Friday, January 28, 2011
Thursday, January 27, 2011
اتحاد الكتاب يتضامن مع الشارع المصري
وقرر مجلس اتحاد كتاب مصر أن يظل في حالة انعقاد دائم حتى إشعار آخر.
كما أعلن المجلس عن تنظيم وقفة تضامنية لأدباء وكتاب مصر في تمام السادسة مساء السبت القادم بمقره بالزمالك.
Monday, January 10, 2011
تاريخ الجنون.. من البيمارستان إلى المستشفى العام
Sunday, January 2, 2011
على هامش العام الجديد
كتب – عبد الرحمن مصطفى
شجرة عيد الميلاد تبحث عن معجبيها
أمام محل لبيع الورود في حي المهندسين تصدرت شجرة عيد الميلاد المشهد على أمل إغراء الزبائن بشرائها، و داخل المحل لم يخف مديره ماهر التونسي تشاؤمه قائلا: "حاسس انه كمان سنتين مش هيبقى فيه شجرة كريسماس ولا احتفال بالسنة الجديدة". تلك النبرة المتشائمة سببها تناقص حجم مبيعات أشجار عيد الميلاد في السنوات الأخيرة، وهو ما يدركه شخص مثل ماهر دخل هذا المجال قبل 19 سنة، اليوم يخشى أن يكون المزاج العام قد أصبح أقل اهتماما بأجواء الاحتفالات وهو ما يمثل خطورة على هذا المجال بأكمله. أما الشجرة البارزة أمام محله فيرى أن سعرها معقولا، إذ تتراوح الأسعار بين 70 و 100 جنيه على عكس الحال قبل عدة سنوات حين كان يصل سعر الشجرة الواحدة من نفس الحجم إلى أربع أضعاف السعر الحالي. يعلق قائلا: "أتذكر قبل خمس سنوات فقط، كانت المحلات حولنا أكثر حرصا على تزيين واجهاتها بشجرة الكريسماس الطبيعية وفق الشروط التي حددها الحي وقتها، أما الآن فالوضع مخيب للآمال". أثناء حديثه يتوقف الكلام قليلا لينهي صفقة بيع شجرة عيد ميلاد إلى محل الكوافير المجاور، يتجه عامل في المحل لتزيين الشجرة بشكل روتيني على عكس حالة النشاط التي كانوا عليها قبل سنوات حين كانوا يرسلون أشجارا إلى فيلات وقصور على أطراف القاهرة، أما اليوم فهذه الشجرة أمام المحل هي واحدة ضمن عشرين شجرة سيجري بيعهم حتى الأسبوع الأول من يناير، في سنوات سابقة كان نفس المحل يبيع ضعف الكمية، لكن قواعد رأس السنة اختلفت تماما. يعلق سمير المليجي الذي يعمل في فرع آخر لنفس المحل قائلا: "اكتفينا بوضع أشجار عيد الميلاد أمام الفرع الرئيسي فقط، أعتقد أن المزاج العام الآن ابتعد عن أجواء الزينة والاحتفالات برأس السنة عن ذي قبل، كذلك فالأحوال الاقتصادية أصبحت تحد من الإنفاق في هذا المجال".
يكاد يتفق آخرون من العاملين في هذا المجال مع هذا الرأي، إلا أن أهم نقطة ركزوا عليها هي دخول أشجار عيد الميلاد البلاستيكية المستوردة من الصين إلى المنافسة معلنة التحدي لشجرة عيد الميلاد الطبيعية في هذه الفترة من العام.
أما أهم معاقل تجارة أشجار عيد الميلاد البلاستيكية فهو سوق درب البرابرة ناحية الموسكي، في هذه الناحية من السوق كان سيد رشاد مشغولا بشجرة متوسطة الطول مستقرة أمام المحل، والسعر 550 جنيه، يوضح: "معندناش شجر طبيعي .. كله صيني ولا فخر". في سوق درب البرابرة تظهر شجرة الكريسماس بشكل هامشي ومؤقت ضمن نشاط السوق، إذ يعتمد النشاط الرئيسي على بيع مستلزمات الأفراح والحفلات إلى جانب محلات النجف، لذا لا تتوقف نداءات متكررة من نوعية : "عايز حاجات السبوع يا برنس؟!". أما في المحلات التي تبيع شجر الزينة الطبيعي فلم يكترث أصحابها ببيع أشجار عيد الميلاد الطبيعية انصياعا لقواعد الاحتلال الصيني "البلاستيكي" للسوق، وداخل إحدى الحواري الجانبية من شارع البنداقة تراصت مجموعة من المحلات التي تبيع أشجار الزينة، لكن في الطابق الأول من عمارة مجاورة كان أحد كبار العاملين في هذا المجال، هناك وقف الحاج محمد ميرامار متابعا حركة البيع البطيئة في المحل. هنا يختلف الواقع تماما عن نوعية الأشجار الطبيعية التي يبيعها ماهر في محله بحي المهندسين، فهنا تباع الشجرة البلاستيكية مفككة إلى أجزاء ثم يتم تجميعها بمعرفة الزبون، السعر قد يتجاوز 500 جنيه لشجرة بطول 1.8 متر، مع إضافة حبال بلاستيكية مضيئة وكرات لامعة، وإضاءات متنوعة. يقول محمد ميرامار: "أصبح الناس أكثر زهدا في شراء شجرة الكريسماس على عكس الماضي، فمن اشترى شجرة بلاستيكية في عام سيحتفظ بها إلى الأعوام التالية، والأخطر من هذا أننا في مصر قبل عشر سنوات كنا نصنع هذه الشجرة، لكن بعد الغزو الصيني الذي ازدهر قبل أكثر من خمس سنوات تغيرت القواعد تماما، وقلت المبيعات الآن إلى النصف مقارنة بالسنوات السابقة، بعد أن تشبع السوق". يعلم باعة أشجار الكريسماس البلاستيكية في سوق درب البرابرة وغيره أنهم الأسرع وصولا إلى المنازل، إذ أنهم يتركون المنافسة خالية أمام باعة الأشجار الطبيعية في الفنادق والمدارس وأصحاب المزاج الخاص. وبينما يشكو باعة الأشجار الطبيعية من انتشار الأشجار البلاستيكية، نجد أن باعة الأشجار البلاستيكية يشكون من أن زبونهم يأتي مرة واحدة لا تتكرر إلا بعد سنوات طويلة. خارج هذا الصراع عرض أحد الباعة في سوق درب البرابرة وجها أخر لعوامل الزهد في تجارة شجرة عيد الميلاد لأسباب شخصية أعلنها في أنه قرر الامتناع عن بيع شجرة عيد الميلاد "لأنها بدعة وليس لها أصل في الدين الإسلامي". مضيفا : "كنت أبيع زهرة بنت القنصل التي تزدهر تجارتها في هذه الفترة، وعلمت من زميلي المسيحي أنها رمز لعقائد تخالف عقائد الإسلام، وهو ما جعلني أمتنع عن بيعها". هذا الرأي الذي يعرضه البائع يحمل مفارقة كبيرة في أن صاحب المحل الذي يعمل فيه يبيع أشجار الكريسماس في الفرع الآخر للمحل، لكنه متصالح مع هذا تماما. وبعيدا عن أصحاب الأعمال والباعة فقد شهدت نهاية العام الماضي جدلا بسبب رأي ديني أعلنه من الدوحة الشيخ يوسف القرضاوى رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إذ انتقد شراء المسلمين لشجرة الكريسماس واستخدامهم لها في تزيين واجهات محلاتهم واعتبر ذلك حراما شرعا.
وتعود جذور استخدام شجرة الكريسماس في احتفالات رأس السنة إلى أوروبا في العصور الوسطى تأثرا بعادة وثنية قديمة كانت لدى القبائل الجرمانية في أروربا ثم اتخذت طابعا مسيحيا فيما بعد، هذا الأصل يدركه جيدا ماهر التونسي مدير محل الورود في المهندسين، إذ كان قبل سنوات عديدة يستورد أشجارا كبيرة من هولندا وبلجيكا في طلبات خاصة من الفنادق والمدارس أثناء هذه الفترة من السنة، ويقول: "شجرة الكريسماس في الأصل ذات أصول أروربية، لكننا هنا في مصر نزرع شجرة التويا التي تشبهها تماما، وتباع في الأسواق أثناء احتفالات عيد الميلاد". يجلب ماهر أشجار التوية الطبيعية من محافظة المنوفية حيث تزرع في مشاتل خاصة ويتم توريدها إلى التجار مع بداية شهر ديسمبر، وفي السنوات السابقة كانت شجرة التوية (الشبيهة بشجرة عيد الميلاد) تزرع بأعداد أكبر حول القاهرة في صفط اللبن والمعتمدية والبراجيل ناحية الجيزة (محافظة 6 أكتوبر حاليا). وحتى الآن ما زالت منطقة البراجيل تزرع شجرة التوية لاستخدامها في احتفالات الكريسماس كل عام، هناك تتعد المشاتل التي تقدم أنواع الورود المختلفة، لكن يظل المشتل الأشهر هناك هو "مشتل البراجيل" التابع لهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، إذ يمتد لمساحة 75 فدانا تندس وسطها أشجار التوية على استحياء بين مئات الأنواع من الأشجار، يقول المهندس عبدالرحمن سيد مدير مشتل البراجيل:"بعض أصحاب المشاتل والأفراد العاديين يأتون إلى هنا بحثا عن أسعار أفضل، لكن على أرض الواقع فإن المشاتل التي تبيع شجرة عيد الميلاد على سبيل المثال في المنوفية تبيع بأسعار معقولة لأنها تعتمد على عمالة غير مدربة ومن الأطفال أحيانا، وهو ما ينعكس على سعر المنتج النهائي".
