة.. وذلك فى أفضل الأحوال. بدا هذا واضحا لدى صاحب عربة الروبابيكيا حين حاول تقليد الأداء الصاخب الذى يمارسه مصطفى وأصدقاؤه على أطراف السوق، لكنه لم يواصل. وعلى عكس الجميع يمثل مصطفى وزميلاه حالة فريدة من الأداء قد يلاحظها المار بين أماكن أخرى متفرقة مثل أسواق العتبة، وليلا فى شارع طلعت حرب فى وسط القاهرة، لكن الغالبية اختارت نداءات مقتضبة مثلما يفعل باعة الخضار والفواكه.البحث عن جمل لحنية لدى الباعة الجائلين لن يسفر عن الكثير، الغالبية ذات مزاج واقعى يتعامل مع الزبائن كهدف صعب الوصول إليه... البديل هو استخدام كل وسائل لفت الانتباه، هذا ما يؤكده الدكتور إبراهيم عبدالحافظ الذى أشرف على أبحاث تصدى بعضها إلى جمع نداءات الباعة الجائلين، مضيفا: انظر إلى ما يقوم به البائع فى الأتوبيس حين يصعد لافتا انتباه الزبائن بعبارات ذات قافية واحدة وحين يقلل السعر تدريجيا أثناء ندائه. يعبر هذا المثال عن التطور النهائى فى نداءات الباعة، يصعد البائع قائلا: سعد وسعيد ومسعد واللى يصلى على النبى يسعد، مؤكدا أن هذه البضاعة فى المحال تساوى ثلاثة جنيهات، لن يبيعها بجنيهين ونصف الجنيه، ولا جنيهين وربع، ولا جنيه ونصف الجنيه.. سيبيعها بجنيه.أما فى سوق من نوعية سوق المنيرة حيث زحام باعة الهواتف المحمولة المستخدمة وباعة الطيور، لا مكان لموال أو صوت عذب مثلما كان الحال قبل عقود طويلة.. لا تظهر الموسيقى اليوم فى نداءات الباعة سوى لدى باعة الربابة المتجولين فى القاهرة، لا يستخدمون أصواتهم، بل استعاضوا عن ذلك بالربابة نفسها، التى لا يزيد ثمنها على الجنيهين. يكشف أحدهم أثناء حديثه أنها ليست مهنة يمتهنها، بل نشاط يمارسه فى أوقات التعطل بين عمل وآخر، إذ يبيع ما يصنعه أخوه الأكبر الذى يعمل فى تصنيع أقفاص الفاكهة. يبدأ عازفا بمقدمة مسلسل العار الذى عرض فى رمضان الماضى، ثم يعرض مهاراته فى جمل موسيقية أخرى من أغانى مثل البت بيضا للريس متقال، عدا هؤلاء فتبدو نداءات العامة جافة وزاعقة. حسبما يقول الدكتور إبراهيم عبدالحافظ فإن دراسة مثل هذه النداءات قد تعطى ملمحا عن التطورات التى أصابت المجتمع المصرى: تحليل مضمون هذه النداءات بعد البحث فى عدة ميادين لجمع المادة من الأسواق الشعبية ونداءات أصحاب العربات والباعة المتجولين فى الشوارع والمواصلات العامة، يعطى لنا ملامح عامة لهذا التطور، فالاعتماد على الفهلوة لجذب الانتباه أصبحت أمرا ملحا فى نداءات الباعة وليس جمال الصوت، كما أن الزحام قد فرض حدة فى التنافسية ومزايدة على التجار الآخرين مثل استخدام الميكروفونات العالية والزعيق بدلا من النداء ومحاولة جذب الانتباه بحيل كثيرة.