وسط المشتل الفسيح انشغلت مجموعة من العمال الزراعيين في "تقليع" بعض أشجار التوية التي وصل بعضها إلى ارتفاع 4 أمتار، ويبلغ متوسط سعرها 150 جنيها. يوضح المهندس عبدالرحمن أن مهمة هذا المشتل بالأساس هي إرسال نباتات الزينة إلى المشاتل الفرعية وتزيين شوارع محافظة القاهرة والتشريفات الرسمية، أما شجرة التويا المرتبطة بمناسبة أعياد الميلاد فهذا هو موسمها، ويقول: "بعض الزبائن يأتون لشرائها من أجل تزيين حدائقهم رافضين استخدام الأشجار البلاستيكية، إذ نوزع المئات منها في هذه الفترة". تختلف الشجرة التي تباع هنا عن بقية الأشجار التي تباع في محلات بيع الورود والزهور، إذ تقوم تلك المحلات بوضع الشجرة في إناء به جبس وهو ما يجعل للشجرة عمر افتراضي ينتهي بعد شرائها بأسابيع، أو حسب تعبير أحد باعة محلات الورود هي "شجرة تيك أواي". أما الأشجار التي تباع في مشاتل مثل مشتل البراجيل فيتم تقديمها لزبون في الغالب سيعمل على إعادة زرعها من جديد، وبحكم عمله في هذا المجال لأكثر من 30 سنة يرى المهندس عبدالرحمن سيد مدير مشتل البراجيل الحكومي أن استخدام شجر الزينة في إناء به جبس هو قتل للأشجار، ويقول : "نحن هنا نزرع بأيدينا وأملنا أن نرى ما زرعناه في موقع أخر أيا كان في فيلا أو شارع أو حديقة منزل صغير". يقول عبارته ثم يتابع إلقاء الأوامر إلى العمال الزراعيين الذين كانوا قد نجحوا في اقتلاع شجرة تويا كبيرة متجهين بها إلى خارج الحقل غير منشغلين كثيرا بمجيء رأس السنة، عدا مجدي الذي يعمل هنا منذ 27 سنة، لأنه سيحتفل في 7 يناير القادم بعيد الميلاد المجيد، ما دفع أحد رفاقه في العمل ممازحا مدير المشتل في أن يمنحه مجدي شجرة تويا من أجل الاحتفال، لكن سرعان ما تختفي الابتسامات ويعود الجميع إلى عمله من جديد.
لم تعد تلك الأجواء تصدم أحمد إيهاب مثلما كانت صدمته في أول يوم عمل له داخل بار قاعة الحفلات في أحد الفنادق الكبرى، شارك وقتها في داخل فرح نجل عضو مجلس شعب ورجل أعمال شهير، ورأى شخصيات عامة لم يكن ليرها من قبل، ورأى بعضهم وهو منكب على كؤوس الخمر التي يقدمها لهم. يعلق قائلا: "كانت الفواتير أمامي، لقد تجاوز الفرح مليون جنيه..!" بعد هذه التجربة الأولى اتجه إلى العمل في خدمة الغرف حيث نوع مختلف من الضغوط النفسية التي لا يرها أحد. "تخيل أنك تمر على أربعين غرفة في اليوم، وعليك أن تقطع صلتك بالعالم ومشاكلك بمجرد وقوفك أمام باب الغرف، كي تؤدي دورا ما أمام النزيل، فإن كان في مزاج سيء عليك ألا تبتسم في وجهه وإلا اعتبرها سخرية منه، وان كان في مزاج مرح عليك مجاراته، وفي غرف السائحين العرب عليك ألا ترفع عينيك في وجه امرأة منقبة.. كل هذه الضغوط والتغييرات في زمن محدد لتوصيل الطلب، وإذا ما نسيت الخبز على سبيل فهي كارثة قد تتسبب في تعطيل الطلبات التالية لأن الطلبات تتم بالتوالي وليس بالتزامن، وكل شكوى يقابلها خصم، وفضيحة وسط الزملاء".
تلك الأجواء حسبما يصفها أحمد إيهاب تتخذ شكلا أكثر صخبا في ليلة رأس السنة، إذ عليه أن يقبض قيمة كل خدمة بشكل فوري لأن نسبة كبيرة من النزلاء سيقضون ليلتهم مخمورين لذا لا بد من أن يكون الحساب فوريا منعا لمشاكل التذكر والنسيان. يقول أحمد "هذه المهنة جعلتني أرى مفارقات غريبة، في مرة على سبيل المثال قدمت زجاجة شامبانيا لعروسين في ليلة زفافهما وكانت قيمة الزجاجة 9000 جنيه، في الوقت الذي أحصل على مرتب 900 جنيه شهريا، أما ثمن الإفطار الذي أقدمه قد يصل إلى 140 جنيها وأحيانا ما أقدم وجبة أسماك تصل إلى 1000 جنيه.. وكلها مفارقات وأسئلة أعيشها يوميا، تتجلى في يوم مثل رأس السنة".
الجانب الإيجابي في الأمر هو البقشيش الذي تقدمه هذه الفئة المتيسرة من الزبائن، وهنا يتم تجميع البقشيش وإعادة توزيعه على العاملين، أما ليلة رأس السنة فالمميز فيها هو رؤية مزيج متنوع من البشر على عكس التعامل العادي مع نزلاء الفندق، يعلق أحمد إيهاب: "بحكم تعاملي المباشر مع النزلاء في خدمة الغرف في العمل السابق مع جمهور المطاعم وقاعات الاحتفالات، لفت نظري شيء يتجلى في ليلة رأس السنة، هو انعدام الخشية لدى كثير من الشباب، فأنا عن نفسي أحيانا ما أشرب الخمر لكن لا أجاهر بها وأحيانا ما أراجع نفسي وأعلم أنها معصية، لكن ما أراه هناك هو غياب هذه الحسابات تماما بل أرى حالة من التفاخر". ما يذكره أحمد من ملاحظات أحيانا ما يكون الإحساس بها مضاعفا لدى فئة أخرى هي فئة عمال النظافة في الفندق، إذ يعيش بعضهم صراع القادم من بيئة ريفية محافظة، حتى أن بعضهم يرفض رفع زجاجات خمر فارغة أثناء تنظيفه الغرف تاركا المهمة لزميل غيره. وأثناء ليلة عمل صاخبة مثل ليلة رأس السنة قد يكتشف أحمد أنه ظل طوال ساعتين يمر بعربة الطلبات دون أن ينطق بكلمة، ويمر إلى جوار زميله الذي يدفع عربة طلبات أخرى بين الغرف ولا يتحدثان بسبب ضغط العمل وازدحام الغرف والحرص على قبض ثمن الفواتير فوريا من الزبائن في هذه الليلة المزدحمة، يقول أحمد : "ساعات بسأل نفسي أنا بتعب وابهدل نفسي عشان أكوٍّن نفسي وابتدي حياتي، دول مين اللي بيدفعوا المصاريف دي كلها؟؟!". في مرة أثناء فترة عمله في البار، أتاه أحدهم طالبا كأس كونياك يقدر بـ 250 جنيه كي يضع فيه سيجارا ضخما لمجرد الحصول على مذاق الكونياك.
بعد ليلة هستيرية من نوع ليلة رأس السنة، وبعد عمل إضافي حتى الصباح الباكر، يقف أحمد أمام خزانة الملابس، يرتدي ملابسه العادية مودعا الفندق.. ويعلق على ذلك قائلا: "لا أستطيع أن أتجه إلى المنزل مباشرة بعد ليلة عمل كهذه، أعتدت أن أجلس مع زملائي على مقهى مجاور لأعيد اكتشاف الحياة من جديد.". في الغالب هنا لا يتحدث الزملاء عن العمل، يحاولون التعرف من جديد على أنفسهم في بيئة أخرى، واستعادة هوياتهم الأصلية التي طمسها العمل الآلي في داخل الفندق. يقول أحمد : "أحيانا ما أنام فأحلم بمشاهد عشتها أثناء عملي في الفندق، خاصة أنك أحيانا ما تسمع قصصا غريبة من زملائك على فترات متباعدة تترك أثرا بداخلك مثل تعرض أحدهم لتحرش من نزيل أو نزيلة، وكيف تعامل مع الموقف".
حسب القواعد فكل موقف له وسيلة تصرف، واللباقة هي سيدة الموقف، لذا لا يكون المرء حرا إلا خارج الفندق، في شوارع المدينة.. حيث صخب من نوع آخر.
فى غياهب المعتقلات أعداد غير محددة من المعتقلين تتراوح بين المئات حسب تصريحات مسئولين ذوى صلة بوزارة الداخلية بينما يرتفع الرقم إلى آلاف المعتقلين حسب تقديرات الحقوقيين، وجميعهم يقضون تلك الفترة بعيدا عن إحساس الانتقال من عام إلى عام أو غيرها من مناسبات مثل الأعياد.
فى كتابها «مذكراتى فى سجن النساء» (دار الآداب، 2008) استخدمت الكاتبة نوال السعداوى فقرة تعبر فيها عن فترة اعتقالها فى العام 1981 لمدة شهر، إذ قالت: «لا يموت الإنسان فى السجن من الجوع أو من الحر أو من البرد أو الضرب أو المرض أو الحشرات، لكنه قد يموت من الانتظار،الانتظار يحول الزمن إلى اللازمن، والشىء إلى اللا شىء، والمعنى إلى اللا معنى».
يرى أحمد سيف الإسلام حمد ــ المحامى الحقوقى ــ أن أكثر التجارب صعوبة للمعتقل هى إحساسه بالانعزال عن الحياة الاجتماعية وقطع الصلات بينه وبين أهله، وكان سيف الإسلام أحد من تبنوا قضية مسعد أبوفجر أثناء اعتقاله. يقول أحمد سيف الإسلام: «من خلال تعاملى مع هذا النوع من القضايا قابلت حالات قليلة أصيبت بانهيار عصبى حاد بسبب الإهانة والعزل التام داخل السجن، خاصة أن بعض السجون شديدة الحراسة لا تسمح بالخروج من الزنزانة إلا لدقائق.. لكن حالات الانهيار تلك تعد على أصابع اليد الواحدة». هذه الحياة القائمة على العزل عن المجتمع وكسر الإحساس بالزمن والتطور لم تهزم كثيرين، أحدهم هو المعتقل السابق عبدالمنعم منيب الذى قضى 14سنة فى المعتقلات المصرية حتى أفرج عنه فى 2007، يرى عبدالمنعم منيب أن المعتقل لا يهزم السجين إلا من يستسلم، فعلى مدار سنوات اعتقاله وعزلته تطورت التكنولوجيا بدءا من ظهور الهاتف المحمول وانتهاء بظهور الانترنت بقوة على الساحة، وهى تطورات ليس لها وجود بين جدران المعتقل، يعلق قائلا: «الأمر يختلف من شخص لآخر فى إدراك ما يحدث من تطورات والإحساس باختلاف الزمن، كل شىء يعود إلى فاعلية الشخص وحيويته، عن نفسى كنت أستغل كل فرصة للتعليم حتى إن كان ذلك عن طريق سؤال المعتقلين الجدد، حاولت استكمال دراستى العليا، بعض رفاق السجن نجحوا فى الحصول على الدكتوراه بينما أخفقت أنا فى استكمال دراستى العليا، إلا أننى عوضت ذلك بمجرد الإفراج عنى». نجح عبدالمنعم بعد خروجه بأسابيع فى تعلم الانترنت وأسس مدونة باسمه وعاد إلى الصحافة من جديد.