قد لا يجد النجار أو الحداد فى عمله موسيقى متكاملة عدا تلك الإيقاعات المنتظمة التى يكسر بها رتابة العمل، لكن استغلال تلك الإيقاعات أو استخدام أدوات الحرفيين فى صنع عمل فنى هى مغامرة استهوت بعض الفنانين، خاصة فى الغرب حيث لمع مصطلح موسيقى الشارع، مؤخرا خاض الموسيقار فتحى سلامة تجربة اعتمد فيها على مشاركة الحرفيين والعمال بأنفسهم فى صنع عرض موسيقى كامل. يقول فتحى سلامة عن هذه التجربة: «هناك أهداف أعمق من هذه التجارب، أهمها أن تكون هذه الفئات المهمشة متصدرة العرض الموسيقى، إلى جانب ذلك فهناك هدف آخر يتمثل فى أن يعتاد الجمهور إيقاعاتهم، وأن ينمو داخل هذه الفئة من الحرفيين الحس الموسيقى». موسيقى الشارع التى ظهرت فى الغرب ولمعت فيها بعض الأسماء مثل فريق «ستومب» البريطانى يتم الاعتماد فيها على أدوات من الشارع مثل البراميل، الجرادل، المواسير،..إلخ. ثم يقام عرض موسيقى كامل من تآلف إيقاعات القرع على هذه الأدوات. وفى مصر تبنى فريق «المصنع» هذا الأداء مستخدما أدوات من الشارع يصاحبها الغناء أحيانا حول قضايا مثل المحبة وأطفال الشوارع والشباب والإدمان والسلام. لكن أغلب عروض موسيقى الشارع تعتمد حسب فتحى سلامة على «موسيقيين محترفين». الأمر هنا مختلف فى العرض الذى أقيم مؤخرا فى حى الفجالة، أحدهم إسحق أديب العامل فى أحد مقاهى حى الفجالة، الذى شارك مع زميله محمود الفولى العامل فى أحد مقاهى الجمالية ضمن مجموعة كبيرة من الحرفيين فى صنع العرض الموسيقى. رأى كل منهما الأمر بشكل مختلف، يقول محمود الفولى: «لأنى من أسرة ذات صلة بالموسيقى فقد تفهمت الفكرة منذ البداية وصبرت على العمل الجماعى فى تنظيم إيقاعاتنا سويا حسبما حدد لنا الأستاذ فتحى سلامة». أما بالنسبة لإسحق فيقول: «لم أكن أتصور أن العرض سيخرج إلى النور، ولم أتصور أن تخرج موسيقى مقبولة من قرع البراميل والخبط على أكواب الشاى.. كانت تجربة ممتعة». ما زال اسحق فخورا بهذه التجربة خاصة أنها أقيمت فى مقهى شكرى بالفجالة الذى عمل فيه لسنوات، أما سبب سعادته الرئيسى فهو الإحساس بقيمة عمله كقهوجى حين يكون مطلوبا خارج عمله التقليدى. هذه الحالة انتقلت فيها الإيقاعات مرة أخرى إلى الشارع مع معالجة موسيقية وراءها أهداف أخرى لدى فتحى سلامة على رأسها كسر حالة التصنع التى تسيطر على الوسط الثقافى والموسيقى، يوضح ذلك قائلا: «بعض الفرق الغنائية على سبيل المثال تلعب على ألوان مضمونة النجاح، مثل إعادة غناء سيد درويش أو اللعب على أوتار السياسة دون تقديم أى جديد أو شىء يعبر عن شخصية مستقلة، والأغرب أن نجد البعض يقدم إنشادا دينيا بأداء غربى خالص قريب من موسيقى الكنائس الأمريكية تحديدا، هنا أتساءل أين شخصية الفنان من كل هذا؟» رحلة البحث فى الشارع ليست الطريق الوحيد للتعرف على الموسيقى المصرية، بل هناك أفكار موسيقية نشأت فى الشارع وبدأت فى الانتشار مثل الراب الشعبى، ويعلق فتحى سلامة على ذلك قائلا: «أكثر ما يستهوينى مؤخرا فى الموسيقى المصرية هو الراب الشعبى، لأنه صادق، الشباب يغنون بأدائهم التلقائى، ورغم أن موسيقى الراب قدمت بالعربية فى مصر منذ فترة إلا أن بعض مغنيها يؤدونها بلكنة وكأنهم غربيون. هذا ما أحاول أن أنبه إليه من خلال ورشة قادمة للفرق الغنائية الشابة». من خلال هاتين التجربتين سواء فى التعامل مع الحرفيين وتقديم عرض من أدواتهم، أو الورشة المقبلة للتعامل مع فرق غنائية جديدة أكثر تأثرا بروح الشارع المصرى، تستمر رحلة الفنان فى البحث عن موسيقى جديدة صنعها الشارع.
«أكثر ما يستهوينى مؤخرا فى الموسيقى المصرية هو الراب الشعبى، لأنه صادق، الشباب يغنون بأدائهم التلقائى، ورغم أن موسيقى الراب قدمت بالعربية فى مصر منذ فترة إلا أن بعض مغنيها يؤدونها بلكنة وكأنهم غربيون. هذا ما أحاول أن أنبه إليه من خلال ورشة قادمة للفرق الغنائية الشابة».