فى كتاب الناشط السياسى السيد يوسف «مذكرات معتقل سياسى» (الهيئة المصرية للكتاب، 1999) يذكر هذه الفقرة: «بينما يحتفل العالم بليلة رأس السنة وبداية السنة الجديدة 1959 انطلقت خفافيش الظلام وزوار الليل يطرقون آلاف الأبواب، يروعون الأطفال والأمهات والزوجات من نومهم لاختطاف المناضلين من أحضان أبنائهم وزوجاتهم والزج بهم فى غياهب السجون والمعتقلات»، هكذا يصور أحد معتقلى العهد الناصرى صورة نادرة انشغل فيها المعتقل باستقبال عام جديد بالخوف من مطاردات الأمن بعيدا عن أجواء يعيشها بقية العالم.
وتحت واقع استمرار الاعتقالات حتى اليوم، يرى المحامى أحمد سيف الإسلام الصورة بشكل آخر يحفظ ــ فى الحد الأدنى ــ بعض حقوق المعتقلين إذ يقول: «فى الأوضاع الطبيعية يجب توفير مراجع للباحثين فى السجون وتعميم المكتبات، وإتاحة ممارسة الهوايات والأنشطة، لكن هذه الأمور لا تتوافر فى جميع المعتقلات خاصة شديدة الحراسة التى يخرج فيها المعتقل من زنزانته لفترات قصيرة فى اليوم، وسط أجواء مهينة تكرس الإحساس بالعزل». هذه الأجواء شبهها مسعد أبوفجر بأنها حالة «أهل الكهف» لحظة خروجهم من نومهم الطويل. وفى هذه المسافة الضيقة بين عامين قد لا يدرك قيمتها سوى من شعر بغيابها مع كل عام يمر عليه فى السجن، حيث يغيب ترف الاستمتاع بمرور الزمن ومحاسبة النفس ومراجعة الذات.
Thursday, December 16, 2010
جسد المرأة
الختان.. صراع الشهوة والعقل
كتب – عبدالرحمن مصطفى
"لم أعتبر يوما أن ما أقوله في الأحاديث العائلية ومع الأصدقاء يمثل شكلا من التوعية أو الدور الاجتماعي.. الأمر مجرد موقف من تجربة لا أرغب لأي فتاة أن تمر بها". ترى سامية (تم تغيير الاسم بناء على طلبها) السيدة الخمسينية أن أحاديثها المناهضة للختان مع الأمهات في دائرة معارفها هي شهادة حق تعبر عن قناعة تراكمت عبر سنوات منذ أن تعرضت للختان قبل أكثر من 45 سنة. ما زالت تذكر التفاصيل إذ تقول: "كان الختان واسع الانتشار بين بنات جيلي، ورغم أنني أنتمي إلى أسرة متعلمة، إلا أن جذور أسرتي الريفية كانت سببا ملحا وراء اتخاذ هذا القرار، إذ كان مجرد إجراء روتيني لفتيات العائلة..". بعض مشاهد ذلك اليوم ما زالت تتذكرها جيدا بدء من المفاجأة التي حدثت حين علمت من أخيها الأصغر أن ذلك اليوم هو "يوم الطهور" انتهاء بتفاصيل الممارسة التي تمت على يد نساء ريفيات جئن خصيصا من "البلد" بصحبة عمتها لإجراء الختان. وفي أحاديثها اليوم مع الأمهات تدور مناقشات حول أهمية الختان للفتاة، حسب عبارتها فإن "الموضوع حرج، ولا يتم التحدث عنه إلا بصورة عفوية"، ولا يتفجر الجدل في هذه المناقشات إلا حين تقرر سامية التعبير عن موقفها الرافض لهذه الممارسة، تقول: "تختلف المبررات، هناك من تبرر هذا بأنه إجراء يضبط شهوات الفتيات، ويكون ردي الوحيد هو : هل منع الختان ظهور العاهرات؟".
ترى فيفيان فؤاد من خلال خبرة العمل في المشروع القومي لمناهضة ختان الإناث بوزارة الأسرة والسكان أن ما حدث في الخمسة عشرة سنة الأخيرة يعد تطورا إذ أصبح بالاستطاعة التحدث عن أمر يخص أجساد الفتيات بعد ألاف السنين من الصمت عن ممارسة الختان. وتقول : "تراكم النقاش حول الختان هو ما قد يحدث التغيير الاجتماعي". تشير أرقام المسح الديموجرافي الصحي لعام 2008 إلى أن 91% من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عاماً خضعن للختان. ورغم النسبة الكبيرة للمختتنات في مصر إلا أن الدكتورة فيفيان تنظر إلى الجانب الإيجابي في الواقع الحالي، إذ أصبحت القضية متاحة للنقاش وموضع اهتمام، توضح قائلة : "ما لا يدركه البعض خاصة بين البسطاء أن هناك قانونا يجرم ممارسة الختان للإناث وهو قانون الطفل، كذلك فإن ما نلمسه من خلال خط تليفون نجدة الطفل 16000 أن هناك حالة من الوعي والاهتمام بدأت تظهر من خلال نوعية الأسئلة، فغالبية المتصلين هم من الباحثين عن المعلومات، خاصة في ظل انتشار المعلومات المغلوطة عن الختان".
هذا الجدل والنقاش لا يتوافر في كثير من بلدان العالم التي لا تمارس الختان من الأساس، هذا ما لمسته سامية أثناء إقامتها في إحدى الدول العربية المجاورة بصحبة زوجها وأسرتها، إذ تقول: "أثناء إقامتي خارج مصر كانت بعض الأسر المصرية تحرص على ختان فتياتهن في فترة الإجازة السنوية، بعضهن كنت أعرف أنهن تعرضن للختان من الانكسار الذي يبدو عليهن بعد العودة من مصر، وحين أقارن بينهن وبين فتيات الجاليات الأخرى، سواء اللاتي في أعمارهن أو الأكبر كنت أجد الأخريات أكثر نضارة وانطلاقا". تلك الخبرات والحوارات مع الأمهات دفعتها إلى مزيد من الاطلاع بدافع شخصي، خاصة بعد إثارة القضية في الفضائيات والإعلام، وتقول : "كانت حجة بعض الأمهات أحيانا أن الختان سنة، وكان زوجي أكثر اطلاعا في هذا الشأن، وبعد سنوات أصبحنا أكثر اطمئنانا إلى أنها عادة ليست لها علاقة بالدين". كان الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية قد أصدر فتوى بتحريم ممارسة الختان الحالية في العام 2007 عقب حادث وفاة طفلة أثناء ختانها على يد طبيبة. ورغم هذه الفتوى إلا أن هناك العديد من الذين تبنوا أراء أخرى ترفع الختان إلى مرتبة السنة لدى المسلمين، وما زالت تلك الآراء تنشر في كتيبات وفي أبحاث متاحة للتحميل على الانترنت بعضها ألفه أكاديميون من مؤيدي ختان الإناث. وأنتج الجدل الدائر وارتفاع مستوى التعليم إلى ظهور مصطلح جديد هو "تطبيب الختان"، فبينما كان الفتيات يتم تختين على أيدي مهن مثل:الداية، وحلاق الصحة، والممرضة. تشير الدراسات إلى أن الختان اليوم أصبح أكثر رواجا في العيادات مثلما تشير الأرقام، إذ كشف تقرير المسح الديموجرافي والصحي لمصر عام 2008، أن ثلاثة أرباع عمليات الختان يتم إجراؤها على أيدي كوادر طبية مؤهلة، الأمر الذي يزيد من تفشي ظاهرة تطبيب الختان لتصل إلى 77,4٪ ، في مقابل 17٪ في عام 1996. أي أن الاتجاه الحالي هو إجراء هذه العملية في العيادات الطبية. وترى الدكتورة فيفيان فؤاد أن انتقال أجساد الفتيات إلى العيادات الطبية سرا هو نوع من الانتصار بعد أن كانت تلك الممارسة قديما تقام في أجواء بهجة وفرحة للأهل رغم الآم الفتاة الصغيرة وتضررها في المستقبل وتأثير ذلك على الحياة الزوجية، وتقول: "التغيير يحدث حين تصل المعلومات الحقيقية إلى الناس.. هذا ما استنتجته من خلال نتائج العمل الميداني في الفترة السابقة أما أكبر تحدي فهو من أصحاب المصالح ومن يخلطون الدين بالسياسة، ويفسرون كل خطوة تفسيرا تآمريا، ما زال الأمل في أجيال جديدة اقتنعت بمضار هذه الممارسة، وبعضهم أصبح متطوعا لمناهضة هذه الممارسة، والرهان على هؤلاء في تغيير الأرقام ناحية انحسار الختان في مصر".
في مساحات بعيدة عن العمل الميداني وجها لوجه، داخل منتديات الانترنت، تدور نقاشات تحت أسماء مستعارة، في أحد المنتديات النسائية عنوان : قصتي مع الختان، تؤيد كاتبة الموضوع الختان لكن "بشروط"، أهمها العرض على "طبيبة مسلمة ثقة" لتحديد مدى ضرورة الختان، وتتوالى الردود بين المؤيدات اللاتي يرين فيه "تربية وأخلاق"، وأخريات يرين فيه جريمة بشعة، ولم تخلو الإجابات من دفاع لمن تعرضن للختان بأنه لا يؤثر على العلاقة الزوجية، وفي موضوع آخر في نفس المنتدى تتساءل إحداهن تحت عنوان: الختان للبنات، إن كان الختان في سن كبير بين 16 و21سنة يسبب مشكلات للفتاة، وتتوالى الردود التي فضل أغلبها الحديث عبر الايميل بعيدا عن المنتدى المفتوح للقراء، وتظهر من خلال الردود أن الختان قلق مصري، لا يشغل المعلقات من بلدان عربية أخرى. بعض الفتيات والنساء من نوعية سامية الرافضات للختان يعبرن عن رفضهن عبر الانترنت في خفاء واقتضاب، بينما تظهر نتائج البحث الأولية على محركات البحث على الانترنت أن الأكثر رواجا هي نتائج المدافعين عن الختان الأعلى صوتا.
قد لا تشارك سامية بحكم قلة خبرتها في التعامل مع الانترنت في هذه المناقشات، لكنها ما زالت متمسكة بموقفها القائم على التعامل وجها لوجه في دائرة معارفها معلنة رفضها للختان على أمل حماية جسد فتاة صغيرة ليس لها صوت كي تدافع على نفسها، وتردد عبارة واحدة قائلة : "لم أرزق ببنات، لكن لو كنت قد رزقت بهن لما سمحت لأحد بأن يمسهن إلا أزواجهن في المستقبل".
وسط مجموعة من الفتيات يرتدين الزي المدرسي تتصدر "أسماء" (11 سنة) المشهد، وفي الخلفية تشاركها زميلتها "دعاء" (13 سنة) الغناء، يردد الجميع : "يا بنت النيل يا حرة .. الختان عادة ضارة" ضمن عرض قررن تقديمه في إحدى قاعات جمعية بنت النيل بحي دار السلام. في السنوات السابقة عملت الجمعية في عدة أنشطة لخدمة سكان الحي المتواضع، أما المشروع الذي يضم كل من دعاء وأسماء وزميلاتهن فهو مشروع تحسين الظروف التعليمية والصحية والنفسية للفتيات المعرضات للختان بحي دار السلام، تقول سيدة السيد رئيسة الجمعية "الفكرة ليست فقط مقتصرة على قضية الختان، بل تنمية فتيات لم يتعرضن للختان كي يكن نموذجا لمن حولهن، لذا أحيانا ما نتواصل مع الأهل إذا ما وجدنا فتاة تتعرض للعنف الأسري، أو تعاني من تأخر دراسي".
كانت نفس القاعة قبلها بقليل قد شهدت جلسة تعقد شهريا مع الأمهات والآباء بهدف التوعية بقضايا تخص العلاقة بين الرجل والمرأة، من على المنصة توجه سيدة السيد وفردوس بهنسي أسئلة إلى الأمهات تدفعهن إلى التفكير، مثل : لو لم تقومي بعمل المنزل كم سيتكلف المجيء بعاملة تقوم بهذا الدور؟ كيف ترين صورة الرجل ؟ في آخر القاعة يشارك الحاج سمير الذي أتى بصحبة زوجته وإلى جواره أحد سكان الحي الذي جذبته الفكرة. يشارك الجميع في طرح الأسئلة والإجابات مع مديري جلسة النقاش.
يقول أحمد صديق مدير مؤسسة حماية وتنمية الطفل وحقوقه المشاركة في المشروع أن هذه الخطوات سبقتها دراسة مسحية في الحي أظهرت أن الغالبية العظمى من الفتيات يتم تختينهن بنسبة تقارب95%. إلى جوار القاعة الرئيسية بالجمعية أعمال فنية رسمت بأيدي الطالبات، ويقول أحمد صديق: "المشروع يدعم الفتيات ماديا وتعليميا، إلى جانب الرحلات الترفيهية". من ملاحظاتها لتطور سلوك الفتيات على مدار عام من العمل ترى سيدة السيد رئيس جمعية بنت النيل أن الفتيات أصبحن أكثر اهتماما بأنفسهن من قبل، وتقول : "حتى الأمهات لاحظن نفس الأمر، كما تسبب انخراط الفتيات في الأنشطة المتنوعة حالة من الحوار بين الفتيات وأهلهن". تلك الأنشطة كما يوضح المسئولون عن المشروع كان يعرقلها تخوفات الأهالي من فكرة خروج الفتيات في رحلات ترفيهية، وقلق بعض السكان المحيطين بالجمعية من الندوات التي تعقد للأهالي، يعلق أحمد صديق قائلا: :"أحد الجيران القلقين كان حاضرا معنا في ندوة اليوم، وشارك في النقاش بعد أسابيع من الحذر في المشاركة". يأمل القائمون على المشروع أن تتحول الفتيات المشاركات إلى سفراء في محيطهن، رغم تلك المحاولات ما زالت بعض الأمهات يتجهن بشكل جماعي إلى إجراء الختان على أطراف دار السلام لدى أحد الرجال المعروفين هناك، لكن تلك المواقف لم تمنع "أسماء" طالبة السنة الخامسة الابتدائية من التعبير عن موقفها وسط زميلاتها في المدرسة حين يثار الحديث حول هذا الأمر قائلة : "حين يسألنني زميلاتي عن الختان أقول بوضوح أن الختان حرام، ويجب ألا تتعرض له فتاة".
فردوس البهنسي خبيرة تنمية المجتمع، واستشارية التدريب
- ما هي ملامح نظرة المجتمع المصري للمرأة في ضوء نتائج العمل الميداني في هذا المجال؟
نستطيع تفهم تلك النظرة من خلال عبارة شهيرة تقابلنا في المناسبات هي: لا عزاء للسيدات، إذ ما زالت المرأة في موضع التابع للرجل سواء في المواقف الاجتماعية، بل حتى في النظرة إلى صاحبات المناصب السياسية، لعل الانتخابات الأخيرة كشفت بعض ملامح هذه الصورة في أن تكون المرأة مدعومة من قبل مرشح "رجل"، ما زلنا إلى حد كبير محكومين بأفكار العزوة واسم العائلة المرتبطة بإنجاب الذكور، والمفارقة أن من خبرة العمل الميداني في المشروعات المرتبطة بتنمية المرأة وجدت أن الوضع في الصعيد حيث العادات المتأصلة وما يشاع عن مقاومة التغيير الاجتماعي أفضل بكثير من "بحري" والعاصمة، الناس في الصعيد نتيجة الحرمان من التنمية في شوق إلى الحوار والتواصل. والفيصل في تغيير هذه الصورة هو التعامل الجاد من قبل النساء العاملات على هذا التغيير.
- كيف تطور وضع المرأة في المجتمع إلى ممارسات ضدها؟
تكفي نظرة إلى الإعلانات التجارية التي يكرس بعضها صورة ضعف المرأة والاستهزاء بها، لكن تلك الممارسات ليست مرتبطة ببعد واحد، فمثلا هناك تراجع بطيء في ظاهرتي ختان الإناث وزواج القاصرات، لكن على جانب آخر نجد ظواهر أخرى قد طفت على السطح مثل ظاهرتي التحرش الجنسي و استغلال فتيات الشوارع، وتلك الظواهر الأخيرة مرتبطة بشكل كبير بالحالة الاقتصادية وغياب الأماكن التي تحتوي طاقة الشباب، أما الظواهر الراسخة في المجتمع مثل الختان وزواج القاصرات فتلك تعتمد على هيبة الدولة، لأنه رغم ظهور قوانين تجرم تلك الممارسات إلا أن هناك وسائل للتحايل عليها ما زالت موجودة. بل هناك مشاكل أكبر لدي موظفي الجهاز الإداري في الدولة، كأن نجد موظفا صغيرا يتبنى النظرة الدونية إلى المرأة ويعرقل مجهودات إصدار القوانين وحملات التوعية.
- كيف يمكن التغلب على النظرة الدونية إلى المرأة في المجتمع؟
هناك عدة مجالات يجب العمل فيها لتحقيق التغيير، فمن الصعب أن نجد في مناهج التعليم دروسا للأطفال في المرحلة الابتدائية تظهر الولد بموقف بطولي، والأم في موقف هامشي، رغم أننا نعلم جيدا كيف أن هناك أمهات هي من تعيل أسرهن، وفي مجال الإعلام ما زال البعض يفتقد الوعي بأنه يكرس لاحتقار المرأة وإظهارها بصورة مهمشة أو سخيفة، كذلك هناك طريق آخر يمكن اتخاذه بالعمل على تنمية الفتيات المميزات وأسرهن، على أمل ألا يقعن في مشاكل و يصبحن نماذج لمن حولهن، هذا النموذج اعمل عليه الآن في برنامج لاختيار فتيات غير مختنات، و دعمهن وتدريبهن على الرسم والخروج في رحلات تثقيفية، وحتى مع تخوف الأهالي إلا أننا في النهاية ننجح في طمأنتهم وتعريفهم بأهدافنا.
"نجاح الموديل يتوقف على أمور ليست بيدها، مثل تقبل مصممي الأزياء لها وأن يتوافر لديها القوام الملائم للمهنة". ترى أمينة شلباية مصممة الأزياء وخبيرة التجميل أن الضغط العصبي الوحيد الواقع على عارضة الأزياء هو أن تحافظ على قوامها وبشرتها، وأن تجيد المشي برشاقة وخفة على "الممشى". عدا تلك التحديات، فغالبية العاملات في مهنة عروض الأزياء يعلمون أنهم يؤدون عملا مؤقتا، تقول أمينة شلباية: "بعض من يؤدين عروض الأزياء يعملن في بنوك وخريجات جامعات محترمة، المسألة لا تحتاج إلى تفرغ كامل، والموديل المطلوبة هي التي لها طلة مميزة على الممشى.. وهذا المجال يكاد يكون الوحيد الذي لا تصلح فيه الوساطة، لن تجد مصمم أزياء يضحى بعمله من أجل مجاملات". بعض الاتهامات أحيانا ما كانت توجه إلى فكرة استخدام الجسد كوسيط لعرض الأزياء، وشغلت تلك الفكرة بعض المفكرين في الغرب، وأهمهم كان المفكر الفرنسي جان بودريار الذي روّج لمصطلح صنمية الصورة، إذ تحدد صورة العارض والعارضة طبيعة الأزياء التي يجب أن تنتشر في المجتمع، هذا الجدل لم يشغل كثيرين في مجتمعاتنا، عدا بعض الانتقادات التي يسددها أحيانا أصحاب الاتجاهات المحافظة وهو ما دفع إلى ظهور أفكار جديدة مثل رابطة عارضات الأزياء المحجبات التي تم تدشينها على شبكة فيسبوك الاجتماعية بهدف أن تقتصر العضوية على المحجبات وتقول أمينة شلباية : "لا يوجد شيء اسمه عارضة أزياء محجبة، مهمة العارضة أن تعرض ملابس أيا كانت، بواسطة جسدها الملائم لتلك المهنة، أما نظرة المجتمع فلم تعد تتحكم في شيء، في النهاية عرض الأزياء مثل التمثيل وغيره من المهن الأخرى، بها الجيد والرديء على السواء" . حسب عبارة أمينة شلباية التي احترفت عروض الأزياء ثم انتقلت إلى التصميم وتقديم البرامج فإن "عرض الأزياء في النهاية هو سلم لمجالات أخرى وليس مجال مهني ثابت"، إذ أن تطور ملامح العارضة تجعل الأضواء تخفت عن العاملة في هذا المجال في بدايات سن الثلاثين.
رحلة البحث عن موديل في مجال عروض الأزياء تحددها معايير مهنية تقليدية، تجعل الفرصة متاحة أمام فتيات بالتحديد، كأن يتجاوز الطول 170 سنتيمتر، وأن تكون ذات ملامح مقبولة للجمهور ومصمم الأزياء، الأمر مختلف تماما في مجالات أخرى مثل الفن التشكيلي حين يبحث الفنان عن "موديل" تعينه في إتمام أعماله الفنية، ويزيد الحرج الاجتماعي على تلك الموديل التي تتعرى أحيانا أمام فنان لساعات كي ينجز لوحته. في كتاب نساء حسن سليمان (المجلس الأعلى للثقافة، 2009)، ترصد الكاتبة عبلة الرويني تلك العلاقة بين الفنان والموديل من خلال حواراتها مع الفنان التشكيلي حسن سليمان. بين ملاحظاته لبعض النساء في الأسواق والشوارع يتحولن في لحظات إلى بطلات لوحاته. يقول حسن سليمان كما نقلت عنه عبلة الرويني: "أنا لا عمري ما رسمت موديل مومس، ولا تشكل لوحاتي امتهانا للجسد، وبالعكس، الموديل دائما فخورة بجسدها ومتباهية به" هذه العبارات جاءت في تعليقه على النظرة الدونية إلى الموديل في ذلك الوقت، إذ يرى البعض – حسبما يقول- أنها مجرد امرأة سيئة السمعة تتعرى لتقبض الثمن. تلك الصورة منذ أن كان حسن سليمان ينتج لوحاته وأعماله أصبحت أكثر غموضا اليوم يعلق على ذلك سمير فؤاد الفنان التشكيلي الذي شارك حسن سليمان الكثير من المواقف، ويعلق قائلا: "أزمتنا اليوم هي غياب الموديل المحترف، في الماضي حين كان الفنانون يجتمعون في البيوت التاريخية لرسم الموديلات، كانت الواحدة منهن تشعر بأهميتها، أما اليوم فالأمر بالنسبة لها مجرد قرشين زيادة إلى جانب عملها". في معرضه الأخير الذي أقامه تحت عنوان "الجسد" كان محور أعماله حول فكرة الجسد، استعان ببعض الموديلات كي ينقل عنهن تشريح الجسد الذي يصوره، ثم يضع لمساته بعدها، اليوم قد لا يستطيع الوصول إلى نفس الموديل التي رسمها قبل سنوات، حسب عبارته: "قد تجد رقم الهاتف قد تغير، أو قد لا تبدي أخرى اهتماما بالحضور والالتزام بالمواعيد، المشكلة الأكبر هي أن الغالبية لا تقدر أن جسدها جزءا هامة من إنتاج عمل فني".
Thursday, December 9, 2010
دفتر أحوال العلم والعلماء
وحين عادت إلى مصر اتجهت للعمل لعدة سنوات فى برنامج الأمم المتحدة الإنمائى بالبرنامج الإقليمى للإيدز فى الدول العربية، لكن تخصصها الأصلى وجهها إلى جنيف حيث تعمل حاليا فى شبكة العالم الثالث وهى منظمة غير حكومية، ومن خلال وجودها هناك أصبحت أكثر قربا من تخصصها فى مجال الصحة.
تعلق قائلة: «ليس معنى أن يكون تخصصك جديدا أو مهما أن تجد نفسك مضطرا إلى الهجرة إلى الغرب، كل تخصص جديد يمكن الاستفادة منه إذا ما كانت هناك نية للتطوير، وقتها ستشعر بأنك تصنع فارقا بالعلم الذى قضيت سنوات فى دراسته، لكن للأسف هناك شىء فى مصر يعرقل هذا تماما، خاصة مع ازدياد روح الأنانية والفردية على حساب تحقيق المنفعة العامة.. أقول هذا رغم أنى عملت مع شخصيات فى مصر أدين لها بالفضل الكبير فى حياتى».
عدد ليس بالقليل من الكفاءات المصرية اتجه إلى الخارج بحثا عن التقدير وإمكانية الاستفادة من تخصصاتهم، وهو ما أسفر عن وجود أكثر من 450 ألف مصرى فى الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبى وكندا وأستراليا من «الكفاءات العلمية» حسب توصيف دراسة أصدرتها أكاديمية البحث العلمى قدرت خسائر مصر من نزيف العقول بما يجاوز 45 مليار دولار.
بعض من يخوض تجربة السفر إلى الخارج بحثا عن العلم أو تطوير كفاءته يعود مرة أخرى إلى مصر مثلما اختارت هبة أن تعود باحثة عن فرصة لممارسة تخصصها البحثى، إلا أن المهاجر العائد أكثر جرأة على البحث عن هجرة جديدة، إذ يذكر تقرير «الهجرة العصرية للمصريين» الصادر عن وزارة القوى العاملة والهجرة أنه تزداد نية الهجرة لدى المهاجرين العائدين وخاصة بين النساء العائدات. ويشير التقرير إلى أن جميع المؤشرات تؤكد أن من خاضوا تجربة الهجرة الدولية هم الأكثر عرضة لخوض التجربة مرة أخرى أكثر من غيرهم.
تقول هبة ونيس: «الكثير من أصدقائى خططوا للهجرة منذ سنوات لأنهم لا يرون مستقبلا فى مصر ويريدون لأولادهم بلدا أفضل، أنا ضد الهروب والسفر لغرض تغيير البلد وكأن كل المشاكل ستحل فى أى مكان آخر، لأننا هنا أيضا نواجه مشاكل ثقافية وعنصرية وغيرها». بعد تجربة السفر والإقامة فى بلدين أوروبيين هما اسكتلندا وسويسرا، رصدت هبة ما كانت تفتقده فى مصر، وتوضح ذلك: «ما ألاحظه هنا، خاصة بحكم نظرتى كشخص يعمل فى مجال التنمية أن البلاد الغربية تعمل على الاستثمار فى الموارد البشرية والتعليم لأنه أساس المستقبل، كذلك تعمل على توظيف العقول المميزة فى أماكنها السليمة وربط العلم باحتياجات المجتمع».
تذكر موقفا تعرضت له أثناء إعدادها رسالة الماجستير حين واجهت قلة المعلومات عن الصناعات الدوائية فى مصر فطلبت من إحدى الجهات فى مصر بحثا لم تستطع فتح رابطه على الانترنت، فوجئت بهذا الرد «التقرير تمت إزالته لأسباب سياسية» تعلق على ذلك قائلة: «هناك مشكلة فى الوصول إلى المعلومات، خاصة حين تطلبها بنفسك فتثير الشكوك بطلبك، المفاجأة أن لى صديقا عزيزا أرسل إلى الأبحاث بعد ما شكيت له».
الجذور مصرية والفرصة أمريكية
تنتمى هبة إلى أحدث أجيال الهجرة إلى الخارج، سواء كانت هجرة مؤقتة أو دائمة، وتضع الدكتورة اعتماد علام ــ أستاذ علم الاجتماع بكلية البنات فى جامعة عين شمس ــ أسبابا رئيسية تدفع أصحاب الكفاءات إلى الهجرة خارج البلاد، وتلخص ذلك فى أن عدم وجود حركة فكرية واضحة تحتوى ذوى الكفاءات العلمية، يزيد من إحساسهم بالاغتراب والإحباط وعدم التقدير.
وترصد فى ورقة بحثية تحت عنوان «الأبعاد الاجتماعية لهجرة الكفاءات العلمية المصرية للدول المتقدمة»، تطور الخلفيات الاجتماعية لحركة هجرة الكفاءات العلمية فى مصر، إذ كانت الفترة بعد الثورة حتى عام 64 مشحونة بالوعى القومى إلى جانب توافر الكثير من القيود على السفر إلى الخارج عدا الإعارات المنظمة، وانتقالات محدودة من الرأسماليين الذين أحسوا بانعدام الأمان فى مصر الاشتراكية! لكن بعد هزيمة عام 67 وتراجع معدل النمو الاقتصادى من 6.5% إلى 2% واتجاه الأموال إلى المجهود الحربى زادت المعوقات التى تقف ضد تطوير مهارات أصحاب الكفاءات، خاصة مع غياب الفرص أمامهم، ونتيجة هذه التطورات تم إقرار الهجرة الدائمة والمؤقتة بشكل معلن فى دستور عام 71، وهو ما أثر بشكل واضح على معدلات الهجرة إلى الخارج.
وتذكر الدراسة أن أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء رصدت أن 9% فقط كانوا يفضلون البقاء فى الخارج قبل عام 73، لكن النسبة ارتفعت بين عامى 73 و78 لتصل إلى 40% بقوا خارج مصر. هذه الفترة هى التى أنتجت عددا من الباحثين العالميين أمثال العالم أحمد زويل وفاروق الباز وغيرهما من العلماء الذين توجهوا إلى الولايات المتحدة فى نهاية الستينيات، وفى كتاب عصر العلم (دار الشروق، ط12، 2010)، يذكر العالم المصرى أحمد زويل أسباب شغفه بالدراسة فى أمريكا قائلا : «لم تكن الولايات المتحدة وقتذاك فى وضع يسمح لها بأن تكون صديقة حميمة لمصر،... ومع ذلك فقد عقدت العزم على أن أذهب إلى الولايات المتحدة وأستكمل دراستى فيها، لأننى أعرف أن أفضل الأبحاث فى مجال تخصصى كانت تجرى هناك».
كذلك كان الدكتور زويل متعلقا بأساتذته الذين تصادف أن عددا كبيرا منهم طور مهاراته بسبب دراسته فى أمريكا، ولا يخفى أنه «فى ظل النكسة وشعور اليأس العارم والظروف الاقتصادية المضطربة والكئيبة قرر عدد كبير من خريجى الجامعات، مكرهين، الهجرة».سجل زويل فى ثنايا كتابه بعض المقارنات بين الجامعة التى عمل بها فى أمريكا ومناسبات حضرها فى مصر قبل حصوله على نوبل ولمس أثناءها عدم الانضباط. ورغم نجاح هذه الشخصيات وتحققها فى الخارج إلا أن إطلالتهم على بلادهم أحيانا ما تثير الشجن، كان أوضح مثال على ذلك مقال «جيل الفشل» الذى كتبه العالم المصرى فاروق الباز عام 2006 بجريدة الشرق الأوسط بادئا إياه بعبارة: «فشل جيلى فشلا ذريعا فى تحقيق آمال الشعب العربى». ويصف هذا الجيل بأنه «الذى تتلمذ بالمدارس والجامعات حتى أعلى المستويات فى الخمسينيات والستينيات»، داعيا إلى تأسيس جيل جديد مسلح بالثقة المتولدة عن العلم.
تعد مصر من أكثر الدول العربية التى تعانى من هجرة العقول والكفاءات، ويشير التقرير الإقليمى لهجرة العمل العربية لعام 2008 إلى أن مصر فى عقد التسعينيات كانت أكثر الدول العربية عرضة لاستنزاف عقولها وكفاءاتها، إذ كانت تمثل نسبة 22% من حجم هجرة العقول العربية فى العام 1990 مقارنة بنسبة 17.5% فى العام 2000، وأغلب هذه الكفاءات تتجه إلى دول العالم المتقدم فى أمريكا وأوروبا.
هذه الملاحظة رصدتها هبة ونيس بحكم عملها فى منظمة مهتمة بالعالم النامى، ولاحظت أن هجرة الكفاءات ليست حكرا فقط على مصر أو العالم العربى، بل هو أمر يمتد إلى دول أخرى فى الظروف نفسها. ومن موقعها الحالى فى جنيف، لا تخفى حيرتها من المجتمع فى مصر الذى يواجهها بعدم تقبل هجرة الفتيات للعمل فى الخارج، لذا تتابع أخبار مصر بشكل دائم، وتشعر بقلق على التغييرات التى تطرأ على البلد، والتفكير فى مدى توافر وظائف مناسبة فى حالة العودة، وتعلق على ذلك: «أنا فى جنيف للعمل الآن، وأستطيع البقاء هنا لفترة طويلة أن أخترت ذلك، ومن الواضح أننى سأختار الاستقرار هنا، على الأقل فى هذه المرحلة من حياتى.
**
أما النقطة الأهم أن العمل يدار بمنطق «الميزانية الصفرية Zero budget» أى الاعتماد على الحد الأدنى من الإمكانيات والتكاليف، واستئجار قاعات خارجية، بسبب غياب الدعم عن جمعيتهم، ويعلق تامر قائلا: «حين طلبنا دعما من أكاديمية البحث العلمى، اقترحوا علينا مبلغ 500 جنيه سنويا لإصدار مجلة تابعة للجمعية». تقدر ميزانية البحث العلمى فى مصر بمبلغ مليارى جنيه، يذهب 80% منها لرواتب أعضاء هيئات التدريس والإداريين، حسب تصريحات حديثة لرئيس أكاديمية البحث العلمى. لهذه الأسباب يدين تامر بالفضل إلى خلفية عمله التطوعى فى جمعية رسالة الخيرى، وهى الجمعية نفسها، التى عمل بها إكرامى محمد (31 سنة) لسنوات عديدة قبل أن يتجه إلى تأسيس مبادرة مختلفة إلى حد ما. لم يلتق إكرامى مع تامر أثناء عملهما فى نشاط جمعية رسالة، إلا أنه يتفق معه فى عدد من النقاط، شارك إكرامى قبل عدة سنوات فى التطوع للتدريب داخل جمعية رسالة فى مجال الكمبيوتر بحكم عمله كمصمم مواقع.
وأثناء الدورات كان الأمر محكوما بقاعات محدودة العدد ومكان ثابت، لكن قبل أكثر من عام وجد أن الأفضل هو إتاحة كل تلك المعرفة على الإنترنت من خلال موقع شامل دشنه فى الصيف الماضى تحت اسم «يلا علم»، ويقول إكرامى: «كانت الفكرة هى نشر المعرفة بواسطة متطوعين من داخل مصر وخارجها، وكانت أغلب اجتماعاتنا الأولى عبر الإنترنت، ويعمل كل متطوع على إعداد موضوع ضمن تخصصه، ثم ننشره على الإنترنت، على أمل تكوين موقع موسوعى ومتخصص».
يؤكد إكرامى أن هناك الكثير من المشاكل، التى تواجهه للاستمرار فى الفكرة، يذكرها: «الهدف بعيد المدى هو أن يتحول الموقع إلى بوابة إلكترونية مكونة من عدة مواقع فى اللغات والعلوم الإنسانية والكمبيوتر وغيرها من العلوم، وفى النهاية نؤسس مركزا ينشر المعرفة مجانا، فى جميع فروع المعرفة، ويقوم على ذلك متطوعون متخصصون، على أمل أن نسهم فى إقامة نهضة فى مجتمعنا، لكن على أرض الواقع أحيانا يتفرغ أحد المتطوعين لعدة ساعات أسبوعيا لكتابة مادة نضيفها للموقع، ويحدث ألا يشعر باستجابة لجهده، خاصة أننا ما زلنا فى المرحلة الأولى من تدشين الموقع، والمؤسف أن البعض تفتر همته بعد قليل، أو تغلبه ظروفه».
مهمة شيرين.. انتقاء المتطوعين
تشارك إكرامى هذا الحلم زميلته شيرين بدر، وتتركز مهمتها فى انتقاء المتطوعين بحيث يكونون متخصصين فى مجالهم، خاصة أن الهدف حسبما يشير إكرامى «ليس هدفنا تعليميا، إنما تنويريا، وصنع تراكم من المعرفة والمعلومات يثرى المحتوى العربى على الإنترنت». وسط زحام المواقع والمنتديات المتخصصة، لا يخفى إكرامى قلقه، لكنه يصر على البقاء مع حلمه حتى النهاية. هل تعبر هذه المبادرات الشابة عن تيار يصارع للظهور داخل مجتمع غير متحمس للعلم حسبما يؤكدون؟ لم تجد الدكتورة يمنى طريف الخولى ــ أستاذة فلسفة العلوم بكلية الآداب فى جامعة القاهرة ــ سوى استعارة مبدأ علميا قديما لنيوتن قائلة: «فى الماضى كان العالم يؤمن بقانون العلة والمعلول لنيوتن، أى لكل نتيجة سببها، لكن الواقع الآن أكثر تعقيدا من ذلك».
توضح الدكتورة يمنى كلامها بأن ظهور مثل هذه المبادرات لا يتصل بسبب وحيد أو علة واحدة، وإنما مجموعة أسباب: «هذه التجارب الواعدة تتصل بشكل كبير بطبيعة العصر، لم يعد التعامل مع العلم مقتصرا كما كان على التجارب المعملية، اليوم مع دخول التكنولوجيا واتقان اللغات، أصبح الوصول إلى المعرفة أيسر، وكذلك إعادة تقديمها بواسطة مبادرات على هذه الشاكلة». وتؤكد الدكتورة يمنى أن الأمر ليس بالبساطة المتوقعة إذا ما حاولت هذه المبادرات أن تنمو، هناك تحديات متعلقة بالتمويل، وأخرى تتعلق بالكفاءات المطلوبة لتنمية هذه المبادرات.
فى تجربة الجمعية المصرية لشباب العلماء خاض تامر ورفاقه هذه التجربة مؤخرا حين أرادوا الصعود إلى مستوى أعلى فى الدورات التدريبية التى يقدمونها، إذ يطمحون فى الورشة القادمة أن تكون متخصصة فى مجال الخلايا الجذعية، يقول تامر صبرى: «تحدثنا مع بعض الأساتذة الأكاديميين وبعضهم أبدى حماسه، لكن ما نخشاه هو كيفية إدارة مثل هذه الخطوة، وضرورة التفرغ لها من جانبنا ومن جانب المتطوعين، لتقديم خدمة حقيقية للمهتمين بهذا المجال المهم». تعود الدكتورة يمنى الخولى لتطرق خلفيات أخرى تعرقل المناخ العلمى والبحثى فى مصر: «لا أريد أن أبدو متشائمة لكن القيم الاستهلاكية وعلاقات الزملاء فى مجال البحث وضعف روح الفريق، كلها تحديات تواجه هذه المبادرات الشابة». تقارن يمنى الخولى المتخصصة فى دراسة تاريخ العلم بين ظروف نبوغ بعض العلماء الذين ظهروا فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى والفترة الحالية، إذ تقول: «هناك أزمة يتسبب فيها الإعلام أحيانا، فى الفترة الذهبية التى ظهر بها علماء فى الأربعينيات كانت القيم السائدة تضع كل شخص فى محله، لن أدعى أن العالم مصطفى مشرفة أو غيره من العلماء قد تلقوا تقديرا زائدا فى ذلك العصر، لكن الثورة الإعلامية الحالية تجعل نجوم الفن والكرة فى المقدمة، فى الماضى على سبيل المثال لم يكن الاهتمام بشريحة النجوم ليضع طه حسين ومصطفى مشرفة مع محمود شكوكو وإسماعيل يس فى مرتبة واحدة بحكم أنهم فى النهاية نجوم مجتمع. الحقيقة أن مفهوم النجومية وارتباطه بالثراء والشهرة ضلل كثير من الشباب الآن، ولم يعد التقييم على أساس خلفية الشخص ومدى إسهاماته».
«يلا علم»
فى تلك الأجواء يحاول تامر وزملاؤه فى الجمعية المصرية لشباب العلماء التواصل مع أكاديميين أغلبهم أنتج أبحاثه فى الخارج وعاد مكتفيا بالعمل الأكاديمى أو البحثى فقطـ، كذلك يبحث تامر ورفاقه عن جيل جديد من المتطوعين، إذ إن أغلب المؤسسين من جيل واحد قاربوا على الثلاثين الآن، يقول تامر: «نحن فى حاجة إلى أن يكون العلم فى دائرة الضوء». هذه العبارة اتفق معها إكرامى ــ صاحب مبادرة موقع «يلا علم» ــ إذ عاشها بعد ازدياد عدد زوار موقعه الناشئ إلى ما يزيد على الأربعة أضعاف بعد أن أشار الكاتب معتز بالله عبدالفتاح إلى هذه المبادرة فى مقال تحت عنوان «شباب جاد فى مجتمع غير جاد» (جريدة الشروق ــ 10 أكتوبر الماضى)، لكن سرعان ما عادت أرقام الزوار كما كانت، يعلق إكرامى: «نعمل على تسويق الموقع فى شبكة فيس بوك الاجتماعية لجذب المتطوعين، ونشر الموقع». فى الجمعية المصرية لشباب العلماء يطمح تامر وزملاؤه فى تقديم ورشة عن الخلايا الجذعية خلال الأشهر المقبلة، بينما يعلن إكرامى فى موقع «يلا علم» أن موعد التدشين الرسمى واكتمال الموقع فى أول يونيو من العام المقبل، وكلاهما متمسك بتحقيق رؤية المشروعين، حتى لو بعد حين.
**
تثير قلة الإقبال على الدراسات العلمية البحتة مثل الرياضيات أسئلة طرحها بعض طلاب كلية العلوم أنفسهم حول مدى أهمية الدراسات العلمية لدى الشباب، وفى مجموعة كلية العلوم بجامعة القاهرة على شبكة فيسبوك الاجتماعية، طرح أحد الطلبة هذا السؤال : «ليه دخلتو كلية العلوم؟»، فجاءه الرد من طالب آخر ذكر فيه: «لنكن صريحين.. من منا كان يفكر أصلا فى كلية العلوم. كل منا كان له غايات وأهداف أخرى.. طلاب علمى علوم كانت أهدافهم طب وصيدلة، وكذلك طلاب علمى رياضة كان هدفهم أيضا هندسة وحاسبات، ولكن قدر الله وما شاء فعل».
لا تخفى هذه العبارات على الدكتور محمد زيدان الذى تخرج فى دفعة العام 1975 حين كان معه فى القسم نحو 120 طالبا، فى تلك الفترة من سبعينيات القرن الفائت لم تكن بعض الشعب الحديثة قد أنشئت بعد. يعلق قائلا: «الطالب فى الماضى كان أكثر جدية من الآن، إذ ينشغل الطالب اليوم بالعديد من وسائل الاتصال والترفيه، إلى جانب ضغوط الحالة الاقتصادية التى تعتصر بعض الطلبة وتجعلهم يفكرون بعيدا عن تحصيل العلم، كذلك.. فإن شعبة مثل الرياضيات المنفردة ليس بها فرصة أمام الطالب للعمل فى المجال البحثى سوى فى التعيين معيدا بالجامعة».
يرى الدكتور محمد زيدان أن تراجع الإقبال على دراسة الرياضيات بشكل منفرد سببه ضعف الحركة البحثية فى مصر بشكل عام، إذ يعتمد عمل هذه الشريحة من الدارسين على وجود فريق بحثى مكون من عدة تخصصات، يكون أحدهم خريج شعبة الرياضيات. وسط مجموعات طلبة أقسام الرياضيات فى كليات العلوم على شبكة فيس بوك الاجتماعية تتنوع تعليقات الطلبة واهتماماتهم، بين من يسجل تعليقا يعد فيه زملاءه بنشر إجابات «الشيت» على الانترنت، وآخر فى مجموعة اتحاد طلبة كليات علوم مصر يضيف روابط لمنح دراسية للخريجين، بينما اختار بعض الطلبة فى قسم الرياضيات بجامعة إقليمية وضع نكات لتسلية الزوار وعبارات عن الحب والعلاقات الإنسانية. وسط هذا الزحام يقرر أحدهم طرح سؤال جاد فى مجموعة طلبة كلية العلوم بجامعة القاهرة قائلا: كيف أصبحت صورة العلماء فى الإعلام العربى هى صورة لشخص مجنون؟ كيف يمكننا تغيير هذه الصورة فى أعين الشباب؟ حملت الإجابات بعض المرارة، إذ يقول مصطفى: «الإعلام العربى بيضيع الصورة الحقيقية للعلماء العرب وكمان بيساعد على تعقيد الأطفال والشباب اللى لسه ماتحددش مصيرهم». تدخل زميلته هناء فى إجابة أخرى قائلة: «الناس أساسا ما تعرفش الكليات العلمية بيبقى نظامها إيه وبتخرج ناس المفروض يبقى صفاتها إيه فى المجتمع.. المفروض يبقى فيه توعيه عن العلم والكليات العلمية والعلماء». يدرك الدكتور محمد زيدان هذه الجزئية معلقا: «ربما نكون فى حاجة للتعريف أكتر بنوعية الدراسة». ورغم بعض الإحجام من الطلاب على دراسات من نوعية «الرياضيات» إلا أن خريج كلية العلوم من وجهة نظر الدكتور زيدان يعد عملة جيدة، حسب عبارته «بعيدا عن قلة عدد الطلبة فى دراسة الرياضيات، إلا أن ما سيفتقده من أعرض عن هذا التخصص هو تغير طريقة التفكير إلى الأفضل.. هذه الدراسة أقرب لأسلوب حياة».
Thursday, December 2, 2010
الخان والوكالة..فنادق العصور الوسطى
كتب – عبدالرحمن مصطفى
لم يبد صاحب محل بيع الموازين في شارع خان جعفر بحي الحسين اهتماما كبيرا بالحديث عن أصل التسمية، يحيط به عدد من الشوارع والآثار التي تحمل اسم "خان" و "وكالة"، اكتفى بعبارة مقتضبة: "خلاص مفيش حاجة متبقية غير الاسم بس، مفيش خان دلوقت هنا". لم يبتعد كثيرا عن الواقع عدا أنه ما زالت هناك أثار للخانات والوكالات متواجدة حوله في حي الجمالية والدرب الأحمر حتى اليوم. قبل مئات السنوات كانت أجواء العمل مختلفة تماما في هذا المكان، إذ كان الخان والوكالة هما عصب الحياة الاقتصادية في القاهرة. "الخان ليس فندقا تقليديا حسب المفهوم الحديث، بل مقر تجاري لاستلام الصفقات التجارية وتسويقها، في الأسفل أماكن للدواب وفناء مكشوف تتراص حوله المتاجر، وتباع السلع وسط هذا الصحن، أما في الأعلى فهناك المخازن ومساكن للتجار المغتربين". يوضح الدكتور حسين رمضان الأستاذ في كلية الآثار بجامعة القاهرة كيف كانت ملامح الصورة الأولى لفكرة الفندق التي اعتمدت بشكل أساسي على النشاط التجاري. سواء كان الاسم "خان"، أو "وكالة" أو "قيسارية". كما عرفت كلمة الفندق في العهد المملوكي حسبما ذكرها المؤرخ المقريزي في كتاب المواعظ والاعتبار (طبعة مكتبة مدبولي، 1997) الذي أرخ فيه للعديد من الخانات والوكالات والفنادق. كان أهمها خان الخليلي الذي تعود تسميته إلى الأمير المملوكي "جهاركس الخليلي". وحسبما تذكر الدكتورة نيللي حنا أستاذة التاريخ العثماني بالجامعة الأمريكية في كتاب "تجار القاهرة في العصر العثماني، مكتبة الأسرة، 2007" فإن إنشاء الوكالات والخانات هو أمر تصدى له العديد من كبار التجار كنوع من "الاستثمار في البنية الأساسية التي تدعم النشاط التجاري في المدينة"، وتعرضت في كتابها لنموذج إسماعيل أبو طاقية شاهبندر التجار في العصر العثماني، أما ما تبقى من سيرته فهو الشارع الذي يحمل اسمه حتى اليوم جوار سوق الصاغة.. "شارع خان أبو طاقية". إذ يقع على مسافة غير بعيدة من شارع خان جعفر السابق، أما في الداخل فيبدو شارع خان أبو طاقية أقرب إلى حارة ضيقة لا تعبر عن أجواء الماضي بسبب ازدحام المحلات اليوم بكثير من السلع المتعددة، بدء من الملابس انتهاء بالمشغولات الذهبية، يوضح الدكتور حسين رمضان هذا التغير قائلا : "لا يمكن مضاهاة الشوارع التي استضافت هذه الخانات بالواقع الآن، إذ كانت المواصلات تعتمد على الدواب، أما اليوم فكي نعرف العرض الأصلي لتلك الشوارع فعلينا البحث عن أثر مقابل يدلنا على عرض تلك الشوارع، وهو ما لا يتوافر في كل الحالات". منذ ذلك العصر حتى العصر الحديث تطورت فكرة الفندق، خاصة مع ظهور عصر محمد علي وسياسة الاحتكار وانشاء المصانع التي أثرت على فكرة ارتباط الورش بالوكالة والسوق بشكل مباشر، إلى جانب تغير وسائل المواصلات وشكل الحركة التجارية في مصر. تلك التغييرات اتخذت شكلا آخر رصده الكاتب الراحل نجيب محفوظ في كتاب (نجيب محفوظ صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته، مركز الأهرام للنشر، 1989) حين تحدث عن "خان جعفر" الذي عرف فيه السينما أثناء ارتياده سينما "الكلوب المصري" التي كانت ملحقة بفندق شهير آنذاك تأسس في بداية القرن الماضي، وهو ما يبرز اختلاف وظيفة الفنادق فيما بعد عن وظيفة الخان القديم الذي لم يعد يبحث أحد عن ذكراه. ورغم زوال بقايا تلك الحقب التاريخية إلا أن تسمية الخان ظلت ضيفة على مجال آخر هو الأدب، إذ ألف نجيب محفوظ نفسه رواية تحت اسم "خان الخليلي"، وحتى اليوم ما زال خان مسرور محفورا في حكايات ألف ليلة وليلة رغم هدمه قبل مئات السنين. وهو الذي وصفه المقريزي بفندق مسرور. ويرى الدكتور حسين رمضان أن سيرة الفنادق القديمة لم تزل تماما، ما زالت أسماء أصحابها تزين أسماء الشوارع والأحياء، وكذلك الحال مع الوكالات التجارية التي تحول بعضها إلى مراكز ثقافية مثل وكالة الغوري في حي الدرب الأحمر.
Thursday, November 4, 2010
سنة أولى قاهرة
وفى كتابه «الأيام» الذى دون فيه ذكرياته يسجل فصولا عن تجربة الانتقال من الريف إلى المدينة فى الصغر، حيث افتقد مهابة العلم فى الريف التى نشأ عليها، وبعد سنوات من هذه الرحلة ووصوله إلى منصب وزير المعارف فى العام 1950 عاد طه حسين إلى القضية نفسها، التى عانى منها فى صغره بعد انتقاله إلى القاهرة، داعيا إلى مجانية التعليم وأن يكون «مثل الماء والهواء» بين الناس.
تلك المفارقات التى خلقها التنقل بين الريف والمدينة فى الصغر صنعت قضايا لشخصيات أخرى كانت أكثر نفوذا، منها شخصية الرئيس السادات، إذ وفد هو الآخر فى صغره إلى القاهرة، وظل تأثير الاختلاف بين قريته «ميت أبو الكوم» فى محافظة المنوفية وأحياء القاهرة عالقا فى ذهنه، حتى دونه فى مذكراته التى كتبها تحت عنوان «البحث عن الذات» (المكتب المصرى الحديث، 1979).
ورغم أنه قضى سنوات فى الخدمة العسكرية والحياة داخل القاهرة وخارجها فإن تمسكه الشديد بالجذور الريفية انعكس إلى حد ما على سياساته فى ذلك الوقت أو حسبما ترى الدكتورة سلوى شعراوى جمعة فى كتابها الدبلوماسية المصرية فى عقد السبعينيات، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1988)، فإن السادات كان يحرص على أن يقدم نفسه كعمدة فى أدائه السياسى، وقد انتقده محللون آخرون على استخدامه تعبيرات من نوعية «أخلاق القرية» أو «العيب» فى خطابه السياسى.
وتكشف مذكرات الرئيس الراحل بعض هذه الأسباب، وخاصة فيما سجله من انطباعات أولية عن القاهرة فى قوله: «هكذا كانت حياتى طوال مدة تعليمى بالقاهرة، سلسلة من المقارنات أو المفارقات بين المدينة والقرية.. لكنها لم تكن فى أى وقت فى صالح المدينة بأى حال من الأحوال، على العكس أشياء كثيرة أزعجتنى فى القاهرة»، هذه الفقرة قد تعبر عما اختزنه الرئيس الراحل نتيجة انطباعاته عن القاهرة وكيف حاول نقل هذا إلى خطابه السياسى.
النشأة القاهرية التى يعيشها أطفال لا ينتمون إلى المدينة لم يمر بها الرئيس السادات وحده بين الزعماء العرب، بل عاشها الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات، إذ عاش فى بيئة قاهرية تشكلت فيها نواة حياته القادمة، وفى كتاب «من القلب هوى فلسطين» (تيميلى دومى لون جنيف باريس 2009) تنقل المؤلفة إيزابيل بيزانو عن شقيقة الرئيس الراحل أنه كان يمارس دور القائد العسكرى مع أطفال الحى الذين كانوا يطيعونه.. وتنقل المؤلفة عن حارسة العقار الذى نشأ فيه أنه كان كثير التسكع فى شوارع الحى، لكن النشأة القاهرية الرحبة لم تكن سببا مباشرا فى ظهور زعيم فلسطينى، لكن أسبابا أخرى كانت هى الأهم على رأسها دور ياسر عرفات بين الطلاب الفلسطينيين فى القاهرة، وهو ما أهل بعضهم إلى أن يكونوا رفقاء نضال فيما بعد. وبعد سنوات من هذه الرحلة لم يبتعد «أبوعمار» عن القاهرة وحتى وفاته ظل فى مرتبة الزعامة مثلما كان يقوم بالدور نفسه فى شوارع حى السكاكينى بالقاهرة.
**
قد لا يجد البعض مثل هذه العبارات البليغة التى اختارها الروائى إبراهيم عبدالمجيد للتعبير عن انتمائه لمدينة الإسكندرية ومقارنتها بالقاهرة، قد يكون البديل لدى من هم أقل فصاحة فى عبارات من نوع آخر، تكثر مثل العبارات، التى نجدها على الانترنت حيث المساحات الرحبة لتسجيل جميع الانطباعات، حتى إن كانت أقل عذوبة. على موقع «جوجل» داخل قسم خدمة الإجابات الذى يرتاده أصحاب الأسئلة المتنوعة طرح أحدهم سؤالا: ما الفرق بين القاهرة والإسكندرية فى الأجواء الاجتماعية والسياحية؟ فتوالت الإجابات على شاكلة: «الإسكندرية أرقى من القاهرة، القاهرة كلها زحمة»، وإجابات أخرى لا تخلو من المرح مثل «قاهرة مين والناس نايمين بعد الإسكندرية مفيش». وعلى مواقع أخرى تأتى الإجابات بالنبرة نفسها، التى تمجد الإسكندرية على حساب القاهرة، مثل عبارة ألقى بها أحدهم يقول فيها: «الإسكندرية روعة المفروض هى اللى تكون العاصمة»! مثل هذه العبارات يكتبها العابرون داخل الانترنت بحرية أكبر من الواقع، سواء داخل شبكة الفيس بوك الاجتماعية أو فى مدونات على الانترنت.
«هناك مبالغات فى إسباغ صورة مثالية للإسكندرية بشكل قد يثير السخرية فى بعض الأحيان، خاصة أن أغلب كاتبى هذه العبارات على الإنترنت من الشباب، ولم يعيشوا حين كانت المدينة متعددة الثقافات والجنسيات»، العبارة لهيثم الشاطر الطالب فى كلية هندسة بجامعة الإسكندرية.
اختار هيثم قبل سنوات أن ينشئ مدونة تحت عنوان «بنيكة شاى»، ولم يخف اتجاهه منذ البداية فى الكتابة عن الإسكندرية وتفاصيلها، بداية من اختيار اسم مدونته الذى يعنى بالعامية «نصبة شاى»، انتهاء باختيار موضوعات تتناول حياة المهمشين والمواطنين العاديين فى المدينة. لا يخفى هيثم انطباعاته عن القاهرة إذ يرى أن الحياة بها «رديئة وتثير الدهشة خصوصا لمن لم يغادر الإسكندرية من قبل». قد تبدو عباراته هادئة مقارنة بآخرين سجلوا انطباعات ساخنة عن زياراتهم لمدينة القاهرة، فقبل عدة أعوام اشتهرت إحدى المدونات يحررها مجموعة من الشباب السكندرى اختاروا أن يكون عنوانها «إسكندرانية». وكتب أحدهم قبل عامين عن انطباعات شاب سكندرى عن القاهرة قائلا: «عارف إن مميزات القاهرة أكتر من إسكندرية بكتير بس فى نفس الوقت عارف إنه كإسكندرانى أصيل عيب أوى إنه يفارق البحر ويروح يعيش فى الزحمة والتلوث والدوشة والوشوش المتعصبة فى الشوارع»، بينما كتب آخر عن كرهه للسفر إلى القاهرة فى حين أنه مضطر الآن إلى العيش داخل هذه المدينة. هذه التجربة، التى خاضتها مجموعة من الشباب فى مدونة مشتركة، انتهت بفقدانهم الحماس كى يواصلوا التدوين عن الموضوع نفسه، واستمرت هذه المناقشات حول الموضوع نفسه بواسطة آخرين فى ساحات الفيس بوك. وأحيانا ما تحتد النقاشات بين من هم أكثر حماسا للإسكندرية ضد القاهرة، وهو ما لفت أنظار البعض لهذا النقاش.كان أحد هؤلاء الكاتب الشاب محمد ربيع الذى كتب على مدونته فى مرات متفرقة عن أحياء القاهرة، واضطر فى أوقات أخرى إلى الدخول فى هذا الجدل الذى أسفر عن نتائج مختلفة، إذ يقول: «كنت أتابع مدونة إسكندرانية التى كانت تمثل ظاهرة وسط المدونات قبل عدة سنوات، وكنت أتقبل انطباعات كاتبى هذه المدونة، وربطتنى صداقة ببعضهم، لكن ما لفت نظرى هو الحفاوة الشديدة بالكلمات السكندرية وأحاديث الحنين لمن هم فى اغتراب».
لم يكن محمد ربيع وحده الذى يتابع كتابات الشباب السكندرى عن نفسه، فقد فرضت المدونات حالة من التنوع جعلت الجميع يطلع على الجميع، لكن مع التحول إلى الفيس بوك أصبحت طريقة التعبير أكثر اختصارا وأشد قوة. وهو ما لفت نظر البعض إلى تعليقات كثيفة تجاوزت حد التعبير عن الانتماء إلى الإسكندرية وأصبحت أقرب إلى الهوس، وتأسيس مجموعة تحمل روح المبالغة فى التعبير عن الهوية، بل وأحيانا استخدام عبارات معادية للقاهرة، خاصة لمن اضطر إلى العمل أو السفر إلى القاهرة. يقول محمد ربيع: «فى الانترنت أحيانا ما يتيح المجال للادعاءات». فى مدونته القديمة كتب ربيع نصا ساخرا عن هذه المبالغات فى التعبير عن حب الإسكندرية، ولاقى إعجاب أصدقائه القاهريين والسكندريين على السواء. لكن بعيدا فى مجموعات أخرى على شبكة فيس بوك الاجتماعية انشغل آخرون بقضايا أخرى، خاصة ما يحدث للمدينة على أيدى زوار المدينة. وفى مجموعة تحت عنوان: «ارحموا أهل الإسكندرية يرحمكم الله»، يعرض مؤسس المجموعة لقطة أخرى تفسر حساسية البعض، ويقول: «معظم شقق الإسكندرية على البحر مغلقة لأن ملاكها من خارجها لا يأتونها إلا أياما معدودة، فهل هذا يجوز بالله عليكم.. تعالوا إلينا زائرين سنحملكم فوق رءوسنا فليس شرطا أن تكون من ملاك الإسكندرية، ارحمونا يا أهل الأقاليم يرحمكم الله فكفا ما عندكم من أطيان فى ريفكم فلا تضيقوا علينا وتهجرونا من مدينتنا الحبيبة التى هى أغلى عندنا من أرواحنا»، هذه الحساسية، التى تظهر تجاه زوار المدينة تختلف عن حالة الإعجاب بصورة متخيلة عن المدينة حيث ترتبط الأذهان بعالم الخواجات وصيادين بحرى والعمارات ذات الطرز الغربية.
يرى هيثم الشاطر أن التعصب لصورة غير واقعية للمدينة أمر غير واقعى، فالإسكندرية حسب رأيه هى مدينة معقدة، فيها مناطق لا تمت بصلة لصورة المدينة الحالمة ذات الطابع الأوروبى، بل إن أغلبية السكان ليس لديهم شعور قوى بالانتماء للمدينة، وحتى بعض الأحياء ذات السمعة الأسطورية مثل المنشية وبحرى ووسط البلد قد أصبحت جزءا من الحياة اليومية ولا تختلف عن القاهرة إلا فى مستوى الزحام، ويعلق قائلا: «أركز فى الكتابة عن المناطق العشوائية واستخدم لغتهم الحادة.. لا أقدم مدينة تعيش فيها الجاليات القديمة ممتعضة من الوضع الحالى، لأن ذلك بعيد عن الواقع، وأغلب ردود الأفعال التى أتلقاها داعمة لهذا النهج فى رصد أحوال المدينة بهدف تصحيح صورتها المغلوطة فى الأذهان».
فى كتابه «غواية الإسكندرية» يضع الكاتب إبراهيم عبدالمجيد حلا يرضى جميع من انشغلوا بهذه المدينة، سواء بالدفاع عن صورة فى أذهانهم أو بتحطيم صور نمطية أخرى، إذ يقول: «ستجد سكندريات.. لكل سكندريته، وكل سكندرية متجاوزة للحقيقة وأحيانا بل غالبا للخيال المتاح».